في الله حقّ جهاده؛ ثمّ خلّف ولدًا نجيبًا عالمًا سيفًا مسلولًا على المخالفين، وهو شرف الإسلام عبد الوهّاب (١).
٢٥٨ - جعفر بن عبد الله بن جحاف، أبو أحمد المعافري، قاضي بلنسية ورئيسها في الفتنة.
سمع أبا عمر بن عبد البرّ. صارت إليه ولاية بلنسية بعد خلع القادر بن ذي النون وقتله على يديه، فلم تحمد دولته. امتحن بالكنبيطور الكلب الذي أخذ بلنسية، فأخذ ماله وعذّبه، وأحرقه بالنار (٢).
٢٥٩ - حمد بن أحمد بن الحسن، أبو الفضل الحدّاد.
قال ابن السّمعاني: ورد نعيه من أصبهان إلى بغداد في ذي الحجّة سنة ثمانٍ وثمانين.
قلت: قد ذكرته في سنة ستّ (٣)، لأنّي رأيت وفاته في تاريخٍ لبعض الأصبهانيين في جمادى الأولى سنة ست، وهو أشبه.
٢٦٠ - الحسن بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن سلمة، أبو علي الهمذاني العدل، إمام الجامع بهمذان.
روى عن إبراهيم بن جعفر الأسدي، وعلي بن إبراهيم بن حامد، والحسين بن فنجويه الثّقفي، ومحمد بن عيسى، وابن سلمة، وغيرهم.
قال شيرويه: سمعت منه جميع ما كان عنده مرارًا، وكان ثقة، صدوقًا، متديّنًا، جمالًا للمحراب، زينًا للمجالس والمحافل. من بيت العلم، توفّي في صفر، وتولّيت غسله. قال: وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة.
٢٦١ - الحسن بن محمد بن الحسن، الفقيه أبو علي السّاوي الشّافعي، المتكلّم الأشعري.
حدّث بدمشق عن أبي طالب بن غيلان، وأبي ذرّ الهروي، وأبي الحسن بن صخر، وغيرهم. روى عنه الفقيه نصر المقدسي، وهو من أقرانه، وهبة الله
стр. 10082
ابن طاوس، وتوفي في ذي القعدة، وله ستٌّ وسبعون سنة (١).
٢٦٢ - الحسين بن إسماعيل، أبو عبد الله العلوي الحسني النّيسابوري، فخر الحرمين.
روى عن عبد الرحمن بن حمدان النّصرويّي، وناصر بن الحسين العمري. روى عنه أبو سعد خيّاط الصّوف. مات في شوّال، وقد جاوز الثّمانين (٢).
٢٦٣ - خديجة بنت أبي عثمان إسماعيل الصّابوني النّيسابوري.
ماتت في رمضان، وكانت صالحة عابدة. ولدت سنة أربعٍ وأربع مائة، وسمعت من أصحاب الأصمّ، ومن أبي نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، والحسين بن فنجويه الثّقفي. وعنها أبو البركات ابن الفراوي، وعبد الخالق الشّحامي، وعمر ابن الصّفار، وغيرهم.
ماتت في رمضان (٣)، وستأتي أختها ستيك (٤).
٢٦٤ - رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد، الإمام أبو محمد بن أبي الفرج التّميمي البغدادي، رئيس الحنابلة ببغداد.
ولد سنة أربع مائة، وقيل: سنة إحدى وأربع مائة.
قال السّمعاني: هو فقيه الحنابلة وإمامهم. قرأ القرآن، والحديث، والفقه، والأصول، والتفسير، والفرائض، واللغة،، والعربية، وعمّر حتّى صار يقصد من كلّ جانب. وكان مجلسه جمّ الفوائد. وكان يجلس في حلقة أبيه بجامع المنصور للوعظ والفتوى. وكان فصيح اللسان. قرأ القرآن على أبي الحسن الحمّامي، وسمع منه ومن أبيه، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن المتيّم، وأبي عمر بن مهدي، وأبي الحسين بن بشران، وابن الفضل القطّان، والحرفي، وابن شاذان، وجماعة. روى لنا عنه خلق كثير، وورد أصبهان رسولًا في سنة ثلاثٍ وثمانين. وحدثنا عنه من أهلها أكثر من ستين نفسًا. ثمّ قال: أخبرنا المشايخ، فذكر ستين بأصبهان، وأربعة عشر نفسًا من غيرها. ثم
стр. 10083
قال: وجماعة سواهم، قالوا: أخبرنا رزق الله التّميمي، فذكر حديث من عادى لي وليًا. وهو حديث انفرد رزق الله بعلوه.
أخبرنا أبو المعالي الهمذاني، قال: أخبرنا أبو بكر بن سابور، قال: أخبرنا عبد العزيز الشّيرازي، قال: أخبرنا رزق الله إملاءً، فذكر مجلسًا أوّله هذا الحديث.
قال السّمعاني: سمعت أحمد بن سعد العجلي بهمذان يقول: كان شيخنا أبو محمد التميمي إذا روى هذا الحديث قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾؟!
وقال السّلفي فيما أخبرنا الدّمياطي، قال: أخبرنا ابن رواج، قال: أخبرنا أبو طاهر بن سلفة قال: رزق الله شيخ الحنابلة، قدم أصبهان رسولًا من قبل الخليفة إلى السّلطان، وأنا إذ ذاك صغير. وشاهدته يوم دخوله. كان يومًا مشهودًا كالعيد، بل أبلغ في المزيد. وأنزل بباب القصر، محلتنا، في دار السلطان. وحضرت في الجامع الجورجيري مجلسه متفرّجًا، ثمّ لمّا قصدت للسّماع، قال لي أبو الحسن أحمد بن معمر اللنباني، وكان من الأثبات: قد استجزته لك في جملة من كتبت اسمه من صبياننا. فكتب خطّه بالإجازة.
وقال أبو غالب هبة الله قصيدة أوّلها:
بمقدم الشّيخ رزق الله قد رزقت أهل أصبهان أسانيدًا عجيبات ثمّ قال السلفي: وروى بالإجازة عن أبي عبد الرحمن السّلمي.
قال ابن النّجار (١): قرأ بالرّويات على الحمّامي. وقرأ عليه جماعةٌ من القراء. وتفقه على أبيه، وعمّه أبي الفضل. وله مصنفات حسنة. وكان واعظًا، مليح العبارة، لطيف الإشارة، فصيحًا، ظريف المعاني. له القبول التّامّ والحرمة الكاملة، ترسّل إلى ملوك الأطراف.
وقال أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده: سمعت أبا محمد رزق الله الحنبلي بأصبهان يقول: أدركت من أصحاب ابن مجاهد واحدًا يقال له أبو القاسم عبيد الله بن محمد الخفاف، وقرأت عليه سورة البقرة، وقرأها على أبي بكر بن مجاهد.
стр. 10084
وأدركت أيضا أبا القاسم عمر بن تعويذ من أصحاب الشّبلي، وسمعته يقول: رأيت أبا بكر الشّبلي في درب سليمان بن علي في رمضان، وقد اجتاز على البقال، وهو ينادي على البقل: يا صائم من كل الألوان. فلم يزل يكّرر هذا القول ويبكي، ثم أنشأ يقول:
خليلي إن دام همّ النفوس … على ما أراه سريعًا قتل
فيا ساقي القوم لا تنسني … ويا ربّة الخدر غنّي رمل
لقد كان شيءٌ يسمّى السّرور … قديمًا سمعنا به ما فعل
وقال السّمعاني: أنشدنا هبة الله بن طاوس، قال: أنشدنا رزق الله التميمي لنفسه:
وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكّنه حادٍ إلى البين مسرع
إذا ما بدت منه الطّليعة آذنت … بأنّ المنايا خلفها تتطلع
فإن قصّها المقراض صاحت بأختها … فتظهر تتلوها ثلاثٌ وأربع
وإن خضبت حال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله والله أصنع
إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يودّك فيما تشتهيه ويسرع
هلمّوا لنبكي قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيشٌ لذيذٌ ومجمع
وخلّ التّصابي والخلاعة والهوى … وأمّ طريق الخير فالخير أنفع
وخذ جنّةً تنجي وزادًا من التّقى … وصحبة مأمومٍ فقصدك مفزع
قال أبو علي بن سكّرة: رزق الله التّميمي، قرأت عليه برواية قالون ختمةً، وكان كبير بغداد وجليلها، وكان يقول: كلّ الطّوائف تدّعيني. وسمعته يقول: يقبح بكم أن تستفيدوا منّا ثمّ تذكرونا، فلا تترحّموا علينا؛ فرحمه الله.
قلت: وآخر من روى عنه سماعًا أبو الفتح ابن البطّي، وإجازةً أبو طّاهر السّلفي.
قال ابن ناصر: توفّي شيخنا أبو محمد التّميمي في نصف جمادى الأولى سنة ثمانٍ. ودفن في داره بباب المراتب. ثمّ دفن في سنة إحدى وتسعين إلى جنب قبر الإمام أحمد.
قال أبو الكرم الشّهرزوري: سمعته يقول: دخلت سمرقند، فرأيتهم
стр. 10085
يروون الناسخ والمنسوخ لجدّي هبة الله، عن خمسةٍ، إليه، فرويته عن جدّي لهم.
٢٦٥ - شافع بن علي، أبو الفضل الطريثيثي، الصّوفي النّيسابوري الزاهد.
كان عالمًا عاملًا، قانتًا عابدًا، ناسكًا كبير القدر، صاحب مقامات وأحوال. من سكان دويرة أبي عبد الرحمن السّلمي.
توفي في ذي الحجّة.
وقد سمع بمكّة من ابن صخر؛ وبالبصرة من إبراهيم بن طلحة بن غسّان. روى عنه عبد الله ابن الفراوي، وعبد الخالق الشّحّامي (١).
٢٦٦ - صالح بن أحمد بن رضوان بن محمد بن رضوان بن جالينوس، أبو علي التّميمي البغدادي المعدلّ.
روى عن عبد الملك بن بشران، وغيره. روى عنه محمد بن علي بن عبد السّلام الكاتب.
توفي في رجب.
٢٦٧ - عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو منصور المروزي البيع.
سمع أبا بكر عبد الله بن أحمد القفال، وأبا أحمد عبد الرحمن الشيرنخشيري. وعنه أبو طاهر السنجي، والخطيب أبو الفتح المسعودي.
حدث في هذه السنة، ومات بعيدها، وقد شارف السبعين.
٢٦٨ - عبد الله بن الحسن بن حمزة بن الحسن بن حمدان بن ذكوان، أبو محمد البعلبكّي. يعرف بابن أبي فجّة.
سمع علي بن محمد الحنّائي، وعبد الرحمن بن ياسر الجوبري، وعلي بن السّمسار، وأحمد بن محمد العتيقي، وأبا نصر بن الجبّان. وأجاز له الحسين بن أبي كامل صاحب خيثمة. سمع منه عبد الرحمن وعبد الله ابنا صابر.
قال ابن عساكر (٢): حدثنا عنه ابن ابنه علي بن حمزة، والخضر بن علي، وتوفي في ذي القعدة.
стр. 10086
٢٦٩ - عبد الله بن طاهر بن محمد شهفور، أبو القاسم التّميمي الفقيه، نزيل بلخ، من أهل إسفرايين.
قال السّمعاني: كان إمامًا فاضلًا نبيلًا، برع في الفقه والأصول، ودرّس بالمدرسة النّظاميّة ببلخ، حسن الأخلاق، ظهرت له الحشمة التّامةّ حتّى صار من أهل الثروة. وكان له مروءة وإحسان، وتفقّد للفقراء، وسعي جميل في الحقوق. سمع بنيسابور علي بن محمد الطّرّازي، وعبد الرحمن النّصرويي، وجدّه أبا منصور عبد القاهر البغدادي. روى لنا عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطي، والمبارك بن خيرون الوزّان؛ سمعوا منه لمّا حجّ. وحدثنا عنه بهراة أبو شجاع البسطامي؛ وببلخ أخوه أبو الفتح محمد البسطامي (١).
٢٧٠ - عبد الجبّار بن الحسين بن محمد بن القاسم، أبو يعلى الهاشمي البغدادي الشّروطي، المعروف بابن أبي عيسى، وهم أربعة إخوة: محمد، وعبد الجبّار، وعبد السّميع، وعبد المهيمن.
سمع أبا علي بن شاذان. وعنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعلي بن عبد العزيز ابن السّمّاك.
توفي في شعبان.
٢٧١ - عبد الرحيم بن عثمان بن أحمد، أبو القاسم السّني الحنفي النّيسابوري.
حدّث عن أبي سعيد الصّيرفي، وأصحاب الأصمّ، وعنه عبد الغافر، وقال (٢): توفي في رمضان.
٢٧٢ - عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني. شيخ المعتزلة.
نزل بغداد، وسمع أبا عمر بن مهدي الفارسي، وعبد الجبّار بن أحمد الهمذاني القاضي المعتزلي، ودرس عليه الكلام بالرّي. وسمع بهمذان أبا طاهر بن سلمة، وبحرّان أبا القاسم علي بن محمد الزّيدي، وبأصبهان أبا
стр. 10087
نعيم الحافظ. وسمع من أبيه، وعمّه إبراهيم. وسماعه قبل الأربع مائة.
روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو غالب ابن البنّاء، وهبة الله بن طاوس، ومحمود بن محمد الرّحبي، وإسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ، وأبو بكر قاضي المرستان، وأبو البركات الأنماطي، وأحمد بن محمد أبو سعد البغدادي، وآخرون.
قال السّمعاني: كان أحد المعمّرين والفضلاء المقدّمين، جمع التفسير الكبير الذي لم ير في التفاسير كتابٌ أكبر منه، ولا أجمع للفوائد، لولا أنه مزجه بكلام المعتزلة، وبثّ فيه معتقده، وما اتّبع نهج السّلف فيما صنّفه من الوقوف على ما ورد في الكتاب والسّنّة والتصديق بهما. وأقام بمصر سنين، وحصّل أحمالًا من الكتب، وحملها إلى بغداد، وكان داعيةً إلى الاعتزال. سمعت أبا سعد البغدادي الحافظ يقول: كان يصرّح بالاعتزال. وقال ابن عساكر (١): هو مصنف مشهور. سكن طرابلس مدّةً، ثمّ عاد إلى بغداد. سمعت الحسين بن محمد البلخي يقول: إنّ أبا يوسف صنّف التفسير في ثلاث مائة مجلّد ونيّف، وقال: من قرأه علي وهبته النّسخة. فلم يقرأه عليه أحد. وسمعت هبة الله بن طاوس يقول: دخلت على أبي يوسف ببغداد وقد زمن، فقال: من أين أنت؟ قلت: من دمشق. قال: بلد النّصب.
وقال ابن النّجّار: قرأت بخط أبي الوفاء بن عقيل الفقيه: قدم علينا القاضي أبو يوسف القزويني من مصر، وكان يفتخر بالاعتزال. وكان فيه توسّع في القدح في العلماء الذين يخالفونه وجرأة. وكان إذا قصد باب نظام الملك يقول لهم: استأذنوا لأبي يوسف القزويني المعتزلي. وكان طويل اللسان بعلمٍ تارةٍ، وبسفهٍ يؤذي به الناس أخرى. ولم يكن محقّقًا إلا في التفسير، فإنّه لهج بالتفاسير حتّى جمع كتابًا بلغ خمس مائة مجلّد، حشى فيه العجائب، حتّى رأيت منه مجلّدة في آيةٍ واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ فذكر فيه السّحرة والملوك الذين نفق عليهم السّحر وأنواع السّحر وتأثيراته.
وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك: ملك أبو يوسف القزويني كتبًا لم
стр. 10088
يملك أحدٌ مثلها، فكان قومٌ يقولون ابتاعها من مصر بالخبز وقت شدّة الغلاء. وحدّثني أبو منصور عبد المحسن بن محمد أنّه ابتاعها بالأثمان الغالية. وكان يحضر بيع كتب السّيرافي، وهو شاهدٌ معروف بمصر، وبيعت كتبه في سنتين، وزادت على أربعين ألف مجلّدة.
قال: وكان أبو يوسف يبتاع في كلّ أسبوع بمائة دينار، ويقول: قد بعت رحلي وجميع ما في بيتي. وكان الرؤساء هناك يواصلونه بالذّهب.
وقيل: إنّه قدم بغداد معه عشرة أحمال كتب، وأكثرها بالخطوط المنسوبة.
وعنه قال: ملكت ستين تفسيرًا، منها تفسير ابن جرير، وتفسير الجبائي، وتفسير ابنه أبي هاشم، وتفسير أبي مسلم بن بحر، وتفسير البلخي.
قال محمد بن عبد الملك: وأهدى أبو يوسف لنظام الملك أربعة أشياء ما لأحدٍ مثلها: غريب الحديث لإبراهيم الحربي في عشر مجلّدات بخطّ أبي عمر بن حيّويه، وشعر الكميت في ثلاث عشرة مجلّدة بخطّ أبي منصور، وعهد القاضي عبد الجبّار بن أحمد بخطّ الصّاحب بن عبّاد وإنشائه، فسمعت أبا يوسف يقول: كان سبع مائة سطر، كلّ سطر في ورقة سمرقندي، وله غلاف آبنوس يطبق كالأسطوانة الغليظة، وأهدى له مصحفًا بخطّ منسوب واضح، وبين الأسطر القراءات بالحمرة، وتفسير غريبه بالخضرة، وإعرابه بالزّرقة، وكتب بالذّهب علامات على الآيات التي تصلح للانتزاعات في العهود، والمكاتبات، والتّعازي، والتّهاني، والوعيد. فأعطاه نظام الملك ثلاث مائة دينار. فسمعت من يسأل أبا يوسف عن نظام الملك فقال: أعطيته أكثر ممّا أعطاني، وإنّما رضيت منه بالإكرام، وعذرته حين قال: ليس عندي حلال لا شبهة فيه سوى هذا القدر.
وسئل عنه المؤتمن السّاجّي فقال: قطعته رأسًا لما كان يتظاهر به من خلاف الطّريق.
وقال محمد بن عبد الملك في تاريخه: كان أبو يوسف فصيح العبارة،
стр. 10089
حلو الإشارة، يحفظ غرائب الحكايات والأخبار. وكان زيدي المذهب، وفسّر بمصر القرآن في سبع مائة مجلّدٍ كبار.
لت: وقد دخل عليه الإمام أبو حامد الغزالي، وجلس بين يديه، فسأله: من أين أنت؟ فقال: من المدرسة ببغداد.
وقال الغزالي: علمت أنه ذو اطلاع ومعرفة، فلو قلت إنني من طوس، لذكر ما يحكى عن أهل طوس من التّغفيل، من أنهم توسلّوا إلى المأمون بقبر أبيه، وكونه عندهم، وطلبوا منه أن يحوّل الكعبة، وينقلها إلى عندهم، وأنّه جاء عن بعضهم أنّه سئل عن نجمه، فقال: بالتيس. فقيل له في ذلك، فقال: من سنين كان بالجدي، والآن فقد كبر.
قال ابن عساكر (١): وسمعت من يحكي أنّه كان بأطرابلس، فقال له ابن البرّاج: متكلّم الرّافضة: ما تقول في الشّيخين؟ فقال: سفلتان ساقطان. قال: من تعني؟ قال: أنا وأنت.
وقال أبو علي بن سكّرة الصّدفي: أبو يوسف القزويني كان معتزليًا داعية، كان يقول: لم يبق من ينصر هذا المذهب غيري. وكان قد بلغ من السّنّ مبلغًا يكاد أن يخفى في الموضع الذي كان يجلس فيه، وله لسانٌ شابّ. ذكر لي أن له تفسيرًا في القرآن في نحو ثلاث مائة مجلّد، سبعة منها في سورة الفاتحة. وكان عنده جزءٌ ضخمٌ، من حديث محمد بن عبد الله الأنصاري، رواية أبي حاتم الرّازي، عنه، كنت أودّ أن يكون عند غيره بما يشق عليّ. قرأت عليه بعضه، رواه عن القاضي عبد الجبار المعتزلي، عن رجل عنه. وكان سبب مشيي إليه أن شيخنا ابن سوار المقرئ سألني أن أمضي مع ابنيه لأسمعهما عليه، فأجبته، وقرأ لهما شيئًا من حديث المحاملي، وأخبرنا أنه سمع ذلك سنة تسعٍ وتسعين وثلاث مائة، وهو ابن أربع سنين أو نحوها. قال لي: كنت في سنّ هذا - يعني ولد شيخنا ابن سوار - وكنت أعقل من أبيه. وكان لا يسالم أحدًا من السّلف؛ وكان يقول لنا: اخرجوا تدخل الملائكة يريد المحدّثين. قال: ولم أكتب عنه حرفًا. يعني ابن سكّرة أّنه لا يحدّث عنه؛ وقد روى عنه شعرًا، وذكره في مشيخته.
стр. 10090
قال شجاع الذّهلي: أبو يوسف القزويني أحد شيوخ المعتزلة، عاش ستًا وتسعين سنة. ذكر لي أن مولده في سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مائة.
وقل ابن ناصر: مات في رابع عشر ذي القعدة، وقال مرّةً: ولدت في نصف شعبان.
٢٧٣ - عبد الصّمد بن أحمد ابن الرومي، أبو القاسم البغدادي.
سمع أبا علي بن شاذان. روى عنه عبد الوهّاب الأنماطي، ومحمد بن علي بن عبد السّلام.
توفي في صفر.
٢٧٤ - عبد الغفّار بن نصر، أبو طاهر الهمذاني المقرئ البزاز، ويعرف بابن هاموش.
قال شيرويه: روى عن ابن عبدان، وعبد الغافر الفارسي، وأبي حفص بن مسرور، النيسابوريين. قرأت عليه القرآن، وتوفي المحرّم.
٢٧٥ - عبد الملك بن عبد الله، أبو سهل الدّشتي الفقيه.
نيسابوري عالي الإسناد، سمع أبا طاهر الزّيادي، وعبد الله بن يوسف بن بامويه، وأبا عبد الرحمن السّلميّ. ومات في شوال.
روى عنه عبد الغافر الفارسي، وقال (١): شيخ من بيت العلم والتصوّف والثّروة.
وقال السّمعاني (٢): كان شيخًا مستورًا، صدوقًا من بيت العلم والصّلاح، ولد سنة ست وأربع مائة.
قلت: روى عنه عبد الخالق بن زاهر، وعمر بن أحمد الصّفّار، وأبو البركات ابن الفراوي، وعبد الرحمن بن الحسن الكرماني، وآخرون.
٢٧٦ - عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن حسكويه، أبو سعد النّيسابوري.
стр. 10091
شيخ مسند، روى عن أبي بكر الحيري، والطّرازي، والصّيرفي. روى عنه وجيه، وعبد الخالق بن زاهر (١).
وقد مرّ أبوه سنة ثلاثٍ وخمسين (٢).
٢٧٧ - علي بن أحمد بن علي بن زهير، أبو الحسن التّميمي المالكي.
دمشقي مشهور، روى عن علي بن الخضر، وعلي ابن السّمسار، ومحمد بن عبد الله بن بندار، وأحمد بن الحسن ابن الطّيّان، وأبي عثمان الصّابوني، وجماعة. روى عنه جمال الإسلام السّلمي، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وناصر بن محمود القرشي.
قال أبو محمد بن صابر: لم يكن المالكي ثقة. وكذلك قال أبو القاسم بن صابر، وقال: أخرج لنا جزءًا من حديث ابن زبر، قد كتب عليه سماعه من ابن السّمسار سنة خمسٍ وثلاثين. ومات ابن السّمسار سنة اثنتين وثلاثين.
توفي في ذي القعدة، وله ثلاثٌ وسبعون سنة (٣).
٢٧٨ - علي بن أحمد بن محمد بن خشنام، أبو الحسن الصّيدلاني.
شيخ نيسابوري صالح، سمع محمد بن محمد بن محمش.
وهو أخو شبيب البستيغي.
روى عنه عمر بن أحمد الصّفّار، وإسماعيل العصائدي (٤).
٢٧٩ - علي بن عمرو الحراني، الفقيه الحنبلي، الرّجل الصّالح، يكنى أبا الحسن.
مات بسروج. وكان من أصحاب القاضي أبي يعلى. توفّي في شعبان (٥).
٢٨٠ - علي بن عبد الصّمد بن عثمان بن سلامة، أبو الحسن العسقلاني، المعروف بالمفيد.
стр. 10092
سمع أبا عبد الله بن نظيف بمصر، ومحمد بن جعفر الميماسي بغزّة، وعلي ابن السّمسار بدمشق.
قال غيث بن علي: سمعت منه في سنة ثمانٍ وثمانين، وما علمت من أمره إلا خيرًا (١).
٢٨١ - علي بن عبد الغني، أبو الحسن الفهري المقرئ الحصري، الشّاعر الضّرير.
أقرأ النّاس بسبتة وغيرها.
قال ابن بشكوال (٢): ذكره الحميدي وقال (٣): شاعر أديب، رخيم الشّعر، دخل الأندلس ولقي ملوكها؛ وشعره كثير، وأدبه موفور.
قلت: وكان عالمًا بالقراءات وطرقها.
قال ابن بشكوال (٤): روى لنا عنه أبو القاسم بن صواب، أخبرنا عنه قصيدته التي نظمها في قراءة نافع، وهي مائتا بيت وتسعة أبيات، قال: لقيته بمرسية.
ومن شعره، وقد كتب إليه المعتمد وبعث إليه خمس مائة دينار يتجهّز بها ليفد عليه:
أمرتني بركوب البحر أقطعه … غيري لك الخير فاخصصه بذا الرائي
ما أنت نوحٌ فتنجيني سفينته … ولا المسيح أنا أمشي على الماء
٢٨٢ - الفضل بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو القاسم بن أبي حرب الجرجاني الزّجاجي.
شيخ نيسابوري الدّار، ثقة، صالح، حسن السيرة، تاجر أمين، سمع أبا عبد الرحمن السّلمي، وابن محمش، والحيري، وغيرهم. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وأحمد بن سعد العجلي الهمذاني، وأبو عثمان العصائدي المرزوي، وعمر بن أحمد الصّفّار، وعبد الله ابن الفراوي، وأحمد بن المبارك
стр. 10093
ابن قفرجل، وصدقة بن محمد السّيّاف.
حدّث ببلدان، وحكى عنه جيرانه كثرة تلاوة وبكاء.
ولد سنة خمسٍ وأربع مائة، وتوفي في رمضان.
قال ابن النّجار: أمين صدوق، صالح، عفيف، من التّجّار، كثير الصّدقة. وقيل: كان أبوه حاتم وقته (١).
٢٨٣ - محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم، الوزير ظهير الّدين أبو شجاع الرّوذراوري.
وزر للمقتدي بالله بعد عزل عميد الدّولة منصور بن جهير سنة ستّ وسبعين، وصرف سنة أربعٍ وثمانين، وأعيد ابن جهير، ولمّا عزل قال:
تولاها وليس له عدوّ … وفارقها وليس له صديق
ثمّ إنّه حجّ وجاور بالمدينة إلى أن مات بها كهلًا. وكان ديّنًا عالمًا، من محاسن الوزراء.
قال العماد الكاتب (٢): لم يكن في الوزراء من يحفظ أمر الدّين والشرّع مثله. وكان عصره أحسن العصور.
قال صاحب المرآة: ولمّا ولي وزارة المقتدي كان سليمًا من الطّمع في المال، لأنّه كان يملك حينئذٍٍ ستّ مائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات والصّدقات.
قال أبو جعفر الخرقي: كنت أنا واحدًا من عشرة نتولّى إخراج صدقاته، فحسبت ما خرج على يدي، فكان مائة ألف دينار.
وكان يبيع الخطوط الحسنة، ويتصدّق بها، ويقول: أنا أحب الأشياء إلي الدّينار والخطّ الحسن، فأنا أتصدّق بمحبوبي لله.
وجاءته قصةٌ بأنّ امرأةً وأربعة أيتام عرايًا، فبعث من يكسوهم، وقال: والله لا ألبس ثيابي حتّى ترجع إلي الخبر، وتعرّى، فعاد الغلام وهو يرعد من البرد.
وكان قد ترك الاحتجاب ويكلّم المرأة والصّبي، ويحضر مجالسه الفقهاء
стр. 10094
والعوامّ، لا يمنع أحدًا. وأسقطت المكوس في أيامه، وألبس أهل الذّمة الغيار. ومحاسنه كثيرة، وصدقاته غزيرة، وتواضعه أمر عجيب - فرحمه الله تعالى - (١).
٢٨٤ - محمد بن عبّاد بن محمد بن إسماعيل بن قريش، السّلطان المعتمد على الله أبو القاسم ابن السّلطان المعتضد بالله أبي عمرو ابن الإمام الفقيه قاضي إشبيلية، ثم سلطانها الظّافر المؤيّد بالله أبي القاسم بن أبي الوليد اللخمي، من ولد النّعمان بن المنذر صاحب الحيرة.
كان المعتمد صاحب إشبيلية وقرطبة، وأصلهم من بلاد العريش التي كانت في أوّل رمل مصر، فدخل أبو الوليد الأندلس.
مات المعتضد سنة إحدى وستّين وأربع مائة، فتملّك بعده المعتمد هذا. وكان عالمًا، ذكيًّا، أديبًا، شاعرًا محسنًا، وكان أندى الملوك راحةً، وأرحبهم ساحةً، كانت حضرته ملقى الرّحال، وموسم الشّعراء، وقبلة الآمال ومألف الفضلاء. وشعره في غاية الحسن، وهو مدوّن موجود.
قال أبو بكر محمد بن عيسى اللخمي الدّاني المعروف بابن اللّبّانة الشّاعر: ملك المعتمد من مسوّرات البلاد ما بين أمصارٍ ومدن وحصون مائتي مسوّر وإحدى وثلاثين مسوّرًا. وخلع من ملكه عن ثمان مائة سرّية، وولد له مائة وثلاثةٌ وسبعون ولدًا. وكان راتبه كلّ يومٍ ثمان مائة رطل لحم، وكان له ثمانية عشر كاتبًا.
وذكر القاضي شمس الدّين ابن خلكان، قال (٢): كان الأدفونش بن فردلند ملك الفرنج بالأندلس قد قوي أمره، وكانت ملوك الطّوائف من المسلمين بجزيرة الأندلس يصالحونه، ويؤدون إليه ضريبة، ثمّ إنّه أخذ طليطلة في سنة ثمانٍ وسبعين وأربع مائة بعد حصارٍ شديد، وكانت للقادر بالله بن ذي النّون. وكان المعتمد مع كونه أكبر ملوك الجزيرة يؤدّي الضّريبة للأدفونش، فلمّا ملك الكلب طليطلة قويت نفسه، ولم يقبل ضريبة المعتمد، وأرسل إليه يتهدّده ويقول: تنزل عن الحصون التي بيدك، ويكون لك السّهل. فضرب
стр. 10095
المعتمد الرسول، وقتل من كان معه. فبلغ الأدفونش الخبر وهو متوجّهٌ لحصار قرطبة، فرجع إلى طليطلة لأخذ آلات الحصار، فأتى المشايخ والعلماء إلى أبي عبد الله محمد بن أدهم، وفاوضوه فيما نزل بالمسلمين، فاجتمع رأيهم أن يكتبوا إلى الأمير أبي يعقوب يوسف بن تاشفين صاحب مرّاكش، يستنجدونه ليعدي بجيوشه إلى الأندلس، وينجد الإسلام. واجتمع القاضي بالمعتمد على الله، وأعلمه بما جرى فقال: المصلحة ذلك. ثمّ إنّ ابن تاشفين نزل سبتة، وأمر جيشه، فعبروا إلى الجزيرة الخضراء، ولمّا تكامل له جنده عبر هو في السّاقة. ثم إنّه اجتمع بالمعتمد. وقد عرض المعتمد عساكره. وأقبل المسلمون من كلّ النّواحي طلبًا للجهاد. وبلغ الأدفونش الخبر فخرج في أربعين ألف فارس، وكتب إلى ابن تاشفين يتهدّده، فكتب ابن تاشفين جوابه في ظهر كتابه: الذي يكون ستراه. وردّه إليه. فلمّا عاينه وقرأه ارتاع لذلك، وقال: هذا رجل قد عزم. ثمّ سار حزب الإسلام وحزب الصّليب والتقى الجمعان بالزّلاقة من بلد بطليوس، فكانت ملحمةً كبرى، وهزم الله الأدفونش، بعد استئصال عسكره، ولم يسلم معه سوى نفرٍ يسير. وذلك في يوم الجمعة من رمضان سنة تسعٍ وسبعين. وأصاب المعتمد جراحاتٌ في وجهه وبدنه، وشهدوا له بالشّجاعة، وغنم المسلمون شيئًا كثيرًا. وعاد ابن تاشفين إلى بلاده. ثمّ إنّه في العام المقبل، عدّى إلى الأندلس، وتلقاه المعتمد، وحاصرا بعض حصون الفرنج، فلم يقدرا عليه، فرحل ابن تاشفين، ومرّ بغرناطة فأخرج إليه صاحبها عبد الله بن بلكّين تقادم سنيّة، وتلقاه، فغدر به ابن تاشفين، ودخل بلده وقصره، وأخذ منه ما لا يحصى، ثمّ رجع إلى مرّاكش، وقد أعجبه حسن الأندلس وبساتينها وبناها ومطاعمها التي لا توجد بمراكش، فإنّها بلاد بربر وأجلاف العربان. وجعل خواصّ ابن تاشفين يعظّمون عنده الأندلس، ويحسّنون له أخذها، ويغرون قلبه على المعتمد بأشياء.
وقال عبد الواحد بن علي المراكشي في تاريخه (١): غلب المعتمد على قرطبة في سنة إحدى وسبعين، فأخرج منها ابن عكاشة، ثم رجع إلى إشبيلية، واستخلف عليها ولده عبادًا، ولقبه المأمون. وفي سنة تسع وسبعين جاز
стр. 10096
المعتمد البحر إلى مراكش مستنصرًا بيوسف بن تاشفين على الروم، فلقيه أحسن لقاء، وأسرع إجابته. وقال: أنا أول منتدب لنصرة الدين. فرجع مسرورًا، ولم يدر أن تدميره في تدبيره، وسلَّ سيفًا عليه لا له. فأخذ ابن تاشفين في أهبة العبور إلى الأندلس، واستنفر الناس، وعبر في سبعة آلاف فارس، سوى الرجالة، ونزل الجزيرة الخضراء، وتلقاه المعتمد، وقدّم له تحفًا جليلة، وسأله أن يدخل إشبيلية، فامتنع وقال: نريد الجهاد، ثم سار بجيوشه إلى شرقي الأندلس. وكان الأدفونش - لعنه الله - يحاصر حصنًا، فرجع إلى بلاده يستنفر الفرنج، وتلقى ابن تاشفين ملوك الأندلس الذين كانوا على طريقه كصاحب غرناطة، وصاحب المرية، وصاحب بلنسية، ثم استعرض جنده على حصن لورقة، وقال للمعتمد: هلمّ ما جئنا له من الجهاد. وجعل يصغر قدر الأندلس ويقول: في أوقات كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا، فلما رأيناها وقعت دون الوصف. وهو في ذلك كله يُسِرُّ حسوًا في ارتغاء (١). فسار المعتمد بين يديه، وقصد طليطلة، فتكامل عدد المسلمين زهاء عشرين ألفًا، فالتقوا هم والعدو بأول بلاد الروم - لعنهم الله - وجاء الأدفونش - لعنه الله - في جيش عظيم بمرة، فلما رآهم يوسف قال للمعتمد: ما كنت أظن هذا الخنزير يبلغ هذا الحد. فالتقوا في ثاني عشر رمضان، وصبر البربر، وأبلوا بلاءً حسنًا، وهزم الله النصارى، وكانت ملحمة مشهودة. ونجا الأدفونش في تسعة من أصحابه. وتسمى هذه وقعة الزلاقة. ففرح أهل الأندلس بالبربر، وتيمنوا بهم، ودعوا لابن تاشفين على المنابر، فقوي طعمه في الأندلس. وقد كانت الفرنج تأخذ الإتاوة من ملوكها قاطبة. ثمّ جال ابن تاشفين في الأندلس على سبيل التفرّج، وهو يضمر أشياء، ويظهر إعظام المعتمد ويقول: إنّما نحن في ضيافته، وتحت أمره. وكان المعتصم محمد بن معن بن محمد بن صمادح، صاحب المرية، يحسد المعتمد، فداخل ابن تاشفين، وحظي عنده، فأخذ يعيب المعتمد، وقدّم لابن تاشفين هدايا فاخرة، ولم يدر ابن صمادح أنّه يسقط في البئر الذي حفر. وأعانه جماعةٌ على تغيير قلب ابن تاشفين بقول الزّور، وبأنه يتنقّصك. فعبر إلى بلاده مرّاكش. وفهم المعتمد أنه قد تغير عليه. ثم اتّفق رأي ابن
стр. 10097
٦ تاشفين أن يراسل المعتمد، يستأذنه في رجالٍ من صلحاء أصحاب ابن تاشفين رغبوا في الرّباط في حصون الأندلس. فأذن له. وأراد ابن تاشفين أن يكون له بالأندلس أعوانًا لوقت الحاجة. وقد كانت قلوب الأندلسيين قد أشربت حبّ ابن تاشفين، فانتخب رجالًا، وأمر عليهم قرابته بلّجين، وقرّر معه أمورًا، فبقوا بالأندلس إلى أن ثارت الفتنة. ومبدؤها في شوّال سنة ثلاثٍ وثمانين. فملك المرابطون جزيرة طريف، ونادوا فيها بدعوة أمير المسلمين يوسف. ثمّ زحف المرابطون الذين في الحصون إلى قرطبة فحاصروها، وفيها المأمون ابن المعتمد فدخلوها، وقتل المأمون بعد أن أبلى عذرًا وأظهر في الدّفاع جلدًا وصبرًا في صفر سنة أربع وثمانين. فزادت الإحنة والمحنة، وعلت الفتنة.
قال ابن خلّكان (١): وحاصروا إشبيليّة - وبها المعتمد - أشدّ المحاصرة، وظهر من شدّة بأس المعتمد ومصابرته وتراميه على الموت بنفسه، ما لم يسمع بمثله. فلمّا كان في رجب سنة أربعٍ هجم جيش ابن تاشفين البلد، وشنّوا فيه الغارات. ولم يتركوا لأحدٍ شيئًا. وخرج الناس يسترون عوراتهم بأيديهم. وقبضوا على المعتمد.
وقال عبد الواحد المذكور (٢): وفي نصف رجب ثاروا على المعتمد، فبرز من قصره وسيفه بيده، وغلالته ترفّ على جسده، لا درع عليه، ولا درقة معه، فلقي فارسًا مشهور النّجدة فرماه الفارس بحربةٍ، فأصاب غلالته، وضرب هو الفارس بالسيف على عاتقه، فخرّ صريعًا. فانهزمت تلك الجموع، وظنّ أهل إشبيليّة أنّ الخناق قد تنفّس. فلمّا كان وقت العصر، عاودهم البربر، فظهروا على البلد من واديه، وشبّت النار في شوانيه، فعندها انقطع العمل وخاب الأمل. وكان الذي ظهر عليها من جهة البرّ جدير ابن البربري، ومن الوادي الأمير أبو حمامة. والتوت الحال أيامًا، إلى أن قدم سير ابن أخي يوسف بن تاشفين بعساكره، والناس في تلك الأيام يرمون أنفسهم من الأسوار. فاتّسع الخرق على الرّاقع بمجيء سير، ودخل البلد من واديه، وأصيب حاضره وباديه، بعد أن جدّ الفريقان في القتال، وشنت الغارة في
стр. 10098
إشبيلية، ولم يترك البربر لأهلها سبدا ولا لبدا. ونهبت قصور المعتمد، وأخذ أسيرا. ثم أكره على أن يكتب إلى ولديه: أن تسلما الحصنين، وإلا قتلت، وإن دمي رهن على ذلك. وهما الراضي بالله، والمعتد بالله، وكانا في رندة ومارتلة، فنزلا بعد عهود مبرمة. فأما المعتد، فعند نزوله قبض عليه القائد الواصل إليه، وأخذ كل أمواله، وأما الآخر فقتلوه غيلة. وذهبوا بالمعتمد وآله بعد استئصال جميع أحواله، وعبروا به إلى طنجة، فبقي بها أياما، ثم نقلوه إلى مكناسة، فترك بها أشهرا، ثم نقلوه إلى مدينة أغمات، فبقي بها أكثر من سنتين مسجونا ومات. وللمعتمد مراث في ولديه اللذين قتلوهما، وله في حاله (١):
تبدلت من ظل عز البنود … بذل الحديد وثقل القيود
وكان حديدي سنانا ذليقا … وعضبا رقيقا صقيل الحديد
وقد صار ذاك وذا أدهما … يعض بساقي عض الأسود
وقيل: إن بنات المعتمد دخلن عليه السجن في يوم عيد، وكن يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، فرآهن في أطمار رثة، فصدعن قلبه، فقال (٢):
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا … فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة … يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة … أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية … كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به … فإنما بات بالأحلام مغرورا
ودخل عليه ولده أبو هاشم، والقيود قد عضت بساقيه، فقال (٣):
قيدي، أما تعلمني مسلما … أبيت أن تشفق أو ترحما
دمي شراب لك، واللحم قد … أكلته، لا تهشم الأعظما
يبصرني فيك أبو هاشم … فينثني، والقلب قد هشما
ارحم طفيلا طائشا لبه … لم يخش أن يأتيك مسترحما
стр. 10099
وارحم أخيات له مثله … جرعتهن السم والعلقما
وللمعتمد، وقد أحيط به (١):
لما تماسكت الدموع … وتنهنه القلب الصديع
قالوا: الخضوع سياسة … فليبد منك لهم خضوع
وألذ من طعم الخضو … ع على فمي السم النقيع
إن تستلب عني الدنا … ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه … لم تسلم القلب الضلوع
قد رمت يوم نزالهم … أن لا تحصنني الدروع
وبرزت ليس سوى القميـ … ـص عن الحشى شيء دفوع
أجلي تأخر، لم يكن … بهواي ذلي والخشوع
ما سرت قط إلى القتا … ل وكان في أملي رجوع
شيم الأولى أنا منهم … والأصل تتبعه الفروع
ولأبي بكر محمد بن اللبانة الداني فيه قصائد سائرة، وكان منقطعا إليه؛ من ذلك (٢):
لكل شيء من الأشياء ميقات … وللمنى من مناياهن غايات
والدهر في صيغة الحرباء منغمس … ألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشطرنج في يده … وربما قمرت بالبيدق الشاة (٣)
انفض يديك من الدنيا وساكنها … فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضي: قد كتمت … سريرة العالم العلوي أغمات
وهي طويلة.
وله فيه قصائد طنانة، هي (٤):
تنشق رياحين السلام فإنما … افضّ بها مسكا عليك مختما
стр. 10100
وقل لي مجازا إن عدمت حقيقة … بأنك في نعمى فقد كنت منعما
أفكر في عصر مضى لك مشرقا … فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
وأعجب من أفق المجرة إذ رأى … كسوفك شمسا كيف أطلع أنجما
قناة سعت للطعن حتى تقصدت … وسيف أطال الضرب حتى تثلما
بكى آل عباد ولا كمحمد … وأبنائه صوب الغمامة إذ هما
صباحهم كنا به نحمد السرى … فلما عدمناهم سرينا على عمى
وكنا رعينا العز حول حماهم … فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى
وقد ألبست أيدي الليالي محلهم … مناسج سدى الغيث فيها وألحما
قصور خلت من ساكنيها فما بها … سوى الأدم تمشي حول واقفة الدمى
كأن لم يكن فيها أنيس ولا التقى … بها الوفد جمعا والخميس عرمرما
حكيت وقد فارقت ملكك مالكا … ومن ولهي أبكي عليك متمما
تضيق علي الأرض حتى كأنني … خلقت وإياها سوارا ومعصما
وإني على رسمي مقيم فإن أمت … سأجعل للباكين رسمي موسما
بكاك الحيا والريح شقت جيوبها … عليك وناح الرعد باسمك معلما
ومزق ثوب البرق واكتست الضحى … حدادا وقامت أنجم الليل مأتما
وما حل بدر التم بعدك دارة … ولا أظهرت شمس الظهيرة مبسما
سينجيك من نجى من الجب يوسفا … ويؤويك من آوى المسيح ابن مريما
ثم إنه وفد على المعتمد وهو في السجن وفادة وفاء لا استجداء، وحكى أنه لما عزم على الانفصال عنه، بعث إليه عشرين دينارا، وتفصيلة، وأبياتا يعتذر فيها، قال: فرددتها عليه لعلمي بحاله، وأنه لم يترك عنده شيئا.
قال ابن خلكان (١): مولده سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة، ومات في شوال سنة ثمان وثمانين.
قلت: وقد سمى ابن اللبانة أولاد المعتمد الذين في الحياة بأسمائهم وألقابهم، فذكر نحوا من أربع وثلاثين بنتا، وثلاثين ذكرا.
٢٨٥ - محمد بن عبد الواحد، أبو بكر الأصبهاني، عرف بخوروست.
стр. 10101
شيخ مسنّ، قال السّلفي: لم يمت أحدٌ من شيوخي قبله. روى لنا عن أبي منصور بن مهربزد.
٢٨٦ - محمد بن عثمان بن علي بن حسان، أبو سعيد البستي الغازي القوّاس، ابن الأديب النّحوي أبي طاهر.
سمع من أصحاب الأصمّ. وكان أحد الرّماة المذكورين، وتوفي في ذي الحجّة عن أربع وثمانين سنة بنيسابور. روى عنه أبو البركات الفراوي، وأمّ سلمة بنت عبد الغافر (١).
٢٨٧ - محمد بن علي بن الحسين بن يحيى بن صميدون، القاضي أبو عبد الله الصّوري.
توفي بصور في رمضان.
٢٨٨ - محمد بن علي بن أبي عثمان، أبو الغنائم.
قال شجاع الذّهلي: توفي فيها، وقد مرّ سنة ثلاث (٢).
٢٨٩ - محمد بن علي بن محمد بن عبد الله، أبو علي الشّاذياخي الصّوفي.
حدّث عن أبي حسّان محمد بن أحمد المزكّي، وأبي بكر بن الحارث، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم المزكّي.
ولد سنة خمس عشرة وأربع مائة. وتوفي في صفر (٣).
٢٩٠ - محمد بن علي بن أبي صالح البغوي الدّبّاس.
سمع الجرّاحي، ومسعود بن محمد البغوي، وعلي بن أحمد الإستراباذي، وغيرهم.
وهو آخر من روى جامع التّرمذي بعلوّ، روى عنه ابنه عثمان، وأبو الفتح محمد بن عبد الله الشيرازي، وأحمد بن ياسر المقرئ، وأبو الفتح محمد بن أبي علي، ومحمد بن عبد الرحمن الحمدويي، وآخرون كثرون.
стр. 10102
وتوفّي ببغشور في ذي القعدة، وكان من الفقهاء، عاش ثمانيًا وثمانين سنة. وكنيته أبو سعيد (١).
٢٩١ - محمد بن المظفّر بن بكران بن عبد الصّمد، العلامة قاضي القضاة أبو بكر الشّامي الحموي الفقيه الشافعي.
ولد بحماة سنة أربع مائة، ورحل إلى بغداد شابًا، فسكنها وتفقّه بها. وسمع الحديث من عثمان بن دوست، وأبي القاسم بن بشران، وأبي طالب بن غيلان، وأبي محمد الخلال، وأبي الحسن العتيقي، وجماعة. روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وهبة الله بن طاوس المقرئ. وكان دخوله بغداد في سنة عشرين.
قال السمعاني: هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي، وله اطّلاع على أسرار الفقه. وكان ورعًا زاهدًا متّقيًا. جرت أحكامه على السداد. ولي قضاء القضاة ببغداد بعد موت أبي عبد الله الدامغاني سنة ثمانٍ وسبعين، إلى أن تغّير عليه المقتدي بالله لأمرٍ، فمنع الشهود من حضور مجلسه مدّةً، فكان يقول: ما أنعزل ما لم يتحقّقوا علي الفسق. ثمّ إنّ الخليفة خلع عليه، واستقام أمره.
وسمعت الفقيه أحمد بن عبد الله ابن الآبنوسي يقول: جاء أمير إلى قاضي القضاة الشّامي، فادّعى شيئًا، فقال: بيّنتي فلان والمشطب الفرغاني الفقيه. فقال: لا أقبل شهادة المشطب، لأنه يلبس الحرير. فقال: السّلطان ملكشاه ووزيره نظام الملك يلبسانه. فقال: ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضا.
وقال ابن النّجّار: كان قد تفقّه على أبي الطّيّب الطّبري، وكان يحفظ تعليقته، وولي قضاء القضاة، وأبى أن يأخذ على القضاء رزقًا. ولم يغيّر مأكله ولا ملبسه، ولا استناب أحدًا في القضاء. وكان يسوّي بين الشّريف والوضيع في الحكم، ويقيم جاه الشّرع. فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه، فألصقوا به ما كان منه بريًّا من أحاديث ملفّقة، ومعاييب مزوّرة. وصنّف كتاب البيان عن أصول الدّين. وكان على طريقة السّلف، ورعًا نزهًا.
وأنبأنا (٢) أبو اليمن الكندي أنّ أحمد بن عبد الله ابن الآبنوسي أخبره،
стр. 10103
قال: كان لقاضي القضاة الشّامي كيسان، أحدهما يجعل فيه عمامته، وهي كتّان، وقميصًا من القطن الخشن، فإذا خرج لبسهما. والكيس الآخر فيه فتيت، فإذا أراد الأكل جعل منه في قصعة، وجعل فيه قليلًا من الماء، وأكل منه.
وكان له كارك (١) في الشهر بدينار ونصف، كان يقتات منه. فلمّا ولي القضاء جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير، فأبى، وقال: لا أغيّر ساكني. وقد ارتبت بك؛ لم لا كانت هذه الزيادة قبل القضاء؟ وكان يشدّ في وسطه مئزرًا، ويخلع في بيته ثيابه، ويجلس. وكان يقول: ما دخلت في القضاء حتّى وجب علي، وأعصي إن لم أقبله. وكان طلاب المنصب قد كثروا، حتّى أنّ أبا محمد التميمي بذل فيه ذهبًا كثيرًا، فلم يجب.
وقال سبط الجوزي (٢): لمّا مات الدامغاني سنة ثمانٍ وسبعين أشار الوزير أبو شجاع على الخليفة أن يولّيه القضاء، فامتنع، فما زالوا به حتى تقلّده، وشرط أن لا يأخذ رزقًا، ولا يقبل شفاعة، ولا يغيّر ملبوسه، فأجيب إلى ذلك، فلم يتغير حاله، بل كان في القضاء كما كان قبله.
وقال ابن السّمعاني: سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول: كان قاضي القضاة الشّامي حسن الطّريقة؛ ما كان يتبسّم في مجلسه، ويقعد معبسًا، فلّما منعت الشّهود من حضور مجلسه، وقعد في بيته، نفّذ إليه القاضي أبو يوسف القزويني المعتزلي: ما عزلك الخليفة، إنّما عزلك النبي ﷺ ، قال: كيف ذلك؟ قال: لأنّه قال: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان. وأنت طول عمرك غضبان.
وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: كان حافظًا لتعليقة أبي الطّيّب، كأنّها بين عينيه، لم يقبل من سلطانٍ عطيّة، ولا من صديقٍ هدية. وكان يعاب بسوء الخلق والحدّة.
وقال أبو علي بن سكّرة: ورعٌ زاهدٌ، وأمّا العلم فكان يقال: لو رفع مذهب الشّافعي أمكنه أن يمليه من صدره. علّق عنه القاضي أبو الوليد الباجي.
стр. 10104
وقال عبد الوهاب الأنماطي: كان قاضي القضاة الشّامي حسن الطّريقة، ما كان يتبسّم في مجلس قضائه.
قال السّمعاني: توفي في عاشر شعبان، ودفن في تربةٍ له عند أبي العبّاس بن سريج. وله ثمانية وثمانون عامًا (١).
٢٩٢ - محمد بن أبي نصر فتّوح بن عبد الله بن فتّوح بن حميد بن يصل، الحافظ أبو عبد الله الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي، وميورقة: جزيرة قريبة من الأندلس.
سمع بالأندلس، ومصر، والشّام، والحجاز، وبغداد واستوطنها، وكان من كبار أصحاب أبي محمد بن حزم الفقيه.
قال: ولدت قبل العشرين وأربع مائة. سمع ابن حزم، وأخذ عنه أكثر كتبه، وأبا العباس أحمد بن عمر العذري، وأبا عمر بن عبد البرّ. ورحل سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مائة. فسمع بإفريقيّة كثيرًا، ولقي كريمة بمكّة. وسمع بمصر القاضي أبا عبد الله القضاعي، وعبد العزيز ابن الضّرّاب، وابن بقاء الورّاق، والحافظ أبا زكريا البخاري، وبدمشق أبا القاسم الحسين الحنّائي، وعبد العزيز الكتّاني، وأبا بكر الخطيب، وببغداد أبا الغنائم ابن المأمون، وأبا الحسين ابن المهتدي بالله، والطّبقة، وبواسط أبا غالب بن بشران اللّغويّ. ولم يزل يسمع ويكثر حتّى كتب عن أصحاب الجوهري.
روى عنه شيخه الخطيب في مصنفاته، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو علي بن سكّرة، وأبو الحسن بن سرحان، وأبو بكر بن طرخان، وهبة الله ابن الأكفاني، وأبو القاسم ابن السمرقندي، والحافظ إسماعيل بن محمد، وصدّيق بن عثمان التبريزي، وأبو إسحاق الغنوي، وأبو الفضل محمد بن ناصر، وطائفة آخرهم أبو الفتح ابن البطّي. سمع الكثير ورحل وتعب. وكان من كبار الحفّاظ.
وكان ثقة، متدينًا، بصيرًا بالحديث، عارفًا بفنونه، خبيرًا بالرجال، لا سيما بأهل الأندلس وأخبارها، مليح النّظم، حسن النغمة في قراءة الحديث، صيّنًا ورعًا، جيّد المشاركة في العلوم.
стр. 10105
وكان ظاهري المذهب، ويسرّ ذلك بعض الشّيء.
قال ابن طرخان: سمعته يقول: كنت أحمل للسّماع على الكتف سنة خمسٍ وعشرين وأربع مائة، وأوّل ما سمعت من الفقيه أبي القاسم أصبغ بن راشد. وكنت أفهم ما يقرأ عليه. وكان ممّن تفقه على أبي محمد بن أبي زيد. وأصل أبي من قرطبة، من محلةٍ يقال لها الرصافة، وسكن جزيرة ميورقة، وبها ولدت.
قال يحيى ابن البنّاء: كان الحميدي من حرصه واجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ، فكان يجلس في إجانة ماءٍ يتبرّد به.
وقال الحسين بن محمد بن خسرو: جاء أبو بكر بن ميمون، فدق على الحميدي، وظنّ أنّه قد أذن له فدخل، فوجده مكشوف الفخذ، فبكى الحميدي وقال: والله لقد نظرت إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عقلت.
وقال ابن ماكولا: لم أر مثل صديقنا الحميدي في نزاهته وعفّته وورعه وتشاغله بالعلم. صنّف تاريخًا للأندلس.
وقال السّلفي: سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبدري، عن الحميدي فقال: لا يرى قطّ مثله، وعن مثله يسأل؟ جمع بين الفقيه والحديث والأدب، ورأى علماء الأندلس. وكان حافظًا.
قلت: لقي حفّاظ العصر ابن عبد البرّ، وابن حزم، والخطيب، والحبّال.
وقال يحيى بن إبراهيم السّلماسي: قال أبي: لم تر عيناي مثل الحميدي في فضله ونبله وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم. قال: وكان ورعًا تقيًّا إمامًا في الحديث وعلله ورواته، متحقّقًا في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث، بموافقة الكتاب والسّنة، فصيح العبارة، متبحرًا في علم الأدب والعربيّة والتّرسّل. وله كتاب الجمع بين الصحيحين، وتاريخ الأندلس، وجمل تاريخ الإسلام، وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك، وكتاب في الترسّل، وكتاب مخاطبات الأصدقاء، وكتاب ما جاء من الآثار في حفظ الجار، وكتاب ذمّ النّميمة. وله شعرٌ رصينٌ في المواعظ والأمثال.
قلت: وقد جاء عن الحميدي أنّه قال: صيّرني الشهاب شهابًا. وكان
стр. 10106
يسمع عليه كثيرًا، عن مصنّفه القضاعي.
وقال ابن سكّرة: كان يدلني على المشايخ، وكان متقللًا من الدّنيا، يموّنه ابن رئيس الرؤساء. ثمّ جرت لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه. وكان يبيت عند ابن رئيس الرؤساء كلّ ليلة. وحدّثني أبو بكر ابن الخاضبة أنّه لم يسمعه يذكر الدّنيا قطّ.
وقال أبو بكر بن طرخان: سمعت أبا عبد الله الحميدي يقول: ثلاثة كتب من علوم الحديث يجب تقديم الهمم بها: كتاب العلل وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني، وكتاب المؤتلف والمختلف وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير ابن ماكولا، وكتاب وفيات الشّيوخ وليس فيه كتابٌ، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رتبه على حروف المعجم، بعد أن ترتّبه على السّنين.
قال ابن طرخان: فشغله عنه الصّحيحان، إلى أن مات.
قلت: قد فتح الله بكتابنا هذا، يسّر الله إتمامه، ونفع به، وجعله خالصًا من الرّياء والرياسة.
وقد قال الحميدي في تاريخ الأندلس (١): أخبرنا أبو عمر بن عبد البرّ، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الجهني، بمصنف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي، قراءةً عليه، عن حمزة بن محمد الكناني، عن النّسائي.
وللحميدي - رحمه الله تعالى -:
كتاب الله قولي … وما صحت به الآثار ديني
وما اتفق الجميع عليه بدءا … وعودا فهو عن حق مبين
فدع ما صد عن هذا وخذها … تكن منها على عين اليقين
وقال القاضي عياض: محمد بن أبي نصر أبو عبد الله الأزدي الأندلسي، سمع بميورقة من أبي محمد بن حزم قديما. وكان يتعصب له، ويميل إلى قوله. وكانت قد أصابته فيه فتنة، ولما شدد على ابن حزم وأصحابه خرج الحميدي إلى المشرق.
стр. 10107
ومن شعره:
طريق الزهد أفضل ما طريق … وتقوى الله تأدية الحقوق
فثق بالله يكفك واستعنه … يعنك وذر بنيات الطريق
وله:
لقاء الناس ليس يفيد شيئا … سوى الهذيان من قيل وقال
فاقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ العلم أو إصلاح حال
قال السّمعاني (١): روى لنا عنه يوسف بن أيوب الهمذاني، وإسماعيل الحافظ، ومحمد بن علي الجلابي، والحسين بن الحسن المقدسي، وغيرهم، وتوفي في سابعٍ عشر ذي الحجّة، ودفن بمقبرة باب أبرز بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشّيرازي، وصلّى عليه الفقيه أبو بكر الشّاشي بجامع القصر. ثم نقل في سنة إحدى وتسعين وأربع مائة إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر الحافي.
ونقل ابن عساكر في تاريخه (٢) أنّ الحميدي أوصى إلى الأجلّ مظفّر ابن رئيس الرؤساء أن يدفن عند بشر بن الحارث، فخالف وصيته، فلمّا كان بعد مدّة رآه في النّوم يعاتبه على ذلك، فنقله في صفر سنة إحدى وتسعين، وكان كفنه جديدًا، وبدنه طرّيًا، يفوح منه رائحة الطّيب. ووقف كتبه ﵀ (٣).
وقع لنا تذكرة الحميدي بعلوّ.
٢٩٣ - محمد بن محمد بن جماهر، أبو بكر الحجري الطّليطلي.
روى عن عمه جماهر، وقاسم بن هلال، وأبي عمر بن سميق، وحجّ، وسمع من أبي العباس بن نفيس، والقضاعيّ. وكان شديد العناية بالسّماع، وليس عنده كبير علم.
ورّخه ابن بشكوال (٤).
стр. 10108
٢٩٤ - محمد بن منصور بن عمر، أبو بكر الكرخي، الفقيه الشّافعي، والد أبي البدر إبراهيم الكرخي.
فقيه صالح؛ سمع أبا الحسن بن مخلد، وأبا علي بن شاذان. وعنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطي.
توفي في جمادى الأولى.
٢٩٥ - موسى بن محمد بن موسى، أبو عمران الأصبهاني، ثمّ البغدادي المؤدّب.
سمع عبد الملك بن بشران، وغيره. روى عنه أبو غالب ابن البناء، وابنه سعيد ابن البنّاء.
٢٩٦ - نجيب بن ميمون بن سهل بن علي، أبو سهل الواسطي، ثمّ الهروي.
سكن أبوه هراة، وسمع نجيب من والده؛ ومن أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي، ورافع بن عصم الضّبي، وطائفة من مسندي هراة.
توفي عن بضع وتسعين سنة، وقد سمع الكثير بعد الأربع مائة. وكان مسند هراة في زمانه.
روى عنه ابن طاهر المقدسي، ووجيه الشّحّامي، وأبو النّضر الفامي، وخلق سواهم منهم: عبيد الله بن حمزة الموسوي، وأخوه علي بن حمزة، والمطهر بن يعلى العلوي، ومحمد بن المفضل الدّهّان، والجنيد بن محمد القايني، ومحمد بن ريحان النّسائي، وأبو الفتح نصر بن سيّار، وعلي بن سهل الشّاشي، وأمة الله بنت محمد العارف، وعبد الملك بن عبد الله العدوي.
قال الدقاق: ليس بقي في الدنيا من يروي عن الخالدي سواه، وسمع من حاتم بن محمد بن أبي حاتم الهروي، وأحمد بن علي بن أحمد الشارعي، ومحمد بن منصور الجولكي، ومحمد بن محمد الأزدي القاضي.
وكان مولده في شعبان سنة اثنتين وتسعين وثلاث مائة، ومات في الثّاني والعشرين من رمضان سنة ثمان (١).
стр. 10109
٢٩٧ - هبة الله بن محمد بن الطّيب، أبو القاسم بن أبي بكر الصّبّاغ.
من سراة البغداديين. سمع أباه، وعثمان بن دوست، وغيرهما. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعمر بن ظفر الشّيباني، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام.
قال ابن ناصر: توفي في سادس ذي القعدة.
٢٩٨ - يعقوب بن سليمان بن داود، أبو يوسف الإسفراييني. نزيل بغداد وخازن كتب النّظاميّة.
تفقه على أبي الطيب الطبري. وقرأ النحو واللغة والأصول، وكان حسن الخط، مليح الشعر، حدث بسنن النّسائي عن أبي نصر الكسّار، وحدّث عن عبد العزيز الأزجي، والطّبري.
وتوفي في العشرين من ذي القعدة.
٢٩٩ - يلبر بن خطلع، أبو منصور الفانيذي الكرخي.
سمع مشيخة أبي علي بن شاذان منه. روى عنه إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطيّ. وكان صالحًا، صحيح السّماع.
توفي في جمادى الآخرة.
стр. 10110
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
٣٠٠ - أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن خداداد، أبو طاهر الكرجي الباقّلاني.
ولد سنة ستّ عشرة وأربع مائة، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا القاسم بن بشران، وأبا بكر البرقاني. وسمع كتبًا كبارًا، وتفرّد بها، من ذلك: سنن سعيد بن منصور، تفرّد به عن أبي علي بن شاذان. ولأبي طاهر السّلفي منه إجازة بمرويّاته.
روى عنه ابن ناصر، وعمر الدّهستاني، وعبد الوهّاب الأنماطي، وأبو علي بن سكّرة. وهو ابن خال ابن خيرون.
قال السّمعاني (١): كان شيخًا عفيفًا، زاهدًا، منقطعًا إلى الله، ثقة، فهمًا، لا يظهر إلا يوم الجمعة. سمعت عبد الوهّاب الحافظ يقول: كان أبو طاهر الباقّلاني أكثر معرفة من أبي الفضل بن خيرون. وكان زاهدًا حسن الطّريقة، وما كان له حلقة في الجامع، ولا قرئ عليه فيه حديث؛ كان يقول لأصحاب الحديث: أنا لكم من السّبت إلى الخميس، ويوم الجمعة أنا بحكم نفسي للتّبكير والتّلاوة. وسمعت عبد الوهّاب يقول: جاء نظام الملك إلى بغداد، وأراد أن يسمع من شيوخها، فكتبوا له أسماء الشّيوخ، وكتبوا في جملتهم اسمه، وسألوه أن يحضر دار نظام الملك حتّى يسمع منه. فامتنع، وألحّوا عليه، فما أجاب، ثمّ قال: إنّ ابن خيرون قرابتي، وما انفردت أنا بشيء، بل كلّ ما سمعت أنا سمعه هو، وهو في خزانة الخليفة على عملكم، فاسمعوا منه.
توفّي في رابع ربيع الآخر (٢).
٣٠١ - أحمد بن عبد الرحمن بن مظاهر، أبو جعفر الأنصاري الطّليطلي.
روى عن خاله جماهر بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن عبد السّلام
стр. 10111
الحافظ، وقاسم بن هلال، وجعفر بن عبد الله، وجماعة كثيرة. وعُني بسماع العلم ولقاء الشيوخ، وكان ذا بصر بالمسائل، وميل إلى الأثر. صنّف تاريخ فقهاء طليطلة؛ رواه عنه القاضي أبو الحسن بن بقي.
وكان ثقة (١).
٣٠٢ - أحمد بن عمر بن الأشعث، ويقال ابن أبي الأشعث، أبو بكر السّمرقندي المقرئ، نزيل دمشق، ثم نزيل بغداد.
سمع أبا عثمان الصّابوني، وأبا علي بن أبي نصر، وأبا علي الأهوازي وقرأ عليه بالروايات. روى عنه أبو الكرم الشّهرزوري، وابنه أبو القاسم إسماعيل ابن السمرقندي، وأبو الفتح ابن البّطي.
وقال أبو الحسن علي بن أحمد بن قبيس الغسّاني: كان أبو بكر يكتب المصاحف من حفظه. وكان إذا فرغ من الوجه كتب الوجه الآخر إلى أن يجفّ، ثمّ يكتب الوجه الذي بينهما فلا يكاد أن يزيد ولا ينقص، مع كونه يكتب في قطع كبير، وقطع لطيف. قال: وكان مزّاحًا. وخرج مع جماعة في فرجة، فقدّموه يصلّي بهم، فلمّا سجد بهم تركهم في الصّلاة، وصعد شجرة، فلمّا طال عليهم، رفعوا رؤوسهم من السّجدة، فلم يجدوه، ثمّ إذا به في الشّجرة يصيح: نوّ نوّ؛ فسقط من أعينهم وانتحس، وخرج إلى بغداد، وترك أولاده بدمشق.
قلت: ثمّ أرسل أخذ أهله. وسمّع ابنيه بدمشق سنة بضعٍ وخمسين. وببغداد سنة نيّفٍ وستين وأربع مائة. وأقرأ القرآن ببغداد، وتوفي في رمضان بها.
قال ابن النّجّار (٢): هو من أهل سمرقند، سافر إلى الشّام، وكان محمودًا، متقنًا، عارفًا بالرّويات، محقّقًا في الأخذ، متحرّيًا، صدوقًا، ورعًا. وكان يكتب على طريقة الكوفيين، ويجمع بين نسخ المصحف من حفظه، وبين الأخذ على ثلاثة، ويضبط ضبطًا حسنًا. حدثنا ابن الأخضر، قال: حدثنا ابن البّطي، قال: أخبرنا أحمد بن عمر السّمرقندي: أخبرنا الحسين بن
стр. 10112
محمد الحلبي، قال: حدثنا أحمد بن عطاء الرّوذباري إملاء بصور.
قلت: مات الحلبي سنة ستّ وثلاثين، وهو أقدم شيخ للسّمرقندي.
قال: الحسين بن محمد البلخي: كان شيخنا أبو بكر السّمرقندي لا يكتب لأحدٍ خطّه إذا قرأ عليه، إلا أن يكون مجوّدًا في الغاية. وما رأيته كتب إلا لمسعود الحلاوي، وقال: ما قرأ علي أحدٌ مثله. فجاء إليه الطّبّال، فقرأ ختمات، وأعطى ولد الشّيخ دنانير، فردّها الشّيخ وقال: لا أستحل أن أكتب له.
قال البلخي: وكان أبو بكر لمّا جاء من دمشق اتّصل بعفيف القائمي الخادم، فأكرمه وأنزله، فكان إذا جاءه الفرّاش بالطعام بكى، فسأله عن بكائه، فقال: إنّ لي بدمشق أولادًا في ضيق. فأخبر الفرّاش عفيفًا، فأرسل من جاء بهم من دمشق، فجاؤوا أباهم بغتةً، ولم يزالوا في ضيافة عفيف حتّى مات. ولد أبو بكر سنة ثمان وأربع مائة، ومات في سادس عشر رمضان.
قال محمد بن عبد الملك الهمذاني في تاريخه: هو مشهور في التّقدّم بالقرآن ونسخ المصاحف، جعل دأبه أن ينسخ، ويقرئ جماعةً بروايات مختلفة، يردّ على المخطئ منهم. فكان له في هذا كلّ عجيبة.
قلت: قرأ عليه جماعة، وكانت قراءته على الأهوازي في سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة (١).
٣٠٣ - أحمد بن محمد بن علي، أبو بكر الهروي المقرئ الضّرير.
سكن دمشق، وسمع بها، رشأ بن نظيف، وأبا علي الأهوازي، وعلي بن الخضر السّلمي، وسمع بصور من عبد الوهّاب بن برهان. سمع منه عمر الدّهستاني، وطاهر الخشوعي، وأبو محمد بن صابر ووثّقه.
وتوفّي بالقدس في ربيع الآخر.
قرأ على الأهوازي، وعاش اثنتين وثمانين سنة، وولد بهراة. وقد صنّف في القراءات الثّمان كتابًا سمّاه التذكرة. قرأ عليه القراءات إبراهيم بن حمزة بن الجرجرائي، وغيره (٢).
стр. 10113
٣٠٤ - إسماعيل بن حمد بن محمد بن خيران، أبو محمد الهمذاني البزّاز.
سمع أبا الحسين الفارسي، وعمر بن مسرور، وحدّث ببغداد، روى عنه محمد بن سعدون العبدري أبو عامر، وأبو البركات ابن السّقطيّ. وكان محدّثًا مكثرًا (١).
٣٠٥ - إسماعيل بن حمزة بن فضالة، أبو القاسم الهروي الحنفي العطّار.
عالم صدوق. حدّث بصحيح الإسماعيلي، عن الحسين بن محمد الباشاني. وسمع أيضا من سعيد بن العبّاس القرشيّ. روى عنه الجنيد بن محمد القايني، والقاسم بن الحسين الحصيري.
مات في ربيع الأول (٢).
٣٠٦ - إسماعيل بن عبد الملك، الفقيه أبو القاسم الطّوسي، الفقيه المعروف بالحاكمي.
قدم دمشق. عديل الإمام أبي حامد الغزالي. وسمع من نصر المقدسي في سنة تسعٍ وثمانين.
قال أبو المفضّل يحيى بن علي القرشي القاضي: كان أعلم بالأصول من الغزالي، وكان شافعيًّا (٣).
قلت: لا أعلم وفاته متى هي.
٣٠٧ - إسماعيل بن عثمان بن عمر الأبريسمي.
نيسابوري، روى عن أبي سعيد محمد بن موسى الصّيرفيّ. روى عنه زاهر الشّحّامي، وغيره.
وقيل: توفّي سنة تسعين (٤).
стр. 10114
٣٠٨ - أمة الرحمن بنت أبي القاسم عبد الواحد بن حسين بن الجنيد.
امرأة عالمة صالحة، متبرّكٌ بها، سمعت أبا القاسم بن بشران. روى عنها: إسماعيل ابن السمرقندي، وابن عبد السّلام الكاتب. وولدت سنة أربع مائة، وعمّرت (١).
٣٠٩ - الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن عمر، أبو عبد الله بن السّرّاج البغدادي النّصري.
كان من أهل الصّلاح والسّداد، سمع أبا القاسم الحرفي، وعثمان بن دوست العلاف، وعبد الملك بن بشران، ونصر بن علالة. روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطي، وعبد الخالق اليوسفي، ومسعود بن محمد بن شنيف، وآخرون.
توفّي في صفر.
أخبرونا عن ابن اللّتّي، عن مسعود، عنه، بجزء ابن عفّان.
٣١٠ - حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد، أبو القاسم القرشي الأسدي الزّبيري البغدادي.
شيخ صالح. سمع أبا القاسم الحرفي، وأبا علي بن شاذان.
روى عنه الأنماطي، وعمر بن ظفر، وابن ناصر، وآخرون.
توفّي في شعبان عن نيّفٍ وثمانين سنة (٢).
٣١١ - سليمان بن أحمد بن محمد، أبو الربيع الأندلسي السّرقسطي.
دخل بغداد، وسمع بها من أبي القاسم بن بشران، وأبي العلاء الواسطي، وجماعة.
وكان عارفًا باللّغة، لكن قال ابن ناصر: كان كذّابًا، وكان يلحق اسمه.
قال السّمعاني: حدثنا عنه عبد الوهّاب الأنماطي، وإسماعيل ابن السمرقندي، وابنه منصور بن سليمان. وسألت أبا منصور بن خيرون عنه، فأساء القول فيه، وقال: نهاني عمّي أبو الفضل أن أقرأ عليه.
стр. 10115
وتوفّي في ربيع الآخر (١).
٣١٢ - شافع بن علي بن أبي الفضل، أبو الفضل الطّريثيثي، الصّوفي، من ساكني نيسابور.
شيخ صالح ظريف، له مجاهدة وحفظ أوقات وجمع همّة. صحب السّادة وحجّ؛ وسمع بمكّة: أبا الحسن بن صخر. وبالبصرة إبراهيم بن طلحة بن غسّان. روى عنه وجيه الشّحّامي.
ولد سنة أربع مائة، وتوفّي في ذي الحجّة (٢).
٣١٣ - ظفر بن هبة الله بن القاسم، أبو نصر الكسائي الهمذاني التّاني.
قال شيرويه: يروي عن ابن المحتسب، وعلي بن إبراهيم بن حامد، وأبي طاهر بن سلمة، وابن عبدان، وأبي بكر الأردستانيّ. سمعت منه وولداي شهردار وزينب، وهو شيخ.
توفّي في جمادى الأولى، وصلّينا عليه يوم الجمعة.
٣١٤ - عبد الله بن الحسين بن علي بن حسين الأموي، أبو محمد السّعيداني البصري، من ولد أمير مكّة عتّاب بن أسيد ﵁.
كان أبو محمد محتسب البصرة. وقد سمع الكثير من علي بن هارون المالكي، والمبارك بن علي بن حمدان، والحسن بن أحمد الدّبّاس، وطلحة بن يوسف المواقيتي، وجماعة. ورحل إلى بغداد، وسمع وحدّث.
ولد سنة تسعٍ وأربع مائة، وأوّل سماعه سنة ثمان عشرة. وكان حافظًا محدّثًا، حدّث عنه أبو عبد الله البارع، وأبو غالب الماورديّ. ووثّقه الحافظ جابر بن محمد البصري، وقال: عنه أخذت علم الحديث.
وقد كتب عن السّعيداني أبو عبد الله الحميدي، ومكّي الرّميلي، وشجاع الذّهلي.
وقد تقدّم ذكره، ورّخ ابن النّجّار وفاته في هذه السّنة.
٣١٥ - عبد الله بن يوسف، القاضي أبو محمد الجرجاني المحدّث.
стр. 10116
صنّف فضائل الشّافعي وفضائل أحمد بن حنبل. ودخل هراة، وتوفّي في ذي القعدة. وسماعاته في حدود الثّلاثين وأربع مائة. روى عنه وجيه الشّحّامي، وغيره، وعبد الغافر الفارسي، سمع من عمر بن مسرور، وأبي الحسين الفارسي، وأبي سعد الكنجروذي، وأبي عثمان البحيري، وطبقتهم، ومن بعدهم فأكثر، وهو ثقة صاحب حديث.
قال السّمعاني: ولد بجرجان سنة تسعٍ وأربع مائة، سمع من حمزة السّهمي، وأحمد بن محمد الخندقي، ومحمد بن علي بن محمد الطّبري، وكريمة بنت محمد المغازلي، والأربعة سمعوا من ابن عدي. وسمع من أبي نعيم عبد الملك بن محمد الإستراباذي، الصّغير صاحب الإسماعيلي. ومن عبد الملك بن محمد بن شاذان الجرجاني، وأبي معمر المفضل بن إسماعيل الإسماعيلي. روى لنا عنه الجنيد بن محمد القايني، وعبد الملك بن عبد الله العدوي، وأخوه أبو الفتح سالم، وعلي بن حمزة الموسوي، وهبة الرحمن القشيري، وآخرون.
قال: ومات في تاسع ذي القعدة (١).
٣١٦ - عبد الجبّار بن عبد الواحد بن أحمد بن شبويه، أبو الفضل بن أبي طاهر، التّاجر، الأصبهاني.
حدّث عن أبي نعيم. سمع منه المؤتمن السّاجي، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبو الفتح بن عبد السّلام.
ولد سنة ثلاثٍ وعشرين وأربع مائة، وتوفّي ببغداد في شوّال سنة تسعٍ وثمانين.
٣١٧ - عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد بن علي، أبو منصور الشّيحي التّاجر السّفّار المعروف بابن شهدانكة، من أهل محلّة النّصريّة ببغداد.
سمع الكثير من أبي منصور محمد بن محمد ابن السّواق، وأبي بكر أحمد بن محمد بن الصّقر، وعبد العزيز بن علي الأزجي، وابن غيلان، وأبي محمد الخلال، والعتيقي، وطبقتهم. وكتب بخطّه أكثر مسموعاته.
стр. 10117
وسمع بمصر: أبا الحسن الطّفّال، وأبا القاسم علي بن محمد الفارسي، وعبد الملك بن مسكين، وبدمشق أبا الحسين محمد بن عبد الرحمن بن أبي نصر، وأبا القاسم الحنّائي، وأبا عبد الله محمد بن يحيى بن سلوان، وبالرّحبة عبيد الله بن أحمد الرّقي، وطائفة سواهم.
وكتب بخطّه أكثر مصنّفات الخطيب، وروى الكثير، حدّث عنه شيخه أبو بكر الخطيب، وأبو السّعود أحمد بن علي، وأبو عامر العبدري، وأبو القاسم ابن السمرقندي، وأبو الفتح محمد بن عبد السّلام، وسعيد بن محمد الرّزّاز الفقيه، وأبو بكر ابن الزّاغوني، وأبو الفضل بن ناصر، وخلق سواهم.
سُئل إسماعيل بن محمد الحافظ عنه، فقال: شيخ فاضل ثقة.
وقال شجاع الذّهلي: كان صدوقًا.
وقال أبو عامر العبدري: كان من أنبل من رأيت وأوثقه.
وقال أبو علي الصّدفي: كان فاضلا نبيلًا كيّسًا ثقة، وكان عنده أصل أبي بكر الخطيب بتاريخه، خصّه به.
قلت: لأنّه فيما قال السّمعاني هو الذي حمل الخطيب إلى العراق، فأهدى إليه الخطيب تاريخه بخطّه.
وقال غيث بن علي: سألته عن مولده، فقال: سنة إحدى وعشرين وأربع مائة، وأوّل سماعي سنة سبعٍ وعشرين.
وقال أبو علي البرداني: كان من المتموّلين، وكان أمينًا سريًّا، كتب كثيرًا. وتوفّي في جمادى الأولى.
قال السّمعاني: سمعت شيخًا لنا يقول: إنّ الخطيب لمّا حدّث بالجزء الأوّل من تاريخه استأذنه أبو الفضل بن خيرون أو شجاع الذّهلي في التّسميع في أي موضعٍ يكتب، فقال: استأذنوا الشّيخ عبد المحسن، فإنّ النّسخة له، ولو كان عندي شيءٌ أعزّ منه أهديته له.
وقال أبو الفضل محمد بن عطّاف: كان شيخنا عبد المحسن على طريقةٍ حسنة مرضيّة، حسن العناية بالعلم، وكان مالكيًّا ثقة أمينًا، قال لي: ولدت في رجب سنة إحدى وعشرين.
стр. 10118
وقال ابن ناصر: توفّي شيخنا عبد المحسن ابن الشّيحي في سادس عشر جمادى الأولى.
قلت: وأبوه من شيحة، قريةٌ من قرى حلب (١).
٣١٨ - عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد، أبو الفضل المقدسي الهمذاني الفرضي، نزيل بغداد.
كان واحد عصره في الفرائض. سمع الحسن بن محمد الشّاموخي بالبصرة، وعبد الواحد بن هبيرة العجلي، وجماعة. روى عنه ابن السّمرقندي، وعبد الوهّاب الأنماطي.
وقيل: كان معتزليًّا.
توفّي في رمضان ببغداد، وهو والد المؤرّخ محمد (٢).
٣١٩ - عبد الملك بن سراج بن عبد الله بن محمد بن سراج، الإمام أبو مروان الأموي، مولاهم القرطبي.
إمام اللّغة بالأندلس، غير مدافع. روى عن أبيه، ويونس بن عبد الله القاضي، وإبراهيم بن محمد الإفليلي، ومكّي بن أبي طالب، وأبي عمرو السّفاقسي، وجماعة.
روى عنه أبو علي الصّدفي، وقال: هو أكثر من لقيته علمًا بضروب الآداب ومعاني القرآن والحديث.
وقال القاضي أبو عبد الله ابن الحاجّ: كان شيخنا أبو مروان بن سراج يقول: حدّثنا وأخبرنا واحدٌ، ويحتجّ بقوله - تعالى -: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فجعل الحديث والخبر واحدًا.
وقال القاضي عياض (٣): الوزير أبو مروان الحافظ اللّغوي النّحوي إمام الأندلس في وقته في فنّه، وأذكرهم للسان العرب، وأوثقهم على نقله. وكان أبوه أبو القاسم قاضي قرطبة من أفضل العلماء.
قال عياض: وأخبرني ابنه أبو الحسين الحافظ أنّ أبا محمد مكّيًّا المقرئ
стр. 10119
كان يعرض عليه بعض مصنّفاته، ويأخذ رأيه فيها، وإليه كانت الرحلة من أقطار الأندلس.
وقال اليسع بن حزم: لكن ابن سراج زين الإيمان، وحسنة الزّمان، العلامة، النّسّابة، ذو الدّعوة المستجابة، والتسهيل والإجابة. كان المعتمد يزوره ويعظّمه.
وقال أبو الحسن بن مغيث: كان أبو مروان من بيت خيرٍ وفضل، من مشاهير الموالي بالأندلس. كان جدّهم سراج من موالي بني أميّة، على ما حكاه أهل النّسب، إلا أنّ أبا مروان قال لي غير مرّة: إنّه من العرب، من كلب بن وبرة، أصابهم سباء. اختلفت إليه كثيرًا ولازمته، وكان واسع الرّواية والمعرفة، حافلهما، بحر علم، عالمًا بالتّفاسير، ومعاني القرآن، ومعاني الحديث، أحفظ النّاس للسان العرب، وأصدقهم فيما يحمله، وأقومهم بالعربيّة والأشعار والأخبار والأيّام والأنساب. عنده يسقط حفظ الحفّاظ ودونه يكون علم العلماء. فاق الناس في وقته، وكان حسنةً من حسنات الزّمان، وبقيّة الأشراف والأعيان.
وقال أبو علي الغسّاني: سمعته يقول: مولدي في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة أربع مائة. ومتّع بجوارحه على اعتلاء سنه، إلى أن توفّي، وهو حسن النقيبة، متوقدّ الذّهن، سريع الخاطر، في تاسع ذي الحجّة يوم عرفة، وصلّى عليه ابنه أبو الحسن سراج (١).
٣٢٠ - القاسم بن الفضل بن أحمد بن أحمد بن محمود، أبو عبد الله الثّقفي الأصبهاني، رئيس أصبهان وكبيرها ومسندها.
ولد سنة سبعٍ وتسعين وثلاث مائة، وأوّل سماعه في ذي الحجّة سنة ثلاثٍ وأربع مائة. سمع أبا الفرج عثمان بن أحمد بن إسحاق بن بندار البرجي، وعبد الله بن أحمد بن جولة الأبهري، ومحمد بن إبراهيم الجرجاني، وأبا بكر بن مردويه، وعلي بن فيلة الفرضي، وأحمد بن عبد الرحمن الأزدي، وجماعة بأصبهان. ومحمد بن محمد بن محمش، ومحمد بن الحسين السّلمي، ويحيى بن إبراهيم المزكّي وأبا بكر الحيري، وأبا سعيد الصّيرفي، وعبد الرّحمن بن
стр. 10120
محمد بن أحمد بن حبيب القاضي، ومحمد بن محمد بن بالويه الصّائغ، والحسين بن عبد الرحمن التّاجر، وعبد الرحمن بن بالويه، وعلي بن أحمد بن عبدان الشّيرازي، وأبا عمرو محمد بن عبد الله الرّزجاهي، وعلي بن محمد بن خلف، وأبا حازم عمر بن أحمد العبدويي، وجماعة بنيسابور. وهلال بن محمد الحفّار، وأبا الحسين بن بشران، وابن الفضل القطّان، والغضائري، والإيادي، وجماعة ببغداد، وأبا عبد الله بن نظيف بمكّة.
روى عنه إسماعيل بن محمد الحافظ، وأبو نصر أحمد بن عمر الغازي، وأبو طاهر أحمد بن حامد الثّقفي، وبنيمان بن محمد الكندوج، وشيبان بن عبد الله المؤدّب، وبندار بن غانم، وعبد الجبّار بن محمد بن علي الصّالحاني، وأبو المطهّر الصّيدلاني القاسم بن الفضل، وأبو جعفر محمد بن الحسن الصّيدلاني، وأبو رشيد محمد بن علي بن محمد الباغبان، وأبو عبد الله الحسن بن العباس الرّستمي، وحفيده مسعود بن القاسم الثّقفي، والحافظ أبو طاهر السّلفي، وأبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهاني، وخلق سواهم.
قال السّمعاني: كان ذا رأي وكفاءة وشهامة. وكان أيسر أهل عصره ثروةً ونعمةً وبضاعةً ونقدًا. وكان منفقًا كثير الصّدقة، دائم الإحسان إلى الطّارئين والمقيمين وأهل الحديث عمومًا، وإلى العلويّة خصوصًا، كثير الإنفاق عليهم. وصرف في آخر عمره، يعني عن رياسة البلد، وصودر، فدفع مائة ألف دينار حمر في مدّةٍ يسيرة، لم يبع في أدائها ضياعًا ولا عقارًا، ولا أظهر من نفسه انكسارًا إلى أن خرج من عهدة ذلك. وكان رجلًا من رجال الدّنيا. وعمّر حتّى سمع منه الكثير، وانتشرت عنه الرواية في الأقطار، ورحلت إليه الطّلبة من الأمصار. وكان صحيح السّماع، غير أنّه كان يميل إلى التّشيّع على ما سمعت جماعةً من أهل أصبهان.
وقال يحيى بن منده: لم يحدّث في وقته أوثق في الحديث منه وأكثر سماعًا، وأعلى إسنادًا، إلا أنّه كان يميل إلى الرّفض - فيما قيل -. سمع تاريخ يعقوب الفسوي من ابن الفضل القطّان، عن ابن درستويه، عنه. وسمع تاريخ ابن معين من أبي عبد الرحمن السّلمي. حكي لي أنّه ولد سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مائة، وقيل: سنة سبعٍ.