← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

على القلعة، وحدثوها بما جرى على دبيس، فطلبته للتزوج به، وتسلم إليه صرخد بما فيها، فجاء إلى الشام في البرية، فضل ونزل بأناس من كلب بالمرج، فحملوه إلى تاج الملوك، فحبسه، وعرف زنكي صاحب الموصل، فبعث يطلبه من تاج الملوك، على أن يطلق ولده سونج ومن معه من الأمراء، وإن لم يفعل جاء وحاصره بدمشق، وفعل وفعل، فأجاب تاج الملوك، وسلم إليه دبيسًا، وجاءه ولده والأمراء، وأيقن دبيس بالهلاك للعداوة البليغة التي بينه وبين زنكي، ففعل معه خلاف ما ظن، وبالغ في إكرامه، وغرم عليه أموالًا كثيرة، وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك. ولما جرى على الباطنية ما ذكرناه عام ثلاثةٍ وعشرين تحرقوا على تاج الملوك، وندبوا لقتله رجلين، فتوصلا حتى خدما في ركابه، ثم وثبا عليه في جمادى الآخرة سنة خمسٍ، فجرحاه، فلم يصنعا شيئًا، وهبروهما بالسيوف، وخيط جرح بعنقه فبرأ، والآخر بخاصرته، فتنسر، وكان سببًا لهلاكه. وفيها توفي الشيخ حماد الدباس الزاهد ببغداد. قال ابن واصل (١): وفي المحرم سنة خمسٍ وعشرين توجه زنكي راجعًا من الشام إلى الموصل. وفي ربيع الآخر من السنة رد السلطان محمود أمر العراق إلى زنكي، مضافًا إلى ما بيده من الشام والجزيرتين. وتوفي للمسترشد ابنٌ بالجدري، عمره إحدى وعشرون سنة. وتوفي السلطان محمود، فأقاموا ابنه داود مكانه، وأقيمت له الخطبة ببلاد الجبل وأذربيجان، وكثرت الأراجيف، وأراد داود قتال عمه مسعود. سنة ست وعشرين وخمسمائة فيها سار الملك مسعود بن محمد إلى بغداد في عشرة آلاف فارس، وورد قراجا الساقي معه سلجوق شاه بن محمد أخو مسعود، وكلاهما يطلب السلطنة، وانحدر زنكي من الموصل لينضم إلى مسعود أو سلجوق، فأرجف الناس بمجيء عمهما سنجر، فعملت الستور وجبي العقار، وخرجوا بأجمعهم متوجهين لحرب سنجر، وألزم المسترشد قراجا بالمسير، فكرهه ولم يجد بدًا

стр. 10677

من ذلك، وبعث سنجر يقول: أنا العبد، ومهما أريد مني فعلت، فلم يقبل منه، ثم خرج المسترشد بعد الجماعة، وقطعت خطبة سنجر، وقدم سنجر همذان، فكانت الوقعة قريبًا من الدينور. قال ابن الجوزي (١): وكان مع سنجر مائة ألف وستون ألفًا، وكان مع قراجا ومسعود ثلاثون ألفًا، وكانت ملحمة كبيرة، أحصي القتلى فكانوا أربعين ألفًا، وقتل قراجا، وأجلس طغرل على سرير الملك، بقيام عمه سنجر. وكان طغرل يوم المصاف على ميمنة عمه، وكان على الميسرة خوارزم شاه بن آتسز بن محمد، فبدأهم قراجا بالحملة، فحمل على القلب بعشرة آلاف، فعطف على جنبتي العشرة آلاف ميمنة سنجر وميسرته، فصار في الوسط، وقاتلوا قتال الموت وأثخن قراجا بالجراحات، ثم أسروه، فانهزم الملك مسعود، وذلك في ثامن رجب، وقتل قراجا وجاء مسعود مستأمنًا إلى السلطان سنجر، فأكرمه وأعاده إلى كنجة وصفح عنه وعاد سنجر إلى بلاده. وجاء زنكي ودبيس في سبعة آلاف ليأخذا بغداد، فبلغ المسترشد اختلاط بغداد، وكسرة عسكره، فخرج من السرادق بيده السيف مجذوب، وسكن الأمر، وخاف هو، وعاد من خانقين، وإذا بزنكي ودبيس قد قاربا بغداد من غربيها، فعبر الخليفة إليهم في ألفين، وطلب المهادنة، فاشتطا عليه، فحاربهما بنفسه وعسكره، فانكسرت ميسرته، فكشف الطرحة ولبس البردة، وجذب السيف، وحمل، فحمل العسكر، فانهزم زنكي ودبيس، وقتل من جيشهما مقتلة عظيمة، وطلب زنكي تكريت، ودبيس الفرات منهزمين. وفيها هلك بغدوين الرويس ملك الفرنج بعكا، وكان شيخًا مسنًا، داهية، ووقع في أسر المسلمين غير مرة في الحروب، ويتخلص بمكره وحيله، وتملك بعده القومص كندانجور، فلم يكن له رأي، فاضطربوا واختلفوا ولله الحمد. وتملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بعد أبيه تاج الملوك بوري بن طغتكين، فقام بأعباء الأمر، وخافته الفرنج، ومهد الأمور، وأبطل بعد المظالم، وفرح الناس بشهامته وفرط شجاعته، واحتملوا ظلمه.

стр. 10678

وفيها كانت وقعة بهمذان بين طغرل بن محمد وبين داود بن محمود بن محمد، فانتصر طغرل. وفيها وزر أنوشروان بن خالد للمسترشد بعد تمنع، واستعفاء. وعاد دبيس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، فجمع وحشد، وكانت الحلة وأعمالها في يد إقبال المسترشدي، وأمد بعسكرٍ من بغداد، فهزم دبيسا، وحصل دبيس في أجمة فيها ماء وقصب ثلاثة أيام، لا يأكل شيئًا، حتى أخرجه جماس على ظهره وخلصه. وقدم الملك داود بن محمود إلى بغداد. وفيها قبض الخليفة على الوزير شرف الدين، وأخذ سائر ما في دياره. سنة سبع وعشرين وخمسمائة خطب لمسعود بن محمد بالسلطنة ببغداد في صفر، ومن بعده لداود، وخلع عليهما وعلى الأمير آقسنقر الأحمديلي مقدم جيوش السلطان محمود، وهو المقيم داود بعده في الملك، واستقر مسعود بهمذان. وكانت وقعة انهزم فيها طغرل، ثم قتل آقسنقر، قتلته الباطنية. وفيها قصد أمراء التركمان الجزريون بلاد الشام، فأغاروا على بلاد طرابلس، وغنموا وسبوا، فخرج ملك طرابلس بالفرنج، فتقهقر التركمان، ثم كروا عليه فهزموه، وقتلوا في الفرنج فأكثروا وأطيبوا، فالتجأ إلى حصن بعرين، فحاصرته التركمان أيامًا، وخرج في الليل هاربًا، فجمعت الفرنج وسار لنجدته ملوكهم، ورد فواقع التركمان ونال منهم. وفيها وقع الخلف بين الفرنج بالشام، وتحاربوا وقتل منهم، ولم يجر لهم بذلك سابقة. وفيها واقع الأمير سوار نائب زنكي على حلب الفرنج، فقتل من الفرنج نحو الألف، ولله الحمد. وفيها وثب على شمس الملوك صاحب دمشق مملوك نجدة، فضربه بسيفٍ فلم يغن شيئًا، وقتلوه بعد أن أقر على جماعة وادعى أنه إنما فعل ذلك ليريح المسلمين من ظلمه وعسفه، فقتل معه جماعة. وقتل شمس الملوك أخاه سونج الذي أسره زنكي، فحزن الناس عليه.

стр. 10679

وفيها جمع دبيس جمعًا بواسط، وانضم إليه جماعة من واسط، فنفذ الخليفة لحربه البازدار وإقبال الخادم، فهزموه وأسروا بختيار. وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات والأعلام إلى الجانب الغربي في شعبان، ونودي ببغداد: من تخلف من الجند حل دمه، ثم سار أمير المؤمنين في اثني عشر ألف فارس، ونفذ إلى بهروز يقول له: تنزل عن القلعة، وتسلم الأموال، وتدخل تحت الطاعة، فقال: أنا رجل كبير عاجز، ولكن أنفذ الإقامات وتقدمة، ففعل وعفي عنه، ووصل الخليفة الموصل في العشرين من رمضان، فحاصرها ثمانين يومًا، وكان القتال كل يوم، ووصل إليه أبو الهيج الكردي من الجبل في عساكر كثيرة. ثم إن زنكي بعث إلى الخليفة: إني أعطيك الأموال، وترحل عنا، فلم يجبه، ثم رحل، فقيل: كان سبب رحيله أنه بلغه أن السلطان مسعودًا قد غدر وقتل الأحمديلي، وخلع على دبيس. قال ابن الجوزي (١): وتوفي شيخنا ابن الزاغوني، فأخذ حلقته بجامع القصر أبو علي ابن الراذاني، ولم أعطها لصغري، فحضرت عند الوزير أنوشروان، وأوردت فصلًا في الوعظ، فأذن لي في الجلوس بجامع المنصور، فحضر مجلسي أول يومٍ الكبار من أصحابنا عبد الواحد بن شنيف، وأبو علي بن القاضي، وابن قشامي، وقوي اشتغالي بفنون العلم، وأخذت عن أبي بكر الدينوري الفقه، وعن ابن الجواليقي اللغة، وتتبعت مشايخ الحديث. وفيها أخذ شمس الملوك بانياس من الفرنج بالسيف، وقلعتها بالأمان، فلما نزلوا أسروا كلهم، وقدم شمس الملوك دمشق مؤيدًا منصورًا، والأسرى بين يديه ورؤوس القتلى، ورأى الناس ما أقر أعينهم، فلله الحمد، وكان يومًا مشهودًا. وفيها مات صاحب مكة أبو فليتة، وولي بعده أبو القاسم. وفيها نازل ابن رذمير مدينة أفراغه، فحاصرها وبها ابن مرديش.

стр. 10680

سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فيها لع على إقبال الخادم خلعة الملك، ولقب سيف الدولة ملك العرب. ووقع الصلح مع زنكي بن آقسنقر، وجاء منه الحمل. وصرف عن الوزارة أنوشروان، وأعيد أبو القاسم بن طراد، وقبض على نظر الخادم وسجن وأخذت أمواله، وخلع على ابن طراد خلعة الوزارة، وأعطي فرسًا برقبة (١)، وثلاثة عشر حمل كوسات، وأعلامًا ومهدًا. وقدم رسول السلطان سنجر، فخلع عليه، وأرسل إلى سنجر مع رسوله، ومع ابن الأنباري خلع عظيمة الخطر بمائة وعشرين ألف دينار. وبعث الخليفة إلى بهروز الخادم، وهو بالقلعة، يطلب منه حملًا فأبى، فبعث جيشًا لقتاله، فحاصروه. وقدم ألبقش السلحدار التركي طالبًا للخدمة مع الخليفة. ثم إن الخليفة خلع على الأمراء، وعرض الجيش يوم العيد، ونادى: لا يختلط بالجيش أحد، ومن ركب بغلًا أو حمارًا أبيح دمه، وخرج الوزير وصاحب المخزن والقاضي ونقيب النقباء، وأركان الدولة في زي لم ير مثله من الخيل والزينة والعسكر الملبس، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس. وعاد طغرل إلى همذان وانضمت إليه عساكر كثيرة، وتوطد له الملك، وانحل أمر أخيه مسعود، وسببه أن الخليفة بعث بخلع إلى خوارزم شاه، فأشار دبيس على طغرل بأخذها، وإظهار أن الخليفة بعثها له، ففعل وبعث الخليفة يحث مسعودًا على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زي التركمان، وخاطر إلى أن وصل بغداد في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة تحفًا كثيرة. وعثر على بعض الأمراء أنه يكاتب طغرل، فقبض عليه الخليفة، فهرب بقية الأمراء إلى مسعود، وقالوا: نحن عبيدك، فإذا خذلتنا قتلنا الخليفة، فطلبهم الخليفة، فقال مسعود: قد التجؤوا إلي، فقال الخليفة: إنما أفعل هذا لأجلك، وأنصبك نوبة بعد نوبة، ووقع الاختلاف بينهما، وشاش العسكر،

стр. 10681

ومدوا أيديهم إلى أذى المسلمين، وتعذر المشي بين المحال، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات، وتأخذ العسكر الذين صاروا إليك، فرحل في آخر السنة والخواطر متوحشة، فأقام بدار الغربة، وجاءت الأخبار بتوجه طغرل إلى بغداد، فلما كان يوم سلخ السنة نفذ إلى مسعود الخلع والتاج، وأشياء بنحو ثلاثين ألف دينار نعم. وفيها حاصر ملك الفرنج ابن رذمير مدينة إفراغة من شرق الأندلس، وكان إذ ذاك على قرطبة تاشفين ابن السلطان، فجهز الزبير اللمتوني بألفي فارس، وتجهز أمير مرسية وبلنسية - يحيى بن غانية - في خمسمائة وتجهز عبد الله بن عياض صاحب لاردة في مائتين، فاجتمعوا وحملوا الميرة إلى إفراغة، وكان ابن عياض فارس زمانه، وكان ابن رذمير في اثني عشر ألف فارس، فأدركه العجب، وقال لأصحابه: اخرجوا خذوا هذه الميرة، ونفذ قطعة من جيشه، فهزمهم ابن عياض، فساق ابن رذمير بنفسه، والتحم الحرب، واستحر القتل في الفرنج، وخرج أهل إفراغة الرجال والنساء، فنهبوا خيم الروم، فانهزم الطاغية، ولم يفلت من جيشه إلا القليل، ولحق بسرقسطة، فبقي يسأل عن كبار أصحابه، فيقال له: قتل فلان، قتل فلان، فمات غمًا بعد عشرين يومًا، وكان بلية على المسلمين، فأهلكه الله. وفيها خرج عبد المؤمن في الموحدين من بلاد تينمل (١) فافتتح تادلة ونواحيها، وسار في تلك الجبال يفتتح معمورها، وأقبل تاشفين من الأندلس باستدعاء ابنه، فانتدب لحرب الموحدين. وفيها سار صاحب القدس بالفرنج، فقصد حلب، فخرج إليه عسكرها، فالتقوا، فانهزم المسلمون، وقتل منهم مائة فارس، ثم التقوا ونصر الله. وفيها وثب إيليا الطغتكيني في الصيد على شمس الملوك بأرض صيدنايا فضربه بالسيف، فغطس عنها، ورمى نفسه إلى الأرض، وضربه ثانية، فوقعت في رقبة الفرس أتلفته، وتلاحق الأجناد فهرب إيليا، ثم ظفروا به، فقتله صبرًا، وقتل جماعة بمجرد قول إيليا فيهم، وبنى على أخيه حائطًا، فمات

стр. 10682

جوعًا، وبالغ في الظلم والعسف، وبنى دار المسرة بالقلعة، فجاءت بديعة الحسن. وفيها جاءت الأخبار من مصر بخلف ولدي الحافظ لدين الله عبد المجيد وهما: حيدرة، والحسن، وافترق الجند فرقتين، إحداهما مائلة إلى الإسماعيلية، والأخرى إلى مذهب السنة، فاستظهرت السنة، وقتلوا خلقًا من أولئك، واستحر القتل بالسودان، واستقام أمر ولي العهد حسن، وتتبع من كان ينصر الإسماعيلية من المقدمين والدعاة، فأبادهم قتلًا وتشريدًا. قال أبو يعلى حمزة (١): فورد كتاب الحافظ لدين الله على شمس الملوك بهذا الحال. وفيها فسخت الفرنج الهدنة وأقبلت بخيلائها، فجمع شمس الملوك جيشه، واستدعى تركمان النواحي، وبرز في عسكره نحو حوران، فالتقوا، وكانت الفرنج في جمعٍ كثيف، فأقامت المناوشة بين الفريقين أيامًا، ثم غافلهم شمس الملوك، ونهض بشطر الجيش، وقصد عكا والناصرة، فأغار وغنم، فانزعجت الفرنج، وردوا ذليلين، وطلبوا تجديد الهدنة. سنة تسع وعشرين وخمسمائة قد ذكرنا أن الخليفة قال لمسعود: ارحل عنا، وأنه بعث إليه بالخلع والتاج، ثم نفذ إليه الجاولي شحنة بغداد، مضايقًا له على الخروج، وأمره إن هو دافع أن يرمي خيمه، ثم أحس منه أنه قد باطن الأتراك، واطلع منه على سوء نية، فأخرج أمير المؤمنين سرادقه، وخرج أرباب الدولة، فجاء الخبر بموت طغرل، فرحل مسعود جريدةً، وتلاحقته العساكر، فوصل همذان، واختلف عليه الجيش، وانفرد عنه قزل، وسنقر، وجماعة، فجهز لحربهم، وفرق شملهم، فجاء منهم إلى بغداد جماعة، وأخبروا بسوء نيته، منهم البازدار، وقزل، وسنقر. وسار أنوشروان بأهله إلى خراسان لوزارة السلطان مسعود، فأخذ في الطريق.

стр. 10683

وفيها افتتح أتابك زنكي بن آقسنقر المعرة، فأخذها من الفرنج، وكان لها في أيديهم سبعٌ وثلاثون سنة، ورد على أهلها أملاكهم، وكثر الدعاء له. وفيها قدم من الموصل ابن زنكي من عند والده بمفاتيح الموصل مذعنًا بالطاعة والعبودية للخليفة، فخرج الموكب لتلقيه، وأكرم مورده، ونزل وقبل العتبة، وجاء رسول دبيس يقول: أنا الخاطئ المقر بذنبه، فمات رسوله، فذهب هو إلى مسعود. وجاء السديد ابن الأنباري من عند السلطان سنجر، ومعه كتابه يقول فيه: أنا العبد المملوك. ثم تواترت الأخبار بعزم مسعود على بغداد، وجمع وحشد، فبعث الخليفة إلى بكبة نائب البصرة، فوعد بالمجيء، ووصل إلى حلوان دبيس وهو شاليش (١) عسكر مسعود، فجهز الخليفة ألفي فارس تقدمة، وبعث إلى أتابك زنكي، وكان منازلًا دمشق ليسرع المجيء. وبعث سنجر إلى مسعود: إن هؤلاء الأمراء، وهم البازدار وابن برسق، وقزل، وبرنقش، ما يتركونك تنال غرضًا لأنهم عليك، وهم الذين أفسدوا أمر أخيك طغرل، فابعث إلي برؤوسهم، فأطلعهم على المكاتبة، فقبلوا الأرض وقالوا: الآن علمنا أنك صافٍ لنا، فابعث دبيسًا في المقدمة، ثم اجتمعوا وقالوا: ما وراء هذا خير، والرأي أن نمضي إلى أمير المؤمنين، فإن له في رقابنا عهدًا، وكتبوا إليه: إنا قد انفصلنا عن مسعود، ونحن في بلاد برسق، ونحن معك، وإلا فاخطب لبعض أولاد السلاطين، ونفذه نكون في خدمته، فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه، فإني سائر إليكم، وتهيأ للخروج، فلما سمع مسعود بذلك ساق ليبيتهم، فانهزموا نحو العراق، فنهب أموالهم، وجاءت الأخبار، فهيأ لهم الخليفة الإقامات والأموال. وخرج عسكر بغداد والخليفة، وانزعج البلد، وبعث مسعود خمسة آلاف ليكبسوا مقدمه الخليفة، فبيتوهم وأخذوا خيلهم وأموالهم، فأقبلوا عراة، ودخلوا بغداد في حالٍ ردية في رجب، فأطلق لهم ما أصلح أمرهم، وجاء الأمراء الكبار الأربعة في دجلة فأكرموا وخلع عليهم، وأطلق لهم ثمانون ألف

стр. 10684

دينار، ووعدوا بإعادة ما مضى لهم، وقطعت خطبة مسعود وخطب لسنجر، وداود. ثم برز الخليفة، وسار في سبعة آلاف فارس، وكان مسعود بهمذان في ألفٍ وخمسمائة فارس، ثم أفسد نيات نواب الأطراف بالمكاتبة، واستمالهم حتى صار في نحو من خمسة عشر ألف فارس، وتسلل إليه ألفا فارس من عسكر المسترشد، ونفذ زنكي إلى الخليفة نجدةً، فلم تلحق. ووقع المصاف في عاشر رمضان، فلما التقى الجمعان هرب جميع العسكر الذين كانوا مع المسترشد، وكان على ميمنته قزل، والبازدار، ونور الدولة الشحنة، فحملوا على عسكر مسعود، فهزموهم ثلاثة فراسخ ثم عادوا فرأوا الميسرة قد غدرت، فأخذ كل واحدٍ منهم طريقًا وأسر المسترشد وحاشيته، وأخذ ما معه، وكان معه خزائن عظيمة، فكانت صناديق الذهب على سبعين بغلًا أربعة آلاف ألف دينار، وكان الثقل على خمسة آلاف جمل، وخزانة السبق أربعمائة بغل، ونادى مسعود: المال لكم، والدم لي، فمن قتل أقدته، ولم يقتل بين الصفين سوى خمسة أنفس غلطًا، ونادى: من أقام من أصحاب الخليفة قتل، فهرب الناس، وأخذتهم التركمان، ووصلوا بغداد وقد تشققت أرجلهم، وبقي الخليفة في الأسر. وبعث بالوزير ابن طراد وقاضي القضاة الزينبي، وبجماعةٍ إلى قلعة، وبعث بشحنة بغداد ومعه كتاب من الخليفة إلى أستاذ الدار، أمره مسعود بكتابته، فيه: ليعتمد الحسين بن جهير مراعاة الرعية وحمايتهم، فقد ظهر من الولد غياث الدنيا والدين، أمتع الله به في الخدمة ما صدقت به الظنون، فليجتمع، وكاتب الزمام وكاتب المخزن إلى إخراج العمال إلى النواحي، فقد ندب من الجانب الغياثي هذا الشحنة لذلك، وليهتم بكسوة الكعبة، فنحن في إثر هذا المكتوب. وحضر عيد الفطر، فنفر أهل بغداد، ووثبوا على الخطيب، وكسروا المنبر والشباك، ومنعوه من الخطبة، وحثوا في الأسواق على رؤوسهم التراب يبكون ويضجون، وخرج النساء حاسراتٍ يندبن الخليفة في الطرق وتحت التاج، وهموا برجم الشحنة، وهاشوا عليه، فاقتتل أجناده والعوام، فقتل من العوام

стр. 10685

مائة وثلاثة وخمسون نفسًا، وهرب أبو الكرم الوالي، وحاجب الباب إلى دار خاتون، ورمى أعوان الشحنة الأبواب الحديد التي على السور، ونقبوا فيه فتحات، وأشرفت بغداد على النهب، فنادى الشحنة: لا ينزل أحدٌ في دار أحد، ولا يؤخذ لأحدٍ شيء، والسلطان جائي بين يدي الخليفة، وعلى كتفه الغاشية، فسكن الناس، وطلب السلطان من الخليفة نظرا الخادم فنفذ، أطلقه، وسار بالخليفة إلى داود، إلى مراغة. وقال ابن الجوزي (١): وزلزلت بغداد مرارًا كثيرة، ودامت كل يومٍ خمس أو ست مرات إلى ليلة الثلاثاء، فلم تزل الأرض تميد من نصف الليل إلى الفجر، والناس يستغيثون (٢). وتصرف عمال السلطان في بغداد، وعوقوا قرى ولي العهد، وختموا على غلاتها، فافتك ذلك منهم بستمائة دينار، فأطلقوها، وتفاقم الأمر، وانقطع خبر العسكر، واستسلم الناس، ثم أرسل سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل بين يديه، ويسأله العفو والصفح، ويتنصل غاية التنصل، فقد ظهرت عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلًا عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل، ودوام ذلك عشرين يومًا، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان، ولقد خفت على نفسي من جانب الله وظهور آياته، وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فالله الله بتلافي أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه، وتسلم إليه دبيسًا ليحكم فيه، وتحمل الغاشية بين يديه أنت وجميع الأمراء، كما جرت عادتنا وعادة آبائنا، فنفذ مسعود بهذه المكاتبة مع الوزير، ونظر، فدخلا على الخليفة، واستأذنا لمسعود، فدخل وقبل الأرض، ووقف يسأل العفو، فقال: قد عفي عن ذنبك، فاسكن وطب نفسًا.

стр. 10686

ثم عامله مسعود بما أمره به عمه، وسأل من الخليفة أن يشفعه في دبيس، فأجابه، فأحضروه مكتوفًا بين أربعة أمراء، ومع واحد سيف مجذوب، وكفن منشور، وألقي بين يدي السرير، وقال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا السبب الموجب لما تم، فإذا زال السبب زال الخلاف، ومهما تأمر نفعل به، وهو يبكي ويتضرع ويقول: العفو عند القدرة، وأنا أقل وأذل، فعفى عنه وقال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فحلوه، وقبل يد أمير المؤمنين وأمرها على وجهه، وقال: بقرابتك من رسول الله ﷺ إلا ما عفوت عني، وتركتني أعيش في الدنيا، فإن الخوف منك قد برح بي. وأما بكبة شحنة بغداد، فإنه أمر بنقض السور ببغداد، فنقضت مواضع كثيرة، وقال: عمرتموه بفرح، فانقضوه كذلك، وضربت لهم الدبادب، وردوا الباب الحديد الذي أخذ من جامع المنصور إلى مكانه. وقدم رسولٌ ومعه عسكر يستحث مسعودا من جهة عمه على إعادة الخليفة إلى بغداد، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية، فذكر أن مسعودًا ما علم بهم، فالله أعلم، فركب السلطان والعساكر لتلقي الرسول، فهجمت الباطنية على الخليفة، ففتكوا به ﵀، وقتلوا معه جماعة من أصحابه، فعلم العسكر، فأحاطوا بالسرادق فخرج الباطنية وقد فرغوا من شغلهم، فقتلوا، وجلس السلطان للعزاء، ووقع النحيب والبكاء، وذلك على باب مراغة، وبها دفن. وجاء الخبر، فطلب الراشد الناس طول الليل فبايعوه ببغداد، فلما أصبح شاع قتله، فأغلق البلد، ووقع البكاء والنحيب، وخرج الناس حفاةً مخرقين الثياب، والنساء منشرات الشعور يلطمن، ويقلن فيه المراثي على عادتهن، لأن المسترشد كان محببًا فيهم بمرة، لما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم. فمن مراثي النساء فيه: يا صاحب القضيب ونور الخاتم … صار الحريم بعد قتلك مأتم اهتزت الدنيا ومن عليها … بعد النبي ومن ولي عليها قد صاحت البومة على السرادق … يا سيدي ذا كان في السوابق ترى تراك العين في حريمك … والطرحة السوداء على كريمك وعمل العزاء في الديوان ثلاثة أيام، تولى ذلك ناصح الدولة ابن جهير، وأبو الرضا صاحب الديوان (١)، ثم شرعوا في الهناء، وكتب السلطان إلى

стр. 10687

الشحنة بكبة أن يبايع للراشد، وجلس الراشد في الشباك في الدار المثمنة المقتدوية، وبايعه الشحنة من خارج الشباك، وذلك في السابع والعشرين من ذي القعدة، وظهر للناس، وكان أبيض جسيمًا بحمرةٍ مستحسنا، وكان يومئذٍ بين يديه أولاده وإخوته، ونادى بإقامة العدل ورد بعض المظالم. وفي أيام الغدير ظهر التشيع، ومضى خلقٌ إلى زيارة مشهد علي ومشهد الحسين. وفيها نازل زنكي دمشق، وحاصرها أشد حصار، فقام بأمر البلدان أتم قيام، وأحبه الناس، فجاء إلى زنكي رسول المسترشد بالله يأمره بالرحيل. وفي ذي القعدة سار السلطان سنجر بالجيوش إلى غزنة فأشرف عليها، وهرب منه ملكها، فأمنه ونهاه عن ظلم الرعية، وأعاده إلى مملكته، وهو بهرام شاه، ورجع السلطان فوصل بلخ في شوال من سنة ثلاثين. سنة ثلاثين وخمسمائة جاء برنقش بأمورٍ صعبة، فقالوا للراشد بالله: جاء مطالبًا بخطٍ كتبه المسترشد بالله لمسعود ليتخلص من أسره بمبلغ، وهو سبعمائة ألف دينار، ويطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاثمائة ألف، وبقسط على أهل بغداد خمسمائة ألف دينار، فاستشار الراشد الكبار، فأشاروا عليه بالتجنيد، وأرسل الخليفة إلى برنقش: أما الأموال المضمونة فإنما كانت لإعادة الخليفة إلى داره، وذلك لم يكن، وأنا مطالب بالثأر، وأما مال البيعة، فلعمري، لكن ينبغي أن تعاد إلي أملاكي وإقطاعي، حتى يتصور ذلك، وأما الرعية فلا سبيل لكم عليهم، وما عندي إلا السيف، ثم أحضر كجبة وخلع عليه، وأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال له: دون بهذه عسكرا، وجمع العساكر، وبعث إلى برنقش يقول: كنا قد تركنا البلد مع الشحنة والعميد، فلما جئت بهذه الأشياء فعلنا هذا. وانزعج أهل بغداد، وباتوا تحت السلاح، ونقل الناس إلى دار الخلافة ودار خاتون متاعهم، وقيل للخليفة: إنهم قد عزموا على كبس بغداد وقت الصلاة، فركب العسكر، وحفظ الناس البلد، وقطع الجسر، وجرى في أطراف البلد قتال قوي. وفي صفر قدم زنكي، والبازدار، وإقبال، عليهم ثياب العزاء، وحسنوا للراشد الخروج فأجابهم، واستوزر أبا الرضا بن صدقة، واتفقوا على حرب

стр. 10688

مسعود، وجاء السلطان داود بن محمود فنزل بالمزرفة، ثم دخل دار المملكة، وأظهر العدل، وجاء إليه أرباب الدولة ومعهم تقدمة من الراشد، فقام ثلاث مرات، يقبل الأرض، وجاء صدقة ولد دبيس ابن خمس عشرة سنة وقبل الأرض بإزاء التاج وقال: أنا العبد ابن العبد جئت طائعًا، وقطعت خطبة مسعود، وخطب لداود. وقبض على إقبال الخادم ونهب ماله، فتألم العسكر من الخليفة لذلك، ونفذ زنكي يقول: هذا جاء معي، ويعتب ويقول: لا بد من الإفراج عنه، ووافقه على ذلك البازدار، وغضب كجبة ومضى إلى زنكي، فرتب مكانه غيره، واستشعر العسكر كلهم وخافوا، وجاء أصحاب البازدار وزنكي فخربوا عقد السور، فشاش البلد، وأشرف على النهب، وجاء زنكي فضرب بإزاء التاج، وسأل في إقبال سؤالًا تحته إلزام، فأطلق له. وأما السلطان مسعود فإنه أفرج عن الوزير ابن طراد، وقاضي القضاة والنقيب وسديد الدولة ابن الأنباري، فأما نقيب الطالبيين أبو الحسن بن المعمر فتوفي حين أخرج، وأما القاضي الزينبي فدخل بغداد سرًا، وأقام الباقون مع مسعود. وقبض الراشد على أستاذ داره أبي عبد الله بن جهير، فخاف الناس من الراشد وهابوه. ثم نفذ زنكي إلى الراشد يقول: أريد المال الذي أخذ من إقبال، وهو دخل الحلة، وذلك مال السلطان، وتردد القول في ذلك، ثم نفذ الراشد إلى الوزير ابن صدقة وصاحب الديوان يقول: ما الذي أقعدكما؟ وكانا قد تأخرا أيامًا عن الخدمة خوفًا من الراشد، فقال ابن صدقة: كلما أشير به يفعل ضده، وقد كان هذا الخادم إقبال بإزاء جميع العسكر، وأشرت بأن لا يمسك، فما سمع مني، وأنا لا أوثر أن تتغير الدولة وينسب إلي، فإن هذا ابن الهاروني الملعون قصده إساءة السمعة وإهلاك المسلمين، فقبض الخليفة على ابن الهاروني في ربيع الأول، فجاءت رسالة زنكي يشكو ما لقي من ابن الهاروني وتأثيراته في المكوس والمواصير (١)، ويسأل تسليمه إلى المملوك ليقتله، فقال: ندبر ذلك، ثم أمر الوالي بقتله فقتله، وصلب ومثل به العوام، فسرقه أهله بالليل، وعفوا أثره، وظهر له أموال، ووصل إلى الخليفة من ماله مائتا ألف، وأقطعت أملاك الوكلاء، وسببه أن زنكي طلب من الخليفة مالًا يجهز به العسكر لينحدروا إلى

стр. 10689

واسط، فقال: الأموال معكم، وليس معي شيء، فاقطعوا البلاد. ثم استقر أن يدفع إلى زنكي ثلاثون ألفًا مصانعةً عن الأملاك، ثم بات الحرس تحت التاج خوفًا من زنكي، ثم أشار زنكي على ابن صدقة أن يكون وزيرًا لداود، فخلع عليه لذلك، ثم استوثق زنكي من اليمين من الخليفة وعاهده، وقبل يده، وطلب الخليفة أبا الرضا بن صدقة فجاء، ففوض إليه الأمور كلها. وأمر السلطان داود والأمراء بالمسير لحرب مسعود، فساروا، فبلغهم أنه رحل يطلب العراق، فردهم الراشد وحلفهم، وقال: أريد أن أخرج معكم، فلما انسلخ شعبان خرج الخليفة ورحلوا، وخاف العامة، وشرعوا في إصلاح السور، ولبسوا السلاح، فكان الأمراء ينقلون اللبن على الخيل، وهم نقضوه. وجاءت كتبٌ إلى سائر الأمراء من مسعود، فأحضروها جميعها إلى الخليفة، وأنكر شحنة بغداد المكاتبة وأخفاها، ثم كتب جوابها إلى مسعود، فأخذه زنكي فغرقه. وفي وسط رمضان جاء عسكر مسعود فنازلوا بغداد، ووقع القتال، وخامر جماعة أمراء إلى الخليفة، فخلع عليهم وقبلهم، ثم بعد أيام كان وصول رسول مسعود يطلب الصلح، فقرئت الرسالة على الأمراء، فأبوا إلا القتال. وصلى الناس العيد داخل السور، فوصل يومئذٍ أصحاب مسعود فدخلوا الرصافة، وكسروا أبواب الجامع ونهبوا، وقلعوا شبابيك الترب وعاثوا، وجاء مسعود في رابع شوال في خمسة آلاف راكب على غفلة، وخرج الناس للقتال، ودام الحصار أيامًا، وجاء ركابي لزنكي، فقتله العيارون فقال زنكي: أريد أن أكبس الشارع والحريم، وآخذ ما قيمته خمسمائة ألف دينار من الحرير والقماش والذهب والفضة. ونفذ مسعود عسكرًا إلى واسط فأخذها، والنعمانية فنهبها، فتبعهم عسكر الخليفة ونودي: لا يبقى ببغداد أحد من العسكر، وخرج الراشد فنزل على صرصر، واستشعر بعض العسكر من بعض، فخشي زنكي من البازدار والبقش، فعاد إلى ورائه، فرجع أكثر العسكر منهزمين، ودخل الراشد بغداد، وقيل: إن مسعودًا كاتب زنكي سرًا، وحلف له أنه يقره على الموصل والشام، وكاتب الأمراء أيضًا فقال: من قبض منكم على زنكي أو قتله أعطيته بلاده، فعرف زنكي، فأشار على الراشد أن يرحل صحبته. وفي رابع عشر ذي القعدة ركب الخليفة ليلًا وسار، وزنكي قائم ينتظره،

стр. 10690

فدخل دار برنقش، ولم ينم الناس، وأصبحوا على خوفٍ شديد، وخرج أبو الكرم الوالي يطلب الخليفة فأسر وحمل إلى مسعود، فأطلقه وأكرمه، وسلم إليه بغداد، ورحل الراشد يومئذٍ ولم يصحبه شيء من آلة السفر، لأنه لما بات في دار برنقش أصبحوا، ودخل خواصه يصلحون له آلة السفر، فرحل على غفلة. ودخل مسعود بغداد، ونهب دواب الجند، وجاء صافي الخادم فقال: لم يفعل الخليفة صوابًا بذهابه، والسلطان له على نية صالحة، وسكن الناس. وأظهروا العدل، واجتمع القضاة والكبار عند السلطان مسعود، وقدحوا في الراشد، وبالغ في ذلك الوزير علي بن طراد، وقيل: بل أخرج السلطان خط الراشد: إني متى جندت أو خرجت انعزلت، فشهد العدول أن هذا خط الخليفة، والقول الأول الأظهر. ثم أحكم ابن طراد النوبة، واجتمع بكلٍ من القضاة والفقهاء، وخوفهم وهددهم إن لم يخلعوه، وكتب محضرًا فيه: إن أبا جعفر ابن المسترشد بدا منه سوء أفعال وسفك دماء، وفعل ما لا يجوز أن يكون معه إمامًا، وشهد بذلك الهيتي، وابن البيضاوي، ونقيب الطالبيين، وابن الرزاز، وابن شافع، وروح بن الحديثي، وآخر، وقالوا: إن ابن البيضاوي شهد مكرهًا، وحكم ابن الكرخي قاضي البلد بخلعه في سادس عشر ذي القعدة، وأحضروا أبا عبد الله محمد ابن المستظهر بالله، وهو عم المخلوع. قال سديد الدولة ابن الأنباري: أرسل السلطان مسعود إلى عمه السلطان سنجر: من نولي؟ فكتب إليه: لا تولي إلا من يضمنه الوزير، وصاحب المخزن، وابن الأنباري، فاجتمع مسعود بنا، فقال الوزير: نولي الزاهد الدين محمد ابن المستظهر، فقال: وتضمنه؟ قال: نعم، وكان صهرًا للوزير على بنته، فإنها دخلت يومًا في خلافة المستظهر، فطلب محمد ابن المستظهر هذا من أبيه تزويجها، فزوجه بها، وبقيت عنده، ثم توفيت. قلت: فبايعوه، ولقب المقتفي لأمر الله، ولقب بذلك لسبب، قال ابن الجوزي (١): قرأت بخط أبي الفرج بن الحسين الحداد، قال: حدثني من أثق به أن المقتفي رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله ﷺ وهو يقول له: سيصل هذا الأمر إليك، فاقتف بي، فلقب المقتفي لأمر الله، ثم بويع اليوم الثاني البيعة العامة في محفلٍ عظيم، وبعث مسعود بعد أن أظهر العدل، ومهد بغداد، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب، وأثاث، وذهب، وستور،

стр. 10691

وسرادق، ومساند، فلم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس، وثمانية أبغال برسم الماء، فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر، وأخذوا من الدار جواري وغلمانًا، ومضت خاتون تستعطف السلطان، فاجتازت بالسوق وبين يديها القراء والأتراك، وكان عندها حظايا الراشد وأولاده، فأطلق لهم القرى والعقار، ثم إن السلطان ركب سفينة، ودخل إلى المقتفي، فبايعه يوم عرفة، وفي ثاني الأضحى وصلت الأخبار بأن الراشد دخل الموصل، وبلغه أنه خلع من الخلافة. وفي جمادى الأولى ولي أتابكية جيش دمشق الأمير أمين الدولة كمشتكين الأتابكي الطغتكيني، واقف الأمينية، متولي بصرى وصرخد، وأنزل في دار الأتابك بدمشق، وخلع عليه، ثم بعد يومين قتل الأمير يوسف بن فيروز الحاجب في الميدان، وكان من أكبر الأمراء، تملك مدينة تدمر مدةً، وكان فيه ظلم وشر، شد عليه الأمير بزواش فقتله، ثم حمل إلى المسجد الذي بناه فيروز بالعقيبة، فدفن في تربته، وجرت أمور، ثم صرف أمين الدولة، وولي الأتابكية الأمير بزواش المذكور، ولقب بجمال الدين، وتوجه أمين الدولة مغاضبًا إلى ناحية صرخد. وفيها، في أيار، جاء بدمشق سيلٌ عظيم لم يسمع بمثله، وطلعت على البلد سحابة سوداء، بحيث صار الجو كالليل، ثم طلع بعدها سحابة حمراء، صار الناظر يظنها كالنار الموقدة. وفي شعبانها، اجتمعت عساكر حلب مع الأمير سوار نائب حلب، وكبسوا اللاذقية بغتة، فقتلوا وأسروا وغنموا، قال ابن الأثير (١): كانت الأسرى سبعة آلاف نفس بالصغار والكبار، ومائة ألف رأس من الدواب والمواشي، وخربوا اللاذقية، وخرجوا إلى شيزر سالمين، وفرح المسلمون بذلك فرحًا عظيمًا، ولم يقدر الفرنج، لعنهم الله، على أخذ الثأر عجزًا ووهنًا، فلله الحمد.

стр. 10692

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ال وفيات) سنة إحدى وعشرين وخمسمائة ١ - أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن الشفنين (١) عبيد الله بن محمد بن أبي عيسى بن المتوكل، أبو السعادات المتوكلي الهاشمي البغدادي. شريف صالح، حافظ لكتاب الله، سمع الكثير، وحدث عن أبي بكر الخطيب، وابن المسلمة، روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وأبو الفرج ابن الجوزي، وعبد الرحمن بن جامع بن غنيمة. قال أبو بكر المفيد: ختم أبو السعادات القرآن في التراويح ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، ورجع إلى بيته، فوقع من السطح في محلة التوثة، ومات لساعته، وعاش ثمانين سنة (٢). ٢ - أحمد بن ثابت بن محمد أبو العباس الطرقي الحافظ، نزيل يزد. وطرق: من قرى أصبهان. ويزد: بين أصبهان وكرمان من نواحي إصطخر. كان حافظًا عارفًا بالفقه والأصول والأدب، حسن التصنيف، رحل وسمع أباه، وأبا عمرو بن منده، والمطهر بن عبد الواحد البزاني، ورحل إلى نيسابور، وإلى الأهواز، وهراة. قال ابن السمعاني (٣): سمعت جماعة من الشيوخ يقولون إنه كان يقول: إن الروح قديمة (٤).

стр. 10693

توفي بعد العشرين وخمسمائة بيزد. قال عبد الخالق بن أحمد بن يوسف: توفي في شوال سنة إحدى وعشرين، وقد سمع ببغداد من أبي القاسم علي ابن البسري، وأبي نصر الزينبي، وبهراة: شيخ الإسلام. ٣ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن الحارث، أبو المظفر الأصبهاني خورست، أخو أبي بكر محمد. روى عن علي بن القاسم المقرئ، وعنه أبو موسى المديني، وقال: توفي في ذي القعدة. ٤ - أحمد بن عبد السلام بن محمد المديني، أبو عبد الله الصوفي ابن الصوفي، شيخ الصوفية بنيسابور بدويرة السلمي. سمع من أبي سعيد الحبيبي، وأبي القاسم القشيري، وله نفسٌ وقبول عند الصدور، وإنفاق على الصوفية ومعرفة برسومهم. ٥ - أحمد بن محمد بن عبد الوهاب، أبو البركات الدباس، أخو الشيخ أبي عبد الله البارع. سمع أبا يعلى ابن الفراء، والحسن بن غالب المقرئ، روى عنه المبارك بن أحمد الأنصاري، وذاكر بن كامل، وابن بوش. مات في سابع شوال. ٦ - أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين، أبو القاسم التغلبي الأندلسي، قاضي الجماعة بقرطبة. تفقه على أبيه، وسمع من محمد بن فرج الفقيه، وأبي علي الغساني، وجماعة، وتقلد القضاء مرتين، وكان نافذًا في أحكامه، جزلًا في أفعاله، من بيت علم وجلالة. توفي على القضاء في ربيع الآخر، وصلى عليه ابنه أبو عبد الله، وعاش خمسين سنة (١).

стр. 10694

٧ - أحمد بن منصور بن شاه ملك بن أبي العباس بن الخَضِر، الإمام أبو نصر المرغينانيُّ الدِّهْقان. حدث عن أبي جعفر محمد بن أحمد بن إبراهيم المروزي المطَّوعي، ودخل بُخارى وسمرقند. قال عمر بن محمد النَّسفي: بلغ مائة وسبع سنين، وتوفي في عاشر جمادى الآخرة. ٨ - حامد بن محمد بن حامد بن محمود، أبو منصور الأصبهاني الحداد. روى عن أبي طاهر بن محمود الثَّقفي. وعنه أبو موسى، وقال: مات في محرم. ٩ - الحسين بن أبي نصر ابن رئيس الرُّؤساء. روى عن نسيبه أبي جعفر ابن المُسْلِمَة. وعنه المبارك بن كامل، وتوفي في ربيع الأول. ١٠ - حَمْد بن رضوان، أبو غانم الكرمانيُّ، من أهل بَرْدَسِير كَرْمان. سمع من سعيد العيَّار، وأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرَّازي. مات في صفر عن اثنتين وثمانين سنة (١). ١١ - عبد الله بن أحمد بن حسن بن طاهر البغداديُّ العلاَّف الشافعيُّ الفرضيُّ. سمع من هنَّاد النَّسفيِّ، وابن هزارمرد الصَّريفيني. وعنه جماعة منهم: أبو المُعَمَّر الأنصاري، ويحيى بن بَوْش. مات في ذي الحجة. ١٢ - عبد الله بن القاسم بن المُظَفَّر بن عليّ، أبو محمد الشَّهْرَزُوريُّ المَنْعوت بالمُرْتَضَى، والد القاضي كمال الدِّين. كان واعظًا، رشيقًا، أديبًا، شاعرًا، وله قصيدة طنَّانة طويلة على طريقة الصُّوفية وهي:

стр. 10695

لمعت نارُهم وقد عَسْعَسَ اللَّيـ … ـل ومَلَّ الحادي وحار الدَّليل فتأملتها وفكري من البَيْـ … ـن عليلٌ ولحظُ عيني كَلِيل وفؤادي ذاك الفؤاد المُعَنَّى … وغَرَامي ذاكَ الغَرامُ الدَّخِيل ثم قابلتُهَا وقلتُ لصَحْبي … هذه النَّار نارُ ليلى فميلوا وهي نحو أربعين بيتًا (١). ١٣ - عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمر بن إبراهيم بن جعفر بن عُزيزة الأصبهانيُّ المُعَدَّل، إمام الجامع العتيق. كان من نُبَلاء الشُّيوخ. روى عن المصقليين. روى عنه أبو موسى المديني، وقال: توفي في المحرم. ١٤ - عبد الله بن محمد بن السِّيد، أبو محمد البطليوسيُّ النَّحويُّ، نزيل بلَنْسية. روى عن أخيه عليّ، وعاصم بن أيوب الأديب، وأبي عليّ الغسَّاني، وأبي سعيد الورَّاق. قال ابن بَشْكُوال (٢): كان عالمًا باللُّغات والآداب مستبحرًا فيها، مقدَّمًا في معرفتها يجتمع النَّاس إليه، ويقرؤون عليه. وكان حسن التَّعليم، صنَّف كُتبًا حسانًا، منها: كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكُتَّاب، وكتاب التَّنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة، وكتابًا في شرح الموطأ. كتب إلينا بجميع مروياته، وأنشدني محمد بن يوسف صاحبنا أنَّ ابن السِّيد أنشده لنفسه: أخو العلم حيّ خالد بعد مَوْته … وأوصاله تحت التُّراب رميم وذو الجهل ميِّتٌ وهو ماش على الثَّرى … يظنُّ من الأحياء وهو عديم ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وتوفي في نصف رجب ببلنسية. وقال غيره: إنه صنَّف المثَلَّث في اللغة، وكتاب شرح سقط الزَّند، وكتاب الاسم والمُسمَّى، وله يمدح المستعين بن هود (٣):

стр. 10696

هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا … بأقمار أطواق مطالعها البان لئن غادروني باللوى … إن مهجتي مسايرة أضعانهم حيثما كانوا سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم … ينازعها مزن من الدمع هتان أأحبابنا هل ذلك العهد راجع … وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان ولي مقلة عبرى وبين … جوانحي فؤاد إلى لقياكم الدهر حنان تنكرت الدنيا لنا بعد بعدكم … وحلت بنا من معضل الخطب ألوان ١٥ - عبد الجبار بن إبراهيم بن أبي عمرو عبد الوهَّاب ابن الإمام أبي عبد الله بن منده، أبو نصر العبديُّ الأصبهانيُّ. صالح، خيِّر، راغب في الخير. جاور بمكة زمانًا، سمع جدَّه أبا عمرو، وعمَّ أبيه أبا القاسم، وأبا عيسى بن زياد، وأبا بكر بن ماجه، وسمع ببغداد من ابن البَطِر، والنِّعالي. وكان مولده في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وأربعمائة، فعلى هذا سماعه من عم أبيه حضور، وتوفي بمكة في رمضان. روى عنه أبو موسى المديني، وقال: شيخُ الحرم سنين عدة، قَدِمَ علينا سنة عشرين ثم رجع فمات بها. ١٦ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن نُصَيْر، أبو سعد البُرُوجرديُّ الفقيه. قَدِمَ بغداد، وتفقه على أبي إسحاق الشِّيرازيُّ، وسمع الحديث من عبد الصمد ابن المأمون، وأبي الحسين بن المهتدي بالله. قال ابن السَّمعاني: حدَّثنا عنه أحمد بن حامد الثَّقفي، وعبد الغفار بن يحيى الهمذاني، وتوفي بعد سنة إحدى وعشرين. ١٧ - عبد الرحمن بن عبد الله بن يوسف، أبو الحسن بن عفيف، وعفيف جده لأمه، الأموي الطليطلي، نزيل قرطبة. سمع قاسم بن محمد بن هلال، وجماهر بن عبد الرحمن، وأجاز له محمد بن عتاب مروياته. وكان فاضلًا عفيفًا يعظ الناس، ويصلي بجامع قرطبة، وكانت العامة تعظمه لصلاحه، ولم يكن بالضابط، كان كثير الوهم في الأسانيد، قاله ابن

стр. 10697

بشكوال وقال (١): روينا عنه، وتوفي في جمادى الآخرة، وولد سنة بضعٍ وثلاثين وأربعمائة. ١٨ - عبد الملك بن أحمد بن الحسين بن قريش، أبو سعد القزاز، من محلة النصرية. سمع ابن المأمون، وأبا محمد الصريفيني، وعنه ذاكر بن كامل، مات في رجب، حدث باليسير (٢). ١٩ - عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد العزيز، أبو محمد الصدفي القرطبي. أخذ عن أبي بكر المرادي، وتفقه على أبي الوليد هشام بن أحمد، وكان ملازمًا لمجلس أبي الوليد بن رشد، وكان حافظًا للفقه، ذاكرًا للمسائل والفرائض والأصول. توفي في ذي الحجة (٣). ٢٠ - عبد الوهَّاب ابن المعتمد على الله محمد بن عبّاد بن محمد بن إسماعيل، أبو محمد اللَّخميُّ الإشبيليُّ. أخذ عن مالك بن وُهَيْب، وأبي الحسن بن الأخضر العربية، وأخذ عن شهاب بن محمد الطِّبَّ. وتفقَّه بعد خلع أبيه بمراكش على مالك بن وُهَيْب ولزمه. ثم أمَّ بجامع مراكش. وكان خيِّرًا وقورًا، نزهًا، رئيسًا. توفي بعد العشرين وخمسمائة (٤). ٢١ - عبيد الله بن عبد الكريم بن هوازن، أبو الفتح ابن القُشيريِّ، النَّيسابوريُّ الصوفيُّ. فاضل عابد، له مصنفات في علم القوم، سكن إسفرايين، وحدَّث عن

стр. 10698

أبيه، وعمر بن مسرور، وعبد الغافر بن محمد الفارسيُّ، وأبي سعد محمد بن عبد الرحمن، وجماعة. وحج سنة ثمانين وأربعمائة، وحدَّث ببغداد، وبقي إلى هذا العام، وتوفي برجب، ذكره ابن النَّجَّار (١)، ولم يذكر أحدًا روى عنه. ٢٢ - علي بن عبد الله بن محبوب، الطرابلسي المغربي. قال السلفي (٢): قدم الإسكندرية متفقهًا، وكان له اهتمام بالتواريخ، صنف تويريخًا لطرابلس حدثني به، وكتب عني، وكان فاضلًا في فنون، توفي بمكة. ٢٣ - علي بن عبد الواحد بن أحمد، أبو الحسن الدينوري، ثم البغدادي. سمع أبا الحسن القزويني، وأبا محمد الخلال، وأبا محمد الجوهري، وغيرهم، روى عنه أبو المعمر الأنصاري، والحافظ ابن عساكر، وأخوه الصائن، وابن الجوزي. قال ابن السمعاني: كان صاحب الخبر، توفي في جمادى الآخرة. ٢٤ - علي بن محمد بن أبي الفتح بن بحسول الهمذاني الفقيه. رحل إلى بغداد وسمع أبا القاسم بن بيان، وبهمذان من مكي بن منصور الكرجي، وحدث في هذا العام. ٢٥ - علي بن المبارك بن علي ابن الفاعوس، أبو الحسن البغدادي، الإسكاف، الزاهد. كان شيخًا صالحًا، خيرًا، عابدا، متقشفًا، من أصحاب الشريف أبي جعفر بن أبي موسى، كان يقرأ للناس يوم الجمعة الحديث بلا سند، وكان صاحب إخلاص، وله قبولٌ تام عند العامة. سمع أبا يعلى ابن الفراء، وأبا منصور العطار، روى عنه أبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر.

стр. 10699

قال أبو سعد السمعاني: سمعت أبا القاسم بدمشق يقول: ابن الفاعوس كان يتعسر في الرواية، وأهل بغداد يعتقدون فيه، وأبو القاسم ابن السمرقندي كان يقول: إن أبا بكر ابن الخاضبة يقول لابن الفاعوس الحجري لأنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقةً. قلت: هذا تشغيب وأذية لرجلٍ صالح، وإلا فهذا نزاع محض في عبارة، وعرفنا مراده بقوله: يمين الله حقيقةً، كما تقول: بيت الله حقيقةً، وناقة الله حقيقةً، إذ ذلك إضافة ملك وتشريف، فهي إضافة حقيقية، وإن شئت قلت: يمين الله مجازًا، وهو أفصح وأظهر، لأن في سياق الحديث ما يوضح ذلك، وهو قوله: فمن صافحه فكأنما صافح الله: يعني هو بمنزلة يمين الله في الأرض، قال غير واحد: حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر المخزومي يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض، يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه (١). ورواه عيسى بن يونس، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس. وروي بإسناد آخر، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي حسين، عن ابن عباس. ورواه عبد الرزاق (٢)، عن أبيه، عن وهب بن منبه، قوله. فإما أن يكون أراد به يمين الله، أستغفر الله، حقيقة باعتبار صفة الذات، فهذا لا يعتقده بشرٌ، فضلًا عن أن يعتقده مسلم، بل ولا يدور في ذهن عاقل. وأما قوله: كان يتعسر في الرواية، فكان يفعل ذلك إزراءً على نفسه، وتفويتًا لحظه، وقد رأينا غير واحدٍ من الصالحين يمتنع من الرواية، ولكن من فعل ذلك ثقالةً ونكادةً كابن يوسف الإربلي وغيره من شيوخنا، فهو مذموم. وقال أبو الفرج ابن الجوزي (٣): توفي في تاسع عشر شوال، وانقلبت

стр. 10700

بغداد بموته، وغلقت الأسواق، وضج العوام بذكر السنة، ولعن أهل البدع، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. ٢٦ - فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلويه الرازي، العالمة المعروفة ببنت حمزة. واعظة مشهورة ببغداد، متعبدة، لها رباط يأوي إليه النساء، روت عن ابن المسلمة، وأبي بكر الخطيب، روى عنها: أبو القاسم ابن عساكر، وقال: توفيت في ربيع الأول، وروى عنها: ابن ناصر، وأبو الفرج ابن الجوزي (١). ٢٧ - كافور الحبشيُّ الليثيُّ الصُّوريُّ، أبو الحسن. مصريُّ المولد والولاء، سكن صور، ورحل وطوَّف، وكان ذا معرفة باللغة والأدب والشِّعر، كثير السَّماع؛ رحل إلى خراسان وما وراء النَّهر، سمع الفقيه نصرًا المقدسيَّ بدمشق، ومقلَّد بن القاسم بالإسكندرية، ومالكًا البانياسيَّ ببغداد، وسكن بغداد. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، ويحيى بن بَوْش، وكان خصيًّا. توفي في رجب، ومن شعره وكتب بهما إلى الرئيس محمد بن منصور البيهقي: هل من قرىً يا أبا سعد بن منصور … لخادم قادم وافاك من صور شعاره إن دنت دار وإن بَعُدت … الله يُبْقي أبا سَعْد بن منصور (٢) ٢٨ - محمد بن أحمد بن مُطَرِّف، أبو عبد الله البكريُّ الأندلسيُّ المقرئ. أخذ عن أحمد بن أبي عمرو المقرئ، وأبي علي بن مُبشِّر، وأبي الوليد الباجي. أخذ عنه جماعة، وتوفي بالمرية (٣). ٢٩ - محمد بن الحسين بن بندار، أبو العز الواسطيُّ القلانسيُّ، مقرئ العراق وصاحب التصانيف في القراءات. قرأ بالروايات على أبي علي غلام الهرَّاس، وأخذ عن أبي القاسم

стр. 10701

الهُذَلي، وروى عنه كتاب الكامل تأليفه، ورحل إلى بغداد سنة إحدى وستين، وسمع أبا جعفر ابن المُسْلِمَة، وابن المأمون، وأبا الحسين ابن المُهْتدي بالله. قال ابن السَّمعاني: قرأ عليه عالم من النَّاس، ورُحِلَ إليه من الأقطار وسمعت عبد الوهَّاب الأنماطي نسب أبا العز القلانسي إلى الرَّفض وأساء الثناء عليه. قال أبو سعد السَّمعاني: ثم وجدت لأبي العز أبياتًا في فضيلة الجماعة. وقال الحافظ ابن ناصر: ألحق سماعه في جزء من كتاب هاءات الكناية لابن أبي هاشم من أبي علي ابن البنَّاء بعد أن لم يكن سماعه فيه. وقال أبو سَعْد: سمعت أبا بكر المبارك بن غالب المفيد يقول: قرأ ابن ميمون، صبي كان سمع معنا، على أبي العز القلانسي وما كان يحسن أن يقرأ، فكتب له بخطه: قرأ عليَّ فلان وجوَّد، فقلنا له: كيف جوَّد القراءة. قال: يا سيدي جوَّد الذَّهب! وقال ابن النَّجَّار: سمعتُ أبا العباس أحمد ابن البندنيجي يقول: سألت شيخنا أبا جعفر أحمد بن أحمد ابن القاص: هل قرأت على أبي العز القلانسي؟ فقال: لمَّا قَدِمَ القلانسيُّ إلى بغداد أردت أن أقرأ عليه، فطلب مني ذهبًا، فقلت له: والله إني قادر على ما طلبت مني ولكنِّي لا أعطيك على القرآن أجرًا، ولم أقرأ عليه. وقال السِّلفي (١): سألت الحَوْزي عن أبي العز بن بندار، فقال: هو أحد الأئمة الأعيان في علوم القرآن، قرأ على غلام الهرَّاس، وبرع في القراءات وسمع من جماعة، وهو جيِّد النَّقل ذو فَهْم فيما يقوله. وقال أبو سعد السَّمْعاني: وأنشدنا سعد الله بن محمد المقرئ بالدَّسكرة، قال: أنشدني أبو العز لنفسه. إن من لم يقدِّم الصِّديقا … لم يكن لي حتى الممات صديقا والذي لا يقول قولي في الفا … روق أنوي لشخصه تفريقا ولنار الجحيم باغض عثما … ن ويهوي منها مكانًا سحيقا

стр. 10702

من توالى عندي عليًّا وعادا … هم طُرًّا عددته زنديقا قلت: قرأ عليه أبو محمد سبط الخيَّاط، وأبو الفتح المبارك بن زُرَيْق الحدَّاد، وأبو بكر عبد الله بن منصور الباقلاني، وأبو الحسن عليّ بن عساكر البطائحي، وعليّ بن مُظَقَّر الواسطي الخطيب، وخلق. قال أبو الفرج ابن الجوزي (١): توفي في شوَّال بواسط، وولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. ٣٠ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن خلصة، أبو عبد الله اللَّخميُّ البلنسيُّ النَّحويُّ اللغويُّ. سمع أبا عليّ بن سُكَّرة، وصحب أبا بكر ابن العربي، وعاجلته المنيَّة. قال ابن الأبَّار (٢): كان أستاذًا في علم اللِّسان، مقدَّمًا في العربية والأدب، فصيحًا مفوهًا، حافظًا للغات، وله يد في النَّثْر. أقرأ بدانية وبلنسية كتاب سيبوية. أخذ عنه أبو بكر بن رزق وزيد ابن الصَّفَّار، وتوفي في المحرَّم. ٣١ - محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن الهمذانيُّ الفرضيُّ، ابن الشيخ أبي الفضل. جمع تاريخًا في الملوك والدُّول، وله تصانيف، وكان مطبوعًا كيِّسًا ظريفًا. روى عن أبي الحسين ابن النَّقُّور وغيره. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر. وقال ابن النَّجَّار: كان فاضلًا، حسن المعرفة بالتواريخ والدُّول والملوك والحوادث، وبه خُتِمَ هذا الفن، ذيَّل تاريخ محمد بن جرير، وله كتاب عنوان السِّير، وكتاب أخبار الوزراء، وكتاب طبقات الفقهاء. وله ذيل ذيّله على تاريخ الوزير أبي شجاع التالي لكتاب تجاب الأمم لمسكويه. وتوفي في سادس شوال، ودفن إلى جانب قبر الإمام أبي العباس بن سُرَيْج. ذكره ابن الجوزي، وقال (٣): ذكر عنه شيخنا عبد الوهاب، يعني

стр. 10703

الأنماطي، ما يوجب الطَّعن فيه، وتوفي فجاءة. ٣٢ - محمد بن الفضل بن محمد، أبو طاهر الأصبهانيُّ الحدَّاد البيِّع. حدَّث بكرمان عن أحمد بن محمود الثَّقفي بمعجم أبي يعلى عن ابن المقرئ عنه. مات في سادس شوال: أجاز للسَّمعاني (١). ٣٣ - هبة الله بن عبد الله بن الحسن ابن البصيدائي، وبصيدا: من قرى بغداد، أبو البقاء، أحد الرؤساء والأكابر. سمع أبا محمد الجوهري، وغيره، روى عنه أبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم الحافظ، وتوفي في صفر (٢). ٣٤ - يحيى بن عبيد بن سعادة، الزاهد الخير، من أهل الإسكندرية. قال السلفي (٣): أجبرنا عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي. ٣٥ - يحيى بن عمرو بن بقاء، أبو بكر الجذامي المرجوني. نزل قرطبة، وأخذ بها عن محمد بن فرج الفقيه، وأبي علي الغساني، وتفقه عند أبي الحسن بن حمدين، وكان حافظًا للفقه، بارعًا في معرفة الشروط، حصل منها دنيا. توفي في جمادى الأولى، وله بضعٌ وستون سنة (٤).

стр. 10704

سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة ٣٦ - الحسن بن علي بن صدقة، أبو علي الوزير جلال الدين، وزير المسترشد بالله. كان من رجال الدهر رأيًا وحزمًا، وله في مخدومه المسترشد بالله: وجدت الورى كالماء طعما ورقة … وأن أمير المؤمنين زلاله وصورت معنى العقل شخصا مصورا … وأن أمير المؤمنين مثاله ولولا مكان الدين والشرع والتقى … لقلت من الإعظام: ﷻ توفي في غرة رجب، قاله ابن الجوزي (١). وقد تكرر ذكره في الحوادث. وذكره ابن النجار، فقال: ولد بنصيبين سنة تسعٍ وخمسين، وخدم إبراهيم بن قرواش صاحب الموصل، فلما أمسك هرب جلال الدين إلى بغداد، ثم خدم بها، ولم يزل في ارتقاء إلى أن تزوج بابنة الوزير ابن المطلب، ثم ولي الوزارة في سنة ثلاث عشرة، ثم قبض عليه بعد ثلاث سنين، ونهبت داره، ورضوا عنه، ثم أعيد إلى الوزارة سنة سبع عشرة، فكان يومًا مشهودًا، وكان منشئًا بليغًا أديبًا. ٣٧ - الحسين بن علي بن أبي القاسم، الشيخ أبو علي اللامشي السمرقندي الحنفي. قال السمعاني (٢): إمام فاضل متدين يضرب به المثل في النظر وعلم الخلاف، وكان على طريقة السلف من طرح التكلف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، روى نسخة دينار لنا عن القاضي محمد بن الحسن بن منصور النسفي، وسمع أيضًا من الحافظ عبد الرحمن بن عبد الرحيم القصار، وأبي علي الحسين بن عبد الملك النسفي، وتوفي في رمضان. قال ابن الجوزي (٣): قدم رسولًا من خاقان ملك سمرقند.

стр. 10705

قال السمعاني (١): مر بمرو رسولًا من ملك سمرقند محمد بن سليمان، ولامش: من قرى فرغانة، سمعت منه بقراءة عمي أبي القاسم، ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وكان قوالًا بالحق. ٣٨ - رضوان بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن خورة، أبو منصور الأصبهاني المؤدب. رحل به أبوه وحج، يروي عن شجاع وأحمد المصقليين، وعنه أبو موسى. ٣٩ - سهل بن إبراهيم المسجدي السبعي، أبو القاسم النيسابوري. يروي عن أبي حفص بن مسرور، وعبد الغافر الفارسي، وأبي محمد الجويني، سمع منه حضورًا أبو سعد السمعاني. وكان والده يقرأ كل يوم سبعا، وابنه أحمد بن سهل يروي عن يعقوب بن أحمد الصيرفي، توفي سهل سنة نيف وعشرين. قال السمعاني (٢): كان صالحًا حسن السيرة، كثير العبادة، سمع الكثير، وعمر الطويل، وتفرد عن جماعة. قلت: روى عن أبي عثمان الصابوني، ودحية بن أبي الطيب الجلاب، والكنجروذي، روى عنه حفيده محمد بن أحمد، وأبو المعالي ابن الفراوي، وعبد الرحيم بن عبد الرحمن الشعري، وأبو سعد الصفار، وابن ياسر الجياني، وآخرون، وكان خادم مسجد المطرز. دين صالح (٣). ٤٠ - طغتكين، الأمير أبو منصور، المعروف بأتابك. من أمراء تاج الدولة، زوجه بأم ولده دقاق، وكان مع تاج الدولة لما سار إلى الري لقتال ابن أخيه، فلما قتل تاج الدولة رجع إلى دمشق، وصار أتابك دقاق، فلما مات دقاق تملك بدمشق، وكان شهمًا، مهيبًا، شديدًا على الفرنج والمفسدين (٤).

стр. 10706

ولقبه ظهير الدين وهو والد تاج الملوك بوري بن طغتكين. قال ابن الأثير (١): توفي أتابك طغرتكين - كذا سماه ابن الأثير (٢) - في ثامن صفر، وهو من مماليك الملك تتش بن ألب أرسلان، وكان عاقلًا خبيرًا، كثير الغزوات والجهاد للفرنج، حسن السيرة في رعيته، مؤثرًا للعدل، وملك بعده ابنه بوري أكبر أولاده بوصيةٍ منه، فأقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته. وقال سبط الجوزي (٣): كان طغتكين شجاعًا، شهمًا، عادلًا، حزن عليه أهل دمشق، ولم يبق فيها محلة ولا سوق إلا والمأتم قائم عليه فيه، لأنه كان حسن السيرة، ظاهر العدل، مدبرًا للممالك، أقام حاكمًا على الشام خمسا وثلاثين سنة، وسار ابنه سيرته مدة ثم تغيرت نيته، وأضمر السوء لأصحاب أبيه، والظلم للرعية، وتمكن وزيره المزدقاني من أهل دمشق، وصادق الباطنية، واستعان بهم، وقبض بوري على خواص أبيه، فاسترابوا به، ونفرت القلوب منه. وقال أبو يعلى ابن القلانسي (٤): مرض أتابك طغتكين مرضًا أنهك قوته، وأنحل جسمه، وتوفي في ثامن صفر، فأبكى العيون، وأنكأ القلوب، وفت في الأعضاد، وفتت الأكباد، وازداد الأسف، فرحمه الله وبرد مضجعه، وماتت زوجته الخاتون شرف النساء، أم بوري، بعده بثلاثة أشهر، ودفنت بقبتها التي خارج باب الفراديس. قلت: مات في هذه السنة ودفن بتربته، قبلي المصلى في ثامن صفر. ٤١ - عبد الله بن أحمد بن سعيد بن سليمان بن يربوع، الأستاذ الحافظ أبو محمد الأندلسي الشنتريني ثم الإشبيلي، نزيل قرطبة. سمع صحيح البخاري من محمد بن أحمد بن منظور، عن أبي ذر الهروي، وسمع من أبي محمد بن خزرج، وحاتم بن محمد، وأبي مروان بن سراج، وأبي علي الغساني، وأجاز له أبو العباس العذري.

стр. 10707

قال ابن بشكوال (١): وكان حافظًا للحديث وعلله، عارفًا برجاله وبالجرح والتعديل، ضابطًا، ثقة، كتب الكثير، وصحب أبا علي الغساني واختص به، وكان أبو علي يفضله، ويصفه بالمعرفة والذكاء، صنف كتاب الإقليد في بيان الأسانيد، وكتاب تاج الحلية وسراج البغية في معرفة أسانيد الموطأ، وكتاب البيان عما في كتاب أبي نصر الكلاباذي من النقصان، وكتاب المنهاج في رجال مسلم وسمعت منه مجالس، وتوفي في صفر، ومولده في سنة أربعٍ وأربعين وأربعمائة. ٤٢ - عبد الرحمن بن سعيد بن هارون، أبو المطرف الفهمي السرقسطي المقرئ ابن الوراق. روى عن أبي عبد الله المغامي، والحسن بن مبشر، وأبي داود، وغيرهم من القراء، وجود القراءات، وسمع من أبي الوليد الباجي، وأجاز له أبو عمر بن عبد البر، وأقرأ الناس بجامع قرطبة، وأم بالناس فيه. أخذ الناس عنه، وكان ثقة، توفي في صفر، وله ثمانون سنة، أجاز لابن بشكوال (٢). ٤٣ - عبد الكريم بن عبد الرَّزاق بن عبد الكريم بن عبد الواحد بن محمد، أبو طاهر الحسناباذيُّ الأصبهانيُّ الصُّوفيُّ، الزاهد، المعروف بمكشوف الرأس. ولد في رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وسمع أباه أبا الفتح، وعلي بن القاسم بن إبراهيم المقرئ، وأبا بكر الباطرقاني، وأبا طاهر أحمد بن محمود. ورحل وسمع أبا الحسين ابن المهتدي بالله، والصَّريفيني. روى عنه أبو بكر ابن السَّمعاني، وأبو موسى المديني، وجماعة من الأصبهانيين ممن لا يحضرني ذكرهم. وقال أبو موسى: كان أوحد في طريقته، صاحب كرامات، صُلْبًا في السنة. وقال أبو سعد السَّمعاني: روى لنا عنه جماعة، وأجاز لي، وكان أحد

стр. 10708

المعروفين بالخصال الجميلة، والأخلاق المرضيَّة، يرجع إلى معرفة بالفقه والعربية، ولسان أهل المعرفة. قال أبو موسى: تُوفي يوم الجُمُعَة ثاني عشر ربيع الأول. ٤٤ - عبد الكريم بن علي بن أبي طالب، الأستاذ أبو القاسم الرازيُّ، تلميذ الغزَّالي. قال ابن السَّمعاني: إمام ظريف عفيف، حسن الطريقة، تفقه كبيرًا، وحصَّل المذهب والخلاف. وكان رشيق العبارة في النَّظر، صحب الغزَّالي، وحصَّل كتبه، وأقام بهراة بين الصوفية مدة. وسمع ببغداد أبا بكر ابن الخاضبة، وأبا بكر بن سُوسَن. روى لنا عنه علي بن أحمد اليزدي ببغداد، وأبو النَّضر الفامي بهراة. توفي ظنًّا سنة اثنتين وعشرين. ٤٥ - علي بن أسفتكين، الأمير أبو الحسن العميدي، الحاجي، النيسابوري. كان خفيف الروح، صالحًا عابدًا، ترك الخدمة ولبس لباس الصالحين، وقنع بما له من ميراث، وحدث عن أبي الحسن محمد بن محمد الحسيني العلوي، والحسن بن محمد الصفار، وأبي نصر عبد الرحمن التاجر، وغيرهم، توفي بنيسابور (١). ٤٦ - علي بن الحسن بن علي بن سعيد بن محمد، أبو الحسن الدمشقي العطار. كان أبوه مقدم الشهود ورئيسهم بدمشق، وكان مثريًا فاشترى لابنه جارية مغنية، فتعلم منها الغناء، ثم افتقر وتعثر، فكان يغني في مجالس الخمر، ويشرب، ثم كبر وضعف. قال ابن عساكر (٢): سمع الكثير من أبي القاسم السميساطي، وأبي القاسم الحنائي، وأبي بكر الخطيب، فأتيناه فرغبناه في التوبة، فتاب وترك

стр. 10709

الغناء، وسمعنا منه كتبًا، توفي في صفر، وكان مولده في سنة خمسٍ وأربعين وأربعمائة. ٤٧ - علي بن الحسن بن محمد بن محمد، الإمام أبو القاسم ابن الإمام أبي علي النيسابوري الصفار. فاضل، علامة، متفنن، روى عن أبي عثمان البحيري، وأبي سعد الكنجروذي، وأحمد بن منصور المغربي، وأصحاب الخفاف، ثم عن أصحاب الحاكم، وابن يوسف، ثم عن أصحاب الحيري، وله النسخ والأجزاء. وكان بإسفرايين وبها مات في رمضان (١). ٤٨ - محمد بن سعد بن الفرج أبو نصر الشيباني البغدادي الحلواني. سمع أبا جعفر ابن المسلمة، وعبد الصمد بن المأمون، وكان ثقة توفي في رمضان (٢). ٤٩ - محمد بن أبي شجاع العبيدي الآمري، الأمير المأمون ابن نور الدولة. كان المأمون وزير الآمر بأحكام الله العبيدي المصري ومدبر دولته، بقي على ذلك أربع سنين، ثم قبض الآمر عليه في سنة تسع عشرة وخمسمائة، ثم قتل في رجب سنة اثنتين وعشرين، وصلب بظاهر القاهرة. ٥٠ - موسى بن أحمد بن محمد، أبو القاسم النشاذري، الفقيه الحنبلي. سمع الكثير، وقرأ بالروايات، وتفقه على أبي الحسن ابن الزاغوني، وناظر، وتوفي في رجب شابًا (٣). ٥١ - هاشم بن علي بن إسحاق، أبو القاسم الأبيورديُّ. فقيه عالم من أصحاب أبي المعالي الجويني، ورد بغداد حاجًّا، وسمع أبا الخطَّاب ابن البطر. وسمع بنيسابور من أبي بكر بن خلف، وطاهر بن محمد الشَّحَّامي. روى عنه ابنه أبو حامد. توفي في ربيع الآخر بأبيورد عن سبعين سنة.

стр. 10710

٥٢ - هبة الله بن علي بن محمد، أبو القاسم المرزمي (١)، ويعرف بقاضي مرغزن (٢)، وهي قرية من قرى مرو. محدث كثير المحفوظ، حريص على عقد المجالس، له قبول عند العامة، إلا أنه غير ثقة، كان لا يبالي ما يقول بحسب الوقت، سمع أبا إسماعيل الأنصاري بهراة، وعاش نيفًا وستين سنة. ٥٣ - يحيى بن عبد الرحيم، أبو بكر اللبيكيُّ النَّيسابوريُّ المقرئ الصَّالح. سمع ابن مسرور، وأبا عثمان الصَّابوني، حضر عليه أبو سعد السَّمعاني (٣). • - أبو العز القلانسيُّ المقرئ. ذكر الفاروثي أنه توفي فيها، والأصح وفاته سنة إحدى عشرين (٤).

стр. 10711

سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ٥٤ - أحمد بن جعفر بن إسماعيل، الإمام الخطيب أبو نصر الدَّرغميُّ السَّمرقنديُّ. عاش أربعًا وتسعين سنة. سمع عبد الجبَّار الخطيب وأبا بكر النَّجار. ٥٥ - أحمد بن منصور بن بكر بن محمد بن عليّ بن حيد النَّيسابوريُّ، أبو الفضل الدَّلال في النِّيل. سمع من جده بكر عن الخفَّاف. وعنه المبارك بن كامل، وابن عساكر، وأساء ابن عساكر الثَّناء عليه. توفي في شوَّال. ٥٦ - إبراهيم بن علي بن الحسين، الإمام أبو إسحاق الشيبانيُّ الطَّبريُّ الفقيه. إمام في المذهب والفرائض والتَّفسير، له تصانيف مفيدة. ولي قضاء مكة، وحدَّث عن أبي علي الحدَّاد ببغداد لما قدمها. روى عنه الصائن ابن عساكر، وشيخ الشيوخ عبد الرَّحيم بن أبي البركات. ومات في خامس رجب، وله إحدى وأربعون سنة. ٥٧ - جعفر بن عبد الواحد بن محمد بن محمود بن أحمد، أبو الفضل الثقفي الأصبهاني، الرئيس، النبيل. سمع ابن ريذة التاني، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي المعدل، وعبد الرزاق بن أحمد الخطيب، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وسعيد بن أبي سعيد العيار، ومحمد بن عبد الرحمن بن زياد الأرزناني. روى عنه أحمد بن أبي منصور بن الزبرقان، والحافظ أبو موسى، وأسعد بن أبي طاهر الثقفي، وعبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني، وعبد الجليل بن أبي نصر بن رجاء، ومحمد بن أحمد المهاد، وناصر بن محمد الويرج الأصبهانيون.

стр. 10712

وقد ذكره السمعاني في التحبير، فقال (١): كان صالحًا، سديدًا، وكان آخر من روى من الرجال، عن ابن ريذة، ومن مروياته: شروط الذمة لأبي الشيخ، والسنة له، والعتق له، والضحايا والعقيقة له، والنوادر له، وفوائد العراقيين له، وأحاديث طلحة بن مصرف له، وكتاب السبق والرمي له، وكتاب القطع والسرقة له، وغير ذلك، روى الجميع عن ابن عبد الرحيم، عنه، وكتاب الأدب لابن أبي عاصم، وكتاب معجم ابن المقرئ وفوائده التي في خمسة عشر جزءًا، وكتاب حرملة، وكتاب الأسماء والكنى لأبي عروبة، وكتاب الجامع لأحمد بن الفرات، وسنن الشافعي، رواية ابن عبد الحكم، وكتاب الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، وكتاب طبقات أصبهان لأبي الشيخ، وكتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين، وكتاب البكاء للفريابي، وكتاب شواهد الشعر لأبي عروبة، وسمع صحيح البخاري من سعيد العيار، وكان مولده في سنة أربعٍ وثلاثين وأربعمائة، توفي في تاسع جمادى الأولى، وله تسع وثمانون سنة. ٥٨ - الحسن بن المظفر بن الحسن بن المظفر بن يزيد، أبو علي بن أبي سعد السبط. كان أبوه سبط أبي بكر بن لال الهمذاني، سمع: أباه، وأبا محمد الجوهري، وأبا الحسين ابن المهتدي بالله، روى عنه: ابنه هبة الله، ويحيى بن بوش، وأبو القاسم ابن عساكر، وآخرون. توفي في ربيع الأول. وثقه ابن عساكر (٢). ٥٩ - حمزة بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن داود، أبو الغنائم بن أبي البركات العلوي الحسني النيسابوري. كان جده محدث نيسابوري، وكان هو حسن السيرة، حدث بالكثير، وتفرد في وقته، وسمع: أباه، وأبا نصر محمد بن الفضل النسوي، وأبا الحسين عبد الغافر الفارسي، وأبا حفص بن مسرور، وعبد الرحمن بن محمد الأنماطي

стр. 10713

صاحب أبي بكر الإسماعيلي، وعمرو بن أبي عمرو البحيري، وحج فسمع ببغداد من: القاضي أبي عبد الله الدامغاني، وأبي يوسف عبد السلام القزويني. وقال ابن السمعاني (١): أجاز لي، وحدثني عنه جماعة، وكان زيدي المذهب، توفي في سادس المحرم، وله ستٌ وتسعون سنة (٢). ٦٠ - طاهر بن سعد، الوزير كمال الدين أبو علي المزدقاني، وزير صاحب دمشق تاج الملوك بوري بن طغتكين. اتهم بمذهب الباطنية، فقتل في رمضان، ونصب رأسه على باب القلعة، ووضع الجند السيف في الباطنية بدمشق، فقتلوا منهم ستة آلاف نفس، كما مر في الحوادث. ٦١ - عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن شاذان، أبو الفتح بن علويه السعيدي السرخسي، الفقيه. سمع: الليث بن الحسن الليثي، وزهير بن الحسن، والحافظ محمد بن محمد بن زيد العلوي. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. أجاز لابن السمعاني، وقال (٣): مات يوم التروية بسرخس. ٦٢ - عبد الله بن أبي المعمر شيبان بن عبد الله بن أحمد بن محمد، الحافظ أبو محمد البرجي، الأصبهاني، المحتسب. ولد سنة سبعٍ وأربعين، وسمع: إبراهيم سبط بحرويه، وجماعة، وكان عارفًا برجال الصحيحين، وكان صحافًا، روى عنه: أبو موسى المديني (٤). ٦٣ - عبيد الله بن محمد ابن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي، أبو الحسن البيهقي الخسروجردي. لم يكن يعرف شيئًا من العلم، بل سمع الكتب من جده، وسمع من: أبي يعلى إسحاق بن عبد الرحمن الصابوني، وأبي سعد أحمد بن إبراهيم المقرئ.

стр. 10714

وقدم للحج بعد العشرين، فحدث ببغداد، روى عنه: ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو الفتح المندائي، وآخرون. قال ابن السمعاني: كره السماع منه جماعةٌ لقلة معرفته بالحديث، وسألت عنه أبا القاسم الدمشقي فقال: ما كان يعرف شيئًا، وكان يتغالى بكتب الإجازة ويقول: ما أجيز إلا بطسوج، قال: وسمع لنفسه في جزءٍ، عن جده تسميعًا طريًا، وكان سماعه فيما عداه صحيحًا. وقال أبو محمد ابن الخشاب: سألته عن مولده فقال: سنة تسعٍ وأربعين. وقال ابن ناصر: مات في ثالث جمادى الأولى ببغداد، مرض ثلاثة عشر يومًا (١). ٦٤ - علي بن عبد المجيد بن يوسف بن شعيب، أبو الحسن الشلجي (٢) السمرقندي. أحد الأئمة، توفي في شوال وله اثنتان وثمانون سنة، روى عن: أبي حمية محمد بن أحمد الحنظلي، وعنه: عمر النسفي. ٦٥ - علي بن عبد الواحد بن الحسن بن علي بن شواش، أبو الحسن الدمشقي المعدل. سمع: أبا الحسن بن قبيس، وأبا القاسم بن أبي العلاء، روى عنه: أبو القاسم ابن عساكر، وقال (٣): كان أمينًا على المواريث، ووقف الأشراف، وكان ثقة. ٦٦ - علي بن محمد بن عبد الله بن سعيد، أبو الحسن الإبرينقيُّ (٤) الدهَّان الفقيه. شيخ صالح، سمع ورحل. روى عن: محمد بن عبد الصمد التُّرابي المروزي، ومحمد بن عبد العزيز القنطري. وسمع بأصبهان، وبخارى،

стр. 10715

وهمذان، وأجاز للسَّمعاني، وقال (١): سمع منه والدي وعمّاي، مات في شوال عن بضع وثمانين سنة. ٦٧ - علي بن محمد بن علي بن محمد بن موسى، أبو الحسن بن أبي بكر الخيَّاط المقرئ. من أولاد الشيوخ ببغداد، سمع أبا القاسم ابن البُسْري. روى عنه أبو المعَمَّر الأنصاري، وأبو القاسم الحافظ، وتوفي في ذي الحجة. ٦٨ - عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى، الإمام أبو بكر المديني الأصبهاني المقرئ. ولد سنة أربعٍ أو خمسٍ وستين وأربعمائة بمدينة جي، ثم انتقل به أبوه إلى أصبهان وهو يرضع، روى عن: أبي عمرو بن منده، وغيره، روى عنه: ابنه الحافظ أبو موسى، وقال: كانت له يد قوية في معرفة القراء والقراءات وعلم الفرائض، وتوفي في خامس رجب. ٦٩ - عيسى بن موسى بن سعيد، أبو الأصبغ الأنصاري البلنسي، ويعرف بالمنزلي. روى عن: أبيه، وأبي داود المقرئ، وأجاز له أبو الوليد الباجي، وقدم للشورى، وحذق في علم الرأي، وأشغل وأفتى ببلنسية، روى عنه: محمد بن سليمان القلعي، وتوفي في ربيع الأول (٢). ٧٠ - غانم بن أحمد بن محمد بن أحمد، أبو القاسم الأصبهاني الصفار الأسود ختن إسماعيل السراج. روى عن أبي العباس أحمد بن محمد بن النعمان، وعنه أبو موسى المديني، وقال: مات في ربيع الأول (٣). ٧١ - محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو عامر الطليطلي، نزيل قرطبة. روى عن: أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد، وأبي المطرف عبد الرحمن
следующие страницы →