عنهما. وروى عن: أبي حسان المزكي، وأحمد بن محمد بن الحارث النحوي، ووالده.
روى عنه: الحافظ أبو سعد السمعاني، وأبو الفتوح الطائي، وعبد المنعم الفراوي، وخلق كثير. وروى عنه بالإجازة: ذاكر بن كامل الخفاف، وأبو المكارم أحمد بن محمد اللبان.
وكان مولده في ذي الحجة سنة أربع عشرة، وتوفي في ثامن عشر ذي الحجة، وقد استكمل ستًا وتسعين سنة.
قال السمعاني في كتاب الأنساب (١): كان صالحًا، عابدًا، معمرًا، رحل إليه من البلاد، وسمع الحيري، والصيرفي، وعبد القاهر بن طاهر، ومحمد بن إبراهيم المزكي، وقد دخل أصبهان، وسمع بها من ابن ريذة، وأبي طاهر بن عبد الرحيم. أحضرني والدي مجلسه، وكان أبوه يروي عن المخلص، وهو فقد أجاز لمن شاء الرواية عنه.
وهو من قرية كونابذ، ثم عربت، فقيل: جنابذ، بفتح الباء، وهي من قهستان من رساتيق نيسابور.
وكان صالحًا، عفيفًا، يتجر إلى البلاد مضاربة بأموال الناس، ثم عجز، وانقطع لتسميع الحديث، وكان مكثرًا. ومن شيوخه أبو سعيد نصر الدين بن أبي الخير الميهني، وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي.
ألحق الأحفاد بالأجداد، وسمع منه من دب ودرج، وسار ذكره، ولم تتغير حواسه، إلا بصره فضعف. ومن شيوخه: أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي.
قال الفضل بن عبد الواحد الأصبهاني: سمعت الرئيس الثقفي يقول: لا جاء الله من خراسان بأحد إلا بأبي بكر الشيرويي؛ فإنه أخيرهم وأنفعهم.
قال السمعاني (٢): سمعت منه الكثير، ولي ثلاث سنين ونصف بقراءة أبي، وسمع أخي في الخامسة، فمن ذلك جزء سفيان، وخمسة أجزاء من ثمانية من مسند الشافعي، فالفوت جزءان من أول المسند وجزء من آخره.
стр. 10467
٢٩٦ - عبد الله بن عبد الرحمن بن يونس، أبو محمد بن خيرون الأندي، القضاعي.
محدث مكثر عن ابن عبد البر، وسمع: أبا الوليد الباجي، وابن دلهاث، وكان عارفًا بالفقه، والآداب، والشعر، ولي قضاء مربيطر.
روى عنه: أبو محمد بن علقمة، ومحمد بن محمد بن يعيش، وعبد الوهاب التجيبي، وآخرون (١).
٢٩٧ - علي بن أحمد بن محمد بن بيان، أبو القاسم ابن الرزاز، البغدادي، مسند الدنيا في عصره.
روى عنه خلق لا يحصون. سمع: أبا الحسن محمد بن محمد بن محمد بن مخلد، وطلحة بن الصقر الكتاني، وأبا علي بن شاذان، وأبا القاسم بن بشران، وأبا القاسم الحرفي الواعظ، وأبا العلاء الواسطي، وجماعة.
ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكانت إليه الرحلة من الأقطار، وهو آخر من حدث بنسخة ابن عرفة.
قال أبو سعد السمعاني: وكان يأخذ على روايتها دينارًا عن كل واحد على ما سمعت. وأجاز لي، وحدثني عنه جماعة كثيرة. سمعت أبا بكر محمد بن عبد الباقي يقول: كان أبو القاسم بن بيان يقول: أنتم ما تطلبون الحديث والعلم، أنتم تطلبون العلو، وإلا ففي دربي جماعة سمعوا مني هذا الجزء، فاسمعوه منهم. ومن أراد أن يسمع مني يزن دينارًا.
سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله العطار بمرو يقول: وزنت الذهب لأبي القاسم بن بيان، حتى سمعت منه جزء ابن عرفة، وكذا ذكر لي محمد بن أبي العباس بسمرقند أنه أعطاه دينارًا حتى سمع منه.
قلت: روى عنه: أبو الفتوح الطائي، والسلفي، وخطيب الموصل، وأحمد بن محمد بن قضاعة، وأحمد بن محمد المنبجي، وأبو محمد عبد الله بن الخشاب النحوي، ومحمد بن عبد الباقي ابن النرسي، والمبارك بن محمد بن سكينة، ووفاء بن أسعد التركي، والحافظ أبو العلاء العطار، ومحمد بن بدر الشيحي، ومحمد بن جعفر بن عقيل، وأبو الفرج محمد بن أحمد حفيد
стр. 10468
ابن نبهان، وأبو الفتح بن شاتيل، وأحمد بن المبارك بن درك، وأحمد بن أبي الوفاء الصائغ، وأبو السعادات نصر الله القزاز، وأبو منصور عبد الله بن عبد السلام، وعبد المنعم بن كليب.
توفي في سادس شعبان (١).
٢٩٨ - علي بن عبد الله بن محمد، أبو الحسن النيسابوري، الواعظ.
توفي في سلخ المحرم، وله نيف وتسعون سنة. روى بأصبهان عن: أبي حفص بن مسرور. وعنه: أبو موسى الحافظ، وأبو طاهر السلفي، ومحمد بن حمزة الزنجاني، وأبو غانم بن زينة، وزيد بن حمزة الطوسي.
وروى عنه بالإجازة أبو القاسم ابن عساكر، وقال (٢): سمع أبا عثمان الصابوني، وأبا الحسين عبد الغافر الفارسي. وبدمشق: أبا القاسم الحنائي. روى عنه: الفقيه نصر المقدسي.
قلت: وهو أكبر منه، وأبو موسى، وذلك يدخل في السابق واللاحق.
قال السلفي: أبو الحسن علي بن عبد الله ابن الصباغ، ذكر لي أنه يعرف بنيسابور بالأصبهاني، وبأصبهان بالنيسابوري. وكان يعقد المجلس في جامع أصبهان، ثقة (٣).
٢٩٩ - غانم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد، أبو سهل ابن الشيخ أبي الفتح الحداد.
يروي عن: أبي القاسم بن أبي بكر الذكواني، والأصبهانيين. وعنه: أبو موسى، وجماعة. وحدث ببغداد عن: الذكواني، وأبي طاهر بن عبد الرحيم، وأبي نصر الكسائي.
توفي في ربيع الأول، وهو أخو صاحب الأموال الجزيلة أبي سعيد الحداد ووالد محمد ومحمود. سمع أيضًا من أبي طاهر بن عبد الرحيم، وأبي الوليد الدربندي، وإبراهيم بن محمد الكسائي، وعدة. أجاز للسمعاني (٤).
стр. 10469
٣٠٠ - المبارك بن الحسين بن أحمد الغسال، أبو الخير البغدادي، الشافعي، المقرئ، الأديب.
كان صالحًا، ثقة، متميزًا، قرأ القرآن على: أبي القاسم ابن الغوري، وأبي بكر محمد بن علي الخياط، وأبي علي الحسن بن غالب المقرئ، وأبي بكر بن الأطروش، وأبي بكر اللحياني. ورحل إلى واسط في طلب القراءات، فقرأ على أبي علي غلام الهراس، وتصدر للإقراء، وقصده الطلبة، وكان حافظًا، مجودًا، يتكلم على معاني القرآن.
وسمع الحديث من: أبي محمد الخلال، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي يعلى ابن الفراء. روى عنه: أبو طاهر محمد بن محمد السنجي، وعلي بن أحمد المحمودي، وسعد الله بن محمد. وآخر من روى عنه: عبد المنعم بن كليب، وقد أجاز لابن السمعاني.
وكان مولده قبل الثلاثين وأربعمائة، وتوفي في غرة جمادى الأولى.
والغسال بغين معجمة.
وممن قرأ عليه سبط الخياط.
قال ابن ناصر: كان ضعيفا في الرواية لينا، ثم ذكر أشياء استدل بها، فيها تعنت من ابن ناصر كعادته.
٣٠١ - المبارك بن محمد بن علي، أبو الفضل الهمذاني.
سمع: أبا يعلى ابن الفراء، وابن المسلمة. وأجاز له أبو محمد الجوهري. روى عنه: أبو المعمر الأنصاري، وغيره.
توفي في ربيع الآخر.
٣٠٢ - محفوظ بن أحمد بن الحسن بن الحسن، الإمام، أبو الخطاب الكلوذاني، الأزجي، شيخ الحنابلة.
كان مفتيًا، صالحًا، ورعًا، دينًا، وافر العقل، خبيرًا بالمذهب، مصنفًا فيه، حسن العشرة والمجالسة. له شعر رائق، صنف كتاب الهداية المشهور في المذهب، ورؤوس المسائل، وتفقه على أبي يعلى.
وسمع: أبا محمد الجوهري، وأبا طالب العشاري، وأبا علي محمد بن الحسين الجازري. حدث عنه بكتاب الجليس والأنيس للمعافى. روى عنه:
стр. 10470
أبو المعمر الأنصاري، والمبارك بن خضير، وأبو الكرم ابن الغسال، وتفقه عليه أئمة.
وكان مولده في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
ولأبي الخطاب قصيدة في العقيدة يقول فيها:
قالوا: أتزعم أن على العرش استوى … قلت: الصواب كذاك خبر سيدي
قالوا: فما معنى استواه أبن لنا … فأجبتهم: هذا سؤال المعتدي
قال السمعاني: أنشدنا دلف بن عبد الله ابن التبان بسمرقند في فتوى جاءت إلى أبي الخطاب:
قل للإمام أبي الخطاب مسألة … جاءت إليك، وما إلا سواك لها:
ماذا على رجل رام الصلاة، فإذ … لاحت لناظره ذات الجمال لها؟
فكتب في الحال:
قل للأديب الذي وافى بمسألة: … سرت فؤادي لما أن أصخت لها
إن الذي فتنته عن عبادته … خريدة ذات حسن فانثنى ولها
إن تاب، ثم قضى عنه عبادته … فرحمة الله تغشى من عصى ولها
توفي في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة (١).
٣٠٣ - محمد بن أحمد بن طاهر بن حمد، أبو منصور البغدادي، الخازن.
أخو أبي غالب المتوفى سنة أربع وتسعين. سمعا معًا من: أبي طالب بن غيلان، وأبي القاسم بن المحسن التنوخي، وجماعة. روى عنهما: أبو منصور بن الجواليقي، وابن ناصر. وروى عن هذا عبد المنعم بن كليب.
وكان من رؤوس الشيعة وفقهائهم، وفيه اعتزال، وقد أدب أولاد نقيب الطالبيين، وعاش نيفًا وتسعين سنة. أخذ النحو عن ابن برهان، والثمانيني.
توفي في شعبان.
٣٠٤ - محمد ابن الشيخ أبي علي الحسن بن أحمد ابن البناء، أبو نصر الحنبلي.
стр. 10471
بغدادي من بيت العلم والرواية.
سمع: أبا محمد الجوهري، وأبا بكر محمد بن عبد الملك بن بشران.
روى عنه: أبو المعمر الأنصاري، وغيره.
توفي في ربيع الأول وله أربع وسبعون سنة.
٣٠٥ - محمد بن الحسين بن محمد بن إبراهيم، الدمشقي أبو طاهر الحنائي.
من أهل بيت حديث، وعدالة، وسنة، وكان ثقة، صدوقًا. سمع: أباه أبا القاسم الحنائي، وأبا الحسين محمد وأبا علي أحمد ابني عبد الرحمن بن أبي نصر، ومحمد بن عبد الواحد الدارمي، وابن سختام، والأهوازي، ورشأ بن نظيف، ومحمد بن عبد السلام بن سعدان، ومحمد بن علي بن سلوان، والحسن بن علي بن شواش، وطائفة سواهم.
روى عنه: الحافظان السلفي، وابن عساكر، والصائن ابن عساكر، وأبو طاهر بن الحصني، والخضر بن شبل الحارثي، والخضر بن طاوس، والفضل بن البانياسي، وأبو المعالي بن صابر.
ولد سنة ثلاث وثلاثين، وأول سماعه في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة. وتوفي في ثالث جمادى الآخرة عن سبع وسبعين سنة (١).
٣٠٦ - محمد بن عبد المنعم بن حسن بن أنس، السمرقندي، الفقيه.
تفقه على السيد أبي شجاع بن حمزة العلوي، وسمع: أبا عمارة بن أحمد. روى عنه: عمر النسفي، وتوفي بسمرقند في رابع عشر رجب.
٣٠٧ - محمد بن علي بن ميمون بن محمد، الحافظ أبو الغنائم النرسي، الكوفي، المقرئ، ويعرف بأبي.
ثقة، مفيد. سمع الكثير بالكوفة، وببغداد، وكان ينوب عن خطيب الكوفة. سمع: محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي، وأبا طاهر محمد ابن العطار، ومحمد بن إسحاق بن فدويه، ومحمد بن محمد بن خازم بن نفط، وجماعة بالكوفة، وكريمة المروزية، وعبد العزيز بن بندار الشيرازي بمكة، وأبا
стр. 10472
الحسن أحمد بن محمد الزعفراني، وأحمد بن محمد بن قفرجل، وعبد الكريم بن محمد المحاملي، وأبا الفتح بن شيطا، وأبا بكر بن بشران. وأبا عبد الله بن حبيب القادسي، وأبا القاسم التنوخي، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا الطيب الطبري، وأبا منصور ابن السواق ببغداد.
وقدم الشام زائرًا بيت المقدس، وسمع بالشام، وكان يقول: ما بالكوفة أحد من أهل السنة والحديث إلا أنا.
وكان مولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة.
روى عنه: أبو الفتح نصر المقدسي الفقيه مع تقدمه، وابن كليب إجازة وبينهما في الموت مائة وست سنين، ومحمد بن ناصر، ومعالي بن أبي بكر الكيال، ومسلم بن ثابت النحاس، ومحمد بن حيدرة بن عمر الحسيني، وخلق كثير.
وسمع منه الحفاظ: أبو عبد الله الحميدي، وجعفر بن يحيى الحكاك، وأبو بكر ابن الخاضبة، وأبو مسلم عمر بن علي الليثي في سنة ستين وأربعمائة.
وجمع لنفسه معجمًا، وخرج مجاميع حسانًا، ونسخ الكثير. وممن روى عنه من القدماء عبد المحسن بن محمد الشيحي التاجر.
وقال: أول سماعي للحديث سنة اثنتين وأربعين، وأول رحلتي سنة خمس، أدركت البرمكي، فسمعت منه ثلاثة أجزاء ومات.
وقد وصفه عبد الوهاب الأنماطي بالحفظ والإتقان، وقال: كانت له معرفة ثاقبة.
وقال محمد بن علي بن فولاذ الطبري: سمعت أبا الغنائم الحافظ يقول: كنت أقرأ القرآن على المشايخ وأنا صبي، فقال الناس: أنت أبي، وذلك لجودة قراءتي.
قلت: قرأ على محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي، عن قراءته على أبي عبد الله الجعفي. قرأ عليه أبو الكرم الشهرزوري لعاصم، وروى عنه السلفي أجزاء وقعت لنا.
وقال ابن ناصر: كان حافظًا، ثقة، متقنًا، ما رأينا مثله. كان يتهجد، ويقوم الليل. قرأ عليه أبو طاهر بن سلفة حديثًا فأنكره، وقال: ليس هذا من
стр. 10473
حديثي، فسأله عن ذلك، فقال: أعرف حديثي كله؛ لأني نظرت فيه مرارًا، فما يخفى علي منه شيء، وكان يقدم كل سنة من سنة ثمان وتسعين في رجب، فيبقى ببغداد إلى بعد العيد ويرجع، وينسخ بالأجرة ليستعين على العيال. وأول ما سمع سنة اثنتين وأربعين، وكان أبو عامر العبدري يثني عليه ويقول: ختم هذا الشأن بأبي ﵀!
مرض أبي ببغداد، وحمل إلى الكوفة، فأدركه أجله بالحلة السيفية، وحمل إلى الكوفة ميتًا، فدفن بها، وذلك في شعبان. ومات يوم سادس عشره (١).
٣٠٨ - محمد بن علي بن محمد، القصار، الأصبهاني، يعرف بمكرم.
من شيوخ بغداد. روى عن: القزويني، وابن لؤلؤ، وأبي محمد الجوهري. روى عنه: المبارك بن كامل، وقال: توفي في رجب.
٣٠٩ - محمد بن علي بن محمد بن علي بن خزيمة، أبو بكر الخزيمي، النسوي، العطار، الفقيه، المزكي.
سمع: جده محمد بن علي، وأبا عامر الحسن بن محمد النسوي، أجاز لأبي سعد ابن السمعاني، وقال: توفي في رجب، وحدثنا عنه عبد الخالق بن زاهر (٢).
٣١٠ - محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار، الإمام أبو بكر بن العلامة أبي المظفر التميمي، السمعاني، المروزي، الحافظ، والد الحافظ أبي سعد.
قال ولده: نشأ في عبادة وتحصيل، وحظي من الأدب وثمرته نظمًا ونثرًا بأعلى المراتب، وكان متصرفًا في الفنون بما يشاء، وبرع في الفقه والخلاف. وزاد على أقرانه بعلم الحديث، ومعرفة الرجال، والأنساب، والتواريخ. وطرز فضله بمجالس تذكيره الذي تصدع صم الصخور عند تحذيره، ونفق سوق تقواه عند الملوك والأكابر، وسمع: والده، وأبا الخير محمد بن أبي عمران الصفار، وأبا القاسم الزاهري، وعبد الله بن أحمد الطاهري، وأبا الفتح عبيد الله
стр. 10474
الهاشمي.
ورحل إلى نيسابور، فسمع: أبا علي نصر الله بن أحمد الخشنامي، وعلي ابن أحمد المؤذن، وعبد الواحد ابن القشيري، ودخل بغداد سنة سبع وتسعين، فسمع بها: ثابت بن بندار، ومحمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبا سعد بن خشيش، وأبا الحسين ابن الطيوري، وطبقتهم.
وبالكوفة: أبا البقاء المعمر الحبال، وأبا الغنائم النرسي، وبمكة، والمدينة.
وأقام ببغداد مدة يعظ بالنظامية، وقرأ التاريخ على أبي محمد ابن الآبنوسي، عن الخطيب. ثم رحل إلى همذان في سنة ثمان وتسعين، فسمع بها وبأصبهان من أبي بكر أحمد بن محمد ابن مردويه، وأبي الفتح أحمد بن محمد الحداد، وأبي سعد المطرز، ورجع إلى مرو.
قال: ثم رحل بي وبأخي سنة تسع وخمسمائة إلى نيسابور، وأسمعنا من الشيرويي، وغيره. وتوفي في صفر، وله ثلاث وأربعون سنة. وقد أملى مائة وأربعين مجلسًا بجامع مرو، كل من رآها اعترف له أنه لم يسبق إليها. وكان يروي في الوعظ والحديث بأسانيده، وقد طلب مرة للذين يقرؤون في مجلسه، فجاءه لهم ألف دينار من الحاضرين.
وقيل له في مجلس الوعظ: ما يدرينا أنه يضع الأسانيد في الحال ونحن لا ندري؟ وكتبوا له بذلك رقعة، فنظر فيها، وروى حديث: من كذب علي متعمدًا. من نيف وتسعين طريقًا، ثم قال: إن كان أحد يعرف فقولوا له يكتب عشرة أحاديث بأسانيدها، ويخلط الأسانيد، ويسقط منها، فإن لم أميزها فهو كما يدعي.
ففعلوا ذلك امتحانًا، فرد كل اسم إلى موضعه، ففي هذا اليوم طلب لقراء مجلسه، فأعطاهم الناس ألف دينار. هذا معنى ما حدثنا شيخنا محمد بن أبي بكر السنجي.
وسمعت إسماعيل بن محمد الأصبهاني الحافظ يقول: لو صرف والدك همته إلى هدم هذا الجدار لسقط.
وقال السلفي فيه فيما سمعت أبا العز البستي ينشده عنه:
يا سائلي عن علم الزمان … وعالم العصر لدى الأعيان
لست ترى في عالم العيان … كابن أبي المظفر السمعاني
وله:
هو المزني كان أبا الفتاوى … وفي علم الحديث الترمذي
وجاحظ عصره في النثر صدقا … وفي وقت التشاعر بحتري
وفي النحو الخليل بلا خلاف … وفي حفظ اللغات الأصمعي
стр. 10475
قلت: روى عنه: السلفي، وأبو الفتوح الطائي، وخلق من أهل مرو (١).
٣١١ - محمد بن منصور بن محمد بن الفضل، الشيخ أبو عبد الله الحضرمي، الإسكندراني، المقرئ.
قرأ لورش على أحمد بن نفيس، وسمع من جماعة. قرأ عليه أحمد ابن الحطيئة. وروى عنه العثمانيات.
ورخ موته ابن المفضل (٢).
٣١٢ - محمود بن سعادة بن أحمد بن يوسف، أبو القاسم الهلالي، السلماسي.
سمع: أحمد بن حريز السلماسي، الفقيه، وأبا يعلى الخليلي، وأبا عثمان الصابوني، قدما عليهم.
وهو من بيت رياسة وصلاح. روى عنه: السلفي، وقال: توفي في سنة عشر، وسماعه من الخليلي في سنة اثنتين وعشرين، مات وقد قارب المائة (٣).
٣١٣ - مسعود بن حمزة، أبو الوفاء الحداد.
سمع: أبا محمد الجوهري. روى عنه: المبارك بن أحمد، وغيره.
توفي سنة إحدى عشرة (٤).
٣١٤ - نصر بن أحمد بن إبراهيم، أبو الفتح الهروي، الحنفي، الزاهد، العابد.
سمع: جده لأمه أبا المظفر منصور بن إسماعيل صاحب ابن خميرويه، وإسحاق القراب، وأبا الحسن الدباس، وجماعة.
وخرج له شيخ الإسلام ثلاث مجلدات، وكان أسند من بقي بهراة وأعبدهم، ﵀.
آخر الطبقة والحمد لله
стр. 10476
الطبقة الثانية والخمسون
(٥١١ - ٥٢٠ هـ)
стр. 10477
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى عشرة وخمسمائة
زلزلت بغداد يوم عرفة، ووقعت دور وحوانيت بالجانب الغربي على أهلها.
وفيها هجمت الفرنج حماة في الليل، وقتلوا بها مائة وعشرين رجلًا.
وفيها ترحلت العساكر، وتركت حصار الألموت عندما بلغها موت السلطان محمد، بعد أن كادوا يفتحونها.
وفيها غرقت سنجار، جاءها سيل عرم، وهدم سورها، وهلك خلق كثير، حتى إن السيل أخذ باب المدينة وذهب به عدة فراسخ، واختفى تحت التراب الذي جره السيل. ثم ظهر بعد سنوات، وسلم طفل في سرير له، حمله السيل، فتعلق السرير بزيتونة، وعاش وكبر.
وفيها فتك قوم من الأتراك بلؤلؤ الخادم صاحب حلب وهو متوجه إلى قلعة جعبر.
والسلطان محمد بن ملكشاه، فيها توفي أيضًا بأصبهان، وقام بالأمر بعده ابنه محمود، وفرق خزائنه في العسكر. وقيل: كانت أحد عشر ألف ألف دينار عينًا، وما يناسب ذلك من العروض.
وفيها هلك بغدوين صاحب القدس، وفيها هلك ملك القسطنطينية، لعنهما الله.
سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
فيها كان حريق كبير ببغداد، احترقت الريحانيين، ومسجد ابن عبدون.
وفيها قبض على صاحب المخزن أبي طاهر ابن الخرزي وأعدم، وأخذ من داره أربعمائة ألف دينار مدفونة.
стр. 10478
وتوفي ولد المسترشد بالله الكبير، ثم الصغير بالجدري، فبكى عليه المسترشد بالله حتى أغمي عليه.
وقبض على ابن كمونة وصودر، وأخذ منه مال كثير.
وفيها كان على إمرة الموصل مسعود ابن السلطان ملكشاه، وله أربع عشرة سنة، وأتابكه جيوش بك، ووزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس.
وفيها خلع على دبيس بن مزيد جبة، وفرجية، وطوق، وعمامة، وفرس، وسيف، ومنطقة ولواء، وحمل ذلك إليه نقيب النقباء ونجاح، وكان يومًا مشهودًا.
وصرف عن الحجابة أبو جعفر ابن الدامغاني، وولي أبو الفتوح بن طلحة.
وفيها ولي شحنكية بغداد آقسنقر البرسقي، وعزل مجاهد الدين بهروز الخادم، وتحول بهروز إلى تكريت، وهي له. ثم ولي شحنكية بغداد منكبرس، فحاربه البرسقي بإذن الخليفة، فنصر البرسقي.
ومات الخليفة المستظهر بعد أيام، وبويع المسترشد ولده، فنزل أبو الحسن علي ابن المستظهر في مركب هو وثلاثة نفر، وانحدر إلى المدائن ثم سار إلى الحلة إلى عند دبيس، فأكرمه وخدمه. وأهم ذلك المسترشد، وطلبه من دبيس، فتلطف في المدافعة عنه.
سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
وفيها انفصل على الحلة الأمير أبو الحسن ابن المستظهر بالله، فمضى إلى واسط، ودعا إلى نفسه، واجتمع معه جيش، وتملك واسط وأعمالها، وجبى الخراج، وشق ذلك على الخليفة، فبعث ابن الأنباري كاتب الإنشاء إلى دبيس، وعرفه. وقال: أمير المؤمنين معول عليك، فأجاب، وجهز صاحب جيشه عنانا في جمع كبير.
فلما سمع أبو الحسن ذلك ترحل من واسط في عسكره ليلًا، فأضلوا الطريق، وساروا ليلهم أجمع حتى وصلوا إلى عسكر دبيس. فلما لاح لهم العسكر انحرف أبو الحسن عن الطريق، فتاه مع عدد من خواصه، وذلك في تموز. ولم يكن معهم ماء، فأشرفوا على التلف، فأدركه
стр. 10479
نصر بن سعد الكردي، فسقاه، وعادت نفسه إليه، ونهب ما كان معه من مال، وحمله إلى دبيس إلى النعمانية، فأقدمه إلى بغداد وخيم بالرقة.
وبعث به إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار قررت عنه، وكانت أيامه أحد عشر شهرًا، وشهر وزيره ابن زهمويه على جمل، ثم قتل في الحبس، فقيل: إن الأمير أبا الحسن دخل على أخيه المسترشد، فقبل قدمه فبكيا جميعًا، ثم قال له: فضحت نفسك، وباعوك بيع العبيد. وأسكنه في داره التي كان فيها وهو ولي عهد، ورد جواريه وأولاده، وأحسن إليه، ثم شدد عليه بعد ذلك.
وفيها خطب بولاية العهد للأمير أبي جعفر منصور ابن المسترشد، وله اثنتا عشرة سنة.
وفي جمادى الأولى كانت الوقعة بين السلطانين سنجر ومحمود ابن أخيه وزوج ابنته، وذلك أن سنجر لما بلغه موت أخيه السلطان محمد دخل عليه حزن مفرط، وجلس على الرماد وصاح، وأغلق البلد أيامًا. وعزم على قصد العراق ليملكه، وندم على قتل وزيره أبي جعفر محمد ابن فخر الملك ابن نظام الملك لأمور بدت منه، وأخذ أمواله. وكان له من الجواهر والأموال ما لا يوصف، فالذي وجدوا له من العين ألفا ألف دينار، فلما قتله استوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق ابن أخي نظام الملك.
ولما سمع محمود بحركة عمه سنجر نحوه راسله ولاطفه وقدم له تقادم، فأبى إلا القتال أو النزول له عن السلطنة. فتجهز محمود، وتقدم على مقدمته أمير حاجب في عشرة آلاف، ووصل محمود إلى الري فدخلها، ثم ضجر منها وتقدم منها. وجاء إلى خدمته منصور أخو دبيس، وجماعة أمراء، وتصمد معه ثلاثون ألفًا.
وأقبل سنجر في نجو مائة ألف، وكانت الوقعة بصحراء ساوة، وكان مع سنجر خمسة ملوك على خمسة أسرة وأربعون فيلًا، عليها البركصطوانات والمراوات والزينة الباهرة، وألوف من الباطنية، وألوف من كفار الترك.
فلما التقوا هبت ريح سوداء أظلمت الدنيا، وظهر في الجو حمرة منكرة، وآثار مزعجة، وخاف الناس. ثم انكشفت الظلمة واقتتلوا، فانكسرت ميمنة سنجر، ثم ميسرته، وثبت هو في القلب والفيلة معه. وكذا بقي محمود في القلب وحده، وتفرق أكثر جيشه في النهب، فحمل سنجر بالفيلة، فولت الخيل منها، فتأخر محمود ولم ينهزم، فلم يتبعه سنجر؛ لأنه رأى مجنبتيه قد
стр. 10480
انهزموا، وثقله ينهب، وكثير من أمرائه قد قتلوا، ووزيره قد أسر، ورأى ثبات ابن أخيه.
فأخذ في المخادعة وأرسل إلى محمود ابن أخيه، يقول: أنت ابن أخي وولدي، وما أؤاخذك؛ لأنك محمول على ما صنعت، ولا أؤاخذ أصحابك؛ لأنهم لم يطلعوا على حسن نيتي لهم. فقال محمود: أنا مملوكه، ثم جاء بنفسه، وسنجر قد جلس على سرير، فقبل الأرض.
فقام له سنجر، واعتنقه وقبله، وأجلسه معه، وخلع عليه خلعة عظيمة، كان على سرج فرس الخلعة جوهر بعشرين ألف دينار، وأكل معه، وخلع على أمرائه. وأفرد له أصبهان يكون حاكمًا عليها، وعلى مملكة فارس وخوزستان. وجعله ولي عهده، وزوجه بابنته، ثم عاد إلى خراسان، ثم جاءت رسله بالتقادم إلى الخليفة.
وفيها اجتمع عسكر طغتكين وإيلغازي، وخرج صاحب أنطاكية في عشرين ألفًا، فالتقوا بأرض حلب، فانهزم الملعون، وقتل من أصحابه خلق، وأسر خلق، ولم ينج إلا الأقل. وفرح المؤمنون بهذه الوقعة الهائلة، وقد ذكرها أبو يعلى حمزة، فقال (١): ولم تمض ساعة إلا والإفرنج على الأرض بسطحة واحدة، فارسهم وراجلهم، بحيث لم يفلت منهم شخص يخبر خبرهم. وقتل طاغيتهم صاحب أنطاكية، ولم يتفق مثل هذا الفتح للمسلمين.
وفيها وقعت الفتنة والمباينة بين الأفضل أمير الجيوش وبين الآمر، واحترز كل منهما. وحرض الأفضل على اغتيال الآمر، ودس إليه السم مرارًا، فلم يقدر، وجرت لهما أمور طويلة.
وفيها خلع على أبي علي بن صدقة، ولقب جلال الدين.
ووردت كتب من السلطان سنجر، فيها أقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار، وللوزير ببضعة آلاف دينار، ثم جاء من سنجر هدايا، ثلاثين تختًا من الثياب، وتحف وعشرة مماليك.
وفي آخر السنة زاد التضييق على الأمير أبي الحسن، وسد عليه الباب، وكان ينزل إليه ما يصلحه من طاقة.
وفيها ولي منكبرس شحنكية بغداد، فظلم وعسف، وعثر الرعية، وضج
стр. 10481
الناس منه. وأغلقت الأسواق إلى أن قلعه الله، وطلبه السلطان، وقتله صبرًا، ثم أعيد الخادم بهروز إلى الشحنكية.
ومات فيها وزير السلطان ربيب الدولة، ووزر بعده الكمال السميرمي.
وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل، وقبر إسحاق ويعقوب صلى الله عليهم (١)، ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم. وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة، قاله حمزة بن أسد التميمي في تاريخه على ما حكاه ابن الأثير (٢).
سنة أربع عشرة وخمسمائة
فيها خطب للسلطان سنجر ولابن أخيه السلطان محمود معًا في موضع واحد، وسمي كل واحد شاهنشاه، ولقب سنجر: عضد الدولة، ولقب محمود: جلال الدولة.
وفي صفر نقل أبو الفتوح حمزة بن علي من الحجابة إلى وكالة الخليفة، وإلى نظر المخزن.
وتمرد العيارون، وأخذوا زواريق منحدرة إلى بغداد، وفتكوا بأهل السواد وأسرفوا، وهجموا على محلة العتابيين، فحفظوا أبواب المحلة ونهبوها عنوة. فأمر الخليفة بإخراج أتراك دارية لقتالهم، فخرجوا وحاصروهم في الأجمة خمسة عشر يومًا.
ثم إن العيارين نزلوا في السفن، وانحدوا إلى شارع دار الرقيق ودخلوا المحلة، وأفلتوا منها إلى الصحارى. وقصد أعيانهم دار الوزير أبي علي بن صدقة بباب العامة في ربيع الأول، وأظهروا التوبة. وخرج فريق منهم لقطع الطريق، فقتلهم أهل السواد بأوانا، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد.
وفيها ورد قاضي الكوفة أبو جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي من جهة سيف الدولة دبيس إلى الأمير إيلغازي بن أرتق خطب منه ابنته لدبيس، فزوجه بها، ونفذها في صحبته (٣).
стр. 10482
ولما بلغ دبيسا اشتغال محمود أخذ في أذية السواد، وانجفل أهل نهر عيسى، ونهر الملك. وأتى عنان صاحب جيشه، فحاصر بعقوبا، وأخذها، وسبى الحريم والأولاد.
وكان دبيس يعجبه اختلاف السلاطين، فلما خاف من مجيء محمود أمر بإحراق الغلات والأتبان، وبعث إليه الخليفة ينذره فلم ينفع، وبعث إليه السلطان محمود يتألفه، فلم يهتز لذلك.
وقدم بغداد ونازلها بإزاء دار الخليفة، فوجل منه الناس، وأخرج نقيب الطالبيين، وتهدد دار الخلافة، وقال: إنكم استدعيتم السلطان؛ فإن أنتم صرفتموه، وإلا فعلت وفعلت. فأنفذ إليه أنه لا يمكن رد السلطان، بل نسعى في الصلح. فانصرف دبيس، فسمع أصوات أهل باب الأزج يسبونه، فعاد وتقدم بالقبض عليهم، وضرب جماعة منهم بباب النوبي.
وفيها قال ابن الأثير (١): خرج الكرج، وهم الخزر، إلى بلاد الإسلام، وكانوا قديمًا يغيرون، فامتنعوا أيام ملكشاه. فلما كان في هذه السنة خرجوا ومعهم القفجاق وغيرهم، فسار لحربهم دبيس وإيلغازي وجماعة في ثلاثين فارس، فالتقى الجمعان، فانكسر المسلمون، واصطدم المنهزمون. وتبعهم الكفار يقتلون ويأسرون، فقتلوا أكثرهم، وأسروا أربعة آلاف رجل، ونجا طغرل أخو السلطان ودبيس.
ونازلت الكرج تفليس، وحصروها مدة إلى سنة خمس عشرة، وأخذوها بالسيف.
وفيها في ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود، وكان بيد مسعود أذربيجان والموصل، وعمره إحدى عشرة سنة. وسبب الحرب أن دبيس بن صدقة كان يكاتب أتابك الملك مسعود، ويحثه على طلب السلطنة لمسعود، وكان مع مسعود قسيم الدولة آقسنقر البرسقي الذي كان شحنة بغداد قد أقطعه مراغه والرحبة، وكان معاديًا لدبيس. فكاتب دبيس الأتابك جيوش بك يحرضه على القبض على البرسقي، فعرف البرسقي، ففارقهم إلى محمود، فأكرمه ورفع محله.
واتصل أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغرائي مصنف لامية
стр. 10483
العجم بمسعود، وكان ولد الطغرائي يكتب مسعودا.
فلما وصل الطغرائي استوزره مسعود قبل أن يعزل أبا علي بن عمار الذي كان صاحب طرابلس، فحسن أيضًا لمسعود الخروج على أخيه محمود، وخطب لمسعود بالسلطنة، ودقت له النوبة في الأوقات الخمس.
فأقبل محمود، والتقوا عند عقبة أسداباذ، ودام القتال طول النهار، وانهزم جيش مسعود، وأسر منهم خلق، منهم الطغرائي، ثم قتل بحضرة السلطان محمود، وهرب خواص مسعود به إلى جبل، فاختفى به وبعث يطلب الأمان. فرق له السلطان محمود وآمنه.
ثم قووا نفس مسعود، وساروا به إلى الموصل، فلحقه البرسقي، ورد به، واعتنقه أخوه وبكيا، وعد ذلك من مكارم محمود. ثم جاء جيوش بك وخاطر فعفا أيضًا عنه السلطان.
وفي هذا الوقت كان ظهور ابن تومرت بالمغرب كما هو مذكور في ترجمته، وانتشرت دعوته في جبال البربر، إلى أن صار من أمره ما صار.
وفي رجب قدم السلطان محمود، فتلقاه الوزير، ونثر عليه أهل باب الأزج الدنانير، فبعث دبيس زوجته بنت عميد الدولة ابن جهير إلى السلطان، فقدم عشرين ألف دينار، وثلاثة عشر فرسًا. فما وقع الرضا عنه، وطولب بأكثر من هذا. فأصر على اللجاج، ولم يبذل شيئًا آخر، فمضى السلطان إلى ناحيته، فبعث يطلب الأمان، وغالط لينهزم، فلما بعث إليه خاتم الأمان دخل البرية.
وفيها أمر الخليفة بإراقة الخمور التي بسوق السلطان، ونقض بيوتهم.
وفيها رد وزير السلطان الوزير المعروف بالسميرمي المكوس والضرائب، وكان السلطان محمد قد أسقطها سنة إحدى وخمسمائة. ورجع السلطان، فتلقاه الوزير والموكب، فطلب الإفراج عن الأمير أبي الحسن أخي المسترشد بالله، فبذل له ثلاثمائة ألف دينار ليسكت عن هذا.
وفيها نازل ملك الفرنج ابن رذمير مدينة قتندة، فحاصرها، وهي قريبة من مرسية، فجاء عسكر المسلمين، فعملوا المصاف، فانهزم المسلمون. وقتل خلق، منهم ابن الفراء وابن سكرة، واستطال ابن رذمير لعنه الله.
стр. 10484
سنة خمس عشرة وخمسمائة
فيها بلغ السلطان محمودا وفاة جدته، فرد من الصيد، وعمل عزاءها ببغداد. وتكلم أبو سعد إسماعيل بن أحمد، وأبو الفتوح أحمد الغزالي الطوسيان.
وفيها استدعي علي بن طراد النقيب بحاجب من الديوان، وقرأ عليه الوزير توقيعًا بأن قد استغني عن خدمتك. فمضى ولزم بيته، وكانت بنته متصلة بالأمير أبي عبد الله ابن المستظهر، وهو المقتفي.
وفي ربيع الأول انحدر أبو طالب علي بن أحمد السميرمي وزير السلطان متفرجًا، فلما حاذى باب الأزج عبر إليه علي بن طراد وحدثه، فوعده، ثم تكلم في حقه، فأعيد إلى النقابة.
وفيه انقض كوكب صارت من ضوئه أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ذلك صوت هدة كالزلزلة.
وفيه خلع على القاضي أبي سعد الهروي خلعة القضاء، قلده السلطان محمود القضاء بجميع الممالك سوى العراق مراعاة لقاضي القضاة أبي القاسم الزينبي، وركب إلى داره ومعه كافة الأمراء.
وفي جمادى الآخرة احترقت دار المملكة التي استجدها بهروز الخادم، وكان بها السلطان نائمًا على سطح، فنزل وهرب في سفينة، وذهب من الفرش والآلات والجواهر ما تزيد قيمته على ألف ألف دينار، وغسل الغسالون التراب، وظفروا بالذهب والحلي قد تسبك.
ولم يسلم من الدار ولا خشبة، وأمر السلطان ببناء دار له على المسناة المستحدثة، وأعرض عن الدار التي احترقت، وقال: إن أبي لم يمتع بها ولا امتد بقاؤه بعد انتقاله إليها، وقد ذهبت أموالنا فيها.
واحترق بأصبهان جامع كبير أنفقت عليه أموال، يقال: إنه غرم على أخشابه ألف ألف دينار.
وفي شعبان عقد مجلس، وحلف السلطان للخليفة على المناصحة والطاعة، ثم نفذ هدية إلى الخليفة، وجلس الخليفة في الدار الشاطئية، وهي
стр. 10485
من الدور البديعة التي أنشأها المقتدي، وتممها المسترشد، فجلس في قبته، وعليه ثوب مصمت وعمامة رصافية، وعلى كتفه البردة، وبين يديه القضيب.
ورتب وزيره ابن صدقة الأمور، وأتى وزير السلطان أبو طالب السميرمي والمستوفي وخواص دولتهم. ثم وقف ابن صدقة عن يسار السدة، وأبو طالب السميرمي عن يمينها، وأقبل السلطان محمود يده في يد أخيه مسعود.
فلما قرب استقبله الوزيران والكبار، وحجبوه إلى بين يدي الخليفة. فلما قاربوا كشفت الستارة لهما، ووقف السلطان في الموضع الذي كان وزيره واقفًا فيه، وأخوه إلى جانبه، فخدما ثلاث مرات ووقفا، والوزير ابن صدقة يذكر له عن الخليفة أنسه به وبقربه وحسن اعتقاده فيه.
ثم أمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فحمل إلى مجلس لذلك. ثم وقف الوزيران بين يدي الخليفة يحضران الأمراء أميرًا أميرًا، فيخدم وتعرف خدمته، فيقبل الأرض وينصرف.
ثم عاد السلطان وأخوه، فمثلا بين يدي الخليفة، وعلى محمود الخلع السبع والطوق، والسواران، والتاج، فخدما. وأمر الخليفة بكرسي، فجلس عليه السلطان، ووعظه الخليفة وتلا عليه قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. وأمره بالإحسان إلى الرعية.
ثم أذن للوزير أبي طالب في تفسير ذلك عليه، ففسره، وأعاد عنه أنه قال: وفقني الله لقبول أوامر مولانا أمير المؤمنين، وارتسامها بالسعادات، وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يقلدا بهما السلطان. فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكفار والملحدين! وعقد له بيده لواءين حملا معه، وخرج، فقدم له في صحن الدار فرس من مراكب الخليفة، بمركب جديد صيني، وقيد بين يديه أربعة أفراس بمراكب الذهب.
وفيها كان ببغداد أمطار عظيمة متوالية، ثم وقع ثلج عظيم، وكبر حتى كان علو ذراع.
قال ابن الجوزي (١): وقد ذكرنا في كتابنا هذا، يعني المنتظم أن الثلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرشيد، وفي أيام المقتدر، وفي أيام المطيع، والطائع، والقادر، والقائم. وما سمع بمثل هذا الواقع في هذه السنة، فإنه بقي
стр. 10486
خمسة عشر يومًا ما ذاب، وهلك شجر الأترج، والليمو، ولم يعهد سقوط ثلج بالبصرة إلا في هذه السنة.
ودخل دبيس الحلة، فأخرج أهلها، فازدحموا على المعابر، فغرق منهم نحو الخمسمائة. ودخل أخوه النيل، فأخرج شحنة السلطان منها، وأخذ ما فيها من الميرة. فحث الخليفة السلطان على دبيس، فندب السلطان الأمراء لقصد دبيس، فلما قصدوه أحرق دار أبيه، وذهب إلى النيل. فأتى العسكر الحلة، فوجدوها فارغة، فقصدوه وهو بنواحي الني، ثم صالحوه، وحلف للسلطان.
وفي صفر أقطع السلطان لآقسنقر البرسقي الموصل وأعمالها، وبعثه إليها، وأمره بجهاد الفرنج، فسار إليها في عسكر كبير، واستقر بها.
وكان الأمير إيلغازي بن أرتق في هذه المدة حاكمًا على ماردين وحلب، وابنه سليمان بحلب، فعزل سليمان منها لكونه أراد أن يعصي على أبيه.
وفيها أعيدت المكوس، وألزمت الباعة أن يدفعوا إلى السلطان ثلثي ما يأخذونه من الدلالة، وفرض على كل ثوب من السقلاطوني ثمانية قراريط، ثم قيل للباعة: زنوا خمسة آلاف شكرًا للسلطان، فقد أمر بإزالة المكس.
ومرض وزير السلطان، فعاده السلطان وهنأه بالعافية، فاحتمل واحتفل وعمل، أعني الوزير، وليمة عظيمة إلى الغاية، فيها الملاهي والأغاني، نابه عليها خمسون ألف دينار.
وفيها توفي علي بن يلدرك التركي، وكان شاعرًا مترسلًا ظريفًا، توفي في صفر ببغداد. قال أبو الفرج ابن الجوزي (١): نقلت من خط ابن عقيل، قال: حدثني الرئيس أبو الثناء علي بن يلدرك، وهو ممن خبرته بالصدق، أنه كان في سوق نهر المعلى، وبين يديه رجل على رأسه قفص زجاج، وهو مضطرب المشي، يظهر منه عدم المعرفة بالحمل، فما زلت أترقب سقوطه.
قال: فسقط، فتكسر الزجاج، فبهت الرجل، ثم أخذ عند الإفاقة من البكاء يقول: هذا والله جميع بضاعتي، والله لقد أصابني بمكة مصيبة عظيمة توفي على هذه، ما دخل قلبي مثل هذه! واجتمع حوله جماعة يرثون له، ويبكون عليه، وقالوا:
стр. 10487
ما الذي أصابك بمكة؟ فقال: دخلت قبة زمزم، وتجردت للاغتسال، وكان في يدي دملج فيه ثمانون مثقالًا، فخلعته واغتسلت، وأنسيته، وخرجت. فقال رجل من الجماعة: هذا دملجك خذه، له معي سنين! فدهش الناس من إسراع جبر مصيبته.
وفيها نازل الملك علي بن يوسف بن تاشفين البربري مدينة قرطبة وضايقها، وآذى الناس، فتذللوا له، وبذلوا له أموالًا عظيمة، حتى ترحل عنهم. وكانوا قد خرجوا عليه لكونه بعث على نيابة قرطبة قائدًا ظالمًا، فأراد عبد من عبيده أن يكره امرأة ويضطهدها علانية، فضربه الناس، فآل الأمر إلى قتال، حتى تسوروا على القائد وأخرجوه، بعد أن كادوا يقتلونه. وجرت فتنة عظيمة، وكان البربر في هذه السنين غالبين على الأندلس، وفيهم قلة دين.
وقبل سفر ابن تاشفين وقف له بجامع مراكش محمد بن تومرت الفقيه، وكلمه بكلام فج، فقال: أيها الأمير، إنك حلت بين بصرك وبين الحق بظلمة التقليد، فقلدت قومًا أكلوا الدنيا بالآخرة، وأنا أناظرهم بين يديك، وأصقل مرآتك، حتى تأمر بالاحتياط عليه. وأحضر له جماعة من أهل الأصول والفروع.
سنة ست عشرة وخمسمائة
فيها كلم الخليفة الوزير أبا طالب السميرمي في أمر دبيس، وأن في قربه من بغداد خطرًا، فنؤثر مقام آقسنقر البرسقي عندنا لنصحه، فوافق السلطان محمود على ذلك وفعله.
ثم خرج في ربيع الأول من بغداد، وكانت إقامته بها سنة وسبعة أشهر ونصفا. وخلع على البرسقي، وكلم في شأن دبيس، فتوجه إلى صرصر. وتصاف العسكران، وانجلت الوقعة عن هزيمة البرسقي، وكان في خمسة آلاف فارس، ودبيس في أربعة آلاف بأسلحة ناقصة، إلا أن رجالته كانت كثيرة.
ورأى البرسقي في الميسرة خللًا، فأمر بحط خيمته لتنصب عندهم ليشجعهم بذلك، وكان ذلك ضلة من الرأي؛ لأنهم لما رأوها حطت أشفقوا فانهزموا، وكان الحر شديدًا، فهلكت البراذين والهماليج عطشًا. وترقب الناس من دبيس الشر، فلم يفعل، وأحسن السيرة، وراسل الخليفة وتلطف، وتقررت قواعد الصلح.
стр. 10488
ثم جرت أمور، وولي علي بن طراد الزينبي نيابة الوزارة، وعزل ابن صدقة، ولم يؤذ. ثم قدم قاضي القضاة أبو سعد الهروي من العسكر بتحف من سنجر، وأن السلطان محمودا قد استوزر عثمان بن نظام الملك، وعول عثمان على أبي سعد بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أحمد ابن نظام الملك، وأنه لا يستقيم له وزارة بدار الخلافة. فتخير ابن صدقة حديثة الفرات ليكون عند سليمان بن مهارش، فأخرج وخفر، فوقع عليه يونس الحرامي، وجرت له معه قصص.
واستدعي أبو نصر أحمد ابن النظام من داره بنقيب النقباء علي بن طراد، وابن طلحة، ودخل إلى الخليفة وحده وخرج مسرورًا، وخلع عليه للوزارة.
وفي رمضان بعث دبيس طائفة، فنهبوا أكثر من ألف رأس، فأرسل إليه الخليفة يقبح ما فعل، فبث ما في نفسه، وما يعامل به من الأمور الممضة: منها أنهم ضمنوا له إهلاك عدوه ابن صدقة الوزير، فأخرجوه من الضيق إلى السعة. ومنها أنه طلب إخراج البرسقي من بغداد، فلم يفعلوا.
ومنها أنهم وعدوه في حق أخيه منصور أن يطلقوه، وكان قد عصى على السلطان بركياروق وخطب لمحمد. فلما ولي محمد صار له بالخطبة جاه عند محمد، وقرر مع أخيه أن لا يتعرض لصدقة، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودمما، والفلوجة، وأعطاه واسط، وأذن له في أخذ البصرة.
فصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله، وإذا وقع إليه رد التوقيع، أو طال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها، وأوحش أصحاب السلطان، وعادى البرسقي.
وكان أيضًا قد أظهر سب الصحابة بالحلة، فأخذ العميد أبو جعفر ثقة الملك فتاوى فيما يجب على من يسب، وكتب المحاضر فيما يتم في بلاد ابن مزيد من ترك الصلوات، وأنهم لا يعتقدون الجمعة ولا الجماعات، ويتظاهرون بالمحرمات. فكتب الفقهاء بأنه يتعين قتالهم.
ثم قصد العميد باب السلطان، وقال: إن حال ابن مزيد قد عظمت، وقد قلت فكرته في أصحابك، واستبد بالأموال، وأراه الفتوى، وقال: هذا سرخاب قد لجأ إليه، وهو على غاية من بدعته التي هي مذهب الباطنية. وكانا قد اتفقا على قلب الدولة، وإظهار مذهب الباطنية. وكان السلطان قد تغير على سرخاب، فهرب منه إلى الحلة، فتلقاه بالإكرام.
فراسله السلطان، وطالبه بتسليم سرخاب، فقال: لا أسلم من لجأ إلي. وإن
стр. 10489
السلطان قصده، فاستشار أولاده، فقال ابنه دبيس: تسلم إلي مائة ألف دينار، وتأذن لي أن أنتقي ثلاثمائة فرس من الإصطبلات، وتجرد معي ثلاثمائة فارس؛ فإني أقصد باب السلطان، وأعتذر عنك، وأخدمه بالمال والخيل وأقرر معه أن لا يتعرض لأرضك.
فقال غيره: الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته، فقال: هذا الرأي. وجمع عشرين ألف فارس، وثلاثين ألف راجل، وتمت وقعة هائلة، ثم قتل صدقة، وقد مر ذلك.
ونشأ دبيس، ففعل القبائح، ولقي الناس منه فنون الأذى، وطغى وبغى فنفذ إليه المسترشد يهدده، فتواعد وأوعد، وأرسل، وبعث طلائعه. فانزعج أهل بغداد، فلما كان ثالث شوال صلب البرسقي تسعة، قيل: إنهم مجهزون من دبيس لقتل البرسقي، وعبر البرسقي في ذي القعدة، وضرب الخليفة سرادقه عند رقة ابن دحروج، ونصب هناك الجسر، وبعث القاضي أبا بكر الشهرزوري إلى دبيس ينذره، وفي الكلام: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا.
فاحتد وغضب وجمع، فكانت فرسانه تزيد على ثمانية آلاف، ورجالته عشرة آلاف، ونزل المسترشد بالله راكبًا من باب الغربة، ثم عبر في الزبزب، وعليه القباء، والعمامة، وبيده القضيب، وعلى كتفه البردة النبوية، وعلى رأسه طرحة. ومعه وزيره أحمد ابن نظام الملك، وقاضي القضاة الزينبي، والنقيبان، والهاشميون، والقضاء، فنزل بالمخيم، وأقام به أيامًا.
وفيها قتل الوزير أبو طالب السميرمي ببغداد، وولي وزارة السلطان محمود بعده شمس الملك عثمان ابن نظام الملك، فأبطل ما جدده السميرمي من المكوس.
وفي رمضان قتل السلطان محمود الأمير جيوش بك، وكان تركيًا من مماليك السلطان محمد، وكان مهيبًا شجاعًا، قتله محمود خوفًا من غائلته.
وفيها مات إيلغازي صاحب ماردين، وحلب، وميافارقين.
وفيها أقطع السلطان محمود قسيم الدولة البرسقي واسطًا وأعمالها، مضافًا إلى ولاية الموصل، وشحنكية العراق، فسير إلى واسط عماد الدين زنكي بن آقسنقر.
стр. 10490
وفيها وصل إلى بغداد أبو الحسن الغزنوي، فوعظ، وأقبلوا عليه. ثم ورد بعده أبو الفتوح الإسفراييني، ونزل برباط أبي سعد، وتكلم بمذهب الأشعري، ثم سلم إليه رباط الأرجوانية.
سنة سبع عشرة وخمسمائة
في أولها رحل المسترشد بالله، ثم نزل بقرية تعرف بالحديثة من نهر الملك، وأتاه البرسقي وجماعة الأمراء، وحلفوا على المناصحة والمبالغة في الحرب.
وقرأ محمد بن عمر الأهوزاي على المسترشد جزء ابن عرفة وهو سائر، ثم سار إلى النيل. ورتب البرسقي بنفسه الجيش صفوفًا، فكانوا نحو الفرسخ عرضًا، وجعل بين كل صفين مجالًا للخيل، ووقف الخليفة في موكبه من ورائهم، بحيث يراهم.
فرتب دبيس عسكره صفًا واحدًا، والرجالة بين يدي الفرسان بالتراس الكبار، ووقف في القلب، ومنى عسكره، ووعدهم نهب بغداد. فلما تراءى الجمعان حملت رجالة دبيس، وكان قد استصحب معه القيان والمخانيث بالدفوف والزمر يحرضون عسكره، ولم يسمع في عسكر الخليفة إلا القرآن والذكر والدعاء.
فحمل عنيز الكردي على صف الخليفة، فتراجعوا وتأخروا، ثم جرد الخليفة سيفه وصعد على تل، فقال عسكر دبيس: إن عنيزا خامر، فلم يصدق. فلما رأى المهد والعلم والموكب قد صعدوا تيقن غدر عنيز بن أبي العسكر، فهرب ووقعت الهزيمة.
وعبر دبيس الفرات بفرسه، وأدركته الخيل، ففاتهم، فقيل: إن عجوزًا هناك قالت: دبيس دبير جيت، فقال: دبير من لم يجئ.
وقتل خلق من رجالته، وأسر خلق كثير، وقتل من عسكر الخليفة عشرون فارسًا، وعاد منصورًا. ودخل بغداد يوم عاشوراء، وأمر بجباية الأموال ليعمل سورًا على بغداد، فجبي شيء كثير، ثم أعيد ذلك إليهم، فعظم دعاؤهم له. وشرعوا في عمل السور في صفر، وكان كل جمعة يعمل أهل محلة يخرجون بالطبول والخيالات.
وعزم الخليفة على ختان أولاده وأولاد إخوته، فكانوا اثني عشر صبيًا، فغلقت بغداد، وعمل الناس القباب، وعملت خاتون قبة باب النوبي، وعلقت عليها من الديباج والجواهر ما أدهش الأبصار. وعملت قبة على باب السيد العلوي، عليها غرائب الحلي والحلل. من ذلك ستران من الديباج الرومي،
стр. 10491
طول الستر نحو عشرين ذراعًا، على الواحد اسم المتقي لله، وعلى الآخر اسم المعتز بالله، وبقوا أسبوعًا.
وجاء الخبر أن دبيسا ذهب إلى غزية، فدعاهم إلى الشقاق، فقالوا: ما عادتنا معاداة الملوك، فذهب إلى بني المنتفق، فخالفوه. وقصد البصرة، وكبس مشهد طلحة والزبير، فنهب ما هناك، وقتل خلقا كثيرا، وعزم على قطع النخل، فصالحوه على مال، وجعلوا على كل رأس شيئًا.
وفيها قبض السلطان محمود على وزيره شمس الملك عثمان ابن نظام الملك؛ لأن سنجر طلبه منه. فقال أبو نصر المستوفي له: متى ذهب إلى سنجر لم تأمنه، فاقتله وابعث برأسه، فقتله وبعث إلى الخليفة ليعزل أخاه، فانقطع في منزله، وناب في الوزارة علي بن طراد. ثم طلب الوزير ابن صدقة من الحديثة، فأحضر، واستوزر في ربيع الآخر.
وفيها استولى الأمير بلك بن بهرام بن أُرْتُق على حران، وسار منها فنزل على حلب وضيق عليها، وبها ابن عمه بدر الدين سليمان بن عبد الجبار، فسلمها إليه بالأمان، فدخلها وتزوج ببنت الملك رضوان.
وقدم ابن الباقرحي ومعه كتب محمود وسنجر بتدريس نظامية بغداد، ثم وصل في شعبان أسعد الميهني بتدريسها، وصرف ابن الباقرحي.
وفيها سار محمود بن قراجا صاحب حماة إلى حصن فامية، ونهب ربضها، فأصابه سهم، وعاد فمرض ومات. وكان ظالمًا جائرًا، فاستولى طغتكين صاحب دمشق على حماة، ورتب بها واليًا وعسكرًا.
سنة ثمان عشرة وخمسمائة
وردت الأخبار بأن الباطنية ظهروا بآمد وكثروا، فنفر إليهم أهل آمد، فقتلوا منهم سبعمائة رجل.
وردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة برنقش الزكوي، وأمر البرسقي بالعود إلى الموصل.
وفيها التقى صاحب حلب بلك بن بهرام هو والفرنج، فهزمهم وقتل منهم خلقًا، وعاد فحاصر منبج، وهي لحسان البعلبكي، فجاءه سهم غرب
стр. 10492
قتله، وكان معه ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي، فحمله قتيلًا إلى ظاهر حلب، وتسلمها في ربيع الأول من السنة. واستقر بها، ثم رتب بها نائبًا له ورد إلى ماردين؛ لأنه رأى الشام كثيرة الحروب مع الفرنج، وكان يحب الراحة، فلما رد أخذت حلب منه.
وفيها أخذت الفرنج صور، وكان بها عسكر للعبيديين ونائب إلى سنة ست وخمسمائة، فحاصرتها الفرنج، وخربوا ضياعها، ثم نجدهم صاحب دمشق طغتكين، وأمدهم بما يصلحهم، ولم يقطع منها خطبة المصريين، فبعث إليه صاحب مصر يشكره ويثني عليه، وجهز لها أسطولًا.
واستقام أمرها عشر سنين بالأمير مسعود الطغتكيني، لكنه كثرت الشكاية منه، فجاء أسطول من مصر، ومعهم أمر أن يقبضوا على مسعود، فخرج مسعود للسلام على مقدم الأسطول، وطلع إلى المركب، فقبض عليه المقدم، ونزل إلى البلد، فاستولى عليه، وبعث مسعودًا إلى مصر، فأكرموه وردوه إلى دمشق، فرضي طغتكين بذلك.
وتحركت الفرنج، وقويت أطماعهم. فرأى المصريون أن يردوا أمرها إلى طغتكين، وراسلوه بذلك، فملكها، ورتب بها الجند، فنازلتها الفرنج، وجدوا في الحصار، وقلت بها الأقوات. وسار طغتكين إلى بانياس ليرهب الفرنج، فما فكروا فيه، واستنجد بالمصريين، فما نجدوه.
وتمادت الأيام، وأشرف أهلها على الهلاك، فراسل طغتكين ملك الفرنج، على أن يسلمها إليه، ويمكن أهلها من حمل ما يقدرون عليه من الأمتعة، فأجابه إلى ذلك، ووفى بالعهد. وتفرقت أهلوها في البلاد، ودخلتها الفرنج في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وكانت من أمنع حصون الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ودامت في يد الفرنج إلى سنة تسعين وستمائة.
وفيها عزل عن بغداد البرسقي، وولي سعد الدولة برنقش الزكوي؛ لأن المسترشد نفر عن البرسقي، وطلب من السلطان أن يصرفه، فأجابه.
وسار عماد الدين زنكي من البصرة، وكانت إقطاعه، إلى خدمة السلطان محمود، فأكرمه ورده على إمرة البصرة.
وفي ذي الحجة ملك البرسقي مدينة حلب، وكانت الفرنج لما ملكوا
стр. 10493
صور طمعوا، وقويت نفوسهم. ثم وصل إليهم دبيس بن صدقة، قبحه الله، فطمعهم أيضًا في المسلمين، وقال: إن أهل حلب شيعة، ويميلون إلي، ومتى رأوني سلموها إلي، فأكون نائبًا لكم. فساروا معه، وحاصروا حلب حصارًا شديدًا، فاستنجد أهلها بالبرسقي، فسار إليها بجيوشه، فترحل الفرنج عنها وهو يراهم، فلم يهجمهم، ودخل حلب ورتب أمرها.
وورد الخبر بأن دبيس بن صدقة التجأ إلى الملك طغرلبك أخي السلطان محمود بعد عوده من الشام، وأنهما على قصد بغداد، فتأهب الخليفة، وجمع الجيوش من كل ناحية.
وجاء الوباء ببغداد وإلى البصرة في ربيع الأول.
وتزوج الخليفة ببنت السلطان سنجر.
وفيها أخذ جماعة من الباطنية كانوا قدموا في قافلة، فقتلوا ببغداد، قيل: جاءوا لقتل الوزير ابن صدقة والأمير نظر، وأخذ في الجملة ابن أيوب قاضي عكبرا ونهبت داره، فقيل: كانت عنده مدارج من كتب الباطنية، وأخذ آخر كان يعينهم بالمال.
وفيها قبض على ناصح الدولة أستاذ الدار وصودر، وقرر عليه أربعون ألف دينار.
سنة تسع عشرة وخمسمائة
في صفر برز الخليفة إلى صحراء الشماسية بجيوشه، ثم رحل فنزل الدسكرة، وجاء دبيس وطغرلبك فدبروا أن يكبسوا بغداد ليلًا، ويحفظ دبيس المخائض، وينهب طغرلبك بغداد. فمرض طغرلبك تلك الليلة، وجاء المطر، وزاد الماء، وضج الناس بالابتهال إلى الله، وأرجف عند الخليفة بأن دبيسًا دخل بغداد، فرحل مجدًا إلى النهروان.
فلم يشعر دبيس إلا برايات الخليفة، فلما رآها دهش، وقبل الأرض، وقال: أنا العبد المطرود، أما آن يعفى عن العبد المذنب؟ فلم يجبه أحد، فأعاد القول والتضرع، فرق له الخليفة، وهم بالعفو عنه، فصرفه عن ذلك الوزير أبو علي بن صدقة، وبعث الخليفة نظرا الخادم إلى بغداد بالبشارة، ونودي في البلد بأن يخرج العسكر لطلب دبيس، والإسراع مع الوزير ابن صدقة.
ودخل الخليفة، وسار دبيس
стр. 10494
وطغرلبك إلى سنجر مستجيرين به، هذا من أخيه محمود، وهذا من الخليفة، فأجارهما، ولبسا عليه، فقالا: قد طردنا الخليفة، وقال: هذه البلاد لي، فقبض سنجر على دبيس وسجنه خدمة للخليفة.
وفي رجب راح سعد الدولة برنقش، فاجتمع بالسلطان خاليًا وأكثر الشكوى من الخليفة، وحقق عنده أنه يطلب الملك، وأنه خرج من بيته نوبتين وكسر من قصده، وإن لم يفكر في حسم ذلك اتسع الخرق، وسترى حقيقة ذلك إذا دخلت بغداد. والذي يحمله على ذلك وزيره، وقد كاتب أمراء الأطراف، وجمع الأكراد والعرب، فحصل في نفس محمود ما دعاه إلى المجيء إلى بغداد.
وفيها قتلت الباطنية بالموسل آقسنقر البرسقي في مقصورة الجامع، فيما ذكر ابن الجوزي (١)، والصحيح سنة عشرين.
وفيها قدم البرسقي فنازل كفرطاب، وأخذها من الفرنج، ثم عمل مصافًا مع الفرنج، وكانوا خلقًا، فكسروه، وقتلوا نحو الألف من المسلمين، وأسروا خلقًا.
وفيها جمع بغدوين الصغير صاحب القدس وحشد، وأغار على حوران، فخرج لحربه طغتكين في خلق كثير وتركمان قدموا للجهاد، وخلق من أحداث دمشق، ومن المرج، والغوطة بالعدد التامة. فالتقوا بمرج الصفر، فحملت الملاعين على المسلمين، فهزموهم إلى عقبة سحوراء، وقتلوا أكثر الرجالة، وما نجا إلا من له فرس جواد.
وجاء طغتكين وقد أسرت أبطاله، وما شك الناس أن الفرنج يصبحون البلد، فحازوا الغنائم والأسرى ورجعوا، فلا قوة إلا بالله.
وفيها عسكر اللعين ابن رذمير الذي استولى على شرق الأندلس بجيش في أربعة آلاف فارس بفاوة، فسار من سرقسطة، ثم على بلنسية، ثم مرسية. ومر على جزيرة شقر، فنازلهم أيامًا. وكان على الأندلس تميم بن يوسف بن تاشفين، ومقامه بغرناطة، فجمع الجيوش، والتف على ابن رذمير سواد عظيم من نصارى البلاد، فوطئ بلاد الإسلام يغير وينهب.
وقصده المسلمون،
стр. 10495
فالتقوا، فأصيب خلق من المسلمين وعاث ابن رذمير في بلاد الإسلام أكثر من سنة، ورجع بغنائم لا تحصى.
سنة عشرين وخمسمائة
لما علم السلطان محمود بقتال الخليفة لطغرلبك فرح، وكاتب الخليفة، وقال: قد علمت ما فعلت لأجلي، وأنا خادمك، وتراسلا بالأيمان والعهود على أنهما ينقضان على سنجر، ويمضيان إلى قتاله، ويكون محمود في السلطنة التي لسنجر.
فعلم سنجر، وبعث إلى محمود يقول: أنت صبي، والخليفة قد عزم على أن يمكر بك وبي، فإذا اتفقتما علي ففرغ مني عاد إليك، فلا تصغ إليه، وأنا فما لي ولد ذكر، وأنت لما ضربت معي مصافًا وظفرت بك لم أسئ إليك وقتلت من كان سببًا لقتالنا، وأعدتك إلى السلطنة، وجعلتك ولي عهدي، وزوجتك ابنتي، فلما توفيت زوجتك الأخرى.
فسر إلى بغداد بالعساكر، وأمسك الوزير ابن صدقة، واقتل رؤوس الأكراد وخذ آلة السفر التي عملها، وتقول للخليفة: ما تحتاج إلى هذا، أنا سيفك وخادمك. فإن فعل وإلا أخذته بالشدة، وإلا لم يبق لي ولا لك معه أمر. وبعث إليه رجلًا، وقال: هذا يكون وزيرك، فثنى عزمه.
فكتب صاحب الخبر إلى الخليفة بذلك، فنفذ الخليفة إليه سديد الدولة ابن الأنباري يقول له: ينبغي أن تتأخر في هذه السنة لقلة الميرة، فقال: لا بد لي من المجيء. وتوجه.
فلما سمع الخليفة نفذ رسولًا وكتابًا إلى وزير السلطان، يأمره برد السلطان عن المجيء، فأبى، وأجاب بجواب ثقل سماعه على الخليفة، وشرع في عمل آلة القتال، وجمع الجيش. ونودي ببغداد في ذي القعدة بعبور الناس إلى الجانب الغربي، وازدحم الخلق.
ثم بعد أيام بدا للخليفة، وقال: أنا أخلي البلد له، وأحقن دماء المسلمين. ونودي بالعبور إلى الجانب الشرقي، واشتدت الأمطار حتى كادت الدور أن تغرق. وانتقل الخليفة إلى مخيمه بالجانب الغربي تحت الرقة.
فعرف السلطان، وقرب من بغداد، فبعث برنقش الزكوي، وأسعد الطغرائي، فذهبا إلى الخليفة، وأديا رسالة السلطان وتألمه من انزعاج الخليفة. ثم حشيا في آخر الرسالة، فقال المسترشد: أنا أقول له: يجب أن تتأخر في هذه السنة، ولا يقبل؟ ما بيني وبينه
стр. 10496
إلا السيف! وقال لبرنقش: أنت كنت السبب في مجيئه وأنت أفسدته، وهم بقتله. فمنعه الوزير، وقال: هو رسول. فرجعا بكتاب الخليفة وبالرسالة، فاستشاط غضبًا، وأمر بالرحيل إلى بغداد.
وفي يوم الأضحى نصبت خيمة عظيمة، وصلى المسترشد الخليفة بالناس، وكان المكبرون خطباء الجوامع ابن الغريق، وابن المهتدي، وابن البرمكي. وصعد المنبر، ووقف ولي عهده الراشد بالله دونه، بيده سيف مشهور، فقال: الله أكبر، ما سحت الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء! الله أكبر، ما همع سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسر قادما إياب!
وذكر خطبة بليغة، ثم جلس. ثم قام فخطب، وقال: اللهم أصلحني في ذريتي، وأعني على ما وليتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقتي وانصرني! فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر محمد بن أحمد بن عبد العزيز الهاشمي فأنشده:
عليك سلام الله يا خير من علا … على منبر قد حف أعلامه النصر
وأفضل من أم الأنام وعمهم … بسيرته الحسنى وكان له الأمر
وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا … ومن جده من أجله نزل القطر
لقد شرفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصخر
ملأت بها كل القلوب مهابة … فقد رجفت من خوف تخويفها مصر
وزدت بها عدنان مجدا مؤثل … فأضحى لها من الأنام بك الفخر
وسدت بني العباس حتى لقد غدا … تباهي بك السجاد والعلم البحر
فلله عصر أنت فيه إمامه … ولله دين أنت فيه لنا الصدر
بقيت على الأيام والملك كلما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر
وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ … تشرفنا فيه صلاتك والنحر
ونزل، فنحر البدنة بيده، وكان يوما لم ير مثله من دهر، ثم دخل السرادق، ووقع البكاء على الناس، ودعوا له بالنصر، وجمعت السفن جميعها إلى الجانب الغربي، فانقطع عبور الناس بالكلية.
وبلغ السلطان حلوان، فأرسل من هنالك الأمير زنكي إلى واسط، فأزاح عنها عفيفا الخادم، فلحق بالخليفة، ولم يبق بالجانب الشرقي سوى الحاجب
стр. 10497
لحفظ دار الخلافة. وسدت أبوابها كلها سوى باب النوبي، ونزل السلطان بالشماسية في ثامن عشر ذي الحجة. ونزل عسكره في دور الناس، وترددت الرسل إلى الخليفة تتلطف به، وتطلب الصلح وهو يمتنع ثم وقف عسكر للسلطان بالجانب الشرقي، والعامة بالجانب الغربي يسبون الأتراك، ويقولون: يا باطنية، يا ملاحدة! عصيتم أمير المؤمنين، فعقودكم باطلة وأنكحتكم فاسدة! وتراموا بالنشاب.
وفيها عاث ملك الفرنج ابن رذمير، لعنه الله، بالأندلس، وشق بلاد المسلمين جميعها، وسبى ونهب، حتى انتهى إلى قريب قرطبة، فحشد المسلمون وقصدوه، فبيتهم وقتل منهم مقتلة. ثم عاد نحو بلاده، وهو الذي كسر المسلمين أيضًا سنة أربع عشرة وخمسمائة، ثم حاصر سنة ثمان وعشرين مدينة أفراغه، وأهلكه الله.
وفيها هاجت الإسماعيلية بخراسان، ونصر عليهم عسكر سنجر، وقتلوا منهم مقتلة كبيرة.
وفيها قتل البر قي.
وفيها كثرت الإسماعيلية بالشام، وكان الناس والكبار يخافونهم، فرأى الوزير أبو طاهر بن سعد المزدقاني من المصلحة أن يسلم إلى رئيسهم بهرام حصنًا، فأعطاه طغتكين بانياس وتألم الناس لذلك.
وفي سنة عشرين وقعة مرج الصفر، ساقها ابن الأثير، فقال (١): التقوا في أواخر ذي الحجة، واشتد القتال، فسقط طغتكين، فظن الجند أنه قتل فانهزموا إلى دمشق، وركب فرسه ولحقهم. فساقت الفرنج وراءهم، وبقي رجالة التركمان قد عجزوا عن الهزيمة، فحملوا على رجالة الفرنج، فقتلوا عامتهم، ونهبوا عسكر الفرنج وخيامهم، ثم عادوا سالمين غانمين إلى دمشق.
ولما ردت خيالة الفرنج من وراء طغتكين رأوا رجالتهم صرعى، وأموالهم قد راحت، فتموا منهزمين. قال: وهذا من الغريب أن طائفتين ينهزمان.
وفيها استفحل أمر بهرام داعي الباطنية بحلب والشام، وعظم الخطب وهو على غاية الاختفاء، يغير الزي، ويطوف البلاد والقلاع، ولا يعرف. إلى
стр. 10498
أن حصل بدمشق بتقرير قرره إيلغازي بن أرتق مع طغتكين، فأكرم اتقاء شره، وتأكدت العناية به، فتبعه جهلة وسفهاء من العامة وأهل البر وتحزبوا معه. ووافقه الوزير طاهر بن سعد المزدقاني، وإن لم يكن على عقيدته، وأعانه على بث شره، وخفى سره ليكون عونًا له.
ثم التمس من طغتكين حصنًا يحتمي به، فأعطاه بانياس سنة عشرين هذه، فصار إليها وتجمع إليه أوباش استغواهم محاله وخداعه، فعظمت البلية بهم، وتألم العلماء وأهل الدين. وأحجموا عن الكلام فيهم والتعرض لهم، خوفًا من شرهم؛ لأنهم قتلوا جماعة من الأعيان، وصاروا بحيث لا ينكر عليهم ملك ولا وزير، ولا حول ولا قوة إلا بالله (١)، وسيأتي باقي أمرهم سنة ثلاث.
стр. 10499
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الوفيات
سنة إحدى عشرة وخمسمائة
١ - أحمد بن إبراهيم بن أحمد، أبو جعفر بن سفيان القرطبي.
أخذ عن أبي جعفر أحمد بن رزق، وسمع الكثير من حاتم بن محمد، وشوور في الأحكام، وولي خطابة قرطبة. وتوفي في جمادى الآخرة، وله أربع وستون سنة (١).
٢ - أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الحق، أبو جعفر الخزرجي القرطبي المقرئ.
روى عن: أبي القاسم الخزرجي وأبي عبد الله الطرفي المقرئين ونظرائهما، وقرأ على الأستاذ مكي بن أبي طالب أحزابًا من القرآن، وأقرأ الناس دهرًا، وعمر وعاش تسعين سنة، وتوفي في ربيع الأول.
قال ابن بشكوال (٢): جالسته وأنا صغير.
٣ - أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو الوفاء ابن الحصين، الكاتب، المحدث.
سمع الكثير بنفسه، وكتب وعلق. روى عن: أبي نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن، فمن بعدهما بحيث أنه أكثر عن أصحاب الجوهري. روى عنه: الحسين بن خسرو، والسلفي، وله شعر جيد.
٤ - أحمد العريبي، الرجل الصالح.
رأى أبا الحسن القزويني، وقرأ عليه شيئًا من القرآن.
ذكره أحمد بن صالح فقال: ولي لله، حزر الجمع في جنازته بمائة ألف، وصلى عليه أبو الحسين ابن الفراء بوصية منه، ودفن بقرب قبر معروف.
стр. 10500
وكان من المنطقين الملهمين، ﵀. وكان من بقايا العباد ببغداد، توفي في رمضان.
قال المبارك بن كامل: أحصي من حضره فنيف على سبعين ألفًا.
٤ مكرر - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن نوح بن النعمان النوحي السمرقندي.
روى عن أبيه أبي بكر، عن علي بن أحمد الخزاعي. وقد توفي أبو بكر سنة تسع وخمسين وأربعمائة (١).
٥ - أسعد ابن طبيب خراسان عبد الرحمن بن علي بن أبي صادق، أبو الفضل النيسابوري الطبيب.
كان أبوه جالينوس زمانه. سمع أسعد من: أبي عثمان البحيري، وأبي سعد الكنجروذي.
قال أبو سعد السمعاني (٢): أسمعني منه والدي حضورًا، وعاش نحوًا من ثمانين سنة.
٦ - بختيار السلار، نائب طغتكين على دمشق.
كان ورعًا نزهًا، دينًا حسن السيرة، وافر الحرمة، أمارًا بالمعروف نهاء عن المنكر، كثير المحاسن. توفي في شعبان، وحزن عليه الناس. وولي شحنكية دمشق بعده ابنه عمر السلار (٣).
٧ - بغدوين، هو بردويل الفرنجي الطاغية، الذي افتتح القدس وغيرها من مدن الشام.
وكان شجاعًا مهيبًا جبارا خبيثًا، وقد استفحل شره، وكثر جنده، فجمع العساكر وسار ليأخذ الديار المصرية من بني عبيد، إلى أن قارب تنيس، فسبح في النيل، فانتقض عليه جرح كان به، فرجع ونزل به الموت بالصبخة المعروفة به. فمات، فشقوا بطنه، ورموا بحشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم. وحملوه فدفنوه بالقمامة بالقدس في ذي الحجة سنة إحدى عشرة، وكان قد
стр. 10501
جاء القمص صاحب الرها إلى القدس زائرًا، فوصى بغدوين له بالملك من بعده. فبعث يطلب عقد الهدنة من طغتكين، فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها، وسار إلى عسقلان، وكاتب المصريين، فجاءته سبعة آلاف فارس، فأقاموا بعسقلان شهرين، ولم يؤثروا في الفرنج أثرا، ورجع طغتكين (١).
٨ - تميم بن علي الواعظ، أبو سعد البقال القصار.
سمع أبا بكر بن زيذة، وعنه أبو موسى. توفي في تاسع المحرم.
٩ - الحسن بن عبد الله بن الحسين، أبو محمد البصيدائي الجندي، من أهل باب الأزج.
سمع أبا محمد الجوهري. روى عنه أبو المعمر الأنصاري (٢).
١٠ - الحسين بن أحمد، أبو عبد الله ابن الشقاق البغدادي.
لم يكن له نظير في الفرائض ببغداد، ولا في الحساب. روى عنه خطيب الموصل من شعره، وعليه تفقه أبو حكيم الخبري، وغيره. وممن روى عنه: ابن ناصر، وأبو طالب ابن العجمي الحلبي، والسلفي، وقال (٣): كان آية من آيات الزمان، ونادرة من نوادر الدهر.
قال ابن النجار: وسمع من أبي الحسين ابن المهتدي بالله، وكان شقاقًا للقرون للقسي، قرأ الفرائض والحساب على الخبري، وعبد الملك بن إبراهيم الهمذاني. ومات في ذي الحجة عن إحدى وسبعين سنة (٤).
١١ - الحسين بن الحسن بن محمد بن علي بن يمن، أبو القاسم العصار، عرف بابن بعصين الكرخي.
سمع أبا محمد الجوهري، وأبا يعلى القاضي. توفي في رجب.
١٢ - الحسين بن محمد بن إسماعيل بن صاعد، القاضي أبو الفضل، ولد قاضي القضاة أبي علي، ووالد صاعد أبي العلاء.
سمع من أبي بكر محمد بن عبد العزيز الحيري الحافظ تاريخ نيسابور
стр. 10502
كله بسماعه من مؤلفه الحاكم. وسمع من أبي سعد الكنجروذي، أخذ عنه جماعة. وأجاز لأبي سعد الحافظ، وقال (١): مات في جمادى الأولى.
١٣ - الحسين بن محمد الطهراني الزاهد.
أصبهاني جليل، توفي في شوال.
١٤ - الحسين بن محمد بن الحسين، الوزير أبو منصور ابن الوزير الكبير أبي شجاع الروذراوري، ثم البغدادي.
وزر أبوه للمقتدي، ووزر هو للمستظهر سنة ثمان وخمسمائة، ثم خرج إلى أصبهان، فمات بها.
ذكره ابن الدبيثي (٢).
١٥ - خلف بن إبراهيم بن خلف بن سعيد، الخطيب أبو القاسم ابن النَّخَّاس وابن الحصَّار القرطبيُّ المقرئ، خطيب قرطبة.
روى عن صهره أبي القاسم بن عبد الوهَّاب المقرئ، ومحمد بن عابد، وحاتم بن محمد، وجماعة. وحجَّ فقرأ القراءات بمكة على أبي معشر الطبري، وسمع من كريمة. وأخذ بمصر عن أبي الحسين نصر بن عبد العزيز الفارسي، وأبي الحسن طاهر بن بابشاذ، وطال عمره. وكانت الرحلة إليه في وقته، ومدار الإقراء عليه.
قال اليسع بن حزم: له يدٌ في علم الحديث والقرآن واللغات والآداب مع سمتٍ وسكينةٍ ومكانةٍ في الخير مكينة تفخر به جُمُعِ قرطبة وأعيادها.
وقال ابن بشكوال (٣): كان ثقة صدوقًا، بليغ الموعظة، فصيح اللسان، حسن البيان، جميل المنظر والملبس، فكه المجلس. سمعت خطبه في الجُمع والأعياد. ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتوفي في صفر.
قلت: قرأ عليه القراءات أبو عبد المُنْعم يحيى ابن الخلُوف الغرناطي، وخلق كثير لا يحضرني ذكرهم، منهم يحيى بن سعدون. وسمع منه ابن الدبَّاغ، وذكر له ترجمة في التقييد له.
стр. 10503
١٦ - عباد بن محمد بن المحسن، أبو القاسم الجعفري الأصبهاني.
من بيت شرف وتقدم. سمع تفسير أبي الشيخ من أبي أحمد محمد بن علي ابن المكفوف، عن مؤلفه.
وسمع: أبا سعد عبد الرحمن بن عمر الصفار، وعلي بن مهران.
قال السمعاني (١): أجاز لنا في ذي القعدة سنة عشر.
قلت: لعل السلفي سمع منه.
١٧ - عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف، أبو طاهر البغداديُّ البزَّاز.
من بيت مشهور بالحديث. سمع أبا علي ابن المُذْهب، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا محمد الجوهري، وجماعة. وحدَّث بالكُتُب الكبار كـ سُنن الدَّارقُطْني وغيره. روى عنه أخوه عبد الخالق، وابنا أخيه عبد الحق وعبد الرحيم، وأبو المُعَمَّر الأنصاري وأبو طاهر السِّلفي.
قال السِّلفي: وكان من أعيان رؤساء بغداد، وممن روى عنه المبارك بن خضَير. ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وتوفي في شوال هو وابن نبهان في ليلة، وكان من أهل الثِّقة والأمانة والسُّنة.
سمع السُّنن من أبي بكر بن بشران عن الدَّارقطني، وسمع أيضًا من عبد العزيز بن علي الأزجي، وعبد الوهَّاب بن محمد الغندجاني (٢).
١٨ - عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر بن عمر، المحدث أبو محمد السلمي الدمشقي، ويعرف بابن سيدة.
سمع: أبا القاسم بن أبي العلاء، وأبا عبد الله بن أبي الحديد، وأبا الفتح نصرًا المقدسي، وخلقًا بعدهم.
قال ابن عساكر (٣): سمعنا بقراءته الكثير، وكان ثقة متحرزًا، ولد سنة إحدى وستين وأربعمائة.
стр. 10504
قلت: روى عنه الحافظان: السلفي، وابن عساكر. وتوفي في رمضان، وهو والد أبي المعالي عبد الله.
قال السلفي (١): كان قارئ الحديث بدمشق، وكان ثقة، سيء الخلق، بخيلًا بالإفادة، جسدا ملئ حسدا.
١٩ - عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل، أبو الفضائل الأموي العثماني الديباجي.
روى عن جده لأمه أبي حفص البوصيري، وعنه ولده أبو محمد عبد الله العثماني.
ورخه ابن المفضل، وقال: تكلم في سماعه (٢).
٢٠ - عُزيز بن عبد الرحمن بن جامع، أبو القاسم النَّيْسابوري الكاتب المزكيُّ.
سمع أبا سعد الكنجروذي، ورحل به أبوه إلى أصبهان، فسمَّعه بها من أحمد بن محمود الثَّقفي صاحب ابن المقرئ. توفي أواخر رمضان (٣).
٢١ - علي بن أحمد بن عبد الله، أبو الحسن السرويُّ الطبرستانيُّ المطوِّعيُّ الصُّوفيُّ.
سافر الكثير، وصحب المشايخ، وسمع أبا جعفر ابن المُسْلمة وغيره. روى عنه أبو الفضل بن عطاف، والسِّلفي. وولد بسارية سنة أربع وعشرين.
٢٢ - علي بن أحمد بن كرز، أبو الحسن الأنصاري الغرناطي المقرئ.
روى عن: أبي القاسم بن عبد الوهاب المقرئ، وغانم بن وليد، وأبي عبد الله بن عتاب، وجماعة.
وعني بالإقراء وسماع العلم، وكان ثقة فاضلًا (٤).
стр. 10505
٢٣ - علي بن رافع بن المحسن الرفاء.
سمع أبا إسحاق البرمكي. وعنه أبو نصر اليونارتي والسلفي، عاش تسعا وثمانين سنة.
٢٤ - غانم بن محمد بن عبيد الله بن عمر بن أيوب بن زياد، أبو القاسم بن أبي نصر الأصبهاني البرجي، وبرج قرية من قرى أصبهان.
سمع أبا نعيم، من ذلك مسند الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا ابن خلاد النصيبي، ولأبي نعيم فوت معروف. وسمع من ابن فاذشاه. وأجاز له: أبو علي بن شاذان، وأبو القاسم بن بشران، والحسين بن شجاع الموصلي - أجازوا له في سنة تسع عشرة وأربعمائة - والحسين بن إبراهيم الجمال، وعاش تسعين سنة أو نحوها.
روى عنه: السلفي، وأبو بكر محمد بن منصور السمعاني، وأبو العلاء الحسن بن أحمد العطار، ومعمر بن الفاخر، وأبو طاهر محمد بن محمد السنجي، وأبو موسى المديني، وأبو سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ الحفاظ. والفضل بن القاسم الصيدلاني، ومسعود بن أبي منصور الجمال، ومحمد بن عبيد الله ابن الشيخ أبي علي الحداد، وآخر من روى عنه بالإجازة أبو المكارم اللبان.
قال السمعاني (١): أجاز لي، وهو شيخ صالح، سديد، ثقة، مكثر، عمر العمر الطويل. وكان من تلاميذ محمد الخابوطي. سمع: أبا نعيم، وابن فاذشاه، والفضل بن محمد القاساني، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وعمر بن محمد بن عبد الله بن الهيثم، وأبا الفتح محمد بن عبد الرزاق بن أبي الشيخ.
ومن مسموعه مسند الطيالسي، من أبي نعيم. وسمع الحلية سوى أجزاء من موضعين، وجزء محمد بن عاصم، وجزء الجابري. ثم سمى السمعاني عدة مرويات.
قال أبو موسى: وفاته في سابع وعشرين ذي القعدة، وسأله أبي عن مولده فقال: في ذي القعدة سنة سبع عشرة وأربعمائة.