← Фикх общий

Фикх общий · id 35096

الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة

حسين العوايشة

Полный текст (2 752 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإِليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما بالعكس وإليه ذهب أبو حنيفة. وفي تفسير "ابن كثير": في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾: قدّم الفقراء هاهُنا على البقيّة؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة فاقتهم وحاجتهم. قال ابن كثير ﵀: "واختار ابن جرير وغير واحد؛ أنَّ الفقير هو المتعفّف الذي لا يسأل الناس شيئاً، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويَتْبَع الناس شيئاً". وإلى هذا تميل نفسي؛ لقوله ﷺ : "ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكنّ المسكين الذي لا يجد غنىً يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس". وهذا فيه التعريف السائد للمسكين في المجتمع، وجاء الشرع ليُلغي المعنى، لا ليُلغي التعريف، كقوله ﷺ : "ليس الشديد بالصُّرَعة (١)، إِنّما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢). وكقوله ﷺ : "أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إِنّ المفلس من أمتي؛ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذَف هذا، وأَكل مال هذا، وسَفَك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإِنْ فنيت حسناته، قبْل أن يُقْضى

стр. 947

ما عليه، أخذ من خطاياهم فَطُرِحت عليه، ثم طرح في النار" (١). وكقوله ﷺ : "ما تَعُدّون الرَّقوب فيكم؟ قلنا: الذي لا يولد له، قال: ليس ذاك بالرقوب، ولكنّه الرجل الذي لم يُقدِّم من ولده شيئاً" (٢). قال ابن الأثير في "النهاية": "الرقوب في اللغة: الرجل والمرأة إِذا لم يَعِش لهما ولد، لأنّه يرقب موته ويرصُده؛ خوفاً عليه، فنَقله النّبيّ ﷺ إِلى الذي لم يقدّم من الولد شيئاً أي: يموت قبله؛ تعريفاً أنّ الأجر والثواب لمن قدَّم شيئاً من الولد، وأنّ الاعتداد به أكثر والنفع به أعظم ... ومن لم يُرزق ذلك؛ فهو كالذي لا ولد له، ولم يقُلْه إِبطالاً لتفسيره اللغوي" (٣). ويمكننا أن نقول هذا في حديث: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان"، فهذا هو المعنى اللغوي وهو الواقع الاجتماعي، ولم يقُل النّبيّ ﷺ مقولته ليبطل تفسيره اللغوي. ولهذا يمكننا أن نقول عن المسكين: إِنه الذي يُفطن له بالصدقة ويسأل الناس، وطالما سأل الناس وفُطن له بالصدقة فإِنه واجدٌ ما يُغنيه، فجاء الحديث ليُبيّن الأَوْلى منه بالصدقة وهو مَنْ لا يسأل الناس، ولا يُفطن له بالصدقة، ولا يجد ما يُغنيه. وقد قال الله تعالى: ﴿للفقراء الذين أُحصِروا (٤) في سبيل الله لا

стр. 948

يستطيعون ضَرْبَاً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفُّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إِلحافاً (١)﴾ (٢). فالفقراء إِذن قد تكون عندهم موانع تمنعهم من التكسّب، أو أنهم لا يستطيعون ذلك أصلاً لبعض الأسباب، ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، بعكس الذي يطوف على الناس؛ تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. وهم لا يسألون الناس إِلحافاً بعكس من يسأل كما في قوله ﷺ : "ولا يقوم فيسأل الناس ... ". وفي حديث: "ليس المسكين ... " قال الحافظ (٣/ ٣٤٣): "وفيه دلالة لمن يقول: إِنّ الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وأنّ المسكين الذي له شيء لكنّه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له ... ويؤيده قوله تعالى: ﴿أمّا السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ (٣) فسمّاهم مساكين مع أنّ لهم سفينة يعملون فيها، وهذا قول الشافعي وجمهور أهل الحديث والفقه. فإِنْ قلتَ: قد جاءت الآيات الكثيرة في الحض على إِطعام المسكين، فلماذا لم يكن ذلك في الفقير وهو أولى؟ قلتُ: الفقير والمسكين كلاهما من أهل الحاجة، الذين يشرع التصدّق

стр. 949

عليهم، ولكن جاء التوبيخ والتقريع لمن لم يقدّم العون الواجب؛ لمن تكون حاجته ظاهرة وهو المسكين، كقوله تعالى: ﴿ولا يحضُّ على طعام المسكين﴾ (١). وكقوله تعالى: ﴿ولا تحاضّون على طعام المسكين﴾ (٢). والخُلاصة؛ أنّ الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وهذا نابع من تعفّفه وعدم سؤاله الناس، ولا يفطن الناس له في صدقاتهم؛ فيحتاج إِلى مثابرة في التعرّف على هذا النوع؛ لرفع الجهل المنبوذ الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف﴾ (٣). وهذا لا ينفي جواز الصدقة على المسكين كما في قوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ ولكن معرض الكلام في بيان أصناف المحتاجين وبيان الأولى في ذلك، لذلك قال ابن كثير: وإنما قدّم الفقراء هاهُنا على البقية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدّة حاجتهم. ولهذا فهناك خصوص وعموم بين المسكين والفقير، فالفقير أعمّ والمسكين أخصّ، فكلّ مسكين فقير، وليس كلّ فقير مسكيناً، وهو كقولنا: كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمناً، قال الله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلَمنا ولمّا يدخل الإِيمان في

стр. 950

قلوبكم﴾ (١). والله -تعالى- أعلم. المالك الذي لا يجد ما يفي بكفايته (٢) من ملَك نصاباً، من أيّ نوع من أنواع المال -وهو لا يقوم بكفايته، لكثرة عياله، أو لغلاء السعر- فهو غنيّ؛ من حيث أنّه يملك نصاباً؛ فتجب الزكاة في ماله، وفقير من حيث أنّ ما يملكه لا يقوم بكفايته، فيُعطى من الزكاة كالفقير. قال النووي: ومن كان له عقار، ينقص دخله عن كفايته؛ فهو فقير يُعطى من الزكاة تمام كفاية، ولا يُكلف بيعه. وفي "المغني": قال الميمون: ذاكَرت أبا عبد الله -أحمد بن حنبل- فقلت: قد يكون للرجل الإِبل والغنم؛ تجب فيها الزكاة وهو فقير، وتكون له أربعون شاة، وتكون له الضّيعة لا تكفيه، فيعطى الصدقة؟ قال: نعم، وذلك لأنه لا يملك ما يُغنيه، ولا يقدر على كسْب ما يكفيه، فجاز له الأخذ من الزكاة. كما لو كان ما يملك، لا تجب فيه الزكاة. ٣ - العاملون عليها: وهم: الجباة والسعاة؛ يستحقّون منها قِسطاً على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله ﷺ الذين تحرم عليهم الصدقة. فعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث؛ أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله ﷺ ليستعملهما على الصدقة، فقال: "إِنَّ الصدقة لا تنبغي

стр. 951

لآل محمّد. إِنّما هي أوساخ الناس" (١). وفي رواية: "إِنّ هذه الصدقات إِنَّما هي أوساخ الناس؛ وإنها لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد" (٢). ويجوز أن يكونوا من الأغنياء؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلّ الصدقة لغنيّ إِلا لخمسة: للعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّق عليه؛ فأَهْدَى منها لِغَنيّ" (٣). ولحديث عبد الله بن السعدي: "أنه قدِم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أُحدَّث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً، فإِذا أُعطيتَ العُمالة (٤) كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر: ما تريد إِلى ذلك؟ قلت: إِنَّ لي أفراساً وأعبداً (٥) وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمالتي صدقة على المسلمين.

стр. 952

قال عمر: لا تفعل، فإِنّي كنت أردتُ الذي أردتَ، فكان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إِليه منّي، حتى أعطاني مرّة مالاً فقلت: أعطه أفقر إِليه مني، فقال النّبيّ ﷺ خُذهُ فتموّله وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال -وأنت غير مشرف (١) ولا سائل- فخذه، وإِلا فلا تُتبِعه نفسك" (٢). وينبغي أن تكون الأجرة بقدر الكفاية (٣). فعن المستورد بن شداد، قال: سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة، فإِن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً، فإِن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً". قال: قال أبو بكر: أُخبِرت أنّ النّبيّ ﷺ قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غالٌّ أو سارق (٤) " (٥).

стр. 953

وبوَّب ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٧٠): (باب إِذْن الإِمام للعامل بالتزويج، واتخاذ الخادم والمسكن من الصدقة)، ثمّ ذكر حديث المستورد بن شدّاد ﵁. قال في "المغني" (٢/ ٥١٨): "ويُعطى منها أجر الحاسب والكاتب والحاشد والخازن والراعي ونحوهم، فكلّهم معدودون من العاملين عليها؛ ويُدفع إِليهم من حصة العاملين عليها". ٤ - المؤلفة قلوبهم: والمؤلفة قلوبهم أقسام: منهم من يُعطى لِيُسْلم؛ كما أعطى النّبيّ ﷺ صفوان بن أميّة من غنائم حُنين؛ وقد كان مُشركاً. فعن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح -فتح مكة- ثمّ خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحُنين، فنصَر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أميّة مائة من النعم، ثمّ مائة، ثمّ مائة. قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أنَّ صفوان قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إِليَّ، فما برِح يعطيني؛ حتى إِنه لأحبّ الناس إليَّ" (١). وعن أنس ﵁ قال: "ما سُئل رسول الله ﷺ على الإِسلام

стр. 954

شيئاً إِلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجَع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلِموا، فإِنّ محمّداً يعطي عطاءً؛ لا يخشى الفاقة". وفي رواية: "أنّ رجلاً سأل النبيّ ﷺ غنماً بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله! إِنّ محمّداً ليعطي عطاءً؛ ما يخاف الفقر فقال أنس: إِنْ كان الرجل ليُسْلِم ما يريد إِلا الدنيا، فما يُسْلِم حتى يكون الإِسلام أحب إِليه من الدنيا وما عليها" (١). ومنهم من يُعطى ليحسن إسلامُه، ويثبّت قلبه كما أعطى يوم حنين أيضاً جماعة من صناديد (٢) الطلقاء وأشرافهم مائة من الإِبل وقال: "إِني لأُعطي الرجل وغيره أحبّ إِليّ منه، خشية أن يكبّه الله في النار" (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بعث علي ﵁ وهو باليمن، بذهبة (٤) في تربتها (٥)، إِلى رسول الله ﷺ فقسَمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعُيينة بن بدر (٦) الفزاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير (٧) الطائي، ثم

стр. 955

أحد بني نبهان. قال: فغضبت قريش فقالوا: أيُعطي [أتُعطي] صناديد نجد ويدعنا؟ [وتدعنا] فقال رسول الله ﷺ : إِنّي إِنّما فعلْتُ ذلك لأتألَّفهم" (١). ومنهم من يُعطى لما يُرجى من إِسلام نظرائه. ومنهم من يُعطى ليجبي الصدقات ممّن يليه، أو ليدفع عن المسلمين الضرر. قال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٤٠): "قال: -أي: أبو جعفر الطبري ﵀: ... والصواب أن الله جعل الصدقة في معنيين: أحدهما: سد خلّة المسلمين. والثاني: معونة الإِسلام، وتقويته. فما كان معونة للإِسلام، يُعطى منه الغني والفقير، كالمجاهد ونحوه، ومن هذا الباب يُعطى المؤلفة، وما كان في سد خلّة المسلمين". وسألت شيخنا ﵀: يقول بعض العلماء: إِعطاء المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة قد سقط بانتشار الإِسلام وغلبته، وقال آخرون: الظاهر جواز التأليف عند الحاجة إِليه، فهل ترون الأخير؟ فأجاب ﵀: "بلا شكّ".

стр. 956

٥ - وفي الرقاب (١): وأمّا الرقاب؛ فرُوي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيّان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعرى نحوه، وهو قول الشافعي والليث. وقال ابن عباس (٢) والحسن (٣): لا بأس أن تُعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق؛ أي: أنَّ الرقاب أعمّ من أن يُعطى المكاتَب (٤) أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالاً، وقد ورد في ثواب الإِعتاق وفكّ الرقبة أحاديث كثيرة، وأنَّ الله يعتق بكل عضو عضواً من مُعتِقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلاَّ لأنَّ الجزاء من جنس العمل: ﴿وما تُجزون إِلاّ ما كنتم تعملون﴾.

стр. 957

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة كلّهم حقٌّ على الله عَوْنه: الغازي في سبيل الله، والمكاتَب الذي يريد الأداء، والنَّاكح الذي يريد التعفف" (١). وعن البراء قال: "جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله! علّمني عملاً يدخلني الجنة؟ قال: لئن كنت أقصرت الخُطبة لقد أعرضت المسألة (٢)، أعتق النسمة (٣)، وفُكَّ الرقبة، قال: أو ليستا واحداً؟ قال: لا؛ عتق النسمة أن تعتق النسمة، وفكّ الرقبة أن تعين على الرقبة ... " (٤). ٦ - الغارمون: وهم الذين تحمّلوا الديون، وشقّ عليهم أداؤها، وهم أقسام: منهم من تحمَّل حَمَالةً (٥)، وضمن ديناً فلزِمه فأَجْحَف (٦) بماله، أو غرِم

стр. 958

في أداء دينه، أو في معصية ثمّ تاب، فهؤلاء يُدفع إِليهم. والأصل في هذا الباب؛ حديث قبيصة بن مُخارق الهلالي قال: "تحمَّلت حَمالة، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. قال: ثمّ قال: يا قبيصة! إِنّ المسألة لا تحلّ إلاَّ لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حَمالة؛ فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثمّ يمسك، ورجل أصابته جائحة (١) اجتاحت (٢) ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قِواماً (٣) من عَيْش (أو قال: سِداداً (٤) من عيش) ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه (٥)؛ لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلّت له المسألة حتى يصيب قِواماً من عيش (أو قال: سِداداً من عيش) فما سواهنّ من المسألة، يا قبيصة! سُحتاً (٦)

стр. 959

يأكلها صاحبها سُحتاً" (١). ويُعطى الغارم بقدْر حاجته لا أكثر؛ لحديث قبيصة بن مُخارق: " ... حتى يُصيب قِواماً من عيش (أو قال: سِداداً من عيش) فما سواهُنّ من المسألة يا قبيصة؛ سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً". قال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٧٢): "باب الدليل على أنّ الغارم الذي يجوز إِعطاؤه من الصدقة وإن كان غنياً، هو الغارم في الحمالة، والدليل على أنه يُعطى قدر ما يؤدي الحَمالة لا أكثر". ثم ذكَر حديث قبيصة بن مخارق السابق. ٧ - وفي سبيل الله (٢) قال ابن كثير ﵀: "وأمّا في سبيل الله، فمنهم الغُزاة الذين لا حقّ لهم في الديوان (٣)، وعند الإِمام أحمد والحسن وإسحاق، والحجّ في سبيل الله للحديث". يشير بذلك إِلى حديث ابن عباس ﵄ قال: "أراد رسول الله ﷺ الحجّ، فقالت امرأة لزوجها: أحِجَّني مع رسول الله ﷺ ، فقال: ما عندي ما أحِجُّكِ عليه، قالت: أحِجّني على جملك فلان! قال: ذاك حبيسٌ (٤) في سبيل الله .

стр. 960

فأتى رسول الله ﷺ فقال: إنّ امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك! قالت: أحِجّني مع رسول الله ﷺ ، فقلت: ما عندي ما أُحِجّك عليه، فقالت: أحِجّني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: "أما إِنك لو أحْجَجْتها عليه كان في سبيل الله". قال: وإنها أمَرتني أن أسألك: ما يعدل حَجة معك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أقرِئها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبِرها: أنها تعدل حَجَّة معي" -يعني- عمرة في رمضان" (١). قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة" تحت الحديث (٢٦٨١): "وأمّا (سبيل الله) في آية مصارف الزكاة ﴿إنما الصدقات﴾، فهي في الجهاد وفي الحج والعمرة". وقال شيخنا في "تمام المِنّة": -بعد قول ابن كثير-: " .. وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية فقال في "الاختيارات": "ومن لم يحجّ حَجّة الإِسلام وهو فقير؛ أُعطي ما يحجّ به، وهو إِحدى الروايتين عن أحمد. ورواه أبو عبيد في "الأموال" رقم (١٩٧٦) عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهماً في سبيل الله، فقيل له: أتُجعل في الحج؟ فقال: أما إِنه في سبيل الله. وإسناده صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٥٨). وروى أبو عبيد رقم (١٧٨٤ و١٩٦٥) بسند صحيح عن ابن عباس

стр. 961

-﵄: "أنه كان لا يرى بأساً؛ أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج وأن يعتق الرقبة" (١). وتقدّم الحديث: "لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلاَّ لخمسة: للعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصدِّق عليه؛ فأَهدى منها لغني". وعن أبي لاس الخزاعي ﵁ قال: "حمَلنا رسول الله ﷺ على إِبل من إِبل الصدقة ضعاف للحجّ ... " (٢). هل بناء المستشفيات الخيرية العامّة وإِعداد الدعاة إِلى الإِسلام والنفقة على المدارس الشرعية ... ونحو ذلك من "سبيل الله "؟ جاء في "تمام المِنّة" (ص٣٨٢) بتصرف: " [إِنّ] تفسير الآية بهذا المعنى الواسع الشامل لجميع الأعمال الخيرية مما لم يُنقل عن أحدٍ من السّلف -فيما علِمت- وإن كان جَنَح إِليه صدّيق حسن خان في "الروضة الندية"، فهو مردود عليه. ولو كان الأمر كما زعم، لما كان هناك فائدة كبرى في حصْر الزكاة في المصارف الثمانية في الآية الكريمة، ولكان أن يدخل في (سبيل الله) كلّ

стр. 962

أمر خيري مِثل بناء المساجد ونحوها، ولا قائل بذلك من المسلمين. بل قال أبو عبيد في "الأموال" فقرة (١٩٧٩): "فأمّا قضاء الدين عن الميت، والعطية في كَفَنه، وبنيان المساجد، واحتفار الأنهار، وما أشبه ذلك من أنواع البرّ، فإِنّ سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء؛ مُجمِعون على أنّ ذلك لا يجزي من الزكاة، لأنّه ليس من الأصناف الثمانية". ٨ - ابن السبيل: قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وكذلك ابن السبيل، وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره؛ فيعطى من الصدقات ما يكفيه إِلى بلده، وإِنْ كان له مال. وهكذا الحُكم فيمن أراد إِنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه. والدليل على ذلك الآية، وما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلّ الصدقة لغني إلاَّ لخمسة: ... ". وذكَر الحديث المتقدّم. وعند مالك وأحمد؛ ابن السبيل المستحق للزكاة، يختصّ بالمجتاز دون المنشئ ولا يعطى من الزكاة من إِذا وجد مُقِرضاً يُقرِضه وكان له من المال ببلده، ما يفي بقرْضه، فإِن لم يجد مُقرِضاً، أو لم يكن له مال يقضي منه قرضه، أعطي من الزكاة". وقول مالك وأحمد هو الراجح -والله أعلم-. لأنه ليس للإِنسان أن

стр. 963

ينشئ السفر إِذا لم يكن قادراً عليه إِلا إِذا كان مضطراً لذلك، وإيفاء القرض أولى من قَبول الزكاة، ولو جازت لابن السبيل الغني لجاء ذلك في الحديث المتقدّم: "لا تحلّ الصدقة لغني إِلا لخمسة ... " ولم يذكر منها ابن السبيل. والله -تعالى- أعلم. هل يجب استيعاب الدفع إِلى جميع مصارف الزكاة ؟ لا يجب ذلك لأنَّ الآية ذكَرت الأصناف لبيان المصرف؛ لا لوجوب استيعابها. جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٤٠): "قال الإِمام أبو جعفر الطبري: عامّة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها، ووضْعها في أي الأصناف الثمانية شاء، وإنّما سمّى الله الأصناف الثمانية؛ إِعلاماً منه أنّ الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إِلى غيرها، لا إِيجاباً لقسمتها بين الأصناف الثمانية". وجاء في "تفسيرابن كثير": "وقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية؛ هل يجب استيعاب الدفع لها، أو إِلى ما أمكن منها؟ على قولين: (أحدهما) أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة. (والثاني) أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إِلى واحد منها، ويعطى جميع الصدقة؛ مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف؛ منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون ابن مهران.

стр. 964

قال ابن جرير وهو قول عامّة أهل العلم، وعلى هذا؛ فإِنما ذُكِرت الأصناف هاهنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعابها". وجاء في "الروضة الندية" (١/ ٥٠٣): " ... نعم إِذا جمع الإِمام جميع صدقات أهل قُطر من الأقطار، وحضَر عنده جميع الأصناف الثمانية، كان لكلّ صنف حقٌّ في مطالبته بما فرضَه الله، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية، ولا تعميمهم بالعطاء. بل له أن يعطي بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض؛ إِذا رأى في ذلك صلاحاً عائداً على الإِسلام وأهله. مثلاً: إِذا جُمعت لديه الصدقات وحضَر الجهاد، وحقّت المدافعة عن حوزة الإِسلام من الكفار أو البغاة؛ فإِنّ له إِيثار صِنف المجاهدين بالصرف إِليهم؛ وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إِذا اقتضت المصلحة إِيثار غير المجاهدين". إِذا اجتمَع في واحد أكثر من سبب لأخذ الزكاة قال في "المغني" (٢/ ٥١٨): "وإن اجتمع في واحد أسباب تقتضي الأخذ بها؛ جاز أن يعطى بها، فالعامل الفقير له أن يأخذ عُمالته، فإِن لم تُغنه فله أن يأخذ ما يُتمّ به غناه، فإِنْ كان غازياً فله أخذ ما يكفيه لغزوه، وإِن كان غارماً أخذ ما يقضي به غرمه؛ لأنّ كلّ واحد من هذه الأسباب؛ يُثبت حُكْمه بانفراده فوجود غيره لا يمنع ثبوت حُكمه؛ كما لم يمنع وجوده".

стр. 965

من تحرُم عليهم الزكاة (١) ١ - أهل الكفر والإِلحاد لقوله ﷺ لمعاذ في الحديث المتقدّم: " ... فأخبِرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقةً، تُؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم". والمراد أغنياء المسلمين وفقراؤهم. قال في "المغني" (٢/ ٥١٧): "لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنّ زكاة الأموال لا تُعطى لكافر ولا لمَمْلوك. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أنّ الذّمّي لا يعطى من زكاة الأموال شيئاً، ولأن النّبيّ ﷺ قال لمعاذ: "أعلِمهم أنّ عليهم صدقة تُؤخَذ من أغنيائهم، وتُرَدّ في فقرائهم". فخصَّهم بصرفها إِلى فقرائهم كما خصَّهم بوجوبها على أغنيائهم". ويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم كما تقدّم. ويجوز أن يعطوا من صدقة التطوّع، قال الله تعالى: ﴿ويُطعمون الطعام على حبِّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ (٢). جاء في "أضواء البيان" (٨/ ٦٧٥): "في قوله تعالى: ﴿مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ جمْعُ أصنافٍ ثلاثة: الأول والثاني: من المسلمين غالباً، أمّا

стр. 966

الثالث: وهو الأسير؛ فلم يكن لدى المسلمين أسرى إلاَّ من الكفّار، وإنْ كانت السورة مكية؛ إِلا أن العِبرة بعموم اللفظ كما هو معلوم. وقد نقَل ابن كثير عن ابن عبّاس: أنها في الفُرْس من المشركين وساق قصّة أُسَارَى بدر. واختار ابن جرير أنّ الأَسْرى هم الخَدم، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنّ الأُسَارى هنا على معناها الحقيقي، لأنّ الخدم لا يخرجون عن القسمين المتقدمين: اليتيم والمسكين، وهؤلاء الأُسَارى بعد وقوعهم في الأسر، لم يبق لهم حَوْل ولا طَوْل، فلم يَبق إِلا الإِحسان إِليهم. وهذا من محاسن الإِسلام وسمو تعاليمه، وإنّ العالم كله اليوم؛ لفي حاجة إِلى معرفة هذه التعاليم السّماويّة السّامية حتى مع أعدائه، وقد قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدّين ولم يُخرِجوكم مِن دياركم أن تبرُّوهم وتُقسطوا إِليهم﴾ (١)، وهؤلاء بعد الأسْر ليسوا مقاتلين". وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "قَدمت عليّ أمّي، وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيتُ رسول الله ﷺ ، قلت: إِنَّ أمّي قَدِمت وهي راغبة، أفأصِل أمّي؟ قال: نعم، صِلِي أمّك" (٢). وفي الحديت: "تصدّقوا على أهل الأديان" (٣).

стр. 967

قال شيخنا ﵀: ويشهد للحديث ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: وذكر الحديث. ثمّ قال -رحمه الله تعالى-: " ... وترجم له [أي: البيهقي] ولحديث الترجمة بقوله: "باب صدقة النافلة على المشرك وعلى من لا يُحمَد فِعله" هذا في صدقة النافلة. وأمّا الفريضة فلا تجوز لغير المسلم لحديث معاذ المعروف: "تؤخذ من أغنيائهم، فتردّ على فقرائهم ... ". ٢ - بنو هاشم وبنو المطّلب . لحديث المطلب بن ربيعة بن الحارث المتقدّم: " ... إِنّ الصّدقة لا تنبغي لآل محمّد، إِنما هي أوساخ الناس" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ : كَخ كَخ (٢) ارم بها؛ أما علمتَ أنّا لا نأكل الصدقة" (٣). واختلف العلماء في بني المطلب، فذهب الشافعي إِلى أنه ليس لهم

стр. 968

الأخذ من الزكاة؛ مثل بني هاشم. فعن جبير بن مُطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفّان إِلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أعطيْت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : إِنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحد". قال الليث: حدثني يونس وزاد: "قال جُبَيْر: ولم يَقسِم النبي ﷺ لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. وقال ابن إِسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إِخوة لأمّ وأمّهم عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم" (١). قال ابن حزم ﵀ في "المُحلّى" (٦/ ٢١٠): "فصحّ أنّه لا يجوز أن يُفرَّق بين حُكمهم في شيء أصلاً؛ لأنهم شيء واحد بنصّ كلامه ﵊ فصحّ أنهم آل محمّد، وإذ هم آل محمّد فالصدقة عليهم حرام". وكما حرَّم رسول الله ﷺ الصدقة على بني هاشم؛ فقد حرّمها كذلك على مواليهم وهم الأرقاء المعتقون. فعن أبي رافع ﵁ "أنّ النبي ﷺ بعَث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا حتى آتي رسول الله فأسأله. فانطلق إِلى النبي ﷺ فسأله فقال: "إِنّ الصدقة لا تحلّ لنا، وإِنّ موالي

стр. 969

القوم من أنفسهم" (١). قال شيخنا ﵀ في "الصحيحة": "وما دلّ عليه الحديت من تحريم الصدقة على موالي أهل بيت النبي ﷺ ؛ هو المشهور في مذهب الحنفية؛ خلافاً لقول ابن الملك منهم. وقد ردّ ذلك عليه العلاّمة الشيخ علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩) فليراجعه من شاء". ٣ - من تجب عليهم النفقة من قِبل المزكّي ؛ كالأبناء والأبوين ونحو ذلك، وسيأتي التفصيل بإِذن الله -تعالى-. زكاة من لا تجب نفقتهم أمّا إِذا لم تجب النففة عليهم؛ فإِخراج الزكاة عليهم أَوْلى. عن زينب امرأة عبد الله قالت: "كنت في المسجد فرأيت النبي ﷺ فقال: تصَدّقْن ولو من حُليِّكنَّ -وكانت زينب تُنفق على عبد الله وأيتام في حجرها- فقالت لعبد الله: سَلْ رسول الله ﷺ ؛ أيَجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيْتَامي في حَجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ . فانطلَقْتُ إِلى النبي ﷺ فوَجَدْت امرأة من الأنصار على الباب؛ حاجتها مثل حاجتي، فمرّ علينا بلال فقلنا: سَل النبي ﷺ أيجزي عني أن أُنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تُخْبِر بنا.

стр. 970

فدخل فسأله فقال: من هما؟ قال: زينب، قال: أيُّ الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله، قال: نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة" (١). وفي حديث سلمان بن عامر عن النبي ﷺ قال: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصِلَة" (٢). ومن الأمثلة على جواز إِعطاء الزكاة لمن لا تجب نفقتهم: الولد المتزوّج الذي يعيش في بيت مستقل عن أبويه؛ وكلٌّ مستقلٌّ بنفقته على نفسه. جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٩٠): "وسئل ﵀ عن دفْعها إِلى والديه، وولده الذين لا تلزمه نفقتهم؛ هل يجوز أم لا؟ فأجاب: الذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف يأخذ لحاجته؛ كالفقير والغارم لمصلحة نفسه. وصنف يأخذها لحاجة المسلمين: كالمجاهد والغارم في إِصلاح ذات البين، فهؤلاء يجوز دفْعها إِليهم، وإِن كانوا من أقاربه. وأما دْفعها إِلى الوالِدين: إِذا كانوا غارِمَين، أو مكاتبين: ففيها وجهان، والأظهر جواز ذلك. وأمّا إِن كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، فالأقوى جواز دفعها إِليهم في هذه الحال".

стр. 971

وجاء في "الاختيارات الفقهية" (ص ١٠٤): "ويجوز صرف الزكاة إِلى الوالديْن وإنْ علَوْا، وإلى الولد وإن سَفل، إِذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض المقاوم؛ وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وكذا إِنْ كانوا غارمين أو مُكاتبين، أو أبناء سبيل؛ وهو أحد القولين أيضاً. وإذا كانت الأمّ فقيرة؛ ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضرُّ بهم؛ أُعطيت من زكاتهم. والذي يخدمه إِذا لم تكفه أجرته؛ أعطاه من زكاته؛ إِذا لم يستعمله بدل زكاته، ومن كان في عياله من لا تجب عليه نفقتهم، فله أن يعطيهم من الزكاة ما يحتاجون إِليه؛ ممّا لم تَجْرِ عادته بإِنفاقه من ماله". وقال ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ١٠٩): " (باب صدقة المرء على ولده ... ) ثمّ روى بإِسناده حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أنّ رجلاً تصدّق على ولده بأرض، فردّها إِليه الميراث، فذكَر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له: "وجب أجرك ورجع إِليك مُلكك" (١). وسألت شيخنا ﵀ عن الزكاة على الأقارب. فقال: لا تجتمع زكاة ونفقة. وسأله بعضهم: أتصحّ زكاة البنت الغنية على والديها؟ فأجاب ﵀: لا؛ يجب عليها النفقة.

стр. 972

وسأله بعضهم: هل يجب على الوالد أن يُنفق على ولده الفقير المتزوّج؟ فقال: "نعم". وأجاب شيخنا ﵀ أحد السائلين في موطن آخر: "نحن نرى جواز إِعطاء الفرع للأصل، والعكس إِذا كانوا لا يعيشون مع بعض، ولا يُنفق أحدهما على الآخر. فإِذا كان الوالد مع بقية أولاده يعيشون مستقلّين، وأحد الأبناء يعيش بمفرده وهو غنيّ؛ فله أن يقدّم زكاة ماله وزكاة فطره لأبيه وإخوانه. أمّا إِذا كان هو المسؤول عنهم في الإِنفاق؛ فهنا يُقال نفقة وزكاة لا يجتمعان، فلا يجوز أن تعطى الزكاة لمن يُنفَق عليه. أمّا إِذا كان الأب وأولاده يعيشون بمفردهم مستورين -كما يقال- فيجوز لهذا الولد الغني أن يعطي زكاة ماله لأبيه وإخوته الفقراء". الزكاة على الزوجة لا يجوز دفع الزكاة إِلى الزوجة؛ لأنّ نفقتها تجب على زوجها. ونقَل ابن قدامة ﵀ في "المغني" (٢/ ٥١٣) الإِجماع على ذلك قائلاً: "وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ الرجل لا يُعطي زوجته من الزكاة؛ وذلك لأنَّ نفقتها واجبة عليه، فتستغني بها عن أخْذ الزكاة، فلم يَجُز دفعها إِليها". إلاَّ إِذا كانت غارمة فتُعطى من سهم الغارمين. وسألت شيخنا ﵀: هل يجوز للرجل أن يدفع لزوجته الزكاة إِذا

стр. 973

كانت مدينة من باب الغارمين؟. فقال: "إِذا لم يكن للنفس حظٌّ في الموضوع، فهي أَوْلى". وقال مرّة أخرى: "ليس الغارم كلّ مديون، وإنّما هو الذي استدان لِحلّ مشكلةٍ للآخرين، فهذا يعطى من مالِ الزكاة. أمّا إِذا استدان شخص لمصلحته الخاصة؛ فإِنه لا يُعطى كونه غارماً، بل يُنظر أفقير هو أم لا". هل تَدْفَع الزوجة الزكاة لزوجها ؟ يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها إِلى زوجها، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وطائفة من أهل العلم. فعن أبي سعيد ﵁: "خرج رسول الله ﷺ في أَضْحىً أو فِطر إِلى المصلّى، ثمّ انصرف، فوعظ الناس وأمَرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس: تصدقوا. فمرّ على النساء فقال: يا معشر النساء تصدّقن فإِنِّي رأيتكنَّ أكثر أهل النار، فقُلن: وبمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: تُكْثِرْن اللَّعن وتكفُرن العَشير (١) ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبّ الرجل الحازم من إِحداكنّ يا معشر النساء. ثمّ انصرف فلما صار إِلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن

стр. 974

عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب فقال: أيُّ الزّيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود قال: نعم؛ ائذنوا لها فأُذِن لها. قالت: يا نبيّ الله! إِنك أمرتَ اليوم بالصدقة، وكان عندي حُلِيٌّ لي فأردت أن أتصدَّق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقّ مَن تصدَّقْتُ به عليهم. فقال النّبيّ ﷺ : صَدق ابن مسعود زوجك وولدك أحقُّ من تصدّقت به عليهم" (١). ولأنه تجب نفقته، فلا يمنع دفْع الزكاة إِليه، وليس في المنع نصٌّ ولا إِجماع (٢). قال ابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ١٠٦): " (٤٢٦) باب استحباب إِتيان المرأة زوجها وولدها؛ بصدقة التطوع على غيرهم من الأباعد، إِذ هم أحقّ بأن يُتصدَّق عليهم من الأباعد". وذكر حديث: "صدق ابن مسعود ... "، وغيره. هل يدْفع الزكاة إِلى الأقارب المحتاجين إِذا كان الأجنبي أشدّ حاجة ! جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٨٩): "وسئل -قدس الله روحه- عن دفع الزكاة إِلى أقاربه المحتاجين؛ الذين لا تلزمه نفقتهم؟ هل هو الأفضل أو دفْعها إِلى الأجنبي؟

стр. 975

فأجاب: أمّا دفْع الزكاة إِلى أقاربه: فإِنْ كان القريب الذي يجوز دفْعها إِليه؛ حاجته مِثل حاجة الأجنبي إِليها، فالقريب أوْلى. وإن كان البعيد أحْوَج، لم يُحاب بها القريب. قال أحمد: عن سفيان ابن عيينة كانوا يقولون: لا يُحابي بها قريباً، ولا يَدفَع بها مذمّة، ولا يقي بها ماله". وجاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٩٣): "وسئل عن الصدقة على المحتاجين من الأهل، وغيرهم؟ فأجاب: إِنْ كان مال الإنسان لا يتسع للأقارب والأباعد، فإِن نفقة القريب واجبة عليه، فلا يُعطي البعيد ما يضر بالقريب. وأمّا الزكاة والكفَّارة؛ فيجوز أن يعطي منها القريب الذي لا ينفق عليه، والقريب أولى إِذا استوت الحاجة". ٤ - صرفها في وجوه القُرَب: لا يجوز صرف الزكاة في غير الأصناف التي ذُكرت في الآية الكريمة: ﴿إنّما الصدقات للفقراء ... ﴾ إِذ ليس لنا التوسُّع؛ لأنّ الآية الكريمة حصرت هذه المصارف فكيف نوسّعها. جاء في "مختار الصحاح": "وإنْ زدْت على (إِنّ) (ما) صارت للتعيين، كقوله تعالى: ﴿إِنّما الصدقات للفقراء ... ﴾ الآية، لأنه يوجب إِثبات الحُكم للمذكور، ونفْيه عمّا عداه". وبهذا؛ فلا كبير فائدة -كما تقدّم- من حصر الزكاة في المصارف

стр. 976

الثّمانية في الآية الكريمة إِذا توسّعنا. جاء في "المغني" (٢١/ ٥٢٧): "ولا يجوز صرف الزكاة إِلى غير مَن ذَكَر الله -تعالى- مِن بناء المساجد والقناطر والسقايات وإصلاح الطرقات، وسد البثوق (١)، وتكفين الموتى، والتوسعة على الأضياف، وأشباه ذلك من القُرب التي لم يذكرها الله -تعالى-. وقال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية، والأول أصحّ لقوله : ﴿إِنّما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾ و"إنّما" للحصر والإِثبات تُثبتُ المذكور وتنفي ما عداه". وتقدّم ما ذكره شيخنا عن أبي عبيد في "الأموال" -رحمهما الله تعالى-: "فأمّا قضاء الدين عن الميت، والعطيّة في كفنه، وبُنيان المساجد، واحتفار الأنهار، وما أشبه ذلك من أنواع البِرّ؛ فإِنّ سفيان وأهل العراق وغيرهم من العلماء؛ مُجمِعون على أن ذلك لا يجزي من الزكاة؛ لأنه ليس من الأصناف الثّمانية". هل تعطى الزكاة لغير أهل الصّلاح ؟ قال في "الاختيارات الفقهية" (ص١٠٣): "ولا ينبغي أن يُعطيَ الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإِنَّ الله تعالى فرَضها معونةً على طاعته لمن يحتاج إِليها من المؤمنين؛ كالفقراء والغارمين، أو لِمَن يُعَاوِن المؤمنين، فمن لا يُصلّي من أهل الحاجات؛ لا يُعطى شيئاً حتى يتوب، ويلتزم أداء

стр. 977

الصلاة في أوقاتها". وسألت شيخنا ﵀: هل تعطى الزكاة لغير الصالح إِذا لم يستعن بها على المعصية؟ فقال: " ... عند فقدان الصالح". وقال ﵀: ... "أمّا المسلم الفاسق؛ فيجوز إِعطاؤه الزكاة إِذا كان فيه تأليفٌ لقلبه، وإِلاَّ فلا". انتهى. والذي يبدو لي أنّ التصدّق على كل من حُكم بإِسلامه يُجزئ؛ إِذا لم يستعِن بها على المعصية، مع وجوب تقديم الصالح، والله -تعالى- أعلم. الصدقة على ذي الرحم الكاشح عن أمّ كلثوم ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصّدقة على ذي الرحم الكاشح (١) ". الصدقة على الجار عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه" (٢). هل يشرع الاتجار بأموال اليتامى ؟ فيه أحاديث لا تثبُت؛ منها: "اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة".

стр. 978

وقد بيّن ضعفها وعِلَلَها شيخنا ﵀ في "الإِرواء" (٧٨٨). وسألت شيخنا ﵀ عن الاتجار بأموال اليتامى. فقال ﵀: إِذا غلب على ظنه الربح جاز. وفي بعض الإِجابات عنها وعن مِثلها مِن بعض مصارف قال ﵀: إِذا تكفّلوا بإِعادة المال عند الخسارة جاز ذلك. إِسقاط الدَّين عن الزكاة قال النووي في "المجموع": "لو كان على رجل معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له: جعلْته عن زكاتي فوجهان: أصحهما، لا يجزئه، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، لأنّ الزكاة في ذمّته، فلا يبرأ إِلا بإِقباضها. والثاني: يجزئه؛ وهو مذهب الحسن البصري، وعطاء؛ لأنه لو دفَعه إِليه، ثمّ أخذه منه جاز، فكذا إِذا لم يقبضه. كما لو كانت له دراهم وديعة، ودفَعها عن الزكاة، فإنه يجزئه؛ سواء قبَضها أم لا" (١). قلت: ولا يمكن تشبيه دراهم الوديعة بهذا المال، لأنّ الأصل في مال الوديعة أنه مقبوض، لكن هذا قد يقبض وقد لا يقبض. والذي يبدو أنّه إذا ترجّح قبض هذا الدين جاز، وإلا فلا، والله أعلم.

стр. 979

وجاء في "المغني" (٢/ ٥١٦): "قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين بِرَهْن، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال يريد أن يُفرِّقها على المساكين؛ فيدفع إِليه رهنه ويقول له: الدين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله. قال: لا يجزيه ذلك، فقلت له: فيدفع إِليه من زكاته فإِنْ ردّه إِليه قضاءً مِن ماله أَخَذَه؟ فقال: نعم. وقال في موضع آخر وقيل له: فإِنْ أعطاه ثمّ ردَّه إِليه؟ قال: إِذا كان بحِيلَة فلا يُعْجبني. قيل له: فإِن استقرض الذي عليه الدين دراهم، فقضاه إِياها ثمّ ردّها عليه، وحسَبها من الزكاة؟ فقال: إِذا أراد بها إِحياء ماله فلا يجوز، فحصَل من كلامه أنّ دفْع الزكاة إِلى الغريم جائز؛ سواء دفَعها ابتداءً أو استوفى حقّه ثمّ دفع ما استوفاه إِليه. إِلا أنه متى قصد بالدفع إِحياء ماله أو استيفاء دينه لم يجُز؛ لأنّ الزكاة لحقّ الله -تعالى- فلا يجوز صرْفها إِلى نفْعه، ولا يجوز أن يحتسب الدين الذي له من الزكاة قبل قبْضه؛ لأنه مأمور بأدائها وإيتائها، وهذا إِسقاط. والله أعلم". وقال شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٨٩): "وإنْ كان له دين على حيٍّ أو ميت؛ لم يحتسب به من الزكاة ولا يحتال في ذلك". وسألت شيخنا ﵀ عن رجل له دين عند آخر وهو مُعسر، فهل يجزئه لو قال له: هو زكاة مالي؟

стр. 980

فأجاب ﵀: يجزئ إِذا أعلمه بذلك وقَبل المدين، ولم يكن ديناً ميّتاً (١). نقْل الزكاة لا شكَّ أنّ الأصل والأفضل إِخراج الزكاة في نفص البلد؛ لقول النّبيّ ﷺ لمعاذ ﵁ كما تقدّم-: " ... أخبِرهم أن عليهم صدقة؛ تؤخَذ من أغنيائهم وتُردّ في فقرائهم". وهذا يختصّ بفقراء بلدهم، وهذا آكد في تنظيم أمور الفقراء وسدّ حاجاتهم. قال الإِمام البخاري ﵀ "باب أخْذ الصدقة من الأغنياء، وتردّ في الفقراء حيث كانوا" (٢). قال ابن المنيّر: "اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: "فترَدّ على فقرائهم" لأن الضمير يعود على المسلمين، فأيّ فقير منهم رُدَّت فيه الصدقة في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث" (٣). وقال ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٤/ ٥٨): "باب الأمر بقسم الصّدقة في أهل البلدة، التي تؤخذ منهم الصدقة"، ثمّ ذكر الحديث: " ... فأَعلِمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم؛ تؤخذ من أغنيائهم،

стр. 981

فتردُّ في فقرائهم". قال في "المغني" (٢/ ٥٣١): "فإِن خالف ونقَلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم، وإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها، فإِنه يجوز نقْلها عند المانعين". وجاء في "الاختيارات الفقهية" (ص ٩٩) -بحذف-: "وإذا نقل الزكاة إِلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي مَن بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك. فإِنّ سكّان المصر؛ إِنما يعانون من مزارعهم، بخلاف النقل من إِقليم، مع حاجة أهل المنقول عنه. وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته، وكرهوا نقل الزكاة إِلى بلد السلطان وغيره؛ ليكتفي أهل كلّ ناحية بما عندهم من الزكاة، ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية". وفيه (ص ١٠٤): "ويجب صرْف الزكاة إِلى الأصناف الثّمانية، إنْ كانوا موجودين، وإِلا صُرفت إِلى الموجود منهم، ونقْلها إِلى حيث يوجدون". وعن إِبراهيم بن عطاء -مولى عمران بن حصين- عن أبيه: أن زياداً -أو بعض الأمراء- بَعث عمران بن حصين على الصدقة. فلمّا رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها من حيث كنّا نأخذها؛ على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناها حيث كنا نضعها، على عهد رسول الله ﷺ " (١).

стр. 982

قال الإِمام مالك ﵀: "لا بأس بنقلها للحاجة، وإذا لم يكن أهل البلد مستحقين؛ فتنقَل -بلا خلاف- وعند الإِمام الشافعي وأحمد لا تُنقَل، ولا شكّ أنّ الأفضل إِخراجها في نفس البلد؛ إِلا إِذا لم يجد مستحقّيها؛ مع جواز نقْلها ولو وجد مستحقّوها". وجاء في "مجموع الفتاوى" كذلك (٢٥/ ٨٥): "وسئل ﵀ عمن له زكاة، وله أقارب في بلد تقصر إِليه الصلاة، وهم مستحقّون الصدقة؛ فهل يجوز أن يدفعها إِليهم؟ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله. إِذا كانوا محتاجين مستحقين للزكاة، ولم تحصل لهم كفايتهم من جهة غيره، فإنه يعطيهم من الزكاة، ولو كانوا في بلد بعيد، والله أعلم". وسئل شيخنا ﵀ عن دليل الجواز فقال: "الدليل عدم ورود الدليل المانع من النقل" والله أعلم. إِذا استدان مالاً هل يُخرج زكاته ؟ إِذا استدان رجل مالاً بلغ النصاب وحال عليه الحول؛ فالظاهر وجوب إِخراج الزكاة عنه، أمّا إِذا لم يَحُل عليه الحول؛ فلا زكاة عليه. وسئل شيخنا ﵀ عن شخص استدان مبلغاً وحال عليه الحول؛ فهل يخرج زكاته؟ وهل يجب كذلك على صاحب المال؛ فيكون قد زُكّي مرتين!

стр. 983

فأجاب: "هو كذلك، فإِنّ الواجب على المدين أن يقضي حاجته بهذا المال، فإِذا لم يستعمل المال لسبب أو آخر وبقي مكنوزاً عنده حولاً كاملاً؛ فإِنه يجب عليه وعلى صاحب المال إِخراج الزكاة. أمّا الدائن، فالأمر واضح وجليّ، وأما المدين؛ فلأنه كنزَ هذا المال حولاً كاملاً، ومِن حِكمة الله سبحانه في ذلك، ألا يتورّط المدين بكنز المال". هل يجزئ الرجل عن زكاته ما يُغرمه ولاة الأمور في الطرقات وما في معناه ؟ أجاب شيخ الإِسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٩٣) فقال: "ما يأخذه ولاة الأمور بغير اسم الزكاة؛ لا يعْتد له من الزكاة والله -تعالى- أعلم". من أعطى الزكاة لمن ظنّ أنّه مستحقّ فظهر أنه غير مستحقّ (١) قال في "المغني" (٢/ ٥٢٨) -بحذف-: "وإذا أعطى من يظنه فقيراً فبان غنياً، فعن أحمد فيه روايتان: إِحداهما: يجزئه. اختارها أبو بكر، وهذا قول الحسن وأبي عبيد وأبي حنيفة. والرواية الثانية: لا يُجزئه؛ لأنه دفع الواجب إِلى غير مستحقّه، فلم يخرج من عُهدته؛ كما لو دفَعها إِلى كافر أو ذي قرابة -كديون الآدميين- وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف وابن المنذر، والشافعي؛ قولان

стр. 984

كالروايتين". فعن عُبيد الله بن عَديّ بن الخِيار، قال: أخبَرني رجلان أنهما أتيا النبي ﷺ وهو في حجة الوِداع، وهو يُقسِّم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا النظر وخفضه فرآنا جِلْدين (١)، فقال؛ إِنْ شئتما أعطيتكما، ولا حظَّ فيها لغنيّ ولا لقويّ مكتسب" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "قال رجل لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرج بصدقة فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون تُصُدِّق على سارق، فقال: اللهمّ لك الحمد، لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقة فوضعها في يَدَي زانيةٍ. فأصبحوا يتحدّثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية، لأتصدقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضَعها في يَدَي غنيٍ. فأصبحوا يتحدَّثون: تُصدِّق على غني؛ فقال: اللهمّ لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غنيّ. فأُتي فقيل له: أمّا صدقتك على سارقٍ؛ فلعلَّه أن يستعفَّ عن سرقته، وأمّا الزانية فلعلها أن تستعفّ عن زناها، وأمّا الغني فلعلّه يعتبر، فيُنفق ممّا أعطاه الله" (٣).

стр. 985

وبوّب له البخاري بقوله: "إِذا تصدّق على غني وهو لا يعلم". قال الحافظ في "الفتح" (٣/ ٢٩٠): "أي: فصدقته مقبولة". وعن معن بن يزيد ﵁ قال: "بايعْتُ رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدّي، وخطب عليّ (١) فأنكَحني وخاصمتُ إِليه، وكان أبي يزيد، أخرج دنانير يتصدّق بها، فوضَعها عند رجل في المسجد. فجئت فأخذتُها فأتيتُه بها فقال: والله ما إِياك أردت، فخاصمتُه إِلى رسول الله ﷺ فقال: لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن" (٢). وبوّب له البخاري بقوله: "إِذا تصدّق على ابنه وهو لا يشعر". وسألت شيخنا ﵀: إِذا أخطأ المزكّي فأعطاها لغير أهلها، هل يجزئه ذلك وتسقط منه، وهل حديث: "لك ما نويت يا يزيد ... "، وكذلك "تُصدّق الليلة على سارق ... "، يفيد ذلك؟ فأجاب ﵀: هكذا الظاهر، وفي مرّة أخرى قال: إِذا كان لا يعلم يسقط عنه. ما هو الأفضل: إِظهار الصدقة أم إِخفاؤها (٣)؟ يجوز للمتصدّق أن يُظهر صدقته؛ سواء أكانت صدقة فرض أو نافلة؛ دون
следующие страницы →