← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفترات الزمانية للمجلدات من الحادي عشر إلى الرابع عشر متساوية حيث اشتمل كُلُّ مجلدٍ منها على خمسين سنة، فإنه يبدو من غير المحتمل أنْ يكونَ أحد المجلدات قد تضمن من الحوادث ما هو زائد على نطاقه الزماني. ٧ - ولما كان البدر البشتكي قد حافظ على تقسيم الذهبي ونقل نسختيه من خط المؤلف فقد عرفنا من نصه أن المجلد السادس عشر ينتهي بنهاية الطبقة الثامنة والخمسين، وأن المجلد السابع عشر قد انتهى بنهاية الطبقة الستين، ويؤيده وصول المجلد الثامن عشر كاملًا بخطه. أما المجلد الثامن عشر (١) فقد أورد الذهبي فيه وفيات السنوات (٦٠١ - ٦٢٠ هـ) مجتمعة ثم أعقبها بذكر حوادث المدة نفسها (٢)، وقال في نهاية الوفيات: "وقد انقضى ما انتهى إليَّ عِلْمُه من وفيات هؤلاء الذين انتقلوا إلى الله في هذه العشرين سنة، فلنشرع فيما وقع الاختيارُ عليه من حوادث هذه العشرين سنة - إن شاء الله - " (٣) بينما تناول المجلد التاسع عشر (٤) وفيات السنوات (٦٢١ - ٦٤٠ هـ) ثم أعقبها بحوادث السنوات (٦٢١ - ٦٥٠ هـ) (٥) وابتدأها بقوله: "ومن الحوادث" (٦)، ولم نجد وكما هو في المجلدات الأخرى أيضًا أيَّ فاصل بين حوادث طبقة وأخرى (٧)، ثم توكيده ذلك بقوله في أول حوادث سنة ٦٤١ هـ من المجلد التاسع عشر، وهي بداية الطبقة الخامسة والستين: "بسم الله الرحمن الرحيم: ومن حوادث المجلد العشرين عشر سنين" (٨). _________ (١) أيا صوفيا ٣٠١١. (٢) الورقة ٢١٩ - ٢٥١ من المجلد أعلاه. (٣) الورقة ٢١٧ من المجلد أعلاه. (٤) أيا صوفيا ٣٠١٢. (٥) الورقة ٢٢٧ - ٢٧٠ منه. (٦) الورقة ٢٢٧ منه أيضًا. (٧) انظر الورقة ٢٤٣ من النسخة الأصلية (غير المصورة) حيث تنتهي حوادث سنة ٦٣٠ هـ وتبدأ في ظهرها حوادث سنة ٦٣١ هـ وهي بداية الطبقة الرابعة والستين. (٨) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقد انتهت حوادث سنة ٦٤٠ هـ وابتدأت حوادث سنة ٦٤١ هـ في وجه الورقة نفسها.

стр. 72

ولعلَّ الذي يؤيد رأينا هذا ويزيده قوةً هو أن الذهبيَّ لا يقتصر في إطلاق لفظ "الطبقة" على التراجم حسب، بل يطلقه - أيضًا - على الحوادث وهي متسلسلة وبعيدة تمامًا عن مكانها، فقد قال في نهاية حوادث سنة (٥٥٠ هـ) من النسخة التي بخطه: "آخر الطبقة الخامسة والخمسين والحمد لله" (١)، فإذا كان مفهوم الطبقة يُرادُ به تحديد جماعة من الناس فكيف يصحُّ إطلاقُه على الحوادث؟! قد توصلنا إذن إلى أنَّ مفهومَ "الطبقة" في كتاب "تاريخ الإسلام" يعني "العقد". ويحق للقارئ الباحث بعد كل هذا الذي أطلنا القولَ فيه، ودللنا عليه أنْ يتساءلَ عن سبب تنظيم الذهبي كتابه على "عقود" فنقول عندئذ: إنَّ ذلك لم يكن إلا لحاجةٍ تنظيمية استشعرها الذهبيُّ لا سيما في الفترة الأولى من كتابه التي تمتد إلى سنة (٣٠٠ هـ) حيث لم تتوافر فيها لديه وفيات عدد كبير من المترجَمين بصورة دقيقة. فلم يكن ليستطيع أنْ ينظم وفياتهم حسب السنين، وإذا ما رَتَّبهم كذلك فإنه سوف يضطر لإعادةِ ذِكْرِ الشخصِ أكثرَ من مرة استنادًا إلى الاختلافِ الحاصل في تاريخ وفاته، وهي الطريقة التي اتبعها حينما نظم الوفيات على السنين اعتبارًا من سنة (٣٠١ هـ). وقد أشار الذهبي إلى ذلك في مقدمة كتابه حينما قال: "ولم يعتن القدماء بضبط الوفيات كما ينبغي، بل اتَّكَلُوا على حفظهم، فذهبت وفيات خَلْقٍ من الأعيان من الصحابة ومن تبعهم إلى قريب زمان أبي عبد الله الشافعي فكتبنا أسمائهم على الطبقات تقريبًا" (٢). إنَّ عدمَ توافر تواريخ وفيات المترجَمين في الفترة الأولى من تاريخ الإسلام بصورة دقيقة من جهة، وقلتهم من جهة أخرى (٣) دفعت الذهبيَّ إلى _________ (١) الورقة ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠). (٢) تاريخ الإسلام، ١/ ١٠ (من طبعتنا). (٣) اعتذر الذهبي عن قلة ما هو مذكور من التراجم في السنين الأولى من كتابه فقال في أثناء السنة الأولى للهجرة: "والسبب في قلة من توفي في هذا العام وما بعده من السنين أن المسلمين كانوا قليلين بالنسبة إلى مَنْ بعدهم، فإن الإسلام لم يكن إلا ببعض الحجاز أو من هاجر إلى الحبشة. وفي خلافة عمر - بل وقبل - انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا يظهر لك قلة مَنْ توفي في صدر الإسلام وسبب كثرة من توفي في زمن التابعين فمن بعدهم" تاريخ الإسلام ١/ ٢٠ وقال في آخر سنة ٢٨ هـ من كتابه: "وقل من مات وضبط موته في هذه السنوات كما ترى" ٢/ ١٧٩.

стр. 73

أنْ يدمج الحوادث والتراجم في العقود الأربعة الأولى من "تاريخ الإسلام"، بل لم يظهر لفظ "الطبقة" في العقود الثلاثة الأولى إطلاقًا، فقد انتقل من السنة العاشرة للهجرة إلى الحادية عشرة من غير إشارة إلى بدء طبقة جديدة (١)، وانتقل من سنة عشرين إلى سنة إحدى وعشرين من غير ذكر للطبقة أيضًا (٢). أما الطبقة الرابعة (٣١ - ٤٠ هـ) فقد ذكر عنوانها ولم نجد فحواها وفائدتها، فقد خلط الذهبيُّ الوفيات بالحوادث في هذا العقد خلط كتب الحوليات (٣). ولننظر الآن إلى تنظيم الوفيات في هذه السنين الأربعين، إذا كان هناك من تنظيم، ففي المدة الواقعة (١ - ١١ هـ) ذكر الذهبي بعض الوفيات القليلة جدًّا ضمن الحوادث بحيث لا يشعر الباحث بأهميتها وترجم للنبيِّ ﷺ ترجمة طويلة باعتبار وفاته حادثًا من حوادث سنة ١١ هـ (٤). وبعد أن تكلم على خلافة أبي بكر ﵁ من ضمن حوادث هذه السنة وقصة الأسود العنسي، وجيش أسامة، وشأن أبي بكر مع فاطمة وأخبار الردَّةِ وما جرى فيها (٥)، ذكر وفاة فاطمة وبعض الصحابة (٦)، ولم يراع في ذكر هذه الوفيات أيَّ نوعٍ من أنواع التنظيم، لا من حيثُ قِدَم الوفاةِ ولا من حيث الترتيب على حروف المعجم غير ورودها في سنة ١١ هـ، أما في سنة ١٢ هـ فقد ذكر فيها مَنْ توفي في وقعة اليمامة من غير ترتيب (٧)، وذكر بعدها بعض الحوادث القصيرة (٨)، ثم عاد إلى الوفيات ثانية (٩)، ثم ذكر بعض الحوادث، وهكذا نجد تباينًا كبيرًا في التنظيم. وفي السنين التالية نجده يرتب بعض وفيات السنين على حروف المعجم كما هو في سنة ثلاث عشرة (١٠)، وأربع _________ (١) انظر ١/ ٤٧٧. (٢) انظر ٢/ ١٢٣. (٣) ٢/ ١٩٨ - ٣٨٢. (٤) الورقة ١ - ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٥) = ١/ ٤٧٩ - ٨٣٧ (من طبعتنا). (٥) ٢/ ٥ - ٢٩. (٦) ٢/ ٢٩ - ٣٥. (٧) ٢/ ٣٦ - ٤٦. (٨) ٢/ ٤٧. (٩) ٢/ ٤٧ - ٤٨. (١٠) ٢/ ٥٢ - ٧٢.

стр. 74

عشرة (١)، وخمس عشرة (٢)، وثلاثين (٣)، ويدمج بعض الوفيات في سنين أخرى بالحوادث أو يذكرها في آخر الحوادث من غير ترتيب كما في سنة ست عشرة (٤)، وسبع عشرة (٥)، وثماني عشرة (٦)، وتسع عشرة (٧) وعشرين (٨)، وإحدى وعشرين (٩)، وثلاث وعشرين (١٠)، وأربع وعشرين (١١)، والسنوات من إحدى وثلاثين إلى أربعين (١٢)، في حين لم يذكر في بعض السنين أية ترجمة (١٣). ولكنه ذكر من توفي في خلافة عمر على التقريب في سنة وفاته وهي سنة ٢٣ هـ، ورتبهم على حروف المعجم (١٤)، ثم ذكر في نهاية سنة ثلاثين من توفي في خلافة عثمان تقريبًا ونظمهم على حروف المعجم أيضًا (١٥)، مع أن عثمان قتل سنة ٣٥ هـ، كما هو مشهور، وقد ترجم له هناك ترجمة حافلة (١٦). من كل هذا الذي قدمنا يتضح لنا أنه لم يكن هناك تنظيم سار على نَسَقٍ واحد على الإطلاق، في هذه المدة الممتدة حتى سنة ٤٠ هـ، ولم يكن للتراجم أي أثرٍ واضح في الكتاب يميزها عن الحوادث. وهذا هو الذي يفسر لنا سبب قراءة الصفدي لكتاب "تاريخ الإسلام" من أوله إلى آخر أيام الحسن، ثم اقتصاره على الحوادث إلى نهاية الكتاب، مع أن الصفديَّ لم يكن يريد أن _________ (١) ٢/ ٧٣ - ٨١. (٢) ٢/ ٨٢ - ٩١. (٣) ٢/ ١٨٢ - ١٨٥. (٤) ٢/ ٩٢ - ٩٦. (٥) ٢/ ٩٧ - ٩٨. (٦) ٢/ ٩٩ - ١٠٤. (٧) ٢/ ١٠٦ - ١٠٩. (٨) ٢/ ١١٠ - ١٢١. (٩) ٢/ ١٢٣ - ١٣١. (١٠) ٢/ ١٣٧ - ١٦٧. (١١) ٢/ ١٦٩ - ١٧٢. (١٢) ٢/ ١٩٨ - ٣٨١. (١٣) ٢/ ١٧٤ و ١٧٥ و ١٧٦ - ١٧٨ و ١٧٩ و ١٨٠ - ١٨١. (١٤) ٢/ ١٦٠ - ١٦٧. (١٥) ٢/ ١٨٦ - ١٩٦. (١٦) ٢/ ٢٥٧ فما بعد.

стр. 75

يقرأ من هذا التاريخ على مؤلفه غير الحوادث كما يبدو (١)، لأنَّ تاريخ الإسلام حتى أيام الحسن لم يكن غير تاريخ حوادث، فيه بعض الوفيات ولم يكن بالإمكان فصل الحوادث عن الوفيات. وابتداء من سنة ٤١ هـ وحتى سنة ٣٠٠ هـ اتَّبع الذهبيُّ تنظيمًا جديدًا مغايرًا لما سار عليه في المدة السابقة، فصار ينظم وفيات كل عشر سنوات على حروف المعجم ومن ثم فإنه لم يعتن بذكر وفيات المترجَمين داخل الطبقة دائمًا، وأغفل وفيات عدد كبير منهم، بسبب عدم معرفته بسنة وفاتهم على وجه الدقة، فلو أخذنا أول طبقة في هذا التنظيم الجديد وهي الطبقة الخامسة (٤١ - ٥٠ هـ) - مثلًا - لوجدنا عدد المترجَمين فيها ٧٩ ترجمة (٢)، لم يذكر غير تواريخ وفيات خمسة وعشرين منهم فقط، أما الآخرون فقد تركهم غُفلًا من تاريخ الوفاة، أو حدد عصرهم تقريبًا نحو قوله - مثلًا -: "وعاش إلى دهر معاوية" (٣)، و"توفي في إمرة معاوية" (٤)، و"مات وسط إمرة معاوية" (٥)، و"توفي في أول خلافة معاوية" (٦)، و"توفي في صدر خلافة معاوية" (٧)، و"توفي في خلافة معاوية" (٨)، و"بقي إلى هذا الوقت" (٩). ولو أخذنا الطبقة العاشرة - مثلًا - (٩١ - ١٠٠ هـ) لوجدنا أنه أورد فيها ٢٨٤ ترجمة (١٠) لكنه لم يذكر سوى تاريخ وفاة ٨٥ ترجمة منها فقط، وكتب الباقي على التقريب مستعملًا في بعض الأحيان العبارات الدالة على تعيين أوقاتهم التقريبية نحو قوله: "توفي في خلافة الوليد" (١١)، و"توفي في آخر خلافة الوليد" (١٢)، _________ (١) راجع الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٣، ونكت الهميان، ص ٢٤٢. (٢) ٢/ ٣٩٣ - ٤٥٤. (٣) ٢/ ٣٩٣. (٤) ٢/ ٤٣١. (٥) ٢/ ٣٩٦. (٦) ٢/ ٤٠٧. (٧) ٢/ ٤١٤. (٨) ٢/ ٤١٣ و ٤١٧ و ٤٣٩. (٩) ٢/ ٣٩٦. (١٠) ٢/ ١٠٥١ و ١٢١٠. (١١) ٢/ ١٠٨٥ و ١٠٩٢ و ١١٣٢. (١٢) ٢/ ١١٣٨.

стр. 76

و"توفي في إمرة الحجاج" (١)، و"توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز" (٢) ونحو ذلك. وينطبق هذا الذي قلناه من عدم تقييد الوفيات، إلا في القلة، على جميعِ المدة الواقعة في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الذهبيِّ ابتداء من سنة ٤١ هـ. من ثم نلاحظ بعد كل ذلك تباينًا كبيرًا جدًّا بين كبار المؤرخين الذين نقل الذهبيُّ عنهم تواريخَ الوفيات في ضبطها وتحديدها، لا سيما في غير المشهورين، فإذا ما قدمنا أمثلة لاختلاف هؤلاء المؤرخين في المشهورين جدًّا عرفنا مدى التباين الكبير في غيرهم، فهذا أبو موسى الأشعري وتلك شهرته اختلفت مواردُ الذهبيِّ اختلافًا بينًا في تاريخ وفاته، فذكر الهيثم بن عدي أنه توفي سنة ٤٢ هـ، ووافقه ابن مندة، وقال أبو نعيم الأصبهاني ومحمد بن عبد الله بن نمير وأبو بكر بن أبي شيبة وقعنب التميمي: توفي سنة ٤٤ هـ، أما الواقدي فذكر أن وفاته سنة ٥٢ هـ، وجعلها المدائني سنة ٥٣ هـ (٣). وهذا سعيد بن المسيب عالم أهل المدينة بلا مدافعة تختلفُ جُلُّ موارد الذهبي في وفاته، فيذكر الهيثم بن عدي وسعيد بن عفير ومحمد بن عبد الله بن نمير أن وفاته سنة ٩٤ هـ، ويذكر أبو نعيم الأصبهاني وعلي بن المديني أنها سنة ٩٣ هـ، ويقول يحيى القطان: إنها سنة ٩١ هـ أو سنة ٩٢ هـ، وينقل الذهبي عن محمد بن سواء عن همام عن قتادة أنه توفي سنة ٨٩ هـ ثم ينقل عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري قوله: "فأما أئمة الحديث فأكثرُهم على أنه توفي سنة خمس ومئة" (٤). وهذا عروة بن الزبير بن العوام الإمام الفقيه المشهور نقل الذهبيُّ عن أبي نعيم وابن المديني وخليفة: أنه مات سنة ٩٣ هـ، ونقل عن الهيثم بن عدي والواقدي وَأبي حفص الفلاس: أنه توفي سنة ٩٤ هـ، ونقل عن يحيى بن بكير: أنه توفي سنة ٩٥ هـ (٥). ومثل هذه الأمثلة كثيرة جدًّا، بل هي الصفة الغالبة على "تاريخ الإسلام" في هذه الحقبة، فكيف يستطيع الذهبيُّ بعد _________ (١) ٢/ ١١٥٩. (٢) ٢/ ١٠٨٤. (٣) ٢/ ٤٥٤. (٤) ٢/ ١١٠٧. (٥) ٢/ ١١٤٢ وانظر بعض الأمثلة في الحقب التالية الورقة ١٢١ هـ ١٩١ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).

стр. 77

كل هذا أنْ يُرتِّبَ التراجمَ حسب السنين؟ ولذلك اخترع "العقد" وسماه "طبقة" بحيث تستوعب السنوات العشر كثيرًا من مثل هذا الاختلاف. ومن أجل أن يقدم للقارئ تسهيلًا فقد ذكر أسماء بعض الأعلام في أول حوادث السنة التي رجح وفاتهم فيها. وابتداء من سنة ٣٠١ هـ وإلى نهاية الكتاب غَيَّرَ الذهبيُّ تنظيمه مرة أخرى فصار يذكرُ وفيات كُلِّ سنةٍ بصورة مستقلة مرتبًا تراجمَ السنةِ الواحدة على حروف المعجم، وذاكرًا المتوفَّين على التقريب في نهاية كل "طبقة". ويَحقُّ للباحثِ الذي قرأ ما حَبَّرناه قبلَ قليل أنْ يتساءل: كيف استطاع الذهبيُّ أن ينقل تنظيم كتابه هذه النقلة بين سنة وأخرى؟ وكيف تَمكَّنَ من حل الإشكالات الكثيرة والمصاعب الجمة التي واجهته في ضبط الوفيات والخُلف الذي بينها؟ فنقول عندئذ: ١ - من المعلوم عند أهل العلم بالتاريخ أن التدوين في هذه الحقبة قد ازداد ازديادًا عظيمًا (١)، ولذلك توافرت مادةٌ جيدة في الوفيات، (٢) وقد أشار الذهبيُّ إلى ذلك في مقدمة كتابه فقال بعد الذي ذكره من عدم اعتناء المتقدمين بضبط الوفيات: "ثم اعتنى المتأخرون بضبط وفيات العلماء وغيرهم حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظت وفيات خلق من المجهولين" (٣). وهكذا توافرت للذهبيِّ مادةٌ غنيةٌ ودقيقة نسبيًا من تواريخ _________ (١) انظر عن انتشار التدوين والصراع الذي جرى قبل هذا بسبب تفضيل الروايات الشفوية والحفظ عليه، والمفاضلة بينه وبين الحفظ: بحث الدكتور صالح العلي "المحاضرات الشفهية" وبحثه الآخر: "مواد الكتابة" وكلاهما مكتوب بالآلة الكاتبة ببغداد سنة ١٩٧٣ م، وبحث الأستاذ كولتسيهر عن "الصراع حول مكانة الحديث عند المسلمين". Goldziher Kampfe um die Stellung des Hadith im Islam (ZDMG Band ٦ ip. ٨٦٠). المنشور في مجلة جمعية المستشرقين الألمان (ZDMG) م ٦١ ص ٨٦٠ فما بعد. (٢) من المناسب أن أُشير هنا إلى أنه بجانب كثير من الكتب المؤلفة في علم الرجال نجد القرن الرابع يشهد التأليف بكتب "الوفيات"؛ فقد ألف كل من عبد الباقي بن قانع البغدادي المتوفى سنة ٣١٥ هـ ومحمد بن عبد الله بن زبر الدمشقي المتوفى سنة ٣٧٩ هـ كتابيهما في "الوفيات"، انظر بحثنا: كتب الوفيات، ص ٢٤٠. (٣) ١/ ١٠ (من طبعتنا).

стр. 78

وفيات المترجَمين وإنْ ظلت طائفة منهم مجهولة عنده وعند غيره من المؤرخين. ٢ - ومن دراسة هذا القسم من الكتاب يتبين لنا أنَّ الذهبيَّ قد تمكن أن يتبع منهجًا تنظيميًا يخفف فيه كثيرًا من عدد الذين لم يستطع التَّثَبُّتَ من تواريخِ وفياتهم، ويزيل كثيرًا من الإرباك الذي يتأتَّى من كثرةِ المذكورين في آخر الطبقة على التقريب، وذلك بأن ينظم بعضًا من هؤلاء في وفيات السنة التي كان لهم آخر ذِكْرٍ فيها، بعد أنْ صَرَّحَ في غير موضع من كتابه بأنه لم يعرف وفاتهم يقينًا، وأنه إنما كتبهم في وفيات السنة على التقدير (١)، ونبَّه على ذلك بعبارات دالة نحو قوله: "حدث في هذه السنة" (٢)، و"حدث في شوال من هذه السنة" (٣)، و"لم تضبط وفاته وإنما حدث في هذه السنة" (٤)، و"حدث في هذا العام ولعله مات فيه" (٥)، و"حدث في هذه السنة وتوفي بعدها" (٦)، و"حدث في السنة ولم يذكروا وفاته"، و"حدث بنيسابور في هذه السنة وتوفي بعد ذلك" (٧)، و"حدث في هذا العام ولم تعرف وفاته" (٨)، و"حدث في هذه السنة، وانقطع خبره" (٩)، و"حدث في أواخر سنة تسع وأظنه توفي سنة عشر" (١٠) و"توفي بعد سنه سبع" (١١)، و"انقطع خبره من هذا العام"، و"توفي في حدود هذه السنة" (١٢)، و"سمع منه في هذا العام" (١٣)، و"سمع منه في هذه _________ (١) انظر مثلًا الورقة ١٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) قال: "قلت: هو والذي قبله لا أعرف وفاتهما يقينًا"، والورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) قال: "لا أعلم تاريخ موته وإنما كتبته هنا اتفاقًا"، والورقة ١٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وغيرها. (٢) انظر مثلًا الورقة ٨٧، ١١٣، ١٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٣) الورقة ١٦٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٤) الورقة ١٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٨٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) الورقة ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٦) الورقة ١٨٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٧) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨. (٨) الورقة ١٢٨، ١٢٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٩) الورقة ٣٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (١٠) ٧/ ١٦٥ (من طبعتنا) وقد ذكر في سنة ٣١٠. (١١) ٧/ ١٢٢، علمًا أنه ذكره في سنة ٣٠٧. (١٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨. (١٣) الورقة ٨٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).

стр. 79

السنة ولم تؤرخ وفاته" (١)، و"أجاز للخولاني في هذه السنة" (٢)، و"كان حيًا في هذه السنة"، و"بقي إلى بعد هذا العام بيسير" (٣)، و"بقي إلى هذا العام" (٤)، و"كان حيًا في هذا الوقت ولم أر له تاريخ وفاة" (٥)، ونحوها. ٣ - وقد رأينا الذهبي دائما يحاول أن يجد وحدات زمنية يَتَّسع نطاقُها لتشملَ أولئك المتوفَّين على التقريب، وهنا وجد هذه الوحدة الزمنية أيضًا، فوضع غير المعروفين منهم في نهاية كل عقد ومَيَّزهم بعناوينَ تحملُ العبارات الدالة على عدم تمكنه من ضبطِ تاريخ وفاتهم نحو قوله: "ذِكْرُ مَنْ لم أعرف تاريخَ موته من أهل هذه الطبقة كتبتهم على التقريب" (٦)، أو "مَنْ كان حيًا في هذا الوقت، ولم أعرف تاريخ وفاته فكتبتهم تخمينًا لا يقينًا" (٧)، أو "مَنْ لم نَحْفظ وفاته وله شهرة كتبناه تقريبًا" (٨)، أو "المتوفون في عشر السبعين وثلاث مئة تقريبًا لا يقينًا" (٩)، أو "ممن كان في هذا الوقت" (١٠)، أو"المتوفون بعد الأربع مئة ظنًا" (١١)، أو "المتوفون في هذا الحدود ما بين الستين والسبعين" (١٢) - يعني وخمس مئة -، أو "وممن كان في هذا الوقت" (١٣)، أو "المتوفَّون على التخمين" (١٤)، ونحوها من هذه العناوين. وقد رتب الذهبيُّ غير المعروفين هؤلاء على حروف المعجم (١٥) أيضًا. _________ (١) الورقة ١٣١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٢) الورقة ٢٣٩ من النسخة السابقة. (٣) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٩٨. (٤) الورقة ١٩٢، ١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٥) ينظر: الذهبي ومنهجه ٢٩٨. (٦) ٧/ ١٦٩ (من طبعتنا). (٧) ٧/ ٦٠٠. (٨) ٨/ ١٥٨. (٩) الورقة ١٠٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (١٠) الورقة ٢١٠ من النسخة السابقة. (١١) الورقة ١٠٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (١٢) ١٢/ ٤٤٧. (١٣) ١٢/ ٩٢٢. (١٤) ١٢/ ٦٥٢. (١٥) قد نلاحظ في آخر تراجم المذكورين على التقريب عدم انتظام في الترتيب المعجمي (انظر مثلًا الورقة ١١٢ - ١١٣، ١٧١ - ١٧٢، ٢٠٨، ٢٥٧ - ٢٥٨، أحمد الثالث=

стр. 80

ولما كان الذهبيُّ قد غير التنظيم ابتداء من مطلع القرن الرابع الهجري وجعله على السنين فكان من الطبيعي أن يكون عدد المترجَمين غير المعروفة وفياتهم في العقود الأولى من هذا التنظيم الجديد أكبر بكثير مما هو عليه في العقود الأخيرة، على الرغم من إيجاد بعض الأساليب المخففة لعددهم مما ذكرنا قبل قليل .. وقد لاحظنا نتيجةً لما قمنا به من إحصاءات بعد تحقيقنا للكتاب على أفضل النسخ أن عددهم كان يأخذ بالتناقص كلما اقترب الكتاب من عصر المؤلف، فمن بين عدد تراجم الطبقة الحادية والثلاثين (٣٠١ - ٣١٠ هـ) البالغ (٦٦٣) ترجمة وجدنا (١٦٧) ترجمة منها قد ذكرت في نهاية الطبقة على التقريب (١)، لعدم وقوفِ المؤلف على وفياتهم، في حين بلغ عددهم في الطبقة التي بعدها (٨٤) نفسًا (٢)، وفي الطبقة الثالثة والثلاثين (٧٩) نفسًا (٣)، وفي الطبقة الخامسة والثلاثين (٨٥) نفسًا (٤)، وفي السادسة والثلاثين (٧٣) نفسًا (٥)، وفي الطبقة الثامنة والثلاثين (٦٨) نفسًا (٦)، وفي الطبقة الأربعين (٤٨) نفسًا (٧)، وفي الثانية والأربعين (٥٢) نفسًا (٨) بينما بلغوا في الطبقة الثالثة والأربعين (٢٦) نفسًا (٩)، وفي الرابعة والأربعين (٢٧) _________ = ٢٩١٧/ ٩) على أن هذا لا علاقة له بالتنظيم إذ جاء من الإضافات التي أضافها الذهبي إلى نسخته فيما بعد ووضع لها إشارات تشير إلى مواضعها وطلب إلى النساخ وضعها في مكانها الصحيح، إلا أن النساخ أبقوا عليها حيث كانت. على أن بعض النساخ الفهماء، ومنهم بدر الدين البشتكي، قد أعادوا تنظيم التراجم في كثير من الأحيان لإدراكهم أن المصنف أراد ذلك، فقد ذكر البشتكي في آخر الطبقة التاسعة والخمسين أنه فعل ذلك، قال: "وقدمت من الأسماء وأخرت على شرطه ما يجب". وقد سرنا نحن على هذه القاعدة في جل المواضع. (١) ٧/ ١٦٩ - ٢٠٢ (من طبعتنا). (٢) ٧/ ٣٨٠ - ٤٠٠. (٣) ٧/ ٦٠٠ - ٦٢٠. (٤) ٧/ ٩٠٠ - ٩٢٠. (٥) ٨/ ١٥٨ - ١٧٦. (٦) ٨/ ٤٨٨ - ٥٠٢. (٧) ٨/ ٨٢٥ - ٨٤٠. (٨) ٩/ ٣٢٦ - ٣٣٨. (٩) ٩/ ٤٨٤ - ٤٩٠.

стр. 81

نفسًا (١)، وفي الخامسة والأربعين (١١) نفسًا (٢)، فإذا ما انتقلنا إلى القرن السابع وجدنا هذا العدد يتناقص حيث لم يتجاوز عدد المذكورين على التقريب في نهاية أول عقد منه (٦٠١ - ٦١٠ هـ) (١٨) ترجمة (٣)، وفي العقدين الثاني (٤) والثالث (٥) أربع تراجم، وفي العقد الرابع سبع عشرة ترجمة (٦)، وفي العقد الثامن عشر تراجم (٧)، أما العقدان الأخيران من الكتاب فلم نجد فيهما ذكرًا للمتوفين على التقريب، مع أن عدد الذين ذكر الذهبيُّ وفاتهم في الطبقة الأخيرة من كتابه قد بلغ (٨٢٥) مترجَم (٨). وفي أثناء تبييض الذهبيِّ لكتابه وبعد الانتهاء من كتابته، كان يعثر دائمًا على وفيات بعض من لم يعرف وفاتهم من أولئك الذين كتبهم على التقريب، سواء أكان ذلك في القسم المنظم على "العقود" أم في القسم المنظم عى السنين فكان يضع إشارة لذلك ويطلب من النُّسَّاخ تحويلهم إلى مواضعهم الأصلية الصحيحة، فقد تبين له فيما بعد مثلًا، أنَّ المنذر بن عبد الله بن المنذر القرشي الأسدي الذي ترجم له أولًا في الطبقة الثامنة (١٧١ - ١٨٠ هـ) قد توفي سنة ١٨١ هـ لذلك طلب تأخيره إلى الطبقة التاسعة عشرة (٩). ومن ذلك - أيضًا - ما قال في أثناء وفيات سنة ٣٢٤ هـ: "محمد بن أحمد بن عمر الداجري - يُحَوَّل إلى هنا من تقريب الطبقة الماضية" (١٠) ومثلُ هذا كثير في كتابه (١١). إنَّ ذكر الحوادثِ سنةً بعد سنة من أول الكتاب إلى آخره ثم تنظيم التراجم ابتداء من سنة ٣٠١ هـ على السنين قد جعل الذهبيَّ، فيما نعتقد، يغير رأيه في _________ (١) ٩/ ٥٩٨ - ٦٠٤. (٢) ٩/ ٧٥٧ - ٧٦٠. (٣) ١٣/ ٢٥٧ - ٢٦٤. (٤) ١٣/ ٦٢٧ - ٦٢٨. (٥) ١٣/ ٩٤٧ - ٩٥٠. (٦) ١٤/ ٣٣٨ - ٣٤١. (٧) ١٥/ ٤١٠ - ٤١٤. (٨) الورقة ٢١٠ - ٣١٩ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٩) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٦). (١٠) الورقة ١٣٣ (أحمد الثالث ٩/ ٢٩١٧) وانظر أيضًا الورقة ١١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (١١) انظر أدناه كلامنا على تنظيم التراجم.

стр. 82

عنوانِ الكتاب فيحذف منه لفظ "طبقات" ويضع لفظ "وفيات" بدلًا منه فيصير عنوان الكتاب "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" بدلًا من "تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام". ودليلنا على ذلك أن العنوان الذي ورد فيه لفظ "طبقات" لم يرد إلا في طرتي المجلدين الثاني والحادي والعشرين من النسخة التي بخطه، بينما ورد العنوان الذي يحمل لفظ "وفيات" بخطه في المجلدات الثمانية التي وصلت إلينا من هذه النسخة. ويزدادُ يقيننا، بل يتكامل في هذا الأمر حينما نتذكر أن طرتي المجلدين الثاني والحادي والعشرين هما من الطرر التي كتبها الذهبيُّ عند انتهائه من الكتاب أول مرة، وأن الطررَ الثماني الأخرى كانت تمثِّلُ الإخراجَ الأخير لكتابه. ثانيًا: العلاقة بين الحوادث والتراجم: كانت الكتب التاريخية الأولى المرتبة حسب السنين تُعنى بذكرِ الحوادثِ بالدرجة الأولى مثل تاريخ خليفة بن خياط المتوفى سنة ٢٤٠ هـ وتاريخ الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وغيرهما، وقَلَّما أعطتْ أهميةً كبيرة ومتميزة للتراجم. وقد ظهر تحولٌ واضح منذ القرن السادس الهجري في هذا النمط من الكتب التاريخية لاسيما عند المؤرخين المحدِّثين، حيث زاد اهتمامهم بذكر التراجم. ويبدو ذلك واضحًا في كتاب "المنتظم" لأبي الفرج بن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ حيث أدخل تقسيمًا واضحًا بين الحوادث والوفيات، فجعل التراجمَ تعقبُ حوادثَ كُلِّ سنةٍ ورَتَّبها حسبَ حروفِ المعجم. وقد ظلت هذه الطريقة تؤثر في أُطُر الصور الحولية للمؤلفات التاريخية التي جاءت بعده. ويعزو الأستاذ روزنتال ذلك إلى سيطرةِ علم الكلام (١)، في حين نعتقد أن هذا التطور لم يكن إلا بتأثيرِ علمِ الحديثِ النبويِّ، واشتدادِ العنايةِ برواته (٢). لقد فصلَ الذهبيُّ فصلًا تامًّا بين الحوادث والوفيات، ورأينا قبل قليل تذبذبه في السير على خطٍّ واضح في ذكر الحوادث وعدم وجود أية علاقة بَيِّنة لها بالوفيات. ولعلَّه فكَّر في بعض الأحيان بتجميع حوادثِ كل مجلد مع _________ (١) روزنتال: علم التاريخ، ص ١٩٨، ٢٠٤. (٢) انظر بحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين ص ٣٣ - ٣٤.

стр. 83

الوفيات الواردة فيه (١)، فحينما أورد حوادث السنوات ٦٤١ - ٦٥٠ هـ في المجلد التاسع عشر الذي لم يتضمن وفياتها، ذكر أنها من حوادث المجلد العشرين (٢). وقد طلب الذهبيُّ من الناسخ في نهاية تراجم الطبقة الخامسة والستين من المجلد العشرين أن يرتب تلك الحوادث التي مرت في المجلد الماضي في ذلك الموضع (٣). والعلاقة الوحيدة التي نجدها بين الحوادث والتراجم هي وجود بعض الإحالات من الحوادث إلى الوفيات وبالعكس لاسيما في تراجم الشخصيات السياسية التي أسهمت في الحوادث، نحو قوله في ترجمة السلطان غياث الدين الغوري في وفيات سنة ٦٠٥ هـ: "هو في الحوادث" (٤)، وقوله في ترجمة محمد بن تكش خوارزم شاه: "قد ذكرنا قطعة من أخباره في الحوادث" (٥)، مع أنه ترجم له ترجمة حافلة في قرابة الخمس ورقات (٦)، وقوله في ترجمة ولده جلال الدين: "وفي الحوادث على السنين قطعة من أخباره" (٧) وغيرها (٨). ومع كل ذلك فإن هذا الانفصام الذي أشرت إليه بين الحوادث والوفيات قد أدى إلى تكرار بعض المعلومات فيهما، كما في قصة الوحشة التي جرت بين الملك الجواد وعماد الدين عمر ابن شيخ الشيوخ محمد بن حموية الجويني ومقتل عماد الدين سنة ٦٣٦ هـ حيث تكررت في الحوادث والوفيات (٩). _________ (١) انظر أعلاه كلامنا على "الخطة العامة للكتاب". (٢) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٣) الورقة ١٠٧ (أيا صوفيا ٣٠١٣). (٤) الورقة ٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٥) الورقة ١٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٦) الورقة ١٧٢ - ١٧٧ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٧) الورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٨) انظر مثلًا الورقة ١٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والورقة ٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الورقة ٦٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٧٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ١٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩)، والورقة ٣٩. (٩) انظر ترجمة عماد الدين ابن شيخ الشيوخ في نسخة أيا صوفيا ٣٠١٢، ورقة ٧٨ فما بعد، وقارن حوادث سنة ٦٣٦ هـ (ورقة ٢٤٨ من النسخة نفسها).

стр. 84

كان اهتمامُ الذهبيِّ الرئيس ينصب دائمًا على التراجم، وذلك يعكسُ مفهومه الأصلي للتاريخ، لذلك احتلت التراجمُ حيزًا كبيرًا من تاريخه. فإذا استثنينا الحقبة الأولى من كتابه (١ - ٤٠ هـ) فإنَّ كميةَ الحوادث لا يمكن أن تقارن بكمية التراجم، فإننا إذا أحصينا عددَ الأوراق التي سودها الذهبيُّ لتاريخ القرن السابع الهجري من "تاريخ الإسلام" - مثلًا - وجدناها تبلغ ١١٧٤ ورقة لم تحتل الحوادث منها غير ١٧٠ ورقة فقط (١)، وهذا يعني أنها تُكَوِّنُ ١٤.٤ % من الكتاب، علمًا أنها أقل من ذلك بالنسبة للقرون الأولى حيث بلغت للحقبة الواقعة بين سنتي ١٨١ - ٢٢٠ هـ ١٠ % فقط (٢). وقد جاء هذا التقصيرُ النسبي في الحوادث بسبب عدم استقصاء الذهبي لما ذكرته المصادرُ من حوادث واقتصاره على البعض منها. وقد صرح بذلك في أكثر من موضع، فقال في بداية حوادث الطبقة السادسة والستين: "وهذه نبذة مما جرى في هذه الطبقة من الحوادث" (٣)، وقوله في بداية حوادث الطبقة التاسعة والستين: "ذِكْرُ الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر على الترتيب مختصرًا" (٤)، وهو منهجٌ اختطه الذهبيُّ لنفسه كما سيتضح عند كلامنا على الأسس التي اتبعها في انتقاء مادة الحوادث. إن اختفاء العلاقة بين الحوادث والتراجم في كتاب "تاريخ الإسلام" هو الذي جعل الذهبيَّ فيما نعتقد لا يتبع نمطًا واحدًا في تجميع الحوادث، وجَوَّزَ لنفسه أنْ يذكرها متتابعةً كل عشر سنوات تارة وكل خمسين سنة تارة أخرى _________ (١) منها ٣٤ ورقة في المجلد الثامن عشر (أيا صوفيا ٣٠١١) و ٤٣ ورقة في الملجد التاسع عشر (أيا صوفيا ٣٠١٢) و ٣٧ ورقة في المجلد العشرين (أيا صوفيا ٣٠١٣) و ٥٦ ورقة في المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٢) أجريت هذه الإحصائية على النسخة التي بخط الذهبي، فقد بلغت أوراق الطبقة التاسعة عشرة ١٣٨ ورقة احتلت الحوادث ١٢ ورقة منها، وبلغ عدد أوراق الطبقة العشرين ١٣١ ورقة منها ٢١ ورقة حوادث، وعدد أوراق الطبقة الحادية والعشرين ٨٤ ورقة منها ٨ أوراق حوادث، أما الطبقة الثانية والعشرون فبلغ عدد أوراقها ١٤٧ ورقة احتلت الحوادث ٩ أوراق منها فقط. فيكون مجموع عدد أوراق الطبقات الأربع ٥٠٠ ورقة منها ٥٠ ورقة حوادث. ونرى من المفيد أن نشير هنا إلى أن الذهبي كان يورد أسماء وفيات الكبار ضمن الحوادث فهي تحتل قسمًا غير قليل منها أيضًا. (٣) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣). (٤) الورقة ١٩٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤).

стр. 85

ونحو ذلك مما بَيَّناهُ سابقًا. ثم إنَّ شعورَ المؤرخين فيما بعد بعدم وجود هذه العلاقة جعلهم في وضع يبدو أكثر حرية في دراسة أيِّ قسم منهما على انفراد (١)، أو الانتقاء منه (٢)، كما شعر النُّساخ دائمًا بحرية كبيرة في تجميع كل قسم على حدة (٣). ثالثًا: تنظيم الحوادث وأساليب عرضها: إن قلة المادة التاريخية التي قدمها الذهبيُّ في الحوادث قياسًا بالمادة الضخمة التي قدمها في التراجم تجعلُ من العسير علينا أنْ نميز له منهجًا خاصًّا في هذا المجال خالف فيه غيره من كُتَّابِ الحوليات الذين سبقوه. وقد لاحظنا تذبذبًا في طريقته بين مدة وأخرى في أَساليب العرض وفي كمية المعلومات التي يقدمها ونوعيتها. ففي القسم الخاص بالمغازي (١ - ١١ هـ) وجدنا نوعًا من التنظيم الذي يمتاز بالوضوح حيث تناول الحوادث سنة سنة، ورتب السنة الواحدة حسب تسلسل شهورها ابتداء بالمحرم وانتهاء بذي الحجة منها. ومع أننا نجد محاولةً للسيرِ على تسلسلٍ زمني في ذكر الحوادث ضمن السنة الواحدة في القسم الخاص بالخلفاء الراشدين، إلا أن ذلك لم يكن واضحًا كُلَّ الوضوح. وفي كثير من أحداث هذه السنين (١ - ٤٠ هـ) ذكر الذهبيُّ بعض وفيات المشهورين باعتبارها من الأحداث المهمة التي وقعت في تلك السنة، فمنهجه في هذه _________ (١) لقد استطاع الصلاح الصفدي مثلًا أن يقرأ على الذهبي القسم الخاص بالحوادث من تاريخ الإسلام فقط (انظر الوافي، ج ٢ ص ١٦٣ ونكت الهميان ص ٢٤٢ وارجع إلى كلامنا على وصف نسخة المؤلف). (٢) من ذلك مثلًا أن شمس الدين السخاوي تمكن من تجريد تراجم الكتاب وترتيبها على حروف المعجم (انظر الإعلان، ص ٥٨٩) ووجدنا خطه على نسخة المؤلف بالإشارة إلى ذلك (راجع المقدمة عند الكلام على نسخة المؤلف). (٣) من ذلك مثلًا أن صاحب النسخة المحفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم ١٢٢٠ استطاع أن يجمع الحوادث التي أرخت المدة ٣٠١ - ٥٠٠ هـ في مجلد واحد كما استطاع صاحب النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث برقم ٢٩١٧/ ١٥ أن يجمع الحوادث التي أرخت الفترة ٣٥١ - ٦٧٠ هـ في مجلد واحد أيضًا. وقد جربنا وجود الكثير من النسخ التي وصلت إلينا وهي تحتوي على مجلدات كاملة لم تذكر فيها غير التراجم.

стр. 86

الحقبة يشبه منهج خليفة بن خياط "ت ٢٤٠ هـ" والطبري "ت ٣١٠ هـ"، وابن الأثير "ت ٦٣٠ هـ"، في تواريخهم. أما القسم الخاص بالحقبة الواقعة بين سنتي ٤١ - ٣٠٠ هـ فلم نجد فيه تنظيمًا زمنيًا ضمن السنة الواحدة. ولكننا وجدنا عناية بذكر أسماء المشهورين الذين توفوا فيها في أول حوادث السنة دائمًا، وقد يبلغ الأمرُ به في بعض الأحيان إلى حد يضع فيه عنوانًا لأسماء المتوفَّين فيها (١). وفي القسم الذي بيَّضه الذهبيُّ ثانية من كتابه ووصل إلينا بخطه، نلاحظ أن المؤلفَ رَتَّبَ هذه الأسماء في أول السنة بشكل منسق: كل اسمين متقابلين، حتى لتبدو هذه الأسماء لأول وهلة وكأنها أبيات من الشعر (٢). إن اعتناء الذهبيِّ بذكرِ أسماءِ الأعلام ممن توفوا في السنة ضمن الحوادث يبدو أمرًا معقولًا ومنسجمًا مع مزاجه التراجمي لا سيما إذا علمنا أنه نظّم التراجمَ في هذه الحقبة حسب العقود. وأما المدة الممتدة من بداية القرن الرابع حتى منتصف القرن السابع الهجري فمن الصعوبة أنْ نُميز فيها أيَّ وجودٍ لتنظيم الحوادث داخل السنة الواحدة لا من حيث الزمان ولا من حيث الأهمية، ولم نجدْ أيةَ روابطَ بين الحوادثِ المذكورة في مثل هذه السنين سوى وقوعها في سنةٍ واحدة. وقد اتبع الذهبيُّ طريقة كُتَّاب الحوليات الذين سبقوه في ذكر العبارات التي تربط الحوادث ببعضها في داخل السنة الواحدة والتي تُوضَعُ في مقدمة الخبر عادة مثل: "وفيها" أو "وفي أولها" أو "وفي آخرها" أو "وفي رجب منها" ونحو ذلك. ثم نعود فنرى تنظيمًا واضحًا في القسم الذي تناول النصف الثاني من القرن السابع الهجري (٦٥١ - ٧٠٠ هـ) من كتابه حيث سار الذهبيُّ على نمطٍ واحد في ذكر الشهر الذي وقعت فيه الحادثة ورتب المادة حسب تسلسلها الزمني من السنة، فكان يبدأ السنة بقوله: "في المحرم" أو "في أول المحرم" أو يذكر أي شهر آخر لكنه كان يسلسلُ الأشهرَ دائمًا، وربما عيَّن اليوم في _________ (١) انظر مثلًا سنة ١٣٣ هـ: "ذكر مَنْ توفي فيها من الأعيان" ٣/ ٥٩٣ (من طبعتنا) وانظر أيضًا: ٣/ ٥٨٣ "ذكر من توفي فيها مجملًا". (٢) انظر مثلًا الورقة ١٧١ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠٠٦).

стр. 87

بعض الأحيان. وفي جميع الكتاب لم يوازن الذهبيُّ، ولو بشكلٍ بسيط، بين المعلومات المذكورة في كتابه لا من حيث الكمية ولا من حيث النوعية على عكس طريقته في الموازنة بين عدد التراجم في القسم الخاص بها، كما سنوضحه بعد قليل، ولذلك وجدنا السنين الأربعين الأولى تحتل قرابة ٤٠% من جميع حوادث الكتاب مع أنها لا تكوِّن من نطاق الكتاب الزماني إلا أقل من ٦٠% فقط، ووجدناه في الوقت نفسه يقصر في حوادث بعض السنوات بحيث لا تتعدى الأسطُرَ المحدودةَ، ويطوِّل في أخرى بحيث تبلِغ أوراقًا عديدة. والسببُ في ذلك فيما نعتقد، مُتَأَتٍّ من تقييمِه للحوادثِ وفهْمِه لها، كما سيظهر لنا فيما بعد عند كلامنا على الأسس التي اتبعها في انتقاء الحوادث. ولما كان الذهبيُّ ملتزمًا في ذكر الحوادث بالتنظيم على السنين فإنه كان يقطعُ الخبرَ ليكمله في سنةٍ أخرى، وهي العادةُ التي اتبعها معظم مؤلفي الكتب التاريخية المرتبة على السنين، فإذا ما أراد القارئ أنْ يطلع على حادثةٍ معينة استمرت لعددٍ من السنين فإنَّ عليه أنْ يقرأ جميعَ حوادث هذه السنين، ويمر بأخبار وحوادث لا علاقة لها البتة بموضوعه، فضلًا عما تسببه هذه الطريقةُ من إرباكٍ في تتبع الخبرِ التاريخي. ومع ذلك فهو مثل غيره من كُتَّاب الحوليات، كان يتجاوزُ مثل هذه الحالة في أحيان قليلة، فكان يذكر بعض الأحداث المهمة متسلسلة لأكثر من سنة مثل خروج المغول وحروبهم مع علاء الدين خوارزمٍ شاه (١)، علمًا أنه اعتبر مثل هذا التسلسل خروجًا عن نطاق السنة واستطرادًا نحو قوله في حوادث سنة ٣٧٦ هـ: "وإنما جرى ذلك في سنة تسع وسبعين ولكن سقناه استطرادًا" (٢). وإذا آمنا بأنَّ القسمَ الأخيرَ من كتابه يمثل طريقته الخاصة في تناول الحوادث، فإن ذلك لا يعفيه من عدم تنظيمها في الأقسام الأخرى من كتابه على النسق الذي نظم فيه القسم الأخير منه. _________ (١) انظر الورقة ٢٣٩ - ٢٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٢) ٨/ ٣٥٠ (من طبعتنا).

стр. 88

رابعًا: تنظيم التراجم وأساليب عرضها: قد عرفنا أنَّ الذهبيَّ نظم المترجَمين بين سنتي ٤١ - ٣٠٠ هـ في وحدات زمنية أمدُها عشر سنوات أطلق عليها لفظ "الطبقة" ثم رتب التراجم على حروف المعجم ضمن هذه الوحدات. ثم عرفنا أيضًا أنه عني بذكر تراجم كل سنة بصفة مستقلة ابتدأ من سنة ٣٠١ هـ وحتى نهاية الكتاب، ورتب المترجَمين على حروف المعجم ضمن السنة الواحدة (١). ومما هو جدير بالذكر أنَّ الذهبيَّ لم يعتبر اسم المترجَم حسب في التنظيم الداخلي للتراجم، بل اعتبر الشُهرةَ واتخذها أساسًا في ذلك سواء أكانت شهرة المترجَم في اسمه أم لقبه أم كنيته. ومن هنا وجدناه يترجم لبعضهم بلقبه؛ من ذلك مثلًا أنه ترجم للقطامي الشاعر المشهور في حرف القاف (٢)، وترجم للمُحَدِّثة المشهورة ست الكتبة نعمة بنت علي بن الطراح في حرف السين (٣). ثم قال في حرف النون من وفيات السنة نفسها: "نعمة بنت الطراح هي ست الكتبة - مَرَّ ذكرها" (٤)، وترجم ليحيى بن زياد المعروف بالفراء النحوي المشهور بلقبه في حرف الفاء (٥)، وترجم لمحمد بن المستنير المعروف بقطرب في حرف القاف (٦)، وترجم لبهاء الدولة البويهي في حرف الباء (٧) ونحو ذلك (٨). أما المعروفون بكُناهم فقد عُني الذهبي بإفرادهم في آخر الطبقات حينما نظم أولًا على الطبقات، وفي السنين حينما نظم بعد ذلك على السنين. ولا ريب أنَّ اشتهارَ عددٍ كبير من المترجمين بكناهم هو الذي دفعه إلى إفرادهم بالترتيب في آخر الطبقات أولًا وفي آخر السنوات بعد ذلك ليسهل الكشفُ _________ (١) انظر أعلاه كلامنا على الخطة العامة للكتاب. (٢) ٣/ ١٤٣ (من طبعتنا). (٣) الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) وفيات سنة ٦٠٤ هـ. (٤) الورقة ٢٧ من النسخة نفسها. (٥) الورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٦) الورقة ٤٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٧) الورقة ٢٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٨) انظر الورقة ١٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).

стр. 89

عنهم، وآيةُ ذلك أنَّ عددًا كبيرًا من المترجَمين لم يعرفوا أصلًا إلا بكناهم، فكانت كناهم هي أسماؤهم، وهذا معروف عند المعنيين بالرجال، فضلًا عن اشتهارِ عددٍ كبير منهم بالرغم من وجود أسماء لهم سواء عرفها الذهبي (١)، أم اختلف فيها المؤرخون (٢)، أم لم يعرفها نحو قوله في آخر وفيات سنة ٦٠٩ هـ: "أبو منصور بن الصوفي الكلابي الدمشقي لم أظفر باسمه، قال المنذري: … " (٣). ومن أجل تسهيلِ الكشفِ على التراجم والتخلص من الأوهام التي قد تقع من جراء ترجمة شخصٍ ما بكنيته أو لقبه أو نسبته ونحو ذلك كان الذهبيُّ يعملُ إحالاتٍ للتراجم، فإذا ما ترجم لأحدهم بلقب اشتهر به عمل إحالةً باسمه نحو قوله: "أحمد بن فنا خسرو بن مؤيد السلطان بهاء الدولة أبو نصر ابن السلطان عضد الدولة - مذكور بلقبه" (٤)، وإذا ترجم لأحدهم بكنية اشتهر بها عمل إحالة باسمه نحو قوله مثلًا: "الجلخ بن عيسى بن محمد، أبو بكر - يأتي بكنيته" (٥). وعلى العكس من ذلك فإنه إذا ترجم لأحدهم باسمه وكان يعرف بلقب أو كنية، رتبه في لقبه أو كنيته على شكلِ إحالةٍ وترجم له باسمه نحو قوله في وفيات سنة ٣٢٠ هـ: "أبو حامد بن الشرقي، هو أحمد بن محمد بن الحسن - تقدم" (٦). وهكذا فإننا نجد الذهبيَّ قد سار على هذه الطريقةِ في جميع كتابه، فملأه بالإحالاتِ الكثيرة من الأسماء إلى الكنى والألقاب والأنساب، وبالعكس (٧). وقد عُني الذهبيُّ أيضًا بعملِ الإحالاتِ لأولئك الذين عُرِفُوا باسمين، فقد ترجم للمحدثة عائشة بنت عبد الجبار بن هبة الله ابن البندار، المدعوة فرحة _________ (١) انظر مثلًا ٢/ ٧٣٥ و ١٠٢٣ و ١٠٢٥ و ١٠٣١. (٢) انظر مثلًا ٢/ ٧٤٤ و ٩٠٠. (٣) الورقة ٧٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) وقارن المنذري: التكملة، ٢/ الترجمة ١٢٧٣. (٤) الورقة ٢٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) الورقة ٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١١) ثم ترجم له بعد ذلك في الكنى، الورقة ٧٤ من النسخة نفسها. (٦) ٧/ ٥١٧. (٧) انظر مثلًا لا حصرًا: الورقة ٥٢، ٢٣٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦)، والورقة ٨٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧)، الورقة ١٨٧، ١٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩).

стр. 90

أيضًا، في وفيات سنة ٦٠١ هـ (١)، ثم أعاد ذِكْرَهَا في حرف الفاء من وفيات السنة نفسها إحالةً، فقال: "فرحة بنت عبد الجبار بن هبة الله ابن البندار، أم الحياة، هي عائشة - مرت" (٢). وترجم لأبي موسى النحوي المعروف بالحامض المتوفى سنة ٣٠٥ هـ باسم "سليمان بن محمد" (٣)، ثم ذكره في حرف الميم من وفيات السنة إحالة، فقال: "محمد بن سليمان، أبو موسى الحامض البغدادي النحوي أحد أئمة اللسان وتلميذ ثعلب، وقيل: سليمان بن محمد كما مر آنفًا" (٤)، وقال في وفيات سنة ٣١٧ هـ: "أحمد بن محمد بن إسحاق بن أبي خميصة، أبو عبد الله المكي نزيل بغداد، هو حرمي بن أبي العلاء … سيأتي في الحاء" (٥) ثم ترجم له باسم حرمي ترجمة مفصلة (٦)، ونحو ذلك من الأمثلة. إن اعتماد اللقب أو الكنية أو نحوهما في التنظيم جعل الذهبيَّ في بعض الأحيان يتوهم فيسبقه قلمه ويترجم الشخص مرتين كما في ترجمة الفراء حيث ترجم له في لقبه أولًا (٧)، ثم أعاد ترجمته في حرف الياء باسم "يحيى بن زياد" (٨). ولا ريب أن سعةَ الكتاب وكثرةَ التراجم وتشابه الأسماء وتعدد الموارد وتنوعها يُولِّدُ كثيرًا من المشاكَلِ التنظيمية الداخلية، فيصبح الوقوع في الوهم أمرًا محتملًا مهما بلغت مرتبة المؤلف في الحفظ والتتبع والعلم بهذا الفن. وتنظيمُ الذهبيِّ التراجمَ حسب السنين جعله يدقق في تواريخ الوفيات ويُرجِّح إحداها على الأخرى عندما يختلف المؤرخون في ضبطها، ولابد أن يفعل ذلك، وإلا صَعُبَ عليه التنظيمُ وأشكل، أما تلك التراجم التي لم يستطع أنْ يقطعَ فيها برأيٍ نهائي فقد ذكرها منفصلة في وفيات السنة التي رجّحها _________ (١) الورقة ٤ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٢) الورقة ٧ من النسخة السابقة. (٣) ٧/ ٨٨ (من طبعتنا). (٤) ٧/ ٩٥. (٥) ٧/ ٣١٧. (٦) ٧/ ٣٢٠ - ٣٢١. (٧) الورقة ٤٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٨) الورقة ٧٩ من النسخة السابقة.

стр. 91

ضمنيًا وقطعيًا وعمل لها إحالةً في وفيات السنة الأخرى تنبيهًا للقارئ، ومن أمثلة ذلك ترجمة السلطان عز الدين سنجر شاه بن غازي الأتابكي صاحب جزيرة ابن عمر، فقد ذكره أولًا في وفيات سنة ٦٠٤ هـ مختصرًا مقتصرًا على اسمه، وقال: "توفي في هذا العام على قول" (١) ثم ذكر ترجمته المفصلة في وفيات سنة ٦٠٥ هـ (٢)، وقد جاء مثل هذا الاختلاف في هذا الرجل وغيره، على ما نعتقد، بسبب الموارد الأصلية التي اعتمدها الذهبي، ففي ترجمة سنجر شاه هذا اعتمد الذهبيُّ روايةَ زكي الدين المنذري حيث ذكره في وفيات سنة ٦٠٤ هـ من التكملة (٣)، بينما اعتمد في الرواية الثانية وهي المرجحة عنده، على أبي شامة (٤). ومثل هذا قوله في وفيات سنة ٦١٠ هـ "عيسى الجزولي النحوي، ذكر هنا وفاته ابن خلكان. وقدم في سنة سبع" (٥). ولم يكن أمام الذهبي غير الاعتماد على الموارد أسلوبًا وطريقًا في تثبيت الوفيات ومن ثم عرضها في السنة المخصصة لها، فكان يرجح ما يراه راجحًا ويترجم له في السنة المرجحة ثم يعملُ إحالةً في السنة الأخرى (٦)، إلا أنه اضطر في حالات قليلة جدًّا، إلى إعادةِ الترجمةِ بسب عدم إيجاده سببًا للترجيح كما هو في ترجمة أبي بكر يحيى بن هذيل الأديب الأندلسي أحد الفقهاء المالكية، فقد ترجم له أولًا في وفيات سنة ٣٧١ هـ نقلًا عن القاضي عياض (٧) ثم أعاد ترجمته مع الإشارة إلى الترجمة السابقة في وفيات سنة ٣٨٩ هـ نقلًا عن ابن الفرضي وحَدَّدَ وفاته في الثالث عشر من ذي القعدة من _________ (١) الورقة ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٢) الورقة ٢٥ من النسخة نفسها. (٣) المنذري: التكملة ٢/ الترجمة ١٠٤٥ وانظر تعليقنا عليها. (٤) ذيل الروضتين، ص ٦٧. وهي الرواية التي اعتمدها المؤرخون الذين جاؤوا فيما بعد مثل أبي الفداء في المختصر (ج ٣ ص ١١٧) والصفدي في الوافي (١٥/ ٤٧٢) والعيني في عقد الجمان (ج ١٧ الورقة ٣١٦ - ٣١٧ مصورة القاهرة رقم ١٥٨٤ تاريخ) وغيرهم. (٥) الورقة ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٦) انظر مثلًا: الورقة ٢٦، ٥١، ٨٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ١٣١، ١٣٤، ١٦٦، ١٧٢، ١٨٧، ١٩٤، ١٩٨، ٢٢) (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٦، ١٢، ٢٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٧) الورقة ١١٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).

стр. 92

السنة (١)، بل قد يبلغ التغاير حتى في محتويات الترجمة نفسها بالرغم من وجودِ إشارةٍ إلى الترجمة السابقة، كما في ترجمة ابن الطبري القاضي الحنفي حيث ذكره أولًا في وفيات سنة ٣٧٣ هـ ناقلًا عن الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ وقد ذكر الحاكم أنه كان ببخارى حينما كان ابن الطبري يملي بها (٢)، ثم أعاده ثانية في وفيات سنة ٣٧٧ هـ ناقلًا عن أبي سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي المتوفى سنة ٤٠٥ هـ أيضًا والذي ذكر أن ابنَ الطبريِّ كان يتولى قضاء القضاة بخراسان (٣) ولم يكن الحاكم قد ذكر له مثل هذه الوظيفة الخطيرة. وفي مثل هذه التراجم يصعبُ ترجيحُ إحدى الروايتين، فإنه اعتمد مؤرخين عظيمين أكثرَ النقلَ عنهما، ومن ثم فهما متعاصران عُرِفَا بالدقة والضبط وكلاهما أَلَّفَ عن المشرقِ وأَرّخ لرجاله الأُول في كتابه العظيم "تاريخ نيسابور" الذي اختصره الذهبي (٤)، والثاني في "تاريخ سمرقند" (٥) و"تاريخ إستراباذ" (٦). إنَّ مثل هذا الاعتماد على بعض ثقاتِ المؤرخين جعله في بعض الأحيان يذهل فيترجمُ الشخصَ مرتين من غير أنْ يشعر كما فعل في ترجمة الفقيه أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن علي اليمني الشافعي المعروف بابن أبي الصيف حيث ترجم له أولًا في وفيات سنة ٦٠٩ هـ (٧) ثم أعاد ترجمته من غير أن يشعر في وفيات سنة ٦١٩ هـ (٨) متابعًا في ذلك زكي الدين المنذري الذي كان قد ترجمه مرتين من غير أن يشعر أيضًا (٩). _________ (١) في وريقة طيارة وضعت بين الورقتين ٢٠٧ - ٢٠٨ من النسخة السابقة. (٢) الورقة ١٢١ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٣) الورقة ١٣٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٤) انظر كلامنا على "المختصرات" من آثار الذهبي في كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢٣٣، وراجع الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٥٠ - ٥٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). السخاوي: الإعلان، ص ٦٣٣. (٦) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) والسخاوي: الإعلان، ص ٦١٥. (٧) الورقة ٧٢ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٨) الورقة ١٩٨ من النسخة السابقة. (٩) ترجم له المنذري أولًا في وفيات سنة ٦٠٩ هـ من التكملة (٢/ الترجمة ١٢٧٥) ثم أعاده في وفيات سنة ٦١٩ هـ منها (٣/ الترجمة ١٩٠٧) وتابع ابن الملقن شمس الدين الذهبي =

стр. 93

ونتيجة لكل هذا فقد كان من الطبيعي أن يظل الذهبي يبحث ويدقق في تواريخ الوفيات في أثناء تأليف الكتاب وبعد الانتهاء منه، فإذا ما وجد وَهَمًا في ذكر تاريخ وفاة أو تقديرًا لم يُقارب الحقيقةَ أو وقف على موردٍ أثبت وأكثر دقة، اعتنى بهذا الأمر ونَبَّه عليه وترجمَ له في موضعه الصحيح بوريقة طيارة أو على هامش النسخة وأشار في الموضع الأول إلى مثل هذا الأمر وطلب من الناسخِ تحويلَ مثل هذه التراجم إلى مواضعها الصحيحة بكلمة "يُحَوّل" نحو قوله في وفيات سنة ٣٩٦ هـ: "أحمد بن عبيد بن بيري الواسطي. ترجمته في بضع وأربع مئة. قال لنا الخلال: أخبرنا السلفي، قال: سألت خميسًا الحوزي عن ابن بيري، فقال: هو أبو بكر أحمد بن عبيد … قال خميس: قال لي أبو المعالي … ولدت في السنة التي مات فيها أبو بكر بن بيري سنة ست وتسعين" (١). وكان الذهبيُّ مثلًا قد ذكر في وفيات سنة ٤٤٢ هـ عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الذكواني الأصبهاني المعدل وقال: "وحدث في هذا العام ولا أعلم متى توفي" ثم وجد وفاته وأنها كانت سنة ٤٤٣ هـ، نقلًا من كتاب "الوفيات" ليحيى بن مندة المتوفى سنة ٤٧٠ هـ، فذكر هذه المعلومات في آخر الترجمة بقَطة قلم تختلفُ عن الأصلِ ثم كتبَ فوق الترجمة بالقطة نفسها "يُؤَخَّرُ إلى سنة ثلاث" (٢)، وفي موضعه من سنة ثلاث ذكر اسمه واسم أبيه فقط وقال: "يكتب من السنة الماضية، قال يحيى بن مندة: مات في ربيع الآخر" (٣). ومثل هذا تعليقه على ترجمة بشر بن محمد بن ياسين الباهلي المذكور في وفيات سنة ٣٧٣ هـ بقوله: "يؤخر إلى سنة ثمان" (٤). والشواهد في كتاب الذهبي كثيرة على مثل هذا الاستدراك والتصحيح وطلب _________ = في غلطه فترجم له في وفيات سنة ٦١٩ هـ (العقد المذهب، الورقة ١٧٢) مع أن الصحيح في وفاته سنة ٦٠٩ هـ. وانظر: الفاسي: العقد الثمين ١/ ٤١٥ - ٤١٦ والعيني: عقد الجمان ج ١٧ الورقة ٢٤٠ (مصورة دار الكتب ١٥٨٤ تاريخ) وابن الأثير: الكامل ج ١٢ ص ١٢٤ وغيرهم. (١) وضع الذهبي هذه الترجمة بوريقة طيارة عند الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٢) الورقة ٤٠٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٣) الورقة ٤٠٨ من النسخة السابقة وانظر عن ابن مندة وكتابه بحثنا: كتب الوفيات، ص ٢٤٧. (٤) الورقة ١٢٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).

стр. 94

التحويل (١). إنَّ عنايةَ الذهبيِّ بتنظيم التراجم حسب حروف المعجم وعمل الإحالات الكثيرة للأسماء، والكُنى والألقاب والأنساب المشهورة، وللوفيات المُخْتَلَفِ فيها ضمن السنةِ الواحدة وفي السنوات المختلف فيها، يسهِّلُ على القارئ كثيرًا من العناء في البحث ويُجَنِّبُه الوقوعَ في متاهات التوهم والزلل، ويرفع عنه كثيرًا من الإرباك الذي يسببه الاختلافُ في الأسماء والكنى والألقاب والوفيات ونحوها. وكان جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي البغدادي "ت ٥٩٧ هـ" أول من فصل الحوادث عن الوفيات فصلًا كاملًا في كتابه "المنتظم" ورتب التراجم ضمن السنة الواحدة على حروف المعجم، وذكر المشهورين بكناهم في آخر وفيات السنة (٢)، فلعلَّ الذهبيَّ أخذَ هذه الطريقة عنه. على أن الذهبيَّ كان دقيقًا في تنظيمه المعجمي سواء أكان ذلك في أسماء المترجمين أم أسماء _________ (١) انظر مثلًا الورقة ٦٤، ٨٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ٨٧، ٩٧، ١٩٧، (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ٢٤١، ٤١١ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) ومن الجدير بالذكر أن النساخ في الأغلب الأعَمِّ أبقوا هذه التراجم في أماكنها مع نقلهم أقوال المؤلف بطلب التحويل وعلى ذلك فقد أصبح من الواجب أن يعيد المحقق النظر في الكتاب ويلبي رغبات المؤلف، قارن مثلًا: أيا صوفيا ٣٠٠٨ … أحمد الثالث ٢٩١٧/ ١٠ الورقة ٢٣٤ … بالورقة ٢١٩ والورقة ٢٤٠ … بالورقة ٢٢٥ أما صاحب النسخة الحلبية رقم ١٢٢٠ المختصة بالحوادث فقد لبى طلبات المؤلف فحول كثيرًا من الأخبار إلى مواضعها الأصلية نحو قوله في حوادث سنة ٣٣٢ هـ: "هذه تتمةُ أخبار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي ذكرها المصنف في غير موضعها وأمر أنْ تُلحقَ هنا فألحقتها حسب مرسومه" (الورقة ٥٥) ولكنه كان منزعجا من طريقة المؤلف هذه، فقال في آخر ما نقله: "انتهى ما ألحقه المؤلف بخطه من أخبار أبي طاهر القرمطي في غير موضعه فألحقته هنا، ولا قوة إلا بالله؟ ففي كتابة مثل هذا مضض ونسأل الله العفو والسلامة" (الورقة ٥٨). قال بشار: ولكن كثرة الإحالات وطلبات المؤلف في التراجم وصعوبة معرفة ما سيأتي تجعل ذلك في غاية الصعوبة لاسيما على النساخ من غير العلماء المتخصصين. (٢) ابن الجوزي: المنتظم، مثلاج ٧ ص ٢٣، ١٠٣، ٢٣٦، ٢٤٨، ج ٩ ص ٥، ٤٣، ١٣٣، ج ١٠ ص ٢١٩،١٤.

стр. 95

آبائهم، ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا في تقديمه مَن اسمُه أحمد في حرف الألف (١)، في حين لم يلتزم ابن الجوزيِّ بهذا الترتيب التزامًا كاملًا، فإذا أرجعنا تقديمَ ابن الجوزيِّ لمن اسمه عمر على من اسمه عثمان، وذكره لمن اسمه علي بعد مَن اسمه عثمان مباشرة إلى احترامِه للخلفاءِ الراشدين (٢)، فإننا لا نستطيعُ تفسيرَ تقديمِ مَن اسمُه عليّ على مَن اسمُه العباس (٣)، وذكر من اسمه عبيد الله بعد من اسمه عبد الله ثم ذكر العبادلة الآخرين (٤) - مثلًا - إلا بعدم التزامه الكامل بالترتيب المعجمي. ومع أن ابنَ الجوزيِّ قد ألزم نفسه بترتيب الآباء في الأسماء المَتشابهة على حروف المعجم كما يبدو فإنه لم يضبط ذلك (٥)، علمًا أنه أهملَ ترتيبَ الأسماء بعد الآباء إهمالًا تامًّا. ولعل عدم عناية ابن الجوزي بضبط الترتيب يعودُ إلى قلة عدد المترجَمين في السنة الواحدة حيث لا يزيدُ معدل ما يذكر في السنة الواحدة عن عشر تراجم في حين يبلغ معدل ما يذكره الذهبي قرابة الستين ترجمة. ولعلَّ من المشاكلِ الرئيسة التي جابهت مؤلفي كتب التراجم في التنظيم الداخلي لكتبهم، ومنهم الذهبي، هو التشابهُ بين أسماء المترجَمين لا سيما إذا كانوا متعاصرين، ولذلك سعى الذهبي دائمًا إلى التنبيه على مثل هذا التشابه خوف الخلط بينهم نحو قوله في آخر ترجمة علي بن زياد التونسي من أهل _________ (١) اعتاد كثير من مؤلفي كتب التراجم المرتبة على حروف المعجم ملاحظة بعض الاعتبارات في الترتيب، منها مثلًا تقديم من اسمه محمد على جميع الكتاب، أو حرف الميم منه تيمنًا وتبركًا واحترامًا للنبي ﷺ وتقديم عمر على عثمان وذكر علي بعد عثمان مباشرة في حرف العين احترامًا وتقديرًا للخلفاء الراشدين ﵃، وهي من العادات المعروفة عندهم منذ القديم حيث قدم البخاري "المحمدين" في كتابه "التاريخ الكبير". وممن اتبع هذه الطريقة ابن الدبيثي في تاريخه والصفدي في الوافي (انظر بحثنا: أصالة الفكر التاريخي ص ٢٩ ومقدمتنا لتاريخ بغداد لابن الدبيثي ص ٣٤). ولا نعتقد أن تقديم الذهبي "الأحمدين" من هذا النمط، فهي عادة متبعة عند معظم واضعي التراجم على حروف المعجم. (٢) ابن الجوزي: المنتظم، مثلًا ج ٧ ص ٤٠، ٤٤ - ٤٥، ١٣٠، ٢١١ … إلخ. (٣) المصدر السابق، مثلًا ج ٧ ص ٧٢ - ٧٣. (٤) المصدر السابق، مثلًا ج ٧ ص ١٢٨، ١٣٩، ١٤٣، ١٥٤، ١٩٣، ٢٠٧، ٢٤١ .. إلخ. (٥) أمثلة ذلك كثيرة؛ فانظر عن مثل هذه الاختلافات في المنتظم، مثلًا: ج ٧ ص ١٥٠، ج ٨ ص ٤٦، ج ٩ ص ٥٤، ٥٥، ٦٠، ٧٨، ١٠١ - ١٠٢، ١١٨، ١١٩، ١٢٩، ١٧٩، ١٨٢ وغيرها.

стр. 96

الطبقة التاسعة عشرة: "وسنذكر في الطبقة الآتية إنْ شاء الله علي بن زياد الإسكندري" (١)، وقوله في وفيات سنة ٣٧٤ هـ "محمد بن أحمد بن بالوية، أبو علي النيسابوري العدل. سمع عبد الله بن شيروية بنيسابور، وأبا القاسم البغوي وطبقته ببغداد. أما محمد بن أحمد بن بالوية النيسابوري الذي يروي عنه الكديمي فقديمٌ توفي سنة أربعين وثلاث مئة" (٢)، وقوله في وفيات سنة ٤٢٠ هـ: "علي بن محمد بن علي بن حميد، أبو الحسن. وقيل: أبو محمد الإسفراييني المقرئ المجود. أكثر عنه البيهقي … ومثله في الاسم والبلد علي بن محمد بن علي أبو الحسن بن السقاء الإسفراييني من شيوخ البيهقي أيضًا، يروي عن … وقد روى البيهقي عنهما معًا حديثًا، قالا: حدثنا الحسن بن محمد. ولكن ابن السقاء أقدم سماعًا ووفاة، روى .. توفي المقرئ في ذي الحجة سنة عشرين، وتوفي ابن السقاء سنة أربع عشرة" (٣). ونحو ذلك كثير في كتابه (٤). وقد يضطره اتفاقُ بعض المترجَمين في الأسماء ونحوها إلى أنْ يترجم للشخص المتفق بعد المترجم الذي خاف أنْ يشتبه به مباشرةً، مع أن ذلك ليس موضعه كما في ترجمة عدي بن زيد العاملي الشاعر المعروف بابن الرقاع (٥)؛ حيث أورد بعده ترجمة عدي بن زيد ابن الحمار، وقال: "ذكرتُه هنا تمييزًا له من ابن الرقاع العاملي" (٦). ومثل هذا الذي ذكرناه قد أدى دائمًا إلى وقوع العلماء في الخلط بين اسمين واعتبارهما شخصًا واحدًا، أو جعل الشخص الواحد اثنين، فكان لابد للذهبي من العناية بهذا الأمر وهو يترجمُ لآلافِ الناس، وينقل عن مئات المصادر المتنوعة التي لابد أنْ تختلفَ في بعض الأسماء أو نحوها. وما كان _________ (١) الورقة ١١٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) وقد ذكر الذهبي سميه في الورقة ٢٤٣ من النسخة نفسها. (٢) الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٣) الورقة ٢٠٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٩) وانظر ترجمة ابن السقاء في الورقة ١٥٣ من النسخة نفسها. (٤) انظر مثلًا الورقة ١٤٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٦) والورقة ٢٠٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٧) والورقة ١٩٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ١٠٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) ٣/ ٩٩. (٦) ٣/ ٩٩. وانظر أيضًا الورقة ١٢٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٦).

стр. 97

هذا بالأمر الميسور، فهو يحتاج إلى معرفةٍ تامةٍ بالتراجم وصلات بعضهم ببعض وقوة ملاحظة وحفظ. وقد حاول الذهبيُّ جاهدًا ألا يقع في مثل هذا الغلط فاتبع طريقة التنبيه هذه وبَيَّنَ أوهامَ بعض الموارد التي ينقلُ عنها، يساعده في ذلك سَعَةُ اطلاعِه ومعرفته التامة ودقته وتمحيصه للموارد، ولعل المثال الآتي، وهو واحد من أمثلةٍ عديدة في كتابه، يُوضحُ مدى عناية الذهبي بهذا الأمر قال في وفيات سنة ٣٠١ هـ: "محمد بن حبان بن الأزهر العبدي، أبو بكر القطان البصري. حَدَّثَ ببغداد عن أبي عاصم النبيل وعمرو بن مرزوق، وعنه أبو طاهر الذهلي وابن عدي وأبو بكر الجعابي والإسماعيلي وعمر بن محمد بن سبنك (١). ضعَّفَهُ الحافظُ محمد بن علي الصوري وكان قد نزل ببغداد، قال ابن سبنك: أول ما كتبت سنة ثلاث مئة عن ابن حبان ومات سنة إحدى. قلت: ومن طبقته: محمد بن حُبان - بالضم أيضًا - بن بكر بن عمرو الباهلي البصري، نزل بغداد في المخرِّم، وحَدَّثَ عن أمية بن بسطام وكامل بن طلحة ومحمد بن منهال روى عنه الطبراني وأبو علي النيسابوري. وهو الأول (٢) بناء على أن "الأزهر" لقب "بكر" أو هو جد أعلى أو وقع وهم في نسبه. وقد وهم عبد الغني المصري الحافظ وقيده بالفتح (٣) وقال: حدثنا عنه الذهلي، قال: وبضم الحاء محمد بن حُبان حدث عنه أبو قتيبة سلم بن الفضل. قال الصوري: وهما واحد وهو بالضم. قلت (٤): ليس عند الطبراني عنه سوى حديث واحد عن كامل بن طلحة أورده عنه في معجميه الأصغر والأوسط، وهو ضعيف، وقال ابن مندة الحافظ: ليس بذاك. وأما ابن ماكولا فقال: محمد بن حَبان بن الأزهر الباهلي - بالفتح - عن أبي عاصم وعنه أحمد بن _________ (١) قيده الذهبي في المشتبه فراجعه هناك (ص ٣٥٢). (٢) يبدو أن الذهبي استدرك على نفسه فيما بعد واعتبرهما واحدًا. ولما كان هذا القسم من "تاريخ الإسلام" لم يصل إلينا بخط المؤلف فمن الصعب أن نجزم بذلك وإن كنا نرجحه لقوله أولًا "قلت: ومن طبقته … إلخ". (٣) انظر تفاصيل أوسع في توضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٢/ ١٦٤ - ١٦٨. (٤) الكلام للذهبي.

стр. 98

عبيد الله النهرديريِ (١) ومحمد بن حبان، أبو بكر، عن أبي عاصم ذكره عبد الغني وهو متقنٌ لا يَخْفى عليه أمرُ شيخِ شيخِه، وكان القاضي أبو طاهر الذهلي من المتثبتين لا يخفى عليه أمرُ شيوخه. وقال الصوري: إنما هو واحد. قال ابن ماكولا: ولم يأت بشيء فإنهما اثنان، والنسبة تفرق بينهما والله أعلم، وجَدُّ أحدهما الأزهر وجَدُّ الآخر بكر (٢)، قال: فإن كان شيخنا الصوري قد أتقنه بالضم فقد غلط في تصوره أنهما واحد وهما اثنان كل منهما: محمد بن حبان، وإنْ لم يكن أتقنه (٣) فالأول بالفتح وهذا بالضم. قلت (٤): لم يقل الصوري هما واحد إلا باعتبار الاثنين المسمين. أما باعتبار الرجل الآخر الذي ذكره الدارقطني فيكونون ثلاثة؛ فإن الدارقطني قال: محمد بن حبان بن بكر بن عمرو البصري نزل بغداد في المخرِّم وحدث عن أمية بن بسطام ومحمد بن منهال وغيرهما" (٥). خامسًا: عرض المواليد: كان تاريخ ولادة المترجَم يكوِّن عنصرًا بارزًا من عناصر الترجمة، وقد اعتنى به مؤلفو كتب التراجم منذ مدة مبكرة، وأخذنا نجد اهتمامًا بالمواليد _________ (١) منسوب إلى (نهر دير) كانت قرية كبيرة عند البصرة كما ذكر السمعاني في "النهرديري" من الأنساب وتابعه ابن الأثير في اللباب. (٢) قال بشار: قد تقدم قول الذهبي ردًا على ذلك بأن الأزهر هو لقب بكر أو هو جد أعلى وأنه وقع وهم في نسبه. (٣) يعني أتقن تقييد الحاء من حبان بالضم أو بالفتح. (٤) القول للذهبي. (٥) ٧/ ٤١ - ٤٢ (من طبعتنا). وانظر مناقشة ابن ماكولا في "الإكمال" ج ٢ ص ٣٠٥ فما بعد. وراجع تعليقنا على كتاب الذهبي "أهل المئة فصاعدًا" ص ١٢٣ هامش ١٦١ تجد فيه تفصيلًا يغني. ومثل هذا المثال الذي ذكرناه كثير الوجود في "تاريخ الإسلام" للذهبي، فراجع مثلًا: ٢/ ١٢٠٥. حيث تجد قوله في الكنى من الطبقة العاشرة: "أبو عبد الله الأغر المدني مولى جهينة اسمه سلمان روى عن أبي هريرة و … وأما أبو مسلم الأغر (الكوفي) عن أبي هريرة فرجل آخر، وقد جعلهما واحدا الحافظ عبد الغني المصري وقبله ابن خزيمة فوهما … " ولا شك أن هذا الارتباك هو أحد الأسباب الرئيسة التي دعت العلماء المسلمين إلى العناية التامة بالمتفق والمشتبه من الأسماء والأنساب والكنى والألقاب فألفوا فيها الكتب الكثيرة المعروفة المشهورة.

стр. 99

كلما تقدم الزمن، فهو في الكتب المتأخرة أكثر منه في الكتب الأولى، فإن من الطبيعي أنْ يهتم الذهبي اهتمامًا بالغًا في تدوين تاريخ ولادة المترجم أو عمره التقريبي في تراجم كتابه (١). وفي سنة ٣٠٢ هـ وجدنا أول ذكر للمواليد في نهاية وفيات السنة، لكنه انقطع بعد ذلك إلا في حالات نادرة، ولعله بدأ بالعناية بذلك حين وصل إلى أواخر المئة السادسة، فقد ذكر مواليد سنة ٥٧٢ هـ (٢)، واستمر على ذلك بصورة منتظمة (٣) إلى نهاية الكتاب. وكان الذهبي يؤكد في العناوين التي يضعها لقوائم الولادات هذه أنها للمشهورين حسب؛ فيقول مثلًا: "وفيها ولد من الكبار" (٤) أو "وفيها ولد من المشاهير" (٥)، ولذلك فإنه لم يستوعب المواليد استيعابه للوفيات. ولكن لماذا عُني الذهبي بذكر المواليد في الربع الأخير من القرن السادس ولم يورد قوائم مماثلة قبل هذا التاريخ؟ فإذا كان الجواب على ذلك وقوفه على مواليد الكبار في هذه الفترة، أو حصوله على مادة في هذا الموضوع فإن ذلك مردودٌ بثبوتِ عددٍ كبير من المواليد قبل هذا التاريخ، وقد ذكرها هو في أثناء التراجم، وكان يستطيع أن يجمع مواليد المشهورين فيذكرها في آخر كل سنة. ويبقى لدينا بعد ذلك احتمالان: _________ (١) انظر أدناه كلامنا على "عناصر الترجمة". (٢) وجدنا مواليد هذه السنة قد كتبت في أثناء تراجم سنة ٥٧٣ هـ من نسخة أحمد الثالث رقم ٢٩١٧/ ١٤ وبعد ترجمة أحمد بن حامد بن الفرات، فقال: "وفيها ولد الشيخ الفقيه بيونين في رجب والصفي إسماعيل بن إبراهيم بن الدرجي بدمشق والكمال علي بن شجاع الضرير بمصر في شعبان والشيخ أوحد الدين عمر الدويني". (الورقة ٤٧ من النسخة) والظاهر أن الذهبي كان قد كتبها في إحدى الجزازات وظنها الناسخ الجاهل في هذا الموضع، وإلا فإن الذي حفظناه من ولادة هؤلاء الأعلام هو سنة ٥٧٢ هـ وكما ذكر الذهبي نفسه (انظر العبر ج ٥ ص ٢٤٨، ٢٦٦، ٢٧٧). (٣) باستثناء بعض السنوات الأولى التي لم ترد فيها قوائم ولادات وهي سنة ٥٧٣ وسنة ٥٧٤ وسنة ٥٧٩ وسنة ٥٨١. (٤) الورقة ٥٩ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٥) الورقة ٢٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).

стр. 100

الأول: إنه عُني بذكر مواليد الكبار من شيوخه وشيوخ شيوخه، ويؤكد هذا الاحتمال أن جميع المذكورة مواليدهم من هذه الفئة، وقد تَبَيَّنَ لنا ذلك بمقارنتهم بمعجم شيوخه وبشيوخ المذكورين في معجم شيوخه. الثاني: وهو الأرجح عندنا أنه فَكَّرَ بمثل هذا العمل بأخَرَة، وهو في الأقل قد عُني بذكر المواليد عند بداية تأليفه للمجلد الثامن عشر المحتوي على تراجم المدة الواقعة بين سنتي ٦٠١ - ٦٢٠ هـ، أي منذ مطلع القرن السابع الهجري، فالولادات هنا مذكورة في أصل النسخة وليس على حواشيها ولا في طيارات لنقول عندئذ إنه ألحقها فيما بعد. أما قوائم الولادات المذكورة قبل ذلك فهي إما أنْ تكونَ من أصلِ النسخة أو يكون الذهبي قد ألحقها فيما بعد. والذي يُعَزِّزُ كونَها مُلْحقةً غلطُ الناسخ في ولادات سنة ٥٧٢ هـ وإقحامها في أثناء تراجم سنة ٥٧٣ هـ مما يدل على أنها كتبت في طيارة أو على حاشية النسخة ولكننا في الوقت نفسه لم نقف على ولاداتٍ لسنتي ٥٧٣ هـ و ٥٧٤ هـ فهل ابتدأ الذهبي بذكر المواليد بصفة منتظمة اعتبارًا من سنة ٥٧٥ هـ؟ وأن قوائم الولادات قد ابتدأت تظهر في نسخة الذهبي الأصلية اعتبارًا من هذا التاريخ؟ هذا هو الذي أعتقده. وكان عدد ما يورده الذهبيُّ من المواليد في النصف الأول من القرن السابع يتراوح بين ١٠ - ١٨ اسمًا (١)، وهي أقل من ذلك بقليلٍ في الربع الثالث منه (٢)، لكنها تناقصت تناقصًا كبيرًا في العقد الأخير منه حيث تراوح عددها بين ٢ - ٥ فقط (٣) وهو أمر طبيعي، فيما نعتقد، لأنَّ مَنْ ولد في هذا العقد كان ما يزال صغيرًا لم يتعين بعد، ولم يعرف الذهبي من هو الذي سوف يتميز منهم، ولذلك جاءت هذه المواليدُ لبعضِ أبناءِ معارفه، ولبعضٍ من تلامذتِه النُّجُب. _________ (١) انظر مثلًا الورقة ١٠، ٢٨، ٣٨، ٤٨، ٥٥، ٦٢ - ٦٣، ٦٩، ٧٤، ٩١، ١٠٣، ١١٧، ١٣٢، ١٤٣، ١٥٨، ١٧١، ١٨٢، ١٩٤، ٢٠٥، ٢١٥، ٢٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٢) انظر مثلًا الورقة ٧، ١٦، ٢١، ٢٥، ٣٣، ٤٧، ٥٩، ٦٥، ٦٩، ٨٠ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٣) انظر مثلًا الورقة ٢١٧، ٢٢٣، ٢٣٢، ٢٤١، ٢٥٥، ٢٦٣، ٢٧٢، ٢٨٢، ٣١٠، ٣١٩ من النسخة السابقة.

стр. 101

وعلى الرغم من أن كثيرًا من المؤرخين قد عُنوا بذكر مواليد المترجَمين لكن أحدًا منهم لم يفكر أن يذكر ذلك بصورة منفردة. وإذا استثنينا كتاب "تاريخ موالد العلماء ووفياتهم" لابن زَبْر الرَّبَعِي الدمشقي المتوفى سنة ٣٧٩ هـ الذي ذكر فيه مواليدَ بعض الرواة بصورة غير منتظمة ومرتبكة (١)، فإنَّ الذهبيَّ يُعَدُّ أولَ مَنْ نظم المواليد في كل سنة على حدة، فوصل بفَنِّ التراجمِ إلى المستوى الراقي الذي لم يصل إليه أحد من قبل. سادسًا: أسلوب العرض الأدبي: قد عرفنا من سيرة الذهبي ومكانته العلمية أنه قد حصل طرفًا صالحًا من العربية في نَحْوِهَا وصَرْفها وآدابها، كما أنه عُني عنايةً كبيرة في مطلع حياته بالقراءات التي تقومُ في أساسها على عِلْمٍ تام بالعربية، وقد تعاطى الشعرَ فنظمه وأورد منٍ شعرِ غيرِه جملةً كبيرة في كتابه "تاريخ الإسلامِ"، ولذلك أصبحت لغته قوية جدًّا يصعبُ أنْ نجدَ في كتابه لحنًا أو غلطًا لغويًا أو استعمالًا عاميًا، فإذا كان النادر من ذلك فإنه من سهو القلم والذهول. وقد نجد في بعض كتاباته ما يغلط فيه الخواص، وليس ذاك بشيء" فأهلُ العربية مستطيعون دائمًا إيجادَ أوهامٍ حتى لخواص العلماء (٢). فمن ذلك مثلًا قوله "توفي في ثالث عشرين صفر"، أو "مولده في خامس عشرين محرم" ونحوهما هكذا بإثبات النون. وهذا لم يرض به بعضُ أهلِ العربية ومنهم أستاذنا الدكتور مصطفى جواد يرحمه الله، حيت ارتأى أنْ تُحذفَ النونُ، وقد غيرها في جميع كتبه التي نشرها فصارت عندئذ "ثالث عشري" و"خامس عشري" ونحو ذلك (٣)، مع أننا نجد هذا الاستعمالَ في كتابات كَثْرةٍ من _________ (١) نسختي المصورة عن نسخة دار التحف البريطانية الفريدة وهي في ٨٢ ورقة ومن ضمنها بعض الذيول الأخرى. وقد نشره الدكتور عبد الله بن أحمد بن سليمان الحمد بالرياض في مجلدين سنة ١٤١٠ هـ. (٢) انظر كتاب أبي القاسم الحريري: درة الغواص في أوهام الخواص. (٣) انظر مثلًا تكملة إكمال الإكمال لابن الصابوني ص ٧٥ - ٧٧، والذهبي: المختصر المحتاج إليه، ج ٢ ص ٢٥٢، ٢٩٢، ٣٠٢، وابن الساعي: الجامع المختصر ج ٩ ص ١، ٤٦، ١١٨، ١٤٣، ١٤٥.

стр. 102

المؤرخين الذين عرفوا بقوة عربيتهم مثل جمال الدين ابن الدبيثي وجمال الدين بن القفطي في كتابه "إنباه الرواة" وغيرهما. فضلًا عن أن بعضَ أهل العربية يرى أن هذا الاستعمال قد يكون تقديرًا منهم يريدون "ثالث عشرين من شهر صفر" ونحوه (١). ومن ذلك قوله في ترجمة الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦ هـ: "فإن له أيامًا بيضاء في الإسلام" (٢)، والأصح أن يقول "أيامًا بِيضًا" كما هو معروف عند أهل العربية لأن "أيام" جمع فكان لابد أنْ يلحقَ الصفةَ وهي مجموعة أيضًا. ومثل هذه المسائل بمجموعها لا تخرج الذهبيَّ عن صحة اللغة والمعرفة التامة بها، وهي ليست من الإهمام بحيث يقال فيها أخطأ فلانٌ وأصاب فلان. ولقد اعتنى الذهبيُّ عنايةً بالغة بضبط الأسماء والأنساب ونحوها تقييدًا بالحروف تارة، وضبطًا بالقلم تارة أخرى، وكان معنيًا أشَدَّ العنايةِ حتى بضبط التلفظ بالأسماء، فلما أشكل عليه التلفظُ ببعض أسماء أهل الأندلس كتب إلى شيخه العلامة أثير الدين أبي حيان الغرناطي "ت ٧٤٥ هـ" (٣)، يسأله عن ذلك، قال الصفدي في ترجمة أبي حيان: "وله اليدُ الطولى في … وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم خصوصًا المغاربة وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم لأنهم مجاورو بلاد الفرنج وأسماؤهم قريبة (من لغاتهم) (٤) وألقابهم كذلك، كل ذلك قد جَوَّدَهُ وقَيَّده وحَرَّره، والشيخ شمس الدين الذهبي له سؤالات سأله عنها فيما يتعلق بالمغاربة وأجابه عنها" (٥). وقد كتب أثير الدين إلى الذهبي كتابًا من أجل ذلك سماه: "قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي" ذكره أبو حيان في إجازته لصلاح الدين الصفدي، (٦) ونقل منه ابن حجر في ترجمة أبي الحجاج _________ (١) انظر مقدمتنا لكتاب "ذيل تاريخ مدينة السلام" لابن الدبيثي ص ٦٢ - ٦٣. (٢) الورقة ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٣) انظر عن أبي حيان كتاب الدكتورة خديجة الحديثي: "أبو حيان النحوي" بغداد ١٩٦٦. (٤) ما بين العضادتين إضافة من نفح الطيب للمقري ج ٣ ص ٢٩٥. (٥) الصفدي: الوافي ج ٥ ص ٢٦٧ - ٢٨٦، والمقري: نفح الطيب ج ٣ ص ٢٩٥. (٦) الصفدي: الوافي ص ٥ ص ٢٨١.

стр. 103

المزي (١). إنَّ عنايةَ الذهبيِّ بدراسة عددٍ ضخم من المؤلفات التاريخية والأدبية والحديثية واشتهاره بقوة الحافظة جعلته يطلع على أساليب عددٍ كبير من الكتاب والمؤلفين على مدى عصور طويلة تنوعت أساليب الكتابة فيها، فأكسبه كُلُّ ذلك خبرةً أدبية قوية. وقد تميز أسلوبُ الذهبيِّ بالطراوة والحبك ولم يُعْنَ بالصفةِ البيانية وتزويق الألفاظ كغيره من معاصريه وتلامذته مثل ابن سيد الناس وتاج الدين السبكي والصلاح الصفدي وغيرهم. وهذا أمرٌ طبيعي فيما نرى لأنَّ للكلمة مكانتها عند الذهبي، وهو الناقدُ الذي يختارُ العبارةَ المناسبة للتعبير عما يريد بصورة دقيقة ويصف المترجَم بالعبارة التي تَزِنُه جرحًا أو تعديلًا، فهو أسلوبٌ علمي قبل كل شيء. ومن الواضح أنه لا يمكن عرضُ الحوادث بصفةٍ دقيقة وأوصاف المترجمين بشكل متقنٍ باتباع مثل تلك الأساليب، لأنَّ أسلوبَ الصنعةِ البلاغية يتجلى فيه دائمًا الابتعادُ عن الدقة. وكان الذهبيُّ صاحبَ منهج تاريخي بدا في غايةِ الوضوح في التراجم، لذلك فإنه لم يخرج عن موضوع هو بصددِ بحثه، فلم نجدْ في كتابه استطرادًا لا في الحوادث ولا في الوفيات. وقد عمد الذهبيُّ مثل غيره من المحدثين وعلماء الرجال إلى استعمال المختصرات (٢) في أسلوبه الكتابي، وتشمل هذه المختصرات بعض الألفاظ وأسماء الكتب التي يتكرر ذكرها في كتاب ما، ويرمز إليها عادة بحرف واحد أو أكثر أو رقم، وقد ذكر الذهبي بعضها في مقدمة كتابه (٣)، وإليك ما وقفنا عليه من المختصرات التي استعملها: _________ (١) المصدر السابق: ج ٥ ص ٢٣٤ وانظر خديجة الحديثي: أبو حيان النحوي ٢٦١ قلت: والحبي: السحابُ الذي بعضُه فوق بعض. (٢) انظر عن المختصرات واستعمالاتها: الصفدي: الوافي، ج ١ ص ٤١ - ٤٢، ومقدمتنا لتاريخ ابن الدبيثي م ١ ص ٦٣، والعلموي: المعيد في أدب المفيد والمستفيد. المسألة العاشرة (ط. دمشق)، وروزنتال: مناهج العلماء المسلمين، ص ٩٦ - ١٠١ وغيرها. (٣) ١/ ٧ - ٨ (من طبعتنا).

стр. 104

ع = حديث المترجم في الكتب الستة (١). ٤ = حديث المترجم في كتب السنن الأربعة. خ = حديث المترجم في صحيح البخاري. م = حديث المترجم في صحيح مسلم بن الحجاج. د = حديث المترجم في سنن أبي داود. ت = حديث المترجم في جامع الترمذي. ن = حديث المترجم في سنن النسائي. ق = حديث المترجم في سنن ابن ماجة القزويني (٢). لقد عُني الذهبيُّ بوضع هذه الرموز عند بداية الترجمة ليدلل على ذلك من غير أن يكتبه، ثم استعمل مثل هذه الرموز للدلالة على أصحابها أيضًا وليس لوجود حديث المترجم في كتبهم فقط نحو قوله: "قال خ" أي: قال البخاري، و"قال خ في تاريخه" ويريد: قال البخاري في تاريخه. و"ذكره م" ويريد: ذكره مسلم. وهلم جرًا. أما إذا كان حديث المترجم في خمسة من الكتب الستة فقد وضع الذهبي كلمة "سوى" قبل رمز الذي لم يرد حديثه فيه نحو قوله: "سوى خ" ويريد: حديثه في الكتب الستة فيما عدا البخاري، و"سوى ت" ويريد: حديثه في الكتب الستة فيما عدا جامع الترمذي وهكذا. أما في الأسانيد فقد استخدم المختصرات الشائعة عند المحدثين وهي: ثنا: حدثنا. أنا وأبنا: أخبرنا. وغالبًا ما تكون من غير نقط. ح: وهو رمز "التحويل" وتستعمل إذا كان للحديثِ إسنادانِ أو أكثر لتفصلَ بينهما ولتدلَّ على تَحَوُّلِ القارئ من إسنادٍ إلى آخر. _________ (١) وهى صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن كل من أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. (٢) استعمل حرف "ق" مع أن شهرته بابن ماجة أكثر من شهرته بالقزويني، إلا أنهم خافوا استعمال الجيم من اختلاطها بالخاء وهو الحرف المستعمل للبخاري.

стр. 105

الفصل الثاني محتويات الكتاب وأسس انتقاء مادته طبيعة الحوادث وأسس انتقائها: واجه الذهبيُّ مادةً كبيرة كان عليه أنْ ينتقي منها ما يراه مناسبًا لكتابه ولا سيما أنه اختصر في الحوادث كثيرًا قياسًا بالمادة الضخمة من التراجم التي أوردها في كتابه، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك؟ الجواب: إنه انتقى ما رآه في نظره مُهمًّا حريًّا بالذكر جديرًا بالتدوين (١). ولكن ما هي موازينه في ذلك، وميزانُ أيِّ مؤرخٍ في وزنِ الأحداثِ يتصل اتصالًا وثيقًا بمفاهيمه، وينطلق من بيئته ونوعية ثقافته، وهما اللذان بدورهما يكونان مزاجه الذي يحمله على ذكر حدثٍ تاريخي وإهمالِ آخر، والإسهاب في جوانب معينة والاختصار في جوانب أخرى؟ لقد اعتبر الذهبيُّ، مثلَ غيرهِ من المؤرخين المسلمين المتدينين، أن أساسَ الدولة الإسلامية ونموذجها الأعلى يتمثل في حكومةِ الرسولِ ﷺ في المدينة (٢)، ولذلك أوْلَى الفترةَ المدنيةَ اهتمامًا عظيمًا وفصَّلَ في حوادثها تفصيلًا لا نجده إلا في التواريخ المتخصصة بحيث احتلت السنوات العشر التي قضاها الرسول ﷺ في المدينة مجلدًا كاملًا من تاريخه هو المجلد الأول. وعني بعد ذلك بذكر أخبار حروب الردة وتكوين الأمة الإسلامية وحركة الفتوح والمساهمين فيها باعتبارهم المثل الأعلى للمجاهدين المسلمين، ولذلك احتلت هذه الفترة الزمانية القصيرة التي لا تتجاوز ٥% من نطاق كتابه الزماني قرابة ثلث الحوادث المذكورة في جميع الكتاب. _________ (١) لقد اعتبر الذهبي التاريخَ من العلوم النافعة واستعاذَ بالله من علمٍ لا ينفع، وأكد ضرورةَ الاطلاع على "المهم" منه، قال في المقدمة واصفًا كتابه: "يعرف به الإنسان مهم ما مضى من التاريخ" ١/ ٥ (من طبعتنا). (٢) يدخل ضمن ذلك بالطبع أهمية حكومة الرسول ﷺ وأعمالها في دراسة الفقه الإسلامي باعتبارها من الأسس التي يقوم عليها الفقه.

стр. 106

ووجدناه بعد ذلك يعنى دائمًا بأخبار الجهاد في سبيلِ الله سواء أكان ذلك بالفتح أم برد المعتدين عن ديار الإسلام، فأورد من أخبار الجهاد الكثير وفصَّل فيه بما سمح له منهجه، فذكر من أخبار فتوحات الأمويين شيئًا كثيرًا بالنسبة لما تضمنه كتابه من حوادث هذه الفترة، كما عُني بذكر العلاقات الإسلامية البيزنطية على مدى التاريخ وأولاها اهتمامًا واضحًا (١)، ولعل من أبرز ذلك ذكره لتفاصيل الحروب التي خاضها الحمدانيون مع البيزنطيين (٢). كما اهتم اهتمامًا كبيرًا بذكر المعارك العديدة التي خاضها المسلمون ضد الصليبيين على - مدى عصور التاريخ الإسلامي (٣)، وعني بظهور المغول وتحركاتهم وأخبارهم واستيلائهم على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، واهتم بذكر علاقاتهم بالشام ومصر (٤). ويظهر تقدير الذهبي لمثل هذه الأحداث في مدحه لأولئك الذين جاهدوا في سبيل الله وتحمسه الشديد عند ذكرهم، بل تفصيله في أفضالهم في هذا المجال بالرغم من ذكره الظلم الذي مارسوه نحو قوله في عهد الوليد بن عبد الملك: "وفتح الله على _________ (١) انظر مثلًا: ٨/ ٧ و ٨ - ١٠ و ١٣ - ١٤ (من طبعتنا). (٢) نقل الذهبي كثيرًا من التفاصيل عن العلاقات البيزنطية الحمدانية من تاريخ ثابت بن سنان وغيره من المصادر المعروفة. ولكن الذي يبدو أكثر أهمية نقله الكثير من التاريخ الذي ذَيَّلَ به علي بن محمد الشمشاطي العدوي على تاريخ الطبري وأوصله إلى زمانه (انظر بصفة خاصة ٨/ ٧ - ١٠) وكان الشمشاطي على صلة وثيقة بالأسرة الحمدانية؛ إذ عمل مؤدبًا ونديمًا لهم فكان مُطَّلعًا على أخبارهم عارفًا باتصالاتهم. ومع أننا لم نقف على تاريخ وفاته إلا أن ابن النديم كان على صلة به وذكر أنه كان حيًا في عصره سنة ٣٧٧ هـ (الفهرست ص ٢٢٠) وانظر ترجمته وأخباره عند النجاشي: الرجال، ص ١٨٦، وياقوت: معجم الأدباء ٤/ ١٩٠٧ - ١٩٠٩، ومعجم البلدان ج ٣ ص ٣٢٠، وبروكلمان: الملحق، ج ١ ص ٢٥١ (بالألمانية) والزركلي: الأعلام، ج ٥ ص ١٤٣، وج ١٠ ص ١٥٤ وانظر أيضًا تعليق أمدروز على تجارب الأمم لمسكوية، ج ص ١٩٤ - ١٩٦، والسامر: الدولة الحمدانية، ج ٢ ص ١٨٢. (٣) انظر مثلًا الورقة ٢ - ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠) والورقة ٢١٨، ٢٢٥، ٢٣٣، ٢٣٦، ٢٤٥، ٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٤ - ٢٣٧، ٢٤٢، ٢٥٥، ٢٦١، ٢٦٤ - ٢٦٧ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٤) انظر مثلًا الورقة ٢٢٤، ٢٢٩، ٢٣٩ - ٢٤٤، ٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٢٧، ٢٣٣، ٢٥٢ - ٢٥٤، ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقلما تخلو الحوادث المذكورة في المجلدين الأخيرين من تاريخ الإسلام (أيا صوفيا ٣٠١٣، ٣٠١٤) المتضمنة لحوادث ٦٥١ - ٧٠٠ من ذكر للمغول وعلاقاتهم بمصر والشام.

стр. 107

الإسلام فتوحًا عظيمة في دولة الوليد وعاد الجهاد شبيهًا بأيام عمر ﵁" (١)، وقوله في ترجمته: "وكان الوليد جبارًا ظالمًا لكنه أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة كما ذكرنا" (٢)، وقوله في ترجمة الظاهر بيبرس البندقداري المتوفى سنة ٦٧٦ هـ: "ولما سارت الجيوش المنصورة من مصر لحرب التتار كان هو طليعة الإسلام … وكان غازيًا مجاهدًا مرابطًا خليقًا للملك لولا ما كان فيه من الظلم، والله يرحمه ويغفر له ويسامحه؛ فإن له أيامًا بيضاء في الإسلام ومواقف مشهودة وفتوحات معدودة" (٣). وتحمَّس الذهبي للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي ﵁ وطوَّل في حروبه للصليبيين بحيث وضع عنوانًا في أثناء حوادث سنة ٥٨٣ هـ أطلق فيه على هذه السنة "سنة الفتوحات" وفصّل فيها على غير عادته إلى درجة استغراق هذا العنوان قرابة الثماني ورقات كبيرة (٤) وقال معلقًا على فتح بيت المقدس: "فالحمد لله على هذه النعم التي لا تحصى" (٥)، وقال في موضع آخر: "فرزقنا الله شكر هذه النعم ورحم صلاح الدين وأسكنه الجنة" (٦)، وقال عن حصار عكا بعد ذلك: "وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل … ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين" (٧). ثم نتحسس تحمسه من الألفاظ التي يطلقها على أعداء الإسلام نحو قوله: "وتتابعت الأمداد من رومية الكبرى التي هي دار الطاغية الأعظم المعروف بالبابا لعنه الله" (٨)، وقوله في أحدهم: "طاغية الروم … وكان هذا الكلب" (٩)، و"ملك الفرنج لا ﵀" وقد صب اللعنة عليهم وأساء القول فيهم كلما ورد ذكر واحد منهم (١٠). _________ (١) تاريخ الإسلام ٢/ ١٠٢٤ (من طبعتنا). (٢) ٢/ ١١٨٥ (من طبعتنا). (٣) الورقة ٣٤ - ٣٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٤) ١٢/ ٦٧٣ - ٦٨٢ (من طبعتنا). (٥) ١٢/ ٦٧٩. (٦) ١٢/ ٦٨١. (٧) ١٢/ ٦٩٨، وانظر تقويمه لجهاد بعض الأمراء والملوك الورقة ٩٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٨) والورقة ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٨) الورقة ٢٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١١). (٩) الورقة ١٧٠ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (١٠) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٣٦.

стр. 108

ثم وجدنا الذهبي المسلم المتمسك بدينه يُعنى بذكر أخبار الحركات التي كان الهدف منها، في رأيه، تدمير الإسلام الحق مثل البابكية، والزنج، والقرامطة وأمثالهم، يظهر لنا ذلك مما خصص لهم من أخبار في تاريخه ومن تحمسه عليهم فهو دائم اللعن لصاحب الزنج ويسميه "الخبيث" (١). وقد اعتبر الذين قتلهم بابك الخرمي في حروبه شهداء في سبيل الله (٢)، وقال عن أبي طاهر القرمطي: "وقد كان هذا الملعون بلاء عظيمًا على الإسلام وأهله" (٣). وتناول الذهبي السني أخبار الدولة المسماة الفاطمية بشيء من التفصيل، باعتبارها من أكبر الأخطار التي جابهت أهل السنة، فهم عنده باطنية (٤)، أدعياء نسب إلى آل البيت (٥)، ولذلك أطلق عليهم "بني عبيد" أو "العبيديين" أو "الرافضة" ونحوها، وقد قال في عبيد الله المهدي مؤسس دولتهم: "ويا حبذا لو كان رافضيًا وبس (٦) ولكنه زنديق" (٧)، وذكر في غير موضع من كتابه كيف كانوا يقتلون أهل السنة بعد تعذيبهم ليردوهم عن الترضي عن الصحابة (٨). وقد اعتنى الذهبي في أثناء تناول حوادث السنين بإجمال حال السنة وأهلها لما لذلك من أهمية عنده، نحو ذكره في آخر حوادث سنة ٣٦٣ هـ قطع الخطبة في مكة والمدينة وإقامتها للمعز العبيدي "في الحجاز ومصر والشام والمغرب، وكان الرفض قائمًا في هذه الأقاليم وفي العراق (٩) والسُّنة خاملة مغمورة لكنها ظاهرة بخراسان وأصبهان فالأمر لله تعالى" (١٠). ثم قوله في سنة ٣٦٤ هـ: "وفي هذه السنين وبعدها كان الرفض يغلي ويفور بمصر والشام والغرب والشرق _________ (١) انظر مثلًا: ٦/ ١٦ (من طبعتنا). (٢) تذكرة الحفاظ، ج ٢ ص ٤١٥. (٣) ٧/ ٦٢٩. (٤) ٨/ ١٨٥. (٥) تكلم الذهبي في نسب الفاطميين في غير موضع من كتابه وكان يرى بطلانه، انظر مثلًا الورقة ١٨٧ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٦) كلمة فصيحة بمعنى "حسب" كما في معاجيم اللغة. (٧) ٧/ ٤٦١. (٨) المصدر نفسه. (٩) يعني بسبب استيلاء البويهيين على العراق. (١٠) ٨/ ١٨٣.

стр. 109

لاسيما بالعبيدية الباطنية قاتلهم الله" (١) ثم أورد أخبارًا عن ذلك (٢)، وقوله في حوادث سنة ٣٧٢ هـ: "وفي هذا الزمان كانت الأهواء والبدع فاشية بمثل بغداد ومصر من الرفض والاعتزال والضلال فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٣). ويتضح لنا من كل هذه الأمثلة أن عقيدته السُّنية هي التي دفعته إلى التركيز على مثل هذه الحوادث. وقد عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي وعصره ما شهدته دمشق على عهده من صراع عقائدي حاد أثر إلى حد كبير في تكوينه الفكري، لذلك وجدناه، انطلاقًا من بيئته وتكوينه الفكري، يُعنى بذكر النزاعات العقائدية على مدى التاريخ حيث أولاها عناية خاصة (٤)، وأورد أخبار الفتن التي قامت بسببها (٥). ولعل من أوضح الأمثلة التي تؤيد هذه المقالة، الكمية التي خصصحها من الحوادث لذكر مواقف الخلفاء العباسيين من محنة القول بخلق القرآن ابتداء بالمأمون وانتهاء بالمتوكل الذي رفع القول بخلق القرآن. وحسبنا أن نذكر أنه في الوقت الذي كانت الحوادث في هذه السنوات لا تستغرق في العادة أكثر من نصف ورقة فإنه كتب عن امتحان المأمون للعلماء في حوادث سنة ٢١٨ هـ قرابة الست أوراق متتالية (٦)، ولعل هذا كان من الأسباب الرئيسة التي جعلت العقائد تكون عنصرًا بارزًا من عناصر الترجمة كما سيأتي بيانه. وعني الذهبي بإبراز أعمال الخلفاء والملوك والأمراء المتصلة بنشر الدين والعناية به، وإبطال الفساد (٧). وبناء المساجد والجوامع (٨) وتجديدها (٩). _________ (١) ٨/ ١٨٥. (٢) ٨/ ١٨٥ - ١٨٦. (٣) ٨/ ٣٤٧ وأورد حكاية لأحد المغاربة القادمين من بغداد تبين كيف كان أهل الكلام من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس يتناقشون من غير اعتماد على كتاب الله تعالى. (٤) انظر مثلًا الورقة ٢٢٠، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٣٨، ٢٦٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤) وغيرها. (٥) ٨/ ٧٠٥ - ٥٠٨ و ٩/ ١٨. (٦) الورقة ٨٨ - ٩٣ (أيا صوفيا ٧ ٣٠٠). (٧) مثلًا الورقة ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٨) مثلًا الورقة ٢٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٣٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٩) مثلًا الورقة ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٠ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤١ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٥ (أيا صوفيا ٣٠١٤).

стр. 110

وإبراز الأعمال التي ساروا فيها بموجب الشريعة الإسلامية أو خالفوها مثل فرض المكوس أو إبطالها (١). كما عني بذكر الولايات الدينية كالقضاء وتعيين القضاة وعزلهم، وإثبات الشهود وعزلهم، وأمراء الحاج (٢). واهتم بالأمور المتعلقة بمصالح المسلمين الدينية فاعتنى مثلًا بذكر مواسم الحج وما يجري للحجاج في المواسم أو في الطريق من نهب وسلب ونحوهما (٣)، واعتنى بمصالحهم الدنيوية وما يصيب الأمة من أوبئة وسنين مجدبة، ومجاعات، وفيضانات، وعواصف مدمرة، وارتفاع في أسعار الأطعمة أو انخفاض فيها، وقد قدم أمثلة لذلك (٤). ولما كان الذهبي من المهتمين بالعلم ونشره فقد اعتنى بذكر إنشاء دور العلم مثل المدارس، ودور الحديث، وخزائن الكتب، وتعيين المدرسين وعزلهم. ويظهر ذلك أكثر وضوحًا في القسم الأخير من كتابه حيث احتلت مثل هذه الأمور حيزًا ليس بالقليل من مادة الحوادث فصرنا لا نجد حوادث سنة من السنوات خالية من مثل هذه الأمور مما يدل على شدة اهتمامه بها وعنايته بذكرها (٥). واهتم بإيراد كثير من الوثائق والمكاتبات بنصوصها، وهي ظاهرة واضحة في كتابه. وتشتمل هذه الوثائق على ما صدر من علماء الأمة من المحاضر المتعلقة بالعقائد، والتوقيعات التي أصدرها الخلفاء والملوك. على أنه ركز اهتمامه على الكتب التي كان ملوك الدول الإسلامية يبعثون بها إلى الخلافة العباسية يصفون بها فتوحاتهم وحروبهم وردهم لأعداء المسلمين أو أعداء الخلافة (٦). _________ (١) مثلًا الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠١١) والورقة ٢٤٨ (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٢) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠. (٣) مثلًا الورقة ٢٣٠ و ٢٤٩ (أيا صوفيا ٣٠١١)، والورقة ٢٤٧، ٢٥٥، ٢٦٩ (أيا صوفيا ٣٠١٢) والورقة ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٤) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ٣٤٠. (٥) ينظر المصدر نفسه ٣٤١. (٦) ينظر المصدر نفسه.
следующие страницы →