← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

الأوقات عتت عن أمر ربِّها فإذا رجع النَّظر إلى المصالح ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ قال: وطلب يومًا في المجلس مالًا يقضي دينه فما أعطوه شيئًا وطالت عليه الأيام، وذكر محمد بن طاهر أنه سمعه يقول: لا أحتاج إلى الحديث، مهما قلت سُمِعَ مني! ومن كلامه: يا هذا تكلَّفت ما ليس إليك، طُلِبَ منك ما لم تُعْطِه، فإن رأيت نفسك مجبورة على فعل ما لا يُرْضَى فارض أنت بما يُفعل، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. وله من هذا النمط مؤلفات. ٣٩٨ - إسحاق بن عمر بن عبد العزيز، أبو القاسم النيسابوري الشجاعي الجميلي، الشاعر المشهور الشروطي. كان كثير الفنون، شاعرًا مفلقًا، مجودًا في فنون الشعر، كثير القول، سمع: عمر بن مسرور، وعبد الغافر بن محمد الفارسي، وأبا عثمان الصابوني، والطبقة، وعقد مجلس الإملاء، وأملى مدة حتى عجز وضعف وكان يختم أماليه بأشعاره الرائقة، وحسنت سريرته وتوبته في آخر أيامه، وكان ذا تجمل وحشمة. توفي في جمادى الآخرة، وعاش أربعا وثمانين سنة، روى عنه: أبو سعد السمعاني بالإجازة (١). ٣٩٩ - إسماعيل بن أحمد بن محمد بن مكرم، أبو القاسم الصيدلاني النيسابوري العطار. كان والده أبو حامد محدث عصره، ولد أبو القاسم سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسمع: عبد الغافر الفارسي، وابن مسرور، وعبد الله بن يوسف الجويني، أجاز للسمعاني (٢). ٤٠٠ - آقسُنْقُر، سيف الدين قسيم الدولة أبو سعيد البُرْسُقيُّ، مولى الأمير بُرْسُق غلام السُّلطان طغرلبك.

стр. 10642

ترقت به الحال إلى أن ولاه السُّلطان محمود بن محمد إمرة المَوْصل والرَّحْبة، ثم ولاَّه شحنكية بغداد إلى أن عُزِلَ عنها في سنة ثمان عشرة، وسار إلى الموصل، فكاتبه الحلبيون إلى حلب لما حصرهم الفرنج، فسار إليهم وترحَّل الفرنج عنها فملكها في ذي الحجة من السنة. وكان بلك بن بهرام بن أرتق قد قتل بمنبج فتملك ابن عمِّه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق. وكان بغدوين ملك الفرنج أسيرًا في يد بلك فاشترى نفسه من تمرتاش وهادنَهُ واتفق موت والده شمس الدولة إيلغازي صاحب ماردين، فتوجه ابنه إليها، واشتغل بملكها، فغدر بغدوين واتفق مع دُبيس بن صدقة وإبراهيم بن رضوان بن تتش فنازلوا حلب وطال الحصار حتى أكلوا الجيف ووقع فيهم الوباء بحلب وهم مع ذلك ثابتو الجأش في القتال، فأغاثهم الله بقسيم الدولة؛ وذلك أن أهل حلب اتفقوا وأخرجوا في اللَّيل قاضيهم أبا غانم والشريف زُهْرة وابن الحلِّي إلى تمرتاش صاحب حلب وهو بماردين، فلما أصبح الصَّباح صاح الفرنج: أين قاضيكم أين شريفكم، فما شكَّ النَّاس أنهم قد أُسروا. فوصل منهم كتاب بأنهم فاتوا الفرنج فقدموا على حسام الدين تمرتاش، فأخذ يماطلهم ويسوفهم إلى أن قال مرة: خلُّوهم إذا أخذوا حلب عُدتُ وأخذتُها، فقلنا: لا تفعل ولا تسلم المسلمين إلى عدوهم. فقال: كيف أقدر على لقائهم؟ فقال القاضي أبو غانم: وأيش هم حتى لا تقدر عليهم. ثم لما خاف أن ننفصل عنه إلى غيره رسم علينا من يحفظنا، فأعملنا الحيلة في الهرب إلى الموصل إلى آقسنقر، فتحدثنا مع من يُهَرِّبُنَا وكان للمنزل الذي نحن فيه باب يصرُّ عظيمًا إذا فُتِحَ فطرحنا فيه زيتًا وواعدنا الغِلْمان أن يأتونا بالدَّواب، وكان الثَّلج كثيرًا. قال أبو غانم: فنام الموكلون بنا، وجاء الغلمان إلا غلامي ياقوت، فأخبروا أن قيد الدابة تعسر عليه، فضاقت صدورنا، فقلت لأصحابي: امضوا أنتم ولا تنتظروني. ثم جاءني ياقوت بالدَّابة سحَرًا، فركبت ولا أعرف الطريق، ثم قصدت الجهة، فلما طلع الضَّوء إذا أنا وأصحابي في مكان واحد، وكانوا قد ضلُّوا عن الطَّريق، فصلينا الصُّبح وسُقنا، فجئنا فإذا البُرْسقي مريض، وقد تماثل ولكنه ضعيف، فطلبنا منه أن يغيث المسلمين وذكرنا له ما حلَّ بهم من الحصار والضِّيق والقلّة، فقال: كيف لي بالوصول إليهم وأنا هكذا؟ فقلنا: يجعل المولى في نيَّته وعزمه إن خلَّصه الله أن ينصرهم. فقال: إي، والله، ثم

стр. 10643

رفع رأسه إلى السَّماء وقال: اللهم إني أشهدك إن عوفيت لأنصرنَّهم. قال: ففارقته الحُمَّى بعد ثلاث، فنادى في عسكره: الغزاة، وبرَّز خيمته، ثم توجَّه بعساكره، فلما أشرف على حلب رحل الفرنج عنها، وتأخروا إلى جبل جوشن، فقاربها وخرج أهلها إلى لقائه فقصد نحو الفرنج بعسكره وبأهل البلد، فانهزم الفرنج، فسار وراءهم حتى أبعدوا، ورجع ودخل البلد، ورتَّبه وجلب إليه الغلال، وكان ذلك في آذار، فجعل الناس يبلُّون الحنطة والشَّعير بالماء ويزرعونها، وجاء مغل صالح. وترك ولده عز الدين مسعودًا بها، وعاد إلى الموصل، فقتلته الإسماعيلية بالجامع يوم الجُمُعة، ثار عليه عشرة فقتل بيده منهم ثلاثة وقُتِل، ولم يفلت منهم سوى رجل، وذلك في تاسع ذي القعدة من سنة عشرين. وقيل: إنهم كانوا بزي الصُّوفية، وكان قد تصدى لإبادة الإسماعيلية والباطنية، وقَتَلَ منهم جماعة كثيرة. قال القاضي بهاء الدين بن شدَّاد: كان البرسقي دينا، عادلًا، حسن الأخلاق، يؤثر عنه أنه قال لقاضيه: أريد أن تساوي بين الرَّفيع والوضيع في مجلس الحُكم، فقال: كيف لي بذلك؟ فقال: الطريق في هذا أن ترتاد لي خصمًا وتدعوني إلى مجلس الحكم، فإذا حضرت إليك تلتزم معي ما تلتزمه مع خصمي. ثم قال لزوجته الخاتون: وكِّلي وكيلًا يطالبني بصداقك، فوكلت رجلًا، فمضى إلى مجلس الحكم، وقال: لي خصومة مع قسيم الدولة وأطلب حضوره إلى مجلسك. فسيَّر بطلبه، فحضر إلى الحكم، فلم يقم له القاضي، وساوى بينه وبين الوكيل، فادَّعى عليه، فاعترف، فأمره القاضي بدفع المال، فقام ودفع إليه من خزانته. ثم إنه أمر القاضي أن يتخذ مسمارًا على باب داره نقشه أجب داعي الله وأن يختم عليه بشمعه، فمن كان له خصم حضر وختم بشمعه على ذلك المسمار ومضى إلى خصمه بها كائنًا مَنْ كان، فلا يجسر أن يتخلَّف، فرحمه الله تعالى. وولي بعده ابنه عز الدين مسعود فلم يسن (١). ٤٠١ - بهرام بن بهرام بن فارس، أبو شجاع البغدادي البيع.

стр. 10644

أحد الرؤساء والمتمولين، ولد في المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة، وسمع: أبا القاسم التنوخي، وأبا محمد الجوهري، وغيرهما. قال ابن السمعاني (١): صلح أمره في آخره عمره، وحسنت طريقته، وكان له معروف كثير وصدقة جارية. قال أبو الفرج ابن الجوزي (٢): كان سماعه صحيحًا، وكان كريمًا، بنى مدرسة للحنابلة بكلواذا ودفن فيها، ووقف قطعة من أملاكه على الفقهاء، وتوفي في سادس عشر محرم. ٤٠٢ - جابر بن عبد الله بن محمد بن علي بن مت الأنصاري، شيخ هراة، أبو عطية ابن شيخ الإسلام أبي إسماعيل. كان زاهدًا صلفًا، تام المروءة، ذا هيبة وجلالة، ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وسمع الكثير من أصحاب عبد الرحمن بن أبي شريح، وغيرهم، وكان قليل العلم، وكان يعظ ويزدحمون عليه، سمع: أبا عمر المليحي، ومحلم بن إسماعيل الضبي، ومحمد بن عبد العزيز الفارسي، روى عنه طائفة. ومات في غرة ذي القعدة (٣). ٤٠٣ - جعفر بن محمد بن عبيد الحوفيُّ. شيخ صالح معمَّر، قال السَّلفي: يروي عن سبط عبد الكريم بن أبي جدار، وعبد العزيز ابن الضَّرَّاب، وغيرهما. وتوفي بمصر في صفر، وحدَّثني أنَّ مولده في سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ٤٠٤ - الحسن بن أحمد بن أميرك بن يحيى، أبو أحمد النَّيسابوريُّ الكاتب. حدَّث عن ابن مسرور، وعبد الغافر، وأبي عثمان الصَّابوني، وجماعة. توفي في ربيع الأول (٤).

стр. 10645

٤٠٥ - الخضر بن الفضل، من شيوخ أبي موسى المديني، هو أبو القاسم الأصبهانيُّ الغازي القصَّاب. سمع أبا طاهر بن عبد الرحيم، وعبد الرَّزَّاق بن شمَّة، وسبط بحرويه، وأحمد الباطرقاني. روى عنه أبو موسى، ومحمد بن الحسن الأصفهبذ، وغيرهما. مات في ربيع الآخر، وله جزء مروي. ٤٠٦ - سفيان بن العاص بن أحمد بن العاص بن سفيان بن عيسى، أبو بحر الأسديُّ الأندلسيُّ، نزيل قرطبة، من أهل مُرْبَيْطَر. روى عن أبي عمر بن عبد البر، وأبي العباس العذري وأكثر عنه، وعن أبي الفتح أبي الليث بن الحسن (١)، وأبي الوليد الباجي، وهشام بن أحمد الكناني واختصَّ به، ومحمد بن سعدون، وأبي داود المقرئ، وغيرهم. وكان من جلّة العلماء، وكبار الأدباء، ضابطًا لكتبه، صدوقًا في روايته. سمع منه الناس كثيرًا؛ قاله ابن بشكوال (٢). وسمع منه الكثير هو وغيره، وتوفي في جمادى الآخرة، وله ثمانون سنة. وقال ابن الدَّبَّاغ: سمع من ابن عبد البر كتاب الموطأ رواية يحيى بن يحيى، وكتاب بهجة المجالس من تأليفه، وكتاب الفرائض له، ولم يجزه. ٤٠٧ - صاعد بن سيَّار بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم، أبو العلاء الإسحاقيُّ الهرويُّ الدَّهَّان الحافظ. حجَّ، وحدَّث ببغداد عن أبي سعد عبد الرحمن بن أبي عاصم، وأبي إسماعيل الأنصاري، وأبي عامر الأزدي، وعلي بن فضال المُجاشعي النَّحوي، وعبد الله بن عطاء البغاورداني. وروى الجامع للترمذي عن أبي عامر؛ قرأه عليه الحافظ ابن ناصر، وسمعه منه أبو الفرح بن كُلَيْب وغيره. قال أبو سعد السَّمْعاني: كان حافظًا متقنًا، واسع الرِّواية، كتب الكثير،

стр. 10646

وجمع الأبواب، وعرف الرجال، ولي عنه إجازة؛ روى لنا عنه ابن ناصر، وأبو المعمَّر الأنصاري، وأبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل، وجماعة. ومات في ذي القعدة بغورج؛ قرية على باب هراة (١). وقال أبو موسى المديني: أخبرنا الحافظ أبو العلاء صاعد بن أبي نصر سيَّار بن أبي إسماعيل محمد بن أبي القاسم عبد الله بن أبي إسحاق إبراهيم الإسحاقيُّ الهروي، قدم علينا أصبهان. ٤٠٨ - صالح بن الفضل بن أبي مسلم الأصبهانيُّ الأبَّاريُّ، أبو مسلم. يروي عن عبد الوهَّاب بن منده. وعنه أبو موسى المديني، وقال: توفي في المحرم. ٤٠٩ - طرخان بن محمود الشيباني. أحد الأمراء الكبار بدمشق، وصاحب المدرسة التي بجيرون، توفي في رجب. ٤١٠ - عبد الله بن أحمد، أبو محمد الهمداني الجياني. أخذ القراءات عن أبي عبد الله ابن الفراء صاحب مكي بن أبي طالب، وجلس للتعليم والإقراء، روى عنه أبو جعفر ابن الباذش. ٤١١ - عبد الله بن طاهر بن محمد بن كاكو، أبو محمد الصوري، الواعظ، المعروف بالقاضي ابن زينة، واعظ الأعزية. قال ابن عساكر (٢): كان كثير التطفيل، ذكر لي أنه سمع بمصر من أبي عبد الله القضاعي، وأنه تفقه ببغداد على أبي إسحاق الشيرازي، وأنه ولد سنة نيف وثلاثين وأربعمائة، اجتمعت به غير مرة. ٤١٢ - عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن، أبو القاسم الأصبهاني الصفار، أخو أبي علي الدقاق الحافظ. روى عن: إبراهيم سبط بحرويه، وعنه: أبو موسى، وتوفي في رمضان. ٤١٣ - عبد الرحمن بن سعيد، أبو الحسن الطلبيري الأندلسي.

стр. 10647

روى عن أبي الوليد مرزوق، وأبي عبد الله المغامي، وتوفي في شوال (١). ٤١٤ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، أبو محمد الجزباران (٢). ذكره عبد الغافر، فقال (٣): شيخ معروف من أبناء المياسير وذوي النعم، سمع الكثير من: أبي حفص بن مسرور، وأبي عثمان الصابوني، وأبي الحسين عبد الغافر، والكنجروذي، وأبي عثمان البحيري، وأبي بكر البيهقي، والمتأخرين، توفي سنة عشرين. وذكره السمعاني فيمن أجاز له، وقال فيه (٤): التميمي البيع الجيزباراني (٥) المعروف بالجيزباران، مات في ربيع الأول، سمعت من ولده محمد الكثير، وأما والده فعاش مائة وخمس سنين. ٤١٥ - عبد الرحمن بن محمد بن عتَّاب بن محسن، أبو محمد القرطبيُّ، مسند الأندلس في عصره. قال ابن بشكوال (٦): هو آخر الشيوخ الجلَّة الأكابر بالأندلس في علوِّ الإسناد، وسعة الرِّواية، سمع معظم ما عند أبيه، وسمع من حاتم بن محمد الطرابلسي. وأجاز له مكي ومحمد بن عبد الله بن عابد، وعبد الله بن سعيد الشّنتجالي، وأبو عمرو السَّفاقسي، وأبو حفص الزَّهراوي، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر ابن الحذَّاء. وجوَّد القراءات بالسبع على عبد الرحمن بن محمد بن شعيب المقرئ. وكان عارفًا بالطُّرق، واقفًا على كثير من التَّفسير والغريب والمعاني، مع حظٍّ وافر من اللغة والعربية، وتفقه عند أبيه، وشُوور في الأحكام بعده بقية عمره. وكان صدرًا فيمن يُسْتَفْتَى لسنِّه وتقدُّمه. وكان من أهل الفضل والحَلْم والوقار والتواضع. وجمع كتابًا حفيلًا في الزُّهد

стр. 10648

والرقائق سمَّاه شفاء الصُّدور. وكانت الرحلة إليه في وقته، وكان صابرًا على القعود للناس، مواظبًا على السماع، يجلس لهم النَّهار كلَّه وبين العشاءين. وسمع منه الآباء والأبناء، وسمعت عليه معظم ما عنده، وقال لي: ولدت في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتوفي في خامس جمادى الأولى، وله سبع وثمانون سنة. قلت: وروى عنه الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن الجد، وعبد الحق بن عبد الملك بن بونه الغرناطي، وأخوه محمد بن عبد الملك، وأحمد بن عبد الملك بن عميرة الضَّبِّي، وأحمد بن يوسف بن رُشْد، ومحمد بن عبد الرحمن بن عبادة الأنصاري، ومحمد بن يوسف بن سعاة المرسي، ومحمد بن عرَّاق الغافقي، وعبد الله بن خلف الفهري، وخلق. ٤١٦ - عبد العظيم بن سعيد اليحصبي، الداني، المقرئ أبو محمد. روى عن: أبي سهل المقرئ، وأبي الوليد الباجي، وأبي الحسن ابن الخشاب، وأبي القاسم الطليطلي، وأقرأ الناس بدانية، وتوفي في نحو العشرين وخمسمائة (١). ٤١٧ - علي بن محمد بن دري، أبو الحسن الطليطلي الغرناطي، خطيب غرناطة. روى عن: أبي عبد الله المغامي، وأبي الوليد الوقشي، وأبي المطرف ابن سلمة، وجماعة. وكان مقرئًا، فاضلًا، ضابطًا، عارفًا، أخذ الناس عنه، توفي في رمضان (٢). ٤١٨ - عمر بن عبد الرحيم، أبو حفص النيسابوري اللبيكي المقرئ. سمع ابن مسرور، وأبا عثمان الصابوني، مات في جمادى الآخرة وله ثمانون سنة وأشهر. أجاز للسمعاني (٣).

стр. 10649

٤١٩ - عمر بن محمود بن غلاب، أبو حفص الإفريقي الباجي، باجة إفريقية، لا باجة الأندلس. توفي في صفر، وله ست وثمانون سنة. قال السلفي: علقت عنه حكايات عن شيوخه الذين صحبهم، كعبد الحق بن محمد السبتي، وعبد الجليل بن مخلوف. ٤٢٠ - غانم بن الفضل بن محمد، أبو الخير الأصبهانيُّ القصَّار. روى عن إبراهيم سبط بحرويه. وعنه أبو موسى، وقال: كان شيخًا نبيلًا، توفي في ربيع الآخر. ٤٢١ - فاطمة بنت عبد القادر بن أحمد بن الحسين ابن السَّمَّاك الواعظة، وتُدْعَى المباركة، أخت أبي الحسين. امرأة واعظة عالمة، من بيت العلم؛ سمعت أبا بكر محمد بن عبد الملك بن بشران، وأحمد بن محمد بن قفرجل، وتوفيت في رجب أو شعبان، ولها نيِّف وتسعون سنة. روى عنها أبو المُعَمَّر الأنصاري، وأبو طالب بن خُضَيْر، وأبو طاهر السِّلفي، وأبو القاسم ابن عساكر وهي أقدم شيخ توفي له ببغداد. ٤٢٢ - فضل الله بن عمر بن أحمد بن محمد، أبو طاهر المعروف بليلى النسوي، نزيل مرو، أحد شيوخ الصوفية. سمع أبا الحسين عبد الغافر الفارسي، وزاهر بن عطاء النسوي، وبدمشق: أبا القاسم الحسين بن محمد، وبصور: أبا بكر الخطيب، وبالقدس: عبد العزيز بن أحمد النصيبي. روى عنه أبو سعد السعماني، وقال: كان شيخًا معمرًا مشهورًا، سمع منه الكبار في مجلس نظام الملك مثل جدي أبي المظفر السمعاني، ووالدي، وعمي، وتوفي في رمضان، ودفن برباطه بمرو، وله تسعون سنة (١). ٤٢٣ - محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، أبي الوليد القرطبي المالكي، قاضي الجماعة بقرطبة. روى عن أبي جعفر أحمد بن رزق الفقيه شيخه، وعن أبي مروان بن

стр. 10650

سراج، ومحمد بن خيرة، ومحمد بن فرج الفقيه، وأبي علي الغساني، وأجاز له أبو العباس العذري. قال ابن بشكوال (١): وكان فقيهًا عالمًا، حافظًا للفقه، مقدمًا فيه على جميع أهل عصره، عارفًا بالفتوى على مذهب مالك وأصحابه، بصيرًا بأقوالهم، نافذًا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم والبراعة والفهم، مع الدين والفضل والوقار والحلم، والسمت الحسن والهدي الصالح، ومن تصانيفه: كتاب المقدمات لأوائل كتب المدونة، وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، واختصار المبسوطة، واختصار مشكل الآثار للطحاوي، إلى غير ذلك، سمعنا عليه بعضها، وأجاز لنا سائرها، وسار في القضاء بأحسن سيرة وأقوم طريقة، ثم استعفى منه فأعفي، ونشر كتبه وتواليفه، وكان الناس يعولون عليه ويلجؤون إليه، وكان حسن الخلق، سهل اللقاء، كثير النفع بخاصته، جميل العشرة لهم، حافظًا لعهدهم، بارًا بهم، توفي في حادي عشر ذي القعدة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم، وعاش سبعين سنة. قلت: روى عنه أبو الوليد ابن الدباغ، فقال: كان أفقه أهل الأندلس في وقته، وقد صنف شرحًا للعتبية، وبلغ فيه الغاية. قلت: وهو جد ابن رشد الفيلسوف. ٤٢٤ - محمد بن أبي أحمد بن العباس الزاهد، أبو الفتح المروزيُّ الصائغ، المعروف بإسلام. مات في جمادى الأولى عن تسعين سنة. سمع محمد بن بختويه الشِّيرنخشيري، وأبا محمد بن الحسن القزَّاز، وجماعة. قال السَّمعاني (٢): سمعت منه الكثير، يقال: لازم اعتكاف العشر الأُخر بالجامع ستين عامًا. ٤٢٥ - محمد بن أحمد بن محمد الشِّبلي، أبو الغنائم القصَّار، أخو هبة الله.

стр. 10651

سمع ابن النَّقُّور، وأبا نصر الزَّينبي، وعنه أبو محمد ابن الخشَّاب. توفي فيها ظنًّا (١). ٤٢٦ - محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد، أبو عبد الله السَّعيديُّ المصريُّ النَّحويُّ اللغويُّ. أحد الأعلام، أخذ النَّحو عن طاهر بن بابشاذ، وسمع الصَّحيح بمكة من كريمة، وسمع من عبد العزيز ابن الضرَّاب، وأبي عبد الله القُضَاعي، وجماعة. قال أبو طاهر السِّلفي: كان شيخ مصر في عصره في اللُّغة، وقال لي: إن مولده في المحرم سنة عشرين وأربعمائة، وتوفي في ربيع الآخر، وله مائة سنة وثلاثة أشهر. قلت: كان يمكنه السَّماع من مسند مصر أبي عبد الله بن نظيف، وقد روى عنه أبو القاسم البوصيري وجماعة، والشريف الخطيب، وإسماعيل بن علي النَّحوي. وقيل: إن ابن بركات مرَّ في الطريق فرأى يعقوب بن خرَّزاد النَّجيرمي ولم يهتد للأخذ عنه، وأخذ عنه عن أصحابه. قال أبو المكارم هبة الله بن صدقة: وقف ابن بركات النَّحوي للأفضل أمير الجيوش فأنشده: يا رحمة الله التي … واسعها لم يَضِق لم يبق إلا رمقي … فاستبق منِّي رَمَقي تسعون عاما فنيـ … ـت بخمسة في نسق وعن قليل لا أرى … كأنني في نسق فسأله عنه الأفضل، فقالوا: هذا بحر العلم ابن بركات، فقال له الأفضل: أنت شيخ معروف وفضلك موصوف، وقد حملنا عنك الوقف، وأمر له بشيء. قال السِّلفي: سمعت محمد بن بركات يقول: لما قرأت الشهاب على مؤلفه، فقلت له في قوله يا دنيا مري على عبادي ولا تحلولي لهم فتفتنيهم

стр. 10652

بضم مُري، فقلت: هو من المرور أو من المرارة؟ قال: من المرارة، فقلت: يجب أن يفتح، فقال: صدقت، وأصلحه. قال السِّلفي: هو ثقة فاضل، كان ابن القطَّاع يقول فيه: مزبلة علم. قال العماد الكاتب: له في مسافر العطَّار: يا عنُق الإبريق من فضَّة … ويا قوام الغُصْن الرَّطْب هبك تجافيت فأقصيتني … تقدر أن تخرُج من قلبي (١) ٤٢٧ - محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون، أبو بكر الأندلسي الأوريولي الحافظ. روى عن أبيه، وأبي الحسن طاهر بن مفوز، وأكثر عن أبي علي بن سكرة، وغيره. وكان معتنيًا بالحديث، عارفًا بالرجال، وله استدراك على ابن عبد البر في كتاب الصحابة في سفرين، وكتاب، آخر في أوهام الصحابة المذكور، وأصلح أيضًا أوهام معجم ابن قانع في جزء، وأجاز لابن بشكوال من مرسية (٢). ٤٢٨ - محمد بن الربيع، أبو سعد الهروي الجبلي. يروي صحيح البخاري عن أبي عمر المليحي، ويروي جامع الترمذي عن جماعة، توفي في حدود العشرين (٣). ٤٢٩ - محمد بن عبد الخالق بن محمد، القاضي أبو المؤيد ابن القاضي أبي بكر. ولي قضاء سمرقند، ثم قضاء كش أكثر من ثلاثين سنة، وكان من خيار الحنفية، مات أبوه في سنة ثمانين وأربعمائة، وكان أبوه مستملي شمس الأئمة الحلواني بكش. ٤٣٠ - محمد بن علي بن ميمون، أبو بكر الدَّبَّاس المقرئ. شيخ بغدادي، روى عن أبي نصر الزَّينبي، وعاصم بن الحسن،

стр. 10653

وجماعة. روى عنه ذاكر بن كامل وغيره (١). ٤٣١ - محمد بن عمر بن محمد بن قرطف، أبو عبد الله النُّعمانيُّ ثم البغداديُّ. سمع أبا الحسين ابن النَّقُّور وغيره. وعنه المبارك بن كامل؛ قاله ابن النَّجَّار (٢). ٤٣٢ - محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب، أبو بكر الفهريُّ الطرطوشيُّ الأندلسيُّ الفقيه المالكيُّ، نزيل الإسكندرية، وطرطوشة: آخر بلاد المسلمين من الأندلس، وقد عادت للفرنج، ويُعرف بابن أبي زندقة. صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسرقُسْطَة وأخذ عنه مسائل الخلاف ثم حجَّ، ودخل العراق، وسمع بالبصرة السُّنن من أبي علي التُّستري، وسمع ببغداد من قاضي القضاة محمد بن علي الدَّامغاني، ومحمد بن أبي نصر الحميدي، ورزق الله التَّميمي، وجماعة وتفقه على أبي بكر الشَّاشي، ودخل الشَّام وأقام ببيت المقدس مدَّةً، ثم سكن الإسكندرية ودرَّس بها. قال ابن بشكوال (٣): كان إمامًا، عالمًا، عاملا، زاهدًا، ورعًا، ديِّنًا، متواضعًا، متقشِّفًا، متقلِّلًا من الدُّنيا، راضيًا باليسير، أخبرنا عنه القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري، ووصفه بالعلم والعمل والفضل والزُّهد والإقبال على ما يعنيه قال لي: إذا عرض لك أمران، أمر دنيا وأمر أخُرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدُّنيا والأخرى. وقال الفقيه إبراهيم بن مهدي بن قلنبا: كان شيخُّنا أبو بكر زهدُه وعبادته أكثر من علمه. وقال بعض العلماء: أنجب على أبي بكر الطَّرطوشي نحو مائتي فقيه مفتي، وكان يأتي إلى الفقهاء وهم نيام فيضع في أفواههم الدَّنانير فيستفيقوا فيرونها في أفواههم.

стр. 10654

ونقل القاضي ابن خلِّكان (١) أنه دخل على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بمصر فبسط تحت مئزره وكان إلى جانب الأفضل نصراني فوعظ الأفضل حتى أبكاه ثم أنشده: يا ذا الذي طاعته قرْبَةٌ … وحقه مفترض واجبُ إنَّ الذي شُرِّفت من أجله … يزعم هذا أنَّه كاذبُ وأشار إلى النَّصراني، فأقام الأفضل النَّصراني من موضعه. وقد صنَّف كتاب سراج الملوك للمأمون ابن البطائحي الذي ولي وزارة مصر بعد الأفضل، وصنَّف طريقة في الخلاف وكان المأمون قد بالغ في إكرامه. وتوفي أبو بكر بالإسكندرية فيما قال أبو الحسن بن المُفَضَّل في جمادى الأولى، قال: وهو نشر العلم بالإسكندرية، وأكثر شيوخنا من طلبته. وقال غيرُه: ولد تقريبًا سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، ودخل بغداد في سنة سبع وسبعين في حياة أبي نصر الزَّينبي، وقال: رأيت بها آية؛ كنت جالسًا يومًا العصر لإحدى عشرة بقيت من جُمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين إذ سمعنا دويًّا عظيمًا وأقبل ظلام فإذا ريح لم أر قط أقوى ولا أشد عصوفًا منها. سوداء ثخينة يبين لك جسمها فاسودَّ النَّهار وذهبت آثاره، وغابت الشَّمس وأثرها، وبقينا كأنا في أشدِّ ما يكون من الظَّلام الحُنْدُس لا يبصر أحد يده، وماج النَّاس ولم نشك أنها القيامة أو خسف أو عذاب قد أحاط بالخلائق وبقي الأمر كذلك قدر ما ينضج الخُبْز. ورجع ذلك السَّواد حُمْرة كأنه لهب نار أو جمر يتوقَّد فلم نشك حينئذ أنها نار أرسلها الله على العباد، وأيسنا من النَّجاة، ثم مكثت أقل من مكث الظَّلام، وتجلَّت بحمد الله عن سلامة ونهب النَّاس بعضهم بعضًا في الأسواق وتخاطفوا عمائمهم ورحالاتهم، ثم طلعت الشَّمس، وبقيت ساعة إلى الغروب. ذكرها في الجزء الأول من فوائده. وقد روى عنه السِّلفي، وأبو الحسن سلاَّر ابن المقدّم الفقيه، وجوهر بن لؤلؤ المقرئ، وصالح بن إسماعيل الفقيه ابن بنت معافى المالكي، وعبد الله بن عطاف الأزدي، ويوسف بن محمد القروي الفرضي، وعليّ بن مهدي بن

стр. 10655

قُلُنْبَا، وأبو طالب أحمد بن المُسلَّم اللَّخْمي، وظافر بن عطية اللَّخْمي، وأبو الطاهر إسماعيل بن عوف، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العُثْماني، وعبد المجيد بن دُلَيل، وآخرون. ٤٣٣ - المبارك بن محمد بن عبد الله بن محمد، أبو البقاء ابن الخل البغداديُّ الصُّوفيُّ، والد الفقيه أبي الحسن. سمع أبا الحسين ابن النَّقُّور، وأبا عبد الله بن سكِّينة. وحدَّث باليسير. قال أبو سعد السَّمعاني: وله كلام على لسان الصُّوفية بالغ فيه حتى خرج إلى الشَّطح. روى عنه ابنه أبو الحسن. ٤٣٤ - مسعود بن الحسين، أبو المعالي الكشاني السمرقندي. نقله الخاقان من بخارى إلى سمرقند للتدريس بالمدرسة الخاقانية وولاه خطابة سمرقند، فبقي على ذلك مدة، وتوفي في ربيع الأول، وله ثلاث وسبعون سنة. تفقه عليه غير واحد (١). ٤٣٥ - منصور بن محمد بن أحمد، الأمير أبو سعد الشَّيبانيُّ العاصميُّ البُوشَنْجيُّ. أديب خراسان، ومن سار شعره في الآفاق. سمع جدَّه أبا القاسم أحمد بن محمد العاصمي، وجمال الإسلام الدَّاودي، والفضل بن إسماعيل الجُرْجاني، ولما عُمِّر أملى مجالس، وحضره الأئمة. ولد سنة اثنتين وخمسين، ومات في شوال، وتوفي جده في سنة ثمانين وأربعمائة (٢). ٤٣٦ - مهران بن عليّ بن مهران، أبو الفرج القرمسينيُّ التَّاجر، نيزل الثَّغْر. قال السِّلفي (٣): كان لي به أنس، وسمع معي وأخبرنا عن أبي العبَّاس

стр. 10656

الرَّازي وقال: ولدت سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وتوفي في المحرَّم وشيَّعه خلق لا يُحْصون. قلت: وعنه العثماني أيضًا. ٤٣٧ - هبة الله بن علي بن إبراهيم، أبو المعالي الشِّيرازيُّ القاضي نزيل كرمان، وكان من كبار العلماء. أملى عدَّة مجالس، سمع عبد الوارث بن أحمد الشِّيرازي وأحمد بن أحمد الواسطي، وأبا المُطَهَّر البُزاني، وأبا الحسن محمد بن محمد بن زيد العلوي، وطائفة. قال أبو سعد السَّمعاني: حدَّثنا عنه عبد الخالق اليوسفي، وأبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل، وأحمد بن محمد الرُّناني، وكتب إليَّ بالإجازة بمسموعاته، ومن شعره: رواة أحاديث الرَّسول عصابةٌ … بهم يثبت الإسلام والدِّين والدُّنيا فلولاهم لم يبد للدِّين منصب … ولم يكُ بين النَّاس حكم ولا فتيا أجاز لنا في شعبان من سنة عشرين وتوفي بعيد ذلك (١). ٤٣٨ - واثق بن عبد الملك بن أحمد الطَّبريُّ، أبو القاسم سِبْط الشِّبليِّ. سمع ببغداد، ورحل وسمع بنيسابور، وبلخ، وهراة، والنَّواحي. وكان متَّهمًا، أفسد سماعات جماعة، ولم يُمتَّع، مات أيام الطَّلب في هذا الوقت، وقيل: مات بعد العشرين. ٤٣٩ - يحيى بن عليّ، أبو سعد الحلوانيُّ الفقيه الشَّافعيُّ، أحد الأئمة ببغداد. تفقه على أبي إسحاق الشِّيرازي ولزمه مدة، وكان بارعًا في المناظرة، ولي تدريس النِّظامية مدَّة. وسمع من أبي جعفر ابن المسلمة، وأبي إسحاق شيخه، وجماعة.

стр. 10657

قال أبو سعد السَّمعاني: قَدِمَ علينا رسولًا إلى خاقان ملك ما وراء النَّهر في رجب سنة عشرين فسمعت منه جزءًا وكان سيِّئ الخلق، عسرًا متكبِّرًا، ولد بعد الخمسين وأربعمائة، مات بسمرقند في رمضان (١). قلت: هو مصنِّف كتاب التَّلويح في المذهب. ٤٤٠ - يوسف بن موسى، أبو الحجّاج السّرقسطيُّ الضّرير. روى عن أبي عليّ الغسَّاني، وأبي مروان بن سراج وكان من أهل النَّحْو والتَّقَّدُّم في الكلام والاعتقاد. وهو أحد الأئمة، وله تصانيف حسان، وانتقل أخيرًا إلى العدوة (٢).

стр. 10658

ومن هذه الطبقة ممن لا أعرف وفاته ٤٤١ - أحمد بن العبَّاس الكوشيديُّ، أبو غالب الأصبهانيُّ. سمع ابن ريذة. وعنه أبو موسى. ٤٤٢ - أحمد بن علي بن الحسن بن محمد بن أحمد بن سلمويه، أبو العباس النيسابوري الصوفي، من أولاد المشايخ. مر أبوه سنة ثمان وسبعين (١)، وهو شيخ صالح، سمع من عبد الغافر الفارسي، وابن مسرور، وغيرهما. سمع منه: أبو سعد السمعاني حضورًا، وذكره في الأنساب في السلمويي، وقال: توفي سنة … (٢) عشرة وخمسمائة. ٤٤٣ - إسحاق بن أحمد بن محمد، أبو طاهر الراشتيناني الأصبهاني. روى عنه أبو موسى المديني، وغانم بن محمد الصفار، أو القصار الكراني، ومحمد بن أبي زيد بن حمد الكراني، وأبو نعيم أحمد بن أبي الفضل الهراس الكراني، وغيرهم. سمع من ابن ريذة. ٤٤٤ - أسعد بن أحمد بن أبي روح، القاضي العالم أبو الفضل الطرابلسي، رأس الشيعة بالشام، وتلميذ القاضي ابن البراج. جلس بعد ابن البراج بطرابلس لتدريس الرفض، وصنف التصانيف، وولاه ابن عمار قضاء طرابلس بعد ابن البراج، وكان أخذه عن ابن البراج في سنة ثمانين وأربعمائة وقبلها، وله كتاب عيون الأدلة في معرفة الله، وكتاب التبصرة في خلاف الشافعي للإمامية، وكتاب البيان عن حقيقة الإنسان، وكتاب المقتبس في الخلاف بيننا وبين مالك بن أنس، وكتاب التبيان في الخلاف بيننا وبين النعمان، مسألة تحريم الفقاع، كتاب الفرائض، كتاب المناسك، كتاب البراهين، وأشياء أخر ذكرها ابن أبي طيئ في تاريخه، وأنه انتقل من طرابلس إلى صيدا، وأقام بها، وكان مرجع الإمامية بها إليه،

стр. 10659

فلم يزل إلى أن ملكت الفرنج صيدا، قال أبي: فأظنه قتل بصيدا عندما ملكت الفرنج البلاد، ورأيت من يقول: إنه انتقل إلى دمشق. قال: وذكره ابن عساكر، فقال: كان جليل القدر، يرجع إليه أهل عقيدته. قال: وكان عظيم الصلاة والتهجد، لا ينام إلا بعض الليل، وكان صمته أكثر من كلامه. قلت: لم أره في تاريخ ابن عساكر، وحكى أبو اللطيف الداراني، قال: ما استيقظت من الليل قط إلا وسمعت حسه بالصلاة، وبالغ في وصفه، وحكى له كرامة، وحكى الراشدي تلميذه قال: جمع ابن عمار بين أبي الفضل وبين مالكي فناظره في تحريم الفقاع، وكان الشيخ جريئًا فصيحًا، فنطق بالحجة ووضح دليله، فانزعج المالكي وقال: كلني كلني، فقال: ما أنا على مذهبك، أراد أن مذهبه جواز أكل الكلب. وقال له ابن عمار يومًا: ما الدليل على حدث القرآن؟ قال: النسخ، والقديم لا يتبدل ولا يدخله زيادة ولا نقص. وقال له آخر: ما الدليل على أنا مخيرون في أفعالنا؟ قال: بعثة الرسل، وقال له أبو الشكر بن عمار: ما الدليل على المتعة؟ قال: قول عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ ، أنا أنهى عنهما، فقبلنا روايته، ولم نقبل قوله في النهي. قلت: هلا قبلت رواية إمامك علي في النهي عن متعة النساء؟!. ٤٤٥ - حَمْد بن عليّ، أبو شُكر الحبَّال الأصبهانيُّ. سمع ابن ريذة. من شيوخ أبي موسى. ٤٤٦ - خَجَستة بنت علي بن أبي ذر الصَّالحانية الواعظة، أمُّ الرَّجاء. روت عن ابن ريذة. وعنها أبو موسى، وداود بن نظام الملك، ومحمد بن أحمد الفارفاني، وناصر الويرج. ٤٤٧ - سليمان الشَّاطبيُّ ويعرف بالبَيْغيِّ، نزيل سَبْتَة. روى عن أبي عمر بن عبد البر، وأبي العبَّاس العُذْري. حمل عنه القاضي

стр. 10660

عياض، وتوفي في حدود العشرين وخمسمائة (١). ٤٤٨ - علي بن عبد الله بن محمد بن الهيصم، الإمام أبو الحسن النيسابوري. أحد الوجوه، من أئمة أصحاب أبي عبد الله، البارع في الفنون، سمع الحديث في صباه، وسمع صحيح مسلم من أبي الحسين عبد الغافر، وسمع من أبيه، وله أولاد نجباء (٢). ٤٤٩ - علي بن هاشم بن طاهر أبو الحسين العلوي. ٤٥٠ - ومحمد بن أبي الهيثم القصار كذلك. ٤٥١ - عيسى بن شعيب بن إبراهيم، أبو عبد الله السجزي. شيخ صالح، خير، سكن هراة وولد له بها أبو الوقت، سمع علي بن بشرى الليثي. قال أبو سعد السعماني (٣): أجاز لي مسموعاته، ومات سنة نيف عشرة وخمسمائة. قلت: مر سنة اثنتي عشرة (٤). ٤٥٢ - محمد بن أحمد بن الحسين، أبو منصور الرزاز الخلال، ويعرف بالرفاء، أخو أبي تغلب. شيخ بغدادي عالي الإسناد، حدث في سنة سبع عشرة، وكان ذا دين وصلاح وتلاوة، ولد سنة ثمان وعشرين وأربعمائة في صفر، وسمع من الحافظ أبي محمد الخلال، وأبي طالب العشاري، والجوهري. روى عنه المبارك بن أحمد الأنصاري، وصالح بن زرعان التاجر، ويحيى بن بوش. ذكره ابن النجار.

стр. 10661

٤٥٣ - محمد بن أحمد بن جُوامَرْد، أبو بكر الشِّيرازيُّ النَّحويُّ عُرِفَ بالقطَّان. من نُحاة بغداد، أخذ عن عليّ بن فضَّال المجاشعي، وغيره. وسمع من عاصم بن الحسن وغيره. روى عنه السِّلفي، وأبو محمد الخشَّاب، وعلَّق عنه ابنُ الخشَّاب من النَّحو، وكان يعتمد على نقله، وقال: أنشدني سنة عشر ببغداد. وقد ذكره القِفْطي مختصرًا، وقال (١): وعنه أخذ ابن الخشَّاب حتى نُقِلَ عن ابن الخشَّاب أنه لم يقرأ النَّحو على غيره، ولم يذكر متى توفي. ٤٥٤ - محمد بن عبد الجبار بن محمد بن الحسن، أبو سعد الجويمي الفارسي، المقرئ الشيرازي. أحد من عني بالقراءات، ورحل إلى الآفاق فيها، وصنف فيها المصنفات، قرأ على أهل فارس وأصبهان وبغداد، وسمع من جماعة، قرأ بتستر على: أبي القاسم هبة الله بن علي بن عراك المغربي التاجر، تلميذ أبي عمرو الداني، وأبي علي الأهوازي، وقرأ بالأهواز على: أبي بكر محمد بن عبد الكريم الفرغاني، وببغداد على: أبي الخطاب ابن الجراح، وابن سوار، وسمع من طراد، وجماعة، وسكن بغداد، قرأ عليه: المبارك بن كامل الخفاف، وهبة الله ابن بدر العجان في سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وروى عنه معمر بن الفاخر. ٤٥٥ - محمد بن عبد الملك بن محمد، أبو بكر الأشتاني، المؤدب، الأديب، المعروف بالباقلاني، وأشتان من قرى بلد الخالص. سكن بباب الأزج يؤدب، روى عنه من شعره: منوجهر بن تركانشاه، وأبو نصر الرسولي، وأبو المعمر المبارك الأنصاري، قال أبو المعمر: أنشدنا لنفسه: قل للمليحة في الخمار المذهب … ذهب الزمان وحبكم لم يذهب وجمعت بين المذهبين فلم يكن … للحسن عن ذهبيهما من مذهب

стр. 10662

نور الخمار ونور وجهك نزهة … عجبًا لخدك، كيف لم يتلهب؟ وإذا بدت (١) عيني لتسرق نظرة … قال الجمال لها: اذهبي لا تذهب ٤٥٦ - المؤيد بن الجنيد بن محمد، أبو الفتوح الإسفراييني، الصوفي، شيخ الصوفية. قال عبد الغافر (٢): يختم في اليوم والليلة ويتهجد لصلاة الليل، ويقوم بحقوق الصوفية، سمع من سعيد بن أبي سعيد العيار، وتوفي قبل العشرين وخمسمائة. ٤٥٧ - نجا بن سعود الحبشي، مولى بني يوسف. سمع أبا الحسين ابن النقور، وغيره، وعنه أبو المعمر الأنصاري، ويحيى بن بوش. ٤٥٨ - هبة الله بن علي ابن العقاد، أبو الحسين العجلي، المؤدب. من فضلاء بغداد، روى عن أبي طالب بن غيلان. قال ابن السمعاني: كان أديبا لسنًا، له بلاغة وفصاحة وفيه دين وعفة، سمع بإفادة أبيه. حدثنا عنه أبو المعمر الأزجي، ومحمد بن علي بن عبد السلام الكاتب. ٤٥٩ - هبة الله بن علي بن محمد البغداديُّ، أبو محمد. عن أبي محمد الجوهري. وعنه أبو المُعَمَّر. ٤٦٠ - هبة الله بن عليّ بن محمد، أبو البركات الكرْخيُّ الحاجب. عن أبي جعفر ابن المُسْلمة. وعنه أبو المُعَمَّر أيضًا. ٤٦١ - هبة الله بن عليّ بن محمد، أبو نصر ابن المُجْلي البابَّصريُّ. فاضل، ديِّن، ثقة، له تخاريج وجموع وخُطب. سمع أبا جعفر ابن المُسْلِمَة، وأبا الغنائم ابن المأمون. روى عنه أبو البركات بن أبي سعد بعض خُطَبه. وقد سَمِعَ الكثير.

стр. 10663

٤٦٢ - يحيى بن علي بن عبد اللطيف، أبو الحسن التنوخي المعري، الأديب. ذكر أنه سمع من أبي صالح محمد بن المهذب بالمعرة، وروى أناشيد عن عبد الباقي بن أبي حصين المعري، وغيره. كتب عنه السلفي، وقال (١): هو حفظة للتواريخ وأخبار العرب والملوك، وأشعار القدماء والمحدثين، قال لي قاضي دمشق أبو المعالي: هذا تاريخ الشام. قال السلفي (٢): وكان يتحرى الصدق، ويذكر بالصلاح. قال السلفي (٣): أنشدنا يحيى بن علي، قال: حفظني أبي هذين البيتين، ثم أمر غلامنا، فحملني إلى أبي العلاء المعري، فقرأتهما عليه، وهما له: إلى الله أشكو أنني كل ليلة … إذا نمت لم أعدم طوارق أوهام فإن كان شرا فهو لا بد واقع … وإن كان خيرا فهو أضغاث أحلام ٤٦٣ - يوسف بن أحمد بن عبد الله، أبو يعقوب اللجامي الغزنوي، الواعظ الشهير. سار ذكره في الآفاق، وتخرج به العلماء، وله رحلة إلى العراق وغيرها، وعمر حتى صار يحمل في محفة. ذكره السمعاني هكذا فيمن أجاز له، وقال (٤): سمع أبا بكر بن ريذة الضبي، وخاله محمد بن أحمد بن حمدان الحدادي، ويوسف بن إسرائيل القاضي، وأبا محمد سعيد بن إسحاق المفسر، وأبا عثمان العيار، وعلي بن نصر الدينوري اللبان، وأبا جعفر محمد بن إسحاق البحاثي الزوزني، توفي بغزنة في السنة التي توفي فيها القاضي الفخر.

стр. 10664

كذا قال، ولم أعرف وفاة الفخر. *- أبو عدنان، محمد بن أبي نزار. مر سنة ست عشرة وخمسمائة (١). (آخر الطبقة والحمد لله)

стр. 10665

الطبقة الثالثة والخمسون (٥٢١ - ٥٣٠ هـ)

стр. 10666

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) سنة إحدى وعشرين وخمسمائة قد ذكرنا أن أهل بغداد كلهم كانوا بالجانب الغربي، وعسكر محمود في الجانب الشرقي، وتراموا بالنشاب، ثم إن جماعة من عسكر محمود حاولوا الدخول إلى دار الخلافة من باب النوبي، فمنعتهم الخاتون، فجاءوا إلى باب الغربة في رابع المحرم، ومعهم جمع من الساسة والرعاع، فأخذوا مطارق الحدادين، وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلى التاج فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشط، فخرج الجواري حاسرات يلطمن، ودخلن دار خاتون، وضج الخلق، فبلغ الخليفة، فخرج من السرادق، وابن صدقة بين يديه، وقدموا السفن في دفعةً واحدة، ودخل عسكر الخليفة، وألبسوا الملاحين السلاح، وكشفوا عنهم بالنشاب، ورمى العيارون أنفسهم في الماء وعبروا، وصاح المسترشد بالله بنفسه: يا آل بني هاشم، فصدق الناس معه القتال، وعسكر السلطان مشغولون بالنهب، فلما رأوا عسكر الخليفة ذلوا وولوا الأدبار، ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل وراءهم البغداديون وأسروا جماعة، وقتلوا جماعة من الأمراء، ونهب العامة دور أصحاب السلطان، ودار وزيره، ودار العزيز أبي نصر المستوفي، وأبي البركات الطيب، وأخذ من داره ودائع وغيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف، وقتل من أصحاب السلطان عدةٌ وافرةٌ في الدروب والمضائق. ثم عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرم بالجيش، وهم نحو ثلاثين ألف مقاتل بالعوام وأهل البر، وحفروا بالليل خنادق عند أبواب الدروب، ورتب على أبواب المحال من يحفظها، وبقي القتال أيامًا إلى يوم عاشوراء، انقطع القتال، وترددت الرسل، ومال الخليفة إلى الصلح والتحالف، فأذعن

стр. 10667

السلطان وأحب ذلك، وراجع الطاعة، واطمأن الناس، وطمت الخنادق، ودخل أصحاب السلطان يقولون: لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزًا، ولولا الصلح لمتنا جوعًا، وكانوا يسلقون القمح ويأكلونه، فما رؤي سلطانٌ حاصر فكان هو المحاصر، إلا هذا، وظهر منه حلم وافر عن العوام، وبعث الخليفة مع علي بن طراد إلى سنجر خلعًا وسيفين، وطوقًا ولواءين، ويأمره بإبعاد دبيس من حضرته. وجاء الخبر بأن سنجر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا، فقتلوا وزيره المعين، لأنه كان يحرض عليهم وعلى استئصالهم، فتحيل رجل منهم، وخدم سائسًا لبغال المعين، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله، وقتل بعده، وكان هذا الوزير ذا دين ومروءة، وحسن سيرة. ومرض السلطان محمود في الميدان، وغشي عليه، ووقع من فرسه، واشتد مرضه، ثم تماثل فركب، ثم انتكس، وأرجف بموته ثم خلع عليه وهو مريض، وأشار عليه الطبيب بالرواح من بغداد، فرحل يطلب همذان، وفوض شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي. وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه، وعلى الوزير فصادره وحبسه، وكان السبب أن الوزير تكلم على العزيز، وأن برنقش (١) الزكوي تكلم على الوزير، ثم بعث السلطان إلى أنوشروان بن خالد الملقب شرف الدين، وهو ببغداد، فاستوزره، فلم يكن له ما يتجهز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخيم والخيل، فرحل إلى أصبهان في أول رمضان في السنة، أقام في الوزارة عشرة أشهر، واستعفى وعاد إلى بغداد. وفي رمضان وصل مجاهد الدين بهروز إلى بغداد، وقد فوض إليه السلطان بغداد والحلة، وفوض إلى زنكي الموصل، فسار إليها. ومات عز الدين مسعود بن آقسنقر البرسقي في هذه السنة، وكان قد ولي الموصل بعد قتل والده، واتفق موته بالرحبة، فإنه سار إليها، وكان بطلًا شجاعًا، عالي الهمة، رد إليه السلطان جميع إقطاع والده، وطمع في التغلب

стр. 10668

على الشام، فسار بعساكره، فبدأ بالرحبة، فحاصرها، ومرض مرضًا حادًا، فتسلم القلعة، ومات بعد ساعة، وبقي مطروحًا على بساط، وتفرق جيشه، ونهب بعضهم بعضًا، فأراد غلمانه أن يقيموا ولده، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج، لعنهم الله. وفيها سئل أبو الفتح الإسفراييني في مجلسه ببغداد عن الحديث: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، فقال: لم يصح، والحديث في الصحيح (١). وقال يومًا على المنبر: قيل يا رسول الله، كيف أصبحت؟ فقال: أعمى بين العميان، ضالًا بين الضلال، فاستحضره الوزير، فأقر، وأخذ يتأول تأولات فاسدة، فقال الوزير للفقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرس النظامية: لو قال هذا الشافعي ما قبلنا منه، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته، فمنع من الجلوس بعد أن استقر أنه يجلس، ويشد الزنار، ثم يقطعه ويتوب، ثم يرحل، فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، وكان أشعريًا، فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب العوام، فافتتن به خلق، وزادت الفتن ببغداد، وتعرض أصحابه لمسجد ابن جردة فرجموه، ورجم معهم أبو الفتوح، وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مسللة، ثم اجتاز بسوق الثلاثاء، فرجم ورميت عليه الميتات، ومع هذا يقول: ليس هذا الذي نتلوه كلام الله، إنما هو عبارة ومجاز (٢)، ولما مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد، وغلقت الأسواق، وكان عوام الحنابلة يصيحون على عادتهم: هذا يوم سني حنبلي لا أشعري ولا قشيري ويصرحون بسب أبي الفتوح هذا، فمنعه المسترشد بالله من الجلوس، وأمره أن يخرج من بغداد، وكان ابن صدقة يميل إلى السنة، فنصرهم.

стр. 10669

ثم ظهر عند إنسان كراس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، وقد كتب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات، ففتش على كاتبها، فإذا هو مودب، فكبس بيته، فإذا فيه كراريس كذلك، فحمل إلى الديوان، وسئل عن ذلك، فأقر، وكان من أصحاب أبي الفتوح، فنودي عليه على حمار، وشهر، وهمت العامة بإحراقه، ثم أذن لأبي الفتوح، فجلس. وظهر في هذه الأيام الشيخ عبد القادر الجيلي، فجلي في الحلبة، فتشبث به أهل السنة، وانتصروا بحسن اعتقاد (١) الناس فيه (٢). سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فيها توفي ابن صدقة الوزير، وناب في الوزارة علي بن طراد. وفيها ذهب السلطان محمود إلى السلطان سنجر، فاصطلحا بعد خشونة، ثم سلم سنجر إليه دبيسًا، وقال: تعزل زنكي ابن آقسنقر عن الموصل والشام، وتسلم البلاد إلى دبيس، وتسأل الخليفة أن يرضى عنه، فأخذه ورحل. وقال أبو الحسن ابن الزاغوني: تقدم إلى نقيب النقباء ليخرج إلى سنجر، فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار، ليعفى، فتقدم إلى شيخ الشيوخ ليخرج، فرفع إلى الخزانة خمسة عشر ألف دينار ليعفى. وتطاول للوزارة عز الدولة بن المطلب، وابن الأنباري، وناصح الدولة ابن المسلمة، وأحمد ابن نظام الملك، فمنعوا من الكلام في ذلك. وفي أول السنة سار عماد الدين زنكي فملك حلب، وعظم شأنه، واتسعت دولته. سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة في المحرم دخل السلطان محمود بغداد، وأقام دبيس في بعض الطريق، واجتهد في أن يمكن دبيس من الدخول فلم يمكن ونفذ إلى زنكي ليسلم البلاد إلى دبيس فامتنع.

стр. 10670

وأمر السلطان بالختم على أموال وقف مدرسة أبي حنيفة ومطالبة العمال بالحساب، ووكل بقاضي القضاة الزينبي لذلك، وكان قد قيل للسلطان: إن دخل المكان ثمانون ألف دينار، ما ينفق عليه عشره. وفي ربيع الآخرة خلع المسترشد على أبي القاسم علي بن طراد واستوزره. وضمن زنكي أن ينفذ للسلطان مائة ألف دينار، وخيلًا، وثيابًا، على أن يقر في مكانه، واستقر الخليفة على مثل ذلك، على أن لا يولى دبيس شيئًا، وباع الخليفة عقارًا بالحريم، وقرى لذلك، وما زال يصحح، ثم إن دبيسًا دخل إلى بغداد بعد جلوس الوزير ابن طراد، ودخل دار السلطان، وركب في الميدان ورآه الناس. وجاء زنكي فخدم السلطان، وقدم تحفا، فخلع عليه، وأعاده إلى المنصب ورحل السلطان، وسلمت الحلة والشحنكية إلى بهروز. وكانت بنت سنجر التي عند ابن عمها السلطان محمود قد تسلمت دبيسًا من أبيها، فكانت تشد منه وتمانع عنه، فماتت، ومرض السلطان محمود، فأخذ دبيس ولدًا صغيرًا لمحمود، فلم يعلم به حتى قرب من بغداد، فهرب بهروز من الحلة، فقصدها دبيس ودخلها في رمضان وبعث بهروز عرف السلطان، فطلب قزل والأجهيلي، وقال: أنتما ضمنتما دبيسًا، فلا أعرفه إلا منكما. وساق الأجهيلي يطلب العراق، فبعث دبيس إلى المسترشد: إن رضيت عني رددت أضعاف ما نفذ من الأموال، فقال الناس: هذا لا يؤمن، وباتوا تحت السلاح طول رمضان، ودبيس يجمع الأموال، ويأخذ من القرى، حتى قيل: إنه حصل خمسمائة ألف دينار، وإنه قد دون عشرة آلاف، بعد أن كان قد وصل في ثلاثمائة فارس، ثم قدم الأجهيلي بغداد، وقبل يد الخليفة، وقصد الحلة، وجاء السلطان إلى حلوان، فبعث دبيس إلى السلطان رسالة وخمسين مهرًا عربية، وثلاثة أحمال صناديق ذهب، وذكر أنه قد أعد إن رضي عنه الخليفة ثلاثمائة حصان، ومائتي ألف دينار، وإن لم يرض عنه دخل البرية، فبلغه أن السلطان حنق عليه، فأخذ الصبي وخرج من الحلة، وسار إلى

стр. 10671

البصرة، وأخذ منها أموالًا كثيرة، وقدم السلطان بغداد، فبعث لحربه قزل في عشرة آلاف فارس، فسار دبيس ودخل البرية. وفي سنة ثلاث أظهر عماد الدين زنكي بن آقسنقر أنه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إلى تاج الملوك بوري يستنجده، فبعث له عسكرًا بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق، وأمر ولده سونج أن يسير إليه من حماة، ففعل فأكرمهم زنكي، وطمنهم أيامًا، وغدر بهم، وقبض على سونج، وعلى أمراء أبيه، ونهب خيامهم، وحبسهم بحلب، وهرب جندهم، ثم سار ليومه إلى حماة، فاستولى عليها، ونازل حمص ومعه صاحبها خيرخان (١) فأمسكه، فحاصرها مدة، ولم يقدر عليها ورجع إلى الموصل، ولم يطلق سونج ومن معه حتى اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار، ثم لم يتم ذلك، ومقت الناس زنكي على قبيح فعله. وفيها وثبت الباطنية على عبد اللطيف ابن الخجندي رئيس الشافعية بأصبهان، ففتكوا به. وأما بهرام، فإنه عتى وتمرد على الله، وحدثته نفسه بقتل برق بن جندل من مقدمي وادي التيم لا لسبب، فخدعه إلى أن وقع في يده فذبحه، وتألم الناس لذلك لشهامته وحسنه وحداثة سنه، ولعنوا من قتله علانية، فحملت الحمية أخاه الضحاك وقومه على الأخذ بثأره، فتجمعوا وتحالفوا على بذل المهج في طلب الثأر، فعرف بهرام الحال، فقصد بجموعه وادي التيم، وقد استعدوا لحربه، فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود، وبيتوه وبذلوا السيوف في البهرامية، وبهرام في مخيمه، فثار هو وأعوانه إلى السلاح، فأرهقتهم سيوف القوم وخناجرهم وسهامهم، وقطع رأس بهرام لعنه الله. ثم قام بعده صاحبه إسماعيل العجمي، فحذا في الإضلال والاستغواء حذوه، وعامله الوزير المزدقاني بما كان يعامل به بهرامًا، فلم يمهله الله، وأمر الملك بوري بضرب عنقه في سابع عشر رمضان، وأحرق بدنه، وعلق رأسه،

стр. 10672

وانقلب البلد بالسرور وحمد الله وثارت الأحداث والشطار في الحال بالسيوف والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم، ومن يتهم بمذهبهم، وتتبعوهم حتى أفنوهم، وامتلأت الطرق والأسواق بجيفهم، وكان يومًا مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأخذ جماعةٌ أعيانٌ منهم شاذي الخادم تربية أبي طاهر الصائغ الباطني الحلبي، وكان هذا الخادم رأس البلاء، فعوقب عقوبة شفت القلوب، ثم صلب هو وجماعة على السور. وبقي حاجب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذواد مفرج بن الحسن ابن الصوفي يلبسان الدروع، ويركبان وحولهما العبيد بالسيوف، لأنهما بالغا في استئصال شأفة الباطنية. ولما سمع إسماعيل الداعي وأعوانه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلوا، وسلم إسماعيل بانياس إلى الفرنج، وتسلل هو وطائفته إلى البلاد الإفرنجية في الذلة والقلة، ثم مرض إسماعيل بالإسهال، وهلك في أوائل سنة أربعٍ وعشرين، فلما عرف الفرنج بواقعة الباطنية، وانتقلت إليهم بانياس، قويت نفوسهم، وطمعوا في دمشق، وحشدوا وتألبوا، وتجمعوا من الرها، وأنطاكية، وطرابلس، والسواحل، والقدس، ومن البحر، وعليهم كندهر الذي تملك عليهم بعد بغدوين، فكان نحوًا من ستين ألفًا، من بين فارسٍ وراجل، فتأهب تاج الملوك بوري، وطلب التركمان والعرب، وأنفق الخزائن، وأقبل الملاعين قاصدين دمشق، فنزلوا على جسر الخشب والميدان في ذي القعدة من السنة، وبرز عسكر دمشق، وجاءت التركمان والعرب، وعليهم الأمير مري (١) بن ربيعة وتعبوا كراديسٍ في عدة جهات، فلم يبرز أحد من الفرنج، بل لزموا خيامهم، فأقام الناس أيامًا هكذا، ثم وقع المصاف، فحمل المسلمون، وثبت الفرنج، فلم يزل عسكر الإسلام يكر عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخذلوا، ثم ولى كليام مقدم شجعانهم في فريقٍ من الخيالة، ووضع المسلمون فيهم السيف، وغودروا صرعى، وغنم المسلمون غنيمة لا تحد ولا توصف، وهرب جيش الفرنج في الليل، وابتهج الخلق بهذا الفتح المبين.

стр. 10673

ومنهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربعٍ كما يأتي، وانفرجت الكربة وجاء من نصر الله تعالى ما لم يخطر ببال، وأمن الناس، وخرجوا إلى ضياعهم، وتبدلوا بالأمن بعد الخوف. وفيها قتل من كان يرمى بمذهب الباطنية بدمشق، وكان عددهم ستة آلاف، وكان قد قتل ببغداد من مديدة إبراهيم الأسداباذي، وهرب ابن أخيه بهرام إلى الشام وأضل خلقا بها واستغواهم، ثم إن طغتكين ولاه بانياس، فكانت هذه من سيئات طغتكين، عفا الله عنه، وأقام بهرام له بدمشق خليفة يدعو إلى مذهبه، فكثر بدمشق أتباعه، وملك بهرام عدة حصون من الجبال منها القدموس، وكان بوادي التيم طوائف من الدرزية والنصيرية والمجوس، واسم كبيرهم الضحاك، فسار إليهم بهرام وحاربهم، فكبس الضحاك عسكر بهرام، وقتل طائفة منهم، ورجعوا إلى بانياس بأسوأ حال، وكان المزدقاني وزير دمشق يعينهم ويقويهم، وأقام بدمشق أبا الوفاء، فكثر أتباعه وقويت شوكته، وصار حكمه في دمشق مثل حكم طغتكين، ثم إن المزدقاني راسل الفرنج، لعنهم الله، ليسلم إليهم دمشق، ويسلموا إليه صور، وتواعدوا إلى يوم جمعة، وقرر المزدقاني مع الباطنية أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لا يمكنون أحدًا من الخروج، ليجيء الفرنج ويملك دمشق، فبلغ ذلك تاج الملوك بوري، فطلب المزدقاني وطمنه، وقتله وعلق رأسه على باب القلعة، وبذل السيف في الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف، وكان ذلك فتحًا عظيمًا في الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان، فخاف الذين ببانياس وذلوا، وسلموا بانياس إلى الفرنج، وصاروا معهم، وقاسوا ذلًا وهوانًا. وجاءت الفرنج ونازلت دمشق، فجاء إلى بغداد في النفير عبد الوهاب الواعظ ابن الحنبلي، ومعه جماعة من التجار، وهموا بكسر المنبر، فوعدوا بأن ينفذ إلى السلطان في ذلك، وتناخى عسكر دمشق والعرب والتركمان، فكبسوا الفرنج، وثبت الفريقان، ونصر الله دينه، وقتل من الفرنج خلق، وأسر منهم ثلاثمائة، وراحوا بشر خيبة، ولله الحمد.

стр. 10674

سنة أربع وعشرين وخمسمائة وردت أخبار بأن في جمادى الأولى ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل مطرًا عظيمًا، وأمطر عليهم نارًا أحرقت من البلد مواضع ودورًا كثيرة، وهرب الناس. وفيها كسرت الفرنج على دمشق، وقتل منهم نحو عشرة آلاف، ولم يفلت منهم سوى أربعين، وصل الخبر إلى بغداد بذلك، وكانت ملحمة عظيمة. وفيها كانت ملحمة كبرى بين ابن تاشفين، وبين جيش ابن تومرت، فقتل من الموحدين ثلاثة عشر ألفًا، وقتل قائدهم عبد الله الونشريسي، ثم تحيز عبد المؤمن بباقي الموحدين، وجاء خبر الهزيمة إلى ابن تومرت وهو مريض، ثم مات في آخر السنة. وفيها راسل زنكي ابن آقسنقر صاحب حلب تاج الملوك بوري يلتمس منه إنفاذ عسكره ليحارب الفرنج، فتوثق منه بأيمانٍ وعهود، ونفذ خمسمائة فارس، وأرسل إلى ولده سونج وهو على حماة أن يسير إلى زنكي، فأحسن ملتقاهم وأكرمهم، ثم عمل عليهم، وغدر بهم، وقبض على سونج وجماعة أمراء، ونهب خيامهم، وهرب الباقون، ثم زحف إلى حماة فتملكها، ثم ساق إلى حمص، وغدر بصاحبها خيرخان بن قراجا واعتقله، ونهب أمواله، وطلب منه أن يسلمه حمص، ففعل، فأبى عليه نوابه بها، فحاصرها زنكي مدة، ورجع إلى الموصل ومعه سونج، ثم أطلقه بمالٍ كثير (١). وفيها قتل صاحب مصر الخليفة الآمر بأحكام الله. وفي سنة أربعٍ قتل أمير سمرقند، فسار السلطان سنجر فاستولى عليها، ونزل محمد خان من قلعتها بالأمان، وهو زوج بنت سنجر، وأقام سنجر بسمرقند مدة. وأما أهل حلب فكانوا مع الفرنج الذين استولوا على حصن الأثارب في ضرٍ شديد لقربهم منهم، والأثارب على ثلاثة فراسخ من غربي حلب، فجاء عماد الدين زنكي في هذا العام وحاصره، فسارت ملوك الفرنج لنجدته

стр. 10675

وللكشف عنه، فالتقاهم زنكي، واشتد الحرب، وثبت الفريقان ثباتًا كليًا، ثم وقعت الكسرة على الملاعين، ووضع السيف فيهم، وأسر منهم خلق، وكان يومًا عظيمًا، وافتتح زنكي الحصن عنوةً، وجعله دكًا. ثم نزل على حارم، وهي بالقرب من أنطاكية، فحاصرها، وصالحهم على نصف دخلها، ومنها ذلت الفرنج، وعلموا عجزهم عن زنكي، واشتد أزر المسلمين. وعدّى زنكي الفراة (١)، فنازل بعض ديار بكر، فحشد صاحب ماردين لقتاله، ونجده ابن عمه داود بن سقمان من حصن كيفا، وصاحب آمد، حتى صاروا في عشرين ألفًا، فهزمهم زنكي، وأخذ بعض بلادهم. وفيها مات الآمر بأحكام الله صاحب مصر (٢)، وولي بعده الحافظ. وفيها ماتت زوجة السلطان محمود خاتون بنت السلطان سنجر. وفيها قتل بيمند صاحب أنطاكية. وفيها وزر بدمشق الرئيس مفرج ابن الصوفي. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة، لها شوكتان، وخاف الناس منها وقد قتلت جماعة أطفال. وفيها تملك السلطان محمود قلعة ألموت. سنة خمس وعشرين وخمسمائة فمن الحوادث أن دبيسًا ضل في البرية، فقبض عليه مخلد بن حسان بن مكتوم الكلبي بأعمال دمشق، وتمزق أصحابه وتقطعوا، فلم يكن له منجى من العرب، فحمل إلى دمشق، فباعه أميرها ابن طغتكين من زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه، لكنه أكرمه وخوله المال والسلاح، وقدمه على نفسه. وقد ساق ابن الأثير قصة دبيس فقال (٣): لما فارق البصرة قصد الشام، لأنه جاءه من طلبه إلى صرخد، وكان قد مات صاحبها، وغلبت سريته

стр. 10676

على القلعة، وحدثوها بما جرى على دبيس، فطلبته للتزوج به، وتسلم إليه صرخد بما فيها، فجاء إلى الشام في البرية، فضل ونزل بأناس من كلب بالمرج، فحملوه إلى تاج الملوك، فحبسه، وعرف زنكي صاحب الموصل، فبعث يطلبه من تاج الملوك، على أن يطلق ولده سونج ومن معه من الأمراء، وإن لم يفعل جاء وحاصره بدمشق، وفعل وفعل، فأجاب تاج الملوك، وسلم إليه دبيسًا، وجاءه ولده والأمراء، وأيقن دبيس بالهلاك للعداوة البليغة التي بينه وبين زنكي، ففعل معه خلاف ما ظن، وبالغ في إكرامه، وغرم عليه أموالًا كثيرة، وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك. ولما جرى على الباطنية ما ذكرناه عام ثلاثةٍ وعشرين تحرقوا على تاج الملوك، وندبوا لقتله رجلين، فتوصلا حتى خدما في ركابه، ثم وثبا عليه في جمادى الآخرة سنة خمسٍ، فجرحاه، فلم يصنعا شيئًا، وهبروهما بالسيوف، وخيط جرح بعنقه فبرأ، والآخر بخاصرته، فتنسر، وكان سببًا لهلاكه. وفيها توفي الشيخ حماد الدباس الزاهد ببغداد. قال ابن واصل (١): وفي المحرم سنة خمسٍ وعشرين توجه زنكي راجعًا من الشام إلى الموصل. وفي ربيع الآخر من السنة رد السلطان محمود أمر العراق إلى زنكي، مضافًا إلى ما بيده من الشام والجزيرتين. وتوفي للمسترشد ابنٌ بالجدري، عمره إحدى وعشرون سنة. وتوفي السلطان محمود، فأقاموا ابنه داود مكانه، وأقيمت له الخطبة ببلاد الجبل وأذربيجان، وكثرت الأراجيف، وأراد داود قتال عمه مسعود. سنة ست وعشرين وخمسمائة فيها سار الملك مسعود بن محمد إلى بغداد في عشرة آلاف فارس، وورد قراجا الساقي معه سلجوق شاه بن محمد أخو مسعود، وكلاهما يطلب السلطنة، وانحدر زنكي من الموصل لينضم إلى مسعود أو سلجوق، فأرجف الناس بمجيء عمهما سنجر، فعملت الستور وجبي العقار، وخرجوا بأجمعهم متوجهين لحرب سنجر، وألزم المسترشد قراجا بالمسير، فكرهه ولم يجد بدًا

стр. 10677

من ذلك، وبعث سنجر يقول: أنا العبد، ومهما أريد مني فعلت، فلم يقبل منه، ثم خرج المسترشد بعد الجماعة، وقطعت خطبة سنجر، وقدم سنجر همذان، فكانت الوقعة قريبًا من الدينور. قال ابن الجوزي (١): وكان مع سنجر مائة ألف وستون ألفًا، وكان مع قراجا ومسعود ثلاثون ألفًا، وكانت ملحمة كبيرة، أحصي القتلى فكانوا أربعين ألفًا، وقتل قراجا، وأجلس طغرل على سرير الملك، بقيام عمه سنجر. وكان طغرل يوم المصاف على ميمنة عمه، وكان على الميسرة خوارزم شاه بن آتسز بن محمد، فبدأهم قراجا بالحملة، فحمل على القلب بعشرة آلاف، فعطف على جنبتي العشرة آلاف ميمنة سنجر وميسرته، فصار في الوسط، وقاتلوا قتال الموت وأثخن قراجا بالجراحات، ثم أسروه، فانهزم الملك مسعود، وذلك في ثامن رجب، وقتل قراجا وجاء مسعود مستأمنًا إلى السلطان سنجر، فأكرمه وأعاده إلى كنجة وصفح عنه وعاد سنجر إلى بلاده. وجاء زنكي ودبيس في سبعة آلاف ليأخذا بغداد، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد، وكسرة عسكره، فخرج من السرادق بيده السيف مجذوب، وسكن الأمر، وخاف هو، وعاد من خانقين، وإذا بزنكي ودبيس قد قاربا بغداد من غربيها، فعبر الخليفة إليهم في ألفين، وطلب المهادنة، فاشتطا عليه، فحاربهما بنفسه وعسكره، فانكسرت ميسرته، فكشف الطرحة ولبس البردة، وجذب السيف، وحمل، فحمل العسكر، فانهزم زنكي ودبيس، وقتل من جيشهما مقتلة عظيمة، وطلب زنكي تكريت، ودبيس الفرات منهزمين. وفيها هلك بغدوين الرويس ملك الفرنج بعكا، وكان شيخًا مسنًا، داهية، ووقع في أسر المسلمين غير مرة في الحروب، ويتخلص بمكره وحيله، وتملك بعده القومص كندانجور، فلم يكن له رأي، فاضطربوا واختلفوا ولله الحمد. وتملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بعد أبيه تاج الملوك بوري بن طغتكين، فقام بأعباء الأمر، وخافته الفرنج، ومهد الأمور، وأبطل بعد المظالم، وفرح الناس بشهامته وفرط شجاعته، واحتملوا ظلمه.

стр. 10678

وفيها كانت وقعة بهمذان بين طغرل بن محمد وبين داود بن محمود بن محمد، فانتصر طغرل. وفيها وزر أنوشروان بن خالد للمسترشد بعد تمنع، واستعفاء. وعاد دبيس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، فجمع وحشد، وكانت الحلة وأعمالها في يد إقبال المسترشدي، وأمد بعسكرٍ من بغداد، فهزم دبيسا، وحصل دبيس في أجمة فيها ماء وقصب ثلاثة أيام، لا يأكل شيئًا، حتى أخرجه جماس على ظهره وخلصه. وقدم الملك داود بن محمود إلى بغداد. وفيها قبض الخليفة على الوزير شرف الدين، وأخذ سائر ما في دياره. سنة سبع وعشرين وخمسمائة خطب لمسعود بن محمد بالسلطنة ببغداد في صفر، ومن بعده لداود، وخلع عليهما وعلى الأمير آقسنقر الأحمديلي مقدم جيوش السلطان محمود، وهو المقيم داود بعده في الملك، واستقر مسعود بهمذان. وكانت وقعة انهزم فيها طغرل، ثم قتل آقسنقر، قتلته الباطنية. وفيها قصد أمراء التركمان الجزريون بلاد الشام، فأغاروا على بلاد طرابلس، وغنموا وسبوا، فخرج ملك طرابلس بالفرنج، فتقهقر التركمان، ثم كروا عليه فهزموه، وقتلوا في الفرنج فأكثروا وأطيبوا، فالتجأ إلى حصن بعرين، فحاصرته التركمان أيامًا، وخرج في الليل هاربًا، فجمعت الفرنج وسار لنجدته ملوكهم، ورد فواقع التركمان ونال منهم. وفيها وقع الخلف بين الفرنج بالشام، وتحاربوا وقتل منهم، ولم يجر لهم بذلك سابقة. وفيها واقع الأمير سوار نائب زنكي على حلب الفرنج، فقتل من الفرنج نحو الألف، ولله الحمد. وفيها وثب على شمس الملوك صاحب دمشق مملوك نجدة، فضربه بسيفٍ فلم يغن شيئًا، وقتلوه بعد أن أقر على جماعة وادعى أنه إنما فعل ذلك ليريح المسلمين من ظلمه وعسفه، فقتل معه جماعة. وقتل شمس الملوك أخاه سونج الذي أسره زنكي، فحزن الناس عليه.

стр. 10679

وفيها جمع دبيس جمعًا بواسط، وانضم إليه جماعة من واسط، فنفذ الخليفة لحربه البازدار وإقبال الخادم، فهزموه وأسروا بختيار. وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات والأعلام إلى الجانب الغربي في شعبان، ونودي ببغداد: من تخلف من الجند حل دمه، ثم سار أمير المؤمنين في اثني عشر ألف فارس، ونفذ إلى بهروز يقول له: تنزل عن القلعة، وتسلم الأموال، وتدخل تحت الطاعة، فقال: أنا رجل كبير عاجز، ولكن أنفذ الإقامات وتقدمة، ففعل وعفي عنه، ووصل الخليفة الموصل في العشرين من رمضان، فحاصرها ثمانين يومًا، وكان القتال كل يوم، ووصل إليه أبو الهيج الكردي من الجبل في عساكر كثيرة. ثم إن زنكي بعث إلى الخليفة: إني أعطيك الأموال، وترحل عنا، فلم يجبه، ثم رحل، فقيل: كان سبب رحيله أنه بلغه أن السلطان مسعودًا قد غدر وقتل الأحمديلي، وخلع على دبيس. قال ابن الجوزي (١): وتوفي شيخنا ابن الزاغوني، فأخذ حلقته بجامع القصر أبو علي ابن الراذاني، ولم أعطها لصغري، فحضرت عند الوزير أنوشروان، وأوردت فصلًا في الوعظ، فأذن لي في الجلوس بجامع المنصور، فحضر مجلسي أول يومٍ الكبار من أصحابنا عبد الواحد بن شنيف، وأبو علي بن القاضي، وابن قشامي، وقوي اشتغالي بفنون العلم، وأخذت عن أبي بكر الدينوري الفقه، وعن ابن الجواليقي اللغة، وتتبعت مشايخ الحديث. وفيها أخذ شمس الملوك بانياس من الفرنج بالسيف، وقلعتها بالأمان، فلما نزلوا أسروا كلهم، وقدم شمس الملوك دمشق مؤيدًا منصورًا، والأسرى بين يديه ورؤوس القتلى، ورأى الناس ما أقر أعينهم، فلله الحمد، وكان يومًا مشهودًا. وفيها مات صاحب مكة أبو فليتة، وولي بعده أبو القاسم. وفيها نازل ابن رذمير مدينة أفراغه، فحاصرها وبها ابن مرديش.

стр. 10680

سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فيها لع على إقبال الخادم خلعة الملك، ولقب سيف الدولة ملك العرب. ووقع الصلح مع زنكي بن آقسنقر، وجاء منه الحمل. وصرف عن الوزارة أنوشروان، وأعيد أبو القاسم بن طراد، وقبض على نظر الخادم وسجن وأخذت أمواله، وخلع على ابن طراد خلعة الوزارة، وأعطي فرسًا برقبة (١)، وثلاثة عشر حمل كوسات، وأعلامًا ومهدًا. وقدم رسول السلطان سنجر، فخلع عليه، وأرسل إلى سنجر مع رسوله، ومع ابن الأنباري خلع عظيمة الخطر بمائة وعشرين ألف دينار. وبعث الخليفة إلى بهروز الخادم، وهو بالقلعة، يطلب منه حملًا فأبى، فبعث جيشًا لقتاله، فحاصروه. وقدم ألبقش السلحدار التركي طالبًا للخدمة مع الخليفة. ثم إن الخليفة خلع على الأمراء، وعرض الجيش يوم العيد، ونادى: لا يختلط بالجيش أحد، ومن ركب بغلًا أو حمارًا أبيح دمه، وخرج الوزير وصاحب المخزن والقاضي ونقيب النقباء، وأركان الدولة في زي لم ير مثله من الخيل والزينة والعسكر الملبس، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس. وعاد طغرل إلى همذان وانضمت إليه عساكر كثيرة، وتوطد له الملك، وانحل أمر أخيه مسعود، وسببه أن الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه، فأشار دبيس على طغرل بأخذها، وإظهار أن الخليفة بعثها له، ففعل وبعث الخليفة يحث مسعودًا على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زي التركمان، وخاطر إلى أن وصل بغداد في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة تحفًا كثيرة. وعثر على بعض الأمراء أنه يكاتب طغرل، فقبض عليه الخليفة، فهرب بقية الأمراء إلى مسعود، وقالوا: نحن عبيدك، فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة، فطلبهم الخليفة، فقال مسعود: قد التجؤوا إلي، فقال الخليفة: إنما أفعل هذا لأجلك، وأنصبك نوبة بعد نوبة، ووقع الاختلاف بينهما، وشاش العسكر،
следующие страницы →