بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
قال ابن الأثير (١): ابتداء دولة الفرنج، لعنهم الله، في سنة ثمان وسبعين، فملكوا طليطلة وغيرها من الأندلس، ثم قصدوا صقلية في سنة أربع وثمانين فملكوها، وأخذوا بعض أطراف إفريقية، وخرجوا في سنة تسعين إلى بلاد الشام، فجمع ملكهم بردويل جمعًا كثيرًا، وبعث إلى الملك رجار صاحب صقلية يقول: أنا واصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها، وأكون مجاورًا لك، فاستشار رجار أكابر دولته، فقالوا: هذا جيد لنا وله، وتصبح البلاد بلاد النصرانية، فضرط ضرطةً، وقال: وحق ديني، هذه خير من كلامكم! قالوا: ولم؟
قال: إذا وصل احتاج إلى كلفة كبيرة ومراكب وعساكر من عندي، فإن فتحوا إفريقية كانت لهم ويأخذون أكثر مغل بلادي، وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم، ويقول تميم - يعني ابن باديس -: غدرت ونقضت العهد، ونحن إن وجدنا قوة أخذنا إفريقية، ثم أحضر الرسول، وقال: إذا عزمتم على حرب المسلمين فالأفضل فتح بيت المقدس، تخلصونه من أيديهم، ويكون لكم الفخر، وأما إفريقية فبيني وبين صاحبها عهود وأيمان، فتركوه وقصدوا الشام.
وقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام ودخول آتسز إلى القاهرة وحصارها، كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوه (٢).
стр. 10152
وقيل: إنهم عبروا خليج القسطنطينية وقدموا بلاد قليج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي، فالتقاهم، فهزموه في رجب سنة تسعين، واجتازوا ببلاد ليون الأرمني فسلكوها، وخرجوا إلى أنطاكية فحاصروها، فخاف ياغي سيان من النصارى الذين هم رعيته، فأخرج المسلمين خاصة لعمل الخندق، فأصلحوه، ثم أخرج النصارى كلهم من الغد لعمل الخندق أيضا، فعملوا فيه إلى العصر، ومنعهم من الدخول، وأغلق الأبواب، وأمن غائلة النصارى، وحاصرته الفرنج تسعة أشهر، وهلك أكثر الفرنج قتلًا وموتًا بالوباء، وظهر من شجاعة ياغي سيان وحزمه ورأيه ما لم يشهد من غيره، وحفظ بيوت رعيته النصارى بما فيها، ثم إن الفرنج راسلوا الزراد أحد المقدمين، وكان متسلمًا برجًا من السور، فبذلوا له مالًا، فعامل على المسلمين وطلعوا إلى أن تكاملوا خمسمائة، فضربوا البوق وقت السحر، ففتح ياغي سيان الباب، وهرب في ثلاثين فارسًا، ثم هرب نائبه في جماعة.
واستبيحت أنطاكية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك في جمادى الأولى من سنة إحدى وتسعين، وأسقط في يد ياغي سيان صاحبها، وأكل يديه ندمًا حيث لم يقف ويقاتل عن حرمه حتى يقتل، فلشدة ما لحقه سقط مغشيًا عليه، وأراد أصحابه أن يركبوه، فلم يكن فيه حيل يتماسك به، بل قد خارت قوته، فتركوه ونجوا، فاجتاز به أرمني حطاب، فرآه بآخر رمق، فقطع رأسه، وحمله إلى الفرنج.
وقال صاحب المرآة: وكثر النفير على الفرنج، وبعث السلطان بركياروق إلى العساكر يأمرهم بالمسير مع عميد الدولة للجهاد، وتجهز سيف الدولة صدقة بن مزيد، فجاءت الأخبار إلى بغداد بأن أنطاكية أخذت، وأن الفرنج صاروا إلى المعرة، وكانوا في ألف ألف إنسان، فنصبوا عليها السلالم، ودخلوها، وقتلوا بها مائة ألف نفس، وسبوا مثل ذلك، وفعلوا بكفرطاب كذلك (١).
قلت: دافع أهل المعرة عنها، وقاتلوا قتال الموت حتى خذلوا، فقتل بها عشرون ألفا، فهذا أصح.
стр. 10153
وقال أبو يعلى ابن القلانسي (١): وأما أنطاكية فقتل بها وسبي من الرجال والنساء والأطفال ما لا يدركه حصر، وهرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها.
قال أبو يعلى: وبعد ذلك أخذوا المعرة في ذي الحجة.
قال ابن الأثير (٢): ولما سمع قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل بذلك، جمع الجيوش وسار إلى الشام، ونزل بمرج دابق، فاجتمعت معه عساكر الشام، تركها وعربها، سوى جند حلب، فاجتمع معه دقاق وطغتكين أتابك، وجناح الدولة صاحب حمص، وأرسلان صاحب سنجار، وسقمان بن أرتق وغيرهم، فعظمت المصيبة على الفرنج، وكانوا في وهن وقحط، وسارت الجيوش فنازلتهم، ولكن أساء كربوقا السيرة في المسلمين، وأغضب الأمراء وتحامق، فأضمروا له الشر، وأقامت الفرنج في أنطاكية بعد أن ملكوها ثلاثة عشر يومًا، ليس لهم ما يأكلونه، وأكل ضعفاؤهم الميتة وورق الشجر، فبذلوا البلد بشرط الأمان، فلم يعطهم كربوقا.
وكان بردويل، وصنجيل، وكندفري، والقمص صاحب الرها، وبيمنت صاحب أنطاكية، ومعهم راهب يرجعون إليه، فقال: إن المسيح كانت له حربة مدفونة بأنطاكية، فإن وجدتموها نصرتم، ودفن حربة في مكان عفاه، وأمرهم بالصوم والتوبة ثلاثة أيام، ثم أدخلهم إلى مكان، وأمر بحفره، فإذا بالحربة، فبشرهم بالظفر وخرجوا للقاء، وعملوا مصافًا، فولى بعض العساكر حرب كربوقا، لما في قلبهم منه، وما كان ذا وقت ذا، فاشتغل بعضهم ببعض، ومالت عليهم الفرنج، فهزمتهم، وهربوا من غير أن يقاتلوا، فظنت الفرنج أنها مكيدة، إذ لم يجر قتال يوجب الهزيمة، وثبت جماعة من المجاهدين، وقاتلوا خشية، فحطمتهم الفرنج، واستشهد يومئذ ألوف، وغنمت الفرنج من المسلمين معظم ثقلهم ورختهم (٣).
ثم ساروا إلى المعرة، فحاصروها أيامًا، ثم داخل المسلمين فشل وهلع، وظنوا أنهم إذا تحصنوا بالدور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا من السور إلى
стр. 10154
الدور، فرآهم طائفة أخرى، ففعلوا كفعلهم، فخلا مكانهم من السور، فصعدت الفرنج على السلالم، ووضعوا فيهم السيف ثلاثة أيام، وقتلوا ما يزيد على مائة ألف، وملكوا جميع ما فيها.
وساروا إلى عرقة، فحصروها أربعة أشهر، ونقبوا أماكن، ثم صالحهم عليها صاحب شيزر ابن منقذ، فساروا ونازلوا حمص، ثم صالحهم جناح الدولة على طريق إلى عكا.
وفيها شغب الجند على السلطان بركياروق وقالوا: لا نسكت لك حتى تسلم إلينا مجد الملك القمي المستوفي - وكان قد أساء السيرة، وضيق أرزاقهم -، فقال القمي: نفسي فداؤك دعهم يقتلوني ويبقى عليك ملكك، فقال: والله لا مكنتهم منك، وعزم على إخفائه، فقيل له: متى خرج عنك قتلوه، ولكن اشفع فيه، فبعثه وقال للأمراء: السلطان يشفع إليكم فيه، فثاروا به وقتلوه، ثم جاؤوا وقبلوا الأرض بين يدي بركياروق، فسكت.
وقال أبو يعلى (١): وفيها سار أمير الجيوش أحمد حتى نازل بيت المقدس وحاصره، وأخذه من سقمان بن أرتق.
سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة
لما سار السلطان بركياروق إلى خراسان، استعمل أنر على فارس وبلادها، وكان قد غلب عليها خوارج الأعراب، واعتضدوا بصاحب كرمان ابن قاروت، فالتقاهم أنر، فهزموه وجاء مفلولًا، ثم ولي إمارة العراق، يعني من قبل بركياروق، فأخذ يكاتب الأمراء المجاورين له، وعسكر بأصبهان، ثم سار منها إلى إقطاعه بأذربيجان، وقد عاد، وانتشرت دعوة الباطنية بأصبهان، فانتدب لقتالهم، وحاصر قلعة لهم بأرض أصبهان، واتصل به مؤيد الملك ابن نظام الملك، وجرت له أمور، ثم كاتب غياث الدين محمد بن ملكشاه، وهو إذ ذاك بكنجة، ثم سار إلى الري في نحو عشرة آلاف، وهم بالخروج على بركياروق، فوثب عليه ثلاثة فقتلوه في رمضان بعد الإفطار، فوقعت الصيحة، ونهبت خزائنه، وتفرق جمعه، ثم نقل إلى أصبهان، فدفن في داره.
стр. 10155
وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس؛ لما كسرت الفرنج خذلهم الله، المسلمين على أنطاكية في العام الماضي قووا وطغوا، وكان تاج الدولة تتش قد استولى على فلسطين وغيرها، وانتزع البلاد من نواب بني عبيد، فأقطع الأمير سقمان بن أرتق التركماني بيت المقدس، فرتبه وحصنه، فسار الأفضل بن بدر أمير الجيوش، فحاصر الأمير سقمان وأخاه إيلغازي، ونصبوا على القدس نيفًا وأربعين منجنيقًا، فهدموا في سوره، ودام الحصار نيفًا وأربعين يومًا، وأخذوه بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين، وأنعم الأفضل على سقمان وأخيه، وأجزل لهم الصلات، فسار سقمان واستولى على الرها، وذهب أخوه إلى العراق، وولى على القدس افتخار الدولة المصري، فدام فيه إلى هذا الوقت، وسارت جيوش النصرانية من حمص، فنازلت عكا أيامًا، ثم ترحلوا وأتوا القدس، فحاصروه شهرًا ونصفا، ودخلوه من الجانب الشمالي ضحوة نهار الجمعة لسبعٍ بقين من شعبان، واستباحوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
واحتمى جماعة ببرج داود، ونزلوا بعد ثلاثٍ بالأمان، وذهبوا إلى عسقلان.
قال ابن الأثير (١): قتلت الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا، منهم جماعة من العلماء والعباد والزهاد، ومما أخذوا أربعين قنديلًا من الفضة، وزن القنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورًا من فضة، وزنه أربعون رطلًا بالشامي، وغنموا ما لا يحصى، وورد المستنفرون من الشام إلى بغداد صحبة القاضي أبي سعد الهروي، فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وجرح القلوب، وبعث الخليفة رسلًا، فساروا إلى حلوان، فبلغهم قتل مجد الملك الباسلاني، فردوا من غير بلوغ أربٍ، ولا قضاء حاجة، واختلف السلاطين، وتمكنت الفرنج من الشام، وللأبيوردي:
مزجنا دماء بالدموع السواجم … فلم يبق منا عرضة للمراجم
وشر سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبت نارها بالصوارم
فإيها بني الإسلام، إن وراءكم … وقائع يلحقن الردى بالمناسم
стр. 10156
أتهويمة في ظل أمن وغبطة … وعيش كنوار الخميلة ناعم
وكيف تنام العين ملء جفونها … على هفوات أيقظت كل نائم؟
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسومهم الروم الهوان وأنتم … تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
فكم من دماء قد أبيحت، ومن دمى … توارى حياء حسنها بالمعاصم
بحيث السيوف البيض محمرة الظبا … وسمر العوالي داميات اللهاذم
يكاد لهن المستجن بطيبة … ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم، والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفا من الردى … ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى … وتغضي على ذل كماة الأعاجم
فليتهم إذ لم يردوا حمية … عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: سارت الفرنج ومقدمهم كندهري (١) في ألف ألف، منهم خمسمائة ألف مقاتل، وعملوا برجين من خشب مطلين على السور، فأحرق المسلمون البرج الذي كان بباب صهيون، وقتلوا من فيه، وأما الآخر فزحفوا به حتى ألصقوه بالسور وحكموا به على البلد، وكشفوا من كان بإزائهم، ورموا بالمجانيق والسهام رمية رجلٍ واحدٍ، فانهزم المسلمون من السور.
قلت: هذه مجازفة بينة، بل حكى ابن منقذ: أن ما جرى كان بجبيل، وأن قوما وقفوا على سورها بأمر الوالي في مضيق لا يكاد يعبر منه إلا واحد بعد واحد، قال: فكان عدد خيلهم ستة آلاف ومائة فارس، والرجالة ثمانية وأربعون ألفًا، ولم تزل دار الإسلام منذ فتحها عمر ﵁.
قال ابن الأثير (٢): وكان الأفضل لما بلغه نزولهم على القدس تجهز وسار من مصر في عشرين ألف فارس، فوصل إلى عسقلان ثاني يوم الفتح، ولم يعلم، وراسل الفرنج. فأعادوا الرسول بالجواب، ورحلوا في أثره وطلعوا على المصريين عقيب وصول الرسول، ولم يعلم المصريون بشيء، فبادروا
стр. 10157
السلاح والخيل، وأعجلتهم الفرنج فهزموهم، وقتلوا منهم من قتل، وغنموا خيامهم بما فيها، ودخل الأفضل عسقلان، وتمزق أصحابه، فحاصرته الفرنج بعسقلان، فبذل لهم ذهبًا كثيرًا، فردوا إلى القدس.
قال أبو يعلى ابن القلانسي (١): قتلوا بالقدس خلقًا كثيرًا، وجمعوا اليهود في كنيسة وأحرقوها عليهم، وهدموا المشاهد.
وفيها ابتداء دولة محمد بن ملكشاه، لما مات أبوه ببغداد سار مع أخيه محمود والخاتون تركان إلى أصبهان، ثم إن أخاه بركياروق أقطعه كنجة، وجعل له أتابكًا، فلما قوي محمد قتل أتابكه قتلغ تكين، واستولى على مملكة أران، وطلع شهمًا شجاعًا مهيبًا، قطع خطبة أخيه، واستوزر مؤيد الملك عبد الله بن نظام الملك، فإنه التجأ إليه بعد قتل مخدومه أنر، واتفق قتل مجد الملك الباسلاني، واستيحاش العسكر من بركياروق، ففارقوه وقدموا على محمد، وكثر عسكره، فطلب الري، وعرج أخوه إلى أصبهان، فعصوا عليه، ولم يفتحوا له، فسار إلى خوزستان، وأما محمد فاستولى على الري وبها زبيدة والدة السلطان بركياروق، فسجنها مؤيد الملك الوزير، وصادرها وأمر بخنقها، ولكن أظفر الله بركياروق بالمؤيد فقتله. وسار سعد الدولة كوهرائين من بغداد إلى خدمة السلطان محمد، فخلع عليه، ورده إلى بغداد نائبًا له، وأقيمت لمحمد الخطبة ببغداد، ولقب غياث الدنيا والدين في آخر السنة.
وفيها، وفي العام الماضي، كان بخراسان الغلاء المفرط، والوباء، حتى عجزوا عن الدفن، وعظم البلاء.
وفيها نقل الأتابك طغتكين المصحف العثماني من طبرية خوفًا عليه إلى دمشق، وخرج الناس لتلقيه، فأقره في خزانة بمقصورة الجامع.
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
لما سار بركياروق إلى خوزستان دخلها بجميع من معه وهم في حالٍ سيئة، ثم سار عسكره إلى واسط، فظلموا الناس، ونهبوا البلاد، وسار إلى خدمته الأمير صدقة بن مزيد صاحب الحلة. ثم سار فدخل بغداد في أثناء صفر، وأعيدت خطبته، وتراجع إليه بعض الأمراء، ولم يؤاخذ كوهرائين،
стр. 10158
وخلع عليه، وقبض على وزير بغداد عميد الدولة ابن جهير، والتزم بحمل مائة وستين ألف دينار. ثم سار بالعساكر على شهرزور، وانضم إليه عسكر لجب، فالتقى الأخوان فكان محمد في عشرين ألفًا، وكان على ميمنته أمير آخر، وعلى ميسرته مؤيد الملك والنظامية، وكان على ميمنة بركياروق كوهرائين، والأمير صدقة، وعلى ميسرته كربوقا صاحب الموصل، فهزم كوهرائين ميسرة محمد، وهزم أمير آخر بميمنة محمد ميسرة بركياروق، وعاد كوهرائين فكبا به الفرس، فأتاه فارس فقتله، وانهزمت عساكر بركياروق وذل، وبقي في خمسين فارسًا، وأسر وزيره الجديد الأعز أبو المحاسن، فبالغ مؤيد الملك وزير محمد في احترامه، وكفله عمارة بغداد، وإعادة الخطبة لمحمد، فساق إلى بغداد، وخطب لمحمد ثاني مرة في نصف رجب.
وكان سعد الدولة كوهرائين خادمًا كبيرًا محتشمًا، ولي بغداد وخدم ملوكها، ورأى ما لم يره أمير من نفوذ الكلمة والعز، وكان حليمًا كريمًا حسن السيرة، وكان خادمًا تركيًا للملك أبي كاليجار ابن سلطان الدولة ابن بهاء الدولة ابن عضد الدولة ابن بويه، بعث به أبوه مع ابنه أبي نصر إلى بغداد، فلم يزل معه حتى قدم السلطان طغرلبك بغداد، فحبسه مع مولاه، ثم خدم السلطان ألب أرسلان، وفداه بنفسه يوم وثب عليه يوسف الخوارزمي، وكان صاحب صلاة، وتهجدٍ، وصيام، ومعروف، ﵀.
وأما السلطان بركياروق، فسار بعد الوقعة إلى إسفرايين، ثم دخل نيسابور، وضيق على رؤسائها، وعمل مصافًا مع أخيه سنجر، فانهزمت الفتيان، وسار بركياروق إلى جرجان، ثم دخل البرية في عسكر يسير، وطلب أصبهان، فسبقه أخوه محمد إليها.
وفيها فتح تميم بن المعز بن باديس مدينة سفاقس، وغيرها، واتسع سلطانه.
وفيها لقي كمشتكين ابن الدانشمند صاحب ملطية وسيواس، بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية، بقرب ملطية، فأسر بيمند.
ووصل في البحر سبعة قوامص، فأخذوا قلعة أنكورية (١)، وقتلوا أهلها،
стр. 10159
ثم التقاهم ابن الدانشمند.
قال ابن الأثير (١): فلم يفلت أحد من الفرنج، وكانوا ثلاثمائة ألف، غير ثلاثة آلافٍ هربوا ليلًا، كذا قال: والعهدة عليه.
قال: ثم سار إليه الفرنج من أنطاكية، فالتقاهم وكسرهم.
وفيها وزر للخليفة أبو المحاسن جلال الدولة عبد الجليل الدهستاني، فجاءه كتاب بركياروق يحثه على اللحاق به، فاستوزر الخليفة المستظهر بالله سديد الملك أبا المعالي الفضل بن عبد الرزاق الأصفهاني أحد كتاب ديوان الجيش للسلطان ملكشاه.
قال صاحب المرآة: وفيها خرج سعد الدولة القراسي (٢) من مصر، فالتقى الفرنج على عسقلان، وقاتل بنفسه حتى قتل، وحمل المسلمون على النصارى فهزموهم إلى قيسارية، قال: فيقال: إنهم قتلوا من الفرنج ثلاثمائة ألف.
قلت: هذه مجازفة عظيمة من نوع المذكورة آنفًا.
وفيها كان القحط شديدا بالشام، والخوف من الفرنج.
سنة أربع وتسعين وأربعمائة
في وسطها كان مصاف كبير بين السلطانين: محمد، وبركياروق، كان مع بركياروق خمسون ألفًا، فانهزم محمد، وأسر وزيره مؤيد الملك، فذبحه بركياروق بيده، وكان بخيلًا ظالما، سيئ الخلق، مذموم السيرة، إلا أنه كان من دهاة العالم، عاش خمسين سنة.
ودخل بركياروق إلى الري وسجد لله، وجاء إلى خدمته صاحب الموصل كربوقا، ونور الدولة دبيس ولد صدقة.
وانهزم محمد إلى خراسان، فأقام بجرجان، وراسل أخاه لأبويه الملك سنجر يطلب منه مالًا وكسوة، فسير إليه ما طلب، ثم تحالفا وتعاهدا واتفقا.
стр. 10160
ولم يكن بقي مع محمد غير ثلاثمائة فارس، فقدم إليه أخوه سنجر وانضم إليهما عسكر كثير، وتضرر بالعسكر أهل خراسان.
وأما السلطان بركياروق، فصار جيشه قريبًا من مائة ألف، فغلت الأسعار، واستأذنته الأمراء في التفرق للغلاء، فبقي في عسكر قليل، فبلغ ذلك أخويه، فقصداه وطويا المراحل، فتقهقر ونقصت هيبته، وقصد همذان، فبلغه أن إياز متوليها قد راسل محمدًا ليكون معه، فسار إلى خوزستان، ثم خرج إلى حلوان. وأما إياز فلم يقبله محمد، فخاف وهرب إلى عند بركياروق، فدخلت أصحاب محمد، ونهبوا حواصله، فيقال إنهم أخذوا له خمسمائة فرس عربية، وتكامل مع بركياروق خمسة آلاف ضعفاء، قد ذهبت خيامهم وثقلهم، فقدم بهم بغداد، وتمرض، وبعث يشكو قلة المال إلى الديوان، فتقرر الأمر على خمسين ألف دينار حملت إليه، ومد أصحابه أيديهم إلى أموال الرعية وظلموهم. وخرج عن طاعته صاحب الحلة، وخطب لأخيه محمد، وفي آخر العام وصل محمد وسنجر إلى بغداد، وجاء إلى خدمته إيلغازي بن أرتق، وتأخر بركياروق وهو مريض إلى واسط، وأصحابه ينهبون القرى ويأكلون، وفرح الخليفة والناس بالسلطان محمد.
وفيها أو في حدودها ظهرت الباطنية بالعراق ونواحيها، وكثروا؛ قال أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم (١): أول ما عرف من أخبار الباطنية، في أيام ملك شاه، أنهم اجتمعوا فصلوا العيد في ساوة، ففطن بهم الشحنة، فأخذهم وحبسهم، ثم أطلقهم، فسألوا مؤذنًا من أهل ساوة أن يدخل في مذهبهم، فامتنع، فخافوا أن ينم عليهم، فقتلوه، فرفع ذلك إلى نظام الملك، فأخذ رجلًا نجارًا اتهمه بقتله فقتله، فتحيلوا حتى قتلوا نظام الملك، وهو أول من فتكوا به، وكانوا يقولون: قتلتم منا نجارًا، فقتلنا به نظام الملك، ثم استفحل أمرهم بأصبهان، ولما مات السلطان ملكشاه، آل أمرهم إلى أنهم كانوا يسرقون الناس فيقتلونهم ويلقونهم في الآبار، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد إلى منزله يئسوا منه، وبلغ من حيلهم أنهم أجلسوا امرأة على حصير لا تبرح منه، فدخلوا الدار، يعني الأعوان، فأزالوها، فوجدوا تحت الحصير بئرًا فيها
стр. 10161
أربعون قتيلًا، فقتلوا المرأة، وهدموا الدار، وكانوا يجلسون ضريرًا على باب زقاقهم، فإذا مر به إنسان سأله أن يقوده إلى رأس (١) الزقاق، فإذا فعل جذبه من في الدار إليها فقتلوه، فجد أهل أصبهان فيهم، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا.
وأول قلعة ملكوها قلعة الروذبار بناحية أصبهان، كانت لقماج صاحب ملكشاه، وكان متهمًا بمذهبهم، فلما مات ملكشاه أعطوه ألفًا ومائتي دينار، فسلمها إليهم في سنةٍ ثلاث وثمانين، وقيل: لم يكن ملكشاه مات بعد.
وكان مقدمهم يقال له الحسن بن الصباح، وأصله من مرو، وكان كاتبًا لبعض الرؤساء، ثم صار إلى مصر وتلقى من دعاتهم، وعاد داعيةً للقوم، وحصل هذه القلعة، وكان لا يدعو إلا غبيًا، ثم يذكر له ما تم على أهل البيت من الظلم، ثم يقول له: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال مع بني أمية، فما سبب تخلفك بنفسك عن إمامك؟ فيتركه بهذه المقالة طعمة للسباع. وكان ملكشاه نفذ إليه يتهدده ويأمره بالطاعة، ويأمره أن يكف أصحابه عن قتل العلماء والأمراء، فقال للرسول: الجواب ما تراه، ثم قال لجماعة بين يديه: أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجةٍ، فمن ينهض بها؟ فاشرأب كل واحدٍ منهم، وظن الرسول أنها حاجة، فأومى إلى شاب فقال: اقتل نفسك، فجذب سكينًا، فقال بها في غلصمته (٢)، فخر ميتًا، وقال لآخر: ارم نفسك من القلعة، فألقى نفسه فتقطع، ثم قال للرسول: قل له عندي من هؤلاء عشرون ألفًا، هذا حد طاعتهم، فعاد الرسول وأخبر ملكشاه، فعجب، وأعرض عن كلامهم.
وصار بأيديهم قلاع كثيرة، منها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان، وكان حافظها رجلًا تركيًا، فصادقه نجارُ منهم، وأهدى له جارية، وقوسًا، فوثق به، وكان يستنيبه في حفظ القلعة، فاستدعى النجار ثلاثين رجلًا من أصحاب ابن غطاس (٣)، وعمل دعوة، ودعا التركي وأصحابه، وسقاهم الخمر، فلما سكروا استقى الثلاثين بحبال إليه، فقتلوا أصحاب التركي، وسلم
стр. 10162
التركي وحده، فهرب، وملكوا القلعة.
وقطعوا الطرقات ما بين فارس وخوزستان، وانصرف جماعة من أصحاب جاولي إليهم وصاروا منهم؛ ثم ظفر جاولي بثلاثمائة منهم، فأحاط هو وجنده بهم فقتلوهم، وكان جماعة منهم في عسكر بركياروق، فاستغووا خلقًا منهم، فوافقوهم، فاستشعر أصحاب السلطان منهم، ولبسوا السلاح، ثم قتلوا منهم نحو مائة رجل.
وكان بنواحي المشان رجل منهم يتزهد ويدعي الكرامات، أحضر مرة جديًا مشويًا لأصحابه، فأكلوا منه، وأمر برد عظامه إلى التنور، فردت، وجعل على التنور طبقًا، ثم رفع الطبق فوجدوا جديًا يرعى حشيشًا، ولم يروا نارًا ولا رمادًا، فتلطف بعض أصحابه حتى عرف بأن التنور كان يفضي إلى سرداب، وبينهما طبق من حديد يدور بلولب، فيفرك اللولب، فتدور النار، ويجيء بدلها الجدي والمرعى.
وقال الغزالي في كتاب سر العالمين: شاهدت قصة الحسن بن الصباح لما تزهد تحت حصن ألموت، فكان أهل الحصن يتمنون صعوده إليهم، ويمتنع ويقول: أما ترون المنكر كيف فشا؟ وفسد الناس، فصار إليه خلق، فخرج أمير الحصن يتصيد، وكان أكثر تلامذته في الحصن، فأصعدوه إليهم وملكوه، وبعث إلى الأمير من قتله، ولما كثرت قلاعهم، واشتغل عنهم أولاد ملكشاه باختلافهم اغتالوا جماعة من الأمراء والأعيان.
وللغزالي ﵀ كتاب فضائح الباطنية (١)، ولابن الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، وجماعة: الرد على الباطنية، وهم طائفة خبيثة، يظهرون الزهد، والمراقبة، والكشف، فيضل بهم كل سليم الباطن.
قال ابن الأثير (٢): وفي شعبان من سنة أربعٍ وتسعين أمر السلطان بركياروق بقتل الباطنية، وهم الإسماعيلية، وهم القرامطة، قال: وتجرد بأصبهان للانتقام منهم أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي الفقيه الشافعي، وجمع الجم الغفير بالأسلحة، وأمر بحفر أخاديد أوقدوا فيها النيران، وجعل
стр. 10163
عليها رجلًا لقبوه مالكًا، وجعلت العامة يأتون ويلقونهم في النار، إلى أن قتلوا منهم خلقًا كثيرًا، إلى أن قال (١): وكان الحسن بن الصباح رجلًا شهمًا، كافيًا، عالما بالهندسة، والحساب، والنجوم، والسحر، وغير ذلك، وكان رئيس الري أبو مسلم، فاتهم ابن صباح بدخول جماعة من دعاة المصريين عليه، فخافه ابن صباح وهرب، فلم يدركه أبو مسلم، وكان ابن صباح من جملة تلامذة أحمد بن غطاس الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان، وسافر ابن صباح فطاف البلاد، ودخل على المستنصر صاحب مصر، فأكرمه وأعطاه مالًا، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته، فقال له الحسن بن الصباح: فمن الإمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار.
ولما هلك المستنصر واستخلف ولده المستعلي صار نزار هذا إلى الإسكندرية، ودعا إلى نفسه، فاستجاب له خلق، ولقب بالمصطفى لدين الله، وقام بأمر دولته ناصر الدولة أفتكين مولى أمير الجيوش بدر، وهذا في سنة سبع وثمانين وأربعمائة. فسار عسكر مصر لحصار الإسكندرية في سنة ثمانٍ وثمانين، فخرج ناصر الدولة وطردهم، فردوا خائبين، ثم سار الأفضل فحاصر الإسكندرية وأخذها، وأسر نزارا، وأفتكين وعدة، وجرت أمور.
ودخل الحسن بن صباح خراسان، وكاشغر، والنواحي، يطوف على قوم يضلهم، فلما رأى قلعة ألموت بناحية قزوين أقام هناك، وطمع في إغوائهم، ودعاهم في السر، وأظهر الزهد، ولبس المسوح، فتبعه أكثرهم.
وكان نائب ألموت رجلًا أعجميًا علويًا، فيه بله وسلامة صدر، وكان حسن الظن بالحسن، يجلس إليه، ويتبرك به، فلما أحكم الحسن أمره دخل يومًا على العلوي فقال له: اخرج من هذه القلعة، فتبسم، وظنه يمزح، فأمر الحسن بعض أصحاب العلوي فأخرجوه، وأعطاه ماله، فبعث نظام الملك لما بلغه الخبر عسكرًا، فنازلوه وضايقوه، فبعث من قتل نظام الملك، وترحل العسكر عن ألموت، ثم بعث السلطان محمد بن ملكشاه إليها العسكر وحاصروها.
ومن جملة ما استولوا عليه من القلاع: قلعة طبس، وزوزن، وقاين،
стр. 10164
وسيمكوه، وتأذى بهم أهل أبهر، واستغاثوا بالسلطان، فبعث عسكرًا حاصروها ثمانية أشهر، وفتحت، وقتل كل من بها، ولهم عدة قلاعٍ سوى ما ذكرنا.
قال: وكان تيرانشاه ابن تورانشاه بن قاروت بك السلجوقي بكرمان قد قتل الإسماعيلية الأتراك أصحاب الأمير إسماعيل، وكانوا قومًا سنة، قتل منهم ألفي رجل صبرًا، وقطع أيدي ألفين، ونفق عليه أبو زرعة الكاتب، فحسن له مذهب الباطنية، فأجاب، وكان عنده الفقيه أحمد بن الحسين البلخي الحنفي، وكان مطاعًا في الناس، فأحضره عنده ليلةً، وأطال الجلوس، فلما خرج أتبعه من قتله، فلما أصبح دخل عليه الناس، وفيهم صاحب جيشه، فقال: أيها الملك، من قتل هذا الفقيه؟ فقال: أنت شحنة البلد، تسألني من قتل هذا؟ أنا أعرف قاتله! ونهض، ففارقه الشحنة في ثلاثمائة فارس، وسار من كرمان إلى ناحية أصبهان، فجهز الملك خلفه ألفي فارس فقاتلهم وهزمهم. وقدم أصبهان وبها السلطان محمد، فأكرمه.
وأما عسكر كرمان، فخرجوا على تيرانشاه، وحاربوه وطردوه عن مدينة بردسير التي هي قصبة كرمان، وأقاموا عليهم ابن عمه أرسلان شاه، وأما تيرانشاه فالتجأ إلى مدينة صغيرة، فمنعه أهلها وحاربوه، وأخذوا خزائنه، ثم تبعه عسكر، فأخذوه، وأخذوا أبا زرعة، فقتلهما أرسلان شاه.
واستفحل أمر الباطنية وكثروا، وصاروا يتهددون من لا يوافقهم بالقتل، حتى صارت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم، وكان الوزير الأعز أبو المحاسن يلبس زرديةً تحت ثوبه، وأشارت الأمراء على بركياروق السلطان بقصدهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم، فأذن في قتلهم، وركب هو والعسكر وطلبوهم، وأخذوا جماعة من خيامهم.
وممن قتل واتهم بأنه مقدمهم الأمير محمد بن كاكويه صاحب يزد، ونهبت خيامه، وقتل جماعة برءاء سعى بهم أعداؤهم. وقد كان أهل عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديمًا في أيام المقتدي بالله، فأنهي حالهم إلى الوزير أبي شجاع، فطلبهم، فأنكروا وجحدوا، فأطلقهم. واتهم إلكيا الهراسي مدرس
стр. 10165
النظامية بأنه باطني، فأمر السلطان محمد بالقبض عليه، ثم شهدوا له ببراءة الساحة، فأطلق.
وفيها حاصر الأمين بزغش، وهو أكبر أمراء الملك سنجر، حصن طبس الذي فيه الإسماعيلية، وضيق عليهم، وخرب كثيرًا من سورها بالمنجنيق، ولم يبق إلا أخذها، فرحل عنهم وتركهم، فبنوا السور، وملؤوا القلعة ذخائر، ثم عاودهم بزغش سنة سبعٍ وتسعين.
وفيها سار كندفري صاحب القدس إلى عكا فحاصرها، فأصابه سهم فقتله، فسار أخوه بغدوين، ويقال: بردويل، إلى القدس في خمسمائة، فبلغ الملك دقاق صاحب دمشق، فنهض إليه هو وجناح الدولة صاحب حمص، فانكسرت الفرنج.
وفيها ملكت الفرنج سروج، من بلاد الجزيرة، لأنهم كانوا قد ملكوا الرها بمكاتبةٍ من أهلها النصارى، وليس بها من المسلمين إلا قليل، فحاربهم سقمان، فهزموه في هذه السنة، وساروا إلى سروج، فأخذوها بالسيف، وقتلوا وسبوا.
وفيها ملكوا مدينة حيفا، وهي بقرب عكا على البحر، أخذوها بالأمان، وأخذوا أرسوف بالأمان. وفي رجب أخذوا قيسارية بالسيف، وقتلوا أهلها.
وفي رمضان أمر المستظهر بالله بفتح جامع القصر، وأن تصلى فيه التراويح، وأن يجهر بالبسملة، ولم تجر بهذا عادة، وإنما تركوا الجهر بالبسملة في جوامع بغداد مخالفة للشيعة أصحاب مصر، وأمر أيضا بالقنوت على مذهب الشافعي.
قصة ابن قاضي جبلة أبي محمد عبيد الله بن صليحة:
كانت جبلة تحت حكم ابن عمار صاحب طرابلس، فتعانى ابن صليحة الجندية، وكان أبوه قاضيًا، فطلع هو فارسًا شجاعًا، فأراد ابن عمار أن يمسكه، فعصى عليه، وأقام الخطبة العباسية، وحوصر، فلم يقدروا عليه، ثم لما غلبت الفرنج حاصروه، فشنع أن بركياروق وعساكره قد توجهوا إلى الشام، فرحلت الفرنج، ثم عاودوه، فأرجفهم بمجيء المصريين، فرحلوا عنه، ثم عادوا لحصاره، فقرر مع رعيته النصارى أن يراسلوا الفرنج، ويواعدوهم إلى
стр. 10166
برج ليطلعوا منه، فبادروا وندبوا ثلاثمائة من شجعانهم، فلم يزالوا يطلعون في الحبال واحدًا واحدًا، وكلما طلع واحد قتله ابن صليحة، إلى أن قتلهم أجمعين، فلما طلع الضوء صفف الرؤوس على السور، ثم إنهم هدموا برجًا، فأصبح وقد عمله، وكان يخرج من الباب بفوارسه يقاتل، فحملوا مرة عليه، فانهزم فتبعه الفرنج، فخرج أهل البلد، وركبوا أكتافهم فانهزموا، وجاء النصر، وأسر مقدم الفرنج، ثم علم ابن صليحة أن الفرنج لا ينامون عنه، فسلم البلد إلى صاحب دمشق، وسار إلى بغداد بأمواله وخزائنه، وأخذ له السلطان بركياروق شيئًا كثيرًا.
وفيها أقبل جيش للفرنج، نحو خمسين ألفا، فمروا ببلاد قلج أرسلان، فحشد وجمع وعرض ستة آلاف فارس نقاوة، وعمل له كمينًا، فكسر الفرنج كسرة مشهورة، وغنم ما لا يوصف.
قال ابن منقذ: حدثني محمد المستوفي رسول جناح الدولة إلى ملك الروم، أنهم اعتبروا عدتهم، فكانوا ثلاثمائة ألف وخمسة وأربعين ألف إنسان، ومعهم خمسون حمل ذهب وفضةٍ وديباجٍ، فانضاف إليهم الذين انهزموا من الوقعة المذكورة، فجمع قلج أرسلان الترك ببلاده، فزادوا على خمسين ألفًا، وغور الماء الذي في طريقهم، وأحرق العشب، وأخلى القرى، فأقبلوا في أرض بلا ماء ولا مرعى.
قال: وحدثني رسول رضوان إلى ملك الفرنج طنكلي أنه اجتمع مع الملك تبنين صاحب هذا الجمع، فقال: خرجت من بلادي في أربعمائة ألف، منهم ألفا شرابي، وألف طباخ، وألف فراش، وسبعمائة بغل ديباج، ومال، والخيالة تزيد على خمسين ألفًا، ولما سرت عن القسطنطينية أيامًا، لم أجد مرفقًا، ولا قبلت من صنجيل في غير هذه الطريق، ولا أتمكن من العودة لضعف الناس والعطش والجوع، فعند الإياس خرجت في ثلاثة نفر، معنا كلاب وبزاة، أوهمت الناس أني أتصيد، وسرت إلى البحر، فنزلت في مركب، وتركت العسكر، وبلغني أن الترك دخلوه، فلم يمنع أحد عن نفسه، وهلكوا بالموت والقتل، وغنم التركمان ما لا يوصف، ثم سار تبنين وحج القدس، ورجع إلى بلاده في البحر.
стр. 10167
وفيها قدم عسكر المصريين، فالتقاهم الفرنج، فانهزم الفريقان بعد ملحمة كبيرة بقرب عسقلان.
سنة خمس وتسعين وأربعمائة
فيها توفي المستعلي بالله أحمد ابن المستنصر بالله معد العبيدي الشيعي صاحب مصر، وقام بعده ولده الآمر بأحكام الله منصور، وهو طفل له خمس سنين، والأمور كلها إلى الأفضل أمير الجيوش، أقام هذا الصغير ليتمكن من جميع الأمور، وذلك في سابع عشر صفر.
وفيها؛ في المحرم كان المصاف الثالث بين الأخوين محمد وبركياروق. كان محمد ببغداد من عام أول، ورحل منها هو وأخوه سنجر، فقصد سنجر بلاده بخراسان، وقصد السلطان محمد همذان. وسار بركياروق ومعه أربعة آلاف، وكان مع محمد مثلها، فالتقوا بروذراور، وتصافوا، فلم يجر بينهم قتال لشدة البرد، وتصافوا من الغد، فكان الرجل يبرز، فيبارزه آخر، فإذا تقابلا اعتنق كل واحد منهما صاحبه، وسلم عليه، ويعود عنه. ثم سعت الأمراء في الصلح لما عم المسلمين من الضرر والوهن، فتقررت القاعدة على أن يكون بركياروق السلطان، ومحمد الملك، ويضرب له ثلاث نوب، ويكون له جنزة وأعمالها وأذربيجان، وديار بكر، والموصل، والجزيرة، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وانفصل الجمعان من غير حرب، ولله الحمد.
وسار كل أمير إلى أقطاعه، وكان ذلك في ربيع الأول، فلما كان في جمادى الأولى كان بينهما مصاف رابع، وذلك أن السلطان محمدًا سار إلى قزوين، ونسب الأمراء الذين سعوا في صورة الصلح إلى المخامرة، فكحل الأمير أيدكين، وقتل الأمير شمل، وجاء إلى محمد الأمير إينال، وتجمع عسكره، وقصده بركياروق، وكانت الوقعة عند الري، فانهزم عسكر محمد، وقصدوا نحو طبرستان، ولم يقتل غير رجل واحد، قتل صبرًا، ومضت فرقة منهم نحو قزوين، ونهبت خزائن محمد، وانهزم في نفر يسير إلى أصبهان وحمل (١) علمه بيده ليتبعه أصحابه، وسار في طلبه الأميران ألبكي وإياز فدخل
стр. 10168
أصبهان في سبعين فارسًا، وحصنها ونصب مجانيقها، وكان معه بها ألف فارس، وتبعه بركياروق بجيوش كثيرة تزيد على خمسة عشر ألفا، فحاصره وضيق عليه، وكان محمد يدور كل ليلة على السور ثلاث مرات. وعدمت الأقوات، فأخرج من البلد الضعفاء، واستقرض محمد من أعيان البلد أموالًا عظيمة، وعثرهم وصادرهم، واشتد عليهم القحط، وهانت قيم الأمتعة، وكانت الأسعار على بركياروق رخيصة.
ودام البلاء إلى عيد الأضحى، فلما رأى محمد أموره في إدبار، فارق البلد، وساق في مائة وخمسين فارسًا، ومعه الأمير إينال، فجهز بركياروق وراءه عسكرًا، فلم ينصحوا في طلبه، وزحف جيش بركياروق على أصبهان ليأخذوها، فقاتلهم أهل البلد قتال الحريم، فلم يقدروا عليهم، فأشار الأمراء على بركياروق بالرحيل، فرحل إلى همذان.
وفيها نازل ابن صنجيل الفرنجي طرابلس، فسار عسكر دمشق مع صاحب حمص جناح الدولة إلى طرابلس إلى انطرطوس فالتقوا، فانكسر المسلمون ورجعوا.
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي (١): جهز الأفضل عساكر مصر فوصلوا في رجب إلى عسقلان مع الأمير نصير الدولة يمن، وخرج بردويل من القدس في سبعمائة، فكبس المصريين، فثبتوا له، وقتلوا معظم رجاله، وانهزم هو في ثلاثة أنفس، واختبأ في أجمة قصب، فأحاط المسلمون به وأحرقوا القصب، فهرب إلى يافا. وأما عسكر دمشق، فعادوا وكشفوا عن طرابلس الفرنج.
ومات صاحب حمص جناح الدولة حسين بن ملاعب، وكان بطلًا شجاعًا مذكورًا، قفز عليه ثلاثة من الباطنية يوم الجمعة في جامع حمص، فقتلوه، وقتلوا. فنازلها صاحب أنطاكية الذي تملكها بعد أسر بيمنت بالفرنج، فصالحوه على مال، ثم جاء شمس الملوك دقاق فتسلمها.
وفيها قتل الوزير الأعز أبو المحاسن عبد الجليل الدهستاني وزير بركياروق؛ جاءه شاب أشقر، وقد ركب إلى خيمة السلطان وهو نازل على
стр. 10169
أصبهان، فقيل: كان مملوكًا لأبي سعيد الحداد الذي قتله الوزير عام أول، وقيل: كان باطنيًا، فأثخن الوزير بالجراحات. ووزر بعده الخطير أبو منصور الميبذي الذي كان وزير السلطان محمد، وكان في حصار أصبهان متسلمًا بعض السور، وطالبه محمد بمال للجند، ففارقه في الليل وخرج إلى مدينة ميبذ، وتحصن بها، فبعث بركياروق من حاصره، فنزل بالأمان، ثم رضي عنه بركياروق واستوزره.
وفيها كانت فتنة كبيرة بين شحنة بغداد إيلغازي بن أرتق وبين العامة. أتى جندي من أصحابه ملاحًا ليعبر به وبجماعة، فتأخر، فرماه بنشابةٍ فقتله، فأخذت العامة القاتل، وجروه إلى باب النوبي، فلقيهم ابن إيلغازي فخلصه، فرجمتهم العامة، فتألم إيلغازي، وعبر بأصحابه إلى محلة الملاحين، فنهبوها، وانتشر الشطار، فعاثوا هناك وبدعوا، وغرق جماعة، وقتل آخرون، واستفحل الشر، وجمع إيلغازي التركماني جمعا، وأراد نهب الجانب الغربي من بغداد، ثم لطف الله تعالى.
وفيها مات صاحب الموصل قوام الدولة كربوقا التركي في ذي القعدة عند مدينة خوي، وكان السلطان بركياروق قد أرسله في العام الماضي إلى أذربيجان، فاستولى على أكثرها، ومرض ثلاثة عشر يوما، ودفن بخوي، وأوصى أمراءه بطاعة سنقرجاه، فسار بهم ودخل الموصل، وأقام ثلاثة أيام. وكان كبراؤها قد كاتبوا الأمير موسى التركماني، وهو بحصن كيفا، ينوب عن كربوقا، فسار مجدًا، فظن سنقرجاه أنه قدم إلى خدمته، فخرج يتلقاه، ثم ترجل كل واحد منهما إلى الآخر، واعتنقا، وبكيا على كربوقا، ثم ركبا، فقال سنقرجاه: أنا مقصودي المخدة والمنصب، وأما الولايات والأموال فلكم، فقال موسى: الأمر في هذا إلى السلطان، ثم تنافسا في الحديث، فجذب سنقرجاه سيفه، وضرب موسى صفحًا على رأسه فجرحه، فألقى موسى نفسه، وجذب سنقرجاه إلى الأرض ألقاه، وجذب بعض خواص موسى سكينًا قتل بها سنقرجاه، ودخل موسى البلد، وخلع على أصحاب سنقرجاه، وطيب قلوبهم، وحكم على الموصل.
ثم غدر به عسكره، وانضموا إلى شمس الدولة جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر، وسار جكرمش فافتتح نصيبين، ثم نازل الموصل، وحاصر موسى
стр. 10170
مدة، فأرسل موسى إلى سقمان بن أرتق يستنجد به، على أن أطلق له حصن كيفًا وعشرة آلاف دينار، فسار من ديار بكر ونجده، فرحل عنه جكرمش، فخرج موسى يتلقى سقمان، فوثب عليه جماعة فقتلوه، وهرب خواصه، وملك سقمان حصن كيفا، فبقيت بيد ذريته إلى سنة بضع وعشرين وستمائة، وكان بها في دولة الملك الأشرف ابن العادل محمود بن محمد بن قرا رسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحبها.
ثم سار جكرمش وحاصر الموصل، فتسلمها صلحًا، وأحسن السيرة، وقتل الذين وثبوا على موسى، واستولى بعد ذلك على الخابور، وغيره، وقوي أمره.
قال ابن الأثير (١): كان صنجيل الفرنجي، لعنه الله، قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب الروم، فهزمه ابن قتلمش، وأسر خلقًا من الفرنج، وقتل خلقًا، وغنم شيئًا كثيرًا، وكان قد بقي مع صنجيل ثلاثمائة، فوصل بهم إلى الشام، فنازل طرابلس، فجاءت نجدة دمشق نحو ألفي فارس، وعسكر حمص، وغيرهم، فالتقوا على باب طرابلس، فرتب صنجيل مائة في وجه أهل البلد، ومائة لملتقى عسكر دمشق، وخمسين فارسًا للحمصيين، وبقي هو في خمسين.
فأما عسكر حمص، فلم يثبتوا للحملة، وولوا منهزمين، وتبعهم عسكر دمشق. وأما أهل البلد، فإنهم قتلوا المائة الذين بارزتهم، فحمل صنجيل بالمائتين، فكسر أهل طرابلس، وقتل منهم مقتلة، وحاصرهم، وأعانه أهل البر، فإن أكثرهم نصارى، ثم هادنهم على مالٍ، ونازل أنطرسوس، فافتتحها وقتل أهلها.
وفيها أطلق ابن الدانشمند بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية، وكان أسره كما تقدم، فباعه نفسه بمائة ألف دينار، وبإطلاق ابنة ياغي سيان صاحب أنطاكية، وكان أسرها لما أخذ أنطاكية من أبيها، فقدم أنطاكية، وقويت نفوس أهلها به، وأرسل إلى أهل قنسرين والعواصم يطالبهم بالإتاوة، وانزعج المسلمون.
стр. 10171
وفيها سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره، فجمع جناح الدولة عسكرًا ليسير إليهم ويكبسهم، فقتله، كما قلت، باطني بالجامع، وقيل: إن ربيبه الملك رضوان جهز عليه من قتله. وصبح صنجيل حمص فنازلها، ونزل القمص على عكا، وجد في حصارها، وكاد أن يأخذها، فكشف عنها المسلمون.
وفيها سار القمص صاحب الرها إلى أن نازل بيروت، فحاصرها مدة، ثم عجز عنها وترحل.
وفيها عاد سنجر من بغداد إلى خراسان فخطب لأخيه محمد بجميع خراسان، ثم مرض سنجر فطمع صاحب سمرقند جبريل بن عمر في خراسان، وجمع عساكر تملأ الأرض - قيل: كانوا مائة ألف فيهم خلق من الكفار، وقصد خراسان، وكان قد كاتبه كندغدي أحد أمراء سنجر، وأعلمه بمرض سنجر، وبأن السلطانين في شغل بأنفسهما، ثم عوفي سنجر، فسار لقصده في ستة آلاف فارس، إلى أن وصل بلخ، فهرب كندغدي إلى خدمة قدرخان، وهو صاحب سمرقند واسمه جبريل بن عمر، ففرح بمقدمه، وسار معه فملك ترمذ، وقرب قدرخان بجيوشه إلى بلخ، فجاءت العيون إلى سنجر وأخبروه أن قدرخان ذهب يتصيد في ثلاثمائة فارس، فندب الأمير بزغش لقصده، فساق ولحقه وقاتله، فانهزم أصحاب قدرخان لقلتهم، وأسر قدرخان وكندغدي، وأحضرا بين يدي سنجر، فقبل قدرخان الأرض واعتذر، فأمر به فقتل، وانملس كندغدي، فنزل في قناة مشى فيها قدر فرسخين تحت الأرض، على ما به من النقرس، وقتل فيها حيتين، وطلع من القناة، فصادف أصحابه، فسار في ثلاثمائة فارس إلى غزنة.
قال ابن الأثير (١): وقيل: بل جمع سنجر عساكر كثيرة، والتقى بصاحب سمرقند، وكثر القتل في الناس، وانهزم قدرخان صاحب سمرقند، وأسر، ثم قتل، وحاصر سنجر ترمذ، وبها كندغدي، فنزل بالأمان، وأمره بمفارقة بلاده، فسار إلى غزنة، فأكرمه صاحبها علاء الدولة وبالغ، ثم خاف منه كندغدي، فهرب، فمات بناحية هراة.
стр. 10172
وأحضر السلطان سنجر محمد بن سليمان بن بغراخان نائب مرو، وملكه سمرقند، وبعثه إليها، وهو من أولاد الخانية بما وراء النهر، وأمه بنت السلطان ملكشاه، وسنجر خاله، فدفع عن مملكة آبائه، فقصد مرو، وأقام بها إلى الآن، فعظم شانه، وكثرت جموعه، إلا أنه انتصب له صاغو (١) بك، وزاحمه في الملك، وجرت له معه حروب.
وفيها نازل المسلمون بلنسية، واسترجعوها من النصارى بعد أن بقيت في أيديهم ثمانية أعوام، فجدد محراب جامعها، ودامت دار إسلام إلى أن أخذتها النصارى المرة الثانية سنة ست وثلاثين وستمائة.
سنة ست وتسعين وأربعمائة
كان ينال بن أنوشتكين الحسامي من أمراء السلطان محمد، فسار هو وأخوه علي من جهة محمد إلى الري، وأقام الخطبة بها لمحمد وصادر أهلها، وعسف وعمل كل بخس، فورد إليه الأمير برسق من جهة السلطان بركياروق، فاقتتلا بظاهر الري، فانهزم ينال وسلك الجبال، وقتل خلق من أصحابه، فقدم بغداد في سبعمائة فارس، فأكرمه المستظهر بالله، واجتمع هو، وإيلغازي، وسقمان ابنا أرتق، وتحالفوا على مناصحة محمد، وساروا إلى سيف الدولة صدقة، فحلف لهم. ورجع ينال فظلم ببغداد وعسف، واستطال عسكره على العامة بالضرب والأذية البالغة والمصادرة، وتزوج هو بأخت إيلغازي، فبعث الخليفة إليه ينهاه عن الظلم، فلم ينته، وسار بعد أشهر إلى أوانا، فنهب وقطع الطريق، وأقطع القرى لأصحابه، ثم شعث باجسرا، وقصد شهرابان، فمنعه أهلها، فقاتلهم، فقتل بينهم طائفة، وسار، لا سلمه الله، إلى أذربيجان قاصدًا مخدومه السلطان محمدا.
وكان قد ورد قبله إلى بغداد كمشتكين شحنة من قبل بركياروق، وكان بها أيضا شحنة لمحمد، وهو إيلغازي بن أرتق، فجرت فتنة، وترك الخطباء الدعوة للسلطان، واقتصروا على الدعاء للخليفة لا غير، وجاء سقمان نجدة لأخيه، فعاث وأفسد ونهب، واجتمع بأخيه فنهبا دجيلًا، ولم يبقيا على أحد،
стр. 10173
واقتضت الأبكار، وعملا ما لا تعمله التتار، وغلت الأسعار. وسار كمشتكين القيصري إلى واسط، فتبعه سيف الدولة بالعرب وهزمهم.
وفي جمادى الآخرة، كان المصاف الخامس بين بركياروق ومحمد على باب خوي، فانهزم عسكر محمد، وانهزم هو إلى أرجيش من أعمال خلاط، ثم سار إلى خلاط، واتصل به الأمير علي صاحب أرزن الروم.
وفي رجب قبض الخليفة على وزيره سديد الملك أبي المعالي، وحبس. وولي النظر في الوزارة أبو سعيد بن الموصلايا الملقب بأمين الدولة.
وفيها سار الملك دقاق إلى الرحبة وحاصرها، وتسلمها وحصنها، ورجع وتسلم أيضا حمص بعد صاحبها جناح الدولة.
وفيها قدمت عساكر مصر، فحاصرت يافا وبها الفرنج، ثم التقوا هم والفرنج، فهزموهم، وقتلوا من الفرنج أربعمائة، ودخلوا بثلاثمائة أسير. ثم جاء خلق من الفرنج في البحر لزيارة بيت المقدس.
وفيها كان الحصار مستمرًا على طرابلس، والناس من الفرنج بالشام في بلاءٍ شديد.
وفيها نازلت الفرنج الرستن، ثم ترحلوا، وجرت لهم وقعات، واستولوا على شيء كثير من الشام، وهادنهم أمراء البلاد على مالٍ يؤدونه إليهم كل عام، فلا قوة إلا بالله.
سنة سبع وتسعين وأربعمائة
في ربيع الآخر، وقع الصلح بين السلطانين بركياروق ومحمد؛ وكان سببه أن الحرب لما تطاولت بينهما وعم الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدماء مسفوكة، والبلاد مخربة، والسلطنة مطموعًا فيها، محكومًا عليها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، وكان بركياروق حاكمًا حينئذ على الري، والجبال، وطبرستان، وفارس، وديار بكر، والجزيرة، والحرمين، وهو منعم بالري، وكان محمد بأذربيجان وهو حاكم عليها وعلى أرمينية، وأران، وأصبهان، والعراق جميعه سوى تكريت، وبعض البطائح، وأما خراسان فإن السلطان سنجر كان يخطب له فيها جميعها، ولأخيه محمد،
стр. 10174
وبقي بركياروق ومحمد كفرسي رهان، فدخل العقلاء بينهم بالصلح، وكتبت بينهم أيمان وعهود ومواثيق، فيها ترجيح جانب بركياروق، وأقيمت له الخطبة ببغداد، وتسلم أصبهان بمقتضى الصلح، وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق.
وفيها جاءت الفرنج في البحر، فأعانوا صنجيل على حصار طرابلس، وبالغوا في الحصار أيامًا، فلم يغن شيئًا، ففارقوه. ونازلوا مدينة جبيل أيامًا، وجدوا في القتال، فعجز أهلها وتسلموها بالأمان، فغدروا بأهلها، وأخذوا أموالهم وعذبوهم. ثم ساروا إلى عكا نجدةً لبردوين صاحب القدس، فحاصروها برًا وبحرًا، وأميرها زهر الدولة نبأ الجيوشي، فزحفوا عليها مرة غير مرة، إلى أن عجز نبأ عن عكا، ففارقها ونزل في البحر، وأخذتها الفرنج بالسيف، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقدم واليها إلى دمشق، ثم دخل إلى مصر، وعفا عنه أمير الجيوش الأفضل.
وفيها نازلت الفرنج حران، فسار لجهادهم سقمان وجكرمش في عشرة آلاف فارس، فكانت الوقعة على نهر البليخ، فانهزم المسلمون أولًا، وتبعتهم الفرنج فرسخين، ثم عاد المسلمون عليهم فقتلوهم كيف شاؤوا، وغنموا أسلابهم، وكان فتحًا عظيمًا أذل نفوس الفرنج بمرة. وكان بيمند صاحب أنطاكية وتنكري صاحب الساحل قد كمنا وراء جبل، فلما خرجا رأيا أصحابهم منهزمين، فتسحبا في الليل، وفطن بهم المسلمون فتبعوهم، وقتلوا وأسروا، وأفلت الملكان في ستة فرسان. وأسروا قمص الرها، وحاز الغنيمة عسكر سقمان، ولم يظفر عسكر جكرمش صاحب الموصل بطائل.
ورحل سقمان وألبس أصحابه أسلاب الفرنج، ورفع أعلامهم، وكان يأتي الحصن فتخرج الفرنج منه، ظنًا أن هؤلاء أصحابهم، فيقتلونهم، ويملك سقمان الحصن، فعل ذلك بعدة حصون.
وأما جكرمش فإنه سار إلى حران وتسلمها، وقرر بها نائبه، وسار فحاصر الرها خمسة عشر يومًا وبها الفرنج، ثم ترحل إلى الموصل وفي أسره القمص، ففاداه بخمسة وثلاثين ألف دينار، ومائة وستين أسيرًا من المسلمين؛
стр. 10175
حكاها ابن الأثير، وقال (١): كان عدة القتلى تقارب اثني عشر ألف قتيل.
وفيها مات صاحب دمشق شمس الملوك دقاق بن تتش، وأقيم ولده بتدبير الأتابك طغتكين، وقيل: بل لما مات دقاق أحضر طغتكين أرتاش أخا دقاق من بعلبك، وكان أخوه حبسه بقلعتها، فلما قدم سلطنه طغتكين، فبقي في الملك ثلاثة أشهر، ثم هرب سرًا لأمر توهمه من طغتكين، فذهب إلى بغدوين (٢) الذي ملك القدس مستنصرًا به، فلم يحصل منه على أملٍ، فتوجه إلى العراق على الرحبة فهلك في طريقه.
وأما صنجيل - لعنه الله - فطال مقامه على طرابلس، حتى إنه بنى على ميل منها حصناٍ صغيرًا، وشحنه بالرجال والسلاح، فخرج صاحب طرابلس ابن عمار في ذي الحجة، فهجم هذا الحصن وملكه، وقتل كل من فيه، وهدم بعضه، ودخل البلد بالغنائم منصورًا، وكان ابن عمار بطلًا، شجاعًا، مهيبًا، برز إلى الفرنج مرات، وانتصر عليهم، وبذل وسعه في الجهاد.
وفيها جمع بزغش مقدم جيش سنجر عسكرًا كثيرًا وخلقًا من المطوعة، وسار إلى قتال الإسماعيلية، وقصد طبس، وهي لهم، فخربها وما جاورها من القلاع والقرى، وأكثر فيهم النهب والسبي والقتل، وفعل بهم الأفعال العظيمة. ثم إن أصحاب سنجر أشاروا بأن يؤمنوا، ويشترط عليهم أن لا يبنوا حصنًا، ولا يشتروا سلاحًا، ولا يدعوا أحدًا إلى عقائدهم، فسخط كثير من الناس هذا الأمان، ونقموه على السلطان سنجر، ومات بزغش، وختم له بغزو هؤلاء الكلاب الزنادقة.
سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
في ثاني ربيع الآخر، مات السلطان بركياروق، وملكت الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه، وخطب له ببغداد وهو صبي له دون الخمس سنين.
وأما السلطان محمد، فكان مقيمًا بتبريز، فسار إلى مراغة يريد
стр. 10176
جكرمش، فحصن جكرمش الموصل، وجفل أهل الضياع إلى البلد، فنازله محمد، وجد في قتاله، وقاتل مع جكرمش أهل الموصل لمحبتهم فيه، ودام القتال مدةً، فلما بلغت جكرمش وفاة بركياروق، أرسل إلى محمد يبذل الطاعة، فدخل إليه وزير السلطان محمد سعد الملك، وخرج معه جكرمش، فقام له محمد واعتنقه، وقال: ارجع إلى رعيتك، فإن قلوبهم إليك، فقبل الأرض وعاد، فقدم للسلطان وللوزير تحفًا سنية، ومد سماطًا عظيمًا بظاهر الموصل.
ثم أسرع محمد إلى بغداد وفي خدمته صاحب الموصل، وكان ببغداد ملكشاه بن بركياروق الصبي الذي سلطنه الخليفة، وأتابك الصبي إياز، فبرزوا من بغداد، وتحالفوا على حرب محمد، ومنعه من السلطنة، وجاء محمد فنزل بالجانب الغربي، وخطب له به، ثم ضعف إياز والأمراء، فراسلوا محمدًا في الصلح - وليعطي إياز أمانا على ما سلف منه، وتم الدست لمحمد، واجتمعت الكلمة عليه، واستحلف السلطان إلكيا الهراسي على الأمان، وأقام السلطان محمد ببغداد ثلاثة أشهر، ثم توجه إلى أصبهان.
وأما إياز أتابك ملكشاه، فإنه لما سلم السلطنة إلى السلطان محمد عمل دعوةً عظيمةً في داره ببغداد، ودعا إليها محمدًا، وقدم له تحفًا، منها الحبل البلخش الذي أخذه من تركة مؤيد الملك ابن النظام، وحضر مع السلطان الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد، فاعتمد إياز اعتمادًا رديئًا، وهو أنه ألبس مماليكه العدد والسلاح ليعرضوا على محمد، فدخل عليهم رجل مسخرة، فقالوا: لا بد من أن نلبسك درعًا ونعرضك، فألبسوه درعا وعبثوا به يصفعونه، حتى كل وهرب، والتجأ إلى غلمان السلطان، فرآه السلطان مذعورًا وعليه لباس عظيم، فارتاب، ثم جسه غلام، فإذا درع تحت الثياب الفاخرة، فاستشعر، وقال محمد: إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا السلاح، فكيف الأجناد، وتخيل لكونه في داره، فنهض وخرج، فلما كان بعد أربعة أيام استدعى إياز وجكرمش صاحب الموصل وجماعة وقال: بلغنا أن الملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش قصد ديار بكر ليأخذها، فانظروا من ينتدب له، فقالوا: ما له إلا الأمير إياز، فطلب إيازًا إلى بين يديه لذلك، وأعد جماعة ليفتكوا به إذا دخل، فضربه واحد أبان رأسه، فغطى الأمير صدقة وجهه بكمه،
стр. 10177
وأما الوزير فغشي عليه، ولف إياز في مسحٍ، وألقي على الطريق، فركب أجناده وشغبوا ثم تفرقوا، وهذا أمر جره المزاح، نسأل الله السلامة، ثم أخذه قوم من المطوعة، وكفنوه ودفنوه، وعاش نحو الأربعين، وكان من مماليك السلطان ملكشاه، وكان شجاعًا غزير المروءة، ذا خبرة بالحروب، ثم قتلوا وزيره بعد شهرين.
وفيها هلك الطاغية صنجيل الذي حاصر طرابلس في هذه المدة، وبنى بقربها قلعة وكان من شياطين الفرنج ورؤوسهم، ووصل إلى الشام ليحج القدس، فأخذ بأرض صيدا وذهبت حينئذٍ عينه، ودار في بلاد الشام بزي التجار؛ فلما توفي السلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده، وجمع الفرنج للحج، وقدم أنطاكية، وحارب المسلمين مرات، وتمكن، ثم شن الغارة من حصنه، فبرز له ابن عمار من طرابلس، وكبس الحصن بغتةً، فقتل من فيه، ورمى النيران في جوانبه، ورجع صنجيل، فدخل الحصن، فانخسف به سقف، ثم مرض وغلب، فصالح صاحب طرابلس، ثم مات في سنة ثمانٍ، فقام بعده ابن أخيه؛ وجد في حصار طرابلس، والأمر بيد الله تعالى.
وفيها توفي الأمير سقمان بن أرتق، وقد كان فخر الملك ابن عمار صاحب طرابلس كاتبه واستنجد به، فتهيأ لذلك، فأتاه وهو على العزم كتاب طغتكين صاحب دمشق: بأني مريض أخاف إن مت أن تملك الفرنج دمشق، فاقدم علي، فبادر إلى دمشق، ووصل إلى القريتين، وأسقط في يد طغتكين وندم، فلم ينشب أن أتاه الخبر بموت سقمان بالقريتين بالخوانيق، وكانت تعتريه كثيرًا، فمات في صفر، ورجع به عسكره، ودفن بحصن كيفا، وكان دينًا حازمًا مجاهدًا، فيه خير في الجملة.
وفيها ثار الباطنية بخراسان، ولم يقفوا مع الهدنة المذكورة فعاثوا بأعمال بيهق، وبيتوا الحجاج الخراسانيين بنواحي الري ووضعوا فيهم السيف، ونجا بعضهم بأسوأ حال.
وقتلوا الإمام أبا جعفر ابن المشاط أحد شيوخ الشافعية، كان يعظ بالري، فلما نزل عن الكرسي وثب عليه باطني فقتله.
وفيها كانت وقعة بين الفرنج ورضوان بن تتش صاحب حلب، فانكسر رضوان؛ وذلك أن تنكري صاحب أنطاكية نازل حصنًا، فجمع رضوان عسكرًا
стр. 10178
ورجالة كثيرة من المطوعة، فوصلوا إلى تبريز، فلما رأى تنكري كثرة سوادهم راسل بطلب الصلح، فامتنع رضوان، فعملوا المصاف، فانهزمت الفرنج من غير قتال، ثم قالوا: نعود ونحمل حملةً صادقةً، ففعلوا، فانحطمت المسلمون، وقتل منهم بشر كثير، ولم ينج من الأسر إلا الخيالة، وافتتح الفرنج الحصن، ويقال له حصن أرتاح، وذلك في شعبان.
وفيها قدم المصريون في خمسة آلاف، وكاتبوا طغتكين صاحب دمشق، فأرسل ألفًا وثلاثمائة فارس، عليهم الأمير إصبهبذ صباوا فاجتمعوا، وقصدهم بغدوين صاحب القدس وعكا في ألف وثلاثمائة فارس، وثمانية آلاف راجل، فكان المصاف بين يافا وعسقلان، وثبت الفريقان، حتى قتل من المسلمين ألف ومائتان، ومن الفرنج مثلهم، فقتل نائب عسقلان جمال الملك، ثم قطعوا القتال وتحاجزوا، وقل أن يقع مثل هذا، ثم رد عسكر دمشق، ودخل المصريون إلى عسقلان.
وفيها عزل عن شحنكية بغداد إيلغازي بن أرتق، وجعل السلطان محمد على بغداد قسيم الدولة سنقر البرسقي، وكان دينًا عاقلًا من خواص محمد.
ودخل محمد أصبهان سلطانا متمكنًا، مهيبًا، كثير الجيوش، بعد أن كان خرج منها خائفًا يترقب، فبسط العدل، وأحسن إلى العامة.
وفيها كان ببغداد جدري مفرط، مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون، وتبعه وباء عظيم.
وكان الحصار متواترًا على طرابلس، وكتب أهلها متواصلة إلى طغتكين يستصرخونه لإنجادهم وعونهم، فأهلك الله تعالى صنجيل مقدم الفرنج، وقام غيره كما سبق.
سنة تسع وتسعين وأربعمائة
فيها ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة، وكان يمخرق بالسحر والنجوم، وتبعه الخلق، وحملوا إليه أموالهم، فكان لا يدخر شيئًا، وسمى أصحابه بأسماء الصحابة كأبي بكر، وعمر. وخرج أيضا بنهاوند رجل من ولد ألب أرسلان يطلب الملك، فأخذا وقتلا في وقت واحد.
стр. 10179
وفيها شرع الفرنج وعمدوا إلى حصنٍ بين طبرية والبثنية يقال له: عال، فبلغ طغتكين صاحب دمشق، فسار وكبسهم وأسر وأخذ الحصن، وعاد بالأسارى والغنائم، وزينت دمشق أسبوعًا، ثم سار إلى حصن رفنية، وصاحبه ابن أخت صنجيل، فحصره طغتكين وملكه، وقتل به خمسمائة من الفرنج.
وفيها ملكت الإسماعيلية حصن فامية، وقتلوا صاحبه خلف بن ملاعب الكلابي، وكان خلف قد تغلب على حمص، وقطع الطريق، وعمل أنحس مما تعمله الفرنج، فطرده تتش عن حمص، فذهب إلى مصر، فما التفتوا إليه، فاتفق أن نقيب فامية من جهة رضوان بن تتش أرسل إلى المصريين، وكان على مذهبهم، يستدعي منهم من يسلم إليه الحصن، فطلب ابن ملاعب منهم أن يكون واليًا عليه لهم، فلما ملكه خلع طاعتهم، فأرسلوا من مصر يتهددونه بما يفعلونه بولده الذي عندهم رهينة، فقال: لا أنزل من قلعتي، وابعثوا إلي ببعض أعضاء ابني حتى آكله، وبقي بفامية يقطع الطريق، ويخيف السبيل، وانضم إليه كثير من المفسدين.
ثم أخذت الفرنج سرمين، وأهلها رافضة، فتوجه قاضيها إلى ابن ملاعب فأكرمه وأحبه، ووثق به، فأعمل القاضي الحيلة، وكتب إلى أبي طاهر الصائغ، أحد رؤوس الباطنية ومن الواصلين عند رضوان صاحب حلب، واتفق معه على الفتك بابن ملاعب، وأحس ابن ملاعب فأحضر القاضي، فجاء وفي كمه مصحف، وتنصل وخدع ابن ملاعب، فسكت عنه؛ وكتب إلى الصائغ يشير عليه بأن يحسن لرضوان إنفاذ ثلاثمائة رجل من أهل سرمين الذين نزحوا إلى حلب، وينفذ معهم خيلًا من خيول الفرنج، وسلاحًا من سلاحهم، ورؤوسًا، من رؤوس الفرنج، فيأتون ابن ملاعب في صورة أنهم غزاة، ويشكون من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم، وأنهم فارقوه، فلقيتهم طائفة من الفرنج، فنصروا على الفرنج، وهذه رؤوسهم، ويحملون جميع ما معهم إليه، فإذا أذن لهم في المقام عنده يتفق معهم على إعمال الحيلة عليه.
ففعل الصائغ جميع ذلك، وجاؤوا بتلك الصورة، وقدموا لابن ملاعب ما معهم من خيل وغيرها، فأنزلهم ابن ملاعب في ربض فامية، فقام القاضي ليلة هو ومن معه بالحصن، فدلوا حبالًا، وأصعدوا أولئك من الربض، ووثبوا على أولاد ابن ملاعب وبني عمه فقتلوهم، وأتوا ابن ملاعب وهو مع امرأته
стр. 10180
فقال: من أنت؟ قال: ملك الموت جئت لقبض روحك، ثم قتله، ثم وصل الخبر إلى أبي طاهر الصائغ، فسار إلى فامية، وهو لا يشك أنها له، فقال القاضي: إن وافقتني وأقمت معي، وإلا فارجع، فآيس ورجع.
وكان عند طغتكين الأتابك ولد لابن ملاعب، فولاه حصنًا، فقطع الطريق، وأخذ القوافل كأبيه، فهم طغتكين بالقبض عليه، فهرب إلى الفرنج، واستدعاهم إلى فامية، وقال: ما فيها إلا قوت شهر، فنازلوه وحاصروه، وجاع أهله، وملكته الفرنج، فقتلوا القاضي المذكور، وظفروا بالصائغ فقتلوه، وهو الذي أظهر مذهب الباطنية بالشام، فقيل: لم يقتلوه وإنما بقي إلى سنة سبعٍ وخمسمائة، فقتله ابن بريع (١) رئيس حلب بعد موت رضوان صاحبها.
وفيها ملك سيف الدولة صدقة بن مزيد الأسدي البصرة، وحكم عليها، وأقام بها نائبًا، وجعل معه مائةً وعشرين فارسا، فاجتمعت ربيعة والعرب في جمع كبير، وقصدوا البصرة، فقاتلهم النائب ألتونتاش، فأسروه، ودخلوا البلد بالسيف، فنهبوا وأحرقوا، وما أبقوا ممكنًا، وانتشر أهلها في السواد، وأقامت العرب تفسد شهرًا، فأرسل صدقة عسكرًا، وقد فات الأمر.
وأما ابن عمار فكان يخرج من طرابلس وينال من الفرنج، وخرب الحصن الذي أقامه صنجيل، وحرق فيه، فرجع صنجيل ومعه جماعة من القمامصة والفرسان، فوقف على بعض السقوف المحترقة، فانخسف، فمرض صنجيل عشرة أيام ومات، لعنه الله؛ وحملت جيفة الملعون إلى القدس، فدفنت به، ولم يزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت، فعدموا الأقوات، وافتقر الأغنياء، وجلا الفقراء، وظهر من ابن عمار صبر وثبات، وشجاعة عظيمة، ورأي، وحزم، وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملًا وثروة، فباع أهلها من الحلي والآلات الفاخرة ما لا يوصف بأقل ثمن، ولا أحد يغيثهم، ولا من يكشف عنهم.
وامتلأ الشام من الفرنج.
стр. 10181
سنة خمسمائة
فيها توفي أمير المغرب والأندلس يوسف بن تاشفين، وولي الملك بعده ابنه علي بن يوسف، وكان قد بعث فيما تقدم تقدمة جليلة، ورسولًا إلى المستظهر بالله، يلتمس أن يولى السلطة، وأن يقلد ما بيده من البلاد، فكتب له تقليدًا، ولقب أمير المسلمين، وبعثت له خلع السلطنة، ففرح بذلك، وسر فقهاء المغرب بذلك، وهو الذي أنشأ مدينة مراكش.
وفي يوم عاشوراء قتل فخر الملك علي ابن نظام الملك، وثب عليه واحد من الإسماعيلية في زي متظلم، فناوله قصةً، ثم ضربه بسكين فقتله، وعاش ستًا وستين سنة.
ونقل ابن الأثير (١) أنه كان أكبر أولاد النظام، وأنه وزر للسلطان بركياروق، ثم انفصل عنه، وقصد نيسابور، فأقام عند السلطان سنجر، ووزر له، فأصبح يوم عاشوراء صائمًا، فقال لأصحابه: رأيت الليلة الحسين بن علي ﵄ وهو يقول: عجل إلينا، وليكن إفطارك عندنا، وقد اشتغل فكري، ولا محيد عن قضاء الله وقدره، فقالوا: يكفيك الله، والصواب أن لا تخرج اليوم والليلة، فأقام يومه كله يصلي ويقرأ، وتصدق بشيء كثير، ثم خرج وقت العصر يريد دار النساء، فسمع صوت صياح متظلم، شديد الحرقة، وهو يقول: ذهب المسلمون، فلم يبق من يكشف كربة، ولا يأخذ بيد ملهوف، فطلبه رحمةً له، وإذا بيده قصة، وذكر الحكاية.
وفيها قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبي المحاسن، وصلبه على باب أصبهان، وصلب معه أربعة من أصحابه نسبوا إلى أنهم باطنية، وأما الوزير فاتهم بالخيانة، وكانت وزارته سنتين وتسعة أشهر، وكان على ديوان الاستيفاء في أيام وزارة مؤيد الملك ابن نظام الملك، ثم خدم السلطان محمدا وقام معه، فاستوزره، ثم نكبه وصلبه. ثم استوزر قوام الملك أبا ناصر أحمد ابن نظام الملك.
وفيها انتزع السلطان محمد قلعة أصبهان من الباطنية، وقتل صاحبها
стр. 10182
أحمد بن عبد الملك بن غطاس، وكانت الباطنية بأصبهان قد ألبسوه تاجًا، وجمعوا له الأموال، وقدموه؛ لأن أباه عبد الملك كان من علمائهم له أدب وبلاغة، وحسن خط، وسرعة جواب، مع عفة ونزاهة، وطلع ابنه أحمد هذا جاهلًا، قيل لابن الصباح صاحب الألموت: لماذا تعظم ابن غطاس على جهله؟ قال: لمكان أبيه، فإنه كان أستاذي.
وكان ابن غطاس قد استفحل أمره، واشتد بأسه، وقطعت أصحابه الطرق، وقتلوا الناس.
قال ابن الأثير (١): قتلوا خلقًا كثيرًا لا يمكن إحصاؤهم، وجعلوا لهم على القرى والأملاك ضرائب يأخذونها، ليكفوا أذاهم عنها، فتعذر بذلك انتفاع الناس بأملاكهم، والدولة بالضياع، وتمشى لهم الأمر بالخلف الواقع، فلما صفا الوقت لمحمد لم يكن له همة سواهم، فبدأ بقلعة أصبهان، لتسلطها على سرير ملكه، فحاصرهم بنفسه، وصعد الجبل الذي يقابل القلعة، ونصب له التخت، واجتمع من أصبهان وأعمالها لقتالهم الأمم العظيمة، فأحاطوا بجبل القلعة، ودوره أربعة فراسخ، إلى أن تعذر عليهم القوت، وذلوا، فكتبوا فتيا: ما يقول السادة الفقهاء في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وإنما يخالفون في الإمام، هل يجوز للسلطان مهادنتهم وموادعتهم، وأن يقبل طاعتهم؟ فأجاب الفقهاء بالجواز، وتوقف بعض الفقهاء، فجمعوا للمناظرة، فقال أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السنجاري الشافعي: يجب قتالهم، ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين، فإنهم يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم إذا أباح لكم ما حظر الشرع أيقبلون منهم؟ فإنهم يقولون: نعم، وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع، وطالت المناظرة في ذلك.
ثم بعثوا السلطان يطلبون من يناظرهم، وعينوا أشخاصًا، منهم شيخ الحنفية القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى قاضي أصبهان، فصعدوا إليهم، وناظروهم، وعادوا كما صعدوا، وإنما كان قصدهم التعلل، فلج السلطان حينئذ في حصرهم، فأذعنوا بتسليم القلعة على أن يعطوا قلعة خالنجان، وهي على مرحلة من أصبهان، وقالوا: إنا نخاف على أرواحنا من العامة، ولا بد من
стр. 10183
مكان نأوي إليه، فأشير على السلطان بإجابتهم، فسألوا أن يؤخرهم إلى قرب النيروز، ثم يتحولون، فأجابهم، وطلبوا منه مؤونة يوما بيوم فأجابهم إلى ذلك، هذا، وقصدهم المطاولة وانتظار فتن تتفق، أو حادث تجدد، ورتب لهم الوزير سعد الملك راتبًا كل يوم، ثم بعثوا من وثب على أمير كان يجد في قتالهم، فجرح وسلم، فحينئذٍ خرب السلطان قلعة خالنجان، وجدد الحصار عليهم، فطلبوا أن ينزل بعضهم، ويرسل السلطان معهم من يحميهم إلى قلعة الناظر بأرجان، وهي لهم، وإلى قلعة طبس، وأن يقيم باقيهم في ضرس القلعة، إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، فأجابهم إلى ذلك، وذهبوا، ورجع من أخبر الباقين بوصول أولئك إلى القلعتين، فلم يسلم ابن غطاس السن الذي احتموا فيه، ورأى السلطان منه الغدر والرجوع عما تقرر، فزحف الناس عليه عامة، في ثاني ذي القعدة، وكان قد قل عنده من يمنع أو يقاتل، وظهر منه بأس شديد، وشجاعة عظيمة، وكان قد استأمن إلى السلطان إنسان من أعيانهم فقال: أنا أدلكم على عورة لهم، فأتى بهم إلى جانب للسن لا يرام فقال: اصعدوا من هاهنا، فقيل: إنهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال، فقال: إن الذي ترون أسلحة وكزاغندات قد جعلوها كهيئة الرجال، وذلك لقلتهم، وكان جميع من بقي ثمانين رجلًا، فصعد الناس من هناك، وملكوا الموضع، وقتلوا أكثر الباطنية، واختلط جماعة منهم مع من دخل فسلموا، وأسر ابن غطاس، فشهر بأصبهان، وسلخ، فتجلد حتى مات، وحشي جلده تبنًا، وقتل ولده، وبعث برأسيهما إلى بغداد، وألقت زوجته نفسها من رأس القلعة فهلكت، وخرب محمد القلعة. وكان والده السلطان جلال الدولة ملك شاه هو الذي بناها على رأس جبل، يقال: إنه غرم على بنائها ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار، فاحتال عليها ابن غطاس حتى ملكها، وأقام بها اثنتي عشرة سنة.
وفي صفر عزل الوزير أبو القاسم علي بن جهير، وكان قد وزر للخليفة ثلاثة أعوام وخمسة أشهر، فهرب إلى دار سيف الدولة صدقة بن مزيد ببغداد ملتجئًا إليها، وكانت ملجأً لكل ملهوف، فأرسل إليه صدقة من أحضره إلى الحلة، وأمر الخليفة بأن تخرب داره، ثم تقررت الوزارة في أول سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن المطلب.
стр. 10184
وفيها غرق قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية، سقط في الخابور فغرق، ووجد بعد أيام منتفخا، والحمد لله على العافية.
وتتابعت كتب أتابك طغتكين وفخر الملك ابن عمار ملكا الشام إلى السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، بعظيم ما حل بالشام وأهله من الفرنج لعنهم الله، ويستصرخون به، ويستنجدون به ليدركهم، فندب جيشًا عليهم جاولي سقاوة، وكاتب صدقة بن مزيد، وصاحب الموصل وغيرهما لينهضوا إلى حرب الكفار، فثقل ذلك على المكاتبين ونكلوا عن الجهاد، وأقبلوا على حظوظ الأنفس، فلا قوة إلا بالله.
وكان ابن قتلمش نفذ بعض جيشه لإنجاد صاحب القسطنطينية على بيمند وإفرنج الشام، فلما التقى الجمعان استظهر الروم وكسروا الفرنج شر كسرة، أتت على أكثرهم بالقتل والأسر، وفصل الأتراك جند ابن قتلمش بعد أن خلع عليهم طاغية الروم وأكرمهم.
стр. 10185
بسم الله الرحمن الرحيم.
(ال وفيات)
سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
١ - أحمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو العباس ابن الحطاب الرازي، ثم المصري الفقيه الشافعي.
سمع أبا الحسن ابن السمسار بدمشق، وشعيب بن المنهال، وإسماعيل بن عمرو الحداد، وعلي بن منير الخلال بمصر، وجماعة كثيرة، روى عنه ابنه أبو عبد الله الرازي صاحب المشيخة والسداسيات، وغيث بن علي، وكتب عنه من القدماء أبو زكريا عبد الرحيم البخاري، ومكي الرميلي.
قال ابنه: كان أبي في سكرة الموت يقول: ما لي في الدنيا حسرة إلا أني مشيت في ركاب الشيوخ، وسافرت إليهم باليمن والشام، ومصر، وها أنا أموت، ولم يؤخذ عني ما سمعته على الوجه الذي أردته.
قال أبي: وحججت سنة أربع عشرة وأربعمائة، وقرأت بمكة بروايات على أبي عبد الله الكارزيني.
٢ - أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر، أبو حامد الفقيه الهمذاني.
روى عن أبيه، ومحمد بن عيسى، وأبي نصر أحمد بن الحسين الكسار، وجعفر بن محمد الحسيني.
قال شيرويه: سمعته، وكان أحد مشايخ البلد ومفتيه، مات في صفر في سادس وعشرين، وكان من جلة الشافعية.
٣ - أحمد بن سهل، أبو بكر النيسابوري السراج.
روى عن محمد بن موسى الصيرفي، وأبي بكر الحيري، وعلي بن محمد الطرازي.
وكان فقيهًا ورعًا، عابدًا صالحًا، ولد سنة ثمان وأربعمائة، وكان يتكلم على الحديث وشرحه؛ حدّث عنه أبو سعد محمد بن أحمد الخليلي النوقاني
стр. 10186
الحافظ، وعمر بن أحمد الصفار، وعبد الله ابن الفراوي، وعبد الخالق بن زاهر، وأبوه زاهر ووجيه ابنا الشحامي، وجماعته.
توفي في ليلة السابع والعشرين من رمضان (١).
٤ - أحمد بن عبد الغفار بن أحمد بن علي بن أحمد بن أشتة، أبو العباس الأصبهاني الكاتب.
شيخ مكثر مسند، سمع أبا سعيد النقاش، وعلي بن ميلة الفقيه، وابن عقيل الباوردي، والفضل بن شهريار، وغيرهم، وتوفي في ذي الحجة عن اثنتين وثمانين سنة.
روى عنه السلفي، وأبو سعد البغدادي (٢).
٥ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم التيمي الأصبهاني، المعروف بابن اللبان المتكلم.
يروي عن أبي نعيم، وغيره، روى عنه السلفي، وورخه.
٦ - أحمد بن عبد العزيز، الإمام أبو سعيد البردعي الحنفي الفقيه.
كان عليه مدار الفتوى بنيسابور، وكان يعقد مجالس الوعظ من غير تكلف على طريقة أهل الورع، ويذكر مسائل الفقه مما ينفع العوام، وكان يميل إلى الاعتزال، ثم صار يحضر مجالس الشافعية، ويستطيب طريقة أهل السنة ويظهر أنه تارك لما كان عليه، ومال إلى التصوف.
وتوفي في ثامن عشر ذي القعدة، وما أظنه حدث (٣).
٧ - أحمد بن المبارك، أبو سعد البغدادي ابن الأكفاني المقرئ.
شيخ معمر، قرأ على أبي الحسن الحمامي إلى سورة سبأ، قرأ عليه: أبو الكرم الشهرزوري، وروى عن بشرى الفاتني، روى عنه ابن السمرقندي، وابن ناصر.
وكان سمسارًا.
• - أحمد بن محمد الخليلي.
стр. 10187
قيل: فيها توفي، وقيل: سنة اثنتين (١).
٨ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن حسن بن بشرويه، أبو العباس الأصبهاني الحافظ.
سمع أبا عبد الله بن حسنكويه، ومحمد بن علي بن مصعب، وأبا نعيم الحافظ، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، والهيثم بن محمد الخراط، وإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الجلاب، وأبا ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني، ومن بعدهم.
قال السلفي: كان من أهل المعرفة بالحديث والفقه والفرائض، كتبنا بانتخابه كثيرًا، وأكثرنا عنه لثقته ومعرفته، وسمعته يقول: ولدت سنة خمس عشرة.
قلت: توفي في جمادى الآخرة، وروى عنه هبة الله بن طاوس، وقيل: مات سنة سبعٍ (٢).
٩ - إبراهيم بن خلف بن إبراهيم بن لب، أبو إسحاق التجيبي القرطبي، ويعرف بابن الحاج.
سمع من بكر بن عيسى الكندي، وحج ورأى أبا ذر الهروي، ولم يسمع منه، وأجاز لابن أخيه محمد بن أحمد بن خلف في هذا العام، وانقطع خبره بعد (٣).
١٠ - إبراهيم بن سليم بن أيوب، أبو سعد الرازي.
سمع من والده؛ ومن أبي الحسين ابن الطفال بمصر؛ ومن عبد الوهاب بن برهان الغزال بصور، ومن كريمة بمكة؛ ومن الجوهري ببغداد، وتوفي بدمشق في ذي الحجة.
سمع منه: غيث، وأبو محمد بن صابر (٤).
стр. 10188
١١ - إبراهيم بن يحيى بن موسى، أبو إسحاق الكلاعي القرطبي، ويعرف بابن العطار.
سمع من أبي محمد الشنتجالي، وحج، وسمع من أبي زكريا عبد الرحيم البخاري، وغيره.
قال أبو بحر الأسدي: لقيته في سنة إحدى وتسعين بالجزائر، وكان ثقة نبيهًا (١).
١٢ - إبراهيم بن يونس بن محمد، أبو إسحاق المقدسي الخطيب الأصبهاني الأصل.
سمع بدمشق أبا القاسم إبراهيم بن محمد الحنائي، وأبا القاسم علي بن محمد السميساطي، وبالقدس الفقيه أبا محمد عبد الله بن الوليد الأندلسي، وعلي بن طاهر، وعبد الرحيم بن أحمد البخاري الحافظ، وخزرون بن الحسن، وجماعة.
روى عنه أبو محمد ابن الأكفاني، والخضر بن عبدان، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وكان تلا القرآن.
توفي بدمشق في ذي الحجة، وله سبعون سنة (٢).
١٣ - إسماعيل بن علي بن طاهر، أبو القاسم الرازي السلفي.
من شيوخ أصبهان، روى عن أبي بكر بن أبي علي الذكواني المعدل، وأبي بكر بن محمد بن محمويه، وعلي بن أحمد الجرجاني، وعنه أبو طاهر السلفي، وقال: توفي في ربيع الآخر، وقال: لم يرو لنا عن محمد بن علي الواعظ، أو كما قال، سواه.
١٤ - جعفر بن حيدر بن محمد، الشيخ أبو المعالي العلوي الهروي، شيخ الصوفية.
كان ورعًا زاهدًا، سمع بنيسابور شيخ الإسلام أبا عثمان الصابوني، وأبا سعد الكنجروذي، وتوفي بهراة.
стр. 10189
ذكره السمعاني في الذيل (١).
١٥ - حاتم بن محمد بن علي بن أبي محمد حاتم بن أبي حاتم محمد بن يعقوب بن إسحاق بن محمود، أبو محمد الهروي الحاتمي.
شيخ صالح، سمع أبا منصور محمد بن عبد الله بن إبراهيم الفارسي صاحب حامد الرفاء، روى عنه علي بن حمزة الموسوي، وعبد الفتاح بن عطاء، وعبد الواسع بن أبي بكر السقطي.
مات بهراة في جمادى الأولى عن نيفٍ وثمانين سنة.
١٦ - حديد بن حسن، المؤدب الشيباني.
حدث عن أبي إسحاق البرمكي، توفي في شوال.
١٧ - الحسن بن أحمد بن محمد، الحافظ أبو محمد السمرقندي، صاحب الحافظ جعفر بن محمد المستغفري.
توفي في ذي القعدة بنيسابور عن اثنتين وثمانين سنة، كان مكثرًا فاضلًا، وغيره أتقن وأحفظ منه.
وقال ابن السمعاني: سألت إسماعيل الحافظ عن الحسن السمرقندي، فقال: إمام حافظ، سمع وجمع وصنف، سمع من المستغفري، وعبد الصمد العاصمي، وشيوخ بخارى، وبلخ، ونيسابور، وأكثر السماع عنهم.
قلت: روى عنه خلق من شيوخ عبد الرحيم ابن السمعاني.
وقال عمر بن محمد بن لقمان النسفي في كتاب القند: ذكر الإمام الحافظ قوام السنة أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر السمرقندي الكوخميثني (٢) نزيل نيسابور: لم يكن في زمانه في فنه مثله في الشرق والغرب، له كتاب بحر الأسانيد في صحاح المسانيد، جمع فيه مائة ألف حديث، ورتب وهذب، لم يقع في الإسلام مثله، وهو ثمانمائة جزء.
وذكره عبد الغافر فقال (٣): عديم النظير في حفظه، قدم نيسابور، وسمع ابن مسرور، وأبا عثمان الصابوني، والكنجروذي، وطائفة، وعاد إلى
стр. 10190
سمرقند، ثم قدم نيسابور واستوطنها، وهو مكثر عن المستغفري.
قلت: روى عنه هبة الرحمن القشيري، ومحمد بن جامع خياط الصوف، والجنيد القايني، وأكبر شيخ له منصور الكاغدي.
١٨ - الحسين بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن أيوب بن معافى، أبو عبد الله العكبري.
سمع أبا الحسين بن بشران، ومحمود بن عمر العكبري، وعنه إسماعيل ابن السمرقندي، وأبو الكرم الشهرزوري، وعمر بن ظفر.
مات في شوال، وقيل: في رمضان عن ثمان وثمانين سنة.
١٩ - الحسين بن الحسن، الفقيه أبو عبد الله الشهرستاني الشافعي، قاضي دمشق.
سمع بنيسابور من أبي القاسم القشيري؛ وبجرجان من إسماعيل بن مسعدة، وبالعراق من ابن هزارمرد الصريفيني.
قال ابن عساكر: حدثنا عنه هبة الله بن طاوس، وكان حسن السيرة في الأحكام، ولي قضاء دمشق سنة سبعٍ وسبعين في أيام تتش، وكان شديدًا على من خالف الحق، واستشهد بظاهر أنطاكية بيد الفرنج يوم المصاف.
٢٠ - الحسين بن علي الدمشقي المقرئ، ويعرف بالدمنشي.
سمع أبا الحسن بن أبي الحديد.
وكان رافضيًا، سعى بالحافظ أبي بكر الخطيب إلى أمير الجيوش، وقال: هو ناصبي يروي فضائل الصحابة، وفضائل بني العباس في جامع دمشق، فكان ذلك سبب نفي الخطيب من دمشق (١).
٢١ - روح بن محمد بن عبد الواحد بن عباس، أبو طاهر الرازي الصوفي.
سمع أبا الحسن علي بن عبدكويه، وأبا بكر بن أبي علي الذكواني، وعبد الواحد الباطرقاني، وعلي بن أحمد الجرجاني، وتوفي في شعبان.
روى عنه السلفي (٢).