← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فتحرّكت الصخرة، فقال النّبيّ ﷺ : اهدأ فما عليك إلاّ نبيّ أو صدّيق، أو شهيد. رواه مسلم (١). أبو بكر صدّيق، والباقون قد استشهدوا. وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب: أخبرني إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاريّ، عن أبيه، أنّ ثابت بن قيس قال: يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت، قال: ولم؟ قال: نهانا الله أن نحبّ أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحبّ الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحبّ الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا جهير الصّوت، فقال: يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنّة؟ قال: بلى يا رسول الله قال: فعاش حميدا، وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذّاب. مرسل، وثبت أنّه قتل يوم اليمامة (٢). وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب ولكن التحريش. رواه مسلم (٣). وقال الشّعبي، عن مسروق، عن عائشة حدّثتني فاطمة، أنّ رسول الله ﷺ أسرّ إليّ: إنّك أوّل أهل بيتي لحوقا بي ونعم السّلف أنا لك. متّفق عليه (٤). وقال سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إنّه كان في الأمم محدّثون، فإن يكن في هذه الأمّة فهو عمر بن الخطّاب. رواه مسلم (٥). وقال شعبة، عن قيس، عن طارق بن شهاب قال: كنّا نتحدّث أنّ عمر ينطق على لسان ملك. ومن وجوه، عن عليّ: ما كنّا نبعد أنّ السّكينة تنطق على لسان عمر.

стр. 1052

وقال يحيى بن أيّوب المصري، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ عمر بعث جيشا، وأمرّ عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب، فجعل يصيح يا ساري الجبل، فقدم رسول من ذلك الجيش فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدّونا فهزمونا، فإذا صائح يصيح يا ساري الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله، فقلنا لعمر: كنت تصيح بذلك. وقال ابن عجلان: وحدثنا إياس بن معاوية بذلك (١). وقال الجريري، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، فذكر حديث أويس القرنيّ بطوله، وفيه: فوفد أهل الكوفة إلى عمر، وفيهم رجل يدعى أويسا، فقال عمر: أما هاهنا من القرنييّن أحد؟ قال: فدعي ذلك الرجل، فقال عمر: إنّ رسول الله ﷺ حدثنا أنّ رجلا من أهل اليمن يقدم عليكم، ولا يدع بها إلاّ أمّا له، قد كان به بياض فدعا الله أن يذهبه عنه، فأذهبه عنه إلاّ مثل موضع الدرهم، يقال له أويس، فمن لقيه منكم فليأمره فليستغفر لكم. أخرجه مسلم مختصرا (٢) عن رجاله عن الجريريّ، وأخرجه أيضا مختصرا من وجه آخر (٣). وقال حمّاد بن سلمة، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أسير قال: لمّا أقبل أهل اليمن جعل عمر يستقرئ الرّفاق فيقول: هل فيكم أحد من قرن؟ حتى أتى على قرن، قال: فوقع زمام عمر أو زمام أويس، فناوله عمر (٤)، فعرفه بالنّعت، فقال عمر: ما اسمك؟ قال: أويس، قال: هل كانت لك والدة؟ قال: نعم، قال: هل كان بك من البياض شيء؟ قال: نعم، دعوت الله فأذهبه عنّي إلاّ موضع الدّرهم من سرّتي لأذكر به ربّي، فقال له عمر: استغفر لي، قال: أنت أحقّ أن تستغفر لي، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ خير التّابعين

стр. 1053

رجل يقال له أويس القرنيّ، وله والدة، وكان به بياض. الحديث (١). وقال هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أسير بن جابر قال: كان عمر إذا أتت عليه أمداد اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: كان بك برص فبرأت منه إلاّ موضع درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدة؟ قال: نعم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثمّ من قرن، كان به برص فبرأ منه إلاّ موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي، فاستغفر له، ثمّ قال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها فيستوصوا بك خيرا؟ فقال: لأن أكون في غبراء (٢) النّاس أحب إليّ، فلمّا كان في العام المقبل حجّ رجل من أشرافهم، فسأله عمر عن أويس، كيف تركته؟ قال: رثّ البيت قليل المتاع، قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس مع أمداد اليمن، كان به برص فبرأ منه إلاّ موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فلمّا قدم الرجل أتى أويسا فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدا بسفر صالح فاستغفر لي، وقال: لقيت عمر بن الخطّاب؟ قال: نعم، قال: فاستغفر له، قال: ففطن له النّاس، فانطلق على وجهه. قال أسير بن جابر: فكسوته بردا، فكان إذا رآه إنسان قال: من أين لأويس هذا. رواه مسلم بطوله (٣). وقال شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لمّا كان يوم صفّين، نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب عليّ: أفيكم أويس القرنيّ؟ قالوا: نعم، فضرب دابّته حتى دخل معهم، ثم قال:

стр. 1054

سمعت رسول الله ﷺ يقول: خير التّابعين أويس القرنيّ (١). وقال الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، قال: كنّا جلوسا عند عمر ﵁ فقال: أيّكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا، قال: هات إنّك لجريء، فقلت: ذكر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفّرها الصلاة والصّدقة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، قال: ليس هذا أعني، إنّما أعني التي تموج موج البحر، قلت: يا أمير المؤمنين ليس ينالك من تلك شيء، إنّ بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أرأيت الباب يفتح أو يكسر؟ قال: لا، بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلت: أجل، فقلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أنّ غدا دونه اللّيلة، وذلك أنّي حدّثته حديثا ليس بالأغاليظ، فسأله مسروق: من الباب؟ قال: عمر. أخرجاه (٢). وقال شريك بن أبي نمر، عن ابن المسيّب، عن أبي موسى الأشعريّ في حديث القفّ (٣): فجاء عثمان، فقال النّبيّ ﷺ : ائذن له وبشّره بالجنّة، على (٤) بلوى - أو بلاء - يصيبه. متّفق عليه (٥). وقال القطّان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي سهلة مولى عثمان، عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: ادعي لي - أو ليت عندي - رجلا من أصحابي، قالت: قلت: أبو بكر؟ قال: لا، قلت: عمر؟ قال: لا، قلت ابن عمّك عليّ؟ قال: لا، قلت: فعثمان؟ قال: نعم، قالت: فجاء عثمان فقال: قومي، قال: فجعل النّبيّ ﷺ يسرّ إلى عثمان، ولون عثمان يتغيّر، فلمّا كان يوم الدّار قلنا: ألا تقاتل؟ قال: لا، إنّ رسول الله ﷺ عهد إليّ أمرا، فأنا صابر نفسي عليه (٦).

стр. 1055

وقال إسرائيل وغيره، عن منصور، عن ربعيّ، عن البراء بن ناجية الكاهليّ - فيه جهالة - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : تدور رحى الإسلام عند رأس خمس أو ستّ وثلاثين سنة، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإلاّ تروخي عنهم سبعين سنة، فقال عمر: يا رسول الله أمن هذا أو من مستقبله؟ قال: من مستقبله (١). وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر، نبحت عليها كلاب الحوأب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ قالوا: الحوأب، قالت: ما أظنني إلاّ راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: كيف بإحداكنّ إذا نبحتها كلاب الحوأب. فقال الزّبير: تقدّمي لعلّ الله أن يصلح بك بين النّاس (٢). وقال أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة. رواه البخاريّ (٣). وأخرجا (٤) من حديث همّام، عن أبي هريرة نحوه. وقال صفوان بن عمرو: كان أهل الشام ستّين ألفا، فقتل منهم عشرون ألفا، وكان العراق مائة ألف وعشرين ألفا، فقتل منهم أربعون ألفا، وذلك يوم صفّين. وقال شعبة: حدثنا أبو مسلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: حدّثني من هو خير منّي - يعني أبا قتادة - أنّ النّبيّ ﷺ قال لعمّار تقتلك الفئة الباغية. وقال الحسن، عن أمّه، عن أمّ سلمة، عن النّبيّ ﷺ مثله. رواهما مسلم (٥). وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا ابن عيينة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن

стр. 1056

ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنّا كنّا نقرأ: جاهدوا في الله حقّ جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوّله! قال: فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أميّة الأمراء وبنو المغيرة الوزراء. رواه الرماديّ عنه (١). وقال أبو نضرة، عن أبي سعيد: قال رسول الله ﷺ : تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطّائفتين بالحقّ. رواه مسلم (٢). وقال سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد، أنّ عليّا ﵁ بعث إلى رسول الله ﷺ يعني وهو باليمن - بذهب في تربتها، فقسمها النّبيّ ﷺ بين أربعة: بين عيينة بن بدر الفزاريّ، وعلقمة بن علاثة الكلابيّ، والأقرع بن حابس الحنظليّ، وزيد الخيل الطّائي، فغضبت قريش والأنصار وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، فقال رسول الله ﷺ : إنّما أعطيهم أتألّفهم، فقام رجل غائر العينين، محلوق الرأس، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، فقال: اتق الله، فقال رسول الله ﷺ فمن يطع الله إن عصيته أيأمنني أهل السماء ولا تأمنوني؟ فاستأذنه رجل في قتله، فأبى ثمّ قال: يخرج من ضئضئ هذا قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، والله لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد. رواه مسلم (٣). وللبخاريّ بمعناه (٤). الأوزاعيّ، عن الزّهريّ: حدّثني أبو سلمة، والضّحاك - يعني المشرقي - عن أبي سعيد قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم ذات يوم قسما، فقال ذو الخويصرة من بني تميم: يا رسول الله اعدل، فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل. فقام عمر فقال: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، قال: لا، إنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدّين مروق السّهم من الرّمية، ينظر إلى نصله فلا

стр. 1057

يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه (١) فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نضّيّه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قذذه (٣) فلا يوجد فيه شيء آيتهم رجل أدعج إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر. قال أبو سعيد: أشهد لسمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أنّي كنت مع علي ﵁ حين قتلهم، فالتمس في القتلى وأتيّ به على النّعت الذي نعت رسول الله ﷺ . أخرجه البخاريّ (٤). وقال أيّوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: ذكر علي ﵁ أهل النّهروان فقال: فيهم رجل مودن اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد، لولا أن تبطروا لنبّأتكم بما وعد الله الذين يقاتلونهم على لسان محمد ﷺ قلت: أنت سمعت هذا؟ قال: إي وربّ الكعبة. رواه مسلم (٥). وقال حمّاد بن زيد، عن جميل بن مرّة، عن أبي الوضيّ السّحيميّ قال: كنّا مع عليّ بالنهروان، فقال لنا: التمسوا المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فأتوه فقال: ارجعوا فالتمسوا المخدج، فوالله ما كذبت ولا كذبت، حتى قال ذلك مرارا، فرجعوا فقالوا: قد وجدناه تحت القتلى في الطّين فكأنّي أنظر إليه حبشيّا، له ثدي كثدي المرأة، عليه شعيرات كشّعيرات التي على ذنب اليربوع، فسرّ بذلك عليّ. رواه أبو داود الطّيالسيّ في مسنده (٦). وقال شريك، عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال: جاء رأس الخوارج إلى عليّ، فقال له: اتق الله فإنّك ميّت، فقال: لا والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، ولكنّي مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقضاء مقضيّ، وقد خاب من افترى (٧).

стр. 1058

وقال أبو النّضر: حدثنا محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاريّ - وكان أبوه بدريّا - قال: خرجت مع أبي عائدا لعليّ ﵁ من مرض أصابه ثقل منه، فقال له أبي: ما يقيمك بمنزلك هذا، لو أصابك أجلك لم يلك إلاّ أعراب جهينة! تحمل إلى المدينة، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلّوا عليك، فقال: إنّ رسول الله ﷺ عهد إليّ أنّي لا أموت حتى أؤمّر، ثم تخضب هذه من دم هذه - يعني لحيته من دم هامته - فقتل، وقتل أبو فضالة مع عليّ يوم صفّين (١). وقال الحسن، عن أبي بكرة: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن عليّ إلى جنبه، وهو يقول: إنّ ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين. أخرجه البخاريّ (٢) دون عظيمتين. وقال ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمير بن الأسود، حدّثه أنّه أتى عبادة بن الصّامت، وهو بساحل حمص، وهو في بناء له، ومعه امرأته أمّ حرام، قال: فحدّثتنا أمّ حرام أنّها سمعت رسول الله ﷺ يقول: أوّل جيش من أمّتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أمّ حرام: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، قالت: ثمّ قال رسول الله ﷺ : أوّل جيش من أمّتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، قالت أمّ حرام: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا. أخرجه البخاريّ (٣). فيه إخباره ﵇ أنّ أمتّه يغزون البحر، ويغزون مدينة قيصر. وقال شعبة عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ بين يدي السّاعة ثلاثين كذّابا دجالا كلّهم يزعم أنّه نبيّ. رواه مسلم (٤)، واتّفقا عليه من حديث أبي هريرة (٥).

стр. 1059

وقال الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أسماء بنت أبي بكر، أنّها قالت للحجّاج: أما إنّ رسول الله ﷺ حدثنا أنّ في ثقيف كذّابا ومبيرا، فأمّا الكذّاب فقد رأيناه، وأمّا المبير فلا إخالك إلاّ إيّاه. أخرجه مسلم (١)، تعني بالكذّاب المختار بن أبي عبيد. وقال الوليد بن مسلم، عن مروان بن سالم الجزريّ: حدثنا الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصّامت، قال رسول الله ﷺ : يكون في أمّتي رجل يقال له وهب، يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له غيلان، هو أضرّ على أمّتي من إبليس. مروان ضعيف (٢). وقال ابن جريج: أخبرنا أبو الزّبير أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النّبيّ ﷺ قبل موته بشهر يقول: تسألون عن السّاعة، إنّما علمها عند الله، فأقسم بالله، ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة. رواه مسلم (٣). وقال شعيب، عن الزّهريّ، عن سالم بن عبد الله، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، أن ابن عمر قال: صلّى لنا (٤) رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة في آخر حياته، فلمّا سلّم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد. متفق عليه (٥). قال الجريريّ: كنت أطوف مع أبي الطّفيل فقال: لم يبق أحد ممّن لقي رسول الله ﷺ غيري، قلت: كيف كان رسول الله ﷺ ؟ قال: كان أبيض مليحا مقصّدا (٦). أخرجه مسلم (٧). وأصحّ الأقوال أنّ أبا الطّفيل توفّي سنة عشر ومائة.

стр. 1060

وقال إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني، عن أبيه، عن عبد الله بن بسر، أنّ النّبيّ ﷺ قال له: يعيش هذا الغلام قرنا، قال: فعاش مائة سنة (١). وقال بشر بن بكر، والوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني الزّهريّ، قال: حدّثني سعيد بن المسيّب قال: ولد لأخي أمّ سلمة غلام، فسمّوه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : تسمّون بأسماء فراعنتكم، غيّروا اسمه - فسمّوه عبد الله - فإنّه سيكون في هذه الأمّة رجل يقال الوليد، هو شرّ لأمتي من فرعون لقومه. هذا ثابت عن ابن المسيّب، ومراسيله حجّة على الصّحيح (٢). وقال سليمان بن بلال، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّ النّبيّ ﷺ قال: إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا، اتّخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا. غريب، ورواته ثقات. وقد روى الأعمش، عن عطيّة، عن أبي سعيد مرفوعا مثله، لكنّه قال: ثلاثين رجلا (٣). وقال سليمان بن حيّان الأحمر: حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدّيلي، عن طلحة النّصري قال: قدمت المدينة مهاجرا، وكان الرجل إذا قدم المدينة، فإن كان له عريف نزل عليه، وإنّ لم يكن له عريف نزل الصّفة، فنزلت الصّفة، وكان رسول ﷺ يرافق بين الرجلين، ويقسم بينهما مدّا من تمر، فبينا رسول الله ﷺ ذات يوم في صلاته، إذ ناداه رجل فقال: يا رسول الله أحرق بطوننا التّمر، وتخرّقت عنّا الخنف (٤) قال: وإنّ رسول الله ﷺ حمد الله وأثنى عليه، وذكر ما لقي من قومه، ثم قال: لقد رأيتني وصاحبي، مكثنا بضع عشرة ليلة ما لنا طعام غير البرير - وهو ثمر الأراك - حتى أتينا إخواننا من الأنصار، فآسونا من طعامهم، وكان جلّ طعامهم التّمر، والذي لا إله إلاّ هو لو قدرت لكم على الخبز واللّحم

стр. 1061

لأطعمتكموه، وسيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم، تلبسون أمثال أستار الكعبة، ويغدى ويراح عليكم بالجفان. قالوا: يا رسول الله أنحن يومئذ خير أم اليوم؟ قال: بل أنتم اليوم خير، أنتم اليوم إخوان، وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض (١). وقال محمد بن يوسف الفريابيّ: ذكر سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي موسى يحنّس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مشت أمتّي المطيطاء (٢) وخدمتهم فارس والروم، سلّط بعضهم على بعض. حديث مرسل (٣). وقال عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلّى ركعتين، وصلّينا معه، فناجى ربّه طويلا، ثمّ قال: سألت ربّي ثلاثة: سألته أن لا يهلك أمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمّتي بالسّنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. رواه مسلم (٤). وقال أيّوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإنّي سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة بعامّة، وأن لا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإنّ ربّي قال لي: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء لا يردّ، وإنّي أعطيتك لأمّتك أن لا أهلكهم بسنة بعامّة، وأن لا أسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وبعضهم يقتل بعضا (٥). وقال: إنّما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّين. وإذا وضع السيف في أمّتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمّتي

стр. 1062

بالمشركين حتى يعبدوا الأوثان، وإنّه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنّه نبيّ، وإنّي خاتم النّبيّين لا نبيّ بعدي. ولا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله . رواه مسلم (١). وقال يونس وغيره، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى، أنّ رسول الله ﷺ قال: بين يدي السّاعة الهرج. قيل: وما الهرج؟ قال: القتل، قالوا: أكثر ممّا نقتل؟ قال: إنّه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا. قالوا: ومعنا يومئذ عقولنا؟ قال: إنّه تنتزع عقول أكثر أهل ذلك الزّمان، ويخلف لهم هباء من النّاس، يحسب أكثرهم أنّهم على شئ، وليسوا على شئ (٢). وقال سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : صنفان من أهل النّار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون النّاس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. رواه مسلم (٣). وقال أبو عبد السلام، عن ثوبان، قال رسول الله ﷺ : يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: من قلّة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت. أخرجه أبو داود (٤) من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثنا أبو عبد السّلام. وقال معمر، عن همّام: حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، ليأتين على أحدكم يوم لأن يراني، ثمّ لأن يراني، أحبّ

стр. 1063

إليه من مثل أهله وماله معهم. رواه مسلم (١). وللبخاري (٢) مثله من حديث أبي هريرة. وقال صفوان بن عمرو: حدّثني أزهر بن عبد الله الحرازيّ، عن أبي عامر الهوزنّي، عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النّار إلاّ واحدة وهي الجماعة. أخرجه أبو داود (٣). وقال عبد الوارث، عن أبي التّياح، عن أنس: قال رسول الله ﷺ : إنّ من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، وتشرب الخمر، ويظهر الزّنا. متّفق عليه (٤). وقال هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من النّاس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتّخذ النّاس رؤساء جهّالاّ فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا. متفق عليه (٥). وقال كثير النّواء، عن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ يكون في أمّتي قوم يسمّون الرّافضة، هم براء من الإسلام. كثير ضعيف تفرّد به. وقال شعبة: أخبرني أبو جمرة، قال: أخبرنا زهدم، أنّه سمع عمران بن حصين قال: قال النّبيّ ﷺ : خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ يكون قوم بعدهم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا

стр. 1064

يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن. رواه مسلم (١). والأحاديث الصحيحة والضعيفة في إخباره بما يكون بعده كثيرة إلى الغاية، اقتصرنا على هذا القدر منها، ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور، نسأل الله - تعالى - أن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يؤيّدنا بروح منه (٢). باب جامع من دلائل النّبوّة قال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كان منّا رجل من بني النّجّار قد قرأ البقرة، وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب، قال: فرفعوه: قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذا. رواه مسلم (٣). وقال عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس قال: كان رجل نصرانيّ فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنّبيّ ﷺ فعاد نصرانيّا، وكان يقول: ما أرى يحسن محمد إلاّ ما كنت أكتب له. فأماته الله، فأقبروه، فأصبح وقد لفظته الأرض، قالوا: هذا عمل محمد وأصحابه، قال: فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض. فقالوا: عمل محمد وأصحابه، قال: فحفروا وأعمقوا ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنّه من الله . أخرجه البخاري (٤).

стр. 1065

وقال اللّيث، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: ما من الأنبياء من نبيّ إلاّ وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. متّفق عليه (١). قلت: هذه هي المعجزة العظمى، وهي القرآن، فإنّ النّبيّ من الأنبياء ﵈ كان يأتي بالآية وتنقضي بموته، فقلّ لذلك من يتبعه، وكثر أتباع نبيّنا ﷺ لكون معجزته الكبرى باقية بعده، فيؤمن بالله ورسوله كثير ممّن يسمع القرآن على ممّر الأزمان، ولهذا قال: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. وقال زائدة، عن المختار بن فلفل، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ما صدّق نبيّ ما صدّقت، إنّ من الأنبياء من لا يصدقه من أمّته إلاّ الرجل الواحد. رواه مسلم (٢). وقال جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، في قوله : إنّا أنزلناه في ليلة القدر قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بموقع النّجوم، فكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض. قال - تعالى -: وقالوا (٣) لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثّبت به فؤادك ورتّلناه ترتيلا.

стр. 1066

باب آخر سورة نزلت قال أبو العميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة قال: قال لي ابن عبّاس: تعلم آخر سورة من القرآن نزلت جميعا؟ قلت: نعم إذا جاء نصر الله والفتح قال: صدقت. رواه مسلم (١). وقال أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في قوله: إذا جاء نصر الله والفتح قال: أجل رسول الله ﷺ أعلمه (٢)، إذا فتح الله عليك فذاك علامة أجلك، قال ذلك لعمر ﵁ فقال: ما أعلم منها إلاّ مثل ما تعلم يا ابن عبّاس. أخرجه البخاريّ بمعناه (٣). وقال شعبة، عن أبي إسحاق، سمع البراء يقول: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية أنزلت يستفتونك. متّفق عليه (٤). وقال الثّوريّ، عن عاصم الأحول، عن الشّعبيّ، عن ابن عبّاس قال: آخر آية أنزلها الله آية الرّبا (٥). وقال الحسين بن واقد، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿واتّقوا يوما ترجعون فيه إلى الله﴾ (٦).

стр. 1067

وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عمر: آخر ما أنزل الله آية الرّبا، فدعوا الرّبا والرّيبة. صحيح (١). وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ قال: آخر آية أنزلت فإنّ توّلوا فقل حسبي الله (٢). فحاصله: أنّ كلاّ منهم أخبر بمقتضى ما عنده من العلم. وقال الحسين بن واقد: حدّثني يزيد النّحوي، عن عكرمة، والحسن بن أبي الحسن قالا: نزل من القرآن بالمدينة: ويل للمطفّفين، والبقرة، وآل عمران، والأنفال، والأحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنّساء، وإذا زلزلت، والحديد، ومحمد، والرّعد، والرحمن، وهل أتى، والطّلاق، ولم يكن، والحشر، وإذا جاء نصر الله، والنّور، والحجّ، والمنافقون، والمجادلة، والحجرات، والتّحريم، والصّفّ، والجمعة، والتّغابن، والفتح، وبراءة. قالا: ونزل بمكة، فذكرا ما بقي من سور القرآن (٣). باب في النسخ والمحو من الصّدور وقال أبو حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي موسى قال: كنّا نقرأ سورة نشبّهها في الطّول والشّدة ببراءة، فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب. وكنّا نقرأ سورة نشبّهها بإحدى المسبّحات (٤) فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: يا أيّها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. أخرجه مسلم (٥). وقال شعيب بن أبي حمزة وغيره، عن الزّهريّ: أخبرني أبو أمامة بن سهل، أنّ رهطا من الأنصار، من أصحاب رسول الله ﷺ أخبروه، أنّ رجلا قام في جوف اللّيل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها. فلم يقدر منها على

стр. 1068

شيء إلاّ بسم الله الرحمن الرحيم فأتى باب رسول الله ﷺ حين أصبح ليسأله عن ذلك، ثم جاء آخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم؟ فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السّورة، ثم أذن لهم رسول الله ﷺ فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السّورة، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا، ثمّ قال: نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم، ومن كلّ شيء كانت فيه. رواه عقيل، عن ابن شهاب، قال فيه: وابن المسيّب جالس لا ينكر ذلك (١). نسخ هذه السّورة ومحوها من صدورهم من براهين النّبوّة، والحديث صحيح. ذكر صفة النبي ﷺ - قال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن جدّه، سمع البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها: وأحسنه خلقا، ليس بالطّويل الذّاهب، ولا بالقصير. اتّفقا عليه من حديث إبراهيم (٢). وقال البخاريّ (٣): حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، قال رجل للبراء: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر. وقال إسرائيل، عن سماك أنّه سمع جابر بن سمرة، قال له رجل: أكان رسول الله ﷺ وجهه مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل الشمس والقمر مستديرا. رواه مسلم (٤). وقال المحاربيّ وغيره، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان، وعليه حلّة حمراء،

стр. 1069

فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو كان أحسن في عيني من القمر (١). وقال عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جدّه قال: لمّا أن سلّمت على رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه، وكان إذا سرّ استنار وجهه كأنّه قطعة قمر، أخرجه البخاريّ (٢) وقال ابن جريج، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: دخل النّبيّ ﷺ يوما مسرورا وأسارير وجهه تبرق، وذكر الحديث. متّفق عليه (٣). وقال يعقوب الفسوي (٤): حدثنا سعيد، قال: حدثنا يونس بن أبي يعفور العبدي، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن امرأة من همدان سمّاها قالت: حججت مع النّبيّ ﷺ ، فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة، بيده محجن، فقلت لها: شبّهيه، قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله. وقال يعقوب بن محمد الزّهريّ: حدثنا عبد الله بن موسى التّيميّ، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر قال: قلنا للرّبيّع بنت معوّذ: صفي لنا رسول الله ﷺ ، قالت: لو رأيته لقلت (٥): الشمس طالعة (٦). وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: سمعت أنسا وهو يصف رسول الله ﷺ قال: كان ربعة من القوم، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، أزهر اللّون، ليس بأبيض أمهق، ولا آدم، ليس بجعد قطط، ولا بالسّبط، بعث

стр. 1070

على رأس أربعين سنة، وتوفّي وهو ابن ستّين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. متّفق عليه (١). وقال خالد بن عبد الله، عن حميد، عن أنس: كان رسول الله ﷺ أسمر اللّون. وقال ثابت، عن أنس: كان أزهر اللّون. وقال عليّ بن عاصم: أخبرنا حميد، قال: سمعت أنسا يقول: كان ﷺ أبيض، بياضه إلى السّمرة. وقال سعيد الجريريّ: كنت أنا وأبو الطّفيل نطوف بالبيت، فقال: ما بقي أحد رأى رسول الله ﷺ غيري، قلت: صفه لي، قال: كان أبيض مليحا مقصّدا (٢). أخرجه مسلم (٣)، ولفظه: كان أبيض مليح الوجه. وقال ابن فضيل، عن إسماعيل، عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ أبيض قد شاب، وكان الحسن بن عليّ يشبهه. متّفق عليه (٤). وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفيّة، عن أبيه قال: كان النّبيّ ﷺ أزهر اللّون. رواه عنه حمّاد بن سلمة. وقال المسعوديّ، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، عن نافع بن جبير، عن عليّ: كان ﷺ مشربا وجهه حمرة. رواه شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع مثله. وقال عبد الله بن إدريس وغيره: حدثنا ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم، عن أبيه، أنّ سراقة بن جعشم قال: أتيت النّبيّ ﷺ ، فلمّا دنوت منه، وهو على ناقته، أنظر إلى ساقه كأنّها جمّارة (٥). وقال ابن عيينة: أخبرنا إسماعيل بن أميّة، عن مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، عن محرّش الكعبيّ قال:

стр. 1071

اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة ليلا، فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة (١). وقال يعقوب الفسويّ (٢): حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، قال: حدّثني عمرو بن الحارث، قال: حدّثني عبد الله بن سالم، عن الزّبيديّ قال: أخبرني محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيّب، أنّه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ ، فقال: كان شديد البياض. وقال رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئا أحسن من النّبيّ ﷺ ، كأنّ الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته منه ﷺ كأنّ الأرض تطوى له، إنا لنجتهد، وإنّه غير مكترث (٣). رواه ابن لهيعة، عن أبي يونس. وقال شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس الكعبين: أخرجه مسلم (٤). ورواه أبو داود، عن شعبة فقال: أشهل العينين، منهوس العقب (٥). وقال أبو عبيد: الشّكلة: كهيئة الحمرة، تكون في بياض العين، والشّهلة: حمرة في سواد العين (٦). قلت: ومنهوس الكعب: قليل لحم العقب. كذا فسّره سماك بن حرب لشعبة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبّاد، عن حجّاج، عن سماك، عن جابر بن سمرة، عن رسول الله ﷺ قال: كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل، وكان في ساقيه حموشة (٧)، وكان لا يضحك إلاّ

стр. 1072

تبسّما (١). وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن عليّ، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرّب العين بحمرة، كثّ اللّحية. وقال خالد بن عبد الله الطّحان، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه قال: قيل لعليّ ﵁: انعت لنا رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مشربا بياضه حمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار (٢). وقال عبد الله بن سالم، عن الزّبيديّ، عن الزّهريّ، عن سعيد بن المسيّب أنّه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ فقال: كان مفاض الجبين، أهدب الأشفار، أسود اللّحية، حسن الثّغر، بعيد ما بين المنكبين، يطأ بقدميه جميعا، ليس له أخمص. وقال عبد العزيز بن أبي ثابت الزّهريّ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيتين، إذا تكلم رؤي كالنّور بين ثناياه (٣). عبد العزيز متروك. وقال المسعوديّ، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، عن نافع بن جبير، عن عليّ: كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس واللّحية، شثن الكّفين والقدمين، ضخم الكراديس (٤)، طويل المسربة (٥). روى مثله شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عليّ، ولفظه: كان ضخم الهامة، عظيم اللّحية (٦). وقال سعيد بن منصور: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا خالد بن خالد التميميّ، عن يوسف بن مازن الراسبيّ أنّ رجلا قال لعليّ: انعت لنا

стр. 1073

النّبيّ ﷺ قال: كان أبيض مشربا حمرة، ضخم الهامة، أغرّ أبلج أهدب الأشفار (١). وقال جرير بن حازم: حدثنا قتادة قال: سئل أنس عن شعره ﷺ فقال: كان لا سبط ولا جعد بين أذنيه وعاتقه. متّفق عليه (٢). وقال همّام، عن قتادة، عن أنس: كان شعر رسول الله ﷺ يضرب منكبيه. البخاري (٣). وقال حميد، عن أنس، كان إلى أنصاف أذنيه. مسلم (٤). قلت: والجمع بينهما ممكن. وقال معمر، عن ثابت، عن أنس: كان إلى شحمة أذنيه. أبو داود في السّنن (٥). وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، يبلغ شعره شحمة أذنيه، عليه حلّة حمراء، ما رأيت شيئا أحسن منه. متّفق عليه (٦). وأخرجه البخاري (٧) من حديث إسرائيل، ولفظه: ما رأيت أحدا من خلق الله في حلّة حمراء، أحسن منه، وإنّ جمّته تضرب قريبا من منكبيه. وأخرجه مسلم (٨) من حديث الثّوريّ، ولفظه: له شعر يضرب منكبيه، وفيه: ليس بالطّويل ولا بالقصير. وقال شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير قال: وصف لنا عليّ ﵁ النّبيّ ﷺ فقال: كان كثير شعر الرأس رجله. إسناده

стр. 1074

حسن (١). وقال عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان شعر النّبيّ ﷺ فوق الوفرة (٢)، ودون الجمّة (٣). أخرجه أبو داود (٤). وإسناده حسن. وقال ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أمّ هانئ: قدم النّبيّ ﷺ مكة قدمة، وله أربع غدائر، تعني ضفائر. لم يدرك مجاهد أمّ هانئ. وقيل: سمع منها، وذلك ممكن. وقال إبراهيم بن سعد: حدثنا ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله ﷺ يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرّقون رؤوسهم، فسدل ناصيته ثم فرّق بعد. البخاري ومسلم (٥). وقال ربيعة الرأي: رأيت شعرا من شعر رسول الله ﷺ فإذا هو أحمر، فسألت فقيل: من الطّيب. أخرجه البخاريّ ومسلم (٦). وقال أيوب، عن ابن سيرين: سألت أنسا: أخضب رسول الله ﷺ ؟ فقال: لم ير من الشّيب إلاّ قليلا. أخرجاه (٧)، وله طرق في الصحيح بمعناه عن أنس. وقال المثّنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ لم يختضب، إنّما كان شمط عند العنفقة يسيرا، وفي الصّدغين يسيرا، وفي الرأس يسيرا. أخرجه مسلم (٨). وقال زهير بن معاوية وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة: رأيت

стр. 1075

النّبيّ ﷺ هذه منه بيضاء، ووضع زهير بعض أصابعه على عنفقته. أخرجه مسلم (١). وأخرجه مسلم من حديث إسرائيل. وقال البخاري (٢): حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا حريز بن عثمان قلت لعبد الله بن بسر: أكان النّبيّ ﷺ شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض. وقال شعبة وغيره، عن سماك، عن جابر بن سمرة، وذكر شمط النّبيّ ﷺ قال: كان إذا ادّهن لم ير، وإذا لم يدهن تبيّن. أخرجه مسلم (٣). وقال إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان قد شمط مقدّم رأسه ولحيته، وإذا ادّهن ومشّطه لم يستبن. أخرجه مسلم (٤). وقال أبو حمزة السّكّريّ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشيّ قال: دخلنا على أمّ سلمة، فأخرجت إلينا من شعر رسول الله ﷺ فإذا هو أحمر مصبوغ بالحنّاء والكتم. صحيح أخرجه البخاري (٥)، ولم يقل بالحنّاء والكتم، من حديث سلاّم بن أبي مطيع، عن عثمان. وقال إسرائيل، عن عثمان بن موهب قال: كان عند أمّ سلمة جلجل من فضة ضخم، فيه من شعر النّبيّ ﷺ فكان إذا أصاب إنسانا الحمى، بعث إليها فخضخضته فيه، ثمّ ينضحه الرجل على وجهه، قال: بعثني أهلي إليها فأخرجته، فإذا هو هكذا - وأشار إسرائيل بثلاث أصابع - وكان فيه شعرات حمر. البخاري (٦). محمد بن أبان المستملي: حدثنا بشر بن السّريّ، قال: حدثنا أبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أنّ محمد بن عبد الله بن زيد حدّثه أنّ أباه شهد النّبيّ ﷺ في المنحر، هو ورجل من الأنصار، فقسم ضحايا بين أصحابه، فلم يصبه شيء هو وصاحبه، فحلق رسول الله ﷺ

стр. 1076

رأسه في ثوبه، وأعطاه إيّاه، فقسم منه على رجال. وقلّم أظفاره، فأعطاه صاحبه، قال: فإنّه لمخضوب عندنا بالحنّاء والكتم، يعني: الشّعر. هذا خبر مرسل. وقال شريك، ن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان شيب رسول الله ﷺ نحوا من عشرين شعرة، رواه يحيى بن آدم، عنه (١). وقال جعفر بن برقان: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس بن مالك المدينة، وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر، وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله ﷺ ، فإنّي قد رأيت شعرا من شعره قد لوّن؟ فقال أنس: إنّ رسول الله ﷺ كان قد متّع بالسّواد، ولو عددت ما أقبل عليّ من شيبه في رأسه ولحيته، ما كنت أزيدهنّ على إحدى عشرة شيبة، وإنّما هذا الذي لوّن من الطّيب الذي كان يطيّب به شعر رسول الله ﷺ وهو الذي غير لونه (٢). وقال أبو حمزة السّكريّ، عن عبد الملك بن عمير، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة قال: أتيت النّبيّ ﷺ وعليه بردان أخضران، وله شعر قد علاه الشّيب، وشيبه أحمر مخضوب بالحنّاء (٣). وقال أبو نعيم: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حدّثني أبي، عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ فلمّا رأيته قال لي: هل تدري من هذا؟ قلت: لا، قال: إنّ هذا رسول الله ﷺ فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظنّ رسول الله ﷺ شيئا لا يشبه النّاس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع (٤) من حنّاء، وعليه بردان أخضران. وقال عمرو بن محمد العنقزي: أخبرنا ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ النّبيّ ﷺ كان يلبس النّعال السّبتية (٥)، ويصفّر لحيته بالورس والزّعفران.

стр. 1077

وقال النّضر بن شميل: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ كأنّما صيغ من فضّة، رجل الشّعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين، يطأ بقدميه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا (١). وقال جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس: كان ﷺ ضخم اليدين، لم أر بعده مثله، وفي لفظ: كان ضخم الكفّين والقدمين، سائل العرق. أخرج البخاريّ بعضه (٢). وقال معمر وغيره، عن قتادة، عن أنس: كان ﷺ شثن الكفّين والقدمين. وقال أبو هلال، عن قتادة، عن أنس - أو عن جابر بن عبد الله، شكّ موسى بن إسماعيل فيه - عن أبي هلال، أنّ النّبيّ ﷺ كان ضخم القدمين والكفيّن، لم أر بعده شبيها به ﷺ . أخرجهما البخاريّ (٣) تعليقا، وهما صحيحان. وقال شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس العقبين. قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العينين؟ قال: طويل شق العين، قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب. أخرجه مسلم (٤). وقال يزيد بن هارون: حدثنا عبد الله بن يزيد بن مقسم بن ضبّة، قال: حدّثتني عمّتي سارة، عن ميمونة بنت كردم، قالت: رأيت رسول الله ﷺ بمكة، وهو على ناقة له، وأنا مع أبي، وبيد النّبيّ ﷺ درّة كدرّة الكتاب، فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه، فأقرّ له رسول الله ﷺ . قالت: فما نسيت طول إصبعه السبّابة على سائر أصابعه. وقال عثمان بن عمر بن فارس: حدثنا حرب بن سريج الخلقاني، قال: حدّثني رجل من بلعدويّة، قال: حدّثني جدّي قال: انطلقت إلى المدينة،

стр. 1078

فرأيت النّبيّ ﷺ ، فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من لدن نحره إلى سرتّه كالخيط الممدود شعره، ورأيته بين طمرين. فدنا منّي فقال: السّلام عليك (١). وقال المسعوديّ، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، وقاله شريك، عن عبد الملك بن عمير، كلاهما عن نافع بن جبير، واللّفظ لشريك قال: وصف لنا عليّ النّبيّ ﷺ فقال: كان لا قصير ولا طويل وكان يتكفّأ في مشيته كأنّما يمشي في صبب - ولفظ المسعوديّ: كأنّما ينحط من صبب - لم أر قبله ولا بعده مثله. أخرجه النّسائيّ (٢). عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: صلّى النّبيّ ﷺ بالبطحاء، وقام النّاس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثّلج، وأطيب ريحا من المسك. أخرجه البخاريّ تعليقا (٣). وقال خالد بن عبد الله، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه قال: قيل لعليّ: انعت لنا النّبيّ ﷺ ، فقال: كان لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطّول أقرب، وكان شثن الكفّ والقدم، في صدره مسربة، كأن عرقه لؤلؤ، إذا مشى تكفّأ كأنما يمشي في صعد. وروي نحوه من وجه آخر عن عليّ (٤). وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا، ولا شيئا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ولا شممت رائحة قطّ أطيب من ريح رسول الله ﷺ . أخرجه البخاريّ (٥).

стр. 1079

وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ثابت (١). وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكر مثله وزاد: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى تكفأ. أخرجه مسلم (٢). وقال شعبة، عن يعلى بن عطاء: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو بمنى فقلت: ناولني يدك، فناولنيها، فإذا هي أبرد من الثّلج، وأطيب ريحا من المسك. وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقال عندنا، فعرق وجاءت أمّي بقارورة، فجعلت تسلت العرق، فاستيقظ النّبيّ ﷺ فقال: يا أمّ سليم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرق نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطّيب. أخرجه مسلم (٣). وقال وهيب: حدثنا أيّوب، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره، وفيه: وكان ﷺ كثير العرق. رواه مسلم (٤). خاتم النّبوّة قال حاتم بن إسماعيل: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السّائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثمّ توضّأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زرّ الحجلة. أخرجاه (٥)، ووهم من قال: رزّ الحجلة، وهو بيضها. وقال إسرائيل، عن سماك، سمع جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ وجهه مستديرا مثل الشمس والقمر، ورأيت خاتم النّبوّة بين كتفيه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده. أخرجه مسلم (٦).

стр. 1080

وقال حمّاد بن زيد، وغيره: حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: درت خلف النّبيّ ﷺ ، فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه عند نغض (١) كتفه اليسرى. جمعا، عليه خيلان كأمثال الثآليل. أخرجه مسلم أطول من هذا (٢). وقال أبو داود الطيّالسيّ (٣): حدثنا قرّة بن خالد، قال: حدثنا معاوية بن قرّة، عن أبيه قال: أتيت النّبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله أرني الخاتم. قال: أدخل يدك، فأدخلت يدي في جربانه (٤)، فجعلت ألمس أنظر (٥) إلى الخاتم، فإذا هو على نغض كتفه مثل البيضة، فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي، وإنّ يدي لفي جربانه. رواه يحيى بن أبي طالب، عن أبي داود، لكن قال: مثل السّلعة. قال عبيد الله بن إياد بن لقيط: حدّثني أبي، عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النّبيّ ﷺ ، فنظر إلى مثل السّلعة (٦) بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إنّي كأطبّ الرجال، أفأعالجها لك؟ قال: لا، طببها الذي خلقها. رواه الثّوريّ، عن إياد بن لقيط، وقال: مثل التّفاحة. وإسناده صحيح (٧). وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عبد الله بن ميسرة، قال: حدثنا عتّاب، قال: سمعت أبا سعيد يقول: الخاتم الذي بين كتفي النّبيّ ﷺ لحمة نابتة (٨). وقال قيس بن حفص الدّارميّ: حدثنا مسلمة بن علقمة، قال: حدثنا

стр. 1081

داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن سلامة العجليّ، عن سلمان الفارسيّ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فألقى إليّ رداءه وقال: انظر إلى ما أمرت به، قال: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمام. إسناده حسن (١). وقال الحميدي: حدثنا يحيى بن سليم الطّائفيّ، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التّنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ الفند (٢) أو قريبا، فقلت: ألا تخبرني؟ قال: بلى، قدم رسول الله ﷺ تبوك، فانطلقت بكتاب هرقل، حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه محتب على الماء، فقال: يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوي حتى قمت بين يديه، فحلّ حبوته عن ظهره، ثمّ قال: ها هنا امض لما أمرت به فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضّخمة (٣). باب جامع من صفاته ﵇ - قال عيسى بن يونس: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد من ولد عليّ قال: كان علي ﵁ إذا نعت رسول الله ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغّط ولا القصير المتردّد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسّبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهّم ولا المكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتف - أو قال: الكتد - أجرد ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى تقلّع كأنّما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة، أجود النّاس كفّا، وأجرى النّاس صدرا، وأصدقهم لهجة، وأوفاهم بذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة،

стр. 1082

من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ (١). وقال أبو عبيد في الغريب: حدّثنيه أبو إسماعيل المؤدّب، عن عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفيّة قال: كان علي إذا نعت، فذكره (٢). قوله: ليس بالطّويل الممغّط: يقول: ليس بالبائن الطّول. ولا القصير المتردّد: يعني الذي تردّد خلقه بعضه على بعض، فهو مجتمع ليس بسبط الخلق، يقول: ليس هو كذلك ولكنّه ربعة. والمطهّم: قال الأصمعيّ: التّام كلّ شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال. وقال غيره: المكلثم؛ المدّور الوجه، يقول: ليس هو كذلك ولكنّه مسنون. والدّعج: شدّة سواد العين. والجليل المشاش: العظيم رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين. والكتد: الكاهل وما يليه من الجسد. وشثن الكفّين: يعني أنّها إلى الغلظ. والصّبب: الانحدار. والقطط: مثل شعر الحبشة. والأزهر: الذي يخالط بياضه شيء من الحمرة. والأمهق: الشديد البياض. وشبح الذراعين: يعني عبل الذّراعين عريضهما. والمسربة: الشّعر المستدقّ ما بين اللّبّة إلى السّرّة. وقال الأصمعيّ: التقلّع. المشي بقوّة (٣). وقال يعلى بن عبيد، عن مجمّع بن يحيى الأنصاريّ، عن عبد الله بن

стр. 1083

عمران، عن رجل من الأنصار، أنّه سأل عليّا، عن نعت رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مشربا حمرة، أدعج، سبط الشّعر، ذو وفرة، دقيق المسربة، كأنّ عنقه إبريق فضّة، من لبّته إلى سرّته شعر، يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفّ والقدم، إذا مشى كأنّما ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنّما يتقلّع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من المسك، ليس بالطّويل ولا بالقصير، ولا العاجز ولا اللّئيم، لم أر قبله ولا بعده مثله. قال البيهقيّ (١): أخبرنا أبو عليّ الرّوذباريّ، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن شوذب، قال: أخبرنا شعيب بن أيّوب الصّريفينيّ، عنه. وقال حفص بن عبد الله النّيسابوريّ: حدّثني إبراهيم بن طهمان، عن حميد، عن أنس قال: لم يكن النّبيّ ﷺ بالآدم، ولا الأبيض الشديد البياض، فوق الرّبعة ودون الطّويل، كان من أحسن من رأيت من خلق الله، وأطيبه ريحا وألينه كفّا، كان يرسل شعره إلى أنصاف أذنيه، وكان يتوكّأ إذا مشى (٢). وقال معمر، عن الزّهريّ قال: سئل أبو هريرة عن صفة النّبيّ ﷺ فقال: كان أحسن النّاس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطّول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدّين (٣)، شديد سواد الشّعر، أكحل العينين، أهدب، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلّها، ليس أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبه فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك يتلألأ، لم أر قبله ولا بعده مثله. رواه عبد الرزاق عنه. وقال (٤) أبو هشام محمد بن سليمان بن الحكم بن أيّوب بن سليمان الكعبيّ الخزاعيّ: حدّثني عميّ أيّوب بن الحكم، عن حزام بن هشام، عن أبيه، عن جدّه حبيش بن خالد ﵁ الذي قتل بالبطحاء يوم

стр. 1084

الفتح، وهو أخو عاتكة أنّ النّبيّ ﷺ خرج من مكة هو وأبو بكر، ومولى لأبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط اللّيثيّ، فمرّوا على خيمتي أمّ معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبّة، ثمّ تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها، فلم يصيبوا شيئا، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشّاة يا أمّ معبد؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها، فمسح بيده ضرعها، وسمّى الله، ودعا لها في شاتها، فتفاجّت عليه، ودرّت واجترت، ودعا بإناء يربض الرّهط، فحلب ثجّا حتى علاه البهاء، ثمّ سقاها حتى رويت، ثمّ سقى أصحابه حتى رووا، ثمّ شرب آخرهم. ثم حلب ثانيا بعد بدء، حتّى ملأ الإناء، ثمّ غادره عندها وبايعها، وارتحلوا عنها. فقلّ ما لبثت، حتّى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلا مخّهنّ قليل. فلمّا رأى أبو معبد اللّبن عجب، وقال: من أين لك هذا يا أمّ معبد؟ والشاء عازب حيال، ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله، إلاّ أنّه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي. قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة (١)، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف (٢)، وفي صوته صحل (٣)، وفي عنقه سطع (٤)، وفي لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء، أجمل النّاس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن، ربعة لا يائس من طول، ولا تقتحمه (٥) عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له

стр. 1085

رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإنّ أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفنّد. قال أبو معبد: فهذا والله صاحب قريش، الذي ذكر لنا من أمره، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وأصبح صوت بمكة عال، يسمعون الصّوت، ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به … فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهن بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت … عليه صريحا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب … يرددها في مصدر ثم مورد فلما سمع بذلك حسان بن ثابت شبب يجاوب الهاتف، فقال: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم … وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم … وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم … وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا … عمايتهم هاد به كل مهتد وقد نزلت منه على أهل يثرب … ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلو كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب … فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده … بصحبته من يسعد الله يسعد قوله: إذا مشى تكفأ: يريد أنه يميد في مشيته، ويمشي في رفق غير مختال. وقوله: فخما مفخما، قال أبو عبيد: الفخامة في الوجه نبله وامتلاؤه،

стр. 1086

مع الجمال والمهابة، وقال ابن الأنباريّ: معناه أنّه كان عظيما معظّما في الصّدور والعيون، ولم يكن خلقه في جسمه ضخما. وأقنى العرنين: مرتفع الأنف قليلا مع تحدّب، وهو قريب من الشّمم. والشنب: ماء ورقة في الثّغر. والفلج: تباعد ما بين الأسنان. والدمية: الصّورة المصوّرة. وقد روى حديث أمّ معبد أبو بكر البيهقيّ (١) فقال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحلواني، قال: حدثنا مكرم بن محرز بن مهديّ، قال: حدثنا أبي، عن حزام بن هشام. فذكر نحوه. ورواه أبو زيد عبد الواحد بن يوسف بن أيّوب بن الحكم الخزاعيّ بقديد، إملاء على أبي عمرو بن مطر، قال: حدثنا عميّ سليمان بن الحكم. وسمعه ابن مطر بقديد أيضا، من محمد بن محمد بن سليمان بن الحكم، عن أبيه. ورواه عن مكرم بن محرز الخزاعيّ - وكنيته أبو القاسم - يعقوب بن سفيان الفسوي، مع تقدّمه، ومحمد بن جرير الطّبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وجماعة آخرهم القطيعيّ. قال الحاكم: سمعت الشيخ الصّالح أبا بكر أحمد بن جعفر القطيعيّ يقول: حدثنا مكرم بن محرز عن آبائه، فذكر الحديث، فقلت له: سمعته من مكرم؟ قال: إي والله، حجّ بي أبي، وأنا ابن سبع سنين، فأدخلني على مكرم. ورواه البيهقيّ أيضا في اجتياز النّبيّ ﷺ بخيمتي أمّ معبد، من حديث الحسن بن مكرم، وعبد الله بن محمد بن الحسن القيسي، قالا: حدثنا أبو أحمد بشر بن محمد المروزي السّكريّ، قال: حدثنا عبد الملك بن وهب

стр. 1087

المذحجي، قال: حدثنا الحرّ بن الصيّاح، عن أبي معبد الخزاعيّ، أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج هو، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط اللّيثيّ - كذا قال: اللّيثيّ، وهو الدّيلي - مرّوا بخيمتي أمّ معبد، فذكر الحديث بطوله. وقولهما ظاهر الوضاءة: أي ظاهر الجمال. ومرملين: أي قد نفد زادهم. ومسنتين: أي داخلين في السّنة والجدب. وكسر الخيمة: جانبها. وتفاجّت: فتحت ما بين رجليها. ويربض الرّهط: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، والرّهط من الثلاثة إلى العشرة. والثّجّ: السّيل. والبهاء: وبيض رغوة اللّبن، فشربوا حتى أراضوا، أي رووا. كذا جاء في بعض طرقه. وتساوكن: تمايلن من الضّعف، ويروى: تشاركن، أي: عمّهنّ الهزال. والشاء عازب: بعيد في المرعى. وأبلج الوجه: مشرق الوجه مضيئه. والثّجلة: عظم البطن مع استرخاء أسفله. والصّعلة: صغر الرأس، ويروى صقلة (١) وهي الدّقّة والضّمرة (٢)، والصّقل (٣): منقطع الأضلاع من الخاصرة. والوسيم: المشهور بالحسن، كأنّه صار الحسن له سمة. والقسيم: الحسن قسمة الوجه.

стр. 1088

والوطف: الطّول. والصّحل (١): شبه البحّة (٢). والسطع: طول العنق. لا تقتحمه عين من قصر: أي لا تزدريه لقصره فتجاوزه إلى غيره، بل تهابه وتقبله. والمحفود: المخدوم. والمحشود: الذي يجتمع النّاس حوله. والمفنّد: المنسوب إلى الجهل وقلّة العقل. والضّرّة: أصل الضّرع. ومزبد: خفض على المجاورة. وقوله: فغادرها رهنا لديها لحالب: أي: خلّف الشّاة عندها مرتهنة بأن تدر. وقال سفيان بن وكيع بن الجرّاح: حدثنا جميع بن عمر العجليّ إملاء، قال: حدثنا رجل من بني تميم - من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله - عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة - وكان وصافا - عن حلية النّبيّ ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلّق به فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخّما، يتلالأ وجهه تلألؤ القمر، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب (٣)، عظيم الهامة، رجل الشعر، إذا انفرقت عقيصته فرق، وإلاّ فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفّره، أزهر اللّون، واسع الجبين. أزج الحواجب: سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب. أقنى (٤) العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأملّه أشمّ، كثّ اللّحية، سهل

стр. 1089

الخديّن، ضليع الفم، أشنب مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة. معتدل الخلق، بادن، متماسك، سواء البطن والصّدر، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، موصول ما بين اللّبة والسّرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن، وما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، شثن (١) الكفّين والقدمين، سائل - أو سائر - الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفّيا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقيه بالسلام. قال: قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السّكت، لا يتكلّم في غير حاجة، يفتتح الكلام، بأشداقه، ويختمه بأشداقه، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النّعمة وإن دقّت، لا يذّم شيئا، غير أنّه لم يكن يذّم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدّنيا وما كان لها، فإذا تعدّي الحقّ، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث اتّصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التّبسّم، ويفترّ عن مثل حبّ الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، يعني إلى هند بن أبي هالة، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا. قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء:

стр. 1090

جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزّء جزأه بينه وبين النّاس، ورد ذلك بالخاصّة على العّامة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمّة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول: ليبلّغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبّت الله قدميه يوم القيامة، ولا يذكر عنده إلاّ ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّادا، ولا يفترقون إلاّ عن ذواق ويخرجون أدلّة - يعني على الخير -. فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه إلاّ ممّا يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس، ويحسّن الحسن ويقويّه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملّوا، لكلّ حال عنده عتاد، لا يقصّر عن الحقّ، ولا يجاوزه، الذين يلونه من النّاس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة (١). فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلاّ على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها، أو بميسور من القول، قد وسع النّاس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين
следующие страницы →