Полный текст (15 404 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ووجدناه بعد ذلك يعنى دائمًا بأخبار الجهاد في سبيلِ الله سواء أكان ذلك بالفتح أم برد المعتدين عن ديار الإسلام، فأورد من أخبار الجهاد الكثير وفصَّل فيه بما سمح له منهجه، فذكر من أخبار فتوحات الأمويين شيئًا كثيرًا بالنسبة لما تضمنه كتابه من حوادث هذه الفترة، كما عُني بذكر العلاقات الإسلامية البيزنطية على مدى التاريخ وأولاها اهتمامًا واضحًا (١)، ولعل من أبرز ذلك ذكره لتفاصيل الحروب التي خاضها الحمدانيون مع البيزنطيين (٢). كما اهتم اهتمامًا كبيرًا بذكر المعارك العديدة التي خاضها المسلمون ضد الصليبيين على - مدى عصور التاريخ الإسلامي (٣)، وعني بظهور المغول وتحركاتهم وأخبارهم واستيلائهم على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، واهتم بذكر علاقاتهم بالشام ومصر (٤). ويظهر تقدير الذهبي لمثل هذه الأحداث في مدحه لأولئك الذين جاهدوا في سبيل الله وتحمسه الشديد عند ذكرهم، بل تفصيله في أفضالهم في هذا المجال بالرغم من ذكره الظلم الذي مارسوه نحو قوله في عهد الوليد بن عبد الملك: "وفتح الله على
_________
(١) انظر مثلًا: ٨/ ٧ و ٨ - ١٠ و ١٣ - ١٤ (من طبعتنا).
(٢) نقل الذهبي كثيرًا من التفاصيل عن العلاقات البيزنطية الحمدانية من تاريخ ثابت بن سنان وغيره من المصادر المعروفة. ولكن الذي يبدو أكثر أهمية نقله الكثير من التاريخ الذي ذَيَّلَ به علي بن محمد الشمشاطي العدوي على تاريخ الطبري وأوصله إلى زمانه (انظر بصفة خاصة ٨/ ٧ - ١٠) وكان الشمشاطي على صلة وثيقة بالأسرة الحمدانية؛ إذ عمل مؤدبًا ونديمًا لهم فكان مُطَّلعًا على أخبارهم عارفًا باتصالاتهم. ومع أننا لم نقف على تاريخ وفاته إلا أن ابن النديم كان على صلة به وذكر أنه كان حيًا في عصره سنة ٣٧٧ هـ (الفهرست ص ٢٢٠) وانظر ترجمته وأخباره عند النجاشي: الرجال، ص ١٨٦، وياقوت: معجم الأدباء ٤/ ١٩٠٧ - ١٩٠٩، ومعجم البلدان ج ٣ ص ٣٢٠، وبروكلمان: الملحق، ج ١ ص ٢٥١ (بالألمانية) والزركلي: الأعلام، ج ٥ ص ١٤٣، وج ١٠ ص ١٥٤ وانظر أيضًا تعليق أمدروز على تجارب الأمم لمسكوية، ج ص ١٩٤ - ١٩٦، والسامر: الدولة الحمدانية، ج ٢ ص ١٨٢.
(٣) انظر مثلًا الورقة ٢ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠) والورقة ٢١٨، ٢٢٥، ٢٣٣، ٢٣٦، ٢٤٥، ٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٤ - ٢٣٧، ٢٤٢، ٢٥٥، ٢٦١، ٢٦٤ - ٢٦٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٣٩ - ٢٤٤، ٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٢٧، ٢٣٣، ٢٥٢ - ٢٥٤، ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقلما تخلو الحوادث المذكورة في المجلدين الأخيرين من تاريخ الإسلام (أيا صوفيا ٣٠١٣، ٣٠١٤) المتضمنة لحوادث ٦٥١ - ٧٠٠ من ذكر للمغول وعلاقاتهم بمصر والشام.
стр. 107
الإسلام فتوحًا عظيمة في دولة الوليد وعاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر ﵁" (١)، وقوله في ترجمته: "وكان الوليد جبارًا ظالمًا لكنه أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة كما ذكرنا" (٢)، وقوله في ترجمة الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦ هـ: "ولما سارت الجيوش المنصورة من مصر لحرب التتار كان هو طليعة الإسلام … وكان غازيًا مجاهدًا مرابطًا خليقًا للملك لولا ما كان فيه من الظلم، والله يرحمه ويغفر له ويسامحه؛ فإن له أيامًا بيضاء في الإسلام ومواقف مشهودة وفتوحات معدودة" (٣). وتحمَّس الذهبي للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي ﵁ وطوَّل في حروبه للصليبيين بحيث وضع عنوانًا في أثناء حوادث سنة ٥٨٣ هـ أطلق فيه على هذه السنة "سنة الفتوحات" وفصّل فيها على غير عادته إلى درجة استغراق هذا العنوان قرابة الثماني ورقات كبيرة (٤) وقال معلقًا على فتح بيت المقدس: "فالحمد لله على هذه النعم التي لا تحصى" (٥)، وقال في موضع آخر: "فرزقنا الله شكر هذه النعم ورحم صلاح الدين وأسكنه الجنة" (٦)، وقال عن حصار عكا بعد ذلك: "وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل … ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين" (٧). ثم نتحسس تحمسه من الألفاظ التي يطلقها على أعداء الإسلام نحو قوله: "وتتابعت الأمداد من رومية الكبرى التي هي دار الطاغية الأعظم المعروف بالبابا لعنه الله" (٨)، وقوله في أحدهم: "طاغية الروم … وكان هذا الكلب" (٩)، و"ملك الفرنج لا ﵀" وقد صب اللعنة عليهم وأساء القول فيهم كلما ورد ذكر واحد منهم (١٠).
_________
(١) تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٢٤ (من طبعتنا).
(٢) ٢/ ١١٨٥ (من طبعتنا).
(٣) الورقة ٣٤ - ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) ١٢/ ٦٧٣ - ٦٨٢ (من طبعتنا).
(٥) ١٢/ ٦٧٩.
(٦) ١٢/ ٦٨١.
(٧) ١٢/ ٦٩٨، وانظر تقويمه لجهاد بعض الأمراء والملوك الورقة ٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٨) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٩) الورقة ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(١٠) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٣٦.
стр. 108
ثم وجدنا الذهبي المسلم المتمسك بدينه يُعنى بذكر أخبار الحركات التي كان الهدف منها، في رأيه، تدمير الإسلام الحق مثل البابكية، والزنج، والقرامطة وأمثالهم، يظهر لنا ذلك مما خصص لهم من أخبار في تاريخه ومن تحمسه عليهم فهو دائم اللعن لصاحب الزنج ويسميه "الخبيث" (١). وقد اعتبر الذين قتلهم بابك الخرمي في حروبه شهداء في سبيل الله (٢)، وقال عن أبي طاهر القرمطي: "وقد كان هذا الملعون بلاء عظيمًا على الإسلام وأهله" (٣).
وتناول الذهبي السني أخبار الدولة المسماة الفاطمية بشيء من التفصيل، باعتبارها من أكبر الأخطار التي جابهت أهل السنة، فهم عنده باطنية (٤)، أدعياء نسب إلى آل البيت (٥)، ولذلك أطلق عليهم "بني عبيد" أو "العبيديين" أو "الرافضة" ونحوها، وقد قال في عبيد الله المهدي مؤسس دولتهم: "ويا حبذا لو كان رافضيًا وبس (٦) ولكنه زنديق" (٧)، وذكر في غير موضع من كتابه كيف كانوا يقتلون أهل السنة بعد تعذيبهم ليردوهم عن الترضي عن الصحابة (٨). وقد اعتنى الذهبي في أثناء تناول حوادث السنين بإجمال حال السنة وأهلها لما لذلك من أهمية عنده، نحو ذكره في آخر حوادث سنة ٣٦٣ هـ قطع الخطبة في مكة والمدينة وإقامتها للمعز العبيدي "في الحجاز ومصر والشام والمغرب، وكان الرفض قائمًا في هذه الأقاليم وفي العراق (٩) والسُّنة خاملة مغمورة لكنها ظاهرة بخراسان وأصبهان فالأمر لله تعالى" (١٠). ثم قوله في سنة ٣٦٤ هـ: "وفي هذه السنين وبعدها كان الرفض يغلي ويفور بمصر والشام والغرب والشرق
_________
(١) انظر مثلًا: ٦/ ١٦ (من طبعتنا).
(٢) تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٤١٥.
(٣) ٧/ ٦٢٩.
(٤) ٨/ ١٨٥.
(٥) تكلم الذهبي في نسب الفاطميين في غير موضع من كتابه وكان يرى بطلانه، انظر مثلًا الورقة ١٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) كلمة فصيحة بمعنى "حسب" كما في معاجيم اللغة.
(٧) ٧/ ٤٦١.
(٨) المصدر نفسه.
(٩) يعني بسبب استيلاء البويهيين على العراق.
(١٠) ٨/ ١٨٣.
стр. 109
لاسيما بالعبيدية الباطنية قاتلهم الله" (١) ثم أورد أخبارًا عن ذلك (٢)، وقوله في حوادث سنة ٣٧٢ هـ: "وفي هذا الزمان كانت الأهواء والبدع فاشية بمثل بغداد ومصر من الرفض والاعتزال والضلال فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٣). ويتضح لنا من كل هذه الأمثلة أن عقيدته السُّنية هي التي دفعته إلى التركيز على مثل هذه الحوادث.
وقد عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي وعصره ما شهدته دمشق على عهده من صراع عقائدي حاد أثر إلى حد كبير في تكوينه الفكري، لذلك وجدناه، انطلاقًا من بيئته وتكوينه الفكري، يُعنى بذكر النزاعات العقائدية على مدى التاريخ حيث أولاها عناية خاصة (٤)، وأورد أخبار الفتن التي قامت بسببها (٥). ولعل من أوضح الأمثلة التي تؤيد هذه المقالة، الكمية التي خصصحها من الحوادث لذكر مواقف الخلفاء العباسيين من محنة القول بخلق القرآن ابتداء بالمأمون وانتهاء بالمتوكل الذي رفع القول بخلق القرآن. وحسبنا أن نذكر أنه في الوقت الذي كانت الحوادث في هذه السنوات لا تستغرق في العادة أكثر من نصف ورقة فإنه كتب عن امتحان المأمون للعلماء في حوادث سنة ٢١٨ هـ قرابة الست أوراق متتالية (٦)، ولعل هذا كان من الأسباب الرئيسة التي جعلت العقائد تكون عنصرًا بارزًا من عناصر الترجمة كما سيأتي بيانه.
وعني الذهبي بإبراز أعمال الخلفاء والملوك والأمراء المتصلة بنشر الدين والعناية به، وإبطال الفساد (٧). وبناء المساجد والجوامع (٨) وتجديدها (٩).
_________
(١) ٨/ ١٨٥.
(٢) ٨/ ١٨٥ - ١٨٦.
(٣) ٨/ ٣٤٧ وأورد حكاية لأحد المغاربة القادمين من بغداد تبين كيف كان أهل الكلام من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس يتناقشون من غير اعتماد على كتاب الله تعالى.
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٢٠، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٨، ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤) وغيرها.
(٥) ٨/ ٧٠٥ - ٥٠٨ و ٩/ ١٨.
(٦) الورقة ٨٨ - ٩٣ (أيا صوفيا ٧ ٣٠٠).
(٧) مثلًا الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) مثلًا الورقة ٢٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٣٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٩) مثلًا الورقة ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
стр. 110
وإبراز الأعمال التي ساروا فيها بموجب الشريعة الإسلامية أو خالفوها مثل فرض المكوس أو إبطالها (١). كما عني بذكر الولايات الدينية كالقضاء وتعيين القضاة وعزلهم، وإثبات الشهود وعزلهم، وأمراء الحاج (٢).
واهتم بالأمور المتعلقة بمصالح المسلمين الدينية فاعتنى مثلًا بذكر مواسم الحج وما يجري للحجاج في المواسم أو في الطريق من نهب وسلب ونحوهما (٣)، واعتنى بمصالحهم الدنيوية وما يصيب الأمة من أوبئة وسنين مجدبة، ومجاعات، وفيضانات، وعواصف مدمرة، وارتفاع في أسعار الأطعمة أو انخفاض فيها، وقد قدم أمثلة لذلك (٤).
ولما كان الذهبي من المهتمين بالعلم ونشره فقد اعتنى بذكر إنشاء دور العلم مثل المدارس، ودور الحديث، وخزائن الكتب، وتعيين المدرسين وعزلهم. ويظهر ذلك أكثر وضوحًا في القسم الأخير من كتابه حيث احتلت مثل هذه الأمور حيزًا ليس بالقليل من مادة الحوادث فصرنا لا نجد حوادث سنة من السنوات خالية من مثل هذه الأمور مما يدل على شدة اهتمامه بها وعنايته بذكرها (٥).
واهتم بإيراد كثير من الوثائق والمكاتبات بنصوصها، وهي ظاهرة واضحة في كتابه. وتشتمل هذه الوثائق على ما صدر من علماء الأمة من المحاضر المتعلقة بالعقائد، والتوقيعات التي أصدرها الخلفاء والملوك. على أنه ركز اهتمامه على الكتب التي كان ملوك الدول الإسلامية يبعثون بها إلى الخلافة العباسية يصفون بها فتوحاتهم وحروبهم وردهم لأعداء المسلمين أو أعداء الخلافة (٦).
_________
(١) مثلًا الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠.
(٣) مثلًا الورقة ٢٣٠ و ٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٤٧، ٢٥٥، ٢٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠.
(٥) ينظر المصدر نفسه ٣٤١.
(٦) ينظر المصدر نفسه.
стр. 111
ولما كان الذهبي يولي التراجم عنايته الفائقة أصلًا، فإنه لم يخلص الحوادث منها، فصار يذكر أسماء وفيات المشهورين ضمن الحوادث باعتبار ذلك حدثًا تاريخيًا مهمًا من الواجب ذكره وتعيينه، بل إننا نجد حوادث بعض السنين ما هي إلا مختصر لوفيات كبار المترجمين، لاسيما في الفترة الواقعة بين سنتي ٤١ - ٣٥٥ هـ، وهي الفترة التي نظم التراجم فيها على حروف المعجم ضمن كل عشر سنوات، فأصبح محتاجًا لتقديم وفيات الأعلام ضمن حوادث السنة.
إن مراكز القوى في الدولة الإسلامية هي التي حددت في كثير من الأحيان كمية المعلومات التي يقدمها الذهبي عن بلد ما من البلدان الإسلامية بالرغم من أنه أراد لكتابه الشمولَ المكاني باعتباره تاريخًا للإسلام أجمع. ولذلك وجدنا الحوادث المذكورة في كتابه تدور على عهد الأمويين في نطاق الشام والعراق بينما ازداد اهتمامه بالعراق حينما أصبح مركزًا للخلافة العباسية حتى كادت الحوادث تقتصر عليه في كثير من الأحيان. وفي بعض سني القرن الرابع الهجري نجد الذهبي يركز على أخبار الحمدانيين بحلب بسبب حروبهم المشهورة التي شنوها على البيزنطيين، ثم يعود إلى العناية التامة بأخبار العراق والعباسيين ويستمر في ذلك حتى منتصف القرن السادس الهجري تقريبًا بحيث يكاد كتابه يقتصر عليهم في كثير من حوادث السنين (١)، إلا أنه يتحول بُعيد هذا التاريخ فيعنى بأخبار الزنكيين في الجزيرة وبلاد الشام ومن بعدهم بالأيوبيين ولا سيما في عهد صلاح الدين بسبب نظرته إلى أهمية الأحداث التي قاموا بها في رد المعتدين عن ديار الإسلام فتشعر في بعض السنوات وكأنه دَوَّن تاريخه لهم وقَلَّ اهتمامه بأخبار الخلافة العباسية نسبيًا. وتوجه الذهبي بعد سقوط بغداد بيد هولاكو سنة ٦٥٦ هـ إلى العناية التامة بتوريخ حوادث بلاد الشام ومصر حيث احتلت الحيز الأعظم من الحوادث، بل ظلت أخبارها في تزايد مستمر سنة بعد أخرى حتى كادت تقتصر عليها في الربع الأخير من القرن السابع الهجري فصار "تاريخ الإسلام" في هذه الفترة أقرب شبها بالتواريخ المحلية.
_________
(١) انظر مثلًا الورقة ٢ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
стр. 112
ومع أن الذهبي اعتمد بعض الموارد أكثر من غيرها في بعض الأحيان إلا أننا وجدناه لا يتابع موردًا معينًا في اختيار الأحداث والتركيز على المهم منها. وقد استطعنا أن نميز له منهجًا خاصًّا في هذا الباب يقوم على تقدير المهم وذكره، وإسقاط غير المهم وإهماله، مستندًا إلى مفهومه التاريخي للأحداث الذي شرحناه قبل قليل. وقد تبين لنا أن الذهبي استطاع، في أكثر الأحايين، أن يوجه الأحداث في تاريخه الوجهة النوعية والمكانية التي اختارها، بفضل قدرته الفائقة على تنويع موارده بين عصر وآخر، وعدم التزامه بخط مؤرخ معين من المؤرخين الذين سبقوه (١).
وعلى الرغم من أن الذهبي قد اختار "المهم" من الأحداث التي شهدها العالم الإسلامي وأعطاها الأولوية في كتابه، فإنه لم يتخلص من طريقة كتّاب الحوليات المسلمين الذين سبقوه، فاهتم بذكر بعض الأخبار القصيرة العجيبة التي لا ترتبط ببعضها إلا بوقوعها في السنة التي يتناول أحداثها، وغالبًا ما تأتي هذه النتف في آخر حوادث السنة مثل الظواهر الطبيعية كالزلازل (٢)، وكسوف الشمس (٣)، وخسوف القمر (٤)، والبرد الشديد (٥). كما عني بالحوادث الغريبة مثل تحول امرأة إلى رجل (٦)، وولادة طفل برأسين وأربعة أرجل (٧)، وقدوم رجل طوله ثلاثة أشبار وثلاث أصابع إلى دار الخلافة (٨)، ونحوها.
_________
(١) انظر أدناه كلامنا على الموارد.
(٢) انظر مثلًا الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) والورقة ٥، ٩٢، ٩٣، ٢١٥، والورقة ٩ (أيا صوفيا ٣٠١٠)، والورقة ٢٢٢ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) انظر مثلًا الورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٥) الورقة ٣٢١ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٦) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٧) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٨) الورقة ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
стр. 113
طبيعة التراجم وأسس انتقائها:
لقد اتضح لنا من دراستنا لكتاب "تاريخ الإسلام" أن الذهبي اتبع منهجًا واضحًا عند ذكر التراجم فيه مراعيًا أسسًا معينة أبرزها ما يأتي:
١ - الشُّهرة والعَلَمِيَّة:
ذكر المشهورين والأعلام (١)، ولم يذكر المغمورين والمجهولين، بعرف أهل الفن في كل عصر لا بعرفنا نحن، إذ لا ريب في أن هناك آلافًا من التراجم التي ذكرها لم يسمع بها كثير من المتخصصين في عصرنا. على أن الذهبي كان عارفًا بجميع مَنْ ذكرهم في تاريخه مطلعًا على سيرهم ورواياتهم وشيوخهم وأوقاتهم سوى حالات نادرة جدًّا ذكر فيها أشخاصًا عرفهم علماء سبقوه ولم يعرفهم هو فأشار إلى هذا الأمر نحو قوله في ترجمة أبي عبس خالد بن غسان السلمي: "ورّخه ابن منده. لا أعرفه" (٢). وهذا الذي ذكرته عن "الشهرة والعلمية" هو الذي يفسر عنوان الكتاب، فهو كتاب في "المشاهير والأعلام".
على أن مفهوم الشهرة يختلف عند مؤلف وآخر استنادًا إلى عمق ثقافته ونظرته إلى البراعة في علم من العلوم أو فن من الفنون أو عمل من الأعمال أو أي شيء آخر، لذلك وجدنا تباينًا كبيرًا بين عدد المشهورين المذكورين في السنة الواحدة عند كُتَّاب الحوليات، ففي الوقت الذي اقتصرت فيه كثير من الكتب على إيراد ٥ - ١٥ ترجمة في السنة الواحدة مثل "المنتظم" لابن الجوزي "ت ٥٩٧ هـ" و"مرآة الزمان" لسبطه "ت ٦٥٤ هـ" و "الذيل على مرآة الزمان" لقطب الدين اليونيني "ت ٧٢٦ هـ" و"البداية" لابن كثير "ت ٧٧٤ هـ" و"عقد الجمان" لبدر الدين العيني "ت ٨٥٥ هـ" أورد الذهبي ستين ترجمة في المعدل
_________
(١) استعمل الذهبي لفظ "الأعلام" لأولئك المشهورين جدًّا، وفي الأغلب ترجم لهم تراجم حافلة وأشار بعد اسم المترجم ونسبه بأنه "أحد الأعلام" انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٤.
(٢) ٧/ ٣٥.
стр. 114
تقريبًا، وزاد عددها في بعض السنين على المئة (١).
٢ - الشمول النوعي:
لم يقتصر الذهبيُّ على نوع معين من المشهورين والأعلام، بل تنوعت تراجمه فشملت كل فئات الناس من الخلفاء، والملوك، والأمراء، والسلاطين والوزراء والسياسيين، والنقباء، والقضاة، والمحامين، والشهود العدول، والقراء والمحدثين، والفقهاء، والأدباء، واللغوبين، والنحاة، والشعراء، والأطباء، والصيادلة، والتجار، والزهاد، والصوفية، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين، والفلاسفة، وكل من اشتهر بشيء من الأشياء سواء أكان حسن الظن به أم سيئًا، ثقة أم كذابًا. ولم يكنْ ليمنعه من ذِكْرِ شخصٍ ما أن يكون مختلفًا معه في العقيدة كأن يكون معتزليًا أو رافضيًا أو زنديقًا، أو من غير الملتزمين بالدين كالمغنين والمجان والمُتَهتِّكين، أو أن يكون مختلفًا معه في الدين كأن يكون مشركًا أو يهوديًا أو نصرانيًا، ما داموا في نطاق دولة الإسلام (٢).
ومع أن المؤلف قصد أن يكون تاريخه شاملًا جميع الناس من المشاهير والأعلام، إلا أنه كان يُؤْثِرُ المُحَدِّثينَ على غيرهم، وفي القسم الأخير من كتابه أثر الدماشقة على مَنْ سواهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من المترجمين من أهل العناية بالحديث النبوي الشريف. وهذه ظاهرة طبيعية فيما أرى، لما عرفنا من تربية الذهبي ونشأته الحديثية وحبه لرواية الحديث وشَغَفهِ به ذلك الشغفَ العظيم الذي ملك عليه قلبه فهو من صنفهم واسع المعرفة بهم، ولأن المحدثين من أكثر الفئات التي عنيت بالرواية نظرًا للأهمية البالغة التي يحتلها الحديث النبوي في الحياة الإسلامية (٣) لاسيما في تلك الأعصر التي امتازت
_________
(١) بلغ عدد التراجم في سنة ٦٩٥ هـ مئة وسبع تراجم (١٥/ ٨٠٣ - ٨٣٢) وبلغ عددها في سنة ٦٩٩ هـ مئة وتسعين ترجمة (١٥/ ٨٩٢ - ٩٤٥).
(٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٦.
(٣) انظر عن مكانة الحديث وأهميته في التشريع كتاب مصطفى السباعي: السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي (القاهرة ١٩٦٦)، ومحمد أبو زهو: الحديث والمحدثون، ص ٢٠ فما بعد (القاهرة ١٩٥٨).
. Robson: Hadith in Eney of Islam (New ed.)
وكان الإمام أحمد يفضل الحديث الضعيف ويقدمه على الرأي والقياس (محمد أبو زهرة: ابن حنبل، ص ٢٤٠ فما بعد وخاصة ص ٢٤٣).
стр. 115
عن غيرها بغلبة الطابع الديني عليها.
٣ - الشمول المكاني:
عمل الذهبي على أن يكون كتابه شاملًا لتراجم المشهورين من كافة أنحاء العالم الإسلامي من الأندلس غربًا إلى أقصى المشرق.
إلا أن توافر المصادر عنده عن منطقة معينة أو عدم توافرها في فترة ما من تاريخه هو الذي كان يحدد في كثير من الأحيان كمية المعلومات التي يتناولها في كتابه عنها في عصر معين، وقد قال في مقدمة كتابه: "وأيضًا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها إما لكونها لم يؤرخ علماءَها أحدٌ من الحفاظ، أو جُمعَ لها تاريخٌ ولم يقع إلينا" (١) ولنضرب لذلك مثلًا بغداد، فإن وقوع معظم تواريخها التراجمية الرئيسة إليه جعل معلوماته عنها واسعة جدًّا في الفترة التي تناولتها تلك التواريخ مثل تواريخ الخطيب البغدادي "ت ٤٦٣ هـ"، وابن السمعاني "ت ٥٦٢ هـ"، وابن الدبيثي "ت ٦٣٧ هـ"، وابن القطيعي "ت ٦٣٤ هـ"، وابن النجار "ت ٦٤٣ هـ"، وابن الساعي "ت ٦٧٤ هـ" (٢). فضلًا عَمَّا اطلع عليه من الموارد الأخرى التي تناولت تراجمَ أهلها وإن لم تكن من تواريخها المحلية الخاصة، ومن معاجيم الشيوخ والمشيخات والكتابات المتنوعة الأخرى. ولذلك احتفظت بغداد منذ تأسيسها بحصة الأسد من التراجم التي ذكرها، إلا أننا نلاحظ أن عددهم يأخذ بالتناقص الشديد في النصف الثاني من القرن السابع الهجري حتى لم يعد البَغَادِدة يزيدون عن ٥% في العقد الأخير من الكتاب (٦٩١ - ٧٥٥ هـ) وذلك بسبب افتقاره إلى الموارد التي تعنى بتوريخ البغداديين، فضلًا عن صعوبة وصول المعلومات إليه بسبب ما عرف من القطيعة التي أصابت العلاقات بين العراق والشام في النصف الثاني من القرن السابع الهجري نتيجة النزاع الحاد بين المغول والمماليك وأكثر هذه التراجم اقتبسها من كتابين وقعا له بعد انتهائه من كتابة تاريخه، فألحقها في الحاشية،
_________
(١) تاريخ الإسلام ١/ ١٠.
(٢) لقد اختصر الذهبي ثلاثة من أبرز هذه الكتب وهي تواريخ الخطيب وابن السمعاني وابن النجار (انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٣٣ و ٢٣٩ و ٢٥٤).
стр. 116
وهما: تاريخ ظهير الدين الكازروني المتوفى سنة ٦٩٧ هـ، وكتاب "مجمع الآداب" لكمال الدين عبد الرزاق بن الفوطي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ. ويصح هذا الذي قلناه في عدد تراجم أهل الأقاليم الشرقية من المشرق الإسلامي، فبعد أن كانت تراجمهم تحتل حيزًا كبيرًا من "تاريخ الإسلام" قبل استيلاء المغول على تلك البلاد في الربع الأول من القرن السابع الهجري، نجدها تتناقص بشكل مفاجى بعد سنة ٦١٧ هـ وتكاد تختفي من الكتاب بُعيد هذا التاريخ بسنوات قلائل بسبب انقطاع أخبارهم. ويقال مثل هذا عن الأندلس والمغرب، فمع أنه لم يُفَصِّل فيهم ويستوعبهم مثل أيِّ مؤرخٍ مشرقي لكنه ذكر جملة كبيرة منهم تزيد بكثير عما اعتاد المَشَارقةُ ذكره عنهم بسبب اعتماده على جملة من تواريخ المغرب والأندلس المحلية المعنية بتراجم رجالها مثل تواريخ ابن الفرضي "ت ٤٠٣ هـ"، وابن بشكوال "ت ٥٧٨ هـ"، والأبار "ت ٦٥٨ هـ" وغيرهم، إلا أننا نجد تراجمهم تتناقص أيضًا ولا سيما في النصف الثاني من القرن السابع الهجري بسبب بُعْدِ تلك البلاد وانقطاع أخبارها عن مشرق العالم الإسلامي بحيث قال الذهبيُّ في نهاية الطبقة السادسة والستين (٦٥١ - ٦٦٠ هـ): "وقد انقرض في هذه الطبقة السادسة والستين خلق من العلماء والأعيان ورواة الآثار، منهم طائفة بالأندلس والمغرب لم تبلغنا أخبارهم" (١).
وقال في ترجمة الحميدي من سير أعلام النبلاء (٢): "عملت أنا تاريخ الإسلام، وهو كاف في معناه فيما أحسب، ولم يكن عندي تواريخ كثيرة مما قد سمعت بها بالعراق، وبالمغرب، وبرصد مراغة ففاتني جملة وافرة".
٤ - التوازن الزماني:
سار الذهبيُّ على نَمَطٍ متقارب في ذكر عدد التراجم في السنة الواحدة لكل عصر من العصور، فلم نجد عنده تفضيلًا لعصر على آخر. ومع أنه من الواجب علينا ملاحظة قلة عدد التراجم في السنين الأولى إلا أن هذا لم يكن بسبب
_________
(١) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٢) السير ١٩/ ١٢٥.
стр. 117
تفضيل عصرٍ على آخر، فقد اعتذر الذهبي عنه بقلة الجماعة الإسلامية في صدر الإسلام من جهة (١) وعدم توفر المعلومات الدقيقة من جهة أخرى (٢). ومع كل ذلك فإن عددء المترجَمين في الطبقة الخامسة عشرة (١٤١ - ١٥٠ هـ)، يبلغ ٥١٦ مترجمًا، وفي الطبقة الحادية والثلاثين (٣٠١ - ٣١٠ هـ) بلغ ٦٦٣ مترجمًا في حين كان عدد المذكورين في الطبقة الثالثة والستين (٦٢١ - ٦٣٠ هـ) ٦٣٧ مترجمًا، وهم في الطبقة الثامنة والستين (٦٧١ - ٦٨٠ هـ) ٥٨٥ مترجمًا. أما الارتفاع غير الطبيعي في عدد المترجَمين في بعض الطبقات فإنه يعودُ إلى أسباب أخرى مثل الحروب والأوبئة التي تحدث في فترة ما فتزيدُ من عددِ الوفيات، فقد بلغ عدد المترجمين في الطبقة السبعين (٦٩١ - ٧٥٠ هـ) مثلًا ٨٢٥ مترجمًا بسبب العدد الكبير الذي قُتِلَ من العلماء بدمشق في الحرب الغازانية المشهورة سنة ٦٩٩ هـ. بحيث بلغ عدد المترجمين في هذه السنة وحدها ١٩٠ نفسًا (٣)، بينما كان عدد المذكورين في السنة التي قبلها ٦٥ نفسًا (٤) وعددهم في السنة التي بعدها ٦٧ نفسًا (٥).
٥ - الاختصار:
وجَد الذهبيُّ، بسبب سَعَةِ اطلاعه وتمكنه العظيم في الرجال، مادةً هائلة احتوتها مئات الموارد التي اعتمدها في كتابه، يساعده على ذلك سعة النطاق الزماني لكتابه الذي يمتد من أول تاريخ الإسلام حتى سنة ٧٠٠ هـ، والنطاق المكاني الذي يشمل العالم الإسلامي كله. وقد رأينا قبل قليل كيف استطاع أن يحدد نوعية المترجَمين باختيارِ المشهورين والأعلام منهم، إلا أن المسألة التي تبدو أكثر أهمية هي كمية المعلومات التي يذكرها في الترجمة الواحدة، فقد كان لابد له، وقد تَحصَلَتْ لديه مادةٌ ضخمة، أنْ ينتقي منها ما يتفق وخطته التي اتبعها في عناصر الترجمة (٦)، ومن أجل أن لا يتضخم الكتاب أزيد من
_________
(١) ١/ ٢٠.
(٢) انظر مقدمة الذهبي لتاريخه ١/ ١٠، وينظر أيضًا ٢/ ١٧٩.
(٣) ١٥/ ٨٩٢ - ٩٤٥.
(٤) ١٥/ ٨٦٩ - ٨٩١.
(٥) ١٥/ ٩٤٦ - ٩٦٤.
(٦) انظر أدناه الفصل الخاص عن "عناصر الترجمة".
стр. 118
هذا التضخم الكبير الذي قدّره له. وقد أشار الذهبي إلى ضخامة المعلومات التي وقف عليها في مقدمة كتابه حينما قال: "إذ لو استوعبتُ التراجمَ والوقائع لبلغ الكتاب مئةَ مجلدة بل أكثر، لأن فيه مئة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلدًا" (١).
وعلى هذا فقد حاول جاهدًا أن يقدم ترجمة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه، لا تؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر لديه فتخرج عن خطته في الاختصار العام، فلما شعر مثلًا أن ترجمة عمر بن عبد العزيز قد طالت أنهاها بقوله: "ومناقبه طويلة اكتفينا بهذا" (٢)، واعتذر عن طول ترجمة ابن سينا بقوله: "وقد طالت هذه الترجمة" (٣). وعلى العكس من ذلك فهو يشير إلى عدم توفر مادة كافية لبعض التراجم نحو قوله: "بلغتنا أخباره مختصره" (٤) و"لم تبلغنا أخباره كما ينبغي" (٥). أو يشير إلى تقصير بعض الموارد في ترجمة شخص ما نحو قوله: "ترجمته صغيرة عند الخطيب"، أو "وقد ذكره ابن عساكر مختصرًا" أو "هو في تاريخ ابن النجار أخصر من هذا" (٦).
وقد تمكن الذهبي في الوقت نفسه أن يتخلص من المادة الضخمة التي تَحَصَّلَتْ له عن بعض المترجَمين بإحالة القارئ إلى مصادر أوسع تناولت هذا المترجم بتفصيل أكثر مما ذكره هو نحو قوله في ترجمة عمرو بن العاص: "ولعمرو بن العاص ترجمة طويلة في طبقات ابن سعد في ثمان (٧) عشرة
_________
(١) ١/ ٥ ومن الجدير بالذكر أن الشمس السخاوي نقل من خط الذهبي أنه كان يريد أن يؤلف كتابه "التاريخ الكبير المحيط" وأنه لو عمله لجاء في ست مئة مجلد، ولكنه لم ينهض له. وقد نقل السخاوي محتويات هذا التاريخ وفيه أربعون صنفًا من أصناف المترجمين (الإعلان ص ٥١٨ - ٥٢٢).
(٢) ٣/ ١٣١.
(٣) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٠).
(٤) الورقة ١٩٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) الورقة ١٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٥١ - ٣٥٢.
(٧) هكذا من غير ياء وهو رسم الذهبي لها، وقال الصلاح الصفدي: "الفصيح أن تقول عندي ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مئة درهم لأن الياء هنا ياء المنقوص وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب" (الوافي م ١ ص ١٩).
стр. 119
ورقة" (١)، وقوله في ترجمة ابن خزيمة المحدث المشهور: "وقد استوعب أخباره الحاكم أبو عبد الله في تاريخ نيسابور وفيها أشياء كَيِّسة وأخبار مفيدة" (٢)، وقوله في ترجمة المعافى بن عمران الموصلي الزاهد المعروف: "وله ترجمة في تاريخ يزيد بن محمد الأزدي في بضع وعشرين ورقة" (٣)، وقوله في ترجمة أبي نواس: "ترجمته سبع ورقات في تاريخ بغداد" (٤)، وقوله في ترجمة بلال بن سعد الدمشقي من أهل الطبقة الثانية عشرة: "وترجمته في تاريخ دمشق في نيف وعشرين ورقة" (٥)، ومثل قوله في بعض التراجم: "وقد طول الداني ترجمته وعظمه" (٦) و"وقد أطنب في ذكره وأسهب في أمره أبو سعيد بن يونس" (٧)، و"ذكره القاضي عياض وعظمه" (٨) ونحو ذلك (٩) وقد بلغ الأمر به في بعض الأحيان أنه أحال على كتب اختصت بسيرة أحد المترجمين، نحو قوله في ترجمة أحمد بن حنبل: "وقد جمع مناقب أبي عبد الله غير واحد منهم: أبو بكر البيهقي في مجلد، ومنهم: أبو إسماعيل الأنصاري في مُجَيْلِيد، ومنهم: أبو الفرج بن الجوزي في مجلد" (١٠)، وقوله في أخبار الحلاج من حوادث سنة ٣٠٩ هـ بعد أن ذكر من أخباره ما بلغ قرابة ثماني أوراق (١١): "وأخباره أكثر من هذا في تاريخ الخطيب، وفيما جمع ابن الجوزي من أخباره (١٢) ثم إني أفردتها في جزء" (١٣).
_________
(١) ٢/ ٤٣١.
(٢) ٧/ ٢٤٦. وانظر إحالة أخرى إلى هذا التاريخ في الورقة ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٣) الورقة ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) وهو "طبقات المحدثين".
(٤) الورقة ٣٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٥) ٣/ ٢١٤.
(٦) ٧/ ٨٧٩.
(٧) ٧/ ٧٤٢.
(٨) ٧/ ٦٦٦.
(٩) انظر مثلًا ٢/ ١٢٧، والورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(١٠) ٥/ ١٠٦٨.
(١١) ٧/ ١٦ - ٢٦ (من طبعتنا).
(١٢) أحال الذهبي على كتاب ابن الجوزي هذا أيضًا في ترجمة الحلاج من وفيات سنة ٣٠٩ هـ وسماه هناك: "القاطع لمحال المحاج بحال الحلاج" ٧/ ١٤٣.
(١٣) ٧/ ٢٦، وانظر عن كتاب الذهبي في سيرة الحلاج كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٠٨.
стр. 120
ومع كل هذا فإن سعة التراجم في "تاريخ الإسلام" تتباين الواحدة عن الأخرى، فقد لا تزيد على بضعة أسطر، وقد تبلغ أوراقًا عديدة. وقد انتقده تلميذه تاج الدين السبكي "ت ١٧٧ هـ" على خطته في تطويل التراجم وتقصيرها واعتبر ذلك من باب التعصب والهوى العقائدي، فذكر أن تطويل التراجم وتقصيرها مسألة يغفل عنها الكثيرون، وتكلم على هذه المسألة في عموم المؤرخين فقال: "فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولًا، ثم يأتي إلى من يبغضه فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرًا مما نقل في مَمَادِحِه، ويجيء إلى مَنْ يُحبه فيعكسُ الحالَ فيه، ويظنُّ المسكينُ أنه لم يأتِ بذنب، لأنه ليس يجب عليه تطويل ترجمةِ أحدٍ، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به وخيانة لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حَقِّه من حَمْد وذم" (١). ثم خصص الذهبي فقال: "ولقد وقفت في تاريخ الذهبي ﵀ على ترجمة الشيخ الموفق (٢) ابن قدامة الحنبلي، والشيخ فخر الدين (٣) ابن عساكر، وقد أطال تلك وقصر هذه وأتى بما لا يشك لبيبٌ أنه لم يحمله على ذلك إلا أن هذا أشعري وذاك حنبلي، وسيقفون بين يدي رب العالمين" (٤). وكلام السبكي هذا جزء من نقده الشديد للذهبي الذي سوف نتكلم عليه في موضع آخر إن شاء الله (٥).
وقد ظهر لنا نتيجة دراستنا لهذه الناحية في "تاريخ الإسلام" أن السبكي قد بالغ في نقده بسبب من تعصبه الشديد للأشاعرة، فقد تبين أن الذهبيَّ راعى في أكثر الأحايين، وليس في جميعها قيمةَ الإنسان وشهرته بين أهل علمه أو
_________
(١) السبكي: الطبقات، ج ٢ ص ٢٣ - ٢٤.
(٢) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ وكان من كبار العلماء الزهاد، وهو صاحب التصانيف المشهورة المطبوعة المتداولة ومن أشهرها كتاب "المغني" وقد ترجم له الذهبي في سبع أوراق ٢٠٤ - ٢١٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) علمًا أن الذهبي قد ألف كتابا في سيرته (انظر: الذهبي ومنهجه ٢٠٦).
(٣) هو فخر الدين عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر ابن أخي الحافظ أبي القاسم بن عساكر صاحب التاريخ المشهور، وقد توفي فخر الدين هذا سنة ٦٢٠ هـ أيضًا، وكان من كبار الشافعية بالشام آنذاك، وترجم له الذهبي في ثلاث أوراق تقريبًا ٢١٣ - ٢١١ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) السبكي: الطبقات، ج ٢ ص ٢٤.
(٥) انظر أدناه الفصل الخاص بالنقد.
стр. 121
مكانته بين الذين من بابته سواء أكان متفقًا معه في العقيدة أم مخالفًا، فنراه مثلًا يطول في تراجم الشعراء البارزين مثل المتنبي (١)، وعمارة اليمني (٢)، ومجنون ليلى (٣)، والأرجاني (٤)، وغيرهم. أو كبار النحويين مثل الكسائي (٥). أو كبار الخطاطين مثل ابن مقلة (٦)، وهلم جرًّا.
وكيف يقال: إنَّ التعصبَ هو الذي دفع الذهبيَّ إلى تطويل التراجم وتقصيرها وقد طول في ترجمة الحلاج بحيث بلغ ما ذكره عنه في الحوادث فقط ثماني أوراق (٧)، بله الجزء الذي ألفه في أخباره، وهو الذي يقول في ترجمته: "قتلوه على الكفر والحلول والانسلاخ من الدين … كان كذابًا مُمَوِّهًا مُمَخْرِقًا حلوليًا له كلام حلو يستحوذُ به على نفوس جهال العوام" (٨). وترجم ابن سينا ترجمة طويلة بلغت عشر أوراق بخطه (٩) باعتباره "آية في الذكاء وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول وخالفوا الرسول! " (١٠)، وترجم لأبي العلاء المعري ترجمة حافلة مع أنه أكد زندقته في غير موضع (١١). وقد طوّل الذهبيُّ في كثير من تراجم الأشاعرة البارزين ومدحهم مدحا كبيرًا كلًا حسب مبلغه من العلم الذي برع فيه، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الإمام محي الدين النواوي الشافعي الأشعري (١٢) الذي لم تقلَّ ترجمتُه عن ترجمةِ الموفق ابن قدامة لا في الطول ولا في الثناء، فضلا عن اعتذاره في آخر الترجمة بقوله: "ولا يحتمل كتابنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا
_________
(١) ٨/ ٦٥ - ٧٠.
(٢) ١٢/ ٤١٣ - ٤٢٢.
(٣) ٢/ ٧٠٠ - ٧٠٣.
(٤) الورقة ٣٠٥ - ٣٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٠).
(٥) الورقة ١١٣ - ١١٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٦) ٧/ ٥٥٨ - ٥٦٤.
(٧) ٧/ ١٦ - ٢٦ (من طبعتنا).
(٨) ٧/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٩) الورقة ٢١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١٠) الورقة ٢٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(١١) الورقة ٤٦١ - ٤٧٠ من النسخة السابقة.
(١٢) الورقة ٤٢ - ٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
стр. 122
السيد ﵀ " (١).
ومع أن الذهبيَّ كان عظيم الاهتمام بالمحدثين شديدَ الكَلَفِ بهم، إلا أننا وجدناه يترجم لهم تراجم قصيرة عمومًا إذا قيست بتراجم الشعراء والزهاد والصوفية والمتكلمين إذا استثنينا بعض أعلامهم المشهورين جدًّا مثل البخاري (٢) وأحمد بن حنبل (٣) والزهري (٤) وعبد الله بن المبارك (٥) ونحوهم.
على أن هذا الذي قلته لا يعني أنه لم يتأثر إطلاقًا بعقيدته وآرائه ونظرته إلى العلوم في فهم المترجمين وتطويل تراجمهم أو تقصيرها، فهذا أمرٌ يُجانبُ الطبيعةَ البشرية وهو موجود عند جميع المؤرخين، لكننا نشير إلى محاولاته الجدية في الموازنة وإلى أنه لم يفعل ذلك عن هوىً وتَقَصُّدٍ إنما دفعته بيئته وثقافته في كثير من الأحيان إلى الإعجاب بشخصٍ ما وتقديره، وعليه فإن تطويل الترجمة وتقصيرها يجب أنْ يُنظرَ إليه بمنظار ينفذ خلال المؤلف أولًا من أجل كشف معاييره واتجاهاته الفكرية. وعلى أساسٍ من هذا يجب أن تفهم انتقاداتُ العلماء بعضهم لبعض مثل هذه المسائل، وإلا فإن مآخذ السبكي على الذهبي يمكن تطبيقها على السبكي نفسه ويكفي أن نتذكر تراجمه في طبقات الشافعية لنعلم ذلك.
ونحن على أي حال يجب أنْ نعترفَ بأنَّ التاريخ كان أبدًا ضحية أمزجة المؤرخين المسلمين في الإطناب والإيجاز ونوعية المعلومات التي يهتمون بها ويلتفتون إليها دون غيرها ويدونونها في كتبهم استنادًا إلى أذواقهم ومفاهيمهم. وتفضل بعد كل هذا الذي قلته واسأل متعجبا: كيف ترجم الذهبي لواحد من أعظم الرياضيين هو البوزجاني المتوفى سنة ٣٨٧ هـ في سطرين فقط؟! (٦) ثم سرعان ما يتبدد استعجابك (٧) حينما تعلم أنه لم يدر يومًا من هذه العلوم شيئًا، ولم ينل منها حظًا، بله اعتباره الرياضيات والهندسة والفلك من "الصنائع المظلمة"!! (٨).
_________
(١) الورقة ٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) ٦/ ١٤٠ - ١٦٤.
(٣) وقد تكلم على المحنة في أثنائها فاستغرقت من ترجمته قسمًا كبيرًا (٥/ ١٠٣٦ - ١٠٤٩).
(٤) ٣/ ٤٩٩ - ٥١٨.
(٥) الورقة ٨٩ - ١٠١ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٦) الورقة ١٩٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٧) قال الزمخشري في (ع ج ب) من أساس البلاغة (ص ٦١٤): الاستعجاب: فرط التعجب.
(٨) الورقة ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
стр. 123
الفصل الثالث عناصر الترجمة
توطئة:
تختلف المادة الموجودة في ترجمة ما عن الأخرى حسب طبيعة المُترجَم له وقيمته العلمية أو الأدبية أو مكانته السياسية من جهة وعدد الموارد التي يعتمدها المؤلف ونوعيتها من جهة أخرى. وطبيعي أننا نجد اختلافًا واضحًا في محتويات ترجمة السياسي عن الأديب، واختلافًا بين ترجمة الأديب أو المحدث أو الفقيه أو المتكلم ونحو ذلك. وقد لا نستطيع أن نتبين سوى السمات العامة في الترجمة البالغة القِصَر. على أننا في الوقت نفسه نلاحظ تنظيمًا واضحًا داخل التراجم الحافلة قد يصل حدًا يضع فيه الذهبي عناوين بالخط الغليظ لكل جزء مميز من أجزائها كما هو في ترجمة فخر الدين الرازي (١)، وأبي عمر المقدسي (٢)، وأبي إسحاق المقدسي (٣)، والموفق المقدسي (٤)، وعز الدين بن الأثير (٥)، وأبي زكريا النواوي (٦)، وغيرهم.
على أننا نستطيع أن نميز المنهج العام الذي اختطه الذهبي لنفسه في ذكر محتويات تراجم العلماء والرواة والأدباء ونحوهم بالأمور الآتية:
١ - اسم المترجم ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته.
٢ - مولده أو ما يدل على عمره.
٣ - نشأته ودراسته وأخذه عن الشيوخ.
٤ - إنتاجه وتلامذته.
٥ - مكانته العلمية وعقيدته وآراء العلماء فيه ورأي الذهبي إن وجد.
_________
(١) الورقة ٣٨ - ٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٥١ - ٥٧ من النسخة السابقة.
(٣) الورقة ١٢٢ - ١٢٦ من النسخة السابقة.
(٤) الورقة ٢٠٤ - ٢١٠ من النسخة السابقة.
(٥) الورقة ٩٥ - ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٦) الورقة ٤٢ - ٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
стр. 124
٦ - تحديد تاريخ وفاته.
وقد تتوفر هذه الأمور جميعها في الترجمة الواحدة، وقد توجد طائفة منها، أو لا تتوفر منها إلا القليل حسب طبيعة المترجم له وكمية المعلومات المتوفرة عنه.
١ - الاسم والنسب واللقب والكنية والنسبة:
يبتدئ الذهبيُّ الترجمةَ عادة بذكر اسم المترجم له واسم والده وأجداده وهو قلما يورد أقل من ثلاثة أسماء (١). ثم يذكر بعد ذلك بعض الصفات المادحة أو الدالة على مكانته العلمية نحو: "الشيخ"، و"الفقيه"، و"الحافظ"، و"المسند"، و"العلامة"، و"الرحلة"، و"الشاعر"، و"الأديب"، أو من الألفاظ الدالة على المناصب الدينية والدنيوية الرفيعة نحو: "قاضي القضاة"، و"شيخ الشيوخ"، و"القاضي"، و"أمير المؤمنين"، و"الملك"، و"السلطان"، و"الأمير"، و"الوزير"، و"الحاجب"، و"نقيب النقباء"، ونحوها. كما يستعمل ألفاظًا دالة على أصالة المترجم وبيته العريق مثل: "الشريف" لمن كان من العلويين أو العباسيين، و"الأصيل" لمن هو من بيتٍ عريقٍ في رياسة أو علم. على أن الذهبيَّ غالبًا ما يقتصر في إيراد هذه الصفات على المترجم نفسه ولا يتعداها إلى آبائه كما فعل المنذري في "التكملة" (٢)، فإذا تعداها في حالات قليلة فإنه يقتصر على والد المترجم أو أحد المشهورين من آبائه كأنه يريد أن يزيد في تعريف المترجم عند ذكره ذلك (٣).
_________
(١) وكان يعنى بإصعاد نسب بعض المشهورين من ذوي البيوتات مثل العلويين والعباسيين ونحوهم، انظر مثلًا الورقة ١٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٣٤، ١٥٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، والورقة ٣٦٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، أو بعض كبار العلماء، مثلًا الورقة ١٦٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٣٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٢) قارن كتابنا: المنذري وكتابه: التكملة، ص ٢٤٠.
(٣) نحو قوله: "السلطان الملك المعظم شرف الدين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين"، الورقة ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، ونحو قوله في ترجمة عبد الله بن عبد الغني المقدسي: (الحافظ المحدث جمال الدين أبو موسى ابن الحافظ الأوحد أبي محمد المقدسي" الورقة ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
стр. 125
أما لقب المترجم فيأتي عادة بعد هذه الصفات والألفاظ (١). ويلاحظ أن الذهبي حريص في هذا الموضع من الترجمة على إيراد ما يضاف إلى اللقب، نحو قوله: "عز الدين"، و"ضياء الدين"، و"تاج الدين" ونحوها في حين غالبًا ما يحذفُ مثلَ هذه الإضافة في داخل الترجمة، أو من ألقاب الرواة الذين أخذوا عنه أو المصادر التي ينقل منها فيقول عوضًا عن الألقاب التي ذكرناها "العز"، و"الضياء"، و"التاج". وهذه الطريقة الأخيرة معروفة عند كثير من المؤرخين ومنهم زكي الدين المنذري (٢).
ويذكر المؤلف كنية المترجم بعد ذكر لقبه (٣)، فإذا كان للمترجم أكثر من كنية واحدة ذكرها نحو قوله: "أبو الحسن وأبو محمد" (٤)، ولكنه قلما يذكر كنى الآباء كما فعل ابن الدبيثي وابن النجار في تاريخيهما حيث ذكرا عددًا من كنى الآباء في نهاية الاسم، نحو قول الذهبي: "محمد بن أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم، أبو المعالي الجيلي ثم البغدادي" (٥)، في حين جاءت هذه الترجمة عند ابن الدبيثي بالصورة الآتية: "محمد بن أحمد بن صالح بن شافع بن صالح بن حاتم الجيلي الأصل البغدادي المولد والدار، أبو المعالي بن أبي الفضل بن أبي المعالي" (٦). والذهبي يخالف الزكي المنذري في التكملة الذي كان يذكر الكنى قبل ذكر أي اسم من الآباء فضلًا عن الصفات المادحة نحو قوله في ترجمة ابن شافع المار ذكره: "الشيخ الأجل أبو المعالي محمد ابن الشيخ الأجل أبي الفضل أحمد ابن الشيخ الأجل أبي المعالي صالح ابن الشيخ الأجل أبي محمد شافع بن صالح … " (٧).
_________
(١) ولكن اللقب يأتي في أحيان قليلة جدًّا عند نهاية الترجمة فيذكر أن لقبه كذا، انظر مثلًا: الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٧٧، ١٨٥، ١٨٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٣.
(٣) وفي أحيان قليلة نجد تقديمًا للكنية على اللقب، انظر مثلًا الورقة ٣٥، ٧٥، ٧٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٦) ابن الدبيثي: ذيل تاريخ مدينة السلام، ١/ ١٥٧ بتحقيقنا.
(٧) التكملة، ٣/ الترجمة ٢٢٩٣.
стр. 126
وطريقة المنذري هذه لم تكن لتلائم الذهبي في تنظيمه الذي قام على أساس ترتيب الأسماء ترتيبًا معجميًا لأنها تؤدي إلى الاضطراب في ترتيب الأسماء.
وتأتي بعد ذلك النسبة، حيث يبدأ المؤلف أولًا بذكر نسبة المترجم إلى القبيلة وفروعها إنْ وُجدَتْ ويُسلسلُ ذلك من الأعَمِّ إلى الأخصِّ نحو قوله عن المترجم الذي ينتسب إلى أبي بكر الصديق ﵁: "القرشي التيمي البكري" (١)، لأن قريشًا تتكون من عدة عشائر فهو أعم من أن يكون تيميًا، والتيمي أعم من أن يكون من ولد أبي بكر ﵁ ومثل هذا قوله عن الذي ينتمي إلى الخليفة المأمون: "الهاشمي المأموني" (٢)، وعن الذي ينتسب إلى حاتم الطائي. "الطائي الحاتمي" (٣)، وهكذا نحو قوله: "الحميري الكلاعي" (٤)، و"الأنصاري السعدي العبادي" (٥). ثم يذكر بعد ذلك نسبته إلى المدينة أو البلدة التي ينتسب إليها، وهو يسلسل ذلك من الأعم إلى الأخص أيضًا نحو قوله: "البغدادي الحريمي الطاهري" (٦)، فالبغدادي أعم من أن يكون من أهل الحريم الطاهري المحلة المشهورة ببغداد. ويعنى الذهبي بذكر البلدة التي جاء منها المترجم أو التي كان أحد أجداده ينتسب إليها، ويثني بالتي ولد بها، فالتي نشأ وسكن بها، وينتهي بذكر التي توفي بها حسب ما يتوفر له في الترجمة الواحدة، فإذا ما توفر كل ذلك أو بعضه في ترجمة واحدة ذكره نحو قوله: "الكناني العسقلاني الأصل التنيسي المولد المصري المنشأ" (٧). وتأتي بعد هذه النسبة إلى المذهب نحو: "الشافعي"، و"الحنفي"، و"الحنبلي"، و"المالكي"، و"الزيدي"، و"الظاهري"، فإذا ما غير المترجم مذهبه ذكر له نسبته إلى مذهبه القديم ثم إلى مذهبه الجديد. ويورد بعد ذلك نسبته إلى العلم أو الحرفة أو الصنعة. وإذا ما اشتهر الرجل بأكثر من
_________
(١) الورقة ٣٨، ١٢٣، ١٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ١٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣) الورقة ٢٠٠ من النسخة السابقة.
(٤) الورقة ١٤٧ من النسخة السابقة.
(٥) الورقة ١٤٩ من النسخة السابقة.
(٦) الورقة ١٦١ من النسخة السابقة.
(٧) الورقة ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
стр. 127
علم أو حرفة أو صنعة ذكرها نحو قوله: "الطحان البواب" (١)، و"المقرئ الشاعر" (٢)، و"السمسار الصايغ" (٣). ويُتْبعُ الذهبيُّ نسبةَ المترجَم بما عُرِفَ به من شهرةٍ ويسبق ذلك عادة بكلمة "المعروف"، أو "يعرف" مثل قوله: "أبو الحسن القرشي الأموي النابلسي ثم المصري المالكي العطار المعروف بابن النطاع" (٤) فإذا اشتهر بأكثر من نسبة أو لقب ذكرها أيضًا نحو قوله في ترجمة علي بن عمر بن محمد بن الحسن بن شاذان من وفيات سنة ٣٨٦ هـ: "أبو الحسن الحميري البغدادي الحربي يعرف بالسكري وبالختلي وبالصيرفي وبالكيال" (٥). وهو قلما ترك إنسانًا اشتهر بشيء وعُرِفَ به إلا ذكره، وكتاب شاها على ذلك.
وقد يزيد الذهبيُّ في تعريف المترجم فيذكر بعد الاسم واللقب والكنية والنسبة وما إليها، وظيفةً عُرِفَ واشتهر بها اشتهارًا كبيرًا نحو قوله: "مدرس الطائفة الحنفية بالمستنصرية" (٦)، و"قاضي القضاة بقرطبة" (٧)، و"قاضي بغداد" (٨)، و"قاضي بلخ" (٩)، و"قاضي بلد الخليل" (١٠)، و"خطيب زملكا" (١١)، و"ناظر الإسكندرية" (١٢)، ونحوها. أو يزيد في تعريفه بذكر أحد المشهورين من أقربائه نحو قوله في ترجمة تاج الأمناء ابن عساكر المتوفى سنة ٦١٥ هـ: "ابن أخي الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وأحد الإخوة وأكبرهم ووالد العز النسابة" (١٣). وقوله في ترجمة أبي المظفر ضياء بن صالح الخفاف المتوفى
_________
(١) الورقة ١٤٥ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ٢٠٧ من النسخة السابقة.
(٣) الورقة ٢١١ من النسخة السابقة.
(٤) م ١٨، الورقة ١٤٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ١٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) الورقة ١٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٧) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام، ص ٣٦٤.
(٨) الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).
(٩) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٣٦٥.
(١٠) الورقة ١٣ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(١١) الورقة ١٣٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(١٢) الورقة ١٤٨ من النسخة السابقة.
(١٣) م ١٨، الورقة ٧٤ (أيا صوفيا ٣٠١١)
стр. 128
سنة ٦٥١ هـ: "ابن أخي المفيد المبارك بن كامل" (١). وقوله في ترجمة الفقيه أبي المنصور فتح بن محمد بن علي الدمياطي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ: "والد الزين الكاتب المشهور" (٢)، وغيرها (٣). أو قد يُعَرِّفه بكتابٍ له مشهور جدًّا نحو قوله في ترجمة العلامة مجد الدين أبي السعادات ابن الأثير المتوفى سنة ٦٠٦ هـ: "الكاتب البليغ مصنف جامع الأصول ومصنف غريب الحديث" (٤)، وقوله في ترجمة محمد بن سعد بن محمد الديباجي المروزي المتوفى سنة ٦٠٩ هـ: "مصنف كتاب المحصل في شرح المفصل للزمخشري" (٥)، ونحوها (٦). أو قد يعرفه بكتاب مشهور يرويه، نحو قوله في وفيات سنة ٤٤١ هـ: "محمد بن أحمد بن عيسى بن عبد الله القاضي … البغدادي الفقيه الشافعي راوي معجم الصحابة للبغوي عن ابن بطة العكبري" (٧)، وقوله في وفيات سنة ٣٨٨ هـ: "أبو يعقوب الصيدلاني راوي كتاب الضعفاء لأبي جعفر العقيلي عنه" (٨)، وقوله في وفيات سنة ٣٦٨ هـ: "محمد بن عيسى بن عمروية، أبو أحمد النيسابوري الجلودي راوي صحيح مسلم" (٩)، ونحو ذلك (١٠).
إن هذه العناية الكبيرة بذكر انتسابات المترجم تكون في حقيقتها مادة غنية وجزءًا مهمًا من الترجمة حيث يستطيع مؤلف التراجم أن يقدم معلومات عن نسب المترجم وأصله ومكان مولده ونشأته ووفاته ومذهبه واشتهاره بعلم من العلوم أو فن من الفنون أو أدب أو حرفة أو صنعة بعبارة وجيزة ومن غير حاجة
_________
(١) م ١٨، الورقة ٤ من النسخة السابقة.
(٢) م ١٨، الورقة ٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٧٧، ٨١، ٩٣، ٩٥، ١٠٠، ١٠٥، ١٢٢، ١٤٣، ١٥٧، ١٦٨ (من النسخة السابقة).
(٤) م ١٨، الورقة ٤٢.
(٥) م ١٨، الورقة ٧٢.
(٦) انظر مثلًا: الورقة ١٤٢، ١٥٨، ١٨٦، ١٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٦٨، ١١٩، ١٢٠، ١٥١، ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٧) الورقة ٣٩٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٨) الورقة ٢٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٩) الورقة ٨٩ من النسخة السابقة.
(١٠) انظر مثلًا: الورقة ١١٩، ١٣٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
стр. 129
إلى استحداث جمل لأجل هذه الغاية، بل كان ذكر الاسم وإلحاق هذه الانتسابات به يجعل كل هذه المسائل على غاية من الوضوح. ومن أجل أن يضبط الذهبي ما قد يحدث من تَوَهُّمٍ في بعض الألفاظ التي قد تؤدي إلى أكثر من معنى نراه يشير إلى المراد بذلك اللفظ بصورة مختصرة جدًّا نحو قوله: "العلويُّ الحسينيُّ الزيديُّ النسب" (١). لئلا يتوهم القارئُ أن هذا الرجل قد يكون زيدي المذهب، وقوله مثلًا: "حنش بن عبد الله … السَّبَئِي الصنعاني، صنعاء دمشق لا صنعاء اليمن " (٢).
وفي هذا القسم، أعني القسم الأول من الترجمة، ينص الذهبي فيما إذا كان المترجم ضريرًا فيذكر ذلك إذا وقع له (٣). ولعل تأكيد العلماء على مثل هذا الأمر متأتٍ من النتائج العلمية المترتبة عليه، فالضرير مثلًا لا يستطيع القراءة أو كتابة الإجازة، بل تُكتبُ عنه (٤). كما أن أصوله يجب أن يضبطها له أصحابه، قال الذهبي في ترجمة علي بن محمد أبي الحسن القابسي المتوفى سنة ٤٠٣ هـ: "وكان حافظًا للحديث وعلله ورجاله فقيهًا أصوليًا متكلمًا مصنفًا صالحًا متقنًا. وكان أعمى لا يرى شيئًا وهو مع ذلك من أصَحِّ الناس كتبًا وأجودهم تقييدًا يضبطُ كُتُبه ثقاتُ أصحابه، والذي ضبط له صحيح البخاري رفيقه أبو محمد الأصيلي" (٥).
كما أنه عني بذكر كون المترجم من "المعدّلين" فيذكر ذلك بلفظ "المعدل" (٦). ولعل مؤلفي كتب التراجم أعاروا أهمية لمثل هذا الأمر لما له
_________
(١) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٨٦.
(٣) انظر على سبيل المثال لا الحصر: الورقة ٢١، ٣١، ٤٤، ١٠٣، ١٠٥، ١٠٩، ١٤٣، ١٥٤، ١٧٧، ١٨٢ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٤) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٣.
(٥) الورقة ٣٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٦) انظر مثلًا الورقة ٩١، ٩٥، ٩٩، ١٠٠، ١١٨، ١١٩، ١٢٧، ١٣١، ١٣٤، ١٦٨، ١٧٥، ١٨٠، ١٨٩، ١٩٢، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠٣، ٢٤٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٧، ٩، ١٠، ١٧، ٢١، ٢٨، ٤٣، ٥٠، ٥٨، ٦٤، ٧٤، ٩٠، ٩٢، ٩٣، ٩٥، ٩٧ … إلخ (أيا صوفيا ٣٣١١)، وغيرها كثير.
стр. 130
من أثرٍ في توثيق المترجم وقبوله في المناصب الدينية وخاصة القضاء. وكان التعديل يجري عادة بشهادة الشخص عند القاضي وغالبًا ما يكون عند قاضي القضاة ويقبل القاضي شهادته بعد أن يزكيه شخصان من العدول وتكتب بذلك وثيقة تُودعُ بديوان الحكم (١). على أن الذهبيَّ لم يهتم بذكر تاريخ تعديل الشهود، وفيما إذا كان المترجم قد عزل عن الشهادة، ولا يذكر القاضي، أو قاضي القضاة الذي جرى التعديل عنده وكأنه تابع في ذلك زكي الدين المنذري في "التكملة" (٢)، بينما كان ابن الدبيثي وابن النجار وابن الساعي شديدي الاهتمام بذكر هذه الأمور (٣).
٢ - المولد:
أما القسم الثاني من الترجمة فهو ذكر تاريخ مولد المترجم وهو غالبًا ما يأتي بعد اسمه ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته. وقد اعتنى الذهبي بذكر الولادات جهد طاقته فذكرها دائمًا حينما توفرت له لما لذلك من أهمية كبيرة في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه وسماعاته عليهم أو إجازته عنهم. وكان المحدثون يعنون بتتبعْ المواليد ويسألون الشيخ عن مولده قبل السماع منه أو الأخذ عنه فإذا ما وجدوا له رواية قبل هذا التاريخ أو في سن لا تحتمل السماع حكموا بكذبه في هذه الرواية، فقد كان للشيخ أبي محمد عبد اللطيف بن عبد القاهر السهروردي المتوفى سنة ٦١٠ هـ (٤) أخ أكبر منه اسمه عبد الرحيم له مسموعاته عن القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري المتوفى في رجب سنة ٥٣٥ هـ (٥) فحدث به عبد اللطيف هذا بإربل مع أن مولده في رجب
_________
(١) السمناني: روضة القضاة، الورقة ١٧ (نسخة مكتبة البلدية في ميونيخ رقم ٢٦٠ عربي).
(٢) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٤.
(٣) راجع مقدمتنا لتاريخ ابن الدبيثي، ١/ ٣٥، وكتابنا: تاريخ بغداد لابن الدبيثي، منهجه، موارده، أهميته، ص ٥ (بغداد ١٩٧٤).
(٤) انظر: ابن نقطة: التقييد، ص ٣٨١ - ٣٨٢، وإكمال الإكمال ١/ ٤٣ ٢، ابن الدبيثي: تاريخ، الورقة ١٦٢ (باريس ٥٩٢٢)، المنذري: التكملة، ٢/ الترجمة ١٢٩٥، الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والمختصر المحتاج إليه ٣/ ٦٤، ابن الملقن: العقد المذهب، الورقة ١٤٩.
(٥) ويعرف بقاضي المارستان، انظر: ابن الجوزي: المنتظم ١٠/ ٩٢ - ٩٤، ابن الأثير: =
стр. 131
سنة ٥٣٤ هـ وسرعان ما شاع هذا الأمر بين المحدثين، قال ابن نقطة المتوفى سنة ٦٢٩ هـ: "قال لي أبو العباس أحمد بن علي بن عبد الرحمن المقرئ الأندلسي: دخل جماعة من القادسية إلى إربل من طلبة الحديث فقالوا لي: احذر أن تقرأ على الشيخ هذا الجزء فإنه من مسموعات أخيه. فسألته عن مولده فتكاره في ذلك وقال: "ما أدري أيش مقصود أصحاب الحديث يسألون الإنسان عن مولده كأنهم يتهمونه" فذكر مولده، فقلت إنه ليس من سماعاته (١) باعتبار أن سنه لا تحتمل السماع.
ولما كان الاهتمام بذكر المواليد قد جاء نتيجة العناية بالرواية ولقاء المشايخ لذلك لاحظنا شدة اهتمام الذهبي بذكر مواليد المحدثين بصفة خاصة بينما كثيرًا ما أهملها في غيرهم من الملوك والأمراء والمتكلمين ونحوهم.
إن ذكر تاريخ المولد يعتمد بالدرجة الأولى على معرفة المترجم نفسه به لذلك فإن مؤلفي كتب التراجم غالبًا ما يذكرون المولد حسبما يورده صاحب الترجمة عندما يسأله الطلبة عنه. وغالبًا ما تُضبطُ مواليدُ ذوي البيوتات العلمية أكثر من غيرهم، ذلك أن آباءهم أو أقاربهم يهتمون بتقييد تاريخ مولد أبنائهم لأنهم يأملون أن يكونوا من أهل العلم والعناية به.
وكان الذهبيُّ يذكر في بعض الأحيان عمر المترجم إذا لم يذكر تاريخ مولده، وفي هذه الحالة غالبًا ما يأتي ذكر ذلك في نهاية الترجمة وبعد ذكره لتاريخ وفاته نحو قوله مثلًا: "عاش إحدى وتسعين سنة" (٢) ونحو ذلك (٣)، وإذا لم يظفر بتاريخ مولده دلل على قدم مولده، نحو قوله: "قديم المولد" (٤).
_________
= الكامل، ١١/ ٨٠، سبط ابن الجوزي: مرآة، ٨/ ١٧٨ - ١٨٠، الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٣ - ٢٨، والعبر ٤/ ٩٦ - ٩٧، العيني: عقد الجمان، ج ١٦ الورقة ١٢١ - ١٢٢ (مصورة القاهرة ١٥٨٤ تاريخ).
(١) ابن نقطة: التقييد ص ٣٨١ - ٣٨٢ ولذلك تناوله ابن حجر في "لسانه" ٤/ ٥٤.
(٢) الورقة ٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٨٦، ٨٩، ١٣٣، ١٣٩، ١٤٧، ١٦٥، ١٧٢، ١٧٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٣٤، ٣٦، ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١١) وغيرهما كثير.
(٤) الورقة ٦٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
стр. 132
ويقتصر الذهبي في ذكر المولد على ذكر السنة التي ولد فيها في الأغلب الأعم، وقلما يُعَيِّنُ اليومَ والشهر الذي وقعت فيه الولادة إلا في حالات قليلة (١) على عكس ابن الدبيثي والمنذري اللذين اهتما بذكر اليوم والشهر والسنة إذا وقع لهما ذلك (٢). وقد يذكر الذهبي المدينة التي ولد بها تصريحًا (٣)، على أنه كثيرًا ما يذكر ذلك ضمنيًا حينما يشير في الترجمة إلى أنه "بغدادي المولد"، أو "أصبهاني المولد" ونحوهما فيدل على مكان ولادته.
٣ - الدراسة والشيوخ:
وتأتي المعلومات المتصلة بنشأة المترجم ودراساته بعد الولادة في الأغلب الأعم. وأول ما يبدأ الذهبي بذكره عادة هو قراءة القرآن الكريم باعتباره أشرف الكتب وهو الذي يعنى به الطلبة في فترة مبكرة من حياتهم. ويشير في هذا المجال فيما إذا كان المترجم قد قرأ بالقراءات السبع أو العشر أو الشواذ، كما يعنى بإيراد الشيوخ الذين قرأ عليهم هذه القراءات. ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الفقه، إذا كان المترجم من المهتمين به، ولكنه لا يعنى بذكر المذهب الذي تفقه عليه، إلا أنه يذكر الشيوخ الذين تفقه عليهم أو المدرسة التي تَفَقَّه فيها وفي ذلك دلالة على المذهب، لأن التفقه على شيخٍ معين يعني التفقه على مذهب ذلك الشيخ، ومثل ذلك التفقه في المدارس التي غالبًا ما أوقفت على مذهب معين. ويذكر بعد هذا سماع المترجم للحديث وغيره وإجازات العلماء له، ثم العلوم الأخرى التي درسها.
وغالبًا ما يقتصر الذهبي في ذكر شيوخ المترجم على ما اشتهروا به من اسم أو لقب، فيقول مثلًا "ابن الحصين" ويريد به أبا القاسم هبة الله بن محمد
_________
(١) انظر مثلًا: الورقة ٤٨، ٦٦، ٧٦، ١٥٧، ١٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) وفي جميع هذه المواضيع عين الشهر ولم يعين اليوم.
(٢) انظر المنذري: التكملة، مثلًا ٢/ ٢٤٠، ٢٤٣، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩ … إلخ.
وابن الدبيثي: ذيل تاريخ مدينة السلام ١/ ٩٥، ٩٧، ١٠٤، ١٠٧، ١١٣، ١١٦، ١٣١، ١٣٦، ١٤٦، ١٥٠، ١٥٤ … إلخ.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٤٢، ٤٤، ٨٤، ١٠٠، ١١٢، ١١٧، ١٥٧، ١٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
стр. 133
ابن الحصين الشيباني، ويقول "أبو بكر الأنصاري" ويريد به القاضي أبا بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري. ونحو ذلك وهو بهذا يخالف طريقة المنذري الذي اعتنى بذكر أسماء الشيوخ بصورة مفصلة في كتابه التكملة (١). والذهبي عند ذكره لأسماء الشيوخ بهذا الشكل قد افترض معرفةً واطلاعًا عند القارئ بحيث يستطيع أن يميز ويعرف الشيخ من شهرته، وهي طريقة تثير كثيرًا من الإرباك لاسيما للقراء غير المتبحرين في علم الرجال ومعرفتهم والدراية بعصورهم، بينما تمتاز طريقة المنذري، بالرغم من التطويل - الحاصل نتيجة لاتِّباعها، بأنها تُسَهِّلُ معرفةَ هؤلاء الشيوخ في أية ترجمة من التراجم بسهولة ويسر، كما أنها تجعل كل ترجمة قائمة بنفسها من غير حاجة إلى الرجوع إلى غيرها من التراجم.
ويعنى الذهبي بذكر المكان الذي قرأ فيه المُتَرجَمُ على الشيخ أو سمع عليه، ولكنه لا يذكر جميع الشيوخ بل يقتصر على المشهورين منهم والذين أكثر المترجم عنهم، ويتبع ذلك بألفاظ دالة نحو قوله بعد ذكرهم: "وجماعة"، أو "وطائفة"، أو "وغيرهم" ونحو ذلك (٢). كما يعنى بذكر صيغ التحمل لما لذلك من أهمية عند المحدثين نحو قوله: "أحضر"، أو "سمع حضورًا"، أو "سمع بإفادة أبيه"، أو "قرأ"، و "كتب"، و"أجاز له"، و"روى عن"، وما إلى ذلك، فإذا ما شك في شيء منها استعمل عبارة تمريضية للدلالة على تشككه نحو قوله: "وذكروا أنه سمع … "، أو "وقيل إنه سمع"، أو "ويقال إنه قرأ … ".
وفي كثير من التراجم يهتم الذهبي بذكر بعض المسموعات المهمة لا سيما الكتب أو الأجزاء المشهورة أو العالية أو التي انفرد بها شيخ معين مثل الصحيحين والسنن الأربعة والمسانيد المعروفة والأجزاء الحديثية المشهورة التي يزخر بها كتابه (٣).
_________
(١) انظر كتابنا: المنذري، ص ٢٤٨.
(٢) انظر مثلًا: الورقة ٤٤، ٤٦، ٤٨، ٥١، ٥٨، ٦٤، ٦٥، ٦٧، ٧٠، ٧١ .. إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) وهذه المسألة يتفق فيها كثير من كتاب التراجم، أعني عدم استيعاب الشيوخ، والعالم الوحيد الذي حاول ذلك هو أبو الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ حيث اجتهد أن يذكر جميع الشيوخ الأساسيين في كتابه العظيم "تهذيب الكمال".
стр. 134
٤ - الإنتاج والتلاميذ:
حرص الذهبيُّ حرصًا بالغًا في ذكر تحديث المترجم له، وذكرَ بتفصيلٍ وافٍ المشاهيرَ الذين رووا عنه، أعني تلامذته. وهذا القسم من الترجمة هو من اختراع الذهبي في الأغلب الأعم لم ينقله من كتب أخرى لكنه اطلع على رواية هؤلاء الشيوخ عن المترجم فذكرها، وبذلك استطاع أن يحبك التراجم السابقة واللاحقة وينسجها نسجًا دلل على عظيم اطلاعه وقدرته ومعرفته التامة بهذا الفن، ولذلك فإنه غالبًا ما يُصَدِّرُ ذِكْرَهُ للرواة عنه بكلمة "قلتُ" للتدليل على أن هذا القسم من الترجمة لم ينقله عن أحد.
واعتنى الذهبي بذكر ما توفر له من الكتب المشهورة التي ألفها صاحب الترجمة، لكنه لم يعتن بالاستقصاء على نحو ما فعل مثلًا ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" وابن القفطي في "إنباه الرواة" وابن قاضي شهبة في "طبقات اللغويين والنحاة" وغيرهم. ومع ذلك فإنه في حالة عدم ذكرها يشير إلى كثرة تآليف المترجم أو قِلَّتها أو نفاستها بأقوالٍ دالة على ذلك نحو قوله: "وله تصانيف حسنة في فنون" (١)، أو "وبرع في الطب وصنّف فيه كتابًا حافلًا" (٢)، ونحو ذلك (٣). على أنه في الوقت نفسه يعنى بذكر المؤلف الذي يجد فيه براعةً أو غرابةً أو غلطًا نحو قوله في ترجمة إسحاق بن غانم العلثي المتوفى سنة ٦٣٤ هـ: "ورأيت له رسالة في ورقات كتبها إلى ابن الجوزي ينكر عليه خوضه في التأويل وينكر عليه ما يخاطب به الملائكة على طريق الوعظ، فما قصّر وأبان عن فضيلة وورع" (٤)، ونحو قوله في ترجمة أبي بكر الزاهد المتوفى سنة ٦٧٢ هـ: "وله شعر كثير رأيته في ديوان مفرد، وهو شعر طيب يقع على القلب ويحرك الساكن ويثير العزم وإن كان ملحونًا" (٥)، وقوله في ترجمة محمد بن علي بن يوسف بن ميسّر، تاج الدين أبي عبد الله المؤرخ
_________
(١) الورقة ٣٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٧٩ من النسخة السابقة.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، والورقة ١٠٠، ١٠١، ١٩٤، ٢٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٩٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٤) الورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥) الورقة ١٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
стр. 135
المتوفى سنة ٦٧٧ هـ: "وله تاريخ كبير ذيّل به على تاريخ المسبحي، وهبني منه مجلدًا الحافظ قطب الدين (يعني اليونيني) وعلى المجلد بخطه: مختصر من تاريخ تاج الدين محمد بن علي بن أحمد بن ميسر ويعرف بابن جلب" (١). وقال في ترجمة ابن الصابوني المتوفى سنة ٦٨٠ هـ: "صنف مجلدًا مفيدًا سماه إكمال الإكمال ذيّل به على إكمال ابن نقطة فأجاد وأفاد" (٢)، ونحو ذلك كثير في كتابه (٣).
ويعطي الذهبي اهتمامًا لتفرد المترجم عن بعض شيوخه في الرواية سواء أكان هذا التفرد عن شيخ واحد أم عن عدة شيوخ أو كان بكتاب أو جزء واحد أم عدة أجزاء، وسواء أكان بالسماع (٤) أم بالإجازة (٥) نحو قوله في ترجمة أبي اليمن الكندي المتوفى سنة ٦١٣ هـ: "وكان أعلى أهل الأرض إسنادًا في القراءات فإني لا أعلمُ أحدًا من الأمة عاش بعد ما قرأ القراءات ثلاثًا وثمانين سنة غيره، هذا مع أنه قرأ على أسندِ شيوخِ العصر بالعراق ولم يبق أحد ممن قرأ عليه مثل بقائه ولا قريبًا منه، بل آخر من قرأ عليه الكمال ابن فارس وعاش بعده نيفًا وستين سنة" (٦). كما يهتم الذهبي بذكر تفرد بعض تلامذة المترجم عنه سواء أكان ذلك بالسماع (٧) أم بالإجازة (٨).
وفي هذا الموضوع من الترجمة تظهر ذاتية الذهبي في التراجم، فهو يعنى بذكر العلاقة التي تربطه بالمترجَمِ من قراءةٍ أو رواية أو اتصالِ إسنادٍ وما إلى ذلك نحو قوله في ترجمة أحمد بن علي الحصّار المقرئ المعروف المتوفى سنة
_________
(١) الورقة ٥٨ من النسخة السابقة.
(٢) الورقة ٧٧ من النسخة السابقة.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ٨٢، ١٠٥، ١١١، ١٧٠، ٢٥٠، ٢٦١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٥٩، ٤١٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٤) انظر مثلًا: الورقة ١٦٥، ١٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرهما.
(٥) انظر مثلًا: الورقة ١٢، ١٥٣، ٣٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٦) الورقة ١١٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) انظر مثلًا: الورقة ٨٥، ١٤٤، ٢٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٥٠، ٥٣، ٩١، ١٢٧، ١٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
(٨) انظر مثلًا: الورقة ٨٢، ٩٨، ٢٠١، ٢٠٢، ٢١٥، ٢٢٣، ٣٨٠، ٣٨١، ٤١٢، ٤٥٥، ٤٨٥ (أيا صوفيا ٠٩ ٣٠)، والورقة ٤٢، ٤٦، ٥٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٩٤، ٩٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
стр. 136
٦٠٩ هـ: "قلت: قرأت للسبعة على شيخنا برهان الدين الإسكندراني عن قراءته على علم الدين القاسم بن أحمد الأندلسي وقال له: قرأت القراءات، وقرأت "التيسير" على جماعة منهم: أبو جعفر أحمد بن علي ويعرف بالحصّار. وكتب له الحصار بخط يده أنه رواه، يعني "التيسير"، عن أبي عبد الله محمد بن الحسن ابن غلام الفرس، وقال الحصّار … " (١) ونحو ذلك (٢).
إن اهتمام الذهبي وعنايته بذكر شيوخه الذين حدثوه أو أخبروه عن الشيخ المترجم تكوِّن في كثير من الأحيان جزءًا نفيسًا من الترجمة الأصلية التي نسجها الذهبي وصاغها بنفسه، ففي ترجمة سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن المبارك الرّبعي الزبيدي الأصل البغدادي المتوفى سنة ٦٣١ هـ أورد الذهبي مثلًا أسماء واحد وخمسين شيخًا وعشرة شيخات رووا له عنه (٣)، ومثل هذا كثير التكرار في الكتاب (٤) وقد اعتاد أيضًا أن يورد في بعض الأحيان رواية مسندة عن طريق المترجم (٥).
ويذكر الذهبي في الترجمة إذا كان المترجم ممن درّس وفي كثير من الأحيان يعين المدرسة التي دَرَّس بها أو الموضوع الذي دَرَّسه، لكنه لا يذكر، في الأغلب الأعَمِّ ماذا كان يدرس، وإن كان المعروف من ذلك الفقه.
٥ - المنزلة العلمية:
أما منزلة المترجم العلمية فتحددها في الأغلب الأعم آراء الثقات الذين ينقل عنهم الذهبي ويورد عباراتهم في المُتَرجَم جرحًا وتعديلًا، وهي في الأغلب عبارات وجيزة تعطي معاني دقيقة، وهو لَا ينقل في مثل هذا الموضع عن شخص واحد بل يحاول دائمًا أن يقدم آراء عدد كبير منهم. وهذه الآراء
_________
(١) الورقة ٦٧ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) انظر أمثلة أخرى في الورقة ٦٨، ٩٦، ٩٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٣) الورقة ١٠٨ - ١٠٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) انظر مثلًا: الورقة ١٧، ١٨، ٢٠، ٢٢، ٢٨، ٤٠، ٤١، ٤٣، ٤٧، ٥٢، ٩٣، ٩٥، ١٢٣ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١١) أما في القسم الأخير من كتابه فإنه يؤكد دائمًا فيما إذا كان قد سمع من المترجم أو حصل على إجازة منه ونحو ذلك.
(٥) انظر مثلًا: الورقة ٨١، ٩٢، ٩٥، ١١٣، ١١٦، ١٢١ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٩، ٣٧، ١٠١، ١٢٦، ١٦٩، ١٩٠، ٢٠٥ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢، ٨، ٤٥، ٤٧، ٥٠، ٥٤ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
стр. 137
غالبًا ما تكون لتلامذة المترجم في الأغلب الأعم أو بعض رفاقه في بعض الأحيان، ولذلك جاءت المعلومات دقيقة ومتقنة في كثير من الأحيان، ومن هنا وجدنا المؤلف يذكر مثل هذه الآراء بعد ذكر تلامذته أو في أثناء ذكرهم. أما القسم الأخير من الكتاب فغالب هذه الآراء ترجع إلى الذهبي نفسه لاسيما عن شيوخه أو الذين رآهم واتصل بهم وسمع عليهم من معاصريه فكوّن فكرة عنهم وعن مكانتهم ودرجة ثقتهم.
وعني الذهبي بتبيان عقيدة المترجم، وأوْلى هذه الناحية أهمية كبيرة بحيث صارت لا تخلو منها ترجمة من التراجم، ولعل سبب هذه العناية الفائقة يعود إلى أمرين رئيسين: أولهما تأثره بالبيئة الدمشقية التي كانت تغلي وتفور بالنزاع العقائدي الذي أثر تأثيرًا كبيرًا في تكوينه الفكري، وثانيهما أهمية العقيدة في النقد عند المحدثين (١)، فصارت العقيدة بعد كل هذا عنصرًا بارزًا من عناصر الترجمة (٢).
٦ - الوفاة:
وغالبًا ما يورد الذهبي في نهاية الترجمة تحديد تاريخ وفاة المترجم. ولا ريب أن تنظيم الذهبي كتابه على السنين جعله يستعيضُ عن ذِكْرِ السنة ويؤكد ذكر التاريخ الذي توفي فيه المترجم من السنة. وبالنظر لتوفر تواريخ الوفيات لمعظم المترجمين بسبب عناية المتأخرين بها صار الذهبي يستطيع تحديدها في اليوم والشهر في كثير من الأحيان. أما الحالات التي لم يظفر المؤلف فيها بوفاة المترجم فإنه كثيرًا ما يذكره في آخر الطبقة كما مرّ بنا، أو في السنة التي انقطع خبره فيها (٣).
_________
(١) انظر أدناه الفصل الخامس من هذا الباب.
(٢) انظر أمثلة لذلك في الورقة ٢٢٠، ٢٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وراجع أمثلة أخرى عند كلامنا على الفصلين الثاني والخامس من هذا الباب.
(٣) ومما يعزز اهتمام المحدثين بضبط تواريخ الوفيات تأليف كتب كاملة فيها (انظر بحثنا: كتب الوفيات وأهميتها في دراسة التاريخ الإسلامي - مجلة كلية الدراسات الإسلامية، العدد الثاني، بغداد ١٩٦٨) وكان بعض المؤلفين يتركون فراغًا في الإجازات التي يمنحونها أو الكتب التي يؤلفونها أو طباق السماع ليدون فيها فيما بعد وفاة المحدث =
стр. 138
٧ - أمور متفرقة:
وفي نهاية التراجم أيضًا يعنى الذهبي ببيت المترجم إذا كان من عائلة علمية معروفة فيؤكد ذلك بعبارات دالة نحو قوله: "وفي ذريته علماء وأكابر" (١)، أو "وفي أقاربه جماعة رووا الحديث" (٢). ولكنه قليل الإحالة على مَنْ مَرَّ أو من سيأتي منهم نحو قوله: "وقد ذكرنا والده من سنوات" (٣)، و"مات أبوه سنة كذا" (٤)، وقوله: "وللعلم ولدان فاضلان وهما محمد ويوسف رويا الحديث وسيأتيان إن شاء الله" (٥) ونحو ذلك مما لا يشفي الغليل في الإحالة (٦).
وفي أثناء الترجمة يعلق الذهبي على ما قد يحتاج إلى تعليق مثل النسبة (٧)، أو اللقب (٨)، أو ما إليهما عند أول وروده وبعده مباشرة بما يشبه الجملة الاعتراضية ولا يؤخر ذلك إلى نهاية الترجمة كما هو الحال عند الزكي المنذري وابن خلكان وغيرهما نحو قوله: "ويعرف بابن أبي ركب - جمع ركبة - " (٩)، وقوله: " … أبو بكر البقابوسي - وبقابولس من قرى نهر الملك - كان مقرئًا … " (١٠)، وهلم جرًّا.
_________
= بحيث قال في بيتيه المشهورين:
إذا قرأ الحديث عليَّ شخص … وأخلى موضعًا لوفاة مثلي
فما جازى بإحسان لأني … أريد حياته ويريد قتلي
الصفدي: نكت، ص ٢٤٣، والسخاوي: الإعلان، ص ٧٢٣ وغيرهما.
(١) الورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) الورقة ٣٠ من النسخة السابقة. وانظر أمثلة أخرى في الورقة ١٣٠، ١٨٢، ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) وغيرها.
(٣) الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) الورقة ٣٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ٧٦ من النسخة السابقة.
(٦) انظر الورقة ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٦٠، ٣٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٦٤، ٧٤، ٧٦، ١٢٦، ١٢٨، ١٣٩، ١٤٠، ١٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) مثلًا: الورقة ٦١، ٦٦، ٨٤، ٩٥ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ١٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
(٨) مثلًا: الورقة ٤٣، ٤٨، ٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٩) الورقة ٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(١٠) الورقة ٣٤ من النسخة السابقة.
стр. 139
أما تقييد ما قد يشتبه من الأسماء فقد عني الذهبي بضبطه وتقييده، ولكنه اعتمد ضبط القلم في كثير من الأحيان، بل هو الطابع الغالب على تقييده إلا فيما يلبس ويشكل كثيرًا فإنه قيده بالحروف (١)، وهي طريقة انْتُقِدَ عليها حينما ألف كتابه "المشتبه" واعتمد فيه ضبط القلم أيضًا (٢). وقد جاءت معظم تقييداته التي قيدها بالحروف بعد ورود ما يراد ضبطه وليس في آخر الترجمة إلا في حالات قليلة أخّر فيها التقييد بالحروف إلى آخر الترجمة (٣). على أنه يذكر في بعض الأحيان وفي آخر الترجمة ما قد يستفاد مع هذا الاسم أو ذاك من تشابه أو اتفاق نحو قوله في ترجمة فتيان بن أحمد ابن سمنيّة المتوفى سنة ٦١٢ هـ: "وسمنية مستفاد مع سمينة" (٤) يعني قد يشتبه به. أو فيما إذا كان للمترجم سَمِيٌّ من طبقته نحو قوله في ترجمة محمد بن أحمد بن عبدوس الأديب النحوي النيسابوري من وفيات سنة ٣٩٦ هـ: "ومن طبقته أحمد بن محمد بن عبدوس أبو بكر الحافظ النسوي نزيل مرو، روى عنه … ومن طبقتهما أحمد بن محمد بن عبدوس الحاتمي أبو الحسن النيسابوري … " (٥).
ومما تجدر الإشارة إليه أن الذهبي شديد الاهتمام بذكر خط المترجم وجودته، وهو لا يفتأ يشير إلى ذلك كلما وجد ذلك ضروريًا أو تحصلت لديه معلومات عن هذا الأمر نحو قوله: "مليح الخط" (٦)، و"مليح الكتابة" (٧)، و"خطه مليح مغربي في غاية الدقة" (٨)، و"كان الخط الذي يكتبه لا نظير له في
_________
(١) انظر مثلًا: الورقة ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، والورقة ١٨١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٨، ٥٠، ٥٩، ٧٨، ١٠٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٢) انظر مقدمة ابن ناصر الدين لكتابه "توضيح المشتبه" ١/ ١١٧، ومقدمة ابن حجر لكتابه "تبصير المنتبه" ١/ ١.
(٣) مثلًا: الورقة ١٨٢، ٢١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٤٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٦٣، ١٠٢، ١٥٠ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٤) الورقة ١٠٣ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الورقة ٢٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٦) الورقة ٨٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) الورقة ١٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) الورقة ١٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
стр. 140
الإتقان والضبط" (١) ونحو ذلك (٢). كما أنه يشير إلى من كان رديء الخط نحو قوله: "خطه مغلق سقيم" (٣)، و"كان ضعيف الكتابة" (٤). كما عني بأولئك الخطاطين الذين كتبوا الخط المنسوب (٥) نحو قوله في ترجمة الفضل ابن عمر المعروف بابن الرائض المتوفى سنة ٦٠٩ هـ: "وكتب الخط المنسوب على طريقة ابن البواب في غاية الحسن" (٦)، وقوله في أحدهم: إنه كان "مليح الخط إلى الغاية على طريقة المغاربة" (٧)، ونحوها (٨).
إن هذا الذي ذكرناه هو الطابع العام للتراجم، ولا سيما تراجم العلماء والفقهاء والمحدثين وأهل الرواية، وقد تجد في بعض التراجم اختلافًا طفيفًا عما حكيناه من المحتويات والتنظيم. ولا ريب أن طبيعة المترجم هي التي تحدد نوعية الأخبار. فقد عُني الذهبي مثلًا بإيراد أعمال الخلفاء والملوك والأمراء والمتولين في تراجمهم وركز عنايته على ما قاموا به من نشرِ عدلٍ أو بَثِّ ظلم وسفكِ دماء للرعية، وقوّم كل ذلك بنقلة عن المؤرخين الذين سبقوه وأعطى هو رأيه (٩). وقدم نماذج من أقوال المتفلسفين وأرباب المقالات بما ينبى عن حسن عقيدتهم أو سوئها، وفعل مثل هذا في المتصوفة فحاول التمييز بين المتصوفة الملتزمين بالكتاب والسنة وأولئك الذين اتبعوا ما هو ليس من الدين، وقاموا بالأعمال الخارجة عنه وتمسكوا بالترهات التي انتشرت انتشارًا كبيرًا بين متصوفة ذلك العصر. أما الشعراء فقد أورد نماذج غير قليلة من شعرهم مما وصل إليه عن طريق الرواية الشفوية أو أخذه عن المصادر
_________
(١) الورقة ١٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٢) انظر مثلًا: الورقة ٢١٩، ٢٢٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٥٠، ٤٠٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ١٩، ٢١، ٤٧، ٦٣، ٨٢، ١٠٩، ١١٩ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٣) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٣٨١.
(٤) الورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٥) الخط المنسوب: أي الموزون بنسب معينة في أبعاد الحروف حسب القواعد المقررة والأصول المحررة. (من فوائد الخطاط وليد الأعظمي).
(٦) الورقة ٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١).
(٧) الورقة ١٦٣ (أيا صوفيا ٣٠١٣).
(٨) مثلًا: الورقة ١٣٦، ٤٣٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٩) انظر أدناه الفصل الخامس عند كلامنا على التقويم والأحكام.
стр. 141
السابقة (١). وأما الأدباء فقد أورد لهم في بعض الأحيان مقطعات أدبية من مختار نثرهم (٢).
ومن هذا الاختلاف في محتويات التراجم الذي وجدناه - مثلًا - عناية المؤلف بذكر الأوصاف الجسمية للخلفاء والملوك والأمراء (٣) وبعض المتصوفة (٤) مما لا نجده في محتويات تراجم العلماء.
_________
(١) انظر مثلًا: الورقة ٨١، ٩٥، ١٠٥، ١٢٤، ١٢٧، ١٧٠، ١٧٦، ١٨١، ١٨٧، ٢١٢، ٢١٤، ٢٢٤، ٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٧ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٠، ١١، ٦٦، ٧٠، ٩٧، ١٨٧، ١٩٤، ٢١٦، ٢١٧، ٢٣١ … إلخ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٢٧، ٢٨، ٣٣، ٣٦، ٥٦، ٦٦، ٦٩، ٨٠، ٨٢، ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٩٤، ١٠٥، ١٠٧، ١٠٨، ١١١، ١٣٣، ١٤٣، ١٤٤، ١٥٤، ١٦١، ١٦٧، ١٧١، ١٧٦، ١٨٨، ٢٠١، ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٣، ٢٣، ٣٨، ٥٢، ٥٩. ٨٠، ٨١، ٨٤، ٨٩، ٩١، ٩٦، ١٠٠، ١٠٥، ١٢٣، ١٤٧، ١٥٤، ١٥٨، ١٦٧، ١٧٣، ١٧٤، ١٩٤، ١٩٦، ١٩٧، ٢١٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وغيرها.
(٢) مثلًا: الورقة ٢٤٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٩٧، ٢٠٤، ٢٠٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢). وغيرها.
(٣) انظر مثلًا: الورقة ١٨٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٨٢، ١٧٣، ٢١٦ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٢٨، ٣٢٩ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٤) انظر مثلًا: الورقة ٥٧، ١٢٢، ٢٠٥ (أيا صوفيا ٣٠١١) وغيرها.
стр. 142
الفصل الرابع نهج الذهبي في الموارد وطرائق النقل منها
توطئة:
على الرغم من قيامي بجرد الموارد التي اعتمدها الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام" فإن الغاية من ذلك لم تكن دراسة هذه الموارد لذاتها، بل لمحاولة التعرف إلى أنواعها ومدى استيعابه للمؤلفات السابقة، والأسس التي اتخذها للمفاضلة في الاعتماد عليها، والمنهج الذي اتبعه في النقل منها.
وقد أدت عملية الجرد الاستقصائية التي قمت بها لموارد الكتاب إلى تكدس عشرات الآلاف من النقول أعانتني كثيرًا على تفهم نوعية موارده وطبيعتها ومدى استفادته منها. على أن إيراد هذه النقول في مثل هذه الدراسة على الاستقصاء يبدو أمرًا عبثًا يخرج الدراسة عن مسارها المرسوم لها، ولذلك سوف أكتفي دائمًا بإيراد نماذج من الموارد للتدليل على المنهج حسب، وأقتصر على ذكر بعض مواضع النقول من غير استقصاء لها.
أولًا - أنواع الموارد:
اعتمد الذهبي أنواعًا متعددة من الموارد في تأليف كتابه، تتباين في أهميتها ومدى اعتماده عليها، وهذه أبرزها:
١ - المشاهدة والملاحظة:
وأكثر ما نجد ذلك في القسم الأخير من كتابه الذي عاصره وشاهد أحداثه واتصل برجاله، فالسنوات العشر الأخيرة من حوادث الكتاب في الأقل هي من
стр. 143
تأليف الذهبي نتيجة مشاهدته لها والوقوف على أخبارها (١) حيث لم نجد ذكرًا لمصدر فيها، ووجدنا ذاتيته ظاهرة فيها نحو قوله في حوادث سنة ٦٩١ هـ عند كلامه على الكأس الذي نصبه نائب دمشق الشجاعي في مكان البرادة بجامع دمشق ووصفه له: "ثم أجرى فيه الماء … وشربنا منه" (٢)، وقوله في حوادث سنة ٦٩٤ هـ: "وفي شوال كملت عمارة الحمام الكبير والمسجد والسوق … وكان يعرف ببستان الوزير ورأيته مبقلة (٣) كبيرة" (٤)، وقوله في الجفاف الذي كان بالشام سنة ٦٩٥ هـ: "واجتمعنا لسماع البخاري ففتح الله بنزول الغيث" (٥)، وقوله في حوادث سنة ٦٩٩ هـ بعد وصفه لهزيمة جيش المماليك: "وأما نحن فوقعت يوم الخميس الظهر بطاقة مضمونها … فبتنا بليلةٍ اللهُ بها عليم وفترت الهمم عن الدعاء ودقت البشائر من الغد تطمئننا ثم تبين كذبها … " (٦)، ونحو ذلك.
أما المترجمون في هذه فقد شاهدهم واتصل بأكثرهم، وشخصيته هنا جِدُّ ظاهرة في الكتاب بحيث لم تَخْلُ ورقةٌ منها. ونحن نعلم شدة اتصاله بالعلماء آنذاك للدراسة عليهم والسماع منهم يشهدُ على ذلك معجمُ شيوخه الكبير، لذلك دوّن في الكتاب مشاهداته وانطباعاته عنهم.
ومن طرائف مشاهدات الذهبي وملاحظاته أنه كان ينقل تواريخ بعض الوفيات من لوحات المقابر (٧)، وقد زار - مثلًا - قبر أبي العلاء المعري ووصفه (٨).
_________
(١) قد بينا سابقًا أن هذا القسم من الكتاب اقتصر على الشام ومصر، فحوادث الشام شاهدها هو، أما أخبار مصر فكانت تصل إلى دمشق أولًا بأول، بكتب تكتب من هناك، انظر مثلًا الورقة ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٣٣، ٣٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٢) الورقة ٣٢٠ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) قوله مبقلة يعني مزرعة للبقول.
(٤) الورقة ٣٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٥) الورقة ٣٢٧ من النسخة السابقة.
(٦) الورقة ٣٣٤ من النسخة السابقة.
(٧) انظر مثلًا: الورقة ١٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١١). وقد أفاد من هذه الطريقة كثيرًا تقي الدين الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢ هـ في كتابه "العقد الثمين".
(٨) الورقة ٤٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
стр. 144
٢ - المشافهة:
لقد ظلت الرواية الشفوية تحتفظ بمكانة جيدة على الرغم من انتشار التدوين بشكل واسع بسبب ما تميزت به من خصائص معينة كالدقة والضبط، فضلًا عن أنها تقليد لكبار العلماء السابقين (١). ولذلك اهتم العلماء، وبخاصة المحدثين، بالحفظ وكان من صفة العالم الكبير أن يكون حافظًا (٢)، ومن ثم ألف العلماء الكتب المعنية بالحفَّاظ على مدى التاريخ (٣). ووُصِفَ الذهبيُّ بأنه "حافظ لا يجارى" (٤) وأنه كان "إمام الوجود حفظًا" (٥)، فكان من الطبيعي أن يحفظ الكثير من الأخبار والحكايات والحوادث التاريخية عند دراسته على شيوخه، وقد أورد الكثير منها بأسانيدها مستعملًا ألفاظ المشافهة (٦). كما أخذ بعض الأخبار عن شيوخه ورفاقه ممن حضر بعض الأحداث نحو قوله في نزول المغول على حمص سنة ٦٩٩ هـ: "حدثني ضوء بن صباح الزبيدي، قال: ما رأيت أنفع من الخاصكية، لقد رأيتهم … " ثم وصف له وقائع الحرب (٧)، وكان الذهبي يروي دائمًا مثل هذه الأخبار عن مصادر متخصصة فقد قال مثلًا عن ضوء بن صباح هذا بأنه: "أعرابي دَيِّنٌ عاقلٌ صاحبُ خبرٍ للمسلمين يسكن بكفربطنا حكى لي أمورًا عجيبة جرت له وفي الآخر قبض عليه نواب التتار ومات تحت العذاب" سنة ٧١١ هـ (٨).
_________
(١) انظر مثلًا الرامهرمزي: المحدث الفاصل، ص ٥٤٥ - ٥٤٧، الخطيب البغدادي: تقييد العلم (دمشق ١٩٤٩)، السيوطي: تدريب الراوي، ص ٢٨٦، وبحث الدكتور صالح العلي: المحاضرات الشفهية.
(٢) انظر مثلًا ابن سلام الجمحي: طبقات، ص ٥، ابن الأنباري: نزهة الألباء، ص ١٣٧، ١٨٢، ١٨٣، السيوطي: المزهر، ص ١٧١.
(٣) من أشهرها كتاب "تذكرة الحفاظ" للذهبي والذيول عليه، وانظر السخاوي: الإعلان، ص ٥٦٥.
(٤) الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣.
(٥) السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠١.
(٦) انظر مثلًا: الورقة ١٨٠، ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها.
(٧) الورقة ٣٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦٢.
стр. 145
٣ - المساءلة والمكاتبة:
وهي إما أن تكون بسؤال الذهبي لشيوخه عن مسألة ما بصورة شخصية استنادًا إلى معرفة شيخه وتخصصه بها نحو قوله - مثلًا -: "سألت شيخنا ابن تيمية عن مذهب السالمية، فقال … " (١)، وقوله في ترجمة أحدهم: "سألت المزي عنه، فقال … " (٢)، و"سألته أي الرجلين أعرف بالفن" (٣)، وغيرها (٤)، وإما أن تكون عن طريق المكاتبة؛ فقد كانت الاتصالات جارية بين العلماء، ولا سيما المعنيين بالتراجم، في إرسال المعلومات من بلد لآخر، فكان العلماء يتفقون فيما بينهم على أن يرسل كل واحد منهم المعلومات المستجدة في بلده إلى صاحبه بغية الوقوف عليها ومتابعة أخبار العلماء أولًا بأول (٥)، من ذلك - مثلًا - سؤاله أثير الدين أبا حيان الغرناطي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ بعض الأسئلة عن المغاربة وكيفية التلفظ بأسمائهم وعن جماعة من شيوخه، فرد عليه أبو حيان بكتاب ألفه لأجل ذلك سماه "در الحبي في جواب أسئلة الذهبي" (٦) وقد استفاد منه الذهبي ونقل منه في كتابه فقال عن أحدهم: "وقد سألت عنه العلامة أبا حيان الأندلسي - أبقاه الله - فكتب إليّ فيما كتب … " (٧) ومن ذلك - أيضًا - قوله: "فكتب إلينا ابن هارون من تونس … " (٨).
_________
(١) الورقة ٤٣٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).
(٢) الورقة ٥٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) الورقة ٥ من النسخة السابقة.
(٤) انظر مثلًا الورقة ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٥) راجع كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، ص ٢٧٩ فما بعد.
(٦) انظر أعلاه كلامنا على أسلوب العرض الأدبي.
(٧) الورقة ٨٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٨) الورقة ٥٠ من النسخة السابقة. وابن هارون هذا هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي القرطبي المالكي أحد المعمرين، ولد سنة ٦٠٣ هـ وتوفي سنة ٧٠٢ هـ (الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦٩).
следующие страницы →