← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

مع الجمال والمهابة، وقال ابن الأنباريّ: معناه أنّه كان عظيما معظّما في الصّدور والعيون، ولم يكن خلقه في جسمه ضخما. وأقنى العرنين: مرتفع الأنف قليلا مع تحدّب، وهو قريب من الشّمم. والشنب: ماء ورقة في الثّغر. والفلج: تباعد ما بين الأسنان. والدمية: الصّورة المصوّرة. وقد روى حديث أمّ معبد أبو بكر البيهقيّ (١) فقال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحلواني، قال: حدثنا مكرم بن محرز بن مهديّ، قال: حدثنا أبي، عن حزام بن هشام. فذكر نحوه. ورواه أبو زيد عبد الواحد بن يوسف بن أيّوب بن الحكم الخزاعيّ بقديد، إملاء على أبي عمرو بن مطر، قال: حدثنا عميّ سليمان بن الحكم. وسمعه ابن مطر بقديد أيضا، من محمد بن محمد بن سليمان بن الحكم، عن أبيه. ورواه عن مكرم بن محرز الخزاعيّ - وكنيته أبو القاسم - يعقوب بن سفيان الفسوي، مع تقدّمه، ومحمد بن جرير الطّبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وجماعة آخرهم القطيعيّ. قال الحاكم: سمعت الشيخ الصّالح أبا بكر أحمد بن جعفر القطيعيّ يقول: حدثنا مكرم بن محرز عن آبائه، فذكر الحديث، فقلت له: سمعته من مكرم؟ قال: إي والله، حجّ بي أبي، وأنا ابن سبع سنين، فأدخلني على مكرم. ورواه البيهقيّ أيضا في اجتياز النّبيّ ﷺ بخيمتي أمّ معبد، من حديث الحسن بن مكرم، وعبد الله بن محمد بن الحسن القيسي، قالا: حدثنا أبو أحمد بشر بن محمد المروزي السّكريّ، قال: حدثنا عبد الملك بن وهب

стр. 1087

المذحجي، قال: حدثنا الحرّ بن الصيّاح، عن أبي معبد الخزاعيّ، أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج هو، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط اللّيثيّ - كذا قال: اللّيثيّ، وهو الدّيلي - مرّوا بخيمتي أمّ معبد، فذكر الحديث بطوله. وقولهما ظاهر الوضاءة: أي ظاهر الجمال. ومرملين: أي قد نفد زادهم. ومسنتين: أي داخلين في السّنة والجدب. وكسر الخيمة: جانبها. وتفاجّت: فتحت ما بين رجليها. ويربض الرّهط: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، والرّهط من الثلاثة إلى العشرة. والثّجّ: السّيل. والبهاء: وبيض رغوة اللّبن، فشربوا حتى أراضوا، أي رووا. كذا جاء في بعض طرقه. وتساوكن: تمايلن من الضّعف، ويروى: تشاركن، أي: عمّهنّ الهزال. والشاء عازب: بعيد في المرعى. وأبلج الوجه: مشرق الوجه مضيئه. والثّجلة: عظم البطن مع استرخاء أسفله. والصّعلة: صغر الرأس، ويروى صقلة (١) وهي الدّقّة والضّمرة (٢)، والصّقل (٣): منقطع الأضلاع من الخاصرة. والوسيم: المشهور بالحسن، كأنّه صار الحسن له سمة. والقسيم: الحسن قسمة الوجه.

стр. 1088

والوطف: الطّول. والصّحل (١): شبه البحّة (٢). والسطع: طول العنق. لا تقتحمه عين من قصر: أي لا تزدريه لقصره فتجاوزه إلى غيره، بل تهابه وتقبله. والمحفود: المخدوم. والمحشود: الذي يجتمع النّاس حوله. والمفنّد: المنسوب إلى الجهل وقلّة العقل. والضّرّة: أصل الضّرع. ومزبد: خفض على المجاورة. وقوله: فغادرها رهنا لديها لحالب: أي: خلّف الشّاة عندها مرتهنة بأن تدر. وقال سفيان بن وكيع بن الجرّاح: حدثنا جميع بن عمر العجليّ إملاء، قال: حدثنا رجل من بني تميم - من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله - عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة - وكان وصافا - عن حلية النّبيّ ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلّق به فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخّما، يتلالأ وجهه تلألؤ القمر، أطول من المربوع وأقصر من المشذّب (٣)، عظيم الهامة، رجل الشعر، إذا انفرقت عقيصته فرق، وإلاّ فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفّره، أزهر اللّون، واسع الجبين. أزج الحواجب: سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب. أقنى (٤) العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأملّه أشمّ، كثّ اللّحية، سهل

стр. 1089

الخديّن، ضليع الفم، أشنب مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة. معتدل الخلق، بادن، متماسك، سواء البطن والصّدر، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد، موصول ما بين اللّبة والسّرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن، وما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، شثن (١) الكفّين والقدمين، سائل - أو سائر - الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفّيا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقيه بالسلام. قال: قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السّكت، لا يتكلّم في غير حاجة، يفتتح الكلام، بأشداقه، ويختمه بأشداقه، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النّعمة وإن دقّت، لا يذّم شيئا، غير أنّه لم يكن يذّم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدّنيا وما كان لها، فإذا تعدّي الحقّ، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث اتّصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التّبسّم، ويفترّ عن مثل حبّ الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، يعني إلى هند بن أبي هالة، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا. قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء:

стр. 1090

جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزّء جزأه بينه وبين النّاس، ورد ذلك بالخاصّة على العّامة، ولا يدّخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمّة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول: ليبلّغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبّت الله قدميه يوم القيامة، ولا يذكر عنده إلاّ ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّادا، ولا يفترقون إلاّ عن ذواق ويخرجون أدلّة - يعني على الخير -. فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه إلاّ ممّا يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس، ويحسّن الحسن ويقويّه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملّوا، لكلّ حال عنده عتاد، لا يقصّر عن الحقّ، ولا يجاوزه، الذين يلونه من النّاس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة (١). فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلاّ على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يردّه إلاّ بها، أو بميسور من القول، قد وسع النّاس منه بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين

стр. 1091

يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. أخرج التّرمذيّ أكثره مقطّعا في كتاب الشّمائل (١). ورواه زكريا بن يحيى السّجزيّ، وغيره، عن سفيان بن وكيع. ورواه إسحاق بن راهويه، وعليّ بن محمد بن أبي الخصيب، عن عمرو بن محمد العنقزيّ، قال: حدثنا جميع بن عمر العجليّ، عن رجل يقال له: يزيد بن عمر التميميّ - من ولد أبي هالة - عن أبيه، عن الحسن بن عليّ (٢)، وفيه زائد من هذا الوجه وهو: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مزّاح، يتغافل عمّا لا يشتهيه، ولا يؤيس منه، ولا يحبّب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: من المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلاّ فيما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه، كأنّما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلّم أنصتوا له، وكان يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثّناء إلاّ عن مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه بنهي أو قيام. فسألته: كيف كان سكوته؟ قال: على أربع: على الحلم، والحذر، والتدبّر، والتفكّر، فأما تدبّره، ففي تسوية النّظر والاستماع بين النّاس، وأمّا تفكّره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصّبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالخير (٣) ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي فيما يصلح أمتّه والقيام بهم، والقيام فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة ﷺ .

стр. 1092

ورواه بطوله كلّه يعقوب الفسويّ (١): حدثنا أبو غسان النّهديّ، وسعيد بن حمّاد الأنصاريّ المصري قالا: حدثنا جميع بن عمر، قال: حدّثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة، فذكره. ورواه الطّبرانيّ (٢)، عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي غسّان النّهديّ. قرأت على أبي الهدى عيسى بن يحيى السبتي، أخبركم عبد الرحيم بن يوسف الدمشقيّ، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا أبو سعد الحسين بن الحسين الفانيذي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن عمر السّمناني، وأبو سعد محمد بن عبد الملك الأسدي، قالوا: أخبرنا أبو عليّ الحسن بن أحمد بن إبراهيم التّاجر، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب العلوي المعروف بابن أخي أبي طاهر، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن عليّ، قال: حدثني عليّ بن جعفر بن محمد بن عليّ، عن أخيه موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين قال: قال الحسن بن علي ﵄: سألت خالي هند ابن أبي هالة، عن حلّية رسول الله ﷺ وكان وصّافا، وأنا أرجو أن يصف لي منه شيئا أتعلّق به، فقال: كان فخما مفخّما. فذكر مثل حديث جميع بن عمر بطوله، إلاّ في ألفاظ: فقال في عريض الصدر: فسيح الصدر، وقال: رحب الجبهة بدل رحب الراحة، وقال: يبدأ بدل يبدر من لقيه بالسلام، وقال: طويل السكوت بدل السّكت، وقال: لم يكن ذواقا ولا مدحة بدل لا يذّم ذواقا ولا يمدحه، وأشياء سوى هذا بالمعنى. قوله متماسك: أي ممتلئ البدن غير مسترخ ولا رهل، والمتجرد: المتعري، واللّبة: النّحر، والسائر والسّائل: هو الطّويل السّابغ، والأخمص: ما يلصق من القدم بالأرض، والممسوح: الأملس الذي ليس فيه شقوق، ولا وسخ، ولا تكسّر، فالماء ينبو عنهما لذلك إذا أصابهما.

стр. 1093

وقوله: زال قلعا، المعنى أنّه كان يرفع رجليه من الأرض رفعا بقوّة لا كمن يمشي اختيالا ويشحط مداسه دلكا بالأرض، ويروى: زال قلعا. ومعناه التثّبت، والذريع: السريع. يسوق أصحابه: أي يقدّمهم أمامه، والجافي: المتكبّر، والمهين: الوضيع، والذّواق: الطعام، وأشاح: أي اجتنب ذاك وأعرض عنه، وحبّ الغمام: البرد، والشكل: النّحو والمذهب، والعتاد: ما يعدّ للأمر مثل السلاح وغيره. وقوله: لا تؤبّن فيه الحرم: أي لا تذكر بقبيح، ولا تنثى فلتاته: أي لا تذاع، أي: لم يكن لمجلسه فلتات فتذاع، والنّثا في الكلام: القبيح والحسن. وقد مرّ في حديث الإسراء أنّه قال: رأيت إبراهيم وهو قائم يصلّي، فإذا أشبه النّاس به صاحبكم، يعني نفسه - صلّى الله عليهما -. وقال إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، أن قريشا أتوا كاهنة فقالوا لها: أخبرينا بأقربنا شبها بصاحب هذا المقام، قالت: إن جررتم كساء على هذه السّهلة، ثمّ مشيتم عليها أنبأتكم، ففعلوا، فأبصرت أثر قدم محمد ﵇ قالت: هذا أقربكم شبها به، فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو نحوها، ثمّ بعث ﵇. وقال أبو عاصم، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال: صلّى بنا أبو بكر ﵁ العصر، ثم خرج هو وعليّ يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلمان، فأخذه فحمله على عاتقه ثم قال: بأبي شبيه النّبيّ … ليس شبيها بعليّ وعليّ يتبسّم. أخرجه البخاريّ (١)، عن أبي عاصم. وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصّدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك (٢).

стр. 1094

باب قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم قال النّبيّ ﷺ : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. وقال البخاري ومسلم (١): مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين، إلاّ أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمّا، فإذا كان إثما كان أبعد النّاس منه، وما انتقم لنفسه إلاّ أن تنتهك محارم الله، فينتقم لله بها. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ : بيده شيئا قطّ، لا امرأة ولا خادما، إلاّ أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قطّ، فينتقم من صاحبه، إلاّ أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله. رواه مسلم (٢). وقال أنس: خدمته ﷺ عشر سنين، فوالله ما قال لي أفّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟!. وقال عبد الوارث، عن أبي التّيّاح، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس خلقا. أخرجه مسلم (٣). وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: كان ﷺ أجود النّاس، وأجمل الناس، وأشجع النّاس. متّفق عليه (٤). وقال فليح، عن هلال بن عليّ، عن أنس: لم يكن رسول الله ﷺ سبّابا ولا فاحشا، ولا لعّانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه. أخرجه البخاري (٥).

стр. 1095

وقال الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، أنّ رسول الله ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفحّشا، وأنّه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا. متّفق عليه (١). وقال أبو داود (٢): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا عبد الله الجدليّ يقول: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: لم يكن فاحشا، ولا متفحّشا، ولا سخّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسّيئة السّيئة، ولكن يعفو ويصفح. وقال شعبة، عن قتادة: سمعت عبد الله بن أبي عتبة قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. متّفق عليه (٣). وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : الحياء من الإيمان (٤). وقال مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذ بردائه جبذا شديدا، حتّى نظرت إلى صفحة عاتقه قد أثّرت بها حاشية البرد، ثمّ قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النّبيّ ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء. متّفق عليه (٥). وقال عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم قال: كان رجل من الأنصار يدخل على النّبيّ ﷺ ويأمنه، وأنّه عقد للنّبيّ ﷺ عقدا، فألقاه في بئر فصرع ذلك النّبيّ ﷺ فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أنّ فلانا عقد له عقدا، وهي في بئر فلان، ولقد اصفّر الماء من شدّة عقده، فأرسل النّبيّ ﷺ فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفّر، فحلّ العقد، ونام النّبيّ ﷺ . فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النّبيّ ﷺ فما رأيته في وجه النّبيّ ﷺ حتّى مات.

стр. 1096

وقال أبو نعيم: حدثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائيّ، قال: حدّثني زيد العمي، عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده، حتّى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه، لا يصرفه عنه، حتّى يكون الرجل ينصرف، ولم ير مقدّما ركبته بين يدي جليس له. أخرجهما الفسوي عنهما في تاريخه (١). وقال مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس: ما رأيت رجلا التقم أذن النّبيّ ﷺ فينحّي رأسه، حتّى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه، وما رأيت رسول الله أخذ بيده رجل فترك يده، حتّى يكون الرجل هو الذي يدع يده. أخرجه أبو داود (٢). وقال سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا، حتّى أرى منه لهواته، إنّما كان يتبسم، متَّفق عليه (٣). وقال سماك بن حرب: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النّبيّ ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا، كان لا يقوم من مصلاّه حتّى تطلع الشمس، وكانوا يتحدّثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسّم. رواه مسلم (٤). وقال اللّيث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد: أنّ سليمان بن خارجة أخبره، عن أبيه، أنّ نفرا دخلوا على زيد بن ثابت أبيه فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله ﷺ ، فقال: كنت جاره، فكان إذا نزل الوحيّ بعث إليّ فآتيه، فأكتب الوحي، وكنّا إذا ذكرنا الدّنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام ذكره معنا (٥). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ قال: لمّا كان يوم بدر، اتقّينا المشركين برسول الله ﷺ وكان أشدّ النّاس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه (٦).

стр. 1097

وقال الثّوريّ، عن محمد بن المنكدر: سمعت جابرا يقول: لم يسأل النّبيّ ﷺ شيئا قطّ فقال: لا. متّفق عليه (١). وقال يونس، عن الزّهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عبّاس: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان. متّفق عليه (٢). وقال حميد الطّويل، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: أتى رجل النّبيّ ﷺ فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا فإنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. أخرجه مسلم (٣). وقال معمر، عن الزّهريّ، عن عروة، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان في بيته يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته (٤). وقال أبو صالح: حدّثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قيل لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه (٥). وقال شعبة: حدّثني مسلم الأعور أبو عبد الله، سمع أنسا يقول: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصّوف، ويجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار، خطامه من ليف (٦). وقال مروان بن محمد الطّاطريّ: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدّثني عمار بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ. وفي الصحيح (٧) أنّ النّبيّ ﷺ قال: أبا عمير ما فعل النّغير؟.

стр. 1098

وقال حمّاد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس، أنّ امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إنّ لي إليك حاجة، فقال: يا أمّ فلان، انظري، أيّ طريق شئت قومي فيه، حتّى أقوم معك، فخلا معها يناجيها، حتّى قضت حاجتها. أخرجه مسلم (١). باب هيبته وجلاله وحبّه وشجاعته وقوّته وفصاحته قال جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن إبراهيم التّيمي، عن أبيه، عن أبي مسعود قال: إنّي لأضرب غلاما لي، إذ سمعت صوتا من خلفي: اعلم أبا مسعود، قال: فجعلت لا ألتفت إليه من الغضب، حتّى غشيني، فإذا هو رسول الله ﷺ ، فلمّا رأيته وقع السّوط من يدي من هيبته، فقال لي: والله، لله أقدر عليك منك من هذا، فقلت: والله يا رسول الله لا أضرب غلاما لي أبدا. هذا حديث صحيح. وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين. أخرجه مسلم (٢). وقال الله - تعالى -: يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض. فقال أبو بكر وغيره: لا نكلّمك يا رسول الله إلاّ كأخي السّرار. وقال - تعالى -: لا تجعلوا دعاء الرّسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الّذين يتسلّلون منكم لواذا فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. وقال - تعالى -: يا أيّها النّبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم.

стр. 1099

وعن النّبيّ ﷺ قال: نصرت بالرّعب، يسير بين يديّ مسيرة شهر. وقال زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي ﵁ قال: كنّا إذا احمرّ البأس، ولقي القوم القوم، اتّقينا برسول الله ﷺ فما يكون منّا أحد أقرب إلى القوم منه، وقد ثبت النّبيّ ﷺ يوم أحد ويوم حنين، كما يأتي (١) في غزواته. قال زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن يوم حنين، أنّ رسول الله ﷺ بقي على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب يقود بلجامها، فنزل النّبيّ ﷺ واستنصر، ثم قال: أنا النّبيّ لا كذب … أنا ابن عبد المطّلب ثم تراجع النّاس. وسيأتي هذا مطوّلا (٢). وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ : أجمل الناس وجها، وأجودهم كفّا، وأشجعهم قلبا، خرج وقد فزع أهل المدينة، فركب فرسا لأبي طلحة عريّا، ثم رجع، وهو يقول: لن تراعوا، لن تراعوا. متّفق عليه (٣). وقال حاتم بن اللّيث الجوهريّ: حدثنا حمّاد بن أبي حمزة السّكريّ، قال: حدثنا عليّ بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن عمر بن الخطّاب، قال: يا رسول الله ما لك أفصحنا ولم تخرج إلا من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاء بها جبريل فحفّظنيها. هذا من جزء الغطريف. وقال عبّاد بن العوّام: حدّثني موسى بن محمد بن إبراهيم التّيمي، عن أبيه، قال رجل: يا رسول الله ما أفصحك، ما رأيت الذي هو أعرب منك، قال: حقّ لي، وإنّما أنزل القرآن بلسان عربيّ مبين.

стр. 1100

وقال هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال رسول الله ﷺ : أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، قلنا: علّمنا ممّا علّمك الله، فعلّمنا التشهّد في الصّلاة. باب زهده ﷺ وبذلك يوزن الزهد وبه يحدّ قال الله - تعالى -: ولا تمدّن عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خير وأبقى. قال بقية بن الوليد، عن الزّبيدي، عن الزّهريّ، عن محمد بن عبد الله بن عبّاس قال: كان ابن عبّاس يحدّث أنّ الله - تعالى - أرسل إلى نبيّه ﷺ ملكا من الملائكة معه جبريل ﵇، فقال الملك: إنّ الله يخيّرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيّا، فالتفت النّبيّ ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ : بل أكون عبدا نبيّا. قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متّكئا حتى لقي ربّه - تعالى - (١). وقال عكرمة بن عمّار، عن أبي زميل، قال: حدّثني ابن عبّاس، أنّ عمر ﵃ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثّر بجنبه، فقلّبت عيني في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين - أو قال قبضة - من شعير، وقبضة من قرظ، نحو الصّاعين، وإذا أفيق معلّق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟ قلت: يا رسول الله وما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته، وهذه خزانتك! وكسرى وقيصر في الثمار

стр. 1101

والأنهار، وأنت هكذا، فقال: يا ابن الخطّاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله . أخرجه مسلم (١). وقال معمر، عن الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عبّاس، عن عمر في هذه القصّة، قال: فما رأيت في البيت شيئا يردّ البصر إلاّ أهب ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمّتك، فقد وسّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: أفي شكّ أنت يا ابن الخطّاب؟ أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا. فقلت: أستغفر الله، وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا من شدّة موجدته عليهنّ حتى عاتبه الله - تعالى - اتفقا عليه من حديث الزّهريّ (٢). قرأت على إسماعيل بن عبد الرحمن المعدّل، سنة أربع وتسعين، أخبركم العلاّمة أبو محمد بن قدامة، أنّ شهدة بنت أبي نصر أخبرتهم، قالت: أخبرنا أبو غالب الباقلاّني، قال: أخبرنا أبو عليّ بن شاذان، قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو على سرير مرمول (٣) بشريط، وتحت رأسه مرفقة حشوها ليف، فدخل عليه ناس من أصحابه، فيهم عمر ﵁ فاعوجّ النّبيّ ﷺ اعوجاجة، فرأى عمر أثر الشّريط في جنب النّبيّ ﷺ فبكى، فقال له النّبيّ ﷺ : ما يبكيك؟ قال: كسرى وقيصر يعيثان فيما يعيثان فيه، وأنت على هذا السرير! فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى، فقال: فهو والله كذلك. إسناده حسن. وقال المسعوديّ، عن عمرو بن مرّة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: اضطجع النّبيّ ﷺ على حصير، فأثّر بجلده، فجعلت أمسحه عنه وأقول: بأبي وأمّي ألا آذنتنا فنبسط لك؟ قال: ما لي وللدنيا، إنّما أنا

стр. 1102

والدّنيا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح وتركها (١). هذا حديث حسن قريب من الصّحة. وقال يونس، عن الزّهريّ، عن عبيد الله، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: لو أنّ لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن تأتي عليّ ثلاث ليال، وعندي منه شيء، إلاّ شيء أرصده لديني. أخرجه البخاريّ (٢). وقال الأعمش، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. أخرجه مسلم والبخاريّ من وجه آخر (٣). وقال إبراهيم النخّعيّ، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ حتى توفيّ. أخرجه مسلم (٤). وقال الثّوريّ: حدثنا عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، أنّ عائشة قالت: كنّا نخرج الكراع بعد خمس عشرة فنأكله، فقلت: ولم تفعلون؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى لحق بالله. أخرجه البخاري (٥). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كنّا يمر بنا الهلال والهلال والهلال، ما نوقد بنار لطعام، إلاّ أنّه التمر والماء، إلاّ أنّ حولنا أهل دور من الأنصار، فيبعثون بغزيرة الشاة إلى النّبيّ ﷺ ، فكان للنّبيّ ﷺ من ذلك اللّبن. متّفق عليه (٦). وقال همّام: حدثنا قتادة: كنّا نأتي أنس بن مالك، وخبّازه قائم، فقال: كلوا، فما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا، حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قطّ. أخرجه البخاريّ (٧).

стр. 1103

وقال هشام الدّستوائيّ، عن يونس، عن قتادة، عن أنس قال: ما أكل النّبيّ ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة (١) ولا خبز له مرقّق، فقلت لأنس: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السّفر. أخرجه البخاريّ (٢). وقال شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدّث، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين، حتّى قبض. أخرجه مسلم (٣). وقال هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس، أنّه مشى إلى النّبيّ ﷺ بخبز شعير، وإهالة سنخة. ولقد رهن درعه عند يهوديّ، فأخذ لأهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حبّ، وإنهم يومئذ تسعة أبيات. أخرجه البخاريّ (٤). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف. متّفق عليه (٥). أخبرنا الخضر بن عبد الله بن عمر، وأحمد بن عبد السلام، وأحمد بن أبي الخير، كتابة، أنّ عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب أجاز لهم، قال: أخبرنا عليّ بن بيان، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو عليّ الصّفّار سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا عبّاد بن عبّاد المهلّبيّ، عن مجالد، عن الشّعبيّ، عن مسروق، عن عائشة قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ عباءة مثنيّة، فانطلقت فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: فلانة رأت فراشك، فبعثت إليّ بهذا، فقال: ردّيه يا عائشة، قالت: فلم أردّه، وأعجبني أني يكون في بيتي، حتّى قال ذلك ثلاث مرار، قالت: فقال: ردّيه فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذّهب والفضّة.

стр. 1104

أخرجه الإمام أحمد في الزّهد (١)، عن إسماعيل بن محمد، عن عبّاد بن عبّاد - وهو ثقة - عن مجالد، وليس بالقويّ. وأخرجه محمد بن سعد الكاتب (٢)، عن سعيد بن سليمان الواسطيّ، عن عبّاد بن عبّاد. وقال زائدة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن أمّ سلمة، قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وهو ساهم الوجه، فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك ساهم الوجه؟ قال: من أجل الدّنانير السبعة التي أتتنا أمس، وأمسينا ولم ننفقهنّ، فكنّ في خمل الفراش (٣). هذا حديث صحيح الإسناد. وقال بكر بن مضر، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل قال: دخلت على عائشة أنا وعروة، فقالت: لو رأيتما رسول الله ﷺ في مرض له، وكانت عندي ستّة دنانير أو سبعة، فأمرني أن أفرّقها، فشغلني وجعه حتى عافاه الله، ثمّ سألني عنها، ثمّ دعا بها فوضعها في كفّه فقال: ما ظنّ نبي الله لو لقي الله وهذه عنده (٤). وقال جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ كان لا يدخّر شيئا لغد (٥). وقال بكّار بن محمد السّيريني: حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ دخل على بلال، فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمرا أدخره، قال: ويحك يا بلال، أو ما تخاف أن يكون لك بخار في النّار، أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا (٦). بكّار ضعيف.

стр. 1105

وقال معاوية بن سلاّم، عن زيد بن سلام، أنّه سمع أبا سلاّم، قال: حدّثني عبد الله أبو عامر الهوزنيّ قال: لقيت بلالا مؤذّن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: حدّثني كيف كانت نفقة النّبيّ ﷺ ، فقال: ما كان له شيء من ذلك، إلا أنا الذي كنت ألي ذلك منه، منذ بعثه الله إلى أن توفيّ، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم، فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري البردة والشيء فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال إنّ عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلاّ منّي، ففعلت، فلمّا كان ذات يوم، توضأت، ثمّ قمت لأؤذّن بالصّلاة، فإذا المشرك في عصابة من التّجّار، فلمّا رآني قال: يا حبشيّ، قلت: يا لبيه، فتجهّمني، وقال قولا غليظا، فقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب. قال: إنّما بينك وبينه أربع ليال، فآخذك بالذي لي عليك، فإنّي لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك، ولا من كرامة صاحبك، ولكن أعطيتك لتجب لي عبدا، فأردّك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس النّاس، فانطلقت ثمّ أذّنت بالصّلاة، حتّى إذا صلّيت العتمة رجع النّبيّ ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأميّ إنّ المشرك قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آتي بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتّى يرزق الله رسوله ما يقضي عنّي، فخرجت، حتى أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ورمحي ونعلي عند رأسي، واستقبلت بوجهي الأفق، فكلّما نمت انتبهت، فإذا رأيت عليّ ليلا نمت، حتى انشقّ عمود الصّبح الأول، فأردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى، يدعو: يا بلال أجب رسول الله ﷺ فانطلقت حتّى أتيته، فإذا أربع ركائب عليهنّ أحمالهنّ، فأتيت النّبيّ ﷺ ، فاستأذنت، فقال لي النّبيّ ﷺ : أبشر، فقد جاءك الله بقضائك، فحمدت الله، قال: ألم تمرّ على الركائب المناخات الأربع؟ قلت: بلى، قال: فإنّ لك رقابهنّ وما عليهنّ، فإذا عليهنّ كسوة وطعام أهداهنّ له عظيم فدك، فحططت عنهنّ، ثمّ عقلتهنّ، ثمّ عمدت إلى تأذين صلاة الصّبح، حتّى إذا صلّى رسول الله ﷺ خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذني، فناديت وقلت: من كان يطلب رسول الله ﷺ دينا فليحضر، فما زلت أبيع وأقضي

стр. 1106

حتّى لم يبق على رسول الله ﷺ دين في الأرض، حتّى فضل عندي أوقيّتان، أو أوقيّة ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامّة النّهار، فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، فسلّمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك؟ قلت قد قضى الله كلّ شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبق شيء، فقال: فضل شيء؟ قلت: نعم ديناران، قال: انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتّى تريحني منهما. فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتّى أصبح، وظلّ في المسجد اليوم الثاني، حتّى كان في آخر النّهار جاء راكبان، فانطلقت بهما، فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلّى العتمة دعاني، فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه، فكبّر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت، وعنده ذلك، ثم اتّبعته، حتّى جاء أزواجه، فسلّم على امرأة امرأة، حتّى أتى مبيته. أخرجه أبو داود (١) عن أبي توبة الحلبيّ، عن معاوية. وقال أبو الوليد الطّيالسيّ: حدثنا أبو هاشم الزّعفرانيّ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، أنّ أنس بن مالك حدّثه، أنّ فاطمة ﵂ جاءت بكسرة خبز إلى النّبيّ ﷺ فقال: ما هذه؟ قالت: قرص خبزته، فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة، فقال: أما إنّه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام. وقال أبو عاصم، عن زينب بنت أبي طليق قالت: حدّثني حبّان ابن جزء - أو (٢) بحر - عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ كان يشد صلبه بالحجر من الغرث (٣). وقال أبو غسّان النّهديّ: حدثنا إسرائيل، عن مجالد، عن الشّعبيّ، عن مسروق قال: بينما عائشة تحدّثني ذات يوم إذ بكت، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلاّ بكيت أذكر رسول الله ﷺ وما كان فيه من الجهد.

стр. 1107

وقال خالد بن خداش: حدثنا ابن وهب، قال: حدّثني جرير بن حازم، عن يونس، عن الحسن قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات، والله ما قالها استقلالا لرزق الله، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته. روى الأربعة ابن سعد (١) عن هؤلاء. وقال أبان، عن قتادة، عن أنس، أنّ يهوديّا دعا النّبيّ ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأجابه. وقال أنس: أهدي للنّبيّ ﷺ تمر، فرأيته يأكل منه مقعيا (٢) من الجوع. وقالت أسماء بنت يزيد: توفيّ النّبيّ ﷺ ودرعه مرهونة عند يهوديّ على شعير (٣). فصل من شمائله وأفعاله وكان النّبيّ ﷺ فيما ثبت عنه يقول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجوع، فإنّه بئس الضّجيع. وكان ﷺ يحبّ الحلواء والعسل واللّحم، لا سيّما الذّراع. وكان يأتي النّساء، ويأكل اللّحم، ويصوم، ويفطر، وينام، ويتطيّب إذا أحرم وإذا حلّ، وإذا أتى الجمعة، وغير ذلك، ويقبل الهديّة، ويثيب عليها ويأمر بها، ويجيب دعوة من دعاه، ويأكل ما وجد، ويلبس ما وجد من غير تكلّف لقصد ذا ولا ذا، ويأكل القثّاء بالرّطب، والبطّيخ بالرّطب، وإذا ركب أردف بين يديه الصغير أو يردف وراءه عبده أو من اتّفق، ويلبس الصّوف ويلبس البرود الحبرة، وكانت أحبّ اللّباس إليه، وهي برود يمنية فيها حمرة وبياض، ويتختّم في يمينه بخاتم فضّة نقشه محمد رسول الله وربّما تختّم في يساره.

стр. 1108

وكان يواصل في صومه، ويبقى أياما لا يأكل، وينهى عن الوصال، ويقول: إنّي لست مثلكم، إنّي أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني. وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد أتي بمفاتيح خزائن الأرض كلّها، فأبى أن يقبلها، واختار الآخرة عليها، وكان كثير التبسّم، يحبّ الروائح الطيّبة. وكان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه. وكان لا يكتب ولا يقرأ ولا معلّم له من البشر، نشأ في بلاد جاهليّة، وعبادة وثن، ليسوا بأصحاب علم ولا كتب، فآتاه الله من العلم ما لم يؤت أحدا من العالمين. قال الله في حقّه: وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى. وكلّ هذه الأطراف من الأحاديث فصحاح مشهورة. وقال ﷺ : حبّب إليّ النساء والطّيب، وجعل قرّة عيني في الصّلاة. وقال أنس: طاف النّبيّ ﷺ على نسائه في ضحوة بغسل واحد. وكان يحبّ من النّساء عائشة ﵂ ومن الرجال أباها أبا بكر ﵁ وزيد بن حارثة، وابنه أسامة، ويقول: آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النّفاق بغض الأنصار. ويحبّ الحسن والحسين سبطيه، ويقول: هما ريحانتاي من الدنيا. ويحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه. ويحبّ التّيمّن في ترجّله وتنعّله، وفي شأنه كلّه. وكان يقول: إنيّ أخشاكم لله وأعلمكم بما أتّقي. وقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. وقال: شيبتني هود وأخواتها. وكلّ هذا في الصّحاح.

стр. 1109

باب من اجتهاده وعبادته ﷺ - قال ابن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة قال: قام رسول الله ﷺ حتّى تورّمت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا متّفق عليه (١). وقال منصور، عن إبراهيم، عن علقمة: سألت عائشة: كيف كان عمل رسول الله ﷺ هل كان يخصّ شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيّكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيع؟ متّفق عليه (٢). وقال معمر، عن همّام، حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إيّاكم والوصال. قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله، قال: إنّي لست مثلكم، إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما لكم به طاقة (٣). وفي الصحيح مثله من حديث ابن عمر، وعائشة وأنس، بمعناه. وقال محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في كلّ يوم مائة مرّة (٤). هذا حديث حسن. وقال حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخير، عن أبيه قال: رأيت النّبيّ ﷺ يصلّي، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء (٥). وقال أبو كريب: حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله أراك شبت.

стр. 1110

قال: شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت (١). وأمّا تهجّده، وتلاوته، وتسبيحه، وذكره، وصومه، وحجّه، وجهاده، وخوفه، وبكاؤه، وتواضعه، ورقّته، ورحمته لليتيم والمسكين، وصلته للرّحم، وتبليغه الرسالة، ونصحه الأمّة، فمسطور في السّنن على أبواب العلم. باب في مزاحه ودماثة أخلاقه الزكيّة قال مبارك بن فضالة، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إنّي لأمزح، ولا أقول إلاّ حقّا. إسناده قريب من الحسن. وقال أبو حفص بن شاهين: حدثنا عثمان بن جعفر الكوفي، قال: حدثنا عبد الله بن الحسين. قال: حدثنا آدم بن أبي إياس: قال: حدثنا اللّيث، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قيل: يا رسول الله إنّك تداعبنا، قال: إنّي لا أقول إلاّ حقّا. تابعه أبو معشر، عن المقبري، وهو صحيح. وقال الزّبير بن بكّار: حدّثني حمزة بن عتبة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أنّها مزحت عند رسول الله ﷺ فقالت: إنّه بعض دعابات هذا الحيّ من بني كنانة، فقال رسول الله ﷺ : بل بعض مزحنا هذا الحيّ من قريش. حمزة لا أعرفه، والمتن منكر. وقال زيد بن أبي الزّرقاء، عن ابن لهيعة، عن عمارة بن غزيّة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: كان النّبيّ ﷺ من أفكه النّاس. تفرّد به ابن لهيعة، وضعفه معروف.

стр. 1111

وجاء من طريق ابن لهيعة: كان النّبيّ ﷺ من أفكه الناس مع صبيّ. وقال أبو تميلة يحيى بن واضح، عن أبي طيبة عبد الله بن مسلم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنت مع النّبيّ ﷺ في سفر، فثقل على القوم بعض متاعهم، فجعلوا يطرحونه عليّ، فمرّ بي النّبيّ ﷺ فقال: أنت زاملة. وقال حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان: سمعت سفينة يقول: ثقل على القوم متاعهم، فقال رسول الله ﷺ : ابسط كساءك، فجعلوا فيه متاعهم، فقال رسول الله ﷺ : احمل، فإنّما أنت سفينة، قال: فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة، حتّى بلغ سبعة ما ثقل عليّ. وهذا يدخل في معجزاته. وقال عليّ بن عاصم، وخالد بن عبد الله: حدثنا حميد، عن أنس قال: استحمل أعرابيّ رسول الله ﷺ فقال: أنا أحملك على ولد النّاقة، فقال: وما أصنع بولد ناقة يا رسول الله؟ فقال: وهل تلد الإبل إلاّ النّوق؟ صحيح غريب. وقال الأنصاريّ: حدثنا حميد، عن أنس قال: كان ابن لأمّ سليم، يقال له أبو عمير، كان النّبيّ ﷺ يمازحه … الحديث. وقال شريك، عن عاصم، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ قال له: يا ذا الأذنين. وقال محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أنّ عائشة قالت: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة (١) طبختها، فقلت لسودة والنّبيّ ﷺ بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلي أو لألطّخن وجهك، فأبت، فوضعت يدي فيها فلطّختها وطليت وجهها، فضحك النّبيّ ﷺ فمرّ عمر فقال: يا عبد الله، يا عبد الله، فظنّ النّبيّ ﷺ أنّه سيدخل، فقال: قوما فاغسلا وجوهكما. فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله ﷺ منه. وقال عبد الله بن إدريس، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: مرّ رسول الله ﷺ بحسّان بن ثابت، وقد رشّ فناء أطمه، ومعه

стр. 1112

أصحابه سماطين، وجارية يقال لها سيرين، معها مزهرها تختلف بين السّماطين تغنّيهم، فلمّا مرّ رسول الله ﷺ لم يأمرهم ولم ينههم، وهي تقول في غنائها: هل عليّ ويحكم … إن لهوت من حرج فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: لا حرج إن شاء الله. حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب هذا مدنيّ، تركه ابن المدينيّ وغيره. وقال بكر بن مضرّ، عن ابن الهاد، عن محمد بن أبي سلمة، عن عائشة قالت: دخلت الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي النّبيّ ﷺ : أتحبيّن أن تنظري إليهم؟ قلت: نعم، فقال: تعالي، فقام بالباب، وجئت فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه، قالت: ومن قولهم يومئذ وأبو القاسم طيّب، فقال رسول الله ﷺ : حسبك. قلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: وما بي حبّ النّظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه. وفي بعض طرقه: فلا ينصرف حتى أكون أنا الذي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السّنّ، الحريصة على اللهو. وفي رواية: والحبشة في المسجد يلعبون بحرابهم ويزفّنون. وقال زيد بن الحباب: أخبرني خارجة بن عبد الله، قال: حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت: كنّا مع رسول الله ﷺ فسمعنا لغطا وصوت الصّبيان، فقام، فإذا حبشية ترقص والصّبيان حولها فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت ذقني على منكبه ﷺ فجعلت أنظر، فقال: ما شبعت؟ فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر ﵁ فارفضّ النّاس عنها، فقال رسول الله ﷺ : إنّي لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرقوا من عمر. خارجة بن عبد الله، قال ابن عديّ (١): لا بأس به.

стр. 1113

وقال النسائي (١): هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سابقني النّبيّ ﷺ ، فسبقته ما شاء الله، حتّى إذا رهقني اللّحم سابقني فسبقني، فقال: هذه بتلك. صحيح. وأخرجه أبو داود (٢) من حديث عروة، عن أبي سلمة عنها، وقيل في إسناده غير ذلك. وقال خالد بن عبد الله الطّحّان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - وغير خالد يسقط منه أبا هريرة - قال: كان رسول الله ﷺ يدلع لسانه للحسين، فيرى الصّبيّ حمرة لسانه فيهشّ إليه، فقال له عيينة بن بدر: ألا أراك تصنع هذا، فوالله إنّي ليكون لي الولد قد خرج وجهه ما قبّلته قطّ، فقال النّبيّ ﷺ من لا يرحم لا يرحم. وقال جعفر بن عون، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أخذ النّبيّ ﷺ بيد الحسن أو الحسين، وهو يقول: ترقّ عين بقّه. فيضع الغلام قدمه على قدم النّبيّ ﷺ يرفعه إلى صدره، ثمّ قبّل فاه وقال: اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه. وقال خالد بن الحارث، عن أشعث، عن الحسن، عن أنس قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو مستلق، والحسن بن عليّ على ظهره. وقال محمد بن عمران بن أبي ليلى: حدّثني أبي، حدّثني ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ ، فجاءه الحسن فأقبل يتمرّغ عليه، فرفع رسول الله ﷺ مقدّم قميصه، فقبّل زبيبته. وقال أبو أحمد الزّبيريّ: حدثنا زمعة بن صالح، عن الزّهريّ، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أمّ سلمة، أنّ أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى قبل موت النّبيّ ﷺ بعام أو عامين، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وهما بدريان، وكان سويبط على زادهم، فجاء نعيمان فقال: أطعمني، فقال: لا، حتّى يأتي أبو بكر، وكان نعيمان مزّاحا، فقال: لأبيعنّك، ثم قال لأناس: ابتاعوا منّي غلاما، وهو رجل ذو لسان، ولعلّه يقول: أنّا حرّ، فإنّ

стр. 1114

كنتم تاركيه إذا قال ذلك، فدعوني ولا تفسدوا عليّ غلامي، قالوا: لا، بل نبتاعه. فباعه بعشر قلائص، ثم جاءهم فقال: هو هذا، فقال سويبط: هو كاذب، وأنا رجل حرّ، قالوا: قد أخبرنا بخبرك. وطرحوا الحبل والعمامة في رقبته، وذهبوا به، فجاء أبو بكر فأخبروه، فذهب وأصحاب له فردّوا القلائص، وأخذوه، فضحك منها النّبيّ ﷺ وأصحابه حولا. هذا حديث حسن. وقال الأسود بن عامر: حدثنا حمّاد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطميّ، أنّ رجلا كان يكنى أبا عمرة، فقال له النّبيّ ﷺ : يا أمّ عمرة، فضرب الرجل بيده إلى مذاكيره، فقال له النّبيّ ﷺ مه، قال: والله ما ظننت إلاّ أنّي امرأة لمّا قلت لي يا أمّ عمرة، فقال النّبيّ ﷺ : إنّما أنا بشر مثلكم أمازحكم. حديث مرسل. وقال عبد الرزّاق: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس، أنّ رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهر، فكان يهدي إلى رسول الله ﷺ هدّية من البادية فيجهّزه النّبيّ ﷺ وقال: إنّ زاهرا باديتنا، ونحن حاضرته. وكان دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني، من هذا؟ والتفت فعرف النّبيّ ﷺ ، وجعل رسول الله ﷺ يقول: من يشتري منّي العبد فقال: يا رسول الله، إذا والله تجدني كاسدا، فقال: لكن أنت عند الله غال. صحيح غريب. وقال خالد بن عبد الله الواسطيّ، عن حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى، عن أسيد بن الحضير قال: بينا رجل من الأنصار عند رسول الله ﷺ يتحدّث، وكان فيه مزاح يحدّث القوم ويضحكون، فطعنه رسول الله ﷺ في خاصرته، فقال: اصبر لي، قال: أصطبر، قال: لأن عليك قميص، ولم يكن عليّ قميص. فرفع النّبيّ ﷺ قميصه، فاحتضنه وجعل يقبّل كشحه ويقول: إنّما أردت هذا يا رسول الله. رواته ثقات. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلاّ تبسّم.

стр. 1115

باب في ملابسه ﷺ - قال خالد بن يزيد: حدثنا عاصم بن سليمان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول الله ﷺ أنّه كان يلبس القلانس البيض والمزرورات، وذوات الآذان. عاصم هذا بصريّ متّهم بالكذب. وعن جابر: كان للنّبيّ ﷺ عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه. تفرّد به حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عبيد الله العرزميّ عن أبي الزّبير، عن جابر. وقال وكيع، عن عبد الرحمن ابن الغسيل، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، أنّ النّبيّ ﷺ خطب النّاس وعليه عصابة دسماء (١). حديث صحيح. وعن ركانة أنّه صارع النّبيّ ﷺ فصرعه النّبيّ ﷺ ، قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس. أخرجه أبو داود (٢). وعن عروة، عن عائشة: كانت للنّبيّ ﷺ كمّة (٣) بيضاء. وعن جابر بن عبد الله أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء رواته ثقات. قلت: كانت - لعلّ - تحت الخوذة، فإنّه دخل يوم الفتح وعلى رأسه المغفر. وعن بعضهم بإسناد واه: كانت له ﷺ عمامة تسمّى السّحاب، يلبس تحتها القلانس اللاطئة، ويرتدي. وقال مساور الورّاق، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه: رأيت النّبيّ ﷺ على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه. وعن الحسن: كانت راية النّبيّ ﷺ سوداء، تسمّى العقاب، وعمامته

стр. 1116

سوداء، وكان إذا اعتمّ يرخي عمامته بين كتفيه. مرسل. وقال عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا اعتمّ يرخي (١) عمامته بين كتفيه. وكان ابن عمر يفعله. وقال عبيد الله بن عمر: رأيت القاسم وسالما يفعلان ذلك. وقال عروة: أهدي لرسول الله ﷺ عمامة معلّمة، فقطع علمها ولبسها. مرسل. وقال المغيرة: إنّ النّبيّ ﷺ توضّأ فمسح على ناصيته وعمامته. وقال: لبس جبّة ضيّقة الكمّين. ويروى عن أنس: كان قميص رسول الله ﷺ قطنا، قصير الطّول، قصير الكمّين. وعن بديل بن ميسرة، عن شهر، عن أسماء بنت يزيد قالت: كان كمّه ﷺ إلى الرسغ. وعن ابن عبّاس: كان رسول الله ﷺ يلبس قميصا قصير اليدين والطّول. وعن عروة - وهو مرسل - قال: إنّ النّبيّ ﷺ كان طول ردائه أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر (٢). وقال زكريّا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن صفيّة بنت شيبة، عن عائشة قالت: خرج رسول الله ﷺ وعليه مرط من شعر أسود. أخرجه أبو داود (٣). وذكر الواقديّ (٤) أنّ بردة النّبيّ ﷺ كانت طول ستّة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عمان، طوله أربعة أذرع وشبر في ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيدين ثم يطويان. حديث معضل. وقال عروة: إنّ ثوب رسول الله ﷺ الذي كان يخرج فيه إلى الوفد رداء

стр. 1117

حضرميّ طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق، فطروه (١) بثوب، يلبسونه يوم الأضحى والفطر. رواه ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة. وقال معن بن عيسى: حدثنا محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النّبيّ ﷺ من حبرة له حاشيتان. قلت: هذا البرد غير برد النّبيّ ﷺ الذي يتداوله الخلفاء من بني العبّاس، ذاك البرد اشتراه أبو العبّاس السّفّاح بثلاث مائة دينار من صاحب أيلة. وذكر ابن إسحاق أنّه برد كساه النّبيّ ﷺ لصاحب أيلة. فالله أعلم. وقال حميد الطّويل: حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه قال: تخلّفت مع رسول الله ﷺ ، فلمّا قضى حاجته أتيته بمطهرة، فغسل كفيّه ووجهه، ثمّ ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كمّ الجبّة، فأخرج يديه من تحتها، وألقى الجبّة على منكبيه، فغسل ذراعيه ومسح ناصيته، وعلى العمامة، ثمّ ركب وركبنا، وفي لفظ: وعليه جبّة شاميّة ضيّقة الكمّين، وفي لفظ: وعليه جبّة من صوف. وقال أيّوب، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: دخلت على رسول الله ﷺ وعليه إزار يتقعقع. عن عكرمة: رأيت ابن عبّاس، إذا ائتزر أرخى مقدّم إزاره حتى تقع حاشيتاه على ظهر قدميه، ويرفع الإزار ممّا وراءه، وقال: رأيت النّبيّ ﷺ يأتزر هذه الإزرة. وعن ابن عبّاس قال: رأيت النّبيّ ﷺ يأتزر تحت سرّته، وتبدو سرّته، ورأيت عمر يأتزر فوق سرّته، وقال ﷺ : إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه. وعن (٢) إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أنّ النّبيّ ﷺ اشترى حلّة بسبع وعشرين أوقية (٣).

стр. 1118

وعن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ اشترى حلة بتسع وعشرين ناقة. وهذان ضعيفان لإرسالهما. وقال أبو داود (١): حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا عمارة بن زاذان، عن ثابت عن أنس أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا فقبلها. وقال الحمادان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: عليكم بالبياض من الثياب فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم. زاد حماد بن زيد في حديثه: فإنها من خير ثيابكم. وروى مثله الثوري، والمسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن سمرة بن جندب نحوه. ورواه المسعودي مرة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رفعه: البسوا الثياب البيض، وكفنوا فيها موتاكم. ورواه أبو بكر الهذلي، عن أبي قلابة، فأرسله. وقال عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد: حدثنا ابن سالم، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال النبي ﷺ : إن خير ما زرتم الله به في مصلاكم وقبوركم البياض رواه ابن ماجه (٢). وقال أبو إسحاق السبيعي، عن البراء: ما رأيت أحدا أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ . وفي لفظ: لقد رأيت عليه حلة حمراء فذكره. عبد الله بن صالح: حدثنا الليث، قال: حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن عراك بن مالك، أن حكيم بن حزام قال: كان محمد ﷺ أحب رجل إلي، فلما نبئ وخرج إلى المدينة، شهد حكيم الموسم، فوجد حلة لذي يزن فاشتراها، ثم قدم بها ليهديها إلى النبي ﷺ فقال: لا نقبل من المشركين شيئا، ولكن بالثمن، قال: فأعطيته إياها حين أبى الهدية، فلبسها، فرايتها عليه على المنبر، فلم أر شيئا أحسن منه يومئذ فيها، ثم أعطاها أسامة،

стр. 1119

فرآها حكيم على أسامة فقال: يا أسامة أتلبس حلة ذي يزن؟ قال: نعم والله لأنا خير من ذي يزن، ولأبي خير من أبيه، فانطلقت إلى مكة فأعجبتهم بقول أسامة. وقال عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بالأبطح وهو في قبة له حمراء، فخرج وعليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه. صحيح الإسناد. وقال حفص بن غياث، عن حجاج، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. رواه هشيم، عن حجاج، عن أبي جعفر محمد بن علي فأرسله. وقال عبيد الله بن إياد، عن أبيه، عن أبي رمثة قال: رأيت النبي ﷺ وعليه بردان أخضران. إسناده صحيح. باب منه. وقال وكيع: حدثنا ابن أبي ليلى، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن محمد بن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد قال: أتانا النبي ﷺ ، فوضعنا له غسلا فاغتسل، ثم أتيته بملحفة ورسية، فاشتمل بها، فكأني أنظر أثر الورس على عكنه. وقال هشام بن سعد، عن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يصبغ ثيابه بالزعفران قميصه ورداءه وعمامته. مرسل. وقال مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري: سمعت أبي يخبر عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه رداء وعمامة مصبوغين بالعبير. قال مصعب: العبير عندنا: الزعفران. مصعب فيه لين. وعن أم سلمة قالت: ربما صبغ لرسول الله ﷺ قميصه ورداؤه بزعفران وورس. أخرجه محمد بن سعد (١)، عن ابن أبي فديك، عن زكريا

стр. 1120

ابن إبراهيم، عن ركيح بن أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه، عن أمه، عن أم سلمة. وهذا إسناد عجيب مدني. وعن زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ : يصبغ ثيابه حتى العمامة بالزعفران. وهذه المراسيل لا تقاوم ما في الصحيح من نهي النبي ﷺ عن التزعفر، وفي لفظ: نهى أن يتزعفر الرجل، ولعل ذلك كان جائزا، ثم نهي عنه. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان - وهو ضعيف- عن أنس بن مالك قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله ﷺ مستقة (١) من سندس، فلبسها، فكأني أنظر إلى يديها تذبذبان من طولهما، فجعل القوم يقولون: يا رسول الله أنزلت عليك من السماء! فقال: وما تعجبون منها، فوالذي نفسي بيده إن منديلا من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها، ثم بعث بها إلى جعفر بن أبي طالب فلبسها، فقال النبي ﷺ : إني لم أعطكها لتلبسها، قال: فما أصنع بها؟ قال: ابعث بها إلى أخيك النجاشي (٢). وقال الليث بن سعد: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أنه أهدي إلى رسول الله ﷺ فروج -يعني قباء حرير- فلبسه، ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له، ثم قال: لا ينبغي هذا للمتقين. وقال مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة: أهدى أبو الجهم بن حذيفة لرسول الله ﷺ خميصة شامية لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: ردوا هذه الخميصة على أبي جهم، فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: رأى رسول الله ﷺ يصلي في بيت أم سلمة مشتملا في ثوب واحد. وصح مثله عن أنس رفعه.

стр. 1121

وعن ابن عباس أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها. وقال جابر (١): إن رسول الله ﷺ صلى في إزار واحد مؤتزرا به، ليس عليه غيره. وقال يونس بن الحارث الثقفي، عن أبي عون محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة: كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير والفروة المدبوغة. أخرجه أبو داود (٢). وقال شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان يلبس الصوف. وقال حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: دخلت على عائشة، فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه الملبدة. فأقسمت أن رسول الله ﷺ قبض فيهما. أخرجه مسلم (٣). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان ضجاع النبي ﷺ من أدم محشوا ليفا. وقد تقدم أحاديث في هذا المعنى في زهده ﵇. وقال غير واحد، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. أخرجه البخاري (٤). وعند مسلم (٥) على عاتقيه. وقال عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله مولى أسماء، عن أسماء بنت أبي

стр. 1122

بكر، أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة (١) ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه جبة رسول الله ﷺ وكان ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمريض يستشفي بها. أخرجه مسلم (٢). ورواه أحمد في مسنده (٣) وفيه: جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني. باب خواتيم النبي ﷺ . قال عبيد الله وغيره، عن نافع، عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه في يده اليمنى، فصنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس على المنبر، ونزعه ورمى به وقال: والله لا ألبسه أبدا. فنبذ الناس خواتيمهم. وروي نحوه عن مجاهد، وعن محمد بن علي مرسلين. وكان هذا قبل تحريم الذهب. وفي الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الذهب (٤). وصح عن أنس قال: كتب رسول الله ﷺ إلى قيصر ولم يختمه، فقيل له: إن كتابك لا يقرأ إلا أن يكون مختوما، فاتخذ النبي ﷺ خاتما من فضة، فنقشه محمد رسول الله، فكأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله ﷺ ، وكان من فضة، ونهى أن ينقش الناس على خواتيمهم نقشته، وقال: كان من فضة، فصه منه. وصح عنه قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فصه حبشي، ونقشه محمد رسول الله. وصح عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فكان

стр. 1123

في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس، نقشه محمد رسول الله. وفي رواية عن ابن عمر: فجعل فصه في بطن كفه. وعن مكحول، وإبراهيم النخعي من وجهين عنهما أن خاتم النبي ﷺ كان حديدا ملوى عليه فضة. وروى مثله أبو نعيم، عن إسحاق، عن سعيد، عن خالد بن سعيد، ولم يدرك سعيد خالدا. وقال أحمد بن محمد الأزرقي: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد القرشي، عن جده قال: دخل عمرو بن سعيد بن العاص، حين قدم من الحبشة على رسول الله ﷺ فقال: ما هذا الخاتم في يدك يا عمرو؟ قال: هذه حلقة، قال: فما نقشها؟ قال: محمد رسول الله، فأخذه رسول الله ﷺ فتختمه، فكان في يده حتى قبض ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم عثمان، فبينا هو يحفر بئرا لأهل المدينة، يقال له بئر أريس، وهو جالس على شفتها، يأمر بحفرها، سقط الخاتم في البئر، وكان عثمان يخرج خاتمه من يده كثيرا، فالتمسوه فلم يقدروا عليه. وقال أنس: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر. وقال: فكان في يد عثمان ست سنين، فكنا معه على بئر أريس، وهو يحول الخاتم في يده، فوقع في البئر، فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام، فلم نقدر عليه. وعن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه. وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ كان يلبس خاتمه في يساره (١). عن ابن عمر مثله. وصح أن ابن عمر كان يتختم في يساره.

стр. 1124

باب نعل النبي ﷺ وخفه. قال همام، عن قتادة، عن أنس: كان لنعل النبي ﷺ قبالان صحيح. وعن عبد الله بن الحارث قال: كانت نعل النبي ﷺ لها زمامان شراكهما مثني في العقد. وقال هشام بن عروة: رأيت نعل رسول الله ﷺ مخصرة معقبة ملسنة لها قبالان. وقال أبو عوانة، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد، سألت أنسا: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم. وروي مثله من غير وجه. وقال حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ وضع نعله على يساره، فألقى الناس نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت فألقينا، فقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا أو أذى فمن رأى ذلك فليمسحهما، ثم ليصل فيهما. وعن عبيد بن جريج، قلت لابن عمر: أراك تستحب هذه النعال السبتية، قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يلبسها ويتوضأ فيها. السبت: بالكسر، جلود البقر المدبوغة بالقرظ. وعن عبد الله بن بريدة أن النجاشي أهدى لرسول الله ﷺ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ومسح عليهما (١).

стр. 1125

باب مشطه ومكحلته ﷺ . ومرآته وقدحه وغير ذلك. قال أبو نعيم: حدثنا مندل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ يسافر بالمشط، والمرآة، والمدهن، والسواك، والكحل. مرسل. وعن ابن عباس قال: كانت لرسول الله ﷺ مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين. وقال حبان بن علي، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم. إسناده لين. وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن المقوقس أهدى إلى رسول الله ﷺ قدح زجاج كان يشرب فيه. وقال حميد: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس، فيه فضة قد شده بها. حديث صحيح. وقال عاصم الأحول: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة. قال عاصم: وهو قدح جيد عريض من نضار (١)، فقال أنس: قد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أن يجعل مكانها أنس حلقة من فضة أو ذهب، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه. أخرجه البخاري (٢). يروى عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ، كان يكثر تسريح لحيته. إسناده واه (٣).
следующие страницы →