سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
٥٤ - أحمد بن جعفر بن إسماعيل، الإمام الخطيب أبو نصر الدَّرغميُّ السَّمرقنديُّ.
عاش أربعًا وتسعين سنة. سمع عبد الجبَّار الخطيب وأبا بكر النَّجار.
٥٥ - أحمد بن منصور بن بكر بن محمد بن عليّ بن حيد النَّيسابوريُّ، أبو الفضل الدَّلال في النِّيل.
سمع من جده بكر عن الخفَّاف. وعنه المبارك بن كامل، وابن عساكر، وأساء ابن عساكر الثَّناء عليه.
توفي في شوَّال.
٥٦ - إبراهيم بن علي بن الحسين، الإمام أبو إسحاق الشيبانيُّ الطَّبريُّ الفقيه.
إمام في المذهب والفرائض والتَّفسير، له تصانيف مفيدة. ولي قضاء مكة، وحدَّث عن أبي علي الحدَّاد ببغداد لما قدمها. روى عنه الصائن ابن عساكر، وشيخ الشيوخ عبد الرَّحيم بن أبي البركات.
ومات في خامس رجب، وله إحدى وأربعون سنة.
٥٧ - جعفر بن عبد الواحد بن محمد بن محمود بن أحمد، أبو الفضل الثقفي الأصبهاني، الرئيس، النبيل.
سمع ابن ريذة التاني، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي علي المعدل، وعبد الرزاق بن أحمد الخطيب، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وسعيد بن أبي سعيد العيار، ومحمد بن عبد الرحمن بن زياد الأرزناني.
روى عنه أحمد بن أبي منصور بن الزبرقان، والحافظ أبو موسى، وأسعد بن أبي طاهر الثقفي، وعبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني، وعبد الجليل بن أبي نصر بن رجاء، ومحمد بن أحمد المهاد، وناصر بن محمد الويرج الأصبهانيون.
стр. 10712
وقد ذكره السمعاني في التحبير، فقال (١): كان صالحًا، سديدًا، وكان آخر من روى من الرجال، عن ابن ريذة، ومن مروياته: شروط الذمة لأبي الشيخ، والسنة له، والعتق له، والضحايا والعقيقة له، والنوادر له، وفوائد العراقيين له، وأحاديث طلحة بن مصرف له، وكتاب السبق والرمي له، وكتاب القطع والسرقة له، وغير ذلك، روى الجميع عن ابن عبد الرحيم، عنه، وكتاب الأدب لابن أبي عاصم، وكتاب معجم ابن المقرئ وفوائده التي في خمسة عشر جزءًا، وكتاب حرملة، وكتاب الأسماء والكنى لأبي عروبة، وكتاب الجامع لأحمد بن الفرات، وسنن الشافعي، رواية ابن عبد الحكم، وكتاب الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم، وكتاب طبقات أصبهان لأبي الشيخ، وكتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين، وكتاب البكاء للفريابي، وكتاب شواهد الشعر لأبي عروبة، وسمع صحيح البخاري من سعيد العيار، وكان مولده في سنة أربعٍ وثلاثين وأربعمائة، توفي في تاسع جمادى الأولى، وله تسع وثمانون سنة.
٥٨ - الحسن بن المظفر بن الحسن بن المظفر بن يزيد، أبو علي بن أبي سعد السبط.
كان أبوه سبط أبي بكر بن لال الهمذاني، سمع: أباه، وأبا محمد الجوهري، وأبا الحسين ابن المهتدي بالله، روى عنه: ابنه هبة الله، ويحيى بن بوش، وأبو القاسم ابن عساكر، وآخرون.
توفي في ربيع الأول.
وثقه ابن عساكر (٢).
٥٩ - حمزة بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن داود، أبو الغنائم بن أبي البركات العلوي الحسني النيسابوري.
كان جده محدث نيسابوري، وكان هو حسن السيرة، حدث بالكثير، وتفرد في وقته، وسمع: أباه، وأبا نصر محمد بن الفضل النسوي، وأبا الحسين عبد الغافر الفارسي، وأبا حفص بن مسرور، وعبد الرحمن بن محمد الأنماطي
стр. 10713
صاحب أبي بكر الإسماعيلي، وعمرو بن أبي عمرو البحيري، وحج فسمع ببغداد من: القاضي أبي عبد الله الدامغاني، وأبي يوسف عبد السلام القزويني.
وقال ابن السمعاني (١): أجاز لي، وحدثني عنه جماعة، وكان زيدي المذهب، توفي في سادس المحرم، وله ستٌ وتسعون سنة (٢).
٦٠ - طاهر بن سعد، الوزير كمال الدين أبو علي المزدقاني، وزير صاحب دمشق تاج الملوك بوري بن طغتكين.
اتهم بمذهب الباطنية، فقتل في رمضان، ونصب رأسه على باب القلعة، ووضع الجند السيف في الباطنية بدمشق، فقتلوا منهم ستة آلاف نفس، كما مر في الحوادث.
٦١ - عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن شاذان، أبو الفتح بن علويه السعيدي السرخسي، الفقيه.
سمع: الليث بن الحسن الليثي، وزهير بن الحسن، والحافظ محمد بن محمد بن زيد العلوي.
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
أجاز لابن السمعاني، وقال (٣): مات يوم التروية بسرخس.
٦٢ - عبد الله بن أبي المعمر شيبان بن عبد الله بن أحمد بن محمد، الحافظ أبو محمد البرجي، الأصبهاني، المحتسب.
ولد سنة سبعٍ وأربعين، وسمع: إبراهيم سبط بحرويه، وجماعة، وكان عارفًا برجال الصحيحين، وكان صحافًا، روى عنه: أبو موسى المديني (٤).
٦٣ - عبيد الله بن محمد ابن الإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي، أبو الحسن البيهقي الخسروجردي.
لم يكن يعرف شيئًا من العلم، بل سمع الكتب من جده، وسمع من: أبي يعلى إسحاق بن عبد الرحمن الصابوني، وأبي سعد أحمد بن إبراهيم المقرئ.
стр. 10714
وقدم للحج بعد العشرين، فحدث ببغداد، روى عنه: ابن ناصر، وأبو المعمر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو الفتح المندائي، وآخرون.
قال ابن السمعاني: كره السماع منه جماعةٌ لقلة معرفته بالحديث، وسألت عنه أبا القاسم الدمشقي فقال: ما كان يعرف شيئًا، وكان يتغالى بكتب الإجازة ويقول: ما أجيز إلا بطسوج، قال: وسمع لنفسه في جزءٍ، عن جده تسميعًا طريًا، وكان سماعه فيما عداه صحيحًا.
وقال أبو محمد ابن الخشاب: سألته عن مولده فقال: سنة تسعٍ وأربعين.
وقال ابن ناصر: مات في ثالث جمادى الأولى ببغداد، مرض ثلاثة عشر يومًا (١).
٦٤ - علي بن عبد المجيد بن يوسف بن شعيب، أبو الحسن الشلجي (٢) السمرقندي.
أحد الأئمة، توفي في شوال وله اثنتان وثمانون سنة، روى عن: أبي حمية محمد بن أحمد الحنظلي، وعنه: عمر النسفي.
٦٥ - علي بن عبد الواحد بن الحسن بن علي بن شواش، أبو الحسن الدمشقي المعدل.
سمع: أبا الحسن بن قبيس، وأبا القاسم بن أبي العلاء، روى عنه: أبو القاسم ابن عساكر، وقال (٣): كان أمينًا على المواريث، ووقف الأشراف، وكان ثقة.
٦٦ - علي بن محمد بن عبد الله بن سعيد، أبو الحسن الإبرينقيُّ (٤) الدهَّان الفقيه.
شيخ صالح، سمع ورحل. روى عن: محمد بن عبد الصمد التُّرابي المروزي، ومحمد بن عبد العزيز القنطري. وسمع بأصبهان، وبخارى،
стр. 10715
وهمذان، وأجاز للسَّمعاني، وقال (١): سمع منه والدي وعمّاي، مات في شوال عن بضع وثمانين سنة.
٦٧ - علي بن محمد بن علي بن محمد بن موسى، أبو الحسن بن أبي بكر الخيَّاط المقرئ.
من أولاد الشيوخ ببغداد، سمع أبا القاسم ابن البُسْري. روى عنه أبو المعَمَّر الأنصاري، وأبو القاسم الحافظ، وتوفي في ذي الحجة.
٦٨ - عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى، الإمام أبو بكر المديني الأصبهاني المقرئ.
ولد سنة أربعٍ أو خمسٍ وستين وأربعمائة بمدينة جي، ثم انتقل به أبوه إلى أصبهان وهو يرضع، روى عن: أبي عمرو بن منده، وغيره، روى عنه: ابنه الحافظ أبو موسى، وقال: كانت له يد قوية في معرفة القراء والقراءات وعلم الفرائض، وتوفي في خامس رجب.
٦٩ - عيسى بن موسى بن سعيد، أبو الأصبغ الأنصاري البلنسي، ويعرف بالمنزلي.
روى عن: أبيه، وأبي داود المقرئ، وأجاز له أبو الوليد الباجي، وقدم للشورى، وحذق في علم الرأي، وأشغل وأفتى ببلنسية، روى عنه: محمد بن سليمان القلعي، وتوفي في ربيع الأول (٢).
٧٠ - غانم بن أحمد بن محمد بن أحمد، أبو القاسم الأصبهاني الصفار الأسود ختن إسماعيل السراج.
روى عن أبي العباس أحمد بن محمد بن النعمان، وعنه أبو موسى المديني، وقال: مات في ربيع الأول (٣).
٧١ - محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل، أبو عامر الطليطلي، نزيل قرطبة.
روى عن: أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد، وأبي المطرف عبد الرحمن
стр. 10716
ابن أسد، وأبي أحمد جعفر بن عبد الله، ومحمد بن خلف السقاط، ومحمد بن محمد بن جماهر، وجماعة، وأجاز له أبو الوليد الباجي، وأبو العباس العذري، وغيرهم.
قال ابن بشكوال (١): كان معتنيًا بلقاء الشيوخ، جامعًا للكتب والأصول، كانت عنده جملة كبيرة من أصول علماء بلده وفوائدهم، وكان ذاكرًا لأخبارهم وأزمانهم، وقد سمع منه أصحابنا، وترك بعضهم التحديث عنه لأشياء اضطرب فيها شاهدتها منه مع غيري، وتوقفنا في الرواية عنه، وقد كنت أخذت عنه كثيرًا ثم زهدت فيه لأشياء أوجبت ذلك، توفي في ربيع الأول، وكان مولده في سنة ست وخمسين وأربعمائة.
٧٢ - محمد بن أبي بكر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، الإمام أبو بكر النسفي الرفاء، نزيل سمرقند.
توفي في شوال، وله ثلاث وثمانون سنة، روى عن محمد بن محمد ابن الحسيني، وعنه عمر النسفي.
٧٣ - محمد بن سعد بن الفرج بن مهمت، أبو نصر الشيباني الحلواني المؤدب.
شيخ بغدادي، فاضل، ثقة، روى عن: أبي الغنائم بن المأمون، وأبي الحسين ابن المهتدي بالله، وابن النقور، وخرج له عبد الوهاب الأنماطي فوائد في جزء، وروى عنه: ابن ناصر، وأبو محمد بن شدقيني، وذاكر بن كامل (٢).
٧٤ - محمد بن طاهر بن سعيد بن فضل الله بن أبي الخير، أبو البركات الميهنيُّ الصُّوفيُّ، أخو أحمد وأبي القاسم.
كان حسن الأخلاق، متواضعًا، حميد الطريقة، ولد في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وحدَّث عن أبي المحاسن المحمي، وغيره. روى عنه ابنه سعيد، وأبو نصر بن المُكَرَّم، وتوفي يوم عاشوراء.
стр. 10717
٧٥ - محمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سهل، أبو طاهر العِجْليُّ المروزيُّ البُنْدكانيُّ، وبُنْدكان من قرى مرو.
عاش بضعًا وثمانين سنة، وكان من كبار الأئمة. حدَّث ببغداد عن عبد الرحمن بن أبي بكر القفَّال، وابن ماجه الأبهري، وأبي بكر بن خلف الشِّيرازي، وطائفة.
قال أبو سعد السَّمعاني (١): كان إمامًا مفتيًا مناظرًا، بهيَّ المنظر، مليح التَّشبيه، كثير المحفوظ، خرج مع جدي وقت الفترة والتَّعصب إلى طوس سنة ثمان وستين وأربعمائة، وخرج معه إلى أصبهان سنة أربع وثمانين. ولد في حدود سنة أربعين وأربعمائة، وتوفي في خامس عشري صفر.
٧٦ - محمد بن علي بن يوسف، أبو عبد الله المدينيُّ.
يروي عن أبي طاهر بن محمود الثَّقفي. روى عنه أبو موسى المديني.
٧٧ - محمد بن محمد بن أحمد بن علي، أبو تمَّام ابن الزَّوَّال الهاشميُّ العبَّاسيُّ المأمونيُّ، أخو أحمد.
سمع ابن النَّقُّور، وأبا نصر الزَّينبي. وعنه أبو المُعَمَّر الأنصاري. وكان فقيهًا فاضلًا؛ تفقه على فرج بن عبد الله الخويي، وعلَّق الخلاف عن الشَّريف علي بن أبي يعلى الدَّبوسي.
توفي في جُمادى الآخرة، وله خمس وستون سنة.
٧٨ - محمد بن محمد بن أبي بكر بن الحسن، أبو عبد الله القطَّان.
سمع أحمد بن محمود الثَّقفي. وعنه أبو موسى، وقال: توفي في صفر.
٧٩ - المحسّن بن محمد بن عمر بن واقد السُّكَّريُّ الأصبهانيُّ.
توفي في ربيع الآخر، وكان مولده في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. روى عنه أبو موسى.
٨٠ - المقرب بن الحسين بن الحسن، أبو منصور العقيلي العيشوني النساخ، والد أحمد الكرخي.
شيخ صالح، خير، سمع: أبا يعلى ابن الفراء، وأبا جعفر ابن المسلمة، وغيرهما، روى عنه: السلفي، وابن بوش، وتوفي في ربيع الأول.
стр. 10718
٨١ - منصور بن هبة الله بن محمد الموصلي، أبو الفوارس الحنفي، من كبار أئمة المذهب.
ولي القضاء بأماكن من السواد.
٨٢ - يحيى بن محمد بن موسى بن عابد، أبو محمد الرياحي الأندلسي.
قال ابن السمعاني: شيخ صالح، عفيف، سمع الكثير ونسخ، وبالغ في الطلب، وكان ثقة صدوقًا، جاور مدة، وقدم بغداد، ومضى إلى ما وراء النهر، وكان موته ببخارى، سمع: أبا مكتوم عيسى بن أبي ذر، وعلي بن المفرج الصقلي، وأبا إسماعيل الأنصاري، وأبا عبد الله العميري، وأبا بكر بن خلف الشيرازي، وسمع أيضًا بسمرقند، ونسف، وأكثر الترحال، وروى لي عنه: الأمير أبو علي أحمد بن محمد بن جبريل الطرازي، وجماعة سمعوا منه مسند الشافعي.
٨٣ - يوسف بن عبد العزيز بن علي بن نادر، أبو الحجَّاج اللَّخميُّ الميورقيُّ الفقيه.
سمع صحيح مسلم بمكة من الحسين الطَّبري، وصحيح البخاري من عليّ بن سليمان البغدادي النَّقَّاش بروايته عن أبي ذر، وتفقه ببغداد على إلكيا الهرَّاسي. وسمع من أبي الحسين ابن الطُّيوري، وغيره، واستوطن الإسكندرية ودرَّس الفقه وروى الصحيحين وكان عارفًا بالأصول متفننًا، بارعًا، مصنِّفًا له تعليقة في الخلاف معروفة.
قال ابن الأبَّار (١): وهو أحيا علم الحديث بالإسكندرية؛ سمع منه جلَّة.
وقال أبو عبد الله محمد بن يوسف بن سعادة: كان أفضل من لقيته في رحلتي علمًا وعملًا، وزُهْدًا وورعًا.
قلت: روى عنه السِّلفي، وأبو محمد العثماني، وأبو طالب أحمد بن المسلَّم بن رجاء التَّنوخي، وأبو عبد الله ابن الحضرمي، وعبد الله بن عطَّاف الأزدي، ومقاتل بن العريف، وأبو طالب أحمد بن عبد الله القصري، وأبو بكر
стр. 10719
ابن أسود القاضي، وأبو القاسم ابن عساكر، وقال: أخبرنا سنة خمس وخمسمائة قال: أخبرنا ابن الطُّيوري سنة خمسمائة، فذكر حديثًا.
قال ابن الأبَّار (١): توفي في آخر سنة ثلاث.
وقال السِّلفي (٢): توفي في جمادى الأولى سنة أربع وعشرين. قال: وحدَّث بالتِّرمذي وخلَّط في إسناده.
стр. 10720
سنة أربع وعشرين وخمسمائة
٨٤ - أحمد بن سهل بن محمد بن سهل، أبو الفرج البُرْجيُّ الأصبهانيُّ التَّانيُّ.
توفي في جمادى الآخرة، وله ثلاث وتسعون سنة. روى عن عبد الرحمن بن عبد العزيز. روى عنه أبو موسى المديني، وغيره.
٨٥ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الملك بن رضوان، أبو نصر البغدادي المراتبي.
شيخ صالح من باب المراتب، سمع: أبا محمد الجوهري، وسماعه صحيح، روى عنه: محمد بن طاهر المقدسي مع تقدمه، وأبو القاسم ابن عساكر، ومات في جمادى الآخرة، وله إحدى وثمانون سنة، وقد أجاز له عبد العزيز الأزجي الحافظ.
قال ابن النجار: روى لنا عنه أبو القاسم ابن السبط، وكان شيخًا صالحًا أمينًا، كثير الصلاة والصدقة.
سمع أيضًا أبا يعلى ابن الفراء.
٨٦ - أحمد بن عبد الواحد بن الحسن بن زريق، الشيباني البغدادي القزاز، عم أبي منصور عبد الرحمن بن محمد.
شيخ صالح، سمع: أبا جعفر ابن المسلمة، وأبا الحسين ابن النقور.
توفي في شعبان، روى عنه: أبو القاسم ابن عساكر، وأبو المعمر الأنصاري وأحمد بن هبة الله ابن المكشوط.
٨٧ - أحمد بن محمد بن أبي طاهر، أبو الفضل الخرقي الأصبهاني.
توفي في ذي القعدة.
٨٨ - أحمد بن محمد بن ملوك، أبو المواهب الوراق.
في تاريخ ابن النجار وفاته في هذه السنة.
٨٩ - إبراهيم بن عثمان بن محمد، أبو إسحاق، وقيل أبو مدين الكلبي الغزي، الشاعر المشهور.
أحد فضلاء الدهر، ومن يضرب به المثل في صناعة الشعر، ذو الخاطر
стр. 10721
الوقاد، والقريحة الجيدة، تنقل في البلدان، ومدح الأعيان، وهجا جماعة، ودور في الجبال، وخراسان، وسار شعره، وقد سمع بدمشق من الفقيه نصر سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
قال ابن النجار: هو إبراهيم بن عثمان بن عياش بن محمد بن عمر بن عبد الله الأشهبي الكلبي، ثم قال: هكذا رأيت نسبه بخط محمد بن طرخان التركي، روى ببغداد كثيرًا من شعره، وعنه من أهلها: محمد بن جعفر بن عقيل البصري، ومحمد بن علي بن المعوج، وعبد الرحيم بن أحمد ابن الإخوة، وروى السلفي عنه، وروى أيضًا عن يوسف بن عبد العزيز الميورقي، عنه.
ومن شعره:
أغيد للعين حين ترمقه … سلامة في خلالها عطب
واخضر في وجنتيه خطمها … بحافة الماء ينبت العشب
يدير فينا بخده قدحا … يجتمع الماء فيه واللهب
قلت: وقيل: هو إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد، أقام بالنظامية ببغداد سنين كثيرة، وله ديوان شعر مختار نحو ألفي بيت.
وقال العماد في " الخريدة " (١): مدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان بهذه القصيدة التي يقول فيها:
حملنا من الأيام ما لا نطيقه … كما حمل العظم الكسير العصائبا
وليل رجونا أن يدب عذاره … فما اختط حتى صار بالصبح شائبا
قال ابن السمعاني: ما اتفق أني سمعت منه شيئا، وكان ضنينا بشعره، إلا أنه اتفق له الخروج من مرو إلى بلخ، فباع قريبا من عشرة أرطال من مسودات شعره من بعض القلانسيين، ليفسدها في القلانس، فاشتراها منه بعض أصدقائي، وحملها إلي، فرأيت شعرا أدهشت من حسنه وجودة صنعته، فبيضت منه أكثر من خمسة آلاف بيت، ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
وقال ابن نقطة في " استدراكه " على الأمير (٢): حدثنا أبو المعالي محمد
стр. 10722
ابن أبي الفرج البغدادي، قال: حدثني سعد بن الحسن التوراني الحراني الشاعر، قال: كنا نسمع على إبراهيم الغزي ديوانه، فاختلف رجلان في إعراب بيت، فقال: قوموا، فوالله لا أسمعت بقيته، ولأبيعن ورقه للعطارين يصرون فيه الحوائج.
ومن شعره:
قالوا: تركت الشعر قلت: ضرورة … باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى … منه النوال، ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى … ومع الكساد يخان فيه ويسرق
وله:
أأضماك خد يوم وجرة، أم جيد … أم اللحظ فيما غازلتك المها الغيد
سفرن فقال الصبح: لست بمسفر … ومسن، فقال البان: ما في أملود
وخوطية المهتز أمكن وصلها … وطرف رقيب الحي بالنوم مصفود
فأنشدتها من عزب شعري قصيدة … وشبهها المعنى الذي هو مقصود
لك النوم تحت السجف والطيب والحلى، … ولي عزماتي والعلندات والبيد
فقالت: أمط عنك القريض وذكره، … فما لك في نظم القصائد تجويد
وله:
طول حياة ما لها طائل … نغص عندي كلما يشتهى
أصبحت مثل الطفل في ضعفه … تشابه المبدأ والمنتهى
فلا تلم سمعي وإن خانني، … إن الثمانين وبلغتها
وله:
بجمع جفنيك بين البرء والسقم … لا تسفكي من دموعي بالفراق دمي
إشارة منك تكفيني، وأحسن ما … رد السلام غداة البين بالعنم
تعليق قلبي بذات القرط يؤلمه … فليشكر القرط تعليقا بلا ألم
وما نسيت، ولا أنسى تجشمها … ومنسم الجو غفل، غير ذي علم
حتى إذا طاح عنها المرط من دهش … وانحل بالضم سلك العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الجو، فالتقطت … حبات منتثر في ضوء منتظم
стр. 10723
وله:
إذا قل عقل المرء قلت همومه … ومن لم يكن ذا مقلة كيف يرمد؟
وقد تصقل الضبات وهي كليلة … ويصدأ حد السيف وهو مهند
وله:
إني لأشكو خطوبا لا أعينها … ليبرأ الناس من لومي ومن عذلي
كالشمع يبكي ولا يدرى، أعبرته … من صحبة النار، أو من فرقة العسل
وله القصيدة السائرة:
أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا … واجعل لحج تلاقينا مواقيتا
فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر الـ … ـمسود طالبه يطوي السباريتا (١)
لنا بذكراك أذكى الطيب رائحة … ونور وجهك رد البدر مبهوتا
منها:
وفتية من كماة الترك ما تركت … للرعد كباتهم صوتا ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانت ملائكة … حسنا، وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
مدت إلى النهب أيديهم وأعينهم، … وزادهم قلق الأخلاق تثبيتا
ومن شعره:
طفقت تقول أسيرة الكلل … لك ناظر أهدى فؤادك لي
وأراك رائد مهمة قذف … ما عاقها القمران عن زحل
من ضنها بالطيف توعدنا … جود النساء يعد في البخل
أستغفر الله المركب في أسل … القدود لهاذم المقل
فاسنن عليك دلاص تسلية … فاللحظ يبطل حيلة البطل
بك من جواري السرب نازلة … بالحسن بين مراكز الأسل
بدوية الحلل افتتنت بها … لما بدت حضرية الحلل
يا دمية سفكت دمي عبثا … وأنا ابن بجدة حومة الوهل
ما ضفت قوما تبجحين بهم … إلا وكان نزالهم نزلي
ومن السفاهة مقت ذي مقة … ومن العناء عتاب ذي ملل
стр. 10724
وله من قصيدة:
ورب خطب حللت عقدته … بمنزل لا تحل فيه حبا
ومالك جبت نحوه ظلما … فزرته مشرق المنى شحبا
جاد بما يملأ الحقائب لي … وجدت بالشعر يملأ الحقبا
وكم تصيدت والصبى شركي … سرب ظباء لحاظهن ظبا
على غدير بروضة نظمت … نوارها حول بدره شهبا
يدق فيه الغمام أسهمه … فيكتسي من نصالها حببا
ويعجم الطل ما يخط على … صفحته مر شمأل وصبا
ضروب نقش كأنما خلع الز … هر عليهن برده طربا
لو كن يبقين ظنهن صفي … الدولة الأحرف التي كتبا
وخرج إلى المديح.
قال ابن السمعاني: خرج الغزي متوجها من مرو إلى بلخ في سنة أربع وعشرين، فأدركته المنية في الطريق، فحمل إلى بلخ ودفن بها، وله ثلاث وثمانون سنة (١).
٩٠ - إسماعيل بن الفضل بن أحمد بن محمد بن علي بن الإخشيد، التاجر الأصبهاني المعروف بالسراج.
سمع: أبا القاسم بن أبي بكر الذكواني، وأبا طاهر بن عبد الرحيم، وعلي بن القاسم المقرئ، وأبا العباس بن النعمان الصائغ، وأحمد بن الفضل الباطرقاني، وأبا الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي، وجماعة.
روى عنه: أبو طاهر السلفي، وكناه أبا سعد ووثقه، وأبو موسى المديني، ويحيى الثقفي، وناصر الويرج، وخلف بن أحمد الفراء، وأسعد بن أحمد الثقفي، وأبو جعفر الصيدلاني، وآخرون.
سمعه أبو موسى يقول: ولدت ليلة نصف شعبان سنة ستٍ وثلاثين وأربعمائة، قال: وكان أبي اسمه محمد، وكنيته أبو الفضل، فغلب عليه الفضل.
стр. 10725
قلت: وكان من المكثرين في السماع والرواية، وقرأ القرآن على المشايخ، وكان تاجرًا أمينًا.
كناه أبو سعد السمعاني أبا الفتح وقال (١): كان سديد السيرة، قرأ بروايات، ونسخ أجزاء كثيرة، وكان واسع الرواية، موثوقًا به، كتب إلي بالإجازة، فمن مسموعاته: طبقات الصحابة لأبي عروبة، في أربعةٍ وعشرين جزءًا، بروايته عن أبي طاهر بن عبد الرحيم، عن ابن المقرئ، عنه، وكتاب الإشراف في اختلاف العلماء لابن المنذر، بروايته عن ابن عبد الرحيم، عن ابن المقرئ، عنه، وكتاب السنن للحلواني، رواية المفضل الجندي، عنه.
قلت: توفي في رمضان، وقيل في شعبان، وله فوائد مروية.
٩١ - ثابت بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد ابن تولة، أبو شُكْر الأصبهانيُّ الخلاَّل المؤدِّب.
شيخ صالح، من شيوخ أبي موسى المديني، سأله عن مولده، فقال: في سنة ثلاث وخمسين، وتوفي في جُمادى الآخرة.
سمع عبد الرحمن بن منده، وشيبان بن عبد الله المُحْتَسب، وحدَّث ببغداد، فسمع منه هزارسب، وأبو عامر العبدريُّ، وجماعة.
وتولة: لقب له.
٩٢ - ثعلب بن أبي محمد جعفر بن أحمد السَّرَّاج، أبو المعالي.
بغداديٌّ عاميٌّ، لا يدري شيئًا، إنما سمَّعه أبوه بدمشق من أبي القاسم الحسين الحنَّائيِّ، وأحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد، وأبي بكر الخطيب. وعاد به إلى بغداد، وكان بوَّابًا لدار القاضي أبي سعد الهرويِّ مرَّة.
توفي في ربيع الأول. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر (٢)، ومات في عشر الثمانين.
٩٣ - الحسين بن أحمد بن عبد الوارث بن مهدي، أبو القاسم البغداديُّ.
стр. 10726
عن علي ابن الأخضر الأنباري، وعبد الواحد بن فَهْد العلاَّف. وعنه المبارك بن كامل، وابن عساكر.
٩٤ - الحسين بن محمد بن عبد الوهَّاب بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب البكريُّ البغداديُّ الدَّباس المقرئ الأديب الملقَّب بالبارع.
أديب، شاعر، مفلق، من بيت وزارة، قد وزر جدهم القاسم بن عبيد الله للمعتضد.
للبارع مصنَّفات وديوان شعر، وله في القراءات كتاب الشَّمْس المنيرة في القراءات التِّسعة الشَّهيرة، وقد أخذ القراءات عن الشُّيوخ الكِبار بعد السِّتين وأربعمائة، وسمع من الحسن بن غالب المقرئ، وأبي جعفر ابن المسلمة. حدَّث وأقرأ القراءات وعلَّم اللُّغة، وأضرَّ في آخر عمره.
روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وأبو الفرج ابن الجوزي، وأبو الفتح محمد بن أحمد المندائي، وأبو طاهر بن إبراهيم بن حمديَّة، وأبو بكر عبد الله بن منصور الباقلاَّني، وطائفة. وممن قرأ عليه بالرِّوايات أبو جعفر عبد الله بن أحمد بن جعفر الواسطي الضَّرير المقرئ.
وذكره العماد الكاتب، فقال: من أهل السُّؤدد، كريم المحْتِد، كان نحوي زمانه، عديم النَّظير في أوانه له مصنفات. وسُئِلَ ابن عساكر عنه، فقال: ما كان به بأس.
ولد البارع في صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة.
وله:
ذكر الأحباب والوطنا … والصبا والأهل السكنا
فبكا شجوا وحق له … مدنف بالشوق حلف ضنا
من لمشتاق تميله … ذات سجع ميلت فننا
لك يا ورقاء أسوة من … لم تذيقي طرفه الوسنا
أين قلبي ما صنعت به … ما أرى صدري له سكنا
стр. 10727
كان يوم النفر وهو معي … فأبى أن يصحب البدنا (١)
ومن شعره:
كل غصن مال جانبه … فكأن الغصن سكران
في غدير من مقبله … ومن الصدغين بستان (٢)
٩٥ - خلف بن عمر بن عيسى، أبو القاسم الحضرمي القرطبي.
روى عن: سراج بن عبد الملك، وتفقه عند: هشام بن أحمد الفقيه.
قال ابن بشكوال (٣): أخذ عن جماعة معنا، وكان من العلماء المتفننين، توفي في رجب.
٩٦ - سعيد بن الحسين، أبو البركات الطائي المجهز.
سمع ابن المسلمة، وأبا الغنائم ابن المأمون، وعنه المبارك بن خضير، وابن بوش.
مات في جمادى الأولى.
٩٧ - سهل بن إبراهيم بن أبي القاسم، أبو القاسم النيسابوري المسجدي السبعي (٤)، خادم مسجد المطرز.
قال السمعاني، وقد أجاز له (٥): كان شيخًا صالحًا، كثير العبادة، معمرًا، منفردًا بالرواية عن مثل أبي سعيد بن أبي الخير الميهني، وأبي محمد الجويني، وأبي عبد الرحمن محمد بن أحمد بن محمد الشاذياخي، وسمع من: عبد الغافر الفارسي، وابن مسرور، سمعني والدي منه أجزاء، ولد في حدود سنة ثلاثين، وحدث في آخر سنة ثلاث، ووفاته بعد ذلك (٦).
٩٨ - سهل بن محمود بن محمد بن إسماعيل، أبو المعالي البخاري البراني، وبرانية (٧) من قرى بخارى.
стр. 10728
كان إمامًا، ذكيًا، واعظًا، صالحًا، عابدًا، حج على التجريد، وبقي مع رفاقه حافيًا عريانًا، حتى توصلوا إلى مكة بعد الوفقة، وجاور حتى حج، ودخل اليمن، وركب في البحر إلى كرمان، سمع: أباه، والمظفر بن إسماعيل الجرجاني، روى عنه: ابنه حمزة.
وتوفي ببخارى (١).
٩٩ - صفية بنت الحافظ إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن عمران البلخي.
سمعت بخراسان من الإمام أبي بكر البيهقي، روى عنها عمر النسفي، وغيره.
توفيت في حادي عشر جمادى الآخرة بما وراء النهر.
١٠٠ - طراد بن علي بن عبد العزيز، أبو فراس السلمي الدمشقي الكاتب المعروف بالبديع.
مات متوليًا بمصر، وكان مولده بدمشق في سنة أربع وخمسين.
قال السلفي (٢): علقت عنه شعرًا، وكان آيةً في النظم والنثر، له مقامات ورسائل.
قلت: ومن شعره في تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان:
غزالٌ غزا قلبي بعينٍ مريضةٍ … لها ضعف أجفانٍ تهد قوى صبري
له لين أعطافٍ أرق من الهوى … وقلبٌ على العشاق أقسى من الصخر (٣)
وهي طويلة.
ومن شعره:
стр. 10729
قيل لي: لم جلست في طرف القو … م وأنت البديع رب القوافي؟
قلت: آثرته لأن المناديـ … ـل ترى طرزها على الأطراف
وكفاني من الفخار بأني نازلٌ … في منازل الأشراف (١)
١٠١ - عبد الله بن علي بن عبد الملك أبو محمد الهلالي الغرناطي، يعرف بابن سمجون.
أحد جلة العلماء والفقهاء، ولي قضاء غرناطة، وأخذ عنه: أبو جعفر بن الباذش، وعبد الحق ابن بونه، وعاش بضعًا وسبعين سنة، يروي عن: أبي علي الغساني، وطبقته (٢).
١٠٢ - عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن صدقة، أبو محمد المصري، المجاور بمكة، ويعرف بابن الغزال.
شيخ كبير صالح، سمع: أبا عبد الله القضاعي بمصر، وأبا القاسم الحنائي، والكتاني بدمشق، وكريمة المروزية، وطال عمره وكف بصره.
قال ابن عساكر (٣): سمعت من لفظه حديثًا واحدًا لصممٍ شديد كان به، لقناه الحديث، وذكر لي أن جده لقب بالغزال لسرعة عدوه، توفي أبو محمد في صفر.
وقال السلفي: أجاز لي، وقد أخبرني عنه بأصبهان إسماعيل بن محمد الحافظ سنة ثلاثٍ وتسعين وأربعمائة، وحججت سنة سبع وتسعين ولم أعلم به، سمع: عبد العزيز ابن الضراب، وأبا محمد المحاملي، والمقرئ أبا الحسين الشيرازي، وكان مقرئا صالحًا، وسمعت من أخيه إبراهيم بمصر.
١٠٣ - عبد الحق بن أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الحق، أبو محمد الخزرجي القرطبي.
روى عن: الفقيه محمد بن فرج واختص به، وناظر عند: أبي جعفر بن رزق، وأبي الحسن بن حمدين، وأجاز له أبو العباس العذري.
стр. 10730
وكان فقيهًا إمامًا شروطيًا مدرسًا، توفي في صفر، وله اثنان وسبعون عامًا (١).
١٠٤ - عبد الرحيم بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو القاسم البغدادي الصابوني.
يروي عن أبي الحسين ابن النقور، وعنه أبو المعمر الأنصاري، وابن عساكر.
١٠٥ - عبد العزيز بن محمد بن معاوية، أبو محمد الأنصاري الدورقي الأطروش.
سكن قرطبة، وحدث عن: أبي بكر محمد بن مفوز، وأبي علي الصدفي، وأبي عبد الله الخولاني، وكان حافظًا، عارفًا بالعلل والصحيح والسقيم والرجال، مقدمًا في جميع ذلك على أهل وقته، قاله ابن بشكوال (٢)، وجمع كتبًا مفيدة، سمعنا منه، وكان حرجًا نكد الخلق، توفي في ربيع الآخر.
١٠٦ - عبد الملك بن عبد العزيز بن فيره بن وهب، أبو مروان المرسي.
سمع من: أبي علي الغساني، وغيره، وحج، ودخل بغداد، ودمشق وروى هناك، ولم يذكره ابن عساكر.
وكان حافظًا للرأي، ذاكرًا للمسائل، صالحًا خيرًا، وعاش إحدى وسبعين سنة (٣).
١٠٧ - عبد المنعم بن مروان بن عبد الملك بن سمجون، أبو محمد اللواتي الطنجي.
نشأ بغرناطة وتفقه بها على: أبي محمد عبد الواحد بن عيسى، وسمع من: أبي علي الغساني.
وكان فقيهًا، جزلًا، مهيبًا، ولي قضاء إشبيلية بعد عزل أبي مروان الباجي، ثم نقل إلى قضاء غرناطة، وتوفي في شعبان (٤).
стр. 10731
١٠٨ - عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن شيذة، أبو المظفر الأصبهاني المقرئ.
توفي في رمضان.
١٠٩ - عثمان بن منصور بن عبد الكريم، أبو عمرو الطرازي النظامي.
سكن بلخ، وحدث عن أبي الحسن محمد بن محمد الحسيني، روى عنه: عبد الله بن عمر الفقيه ببلخ، ومحمد بن الفضل المارشكي بطوس، وكان رجلًا جليل القدر، واعظًا، محتشمًا.
١١٠ - عليّ بن أحمد بن نصر بن محمد بن حمدويه الخطيب، أبو نصر السُّلميُّ الحمدوييُّ الإشتيخنيُّ.
توفي بإشتيخن في غُرَّة ذي القعدة عن مائة وثلاث عشرة سنة؛ كذا قال عمر النَّسفي. ثم روى عنه عن عبد الملك بن عبد الرحمن بن فضالة (١).
١١١ - عمر بن محمد بن عمر بن إبراهيم بن جعفر بن عُزَيْزَة، القاضي أبو الخير المُعَدَّل، إمام جامع أصبهان.
روى عن ابن مِهْرَبْزُد صاحب ابن المقرئ، وعن شجاع المصقلي. روى عنه أبو موسى الحافظ، وقال: توفي في ربيع الأول، وأبوه من شيوخ السِّلفي.
١١٢ - غالب بن أبي غالب الأدميُّ الفارسيُّ، أبو نصر.
سمع أبا جعفر ابن المسلمة، وحدَّث، مات في جُمادى الأولى.
١١٣ - فاطمة بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم بن عقيل، أم إبراهيم، وأم الغيث، وأم الخير الجوزدانية.
قال أبو موسى المديني: قدمت علينا من جوزدان، وكان مولدها نحو الخمس والعشرين وأربعمائة، وسمعت من: أبي بكر بن ريذة سنة خمسٍ وثلاثين، وهي آخر أصحابه.
قلت: هي أسند أهل العصر مطلقًا، وهي للأصبهانيين كابن الحصين للبغداديين، سمعت من ابن ريذة المعجم الكبير والمعجم الصغير
стр. 10732
للطبراني، وكتاب الفتن لنعيم بن حماد (١).
روى عنها: أبو العلاء الهمذاني، وأبو موسى المديني، ومعمر بن الفاخر، وأبو جعفر الصيدلاني، وأبو الفخر أسعد بن سعيد، وعائشة بنت معمر، وعفيفة بنت أحمد، وأبو سعيد أحمد بن محمد الأرجاني الحللي، وعبد الرحيم بن أحمد ابن الإخوة، وداود بن سليمان بن نظام الملك، وشعيب بن الحسن السمرقندي، وفاطمة بنت سعد الخير، لها عنها حضور، وجماعة كثيرة.
أخبرنا أبو علي القلانسي، قال: أخبرتنا كريمة، عن أبي مسعود عبد الرحيم الحاجي أنها توفيت في غرة شعبان (٢).
وقال ابن نقطة (٣): في رابع عشر رجب.
١١٤ - الفضل بن الحسين بن محمد بن تركان، أبو القاسم الواسطيُّ.
عن الحسن بن أحمد الغَنْدجاني. وعنه هبة الله بن نصر الله بن الجَلَخْت، وعليّ بن صالح العلوي، وغيرهما.
ورَّخ وفاته أبو بكر ابن الباقلاني فيها.
١١٥ - فضل الله بن محمد بن وهب الله بن محمد، أبو القاسم الأنصاري المقرئ.
أقرأ بجامع قرطبة مدة، وأخذ القراءات عن: أبي محمد بن شعيب، وأبي عبد الله بن شريح، وسمع من: محمد بن فرج الطلاعي، وأبي محمد بن خزرج.
روى عنه ابن بشكوال، وقال (٤): توفي في رمضان، وله سبعون سنة، وقرأ عليه بالروايات علي بن محمد بن خلف، شاب قرطبي.
١١٦ - قراتكين بن الأسعد بن مذكور، أبو الأعز التُّركيُّ ثم البغداديُّ الأزجيُّ.
سمع أبا محمد الجوهريَّ. روى عنه أبو المُعَمَّر الأنصاري، وأبو القاسم ابن عساكر، ويحيى بن بَوْش، وجماعة من شيوخ يوسف بن خليل.
стр. 10733
وسُئلَ عنه ابن عساكر، فقال: ما كان يعرف شيئًا، توفي في سادس رجب.
وقال المبارك بن كامل: حدثنا عن الجوهري وأبي عليّ ابن البنَّاء، وابن النَّقُّور.
١١٧ - محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد، أبو عبد الله الجنزيُّ ثم الأصبهانيُّ التاجر.
روى عن عبد الرحمن بن زُفر من أصحاب ابن منده، وعنه أبو موسى المديني (١).
١١٨ - محمد بن الحسن بن أحمد بن عليّ بن نصر، أبو بكر السَّمرقنديُّ الهرَّاس الصَّكَّاك.
روى عن القاضي منصور بن أحمد بن إسماعيل الغزقي (٢)، وتوفي في جُمادى الآخرة، وقد جاوز التسعين.
١١٩ - محمد بن سعدون بن مرجى بن سعدون، الإمام أبو عامر القرشي العبدري الميورقي المغربي، نزيل بغداد.
أحد الحفاظ والعلماء المبرزين، ومن كبار الفقهاء الظاهرية، رحل إلى بغداد، وسمع: أبا عبد الله البانياسي، وأبا الفضل بن خيرون، وطراد بن محمد، ويحيى السيبي، والحميدي، وابن البطر، وخلقًا سواهم.
قال القاضي أبو بكر محمد بن العربي في معجمه: أبو عامر العبدري هو أنبل من لقيته (٣).
وقال ابن ناصر: كان فهمًا، عالمًا، متعففًا مع فقره، وكان يذهب إلى أن المناولة كالسماع.
وذكره السلفي في معجمه فقال: كان من أعيان علماء الإسلام بمدينة السلام، متصرفٌ في فنون من العلوم أدبًا ونحوا، ومعرفةً بالأنساب، وكان
стр. 10734
داودي المذهب، قرشي النسب، كتب عني وكتبت عنه، ومولده بقرطبة من مدن الأندلس.
قال ابن نقطة (١): حدثنا أحمد بن أبي بكر البندنيجي أن الحافظ ابن ناصر قال:
لما دفنوا أبا عامر العبدري … خلا لك الجو فبيضي واصفري (٢)
مات أبو عامر حافظ أحاديث رسول الله ﷺ ، فمن شاء فليقل ما شاء.
وقال ابن عساكر (٣): كان فقيهًا على مذهب داود، وكان أحفظ شيخٍ لقيته، ذكر أنه دخل دمشق في حياة أبي القاسم بن أبي العلاء، وسمعت أبا عامر وقد جرى ذكر مالك، فقال: جلفٌ جاف، ضرب هشام بن عمار بالدرة، وقرأت عليه الأموال لأبي عبيد، فقال وقد مر قول لأبي عبيد: ما كان إلا حمارًا مغفلًا لا يعرف الفقه، وقيل لي عنه: إنه قال في إبراهيم النخعي: أعور سوء، فاجتمعنا يومًا عند ابن السمرقندي في قراءة الكامل، فنقل فيه قولًا عن السعدي، فقال: يكذب ابن عدي، إنما هو قول إبراهيم الجوزجاني، فقلت له: فهو السعدي، فإلى كم نحتمل منك سوء الأدب، تقول في إبراهيم النخعي كذا، وتقول في مالك كذا، وفي أبي عبيد كذا؟! فغضب وأخذته الرعدة، وقال: كان ابن الخاضبة والبرداني وغيرهما يخافوني، فآل الأمر إلى أن تقول في هذا، فقال له ابن السمرقندي: هذا بذاك، وقلت: إنما نحترمك ما احترمت الأئمة، فقال: والله قد علمت من علم الحديث ما لم يعلمه غيري ممن تقدم، وإني لأعلم من صحيح البخاري ومسلم ما لم يعلماه، فقلت مستهزئًا: فعلمك إذًا إلهامٌ، وهاجرته.
قال (٤): وكان سيئ الاعتقاد، ويعتقد من أحاديث الصفات ظاهرها، بلغني أنه قال في سوق باب الأزج: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ فضرب
стр. 10735
على ساقه وقال: ساقٌ كساقي هذه، وبلغني أنه قال: أهل البدع يحتجون بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي في الإلهية، فأما في الصورة فهو مثلي ومثلك، قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي في الحرمة.
وسألته يومًا عن أحاديث الصفات، فقال: اختلف الناس فيها، فمنهم من تأولها، ومنهم من أمسك، ومنهم من اعتقد ظاهرها، ومذهبي آخر هذه الثلاثة مذاهب، وكان يفتي على مذهب داود بن علي، فبلغني أنه سئل عن وجوب الغسل على من جامع ولم ينزل، قال: لا غسل عليه، الآن فعلت ذلك بأم أبي بكر، وكان بشع الصورة، زري اللباس.
وقال ابن السمعاني: حافظ مبرز في صنعة الحديث، داودي المذهب، سمع الكثير، ونسخ بخطه وإلى آخر عمره، وكان يسمع وينسخ.
وقال ابن ناصر: فيه تساهل في السماع، يتحدث ولا يصغي ويقول: يكفيني حضور المجلس، ومذهبه في القرآن مذهب سوء، مات في ربيع الآخر.
قلت: روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، ويحيى بن بوش، وأبو الفتح المندائي، وجماعة، وخمل ذكره لبدعته.
١٢٠ - محمد بن عبد الله بن تومرت، أبو عبد الله الملقب نفسه بالمهدي المصمودي، الهرغي، المغربي، صاحب دعوة السلطان عبد المؤمن ملك المغرب.
كان يدعي أنه حسني علوي، وهو من جبل السوس في أقصى المغرب. نشأ هناك، ثم رحل إلى المشرق لطلب العلم، ولقي أبا حامد الغزالي، وإلكيا أبا الحسن الهراسي، وأبا بكر الطرطوشي، وجاور بمكة، وحصل طرفًا جيدًا من العلم.
وكان متورعًا، متنسكًا، مهيبًا، متقشفًا، مخشوشنًا، أمارًا بالمعروف، كثير الإطراق، متعبدًا، يتبسم إلى من لقيه، ولا يصحبه من الدنيا إلا عصا وركوة، وكان شجاعًا، جريئًا، عاقلًا، بعيد الغور، فصيحًا في العربي والمغربي، قد طبع على النهي عن المنكر، متلذذًا به، متحملًا المشقة والأذية فيه، أوذي بمكة لذلك، فخرج إلى مصر، وبالغ في الإنكار، فزادوا في أذاه
стр. 10736
وطرده، وكان إذا خاف من البطش وإيقاع الفعل به خلط في كلامه ليظنوه مجنونًا، فخرج إلى الإسكندرية، فأقام بها مدة، وركب البحر إلى بلاده.
وكان قد رأى في منامه وهو بالمشرق كأنه قد شرب ماء البحر جميعه كرتين، فلما ركب السفينة شرع ينكر، وألزمهم بالصلاة والتلاوة، فلما انتهى إلى المهدية، وصاحبها يومئذٍ يحيى بن تميم الصنهاجي، وذلك في سنة خمسٍ وخمسمائة، فنزل بها في مسجد معلق على الطريق، وكان يجلس في طاقته، فلا يرى منكرًا من آلة الملاهي أو أواني الخمور إلا نزل وكسرها، فتسامع به الناس، وجاءوا إليه، وقرأوا عليه كتبًا في أصول الديانة، وبلغ خبره الأمير يحيى، فاستدعاه مع جماعةٍ من الفقهاء، فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه، وسأله الدعاء، فقال له: أصلحك الله لرعيتك.
ثم نزح عن البلد إلى بجاية، فأقام بها ينكر كدأبه، فأخرج منها إلى قرية ملالة، فوجد بها عبد المؤمن بن علي القيسي، فيقال: إن ابن تومرت كان قد وقع بكتاب فيه صفة عبد المؤمن وصفة رجلٍ يظهر بالمغرب الأقصى من ذرية النبي ﷺ ، يدعو إلى الله يكون مقامه ومدفنه بموضعٍ من المغرب، يسمى ت ي ن م ل، ويجاوز وقته المائة الخامسة، فألقي في ذهنه أنه هو، وأخذ يتطلب صفة عبد المؤمن فرأى في الطريق شابًا قد بلغ أشده على الصفة التي معه، فقال: يا شاب ما اسمك؟ قال: عبد المؤمن، فقال: الله أكبر، أنت بغيتي، فأين مقصدك؟ قال: المشرق لطلب العلم، قال: قد وجدت علمًا وشرفًا اصحبني تنله، ثم نظر في حليته فوافقت، وقال: ممن أنت؟ قال: من كومية (١)، فربط الشاب، وألقى إليه سره.
وكان ابن تومرت قد صحبه عبد الله الونشريسي ممن تهذب وتفقه، وكان جميلًا، فصيحًا في العربية، فتحدثا يومًا في كيفية الوصول إلى الأمر المطلوب، فقال لعبد الله: أرى أن تستر ما أنت عليه من العلم والفصاحة عن الناس، وتظهر من العي واللكن والجهل ما تشتهر به، لتتخذ الخروج عن ذلك، وإظهار العلم دفعةً واحدة، فيكون ذلك معجزة، ففعل ذلك، ثم استدنى محمد أشخاصًا أجلادًا في القوى الجسمانية، أغمارًا، فاجتمع له ستة، فتوجهوا إلى
стр. 10737
مراكش، وملكها علي بن يوسف بن تاشفين، وكان ملكًا حليمًا، عادلًا، متواضعًا، وكان بحضرته مالك بن وهيب الأندلسي الفقيه، فأخذ ابن تومرت في الإنكار، حتى أنكر على ابنة الملك، وذلك في قصةٍ طويلة، فبلغ خبره الملك، وأنه يحدث في تغيير الدولة، فكلم مالك بن وهيب في أمره، وقال: نخاف من فتح بابٍ يعسر علينا سده، وكان محمد وأصحابه مقيمين في مسجدٍ خراب بظاهر البلد، فأحضروهم في محفلٍ من العلماء، فقال الملك علي: سلوا هذا ما يبغي، فكلموه، وقال: ما الذي يذكر عنك من القول في حق الملك العادل الحليم المنقاد إلى الحق؟ فقال: أما ما نقل عني، فقد قلته، ولي من ورائه أقوال، وأما قولك: إنه يؤثر طاعة الله على هواه، وينقاد إلى الحق، فقد حضر اعتبار صحة هذا القول عليه، ليعلم بتعريه عن هذه الصفة أنه مغرورٌ بما تقولون له وتطرونه به، مع علمكم أن الحجة عليه متوجهة، فهل بلغك يا قاضي أن الخمر تباع جهارًا، وتمشي الخنازير بين المسلمين، وتؤخذ أموال اليتامى؟ وعدد من ذلك أشياء، حتى ذرفت عينا الملك، وأطرق حياءً، ففهم الدهاة من كلامه طمعه في الملك، ولما رأوا سكوت الملك وانخداعه له لم يتكلموا، فقال مالك بن وهيب: إن عندي نصيحة، إن قبلها الملك حمد عاقبتها، وإن تركها لم آمن عليه، قال: وما هي؟ قال: إني خائف عليك من هذا الرجل، وأرى أن تسجنه وأصحابه، وتنفق عليهم كل يومٍ دينارًا، وإلا أنفقت عليه خزائنك، فوافقه الملك، فقال الوزير: أيها الملك، يقبح أن تبكي من موعظة هذا، ثم تسيء إليه في مجلسٍ واحد، وأن يظهر منك الخوف مع عظم ملكك، وهو رجل فقير لا يملك سد جوعه، فأخذت الملك العزة، واستهون أمره وصرفه، وسأله الدعاء.
وقيل: إنه لما خرج من عنده لم يزل وجهه تلقاء وجهه، إلى أن فارقه، فقيل له: نراك تأدبت مع الملك، فقال: أردت أن لا يفارق وجهي الباطل حتى أغيره ما استطعت.
ولما خرج قال لأصحابه: لا مقام لنا بمراكش مع وجود مالك بن وهيب، فإنا نخاف مكره، وإن لنا بأغمات أخًا في الله فنقصده، فلن نعدم منه رأيًا ودعاء، وهو الفقيه عبد الحق بن إبراهيم المصمودي، فسافروا إليه فأنزلهم، وبثوا إليه سرهم، وما جرى لهم، فقال: هذا الموضع لا يحميكم، وإن أحصن
стр. 10738
الأماكن المجاورة لهذا البلد تين مل، وهي مسيرة يوم في هذا الجبل، فانقطعوا فيه برهةً ريثما ينسى ذكركم، فلما سمع ابن تومرت بهذا الاسم تجدد له ذكر اسم الموضع الذي رآه في الكتاب، فقصده مع أصحابه، فلما أتوه رآهم أهل ذلك المكان على تلك الصورة، فعلموا أنهم طلاب علم، فتلقوهم وأكرموهم وأنزلوهم، وبلغ الملك سفرهم، فسر بذلك.
وتسامع أهل الجبل بوصول ابن تومرت، فجاؤوه من النواحي يتبركون به، وكان كل من أتاه استدناه، وعرض عليه ما في نفسه من الخروج، فإن أجابه أضافه إلى خواصه، وإن خالفه أعرض عنه.
وكان يستميل الشباب الأغمار، وكان ذوو الحلم والعقل من أهاليهم ينهونهم ويحذرونهم من اتباعه خوفًا عليهم من الملك، فكان لا يتم له مع ذلك حال، وطالت المدة، وكثرت أتباعه من أهل جبال درن (١)، وهو جبل لا يفارقه الثلج، وطريقه ضيق وعر.
قال اليسع بن حزم: لا أعلم مدينة أحصن من تينملل (٢)، لأنها بين جبلين، ولا يسع الطريق إليها إلا الفارس، وقد ينزل عن فرسه في أماكن صعبة، وفيها مواضع لا يعبر فيها إلا على خشب، فإذا أزيلت خشبة لم يمر أحد، وهذه الطريق مسافة يوم، فأخذ أتباعه يغيرون على النواحي سبيًا وقتلًا، وتقووا وكثروا، ثم إنه غدر بأهل تينملل الذين آووه ونصروه، وأمر أصحابه، فقتلوا فيهم مقتلةً عظيمة، قاتله الله، فقال له الفقيه الإفريقي، وهو أحد العشرة، عندما فعل بأهل تينملل: قوم أكرمونا وأنزلونا دورهم قتلتهم؟ فقال لأصحابه: هذا شك في عصمتي، خذوه، فقتلوه وعلقوه على جذع.
قال: وكل ما أذكره من حال المصامدة فمنه ما شاهدته، ومنه ما أخذته بنقل التواتر.
وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمرابطٍ أو أحدٍ من تلمسان أن يحرقوه، فلما كان في عام تسعة عشر خرج إليهم يومًا، فقال: تعلمون أن البشير الذي هو الونشريسي، إنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإنه لا يثبت على
стр. 10739
دابة، وقد جعله الله مبشرًا لكم مطلعًا على أسراركم، وهو آية لكم، فإنه حفظ القرآن، وتعلم الركوب، ثم استعرضه القرآن، فقرأه لهم في أربعة أيام، وركب حصانًا وساقه، فتعجبوا وعدوا ذلك آية، وصح لابن تومرت بذلك ما أطراه على نفوسٍ سليمة لا يعرفون بواطن الأمور، فتحقق تصديقهم إياه، فقام خطيبًا، وقال: قال الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ وقال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وهذا البشير مطلع على الأنفس، محدث، والنبي ﷺ يقول: إن في أمتي محدثين، وإن عمر منهم (١).
وقد صحبنا أقوامٌ أطلعه الله على سرهم ونفاقهم، ولابد من النظر فيهم، ويتمم العدل فيهم، ثم نودي في جبال المصامدة: من كان مطيعًا للإمام فليقبل، فكانوا يأتون قبائل قبائل، فيعرضون عليه، فيخرجون قومًا على يمينه، ويعدهم من أهل الجنة، وقومًا على يساره، ويقول: هؤلاء شاكون في الأمر، حتى كان يؤتى بالرجل فيقول: ردوا هذا على اليمين، فإنه تائب، وقد كان قبل كافرًا، ثم أحدث البارحة توبة، فيعترف بما أخبر به، واتفقت له فيهم عجائب، وكان يطلق أهل اليسار وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يفر منهم أحد، وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتهم، يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، وابن العم ابن العم، فالذي صح عندي أنه قتل منهم سبعون ألفًا على هذه الصفة، ويسمونها التمييز.
ولما كمل التمييز وجه جموعه مع البشير نحو أغمات، فالتقوا المرابطين فهزموهم، وقتل خلقٌ من المصامدة لكونهم ثبتوا، وجرح عمر الهنتاتي جراحات، فحملوه على أعناقهم، وهو كالميت، لا ينبض له عرق، فقال لهم البشير: إنه لا يموت حتى يفتح البلاد، ويغزو في الأندلس، وبعد مدة من استماتته فتح عينيه، فزادهم ذلك إيمانًا بأمرهم، ولما أتوا عزاهم ابن تومرت وقال: يومٌ بيوم، وكذلك حرب الرسل.
نقل عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي في كتاب المعجب (٢) الذي
стр. 10740
اختصرته، أن ابن تومرت رحل إلى بغداد، فأخذ الأصول عن أبي بكر الأصولي الشاشي، وسمع من المبارك بن عبد الجبار ابن الطيوري، وقال: إن أمير الإسكندرية نفاه منها، فبلغني أنه استمر ينكر في المركب إلى أن ألقوه في البحر، فأقام نصف يومٍ يجري في ماء السفينة ولم يغرق، فأنزلوا إليه من أطلعه وعظموه، إلى أن نزل بجاية، ووعظ بها، ودرس، وحصل له القبول، فأمره صاحبها بالخروج منها خوفًا منه، فخرج، ووقع بعبد المؤمن، وكان بارعًا في خط الرمل، ووقع بجفرٍ فيما قيل، وصحبهما من ملالة عبد الواحد الشرقي، فتوجه الثلاثة إلى أقصى المغرب.
وقيل: إنه لقي عبد المؤمن ببلاد متيجة، فرآه يعلم الصبيان، فأسر إليه، وعرفه بالعلامات، وكان عبد المؤمن قد رأى رؤيا، وهي أنه يأكل مع أمير المسلمين علي بن يوسف في صحفةٍ، قال: ثم زاد أكلي على أكله، ثم اختطفت الصحفة منه، فقصها على عابرٍ فقال: هذه لا ينبغي أن تكون لك، إنما هي لرجلٍ ثائر يثور على أمير المسلمين، إلى أن يغلب على بلاده، وسار ابن تومرت إلى أن نزل في مسجد بظاهر تلمسان، وكان قد وضع له هيبةً في النفوس، وكان طويل الصمت، كثير الانقباض، إذا انفصل عن مجلس العلم لا يكاد يتكلم، أخبرني شيخٌ عن رجلٍ من الصالحين كان معتكفًا في ذاك المسجد أن ابن تومرت خرج ليلةً فقال: أين فلان؟ قالوا: مسجون، فمضى من وقته ومعه رجلٌ، حتى أتى باب المدينة، فدق على البواب دقًا عنيفًا، ففتح له بسرعة، فدخل حتى أتى الحبس، فابتدر إليه السجانون يتمسحون به، ونادى: يا فلان، فأجابه، فقال: اخرج، فخرج والسجانون باهتون لا يمنعونه، وخرج به حتى أتى المسجد، وكانت هذه عادته في كل ما يريد، لا يتعذر عليه، قد سخرت له الرجال.
وعظم شأنه بتلمسان إلى أن انفصل عنها، وقد استحوذ على قلوب كبرائها، فأتى فاس، وأظهر الأمر بالمعروف، وكان جل ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريقة الأشعرية، وكان أهل المغرب ينافرون هذه العلوم، ويعادون من ظهرت عليه، فجمع والي فاس الفقهاء له، فناظرهم، فظهر عليهم لأنه وجد جوًا خاليًا وناسًا لا علم لهم بالكلام، فأشاروا على المتولي بإخراجه، فسار إلى مراكش، وكتبوا بخبره إلى ابن تاشفين، فجمع له الفقهاء،
стр. 10741
فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلا مالك بن وهيب، وكان متفننًا قد نظر في الفلسفة، فلما سمع كلامه استشعر حدته وذكاءه، فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتله، وقال: هذا لا تؤمن غائلته، وإن وقع في بلاد المصامدة قوي شره، فتوقف عن قتله دينًا، فأشار عليه بحبسه، فقال: علام أسجن مسلمًا لم يتعين لنا عليه حق، ولكن يخرج عنا، فذهب هو وأصحابه إلى السوس، ونزل تينملل، ومن هذا الموضع قام أمره، وبه قبره، فلما نزله اجتمع إليه وجوه المصامدة، فشرع في بث العلم والدعاء إلى الخير، وكتم أمره، وصنف لهم عقيدةً بلسانهم، وعظم في أعينهم، وأحبته قلوبهم، فلما استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهاهم عن سفك الدماء، فأقاموا على ذلك مدة، وأمر رجالًا منهم ممن استصلح عقولهم بنصب الدعوة، واستمالة رؤساء القبائل.
وأخذ يذكر المهدي ويشوق إليه، وجمع الأحاديث التي جاءت في فضله، فلما قرر عندهم عظمة المهدي ونسبه ونعته، ادعى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، وسرد له نسبًا إلى علي ﵇، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم، وبسط يده للمبايعة فبايعوه، فقال: أبايعكم على ما بايع عليه أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ ، ثم صنف لهم تصانيف في العلم، منها كتاب سماه: أعز ما يطلب، وعقائد على مذهب الأشعري في أكثر المسائل، إلا في إثبات الصفات، فإنه وافق المعتزلة في نفيها، وفي مسائل قليلة غيرها.
وكان يبطن شيئًا من التشيع، ورتب أصحابه طبقات، فجعل منهم العشرة، وهم الأولون السابقون إلى إجابته، وهم الملقبون بالجماعة، وجعل منهم الخمسين، وهم الطبقة الثانية، وهذه الطبقات لا تجمعها قبيلة، بل هم من قبائل متفرقة، وكان يسميهم المؤمنين، ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم، وأنتم العصابة المعنيون بقوله ﷺ : لا تزال طائفة بالغرب ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله (١)، وأنتم الذين يفتح الله بكم الروم، ويقتل بكم الدجال، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى ابن مريم، هذا مع جزيئات كان يخبرهم بها وقع
стр. 10742
أكثرها، وكان يقول: لو شئت أن أعد خلفاءكم خليفةً خليفةً لعددت، فعظمت فتنة القوم به، وبالغوا في طاعته، إلى أن بلغوا حدًا لو أمر أحدهم بقتل أبيه أو أخيه أو ابنه لقتله، وسهل ذلك عليهم ما في طباعهم من القسوة المعهودة في أهل الجبال، لا سيما المغاربة البربر، فإنهم جبلوا على الإقدام على الدماء، واقتضاه إقليمهم، حتى قيل: إن الإسكندر أهديت له فرسٌ لا تسبق، لكنها لا تصهل، فلما حل بجبال درن، وهي بلاد المصامدة هذه، وشربت تلك الفرس من مياهها صهلت، فكتب الإسكندر إلى الحكيم يخبره، فكتب إليه: هذه بلاد شر وقسوة، فعجل الخروج منها، وأنا فقد شاهدت من إقدامهم على القتل لما كنت بالسوس ما قضيت منه العجب.
قال: وقوي أمر ابن تومرت في سنة خمس عشرة وخمسمائة، فلما كان في سنة سبع عشرة جهز جيشًا من المصامدة، جلهم من أهل تينملل والسوس، وقال لهم: اقصدوا هؤلاء المارقين المبدلين الذين تسموا بالمرابطين، فادعوهم إلى إماتة المنكر، وإزالة البدع، والإقرار بالإمام المهدي المعصوم، فإن أجابوكم فهم إخوانكم، وإلا فقاتلوهم، وقد أباحت لكم السنة قتالهم، وقدم عليهم عبد المؤمن، فسار بهم قاصدًا مراكش، فخرج لقتالهم الزبير ابن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فلما تراءى الجمعان كلموا المرابطين بما أمرهم به ابن تومرت، فردوا عليهم أسوأ رد، ووقع القتال، فانهزم المصامدة، وقتل منهم مقتلة كبيرة، ونجا عبد المؤمن، فلما بلغ الخبر ابن تومرت قال: أليس قد نجا عبد المؤمن؟ قيل: نعم، قال: لم يفقد أحد، ثم أخذ يهون عليهم، ويقرر عندهم أن قتلاهم شهداء، فزادهم حرصًا على الحرب.
وقال الأمير عزيز في كتاب الجمع والبيان في أخبار القيروان: إن ابن تومرت أقام بتينملل، وسمى أصحابه وأتباعه بالموحدين، والمخالفين أمره: مجسمين، وأقام على ذلك نحو العام، فاشتهر أمره سنة خمس عشرة، وبايعته هرغة على أنه المهدي، فجهز له علي بن يوسف جيشًا من الملثمين، فقال ابن تومرت لأصحابه الذين بايعوه: إن هؤلاء قد جاءوا في طلبي، وأخاف عليكم
стр. 10743
منهم، والرأي أن أخرج عنكم بنفسي إلى غير هذه البلاد لتسلموا أنتم، فقام بين يديه ابن توفيان (١)، من مشايخ هرغة، وقال له: تخاف شيئًا من السماء؟ قال: لا، بل من السماء تنصرون، فقال ابن توفيان: فدع كل من في الأرض يأتينا، ووافقه جميع قبيلته على ذلك القول، فقال: إنما أردت أن أختبر صبركم وثباتكم، وأما الآن فأبشروا بالنصر، وأنكم تغلبون هؤلاء الشرذمة، وبعد قليل تستأصلون دولتهم، وترثون أرضهم، فالتقوا جيش الملثمين فهزموهم، وأخذوا الغنيمة، ووثقت نفوسهم بالمهدي، وأقبلت إليه أفواج القبائل من النواحي ووحدت قبيلة هنتاتة، وهي من أقوى القبائل، إلى أن قال: ثم نهج لهم طريق التودد والآداب، فلا يخاطبون الواحد منهم إلا بضمير الجمع في وقارٍ وبشاشة، ولا يلبسون إلا الثياب القصيرة الرخيصة، ولا يخلون يومًا من طراد ومثاقفة ونضال، وكان في كل قبيلةٍ قومٌ أشرارٌ مفسدون، فنظر ابن تومرت في ذلك، فطلب مشايخ القبائل ووعظهم، وقال: لا يصح دينكم إلا بالنهي عن المنكر، فابحثوا عن كل مفسد وانهوه، فإن لم ينته فاكتبوا أسماءهم، وارفعوها إلي، ففعلوا ذلك ثم أمرهم بذلك ثانيًا وثالثًا.
ثم جمع الأوراق، فأخذ ما تكرر من الأسماء، فأفردها عنده، ثم جمع القبائل كلها وحضهم على أن لا يغيب منهم أحد، ودفع الأسماء التي أفردها إلى عبد الله الونشريسي، الملقب بالبشير، ثم جعل يعرضهم رجلًا رجلًا، فمن وجد اسمه أفرده في جهة الشمال، ومن لم يجده جعله في جهة اليمين، إلى أن عرض القبائل جميعها، ثم أمر بتكتيف جهة الشمال، وقال لقبائلهم: هؤلاء أشقياء من أهل النار قد وجب قتلهم، ثم أمر كل قبيلة أن تقتل أشقياءها، فقتلوا كلهم، وكانت واقعة عجيبة، وقال: بهذا الفعل يصح لكم دينكم ويقوى أمركم، وعلى ذلك استمرت الحالة في جميع بلادهم، ويسمونه: التمييز.
وكان له أصحاب عشرة يسمون أهل عشرة، وأصحاب من رؤوس القبائل سماهم أهل خمسين، كانوا ملازمين مجلسه.
فأما العشرة: فعبد المؤمن، والشيخ أبو إبراهيم الهزرجي، والشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي المعروف بعمرآينتي، والشيخ أبو محمد عبد الله
стр. 10744
البشير، والشيخ أبو محمد عبد الواحد الزواوي، وكان يعرف بطير الجنة، والشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي بكر، والشيخ أبو حفص عمر بن أرناق، والشيخ أبو محمد واسنار الأغماتي، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن جامع، وآخر، فهؤلاء الذين سبقوا وتعرفوا به لأخذ العلم عنه، وكان اجتماعهم به أفذاذا في حال تطوافه في البلاد، فآثرهم واختصهم.
وفي أول سنة أربعٍ وعشرين جهز جيشًا زهاء عشرين ألف مقاتل، قدم عليهم البشير، ثم دونه عبد المؤمن، بعد أمورٍ وحروب، فساروا إلى مراكش، وحاصروها عشرين يومًا، فأرسل علي بن يوسف بن تاشفين إلى عامله على سجلماسة، فجمع جيشًا وجاء من جهة، وخرج ابن تاشفين من البلد من جهة، ووقع الحرب، واستحر يومئذٍ القتل بجيش المصامدة، فقتل أمريهم عبد الله البشير، فالتفوا على عبد المؤمن، ودام القتال إلى الليل، وصلى بهم عبد المؤمن يومئذ صلاة الخوف والحرب قائمة، وتكاثر الملثمون، وتحيز المصامدة إلى بستانٍ هناك ملتف الشجر يعرف بالبحيرة، فلذا قيل وقعة البحيرة، وبلغت قتلاهم ثلاثة عشر ألفًا، وأنهي الخبر إلى المهدي فقال: عبد المؤمن سالم؟ قيل: نعم، قال: ما مات أحد، الأمر قائم، وكان مريضًا، فأوصى باتباع عبد المؤمن، وعقد له من بعده، وسماه أمير المؤمنين، وقال لهم: هذا الذي يفتح الله البلاد على يديه، فلا تشكوا فيه، واعضدوه بأموالكم وأنفسكم، ثم مات في آخر سنة أربعٍ وعشرين.
قال اليسع بن حزم: سمى ابن تومرت أتباع المرابطين مجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب له، وصفته بما يجب له، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه، وكان علماء المغرب يعلمون العامة أن اللازم لهم أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، إلى أن قال: فكفرهم ابن تومرت بوجهين، بجهل العرض والجوهر، وأن من لا يعرف ذلك لا يعرف المخلوق، ولم يعرف الخالق، الوجه الثاني: إن من لم يهاجر إليه ولم يقاتل المرابطين معه فهو كافر، حلال الدم والحريم، وذكر أن غضبه لله، وإنما قام حسبةً على قومٍ أغرموا الناس ما لا يجب عليهم، وهذا تناقض، لأنه كفرهم، وإن كانوا مسلمين، فأخذ المرابطين منهم النزر اليسير أشبه من قتلهم
стр. 10745
ونهبهم، وحصل له في نفوس أتباعه من التصديق والبركة ما لا يحوزه الوصف.
وقال القاضي شمس الدين (١): طالت المدة على ابن تومرت، فشرع في حيلة، وذلك أنه رأى أولاد المصامدة شقرًا زرقًا، ولون الآباء سمر، فسألهم عن ذلك، فلم يجيبوه، ثم ألح عليهم فقالوا: نحن من رعية أمير المسلمين علي، وله علينا خراج، وفي كل سنة تصعد مماليكه إلينا، وينزلون في بيوتنا، ويخرجونا عنها، ويخلون بنسائنا وما لنا قدرة على دفع ذلك، فقال ابن تومرت: والله، الموت خيرٌ من هذه الحياة، كيف رضيتم بهذا، وأنتم أضرب خلق الله بالسيف وأطعنهم بالرمح؟ قالوا: بالرغم منا، قال: أرأيتم لو أن ناصرًا نصركم على هؤلاء، ما كنتم تصنعون؟ قالوا: كنا نقدم أنفسنا بين يديه للموت، فمن هو؟ قال: ضيفكم، فقالوا: السمع والطاعة، فبايعهم، ثم قال: استعدوا لحضور هؤلاء بالسلاح، فإذا جاؤوكم فأجروهم على عادتهم، ثم ميلوا عليهم بالخمور، فإذا سكروا فآذنوني بهم، فلما جاءوهم ففعلوا ذلك بهم وأعلموه، فأمر بقتلهم، فلم تمض ساعة من الليل حتى أتوا على آخرهم، وأفلت منهم واحد، فلحق بمراكش، فأخبر الملك، فندم على فوات محمد من يده حيث لا ينفعه الندم، وجهز جيشًا، وعرف ابن تومرت أنه لابد من عسكرٍ يفجؤهم، فأمر أهل الجبل بالقعود على أنقاب الوادي، فلما وصلت إليهم الخيل نزلت عليهم الحجارة من جانبي الوادي كالمطر، ودام القتال إلى الليل، فرجع العسكر، وأخبروا الملك، فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل لتحصنهم، فأعرض عنهم.
ثم قال ابن تومرت لعبد الله الونشريسي: هذا أوان إظهار فضائلك وفصاحتك دفعةً واحدة، ثم اتفقا على أن يصلي الصبح، ويقول بلسانٍ فصيح: إني رأيت في النوم أنه نزل بي ملكان من السماء، وشقا فؤادي، وغسلاه، وحشياه علمًا وحكمة، فلما أصبح فعل ذلك، فدهشوا وعجبوا منه، وانقادوا له كل الانقياد، فقال ابن تومرت له: فعجل لنا البشرى في أنفسنا، وعرفنا أسعداء نحن أم أشقياء؟ فقال له: أما أنت فإنك المهدي القائم بأمر الله، من تبعك سعد، ومن خالفك شقي.
стр. 10746
ثم قال: اعرض أصحابك حتى أميز أهل الجنة من أهل النار، وعمل في ذلك حيلةً، قتل فيها من خالف أمر ابن تومرت، ثم لم يزل إلى أن جهز بعد فصولٍ طويلة عشرة آلاف مقاتل، وأقام هو في الجبل، فنزلوا لحصار مراكش، فأقاموا عليها شهرًا، ثم كسروا كسرة شنيعة، وهرب من سلم من القتل، وقتل الونشريسي المذكور.
وقال عبد الواحد بن علي المراكشي (١): ثم جعلوا يشنون الغارات على قرى مراكش، ويقطعون عنها الجلب، ويقتلون ويسبون الحريم، وكثر الداخلون في دعوتهم والمنحاشون إليهم، وابن تومرت في ذلك كله يكثر الزهد والتقلل والعبادة، أخبرني من رآه يضرب على الخمر بالأكمام والنعال وعسب النخل كفعل الصحابة، وأخبرني من شهده وقد أتي برجلٍ سكران فحده، فقال يوسف بن سليمان، أحد الأعيان: لو شددنا عليه حتى يخبرنا من أين شربها، فأعرض عنه، فأعاد قوله، فقال: أرأيت لو قال شربتها في دار يوسف بن سليمان ما كنا نصنع؟ فاستحيى وسكت، ثم ظهر أن عبيد يوسف بن سليمان سقوه، فزادهم هذا ونحوه فتنةً بابن تومرت.
قال اليسع بن حزم: ألف ابن تومرت كتاب القواعد، مما فيه: وأن التمادي على ذرةٍ من الباطل كالتمادي على الباطل كله، وألف لهم كتاب الإمامة، يقول فيه: حتى جاء الله بالمهدي، يعني نفسه، وطاعته صافية نقية، لا ضد له ولا مثل له، ولا ند في الورى، وإن به قامت السماوات والأرض.
قال اليسع: هذا نص قوله في الإمامة، وهذا نص تلقيته من قراءة عبد المؤمن بن علي، دون لهم هذا بالعربي وبالبربري، فلما قرؤوا هذين الكتابين زادهم ذلك شدةً في مذهبهم من تكفير الناس بالذنوب، وتكفيرهم بالتأخر عن طاعة المهدي الذي قامت به السماوات والأرض.
هذا نص ما قاله اليسع.
قال: وأمرهم بجمع العساكر، فخرجوا إلى ناحية مراكش، فوجدوا جيشًا للمرابطين، فالتقوا، فانهزم المرابطون هزيمة مات فيها أكثر من شهدها، وصبر فيها الموحدون، فلما كان في سنة إحدى وعشرين تألفوا في أربعين ألف راجل
стр. 10747
وأربعمائة فارس، ونزلوا يريدون حصر مراكش، فحدثني جماعة أنهم نزلوا على باب أغمات بعد أن خرج إليهم المرابطون في أكثر من مائة ألف، بين فارسٍ وراجل، فخذلوا ودخلوا المدينة على أسوأ حالة، فجاء من الأندلس ابن همشك في مائة فارس، فشجع أمير المسلمين، وخرج فقاتل، فانتصر المرابطون، وقتل من المصامدة نحوٌ من أربعين ألفًا، فما سلم منهم إلا نحو أربعمائة نفس، كذا قال اليسع.
وقال ابن خلكان (١): حضرت ابن تومرت الوفاة، فأوصى أصحابه وشجعهم، وقال: العاقبة لكم، ومات في سنة أربعٍ وعشرين إثر الوقعة التي قتل فيها الونشريسي، ودفن بالجبل، وقبره مشهورٌ معظم، ومات كهلًا، وكان ربعةً، أسمر، عظيم الهامة، حديد النظر، مهيبًا.
وقيل فيه:
آثاره تغنيك عن أخباره … حتى كأنك بالعيان تراه
قدم في الثرى وهامة في الثريا، ونفس ترى إراقة ماء الحياة دون ماء المحيا، أغفل المرابطون حله وربطه حتى دب دبيب الفلق في الغسق، وترك في الدنيا دويا، وكان قوته من غزل أخته رغيفا في كل يوم، بقليل سمن أو زيت، ولم ينتقل عن ذلك حين كثرت عليه الدنيا، ورأى أصحابه يوما وقد مالت نفوسهم إلى كثرة ما غنموه، فأمر بإحراق جميعه، وقال: من كان يبتغي الدنيا فما له عندي إلا ما أرى، ومن كان يبغي الآخرة فجزاؤه عند الله.
ومن شعره:
أخذت بأعضادهم إذ نأوا … وخلفك القوم إذ ودعوا
فكم أنت تنهى ولا تنتهي … وتسمع وعظا ولا تسمع
فيا حجر الشحذ حتى متى … تسن الحديد ولا تقطع؟
وكان يتمثل كثيرا:
تجرد من الدنيا فإنك إنما … خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد
ولم يتملك شيئا من البلاد، وإنما قرر القواعد ومهدها، وبغته الموت، وكانت الفتوحات على يد عبد المؤمن.
стр. 10748
وقد كان الملك أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن في أيامه، قد زار قبر ابن تومرت بمحضر من الموحدين، فقام شاعر وأنشد هذه القصيدة، وفيها جمل مما كان يعتقده ابن تومرت ويخبر به:
سلام على قبر الإمام الممجد … سلالة خير العالمين محمد
ومشبهه في خلقه ثم في اسمه … وفي اسم أبيه والقضاء المسدد
أتتنا به البشرى بأن يملا الدنيا … بقسط وعدل في الأنام مخلد
ويفتتح الأمصار شرقا ومغربا … ويملك عربا من مغير ومنجد
فمن وصفه أقنى وأجلى وأنه … علاماته خمس تبين لمهتدي
زمان واسم والمكان ونسبة … وفعل له في عصمة وتأيد
ويلبث سبعا أو فتسعا يعيشها … كذا جاء في نص من النقل مسند
فقد عاش تسعا مثل قول نبينا … فذلكم المهدي بالله يهتدي
وخرج إلى مدح عبد المؤمن وبنيه، ولابن تومرت أخبار طويلة عجيبة.
١٢١ - محمد بن علي بن أبي الغنائم عبد الصمد بن علي ابن المأمون، أبو غانم الهاشمي.
يروي عن: جده، وعنه: أبو القاسم ابن عساكر، وأبو طاهر السلفي.
١٢٢ - محمد بن علي بن محمود، المعمر أبو منصور الزولهي التاجر، المعروف بالكراعي، ويقال: إن اسمه أحمد، وكتب له محمد وأحمد من قرية زولاه، إحدى قرى مرو.
شيخ صالح صائن، رحل إليه الناس، وصارت زولاه مقصد الطلبة والفقهاء بسببه، وكان آخر من روى عن جده لأمه أبي غانم الكراعي، وكان قدر مسموعاته قريبًا من عشرين جزءًا، سمعت منه، قاله أبو سعد السمعاني (١).
وقال: سمعت منه بقراءة السنجي اثني عشر جزءًا، ثم أحضره شيخنا الخطيب أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن المروزي في الخانقاه، وقرأ عليه الأجزاء المسموعة له، فسمعتها منه، ولد في العشرين من شوال سنة اثنتين
стр. 10749
وثلاثين وأربعمائة، ومات في أواخر سنة أربعٍ وعشرين أو في أوائل سنة خمسٍ بقريته.
قلت: هو في زمانه لأهل خراسان كفاطمة الجوزداني لأهل أصبهان، وكابن الحصين لأهل بغداد، وكالرازي لأهل مصر، وقد حدث عنه بالشام محمد بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن المروزي، وبقي إلى سنة ثمانين وخمسمائة.
١٢٣ - محمد بن أبي منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العُكْبريُّ، أبو نصر ابن البقَّال.
سمَّعه أبوه من أبي الطيب الطَّبري، وأبي محمد الجوهري، وغيرهما. روى عنه جماعة، وأضر في آخر عُمُره، وكان صحيح السمَّاع.
قال ابن السَّمعاني: سألت عنه أبا المُعَمَّر الأنصاري، فقال: كان يميل إلى التَّشيع، وكانوا يقولون: إنه ليس بثقة، وأنكر أبو حفص عمر بن المبارك هذا القول، فوصفه بالصِّدق والصَّلاح، وقال: توفي في ربيع الآخر.
قلت: وقد روى عنه المبارك بن كامل، والسِّلفي، ولم يلقه ابن عساكر.
١٢٤ - المبارك بن أحمد بن علي، أبو القاسم البغداديُّ القصَّار، من وكلاء القضاة.
سمع أبا الحسين ابن النَّقُّور، وعنه: أبو المعمَّر الأنصاري، وأبو القاسم الحافظ.
١٢٥ - منصور، أبو علي، الآمر بأحكام الله ابن المستعلي بالله أبي القاسم أحمد ابن المستنصر بالله أبي تميم معد ابن الظاهر بالله علي ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعز العبيدي المصري، صاحب مصر.
كان رافضيًا كآبائه، فاسقًا، ظالمًا، جائرًا، مستهزئًا لعابًا، متظاهرًا بالمنكر واللهو، ذا كبرٍ وجبروت، وكان مدبر سلطانه الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش.
ولي الآمر وهو صبي، فلما كبر قتل الأفضل وأقام في الوزارة المأمون أبا عبد الله محمد بن مختار بن فاتك البطائحي، فظلم وأساء السيرة إلى أن قبض
стр. 10750
عليه الآمر سنة تسع عشرة وخمسمائة، وصادره ثم قتله في سنة اثنتين وعشرين وصلبه، وقتل معه خمسةً من إخوته.
وفي أيام الآمر أخذت الفرنج عكا سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة، وأخذوا طرابلس الشام في سنة اثنتين وخمسمائة فقتلوا وسبوا، وجاءتها نجدة المصريين بعد فوات المصلحة، وأخذوا عرقة، وبانياس، وجبيل، وتسلموا سنة إحدى عشرة وخمسمائة قلعة تبنين، وتسلموا صور سنة ثمان عشرة، وأخذوا بيروت بالسيف في سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وأخذوا صيدا سنة أربع.
ثم قصد الملك بردويل (١) الإفرنجي مصر ليأخذها ودخل الفرما (٢)، وأحرق جامعها ومساجدها، وسار فأهلكه الله قبل أن يصل إلى العريش، فشق أصحابه بطنه وصبروه، ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى اليوم بالسبخة، ودفنوه بقمامة، وكان هو الذي أخذ بيت المقدس، وعكا، وعدة حصونٍ من السواحل، وذلك كله بتخلف هذا المشؤوم الطلعة.
وفي أيامه ظهر ابن تومرت، وفي أيام أبيه أخذت الفرنج أنطاكية، والمعرة، والقدس، وجرى على الشام أمرٌ مهول من ظهور الرفض والسب، ومن استيلاء الفرنج والسبي والأسر، نسأل الله العفو والأمن.
وولد الآمر في أول سنة تسعين وأربعمائة، واستخلف وله خمس سنين، وبقي في الملك تسعًا وعشرين سنة وتسعة أشهر، إلى أن خرج من القاهرة يومًا في ذي القعدة، وعدى على الجسر إلى الجيزة، فكمن له قومٌ بالسلاح، فلما عبر نزلوا عليه بأسيافهم، وكان في طائفةٍ يسيرة، فردوه إلى القصر مثخنًا بالجراح، فهلك من غير عقب، وهو العاشر من أولاد المهدي عبيد الله الخارج بسجلماسة، وبايعوا بالأمر ابن عمه الحافظ أبا الميمون عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر بالله، فعاش إلى سنة أربعٍ وأربعين.
وكان الآمر ربعةً، شديد الأدمة، جاحظ العينين، حسن الخط، جيد العقل والمعرفة، وقد ابتهج الناس بقتله لعسفه وسفكه الدماء، وكثرة