← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وعن ابن عباس أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها. وقال جابر (١): إن رسول الله ﷺ صلى في إزار واحد مؤتزرا به، ليس عليه غيره. وقال يونس بن الحارث الثقفي، عن أبي عون محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة: كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير والفروة المدبوغة. أخرجه أبو داود (٢). وقال شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان يلبس الصوف. وقال حميد بن هلال، عن أبي بردة قال: دخلت على عائشة، فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه الملبدة. فأقسمت أن رسول الله ﷺ قبض فيهما. أخرجه مسلم (٣). وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان ضجاع النبي ﷺ من أدم محشوا ليفا. وقد تقدم أحاديث في هذا المعنى في زهده ﵇. وقال غير واحد، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. أخرجه البخاري (٤). وعند مسلم (٥) على عاتقيه. وقال عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله مولى أسماء، عن أسماء بنت أبي

стр. 1122

بكر، أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة (١) ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج، فقالت: هذه جبة رسول الله ﷺ وكان ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمريض يستشفي بها. أخرجه مسلم (٢). ورواه أحمد في مسنده (٣) وفيه: جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني. باب خواتيم النبي ﷺ . قال عبيد الله وغيره، عن نافع، عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه في يده اليمنى، فصنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس على المنبر، ونزعه ورمى به وقال: والله لا ألبسه أبدا. فنبذ الناس خواتيمهم. وروي نحوه عن مجاهد، وعن محمد بن علي مرسلين. وكان هذا قبل تحريم الذهب. وفي الصحيح أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الذهب (٤). وصح عن أنس قال: كتب رسول الله ﷺ إلى قيصر ولم يختمه، فقيل له: إن كتابك لا يقرأ إلا أن يكون مختوما، فاتخذ النبي ﷺ خاتما من فضة، فنقشه محمد رسول الله، فكأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله ﷺ ، وكان من فضة، ونهى أن ينقش الناس على خواتيمهم نقشته، وقال: كان من فضة، فصه منه. وصح عنه قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فصه حبشي، ونقشه محمد رسول الله. وصح عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فكان

стр. 1123

في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس، نقشه محمد رسول الله. وفي رواية عن ابن عمر: فجعل فصه في بطن كفه. وعن مكحول، وإبراهيم النخعي من وجهين عنهما أن خاتم النبي ﷺ كان حديدا ملوى عليه فضة. وروى مثله أبو نعيم، عن إسحاق، عن سعيد، عن خالد بن سعيد، ولم يدرك سعيد خالدا. وقال أحمد بن محمد الأزرقي: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد القرشي، عن جده قال: دخل عمرو بن سعيد بن العاص، حين قدم من الحبشة على رسول الله ﷺ فقال: ما هذا الخاتم في يدك يا عمرو؟ قال: هذه حلقة، قال: فما نقشها؟ قال: محمد رسول الله، فأخذه رسول الله ﷺ فتختمه، فكان في يده حتى قبض ثم في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، ثم عثمان، فبينا هو يحفر بئرا لأهل المدينة، يقال له بئر أريس، وهو جالس على شفتها، يأمر بحفرها، سقط الخاتم في البئر، وكان عثمان يخرج خاتمه من يده كثيرا، فالتمسوه فلم يقدروا عليه. وقال أنس: كان نقش خاتم النبي ﷺ ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر. وقال: فكان في يد عثمان ست سنين، فكنا معه على بئر أريس، وهو يحول الخاتم في يده، فوقع في البئر، فطلبناه مع عثمان ثلاثة أيام، فلم نقدر عليه. وعن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه. وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ كان يلبس خاتمه في يساره (١). عن ابن عمر مثله. وصح أن ابن عمر كان يتختم في يساره.

стр. 1124

باب نعل النبي ﷺ وخفه. قال همام، عن قتادة، عن أنس: كان لنعل النبي ﷺ قبالان صحيح. وعن عبد الله بن الحارث قال: كانت نعل النبي ﷺ لها زمامان شراكهما مثني في العقد. وقال هشام بن عروة: رأيت نعل رسول الله ﷺ مخصرة معقبة ملسنة لها قبالان. وقال أبو عوانة، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد، سألت أنسا: أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم. وروي مثله من غير وجه. وقال حماد بن سلمة، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ وضع نعله على يساره، فألقى الناس نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت فألقينا، فقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا أو أذى فمن رأى ذلك فليمسحهما، ثم ليصل فيهما. وعن عبيد بن جريج، قلت لابن عمر: أراك تستحب هذه النعال السبتية، قال: إني رأيت رسول الله ﷺ يلبسها ويتوضأ فيها. السبت: بالكسر، جلود البقر المدبوغة بالقرظ. وعن عبد الله بن بريدة أن النجاشي أهدى لرسول الله ﷺ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما ومسح عليهما (١).

стр. 1125

باب مشطه ومكحلته ﷺ . ومرآته وقدحه وغير ذلك. قال أبو نعيم: حدثنا مندل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله ﷺ يسافر بالمشط، والمرآة، والمدهن، والسواك، والكحل. مرسل. وعن ابن عباس قال: كانت لرسول الله ﷺ مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين. وقال حبان بن علي، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ كان يكتحل بالإثمد وهو صائم. إسناده لين. وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن المقوقس أهدى إلى رسول الله ﷺ قدح زجاج كان يشرب فيه. وقال حميد: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس، فيه فضة قد شده بها. حديث صحيح. وقال عاصم الأحول: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة. قال عاصم: وهو قدح جيد عريض من نضار (١)، فقال أنس: قد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أن يجعل مكانها أنس حلقة من فضة أو ذهب، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله ﷺ ، فتركه. أخرجه البخاري (٢). يروى عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ، كان يكثر تسريح لحيته. إسناده واه (٣).

стр. 1126

باب. سلاح النبي ﷺ ودوابه وعدته. أخبرنا عمر بن عبد المنعم قراءة، عن أبي القاسم عبد الصمد بن محمد القاضي، عن أبي القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ، قال: أخبرنا سليمان بن إبراهيم الحافظ، وعبد الله بن محمد النيلي قالا: أخبرنا علي بن القاسم المقرئ، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي قال: كان سلاح رسول الله ﷺ : ذا الفقار، وكان سيفا أصابه يوم بدر. وكان له سيف ورثه من أبيه. وأعطاه سعد بن عبادة سيفا يقال له العضب. وأصاب من سلاح بني قينقاع سيفا قلعيا، وفي رواية: كان يقال له البتار واللخيف (١)، وكان له المخذم (٢)، والرسوب، وكانت ثمانية أسياف. وقال شيخنا شرف الدين الدمياطي: أول سيف ملكه سيف يقال له: المأثور، وهو الذي يقال إنه من عمل الجن، ورثه من أبيه، فقدم به في هجرته إلى المدينة (٣). وأرسل إليه سعد بن عبادة بسيف يدعى العضب حين سار إلى بدر. وكان له ذو الفقار، لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، صار إليه يوم بدر، وكان للعاص بن منبه أخي نبيه ابني الحجاج بن عامر السهمي - قتل العاص، وأبوه، وعمه كفارا يوم بدر- وكانت قبيعته، وقائمته وحلقته، وذؤابته، وبكراته، ونعله، من فضة، والقائمة هي الخشبة التي يمسك بها، وهي القبضة. وروى الترمذي (٤) من حديث هود بن عبد الله بن سعد بن مزيدة، عن جده مزيدة قال: دخل النبي ﷺ يوم الفتح، وع ى سيفه ذهب وفضة.

стр. 1127

وهو بالكسر، جمع فقرة وبالفتح، جمع فقارة سمي بذلك لفقرات كانت فيه، وهي حفر كانت في متنه حسنة. ويقال: كان أصله من حديدة وجدت مدفونة عند الكعبة من دفن جرهم، فصنع منها ذو الفقار وصمصامة عمرو بن معدي كرب الزبيدي، التي وهبها لخالد بن سعيد بن العاص. وأخذ من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيفا قلعيا، منسوب إلى مرج القلعة بالفتح موضع بالبادية، والبتار، والحنف، وكان عنده بعد ذلك الرسوب من رسب في الماء إذا سفل، والمخذم، وهو القاطع، أصابهما من الفلس: صنم كان لطيئ، وسيف يقال له القضيب، وهو فعيل بمعنى فاعل، والقضب: القطع. وذكر الترمذي (١)، عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة، وزعم سمرة أنه صنعه على سيف رسول الله ﷺ ، وكان حنفيا. رواه عثمان بن سعد، عن ابن سيرين، وليس بالقوي، وهو الذي روى عن أنس أن قبيعة سيف النبي ﷺ كانت من فضة. والحنف: الاعوجاج. قال شيخنا: وكانت له ﷺ درع يقال لها ذات الفضول، لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر. وذات الوشاح وهي الموشحة، وذات الحواشي، ودرعان من بني قينقاع، وهما السغدية وفضة، وكانت السغدية درع عكير القينقاعي، وهي درع داود ﵊ التي لبسها حين قتل جالوت. ودرع يقال لها البتراء، وردع يقال لها الخرنق، والخرنق ولد الأرنب. ولبس يوم أحد درعين ذات الفضول وفضة. وكان عليه يوم خيبر: ذات الفضول والسغدية. وقد توفي ﷺ ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير، أخذها قوتا لأهله (٢).

стр. 1128

وقال عبيس بن مرحوم العطار: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: كان في درع رسول الله ﷺ حلقتان من فضة في موضع الصدر، وحلقتان من خلف ظهره، قال محمد بن علي: فلبستها فجعلت أخطها في الأرض. قال شيخنا: وكان له خمس أقواس: ثلاث من سلاح بني قينقاع، وقوس تدعى الزوراء، وقوس تدعى الكتوم، وكانت جعبته تدعى الكافور. وكانت له منطقة من أديم مبشور، فيها ثلاث حلق من فضة، وترس يقال له الزلوق، يزلق عنه السلاح، وترس يقال له العنق، وأهدي له ترس فيه تمثال عقاب أو كبش، فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال. وأصاب ثلاثة أرماح من سلاح بني قينقاع. وكان له رمح يقال له المثوي، وآخر يقال له المتثني، وحربة اسمها البيضاء، وأخرى صغيرة كالعكاز. وكان له مغفر من سلاح بني قينقاع، وآخر يقال له: السبوغ. وكانت له راية سوداء مربعة من نمرة مخملة، تدعى العقاب. وأخرج أبو داود (١)، من حديث سماك بن حرب، عن رجل من قومه، عن آخر قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، وكانت ألويته بيضا. وربما جعل فيها الأسود، وربما كانت من خمر بعض أزواجه. وكان فسطاطه يسمى الكن. وكان له محجن قدر ذراع أو أكثر، يمشي ويركب به، ويعلقه بين يديه على بعيره. وكانت له مخصرة تسمى العرجون، وقضيب يسمى الممشوق. واسم قدحه الريان. وكان له قدح مضبب غير الريان، يقدر أكثر من نصف المد. وقال ابن سيرين، عن أنس: إن قدح النبي ﷺ انكسر، واتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. أخرجه البخاري (٢).

стр. 1129

وكان له قدح من زجاج، وتور من حجارة، يتوضأ منه كثيرا، ومخضب من شبه. وركوة تسمى الصادرة، ومغسل من صفر، وربعة أهداها له المقوقس، يجعل فيها المرآة ومشطا من عاج، والمكحلة، والمقص، والسواك. وكانت له نعلان سبتيتان، وقصعة، وسرير، وقطيفة. وكان يتبخر بالعود والكافور. وقال ابن فارس (١) بإسنادي الماضي إليه: يقال ترك يوم توفي ﷺ ثوبي حبرة، وإزارا عمانيا، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا وقميصا سحوليا، وجبة يمنية، وخميصة، وكساء أبيض، وقلانس صغارا ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله خمسة أشبار، وملحقة يمنية مورسة. وأكثر هذا الباب كما ترى بلا إسناد، نقله هكذا ابن فارس، وشيخنا الدمياطي، فالله أعلم هل هو صحيح أم لا؟. وأما دوابه فروى البخاري من حديث عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، كان للنبي ﷺ في حائطنا فرس يقال له اللحيف (٢). وروى عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف عن أبيه، عن جده قال: كان لرسول الله ﷺ ثلاثة أفراس، يعلفهن عند أبي سعد بن سعد الساعدي. فسمعت النبي ﷺ يسميهن: اللزاز، والظرب، واللحيف (٣). رواه الواقدي عنه. وزاد في الحديث بالسند: فأما لزاز فأهداه له المقوقس، وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الظرب فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي (٤). واللزاز من قولهم: لاززته أي لاصقته، والملزز: المجتمع الخلق.

стр. 1130

والظرب: واحد الظراب، وهي الروابي الصغار، سمي به لكبره وسمنه، وقيل لقوته، وقاله الواقدي بطاء مهملة، وقال: سمي الطرب لتشوفه وحسن صهيله. واللحيف: بمعنى لاحف، كأنه يلحف الأرض بذنبه لطوله، وقيل: اللحيف، مصغرا. وأول فرس ملكه: السكب، وكان اسمه عند الأعرابي: الضرس، فاشتراه منه بعشر أواقي، أول ما غزا عليه أحد، ليس مع المسلمين غيره، وفرس لأبي بردة بن نيار. وكان له فرس يدعى: المرتجز، سمي به لحسن صهيله، وكان أبيض. والفرس إذا كان خفيف الجري فهو سكب وفيض كانسكاب الماء. وأهدى له تميم الداري فرسا يدعى الورد، فأعطاه عمر (١). والورد: بين الكميت والأشقر. وكانت له فرس تدعى سبحة، من قولهم: طرف سابح، إذا كان حسن مد اليدين في الجري. قال الدمياطي: فهذه سبعة أفراس متفق عليها، وذكر بعدها خمسة عشر فرسا مختلف فيها، وقال: قد شرحناها في كتاب الخيل. قال: وكان سرجه دفتاه من ليف. وكانت له بغلة أهداها له المقوقس، شهباء يقال لها: دلدل. مع حمار يقال له: عفير، وبغلة يقال لها: فضة، أهداها له فروة الجذامي، مع حمار يقال له يعفور، فوهب البغلة لأبي بكر، وبغلة أخرى. قال أبو حميد الساعدي: غزونا تبوك، فجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ وأهدى له بردة، وكتب له ببحرهم، والحديث في الصحاح. وقال ابن سعد (٢): وبعث صاحب دومة الجندل إلى رسول الله ﷺ ببغلة وجبة سندس. وفي إسناده عبد الله بن ميمون القداح، وهو ضعيف.

стр. 1131

ويقال إن كسرى أهدى له بغلة، وهذا بعيد، لأنه لعنه الله مزق كتاب النبي ﷺ . وكانت له الناقة التي هاجر عليها من مكة، تسمى القصواء، والعضباء والجدعاء، وكانت شهباء. وقال أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله قال: رأيت النبي ﷺ على ناقة صهباء يرمي الجمرة، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك. حديث حسن. الصهباء: الشقراء. وكانت له ﷺ لقاح أغارت عليها غطفان وفزارة، فاستنقذها سلمة بن الأكوع وجاء بها يسوقها. أخرجه البخاري (١). وهو من الثلاثيات. وجاء أن النبي ﷺ أهدى يوم الحديبية جملا في أنفه برة من فضة، كان غنمه من أبي جهل يوم بدر، أهداه ليغيظ بذلك المشركين إذا رأوه، وكان مهريا يغزو عليه ويضرب في لقاحه. وقيل: كان له ﷺ عشرون لقحة بالغابة، يراح إليه منها كل ليلة بقربتين من لبن. وكانت له خمس عشرة لقحة، يرعاها يسار مولاه الذي قتله العرنيون واستاقوا اللقاح، فجيء بهم فسملهم. وكان له من الغنم مائة شاة، لا يريد أن تزيد، كلما ولد الراعي بهمة ذبح مكانها شاة. وقد سحر النبي ﷺ وسم في شواء. قال وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشيء ولم يصنعه، حتى إذا كان ذات يوم رأيته يدعو، فقال: أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته: أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما

стр. 1132

وجع الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فبم؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في ذي أروان، فانطلق رسول الله ﷺ ، فلما رجع أخبر عائشة فقال: كأن نخلها رؤوس الشياطين، وكأن ماءها نقاعة الحناء، فقلت: يا رسول الله أخرجه للناس، قال: أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن أثور على الناس منه شرا. في لفظ: في بئر ذي أروان (١). روى عمر مولى عفرة وهو تابعي أن لبيد بن أعصم سحر النبي ﷺ حتى التبس بصره وعاده أصحابه، ثم إن جبريل وميكائيل أخبراه، فأخذه النبي ﷺ فاعترف، فاستخرج السحر من الجب، ثم نزعه فحله، فكشف عن رسول الله ﷺ ، وعفا عنه. روى يونس، عن الزهري قال في ساحر أهل العهد: لا يقتل، قد سحر رسول الله ﷺ يهودي، فلم يقتله. وعن عكرمة أن رسول الله ﷺ عفا عنه. قال الواقدي: هذا أثبت عندنا ممن روى أنه قتله. وقال أبو معاوية: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: إن اليهود سمت رسول الله ﷺ وسمت أبا بكر. وفي الصحيح (٢) عن ابن عباس أن امرأة من يهود خيبر أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة. وعن جابر، وأبي هريرة، وغيرهما أن رسول الله ﷺ لما افتتح خيبر واطمأن جعلت زينب بنت الحارث وهي بنت أخي مرحب وامرأة سلام ابن مشكم سما قاتلا في عنز لها ذبحتها وصلتها، وأكثرت السم في الذراعين والكتف، فلما صلى النبي ﷺ المغرب انصرف وهي جالسة عند رحله،

стр. 1133

فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك، فأمر بها النبي ﷺ فأخذت منها، ثم وضعت بين يديه وأصحابه حضور، منهم بشر بن البراء بن معرور، وتناول رسول الله فانتهش من الذراع، وتناول بشر عظما آخر، فانتهش منه، وأكل القوم منها. فلما أكل رسول الله ﷺ لقمة قال: ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة فقال بشر: والذي أكرمك، لقد وجدت ذلك من أكلتي، فما منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أبغض إليك طعامك، فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغي، فلم يقم بشر حتى تغير لونه، وماطله وجعه سنة ومات. وقال بعضهم: لم يرم بشر من مكانه حتى توفي، فدعاها فقال: ما حملك؟ قالت: نلت من قومي، وقتلت أبي وعمي وزوجي، فقلت: إن كان نبيا فستخبره الذراع، وإن كان ملكا استرحنا منه، فدفعها إلى أولياء بشر يقتلونها. وهو الثبت (١). وقال أبو هريرة: لم يعرض لها واحتجم النبي ﷺ على كاهله. حجمه أبو هند بقرن وشفرة، وأمر أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم، وعاش بعد ذلك ثلاث سنين. وكان في مرض موته يقول: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها بخيبر، وهذا أوان انقطاع أبهري، وفي لفظ: ما زالت أكلة خيبر يعاودني ألم سمها والأبهر عرق في الظهر وهذا سياق غريب. وأصل الحديث في الصحيح. وروى أبو الأحوص، عن أبي مسعود قال: لأن أحلف بالله تسعا أن رسول الله ﷺ قتل قتلا أحب إلي من أن أحلف واحدة، يعني أنه مات موتا، وذلك بأن الله اتخذه نبيا وجعله شهيدا (٢).

стр. 1134

باب ما وجد من صورة نبينا. وصور الأنبياء عند أهل الكتاب بالشام. قال عبد الله بن شبيب الربعي وهو ضعيف بمرة: حدثنا محمد بن عمر بن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، قال: حدثتني أم عثمان عمتي، عن أبيها سعيد عن أبيه، أنه سمع أباه جبير بن مطعم يقول: لما بعث الله نبيه ﷺ ، وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت ببصرى أتتني جماعة من النصارى فقالوا لي: أمن الحرم أنت؟ قلت: نعم، قالوا: فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم؟ قلت: نعم، فأدخلوني ديرا لهم فيه صور فقالوا: انظر هل ترى صورته؟ فنظرت فلم أر صورته، قلت: لا أرى صورته، فأدخلوني ديرا أكبر من ذاك فنظرت، وإذا بصفة رسول الله ﷺ وصورته وبصفة أبي بكر وصورته، وهو آخذ بعقب رسول الله ﷺ ، قالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، قالوا: أهو هذا؟ قلت: اللهم نعم، أشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي أخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده. رواه البخاري في تاريخه (١)، عن محمد، غير منسوب عن محمد بن عمر بن سعيد، أخصر من هذا (٢). وقال إبراهيم بن الهيثم البلدي: حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس (٣)، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي، عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل ندعوه إلى الإسلام، فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، وإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولا، إنما بعثنا إلى الملك، فأذن لنا وقال: تكلموا، فكلمته ودعوته إلى الإسلام، وإذا عليه ثياب سواد، قلنا: ما هذه؟ قال: لبستها

стр. 1135

وحلفت أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: ومجلسك هذا، فوالله لنأخذنه منك، ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا، قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار فكيف صومكم؟ فأخبرناه، فملا وجهه سوادا وقال: قوموا، وبعث معنا رسولا إلى الملك، فخرجنا حتى إذا كنا قريبا من المدينة، قال الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال؟ قلنا: والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأبون، فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا، حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها، وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، والله يعلم لقد تنقضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح، فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا أن ادخلوا، فدخلنا عليه، وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنوا منه، فضحك وقال: ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم، فإذا عنده رجل فصيح بالعربية، كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيا بها لا يحل لنا أن نحييك بها، قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فبم تحيون ملككم؟ قلنا: بها، قال: وكيف يرد عليكم؟ قلنا بها، قال: فما أعظم كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر فلما تكلمنا بها قال: والله يعلم لقد تنقضت الغرفة، حتى رفع رأسه إلينا فقال: هذه الكلمة التي قلتموها حيث تنقضت الغرفة كلما قلتموها في بيوتكم تنقض بيوتكم عليكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال: لوددت أنكم كلما قلتم تنقض كل شيء عليكم، وإني خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر ألا يكون من أمر النبوة، وأن يكون من حيل الناس. ثم سألنا عما أراد، فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا، فقمنا، فأمر لنا بمنزل حسن ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا، فأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة

стр. 1136

مذهبة فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتا وقفلا، واستخرج حريرة سوداء فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇، ثم فتح لنا بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض حسن العينين صلت الجبين، طويل الخد أبيض اللحية كأنه يتبسم، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم ﵇، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة بيضاء وإذا والله رسول الله ﷺ ، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله ﷺ ، وبكينا، قال: والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال: والله إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو، كأنما ننظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم فتح بابا آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجل جعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلص الشفة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى ﵇، وإلى جنبه صورة تشبهه، إلا أنه مدهان الرأس، عريض الجبين، في عينه قبل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال. هذا هارون بن عمران، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سبط ربعة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مشرب حمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال هذا إسحاق ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق إلا أنه على شفته السفلى خال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال هذا يعقوب ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض حسن الوجه،

стр. 1137

أقنى الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة كأنها صورة آدم، كأن وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا يوسف ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة رجل أحمر، حمش الساقين، أخفش العينين، ضخم البطن، ربعة، متقلد سيفا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرس، فقال: هذا سليمان ﵇، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج صورة، وإذا شاب أبيض، شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال: هذا عيسى ﵇. فقلنا: من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنها على ما صورت، لأنا رأينا نبينا ﷺ وصورته مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، وكانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال ﵇، يعني فصورها دانيال في خرق من حرير، فهذه بأعيانها التي صورها دانيال، ثم قال: أما والله لوددت أن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبدا لشركم ملكة حتى أموت، ثم أجازنا بأحسن جائزة وسرحنا. فلما قدمنا على أبي بكر ﵁، حدثناه بما رأيناه، وما قال لنا، فبكى أبو بكر وقال: مسكين، لو أراد الله به خيرا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم. روى هذه القصة أبو عبد الله بن منده، عن إسماعيل بن يعقوب. ورواها أبو عبد الله الحاكم، عن عبد الله بن إسحاق الخراساني، كلاهما عن البلدي، عن عبد العزيز، ففي رواية الحاكم كما ذكرت من السند، وعند ابن منده قال: حدثنا عبيد الله عن شرحبيل، وهو سند غريب (١).

стр. 1138

وهذه القصة قد رواها الزبير بن بكار، عن عمه مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن أبيه مصعب، عن عبادة بن الصامت: بعثني أبو بكر الصديق في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ إلى هرقل ملك الروم لندعوه إلى الإسلام، فخرجنا نسير على رواحلنا حتى قدمنا دمشق، فذكره بمعناه. وقد رواه بطوله: علي بن حرب الطائي فقال: حدثنا دلهم بن يزيد، قال: حدثنا القاسم بن سويد، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر الأنصاري، عن أيوب بن موسى قال: كان عبادة بن الصامت يحدث، فذكر نحوه. أنبأنا الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر وجماعة، عن عبد الوهاب بن علي الصوفي، قال: أخبرتنا فاطمة بنت أبي حكيم الخبري (١)، قال: أخبرنا علي بن الحسن بن الفضل الكاتب قال: حدثنا أحمد بن محمد بن خالد الكاتب من لفظه سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن العباس بن المغيرة الجوهري، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، عن جده، عن عبادة بن الصامت قال: بعثني أبو بكر في نفر من الصحابة إلى ملك الروم لأدعوه إلى الإسلام، فخرجنا نسير على رواحلنا حتى قدمنا دمشق، فإذا على الشام لهرقل جبلة، فاستأذنا عليه، فأذن لنا، فلما نظر إلينا كره مكاننا وأمر بنا فأجلسنا ناحية، وإذا هو جالس على فرش له مع السقف، وأرسل إلينا رسولا يكلمنا ويبلغه عنا، فقلنا: والله لا نكلمه برسول أبدا، فانطلق الرسول فأعلمه ذلك، فنزل عن تلك الفرش إلى فرش دونها، فأذن لنا فدنونا منه، فدعوناه إلى الله وإلى الإسلام، فلم يجب إلى خير، وإذا عليه ثياب سود، فقلنا: ما هذه المسوح؟ قال: لبستها نذرا لا أنزعها حتى أخرجكم من بلادي، قال: قلنا له: تيدك لا تعجل، أتمنع منا مجلسك هذا! فوالله لنأخذنه وملك الملك الأعظم، خبرنا بذلك نبينا ﷺ ، قال: أنتم إذا السمراء، قلنا: وما السمراء؟ قال: لستم بهم، قلنا: ومن هم؟ قال:

стр. 1139

قوم يقومون الليل ويصومون النهار، قلنا: فنحن والله نصوم النهار ونقوم الليل، قال: فكيف صلاتكم؟ فوصفناها له، قال: فكيف صومكم؟ فأخبرناه به. وسألنا عن أشياء فأخبرناه، فيعلم الله لعلا وجهه سواد حتى كأنه مسح أسود، فانتهرنا وقال لنا: قوموا، فخرجنا وبعث معنا أدلاء إلى ملك الروم، فسرنا، فلما دنونا من القسطنطينية قالت الرسل الذين معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فأقيموا حتى نأتيكم ببغال وبراذين، قلنا: والله لا ندخل إلا على دوابنا، فأرسلوا إليه يعلمونه، فأرسل: أن خلوا عنهم، فتقلدنا سيوفنا وركبنا رواحلنا، فاستشرف أهل القسطنطينية لنا وتعجبوا، فلما دنونا إذا الملك في غرفة له، ومعه بطارقة الروم، فلما انتهينا إلى أصل الغرفة أنخنا ونزلنا وقلنا: لا إله إلا الله، فيعلم الله لنقضت الغرفة حتى كأنها عذق نخلة تصفقها الرياح، فإذا رسول يسعى إلينا يقول: ليس لكم أن تجهروا بدينكم على بابي، فصعدنا فإذا رجل شاب قد وخطه الشيب، وإذا هو فصيح بالعربية، وعليه ثياب حمر، وكل شيء في البيت أحمر، فدخلنا ولم نسلم، فتبسم وقال: ما منعكم أن تحيوني بتحيتكم؟ قلنا: إنها لا تحل لكم، قال: فكيف هي؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فما تحيون به ملككم؟ قلنا: بها، قال: فما كنتم تحيون به نبيكم؟ قلنا: بها، قال: فماذا كان يحييكم به؟ قلنا: كذلك، قال: فهل كان نبيكم يرث منكم شيئا؟ قلنا: لا، يموت الرجل فيدع وارثا أو قريبا فيرثه القريب، وأما نبينا فلم يكن يرث منا شيئا، قال: فكذلك ملككم؟ قلنا: نعم. قال: فما أعظم كلامكم عندكم؟ قلنا: لا إله إلا الله، فانتفض وفتح عينيه، فنظر إلينا وقال: هذه الكلمة التي قلتموها فنقضت لها الغرفة؟ قلنا: نعم، قال: وكذلك إذا قلتموها في بلادكم نقضت لها سقوفكم؟ قلنا: لا، وما رأيناها صنعت هذا قط، وما هو إلا شيء وعظت به، قال: فالتفت إلى جلسائه فقال: ما أحسن الصدق، ثم أقبل علينا فقال: والله لوددت أني خرجت من نصف ملكي وأنكم لا تقولونها على شيء إلا نقض لها، قلنا: ولم ذاك؟ قال: ذلك أيسر لشأنها وأحرى أن لا تكون من النبوة وأن تكون من حيلة الناس. ثم قال لنا: فما كلامكم الذي تقولونه حين تفتتحون المدائن؟ قلنا: لا إله إلا الله والله

стр. 1140

أكبر؛ قال: تقولون لا إله إلا الله ليس معه شريك؟ قلنا: نعم، قال: وتقولون الله أكبر أي ليس شيء أعظم منه، ليس في العرض والطول؟ قلنا: نعم، وسألنا عن أشياء، فأخبرناه، فأمر لنا بنزل كثير ومنزل، فقمنا، ثم أرسل إلينا بعد ثلاث في جوف الليل فأتيناه، وهو جالس وحده ليس معه أحد، فأمرنا فجلسنا، فاستعادنا كلامنا، فأعدناه عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة، ففتحها فإذا فيها بيوت مقفلة، ففتح بيتا منها، ثم استخرج خرقة حرير سوداء. فذكر الحديث نحو ما تقدم. وفيه: فاستخرج صورة بيضاء، وإذا رسول الله ﷺ كأنما ننظر إليه حيا، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: هذه صورة نبينا ﵇، فقال: آلله بدينكم إنه لهو هو؟ قلنا: نعم، آلله بديننا إنه لهو هو، فوثب قائما، فلبث مليا قائما، ثم جلس مطرقا طويلا، ثم أقبل علينا فقال: أما إنه في آخر البيوت، ولكني عجلته لأخبركم وأنظر ما عندكم، ثم فتح بيتا، فاستخرج خرقة من حرير سوداء فنشرها، فإذا فيها صورة سوداء شديدة السواد، وإذا رجل جعد قطط، كث اللحية، غائر العينين، مقلص الشفتين، مختلف الأسنان، حديد النظر كالغضبان، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا، قال: هذه صورة موسى ﵇. وذكر الصور، إلى أن قال: قلنا: أخبرنا عن هذه الصور، قال: إن آدم سأل ربه أن يريه أنبياء ولده، فأنزل الله صورهم، فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم من مغرب الشمس، فصورها دانيال في خرق الحرير، فلم يزل يتوارثها ملك بعد ملك، حتى وصلت إلي، فهذه هي بعينها. فدعوناه إلى الإسلام فقال: أما والله لوددت أن نفسي سخت بالخروج من ملكي واتباعكم، وأني مملوك لأسوأ رجل منكم خلقا وأشده ملكة، ولكن نفسي لا تسخو بذلك. فوصلنا وأجازنا، وانصرفنا.

стр. 1141

باب في خصائصه ﷺ وتحديثه أمته بها امتثالا لأمر الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قرأت على أبي الحسن علي بن أحمد الهاشمي بالإسكندرية، أخبركم محمد بن أحمد بن عمر ببغداد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهاشمي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قال: أخبرنا الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبقسي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرنا عبد الله بن دينار، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل من مر من الناس ينظرون إليه ويتعجبون منه ويقولون: هلا وضع هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين. ﷺ . البخاري (١) عن قتيبة، عن إسماعيل. قال الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : نصرت بالرعب، وأعطيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت بين يدي. أخرجه مسلم والبخاري (٢). وقال العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى

стр. 1142

الخلق كافة، وختم بي النبيون. أخرجه مسلم (١). وقال مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن مرة الهمداني، عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى أعطي ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن كان من أمته لا يشرك بالله المقحمات. تقحم: أي تلقي في النار. والحديث صحيح (٢). وقال أبو عوانة: حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : فضلت على الناس بثلاث: جعلت الأرض كلها لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات، من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش. صحيح (٣). وقال بشر بن بكر، عن الأوزاعي، قال: حدثني أبو عمار، عن عبد الله بن فروخ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أنا سيد بني آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع. اسم أبي عمار: شداد. أخرجه مسلم (٤). وقال أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداني وينفذهم البصر فذكر حديث الشفاعة بطوله. متفق عليه (٥). وقال ليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس: سمعت النبي ﷺ يقول: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، ولا فخر، وأعطى لواء الحمد، ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة، ولا

стр. 1143

فخر وساق الحديث بطوله في الشفاعة (١). وفي الباب حديث ابن عباس. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي القرآن آيات متعددة في شرف المصطفى ﵇. وعن أبي الجوزاء، عن ابن عباس (٢) قال: ما خلق الله خلقا أحب إليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلا بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣). وفي الصحيح من حديث قتادة، عن أنس قال رسول الله ﷺ : بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، قال: فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر. وقال الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: حوضي كما بين صنعاء وأيلة، وفيه من الأباريق عدد نجوم السماء. وقال يزيد بن أبي حبيب: حدثنا أبو الخير أنه سمع عقبة بن عامر يقول: آخر ما خطبنا رسول الله ﷺ أنه صلى على شهداء أحد، ثم رقي المنبر وقال: إني لكم فرط وأنا شهيد عليكم، وأنا أنظر إلى حوضي الآن، وأنا في مقامي هذا، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أريت أني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، فأخاف عليكم أن تنافسوا فيها. وروى مسلم (٤) من حديث جابر بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : إني فرطكم على الحوض، وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه النجوم. وقال معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، عن النبي

стр. 1144

ﷺ قال: إن الله يدخل من أمتي يوم القيامة سبعين ألفا بغير حساب. فقال رجل: يا رسول الله فما سعة حوضك؟ قال: ما بين عدن وعمان وأوسع وفيه مثعبان من ذهب وفضة، شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، من شرب منه لا يظمأ بعدها أبدا، ولن يسود وجهه أبدا. هذا حديث حسن. وروى ابن ماجه (١) من حديث عطية - وهو ضعيف - عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: لي حوض طوله ما بين الكعبة إلى بيت المقدس أشد بياضا من اللبن، آنيته عدد النجوم، وإني أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة. وقال عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وأشد بياضا من الثلج. وثبت أن ابن عباس قال: الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. رواه سعيد بن جبير، وقال: النهر الذي في الجنة من الخير الكثير. وصح من حديث عائشة، قالت: الكوثر نهر في الجنة أعطيه رسول الله ﷺ ، شاطئه در مجوف. وروي عن عائشة قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليضع إصبعيه في أذنيه. وصح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأول من يشفع. وصح عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : ما من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وكان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. وقال سليمان التيمي، عن سيار، عن أبي أمامة، أن النبي ﷺ قال: إن الله فضلني على الأنبياء - أو قال: أمتي على الأمم - بأربع: أرسلني إلى الناس كافة، وجعل الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا، فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب، يسير بين

стр. 1145

يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي، وأحلت لنا الغنائم. إسناده حسن، وسيار صدوق. أخرجه أحمد في مسنده (١). وقال سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : فضلت على الناس بأربع: بالشجاعة، والسماحة، وكثرة الجماع، وشدة البطش. باب. مرض النبي ﷺ . قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن عمر بن ربيعة، عن عبيد مولى الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: أنبهني رسول الله ﷺ من الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فخرجت معه حتى أتينا البقيع، فرفع يديه فاستغفر لهم طويلا ثم قال: ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، للآخرة شر من الأولى، يا أبا مويهبة إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فقال: والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم انصرف، فلما أصبح ابتدئ بوجعه الذي قبضه الله فيه. رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق (٢)، وعبيد بن جبير مولى الحكم بن أبي العاص. وقال معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل، فاخترت

стр. 1146

التعجيل (١). وقال الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: اجتمع نساء رسول الله ﷺ عند رسول الله ﷺ ، لم تغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فقال: مرحبا بابنتي، فأجلسها عن يمينه أو شماله، فسارها بشيء، فبكت، ثم سارها فضحكت، فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ بالسرار وتبكين! فلما أن قام قلت لها: أخبريني بما سارك، قالت: ما كنت لأفشي سره، فلما توفي قلت لها: أسألك بما لي عليك من الحق لما أخبرتيني، قالت: أما الآن فنعم، سارني فقال: إن جبريل ﵇ كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك، فبكيت، ثم سارني فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة يعني فضحكت. متفق عليه (٢). وروى نحوه عروة، عن عائشة، وفيه أنها ضحكت لأنه أخبرها أنها أول أهله يتبعه. رواه مسلم (٣). وقال عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر] دعا رسول الله ﷺ فاطمة فقال: إنه قد نعيت إلي نفسي، فبكت ثم ضحكت، قالت: أخبرني أنه نعي إليه نفسه، فبكيت، فقال لي: اصبري فإنك أول أهلي لاحقا بي، فضحكت (٤). وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه، فقال رسول الله ﷺ : ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت: واثكلاه والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك، فقال: بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول

стр. 1147

القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون. رواه البخاري هكذا (١). وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري عن عبيد الله، عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وهو يصدع وأنا أشتكي رأسي، فقلت: وارأساه، فقال: بل أنا والله وارأساه، وما عليك لو مت قبلي فوليت أمرك وصليت عليك وواريتك، فقلت: والله إني لأحسب أن لو كان ذلك، لقد خلوت ببعض نسائك في بيتي في آخر النهار فأعرست بها، فضحك رسول الله ﷺ ، ثم تمادى به وجعه، فاستعز (٢) برسول الله ﷺ وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله، فقال العباس: إنا لنرى برسول الله ﷺ ذات الجنب فهلموا فلنلده، فلدوه، وأفاق رسول الله ﷺ فقال: من فعل هذا؟ قالوا: عمك العباس، تخوف أن يكون بك ذات الجنب، فقال رسول الله ﷺ : إنها من الشيطان، وما كان الله تعالى ليسلطه علي، لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمي العباس، فلد أهل البيت كلهم، حتى ميمونة، وإنها لصائمة يومئذ، وذلك بعين رسول الله ﷺ ، ثم استأذن نساءه أن يمرض في بيتي، فخرج ﷺ إلى بيتي، وهو بين العباس وبين رجل آخر، تخط قدماه الأرض إلى بيت عائشة. قال عبيد الله: فحدثت بهذا الحديث ابن عباس فقال: تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمه عائشة؟ قلت: لا، قال: هو علي ﵁ (٣). وقال البخاري (٤): قال يونس، عن ابن شهاب، قال عروة: كانت عائشة تقول: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي توفي فيه: يا عائشة لم أزل أجد ألم الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم. وقال الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله؛

стр. 1148

أن عائشة قالت: لما ثقل النبي ﷺ واشتد به الوجع استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة، فأذن له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه في الأرض، قالت: لما أدخل بيتي اشتد وجعه فقال: أهرقن علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ، ثم طفقنا نصب عليه، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، فخرج إلى الناس فصلى بهم ثم خطبهم. متفق عليه (١). وقال سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، وعبيد بن حنين، عن أبي سعيد قال: خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه، فكان المخير رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال: لا تبك يا أبا بكر، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذته خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. متفق عليه (٢). وقال أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي المعلى، عن أبيه أحد الأنصار، فذكر قريبا من حديث أبي سعيد الذي قبله (٣). وقال جرير بن حازم: سمعت يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي بنفسه وماله من أبي بكر، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر. أخرجه البخاري (٤). وقال زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، حدثني جندب أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يتوفى بخمس يقول: قد كان لي منكم إخوة وأصدقاء وإني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذا

стр. 1149

خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وإن ربي اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإن قوما ممن كانوا قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك. رواه مسلم (١). مؤمل بن إسماعيل، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: لما مرض رسول الله ﷺ مرضه الذي قبض فيه أغمي عليه، فلما أفاق قال: ادعي لي أبا بكر فلأكتب له لا يطمع طامع في أمر أبي بكر ولا يتمنى متمن، ثم قال: يأبى الله ذلك والمؤمنون ثلاثا قالت: فأبى الله إلا أن يكون أبي. قال أبو حاتم الرازي: حدثناه يسرة بن صفوان، عن نافع، عن ابن أبي مليكة مرسلا، وهو أشبه. وقال عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خرج من مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه، فجلس على المنبر، وأوصى بالأنصار، فكان آخر مجلس جلسه. رواه البخاري (٢). ودسماء: سوداء. وقال ابن عيينة: سمعت سليمان يذكر عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، قلت: يا أبا عباس: وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا، قال: فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما شأنه، أهجر! استفهموه، قال: فذهبوا يعيدون عليه، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، قال: وأوصاهم عند موته بثلاث فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها. متفق عليه (٣). وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله ﷺ ، وفي البيت رجال فيهم عمر، فقال النبي ﷺ : أكتب لكم

стр. 1150

كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ ، قال النبي ﷺ : قوموا. فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. متفق عليه (١). وإنما أراد عمر ﵁ التخفيف عن رسول الله ﷺ ، حين رآه شديد الوجع، لعلمه أن الله قد أكمل ديننا، ولو كان ذلك الكتاب واجبا لكتبه النبي ﷺ لهم، ولما أخل به. وقال يونس، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه قال: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت له عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء: فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعاودته مثل مقالتها فقال: أنتن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. أخرجه البخاري (٢). وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل قالت: خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى بنا المغرب، فقرأ بالمرسلات، فما صلى بعدها حتى لقي الله، يعني فما صلى بعدها بالناس. وإسناده حسن. ورواه عقيل، عن الزهري، ولفظه أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات، ثم ما صلى لنا بعدها. البخاري (٣). وقال موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، حدثتني عائشة قالت: ثقل رسول الله ﷺ فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب

стр. 1151

لينوء، فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: ففعلنا، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك، والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء، قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر يصلي بالناس، فأتاه الرسول بذلك، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس. فقال له عمر: أنت أحق بذلك مني، قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، قالت: فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر. فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد. قال عبيد الله: فعرضته على ابن عباس فما أنكر منه حرفا. متفق عليه (١). وكذلك رواه الأسود بن يزيد، وعروة، أن أبا بكر علق صلاته بصلاة النبي ﷺ . وكذلك روى الأرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس. وكذلك روى غيرهم. وأما صلاته خلف أبي بكر فقال شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل عن مسروق، عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعدا. وروى شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر. وروى هشيم، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، واللفظ لهشيم، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ خرج وأبو بكر يصلي بالناس، فجلس إلى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها، فصلى بصلاته. وروى سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد الطويل، عن ثابت، حدثه عن أنس، أن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر في

стр. 1152

ثوب واحد برد، مخالفا بين طرفيه، فلما أراد أن يقوم قال: ادعوا لي أسامة بن زيد، فجاء، فأسند ظهره إلى نحره، فكانت آخر صلاة صلاها. وكذلك رواه سليمان بن بلال بزيادة ثابت البناني فيه. وفي هذا دلالة على أن هذه الصلاة كانت الصبح، فإنها آخر صلاة صلاها، وهي التي دعا أسامة عند فراغه منها، فأوصاه في مسيره بما ذكر أهل المغازي. وهذه الصلاة غير تلك الصلاة التي ائتم فيها أبو بكر به، وتلك كانت صلاة الظهر من يوم السبت أو يوم الأحد. وعلى هذا يجمع بين الأحاديث، وقد استوفاها الحافظ الإمام الحبر أبو بكر البيهقي (١) ﵀. وقال موسى بن عقبة: اشتكى النبي ﷺ في صفر، فوعك أشد الوعك؛ واجتمع إليه نساؤه يمرضنه أياما، وهو في ذلك ينحاز إلى الصلوات حتى غلب، فجاءه المؤذن فآذنه بالصلاة، فنهض، فلم يستطع من الضعف، فقال للمؤذن: اذهب إلى أبي بكر فمره فليصل، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق، وإنه إن قام مقامك بكى، فأمر عمر فليصل بالناس، فقال: مروا أبا بكر، فأعادت عليه، فقال: إنكن صواحب يوسف، فلم يزل أبو بكر يصلي بالناس حتى كان ليلة الاثنين من ربيع الأول، فأقلع عن رسول الله ﷺ الوعك وأصبح مفيقا، فغدا إلى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل وغلام له يدعى نوبا، ورسول الله ﷺ بينهما، وقد سجد الناس مع أبي بكر من صلاة الصبح، وهو قائم في الأخرى، فتخلص رسول الله ﷺ الصفوف يفرجون له، حتى قام إلى جنب أبي بكر فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسول الله ﷺ بثوبه فقدمه في مصلاه فصفا جميعا، ورسول الله ﷺ جالس، وأبو بكر قائم يقرأ، فلما قضى قراءته قام رسول الله ﷺ فركع معه الركعة الآخرة، ثم جلس أبو بكر يتشهد والناس معه، فلما سلم أتم رسول الله ﷺ الركعة الآخرة، ثم انصرف إلى جذع من جذوع المسجد، والمسجد يومئذ سقفه من جريد وخوص، ليس على السقف كبير طين، إذا كان المطر امتلأ المسجد طينا، إنما هو كهيئة العريش، وكان أسامة قد تجهز للغزو (٢).

стр. 1153

باب. حال النبي ﷺ لما احتضر. قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن عائشة، وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. متفق عليه (١). حدثنا أحمد بن إسحاق بمصر، قال: أخبرنا عمر بن كرم ببغداد، قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الثقفي من لفظه سنة سبعين وأربعمائة، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن محمد بن حسين السلمي إملاء، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاث يقول: أحسنوا الظن بالله . هذا حديث صحيح من العوالي. وقال سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس قال: كانت عامة وصية النبي ﷺ حين حضره الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها في صدره، وما يفيض بها لسانه. كذا قال سليمان (٢). وقال همام: حدثنا قتادة، عن أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في مرضه: الله الله الصلاة وما ملكت أيمانكم قالت: فجعل يتكلم به وما يكاد يفيض. وهذا أصح. وقال الليث، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سرجس، عن القاسم، عن عائشة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يموت وعنده قدح فيه ماء، يدخل

стр. 1154

يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على سكرة الموت. وقال سعد بن إبراهيم، عن عروة، عن عائشة قالت: كنا نتحدث أن النبي ﷺ لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة، فلما مرض عرضت له بحة، فسمعته يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [النساء] فظننا أنه كان يخير. متفق عليه (١). وقال نحوه الزهري، عن ابن المسيب وغيره، عن عائشة. وفيه زيادة: قالت عائشة: كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها النبي ﷺ الرفيق الأعلى البخاري (٢). وقال مبارك بن فضالة، عن ثابت عن أنس قال: لما قالت فاطمة ﵍: واكرباه: قال لها رسول الله ﷺ : إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة. وبعضهم يقول: مبارك، عن الحسن، ويرسله. وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ لما ثقل جعل يتغشاه - يعني الكرب- فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال رسول الله ﷺ : لا كرب على أبيك بعد اليوم. أخرجه البخاري (٣). باب وفاته ﷺ . قال أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: توفي رسول الله ﷺ في بيتي ويومي وبين سحري ونحري، وكان جبريل يعوذه بدعاء إذا مرض، فذهبت أدعو به، فرفع بصره إلى السماء وقال: في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جريدة رطبة، فنظر

стр. 1155

إليها، فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فنفضتها ودفعتها إليه، فاستن بها أحسن ما كان مستنا، ثم ذهب يناولنيها، فسقطت من يده، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا. رواه البخاري هكذا (١). لم يسمعه ابن أبي مليكة، من عائشة، لأن عيسى بن يونس قال: عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن ذكوان مولى عائشة أخبره، أن عائشة كانت تقول: إن من نعمة الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت، دخل علي أخي بسواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ إلى صدري، فرأيته ينظر إليه، وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته له، فأمره على فيه، وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح وجهه، ثم يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب إصبعه اليسرى فجعل يقول في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى حتى قبض، ومالت يده. رواه البخاري (٢). وقال حماد بن يزيد، عن ثابت، عن أنس قال: قالت فاطمة: لما مات النبي ﷺ وهي تبكي يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه، قال: وقالت: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول ﷺ التراب؟ البخاري (٣). وقال يونس، عن ابن إسحاق (٤): حدثني يحيى بن عباد، عن أبيه، عن عائشة قالت: مات رسول الله ﷺ وهو بين سحري ونحري، في بيتي وفي يومي، لم أظلم فيه أحدا، فمن سفاهة رأيي وحداثة سني أن رسول الله ﷺ مات في حجري، فأخذت وسادة فوسدتها رأسه ووضعته من حجري، ثم قمت مع النساء أبكي وألتدم. الالتدام: اللطم.

стр. 1156

وقال مرحوم بن عبد العزيز العطار: حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس أنه أتى عائشة، فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا مر بحجرتي ألقى إلي الكلمة تقر بها عيني، فمر ولم يتكلم، فعصبت رأسي ونمت على فراشي، فمر رسول الله ﷺ فقال: ما لك؟ قلت: رأسي، فقال: بل أنا وارأساه، أنا الذي أشتكي رأسي، وذلك حين أخبره جبريل أنه مقبوض، فلبثت أياما، ثم جيء به يحمل في كساء بين أربعة، فأدخل علي، فقال: يا عائشة أرسلي إلى النسوة، فلما جئن قال: إني لا أستطيع أن أختلف بينكن، فأذن لي فأكون في بيت عائشة قلن: نعم، فرأيته يحمر وجهه ويعرق، ولم أكن رأيت ميتا قط، فقال: أقعديني، فأسندته إلي، ووضعت يدي عليه، فقلب رأسه، فرفعت يدي، وظننت أنه يريد أن يصيب من رأسي، فوقعت من فيه نقطة باردة على ترقوتي أو صدري، ثم مال فسقط على الفراش، فسجيته بثوب، ولم أكن رأيت ميتا قط، فأعرف الموت بغيره، فجاء عمر يستأذن، ومعه المغيرة بن شعبة، فأذنت لهما، ومددت الحجاب، فقال عمر: يا عائشة ما لنبي الله؟ قلت: غشي عليه منذ ساعة، فكشف عن وجهه فقال: واغماه، إن هذا لهو الغم، ثم غطاه، ولم يتكلم المغيرة، فلما بلغ عتبة الباب، قال المغيرة: مات رسول الله ﷺ يا عمر، فقال: كذبت، ما مات رسول الله، ولا يموت حتى يأمر بقتال المنافقين، بل أنت تحوسك (١) فتنة. فجاء أبو بكر فقال: ما لرسول الله؟ قلت: غشي عليه، فكشف عن وجهه، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه ثم قال: وانبياه واصفياه واخليلاه، صدق الله ورسوله إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر]. وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون [الأنبياء]، كل نفس ذائقة الموت [آل عمران] ثم غطاه وخرج إلى الناس فقال: أيها الناس، هل مع أحد منكم عهد من رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، وقال: إنك ميت وإنهم ميتون والآيات.

стр. 1157

فقال عمر: أفي كتاب الله هذا يا أبا بكر؟ قال: نعم، قال عمر: هذا أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ في الغار، وثاني اثنين فبايعوه، فحينئذ بايعوه. رواه محمد بن أبي بكر المقدمي عنه. ورواه أحمد في مسنده (١) بطوله عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة، قال: أخبرنا أبو عمران الجوني، فذكره بمعناه. وقال عقيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل علي، فتيمم (٢) رسول الله ﷺ وهو مغشى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه يقبله، ثم بكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. وحدثني (٣) أبو سلمة، عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران] الآية، فكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها (٤). وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ففرقت، أو قال فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض، وعرفت حين تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات. أخرجه البخاري (٥).

стр. 1158

وقال يزيد بن الهاد: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: توفي رسول الله ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي (١)، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا، بعدما رأيت من رسول الله ﷺ . حديث صحيح. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كان أسامة بن زيد قد تجهز للغزو وخرج ثقله (٢) إلى الجرف فأقام تلك الأيام لوجع النبي ﷺ ، وكان قد أمره على جيش عامتهم المهاجرون، وفيهم عمر، وأمره أن يغير على أهل مؤتة، وعلى جانب فلسطين، حيث أصيب أبوه زيد، فجلس رسول الله ﷺ إلى جذع في المسجد، يعني صبيحة الاثنين، واجتمع المسلمون يسلمون عليه ويدعون له بالعافية، فدعا أسامة فقال: اغد على بركة الله والنصر والعافية، قال: بأبي أنت يا رسول الله، قد أصبحت مفيقا، وأرجو أن يكون الله قد شفاك، فأذن لي أن أمكث حتى يشفيك الله فإن أنا خرجت على هذه الحال خرجت في قلبي قرحة من شأنك، وأكره أن أسأل عنك الناس، فسكت رسول الله ﷺ فلم يراجعه، وقام فدخل بيت عائشة، وهو يومها، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة، فقال: قد أصبح رسول الله ﷺ مفيقا، وأرجو أن يكون الله قد شفاه، ثم ركب أبو بكر فلحق بأهله بالسنح، وهنالك امرأته حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري، وانقلبت كل امرأة من نساء النبي ﷺ إلى بيتها، وذلك يوم الاثنين. ولما استقر ﷺ ببيت عائشة وعك أشد الوعك، واجتمع إليه نساؤه، واشتد وجعه، فلم يزل بذلك حتى زاغت الشمس، وزعموا أنه كان يغشى عليه، ثم شخص بصره إلى السماء فيقول: نعم في الرفيق الأعلى، وذكر الحديث، إلى أن قال: فأرسلت عائشة إلى أبي بكر، وأرسلت حفصة إلى عمر، وأرسلت فاطمة إلى علي، فلم يجتمعوا حتى توفي رسول الله ﷺ على صدر عائشة، وفي يومها يوم الاثنين، وجزع الناس، وظن عامتهم أنه غير ميت، منهم من يقول: كيف يكون شهيدا علينا ونحن شهداء على الناس، فيموت، ولم يظهر على الناس، ولكنه رفع كما فعل بعيسى بن مريم،

стр. 1159

فأوعدوا من سمعوا يقول: إنه قد مات، ونادوا على الباب لا تدفنوه فإنه حي، وقام عمر يخطب الناس ويوعد بالقتل والقطع، ويقول: إنه لم يمت وتواعد المنافقين، والناس قد ملؤوا المسجد يبكون ويموجون، حتى أقبل أبو بكر من السنح. وقال يونس بن بكير، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، عن أم سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله ﷺ يوم مات، فمر بي جمع آكل وأتوضأ، ما يذهب ريح المسك من يدي (١). وقال ابن عون، عن إبراهيم بن يزيد هو التيمي عن الأسود قال: قيل لعائشة: إنهم يقولون: إن النبي ﷺ أوصى إلى علي، وقد رأيته دعا بطست ليبول فيها، وأنا مسندته إلى صدري، فانحنث (٢) فمات، ولم أشعر فبم يقول هؤلاء إنه أوصى إلى علي؟ متفق عليه (٣). تاريخ وفاته ﷺ . قال الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي أبو بكر: أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قلت: يوم الاثنين، قال: إني أرجو أن أموت فيه، فمات فيه (٤). وقال ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة]. وتوفي يوم الاثنين. قد خولف في بعضه، فإن عمر ﵁ قال: نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يوم عرفة، يوم جمعة.

стр. 1160

وكذلك قال عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس. وقال موسى بن عقبة: توفي يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال شهر ربيع الأول. وقال سليمان التيمي: توفي رسول الله ﷺ اليوم العاشر من مرضه، وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. رواه معتمر، عن أبيه (١). وقال الواقدي (٢): حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس قال: اشتكى النبي ﷺ ثلاثة عشر يوما وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وذكر الطبري (٣)، عن ابن الكلبي، وأبي مخنف وفاته في ثاني ربيع الأول. وقال محمد بن إسحاق (٤): توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، في اليوم الذي قدم المدينة مهاجرا، فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل. وقال الواقدي (٥)، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده قال: اشتكى رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول. ويروى نحو هذا في وفاته، عن عائشة، وابن عباس إن صح، وعليه اعتمد سعيد بن عفير، ومحمد بن سعد الكاتب (٦)، وغيرهما. أخبرنا الخضر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: أخبرنا أبو محمد بن البن، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا علي بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا علي بن أبي العقب، قال: أخبرنا
следующие страницы →