وقال مرحوم بن عبد العزيز العطار: حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس أنه أتى عائشة، فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا مر بحجرتي ألقى إلي الكلمة تقر بها عيني، فمر ولم يتكلم، فعصبت رأسي ونمت على فراشي، فمر رسول الله ﷺ فقال: ما لك؟ قلت: رأسي، فقال: بل أنا وارأساه، أنا الذي أشتكي رأسي، وذلك حين أخبره جبريل أنه مقبوض، فلبثت أياما، ثم جيء به يحمل في كساء بين أربعة، فأدخل علي، فقال: يا عائشة أرسلي إلى النسوة، فلما جئن قال: إني لا أستطيع أن أختلف بينكن، فأذن لي فأكون في بيت عائشة قلن: نعم، فرأيته يحمر وجهه ويعرق، ولم أكن رأيت ميتا قط، فقال: أقعديني، فأسندته إلي، ووضعت يدي عليه، فقلب رأسه، فرفعت يدي، وظننت أنه يريد أن يصيب من رأسي، فوقعت من فيه نقطة باردة على ترقوتي أو صدري، ثم مال فسقط على الفراش، فسجيته بثوب، ولم أكن رأيت ميتا قط، فأعرف الموت بغيره، فجاء عمر يستأذن، ومعه المغيرة بن شعبة، فأذنت لهما، ومددت الحجاب، فقال عمر: يا عائشة ما لنبي الله؟ قلت: غشي عليه منذ ساعة، فكشف عن وجهه فقال: واغماه، إن هذا لهو الغم، ثم غطاه، ولم يتكلم المغيرة، فلما بلغ عتبة الباب، قال المغيرة: مات رسول الله ﷺ يا عمر، فقال: كذبت، ما مات رسول الله، ولا يموت حتى يأمر بقتال المنافقين، بل أنت تحوسك (١) فتنة.
فجاء أبو بكر فقال: ما لرسول الله؟ قلت: غشي عليه، فكشف عن وجهه، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه ثم قال: وانبياه واصفياه واخليلاه، صدق الله ورسوله إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر]. وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون [الأنبياء]، كل نفس ذائقة الموت [آل عمران] ثم غطاه وخرج إلى الناس فقال: أيها الناس، هل مع أحد منكم عهد من رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، وقال: إنك ميت وإنهم ميتون والآيات.
стр. 1157
فقال عمر: أفي كتاب الله هذا يا أبا بكر؟ قال: نعم، قال عمر: هذا أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ في الغار، وثاني اثنين فبايعوه، فحينئذ بايعوه.
رواه محمد بن أبي بكر المقدمي عنه. ورواه أحمد في مسنده (١) بطوله عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة، قال: أخبرنا أبو عمران الجوني، فذكره بمعناه.
وقال عقيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل علي، فتيمم (٢) رسول الله ﷺ وهو مغشى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه يقبله، ثم بكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.
وحدثني (٣) أبو سلمة، عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى، فقال: اجلس، فأبى، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران] الآية، فكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها (٤).
وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ففرقت، أو قال فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض، وعرفت حين تلاها أن رسول الله ﷺ قد مات. أخرجه البخاري (٥).
стр. 1158
وقال يزيد بن الهاد: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: توفي رسول الله ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي (١)، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا، بعدما رأيت من رسول الله ﷺ . حديث صحيح.
وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كان أسامة بن زيد قد تجهز للغزو وخرج ثقله (٢) إلى الجرف فأقام تلك الأيام لوجع النبي ﷺ ، وكان قد أمره على جيش عامتهم المهاجرون، وفيهم عمر، وأمره أن يغير على أهل مؤتة، وعلى جانب فلسطين، حيث أصيب أبوه زيد، فجلس رسول الله ﷺ إلى جذع في المسجد، يعني صبيحة الاثنين، واجتمع المسلمون يسلمون عليه ويدعون له بالعافية، فدعا أسامة فقال: اغد على بركة الله والنصر والعافية، قال: بأبي أنت يا رسول الله، قد أصبحت مفيقا، وأرجو أن يكون الله قد شفاك، فأذن لي أن أمكث حتى يشفيك الله فإن أنا خرجت على هذه الحال خرجت في قلبي قرحة من شأنك، وأكره أن أسأل عنك الناس، فسكت رسول الله ﷺ فلم يراجعه، وقام فدخل بيت عائشة، وهو يومها، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة، فقال: قد أصبح رسول الله ﷺ مفيقا، وأرجو أن يكون الله قد شفاه، ثم ركب أبو بكر فلحق بأهله بالسنح، وهنالك امرأته حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري، وانقلبت كل امرأة من نساء النبي ﷺ إلى بيتها، وذلك يوم الاثنين.
ولما استقر ﷺ ببيت عائشة وعك أشد الوعك، واجتمع إليه نساؤه، واشتد وجعه، فلم يزل بذلك حتى زاغت الشمس، وزعموا أنه كان يغشى عليه، ثم شخص بصره إلى السماء فيقول: نعم في الرفيق الأعلى، وذكر الحديث، إلى أن قال: فأرسلت عائشة إلى أبي بكر، وأرسلت حفصة إلى عمر، وأرسلت فاطمة إلى علي، فلم يجتمعوا حتى توفي رسول الله ﷺ على صدر عائشة، وفي يومها يوم الاثنين، وجزع الناس، وظن عامتهم أنه غير ميت، منهم من يقول: كيف يكون شهيدا علينا ونحن شهداء على الناس، فيموت، ولم يظهر على الناس، ولكنه رفع كما فعل بعيسى بن مريم،
стр. 1159
فأوعدوا من سمعوا يقول: إنه قد مات، ونادوا على الباب لا تدفنوه فإنه حي، وقام عمر يخطب الناس ويوعد بالقتل والقطع، ويقول: إنه لم يمت وتواعد المنافقين، والناس قد ملؤوا المسجد يبكون ويموجون، حتى أقبل أبو بكر من السنح.
وقال يونس بن بكير، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، عن أم سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله ﷺ يوم مات، فمر بي جمع آكل وأتوضأ، ما يذهب ريح المسك من يدي (١).
وقال ابن عون، عن إبراهيم بن يزيد هو التيمي عن الأسود قال: قيل لعائشة: إنهم يقولون: إن النبي ﷺ أوصى إلى علي، وقد رأيته دعا بطست ليبول فيها، وأنا مسندته إلى صدري، فانحنث (٢) فمات، ولم أشعر فبم يقول هؤلاء إنه أوصى إلى علي؟ متفق عليه (٣).
تاريخ وفاته ﷺ .
قال الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي أبو بكر: أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قلت: يوم الاثنين، قال: إني أرجو أن أموت فيه، فمات فيه (٤).
وقال ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة]. وتوفي يوم الاثنين.
قد خولف في بعضه، فإن عمر ﵁ قال: نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يوم عرفة، يوم جمعة.
стр. 1160
وكذلك قال عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس.
وقال موسى بن عقبة: توفي يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال شهر ربيع الأول.
وقال سليمان التيمي: توفي رسول الله ﷺ اليوم العاشر من مرضه، وذلك يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. رواه معتمر، عن أبيه (١).
وقال الواقدي (٢): حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس قال: اشتكى النبي ﷺ ثلاثة عشر يوما وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.
وذكر الطبري (٣)، عن ابن الكلبي، وأبي مخنف وفاته في ثاني ربيع الأول.
وقال محمد بن إسحاق (٤): توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، في اليوم الذي قدم المدينة مهاجرا، فاستكمل في هجرته عشر سنين كوامل.
وقال الواقدي (٥)، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن جده قال: اشتكى رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، وتوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول.
ويروى نحو هذا في وفاته، عن عائشة، وابن عباس إن صح، وعليه اعتمد سعيد بن عفير، ومحمد بن سعد الكاتب (٦)، وغيرهما.
أخبرنا الخضر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: أخبرنا أبو محمد بن البن، قال: أخبرنا جدي، قال: أخبرنا علي بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا علي بن أبي العقب، قال: أخبرنا
стр. 1161
أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني النعمان، عن مكحول قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، وأوحي إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين لاثنتين وستين سنة وأشهر، وكان له قبل أن يوحى إليه اثنتان وأربعون سنة، واستخفى عشر سنين وهو يوحى إليه، ثم هاجر إلى المدينة، فمكث يقاتل عشر سنين ونصفا، وكان الوحي إليه عشرين سنة ونصفا، وتوفي، فمكث ثلاثة أيام لا يدفن، يدخل الناس عليه رسلا رسلا يصلون عليه، والنساء مثل ذلك.
وطهره الفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وكان يناولهم العباس الماء، وكفن في ثلاثة رياط (١) بيض يمانية، فلما طهر وكفن دخل عليه الناس في تلك الأيام الثلاثة يصلون عليه عصبا عصبا، تدخل العصبة فتصلي عليه ويسلمون، لا يصفون ولا يصلي بين أيديهم مصل، حتى فرغ من يريد ذلك، ثم دفن، فأنزله في القبر العباس وعلي والفضل، وقال عند ذلك رجل من الأنصار: أشركونا في موت رسول الله ﷺ فإنه قد أشركنا في حياته، فنزل معهم في القبر وولى ذلك معهم.
ورواه محمد بن شعيب بن شابور، عن النعمان (٢).
وعن عثمان بن محمد الأخنسي قال: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين حين زاغت الشمس، ودفن يوم الأربعاء.
وعن عروة أنه توفي يوم الاثنين، ودفن من آخر ليلة الأربعاء.
وعن الحسن قال: كان موته في شهر أيلول.
قلت: إذا تقرر أن كل دور في ثلاث وثلاثين سنة كان في ستمائة وستين عاما عشرون دورا، فإلى سنة ثلاث وسبعمائة من وقت موته أحد وعشرون دورا في ربيع الأول منها كان وقوع تشرين الأول وبعض أيلول في صفر، وكان آب في المحرم، وكان أكثر تموز في ذي الحجة فحجة الوداع كانت في تموز.
стр. 1162
قال أبو اليمن ابن عساكر وغيره: لا يمكن أن يكون موته يوم الاثنين من ربيع الأول إلا يوم ثاني الشهر أو نحو ذلك، فلا يتهيأ أن يكون ثاني عشر الشهر للإجماع أن عرفة في حجة الوداع كان يوم الجمعة، فالمحرم بيقين أوله الجمعة أو السبت، وصفر أوله على هذا السبت أو الأحد أو الاثنين، فدخل ربيع الأول الأحد، وهو بعيد، إذ يندر وقوع ثلاثة أشهر نواقص، فترجح أن يكون أوله الاثنين، وجاز أن يكون الثلاثاء، فإن كان استهل الاثنين فهو ما قال موسى بن عقبة من وفاته يوم الاثنين لهلال ربيع الأول، فعلى هذا يكون الاثنين الثاني منه ثامنه، وإن جوزنا أن أوله الثلاثاء فيوم الاثنين سابعه أو رابع عشره، ولكن بقي بحث آخر: كان يوم عرفة الجمعة بمكة، فيحتمل أن يكون كان يوم عرفة بالمدينة يوم الخميس مثلا أو يوم السبت، فيبنى على حساب ذلك.
وعن مالك قال: بلغني أنه توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء (١).
باب عمر النبي ﷺ والخلف فيه.
قال ربيعة، عن أنس أن رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشرا وبالمدينة عشرا، وتوفي على رأس ستين سنة. البخاري. ومسلم (٢).
وقال عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقبض أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين. رواه مسلم (٣).
قوله في الأول على رأس ستين سنة، على سبيل حذف الكسور القليلة، لا على سبيل التحرير، ومثل ذلك موجود في كثير من كلام العرب.
وقال عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن النبي ﷺ توفي
стр. 1163
وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن المسيب بذلك. متفق عليه (١).
وقال زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: توفي النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. متفق عليه (٢). ولمسلم مثله من حديث أبي جمرة عن ابن عباس (٣).
وللبخاري مثله من حديث عكرمة، عن ابن عباس (٤).
وأما ما رواه هشيم قال: حدثنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة. فعلي ضعيف الحديث ولا سيما وقد خالفه غيره.
وقد قال شبابة: حدثنا شعبة، عن يونس بن عبيد، عن عمار مولى بني هاشم، سمع ابن عباس يقول: توفي وهو ابن خمس وستين.
وهذا حديث غريب لكن تقويه رواية هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن دغفل بن حنظلة أن النبي ﷺ قبض وهو ابن خمس وستين.
وهو إسناد صحيح مع أن الحسن لم يعتمد على ما روي عن دغفل بل قال: توفي وهو ابن ثلاث وستين. قاله أشعث عنه.
وقال هشام بن حسان عنه: توفي وهو ابن ستين سنة.
وروى الثوري، عن الحذاء، عن عمار، عن ابن عباس: قبض النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة.
وروى بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس: توفي النبي ﷺ وهو ابن خمس وستين.
يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة وستة أشهر.
стр. 1164
وقال عدة، عن ربيعة، عن أنس: قبضه الله على رأس ستين سنة (١).
وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير بن عبد الله، عن معاوية قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وكذلك أبو بكر وعمر. أخرجه مسلم (٢).
وكذلك قال سعيد بن المسيب، والشعبي، وأبو جعفر الباقر، وغيرهم. وهو الصحيح الذي قطع به المحققون. وقال قتادة: توفي وهو ابن اثنتين وستين سنة.
باب غسله وكفنه ودفنه ﷺ .
قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، سمع عائشة تقول: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ أم نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، فكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. صحيح أخرجه أبو داود (٣).
وقال أبو معاوية: حدثنا بريد بن عبد الله أبو بردة، عن علقمة ن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: لما أخذوا في غسل رسول الله ﷺ ناداهم مناد من الداخل لا تخرجوا عن رسول الله ﷺ قميصه (٤).
وقال ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: غسل رسول الله ﷺ علي، وعليه قميصه، وعلى يد علي ﵁ خرقة
стр. 1165
يغسله بها، فأدخل يده تحت القميص وغسله والقميص عليه (١). فيه ضعف.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أن النبي ﷺ غسله علي، وأسامة، والفضل بن العباس، وأدخلوه قبره، وكان علي يقول وهو يغسله: بأبي وأمي، طبت حيا وميتا (٢). مرسل جيد.
وقال عبد الواحد بن زياد: حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي: غسلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا، وكان طيبا حيا وميتا.
وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله ﷺ ولحد لرسول الله ﷺ لحدا، ونصب عليه اللبن نصبا (٣).
وقال عبد الصمد بن النعمان: حدثنا أبو عمر كيسان، عن مولاه يزيد بن بلال قال: سمعت عليا ﵁ يقول: أوصى النبي ﷺ أن لا يغسله أحد غيري، فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه قال علي: فكان العباس، وأسامة، يناولاني الماء، وراء الستر، وما تناولت عضوا إلا كأنما يقلبه معي ثلاثون رجلا، حتى فرغت من غسله (٤).
كيسان القصار يروي عنه أيضا القاسم بن مالك، وأسباط، ومولاه كأنه مجهول، وهو ضعيف.
وقال أبو معشر، عن محمد بن قيس قال: كان الذي غسل رسول الله ﷺ علي، والفضل بن عباس يصب عليه، قال: فما كنا نريد أن نرفع منه عضوا لنغسله إلا رفع لنا، حتى انتهينا إلى عورته فسمعنا من جانب البيت صوتا: لا تكشفوا عن عورة نبيكم (٥). مرسل ضعيف.
وقال ابن جريج: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: غسل النبي ﷺ ثلاثا بالسدر، وغسل من بئر بقباء كان يشرب منها.
стр. 1166
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. متفق عليه (١).
ولمسلم فيه زيادة وهي: سحولية من كرسف.
فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له حلة ليكفن فيها، فتركت الحلة، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنها لنفسي حتى أكفن فيها، ثم قال: لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها، فباعها وتصدق بثمنها. رواه مسلم (٢).
وروى علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أدرج النبي ﷺ في حلة يمانية، ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب.
وروى نحوه القاسم عن عائشة.
وأما ما روى شعيب، عن الزهري، عن علي بن الحسين أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب أحدها برد حبرة، وروي نحو ذا عن مقسم، عن ابن عباس، فلعله قد اشتبه على من قال ذلك، بكونه ﷺ أدرج في حلة يمانية، ثم نزعت عنه.
وقال زكريا عن الشعبي قال: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب سحولية برود يمنية غلاظ: إزار ورداء ولفافة (٣).
وقال الحسن بن صالح بن حي، عن هارون بن سعد، عن أبي وائل قال: كان عند علي ﵁ مسك فأوصى أن يحنط به. وقال علي: هو فضل حنوط رسول الله ﷺ (٤).
وقال ابن إسحاق: حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مات رسول الله ﷺ أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء فصلين عليه، ثم
стр. 1167
أدخل الصبيان فصلوا عليه ثم أدخل العبيد، لم يؤمهم أحد.
وقال الواقدي (١): حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، قال: وجدت بخط أبي قال: لما كفن رسول الله ﷺ ووضع على سريره، دخل أبو بكر، وعمر، ونفر من المهاجرين والأنصار فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وسلم المهاجرون والأنصار كذلك، ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول: اللهم إنا نشهد أن قد بلغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله، حتى أعز الله دينه، وتمت كلمته، وأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به، فإنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، لا نبغي بالإيمان بدلا، ولا نشتري به ثمنا أبدا، فيقول الناس: آمين آمين، فيخرجون ويدخل آخرون، حتى صلى عليه: الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان. مرسل ضعيف لكنه حسن المتن.
وقال سلمة بن نبيط بن شريط، عن أبيه، عن سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة قال: قالوا: هل ندفن رسول الله ﷺ ، وأين يدفن؟ فقال أبو بكر: حيث قبضه الله، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، فعلموا أنه كما قال.
زاد بعضهم بعد سلمة نعيم بن أبي هند (٢).
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق (٣): حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ كان أبو عبيدة بن الجراح يضرح (٤) لأهل مكة، وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة، فأرسل العباس خلفهما رجلين وقال: اللهم خر لرسولك، أيهما جاء حفر له، فجاء أبو طلحة فلحد لرسول الله ﷺ .
وقال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد
стр. 1168
الأخنسي، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع قال: لما توفي النبي ﷺ اختلفوا في موضع قبره، فقال قائل: في البقيع، فقد كان يكثر الاستغفار لهم. وقال قائل: عند منبره، وقال قائل: في مصلاه، فجاء أبو بكر فقال: إن عندي من هذا خبرا وعلما، سمعت النبي ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي (١).
وقال ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: عرضت عائشة على أبيها رؤيا - وكان من أعبر الناس - قالت: رأيت: ثلاثة أقمار وقعن في حجرتي، فقال: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض النبي ﷺ قال: يا عائشة هذا خير أقمارك (٢).
وقال الواقدي: حدثني ابن أبي سبرة، عن عباس بن عبد الله بن معبد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس يوم الثلاثاء يصلون الناس عليه، وسريره على شفير قبره، فلما أرادوا أن يقبروه، نحوا السرير قبل رجليه، فأدخل من هناك، ونزل في حفرته العباس وعلي، وقثم بن العباس، والفضل بن العباس، وشقران (٣).
وقال ابن إسحاق: حدثني الحسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الذين نزلوا القبر، فذكرهم سوى العباس، وقد كان شقران حين وضع رسول الله ﷺ في حفرته أخذ قطيفة حمراء قد كان رسول الله ﷺ يلبسها ويفترشها، فدفنها معه في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك، فدفنت معه.
وقال أبو جمرة، عن ابن عباس: إن النبي ﷺ لما توفي ألقي في قبره قطيفة حمراء. أخرجه مسلم (٤).
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، حدثني أبو مرحب قال:
стр. 1169
كأني أنظر إليهم في قبر رسول الله ﷺ أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف (١).
وقال سليمان التيمي: لما فرغوا من غسل رسول الله ﷺ وتكفينه، صلى الناس عليه يوم الاثنين والثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء (٢).
وقال أبو جعفر محمد بن علي: لبث يوم الاثنين ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار.
وقال ابن جريج: مات في الضحى يوم الاثنين. ودفن من الغد في الضحى. هذا قول شاذ. وإسناده صحيح.
وقال ابن إسحاق: حدثتني فاطمة بنت محمد، عن عمرة، عن عائشة أنها قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء.
قال ابن إسحاق: وكان المغيرة بن شعبة يدعي قال: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله ﷺ ، وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر، وإنما طرحته عمدا لأمس رسول الله ﷺ ، فأكون آخر الناس عهدا به (٣). هذا حديث منقطع.
وقال الشافعي في مسنده (٤) أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر ابن حفص، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: لما توفي رسول الله ﷺ جاءت التعزية، وسمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
وأخرج الحاكم في مستدركه (٥) لأبي ضمرة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما توفي رسول الله ﷺ عزتهم الملائكة يسمعون الحس، ولا يرون الشخص، فذكره نحوه.
стр. 1170
وقد تقدم صلاتهم عليه من غير أن يؤمهم أحد فالله أعلم.
صفة قبره ﷺ .
قال عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم قال: قلت لعائشة: اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. أخرجه أبو داود هكذا (١).
وقال أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ (٢) مسنما. أخرجه البخاري (٣).
وقال الواقدي: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: جعل قبر النبي ﷺ مسطوحا. هذا ضعيف.
وقال عروة، عن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خاف أو خيف أن يتخذ مسجدا. أخرجه البخاري (٤).
стр. 1171
باب أن النبي ﷺ لم يستخلف.
ولم يوص إلى أحد بعينه بل نبه على الخلافة بأمر الصلاة.
قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر قال: حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه وقالوا: جزاك الله خيرا، فقال: راغب، راهب. قالوا: استخلف، فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا، لوددت أن حظي منكم الكفاف لا علي ولا لي، إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله ﷺ ، قال عبد الله: فعرفت أنه غير مستخلف حين ذكر رسول الله ﷺ . متفق عليه (١). واتفقا عليه من حديث سالم بن عبد الله، عن أبيه (٢).
وقال الثوري، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها (٣). إسناده حسن.
وقال أحمد في مسنده (٤): حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه. فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر.
ويروى عن أنس نحوه.
стр. 1172
وقال شعيب بن ميمون، عن حصين بن عبد الرحمن، عن الشعبي، عن أبي وائل قال: قيل لعلي ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف. تفرد به شعيب، وله مناكير.
وقال شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن ابن عباس أخبره، أن عليا خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده العباس فقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفاه الله من وجعه هذا، إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، قال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ . رواه البخاري (١). ورواه معمر وغيره.
وقال أبو حمزة السكري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال العباس لعلي ﵄: إني أكاد أعرف في وجه رسول الله ﷺ الموت، فانطلق بنا نسأله، فإن يستخلف منا فذاك، وإلا أوصى بنا، فقال علي للعباس كلمة فيها جفاء، فلما قبض النبي ﷺ قال العباس لعلي: ابسط يدك فلنبايعك، قال: فقبض يده، قال الشعبي: لو أن عليا أطاع العباس -في أحد الرأيين -كان خيرا من حمر النعم، وقال: لو أن العباس شهد بدرا ما فضله أحد من الناس رأيا ولا عقلا (٢).
وقال أبو إسحاق عن أرقم بن شرحبيل، سمعت ابن عباس يقول: مات رسول الله ﷺ ولم يوص.
وقال طلحة بن مصرف: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: فلم أمر بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله. قال طلحة: قال هزيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ﷺ ، ود
стр. 1173
أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله ﷺ فخزم أنفه بخزام. متفق عليه (١).
وقال همام، عن قتادة، عن أبي حسان، أن عليا قال: ما عهد إلي رسول الله ﷺ شيئا خاصة دون الناس إلا ما في هذه الصحيفة. الحديث.
وأما الحديث الذي فيه وصية النبي ﷺ لعلي: يا علي إن للمؤمن ثلاث علامات: الصلاة، والصيام، والزكاة، فذكر حديثا طويلا موضوعا، تفرد به حماد بن عمرو -وكان يكذب- عن السري بن خالد، عن جعفر الصادق، عن آبائه، وعند الرافضة أباطيل في أن عليا عهد إليه.
وقال ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله قال: لم يوص رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث: أوصى للرهاويين بجاد (٢) مائة وسق، وللداريين بجاد مائة وسق، وللشنيين بجاد مائة وسق، وللأشعريين بجاد مائة وسق من خيبر، وأوصى بتنفيذ بعث أسامة، وأوصى أن لا يترك بجزيرة العرب دينان (٣). مرسل.
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير بن عبد الله قال: كنت باليمن فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو، فجعلت أحدثهم عن رسول الله ﷺ فقالا لي: إن كان ما تقول حقا مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث، قال: فأقبلت وأقبلا معي، حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة، فسألناهم فقالوا: قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر والناس صالحون، فقالا لي: أخبر صاحبك أنا قد جئنا، ولعلنا إن شاء الله سنعود، ورجعا إلى اليمن، وذكر الحديث. أخرجه البخاري (٤).
стр. 1174
باب تركة رسول الله ﷺ .
قال أبو إسحاق، عن عمرو بن الحارث الخزاعي أخي جويرية قال: والله ما ترك رسول الله ﷺ عند موته دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا تركها صدقة. أخرجه البخاري (١).
وقال الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. مسلم (٢).
وقال مسعر، عن عاصم، عن زر، قالت عائشة: تسألوني عن ميراث رسول الله ﷺ ؟ ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة.
وقال عروة، عن عائشة قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما في بيتي إلا شطر شعير، فأكلت منه حتى ضجرت، فكلته ففني، وليتني لم أكله. متفق عليه (٣).
وقال الأسود، عن عائشة: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير. أخرجه البخاري (٤).
وأما البرد الذي عند الخلفاء آل العباس، فقد قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في قصة غزوة تبوك أن النبي ﷺ أعطى أهل أيلة برده مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد -يعني السفاح- بثلاثمائة دينار.
وقال ابن عيينة، عن الوليد بن كثير، عن حسن بن حسين، عن فاطمة بنت الحسين، أن النبي ﷺ قبض وله بردان في الحف يعملان (٥). هذا مرسل، والحف (٦) هي الخشبة التي يلف عليها الحائك وتسمى المطواة.
стр. 1175
وقال زمعة بن صالح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: توفي رسول الله ﷺ وله جبة صوف في الحياكة. إسناده صالح.
وقال الزهري: حدثني عروة، أن عائشة أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي ﷺ التي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال- يعني مال الله- ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، وإني والله لا أغير صدقات النبي ﷺ عن حالها التي كانت عليه في عهد النبي ﷺ ، ولأعملن فيها بما عمل رسول الله ﷺ فيها، وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر من ذلك، وذكر الحديث. رواه البخاري (١).
وقال أبو بردة: دخلت على عائشة فأخرجت إلينا إزارا غليظا مما يصنع باليمن، وكساء من هذه التي تدعونها الملبدة، فأقسمت بالله لقد قبض رسول الله ﷺ في هذين الثوبين. متفق عليه (٢).
وقال الزهري: حدثني علي بن الحسين أنهم حين قدموا المدينة مقتل الحسين لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك إلي من حاجة تأمرني بها؟ قلت: لا، قال: هل أنت معطي سيف رسول الله ﷺ فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايم الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أحد حتى يبلغ نفسي. اتفقا عليه (٣).
وقال عيسى بن طهمان: أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت بعد عن أنس أنهما نعلا النبي ﷺ . رواه البخاري (٤).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن رسول الله ﷺ تزوج خمس عشرة امرأة، ودخل بثلاث عشرة، واجتمع عنده منهن إحدى عشرة، وقبض
стр. 1176
عن تسع.
فأما اللتان لم يدخل بهن فأفسدهما النساء فطلقهما، وذلك أن النساء قلن لإحداهما: إذا دنا منك فتمنعي، فتمنعت، فطلقها، وأما الأخرى فلما مات ابنه إبراهيم قالت: لو كان نبيا ما مات ابنه، فطلقها.
وخمس منهن من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة. وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث الخزاعية، وزينب بنت جحش الأسدية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية. قبض ﷺ عن هؤلاء ﵅ (١).
روى داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوج قتيلة أخت الأشعث بن قيس، فمات قبل أن يخبرها، فبرأها الله منه.
وقال إبراهيم بن الفضل: حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي أن عكرمة بن أبي جهل تزوج قتيلة بنت قيس، فأراد أبو بكر أن يضرب عنقه، فقال له عمر: إن رسول الله ﷺ لم يعرض لها ولم يدخل بها، وارتدت مع أخيها فبرئت من الله ورسوله، فلم يزل به حتى كف عنه.
وأما الواقدي فروى عن ابن أبي الزناد عن هشام، عن أبيه، أن الوليد بن عبد الملك كتب إليه يسأله: هل تزوج رسول الله ﷺ قتيلة أخت الأشعث؟ فقال: ما تزوجها قط، ولا تزوج كندية إلا أخت بني الجون، فلما أتي بها وقدمت المدينة نظر إليها فطلقها ولم يبن بها (٢).
ويقال إنها فاطمة بنت الضحاك: فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري قال: هي فاطمة بنت الضحاك، استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر وتقول: أنا الشقية. تزوجها في سنة ثمان وتوفيت سنة ستين (٣).
وقال ابن إسحاق: تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت كعب الجونية، فلم يدخل بها حتى طلقها.
стр. 1177
وتزوج عمرة بنت يزيد، وكانت قبله عند الفضل بن العباس بن عبد المطلب (١).
كذا قال، وهذا شيء منكر. فإن الفضل يصبو عن ذلك.
وعن قتادة قال: تزوج رسول الله ﷺ من اليمن أسماء بنت النعمان الجونية، فلما دخل بها دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلقها.
وقال الواقدي (٢): حدثني عبد الله بن جعفر، عن عمرو بن صالح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال: استعاذت الجونية منه، وقيل لها: هو أحظى لك عنده وإنما خدعت لما رئي من جمالها وهيئتها، ولقد ذكر له ﷺ من حملها على ما قالت له، فقال: إنهن صواحب يوسف. وذلك سنة تسع.
وقال هشام بن الكلبي (٣)، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما استعاذت أسماء بنت النعمان من النبي ﷺ خرج مغضبا، فقال له الأشعث بن قيس: لا يسوؤك الله يا رسول الله، ألا أزوجك من ليس دونها في الجمال والحسب؟ فقال: من قال: أختي قتيلة، قال: قد تزوجتها، فانصرف الأشعث إلى حضرموت ثم حملها، فبلغه وفاة رسول الله ﷺ ، فردها وارتدت معه.
ويروى عن قتادة وغيره، أن رسول الله ﷺ تزوج سناء بنت الصلت السلمية، فماتت قبل أن يصل إليها.
وعن ابن عمر من وجه لا يصح قال (٤): كان في نساء النبي ﷺ سناء بنت سفيان الكلابية.
وبعث أبا أسيد الساعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر، يقال لها عمرة بنت يزيد، فتزوجها، ثم بلغه أن بها بياضا فطلقها.
قال الواقدي (٥): وحدثني أبو معشر أن النبي ﷺ تزوج مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت: أما تستحين
стр. 1178
أن تنكحي قاتل أبيك، فاستعاذت منه، فطلقها، فجاء قومها فقالوا: يا رسول الله إنها صغيرة، ولا رأي لها، وإنها خدعت فارتجعها، فأبى عليهم، فاستأذنوه أن يزوجوها، فأذن لهم. وأبوها قتله خالد يوم الفتح.
وهذا حديث ساقط كالذي قبله (١).
وأوهى منهما ما روى الواقدي (٢)، عن عبد العزيز الجندعي، عن أبيه، عن عطاء الجندعي قال: تزوج رسول الله ﷺ مليكة بنت كعب الليثي في رمضان سنة ثمان، ودخل بها، فماتت عنده. قال الواقدي: وأصحابنا ينكرون ذلك.
وقال عقيل، عن الزهري أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني كلاب، ثم فارقها. قال أحمد بن أبي خيثمة: هي العالية بنت ظبيان فيما بلغني.
وقال هشام بن الكلبي: تزوج بالعالية بنت ظبيان، فمكثت عنده دهرا ثم طلقها، حدثني ذلك رجل من بني كلاب.
وروى المفضل الغلابي، عن علي بن صالح، عن علي بن مجاهد قال: نكح رسول الله ﷺ خولة بنت هذيل الثعلبية، فحملت إليه من الشام، فماتت في الطريق، فنكح خالتها شراف بنت فضالة، فماتت في الطريق أيضا.
ويروى عن سهل بن زيد الأنصاري قال: تزوج رسول الله ﷺ امرأة من بني غفار، فدخل بها، فرأى بها بياضا من برص، فقال: الحقي بأهلك، وأكمل لها صداقها.
هذا ونحوه إنما أوردته للتعجب لا للتقرير.
ومن سراريه: مارية أم إبراهيم.
وقال الواقدي (٣): حدثني ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: كانت ريحانة أمة لرسول الله ﷺ فأعتقها وتزوجها، فكانت تحتجب في أهلها،
стр. 1179
وتقول: لا يراني أحد بعد رسول الله ﷺ .
قال الواقدي: وهذا أثبت عندنا وكان زوج ريحانة قبل النبي ﷺ الحكم. وهي من بني النضير، فحدثنا عاصم بن عبد الله بن الحكم، عن عمر بن الحكم قال: أعتق رسول الله ﷺ ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة، وكانت ذات جمال، قالت: فتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا (١) وأعرس بي وقسم لي. وكان معجبا بها، توفيت مرجعه من حجة الوداع، وكان تزويجه بها في المحرم سنة ست.
وأخبرني عبد الله بن جعفر، عن ابن الهاد، عن ثعلبة بن أبي مالك قال: كانت ريحانة من بني النضير، فسباها رسول الله ﷺ ، فاعتقها وتزوجها وماتت عنده.
وقال ابن وهب: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ استسر ريحانة ثم أعتقها، فلحقت بأهلها. قلت: هذا أشبه وأصح.
قال أبو عبيدة: كان للنبي ﷺ أربع ولائد: مارية، وريحانة من بني قريظة وجميلة فكادها نساؤه، وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب بنت جحش.
وقال زكريا بن أبي زائدة (٢)، عن الشعبي ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب] قال: كان نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فدخل ببعضهن وأرجى بعضهن، فلم ينكحن بعده، منهن أم شريك، يعني الدوسية.
وقال هشام بن عروة، عن أبيه قال: كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وكانت امرأة صالحة.
وقال هشام ابن الكلبي (٣)، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبي ﷺ تعرض نفسها عليه، قال: قد فعلت، فرجعت إلى قومها فقالت: قد تزوجني رسول الله ﷺ ، قالوا: أنت امرأة
стр. 1180
غيرى تغارين من نسائه فيدعو عليك، فرجعت فقالت: أقلني، قال: قد أقلتك.
وقد خطب ﷺ أم هانئ بنت أبي طالب، وضباعة بنت عامر، وصفية بنت بشامة، ولم يقض له أن يتزوج بهن.
آخر الترجمة النبوية (١).
стр. 1181
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خلافة الصديق ﵁ وأرضاه
قال هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة - أن النبي ﷺ توفي وأبو بكر بالسنح (١)، فقال عمر: والله ما مات رسول الله ﷺ ! قال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فيقطع أيدي رجال وأرجلهم.
فجاء أبو بكر الصديق، فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا! والذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين أبدا!
ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك! فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الآية.
فنشج الناس يبكون، واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فذهب عمر يتكلم فسكته أبو بكر.
فكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، فتكلم فأبلغ، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل أبدا، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء؛ قريش أوسط العرب دارا وأعزهم أحسابا، فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة!
فقال عمر: بل نبايعك؛ أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ! وأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس.
فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر:
стр. 1182
قتله الله! رواه سليمان بن بلال عنه، وهو صحيح السند (١).
وقال مالك عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس - أن عمر خطب الناس فقال في خطبته: وقد بلغني أن قائلا يقول: لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، وإنه كان من خيرنا.
حين توفي رسول الله ﷺ اجتمع المهاجرون، وتخلف علي والزبير في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتخلفت الأنصار في سقيفة بني ساعدة.
فقلت: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار. فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تأتوهم وأبرموا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم!
فأتيناهم في سقيفة بني ساعدة. فإذا هم مجتمعون على رجل مزمل بالثياب، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة مريض. فجلسنا، وقام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإيمان، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت إليكم دافة (٢) يريدون أن يختزلونا (٣) من أصلنا ويحضنونا (٤) من الأمر.
قال عمر: فلما سكت أردت أن أتكلم بمقالة قد كانت أعجبتني بين يدي أبي بكر، فقال أبو بكر: على رسلك! وكنت أعرف منه الحد (٥)، فكرهت أن أغضبه، وهو كان خيرا مني وأوفق وأوقر. ثم تكلم، فوالله ما ترك كلمة أعجبتني إلا قد قالها وأفضل منها حتى سكت.
ثم قال: أما بعد، ما ذكرتم من خير فهو فيكم معشر الأنصار، وأنتم أهله وأفضل منه، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح.
قال: فما كرهت شيئا مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر
стр. 1183
على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تتغير نفسي عند الموت.
فقال رجل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب (١)، منا أمير ومنكم أمير معشر المهاجرين. قال: وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر! فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعته الأنصار. ونزوا (٢) على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سعدا! فقلت: قتل الله سعدا!
قال عمر: فوالله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن نحن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة - أن يحدثوا بعدنا بيعة؛ فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما خالفناهم فيكون فساد!
رواه يونس بن يزيد عن الزهري بطوله، فزاد فيه: قال عمر: فلا يغترن امرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، فإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها، فمن بايع رجلا عن غير مشورة فإنه لا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (٣). متفق على صحته (٤).
وقال عاصم بن بهدلة عن زر، عن عبد الله قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. فأتاهم عمر، فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن أبا بكر قد أمره النبي ﷺ أن يؤم الناس؟ قالوا: بلى، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر، يعني في الصلاة؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر! رواه الناس عن زائدة عنه.
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: لما قبض رسول الله ﷺ أتى عمر أبا عبيدة، فقال: ابسط يدك
стр. 1184
لأبايعك؛ فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ . فقال أبو عبيدة لعمر: ما رأيت لك فهة (١) قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟
وروي نحوه عن مسلم البطين عن أبي البختري.
وقال ابن عون عن ابن سيرين: قال أبو بكر لعمر: ابسط يدك نبايع لك. فقال له عمر: أنت أفضل مني! فقال أبو بكر: أنت أقوى مني. قال: إن قوتي لك مع فضلك.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم أن النبي ﷺ لما توفي اجتمعت الأنصار إلى سعد، فأتاهم أبو بكر وجماعة، فقام الحباب بن المنذر وكان بدريا، فقال: منا أمير ومنكم أمير.
وقال وهيب: حدثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام خطباء الأنصار، فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين، إن رسول الله ﷺ كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا، فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم. قال: وتتابعت خطباء الأنصار على ذلك. فقام زيد بن ثابت، فقال: إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، وإنما يكون الإمام من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله ﷺ .
فقام أبو بكر فقال: جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم، أم والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم. ثم أخذ زيد بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه.
قال: فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا، فسأل عنه، فقام ناس من الأنصار فأتوا به. فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله! فبايعه.
ثم لم ير الزبير، فسأل عنه حتى جاؤوا به، فقال: ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله! فبايعاه (٢).
стр. 1185
روى منه أحمد في: مسنده (١) إلى قوله: لما صالحناكم - عن عفان، عن وهيب. ورواه بتمامه ثقة عن عفان.
وقال الزهري عن عبيد الله، عن ابن عباس: قال عمر في خطبته: وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا، وتخلفت الأنصار عنا بأسرها، فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. فبينا نحن في منزل رسول الله ﷺ إذا رجل ينادي من وراء الجدار: اخرج يا ابن الخطاب! فخرجت، فقال: إن الأنصار قد اجتمعوا، فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمرا يكون بيننا وبينهم فيه حرب!
وقال في الحديث: وتابعه المهاجرون والأنصار، فنزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل: قتلتم سعدا! قال عمر: فقلت وأنا مغضب: قتل الله سعدا؛ فإنه صاحب فتنة وشر!
وهذا من حديث جويرية بن أسماء عن مالك، وروى مثله الزبير بن بكار عن ابن عيينة، عن الزهري.
وقال أبو بكر الهذلي عن الحسن، عن قيس بن عباد، وابن الكواء - أن عليا ﵁ ذكر مسيره وبيعة المهاجرين أبا بكر، فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت فجاءة، مرض ليالي، يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيقول: مروا أبا بكر بالصلاة! فأرادت امرأة من نسائه أن تصرفه إلى غيره، فغضب وقال: إنكن صواحب يوسف. فلما قبض رسول الله ﷺ اخترنا واختار المهاجرون والمسلمون لدنياهم من اختاره رسول الله لدينهم، وكانت الصلاة عظم الأمر وقوام الدين.
وقال الوليد بن مسلم: فحدثني محمد بن حرب، قال: حدثنا الزبيدي: حدثني الزهري عن أنس أنه سمع خطبة عمر الآخرة. قال: حين جلس أبو بكر على منبر رسول الله ﷺ غدا من متوفى رسول الله ﷺ . فتشهد عمر، ثم قال: أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وما وجدت في المقالة التي قلت لكم في كتاب الله ولا في عهد عهده رسول الله ﷺ ، ولكن رجوت أنه يعيش حتى يدبرنا - يقول: حتى يكون
стр. 1186
رسول الله ﷺ آخرنا - فاختار الله لرسوله ما عنده على الذي عندكم، فإن يكن رسول الله قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم كتابه الذي هدى به محمدا، فاعتصموا به تهتدوا بما هدى به محمدا ﷺ .
ثم ذكر أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين، وأنه أحق الناس بأمرهم - فقوموا فبايعوه، وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت البيعة على المنبر بيعة العامة. صحيح غريب.
وقال موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس، وقال: والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية. فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ ؛ إنه لصاحب الغار، وإنا لنعرف شرفه وخيره. ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حي.
وقد قيل: إن عليا ﵁ تمادى عن المبايعة مدة، فقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان عن عروة، عن عائشة قالت: لما توفيت فاطمة بعد وفاة أبيها بستة أشهر اجتمع إلى علي أهل بيته، فبعثوا إلى أبي بكر: ائتنا. فقال عمر: لا والله لا تأتهم. فقال أبو بكر: والله لآتينهم، وما تخاف علي منهم!
فجاءهم حتى دخل عليهم فحمد الله، ثم قال: إني قد عرفت رأيكم، قد وجدتم علي في أنفسكم من هذه الصدقات التي وليت عليكم، ووالله ما صنعت ذاك إلا أني لم أكن أريد أن أكل شيئا من أمر رسول الله ﷺ كنت أرى أثره فيه وعمله إلى غيري حتى أسلك به سبيله وأنفذه فيما جعله الله.
ووالله لأن أصلكم أحب إلي من أن أصل أهل قرابتي؛ لقرابتكم من رسول الله ﷺ ، ولعظيم حقه.
ثم تشهد علي، وقال: يا أبا بكر، والله ما نفسنا عليك خيرا جعله الله لك أن لا تكون أهلا لما أسند إليك، ولكنا كنا من الأمر حيث قد علمت فتفوت به علينا، فوجدنا في أنفسنا. وقد رأيت أن أبايع وأدخل فيما دخل فيه الناس، وإذا كانت
стр. 1187
العشية (١) فصل بالناس الظهر، واجلس على المنبر حتى آتيك فأبايعك.
فلما صلى أبو بكر الظهر ركب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الذي كان من أمر علي، وما دخل فيه من أمر الجماعة والبيعة، وهاهو ذا فاسمعوا منه!
فقام علي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر أبا بكر وفضله وسنه، وأنه أهل لما ساق الله إليه من الخير، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه.
أخرجه البخاري (٢) من حديث عقيل عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيه: وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته.
قصة الأسود العنسي
قال سيف بن عمر التميمي (٣): حدثنا المستنير بن يزيد النخعي عن عروة بن غزية، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه قال: أول ردة كانت في الإسلام على عهد رسول الله ﷺ على يد عبهلة بن كعب، وهو الأسود في عامة مذحج.
خرج بعد حجة الوداع، وكان شعباذا يريهم الأعاجيب، ويسبي قلوب من يسمع منطقه. فوثب هو ومذحج بنجران إلى أن سار إلى صنعاء فأخذها، ولحق بفروة من تم على إسلامه.
ولم يكاتب الأسود رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له ملك اليمن.
فروى سيف (٤) عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عبيد بن صخر قال: بينما نحن بالجند (٥) قد أقمناهم على ما ينبغي، وكتبنا بيننا وبينهم الكتب - إذ جاءنا كتاب من الأسود أن أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه.
فبينا نحن ننظر
стр. 1188
في أمرنا إذ قيل: هذا الأسود بشعوب (١)، وقد خرج إليه شهر بن باذام، ثم أتانا الخبر أنه قتل شهرا وهزم الأبناء، وغلب على صنعاء بعد نيف وعشرين ليلة، وخرج معاذ هاربا حتى مر بأبي موسى الأشعري بمأرب، فاقتحما حضرموت.
وغلب الأسود على ما بين أعمال الطائف إلى البحرين وغير ذلك، وجعل يستطير استطارة الحريق، وكان معه سبعمائة فارس يوم لقي شهرا، وكان قواده: قيس بن عبد يغوث، ويزيد بن مخزوم، وفلان، وفلان. واستغلظ أمره، وغلب على أكثر اليمن.
وارتد معه خلق، وعامله المسلمون بالتقية. وكان خليفته في مذحج عمرو بن معد يكرب، وأسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث. وأمر الأبناء (٢) إلى فيروز الديلمي، وذادويه.
فلما أثخن في الأرض استخف بهؤلاء، وتزوج امرأة شهر، وهي بنت عم فيروز. قال: فبينا نحن كذلك بحضرموت، ولا نأمن أن يسير إلينا الأسود، وقد تزوج معاذ في السكون (٣) - إذ جاءتنا كتب النبي ﷺ يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته ومصاولته. فقام معاذ في ذلك، فعرفنا القوة ووثقنا بالنصر.
وقال سيف (٤): حدثنا المستنير عن عروة (٥)، عن الضحاك بن فيروز، عن جشنس (٦) ابن الديلمي قال: قدم علينا وبر بن يحنس بكتاب رسول الله ﷺ ، فأمرنا فيه بالنهوض في أمر الأسود، فرأينا أمرا كثيفا، ورأينا الأسود قد تغير لقيس بن عبد يغوث. فأخبرنا قيسا وأبلغناه عن رسول الله ﷺ ، فكأنما وقعنا عليه فأجابنا. وجاء وبر، وكاتبنا الناس ودعوناهم، فأخبر الأسود
стр. 1189
شيطانه، فأرسل إلى قيس، فقال: ما يقول الملك؟ قال: يقول: عمدت إلى قيس فأكرمته، حتى إذا دخل منك كل مدخل مال ميل عدوك. فحلف له وتنصل، فقال: أتكذب الملك؟ قد صدق وعرفت أنك تائب. قال: فأتانا قيس وأخبرنا، فقلنا: كن على حذر.
وأرسل إلينا الأسود: ألم أشرفكم على قومكم؟ ألم يبلغني عنكم؟ فقلنا: أقلنا مرتنا هذه! فقال: فلا يبلغني عنكم فأقتلكم. فنجونا ولم نكد. وهو في ارتياب من أمرنا.
قال: فكاتبنا عامر بن شهر وذو الكلاع وذو ظليم، فأمرناهم أن لا يتحركوا بشيء. قال: فدخلت على امرأته آزاد فقلت: يا ابنة عم، قد عرفت بلاء هذا الرجل، وقتل زوجك وقومك وفضح النساء، فهل من ممالأة عليه؟ قالت: ما خلق الله أبغض إلي منه، ما يقوم لله على حق ولا ينتهي عن حرمة! فخرجت فإذا فيروز وزادوية (١) ينتظراني، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه، فقال له رجل قبل أن يجلس: الملك يدعوك. فدخل في عشرة فلم يقدر على قتله، وقال: أنا عبهلة أمني تتحصن بالرجال؟ ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذب؟ تريد قتلي؟ فقال: كيف وأنت رسول الله، فمرني بما أحببت!
فأما الخوف والفزع فأنا فيهما، فاقتلني وأرحني. فرق له وأخرجه، فخرج علينا وقال: اعملوا عملكم.
وخرج علينا الأسود في جمع، فقمنا له، وبالباب مائة بقرة وبعير فنحرها، ثم قال: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ لقد هممت بقتلك. فقال: اخترتنا لصهرك، وفضلتنا على الأبناء، وقد جمع لنا أمر آخرة ودنيا، فلا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك! فقال: اقسم هذه.
فجعلت آمر للرهط بالجزور، ولأهل البيت بالبقرة. ثم اجتمع بالمرأة، فقالت: هو متحرز، والحرس محيطون بالقصر سوى هذا الباب فانقبوا عليه! وهيأت لنا سراجا.
وخرجت، فتلقاني الأسود خارجا من القصر، فقال: ما أدخلك؟ ووجأ رأسي فسقطت، فصاحت المرأة وقالت: ابن عمي زارني. فقال: اسكتي لا أبا لك فقد وهبته لك! فأتيت أصحابي وقلت: النجاء! وأخبرتهم الخبر.
فأنا على ذلك إذ جاءني رسولها: لا تدعن ما فارقتك عليه. فقلنا لفيروز: ائتها وأتقن أمرنا، وجئنا بالليل ودخلنا، فإذا سراج تحت جفنة، فاتقينا بفيروز. وكان
стр. 1190
أنجدنا، فلما دنا من البيت سمع غطيطا شديدا، وإذا المرأة جالسة. فلما قام فيروز على الباب أجلس الأسود شيطانه وكلمه، فقال: وأيضا فما لي ولك يا فيروز؟ فخشي إن رجع أن يهلك هو والمرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل، فأخذ برأسه فدق عنقه وقتله، ثم قام ليخرج، فأخذت المرأة بثوبه تناشده.
فقال: أخبر أصحابي بقتله، فأتانا فقمنا معه، فأردنا حز رأسه فحركه الشيطان واضطرب، فلم نضبطه. فقال: اجلسوا على صدره، فجلس اثنان، وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بربرة (١) فألجمته بملاءة، وأمر الشفرة على حلقه، فخار كأشد خوار ثور.
فابتدر الحرس الباب: ما هذا؟ ما هذا؟ قالت: النبي يوحى إليه. قال: وسمرنا ليلتنا كيف نخبر أشياعنا، فأجمعنا على النداء بشعارنا ثم بالأذان. فلما طلع الفجر نادى داذويه (٢) بالشعار، ففزع المسلمون والكافرون، واجتمع الحرس فأحاطوا بنا، ثم ناديت بالأذان، وتوافت خيولهم إلى الحرس.
فناديتهم: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة كذاب. وألقينا إليهم الرأس، وأقام وبر الصلاة، وشنها القوم غارة.
ونادينا: يا أهل صنعاء، من دخل عليه داخل فتعلقوا به، فكثر النهب والسبي، وخلصت صنعاء والجند، وأعز الله الإسلام. وتنافسنا الإمارة، وتراجع أصحاب رسول الله ﷺ . فاصطلحنا على معاذ بن جبل، فكان يصلي بنا. وكتبنا إلى النبي ﷺ الخبر. فقدمت رسلنا، وقد قبض النبي ﷺ صبيحتئذ فأجابنا أبو بكر ﵁.
وروى الواقدي عن رجاله قال: بعث أبو بكر قيس بن مكشوح إلى اليمن، فقتل الأسود العنسي هو وفيروز الديلمي. ولقيس هذا أخبار، وقد ارتد، ثم أسره المسلمون فعفا عنه أبو بكر، وقتل مع علي بصفين.
стр. 1191
جيش أسامة بن زيد ﵄
قال هشام بن عروة عن أبيه قال: جعل رسول الله ﷺ يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة! فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل؛ فإن رسول الله ﷺ ثقيل! فلم يبرح حتى قبض رسول الله ﷺ ، فلما قبض رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله ﷺ بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، وإن كفرت كانوا أول من نقاتل، وإن لم تكفر مضيت؛ فإن معي سروات الناس وخيارهم!
قال: فخطب أبو بكر الناس، ثم قال: والله، لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله ﷺ ! قال: فبعثه أبو بكر، واستأذن لعمر أن يتركه عنده، وأمر أن يجزر في القوم، أي يقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال. قال: فمضى حتى أغار، ثم رجعوا وقد غنموا وسلموا.
فكان عمر يقول: ما كنت لأحيي أحدا بالإمارة غير أسامة؛ لأن رسول الله ﷺ قبض وهو أمير،. قال: فسار، فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترتهم، حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم. قال: فقدم بنعي رسول الله ﷺ على هرقل، وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبرا واحدا، فقالت الروم: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم وأغاروا على أرضنا؟
وعن الزهري قال: سار أسامة في ربيع الأول حتى بلغ أرض الشام وانصرف، فكان مسيره ذاهبا وقافلا أربعين يوما.
وقيل: كان ابن عشرين سنة (١).
وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة قال: فلما فرغوا من البيعة، واطمأن الناس - قال أبو بكر لأسامة بن زيد: امض لوجهك! فكلمه رجال من المهاجرين والأنصار، وقالوا: أمسك أسامة وبعثه؛ فإنا نخشى أن تميل علينا العرب إذا سمعوا بوفاة رسول الله ﷺ ! فقال: أنا أحبس جيشا
стр. 1192
بعثهم رسول الله ﷺ ؟! لقد اجترأت على أمر عظيم! والذي نفسي بيده، لأن تميل علي العرب أحب إلي من أن أحبس جيشا بعثهم رسول الله ﷺ ! امض يا أسامة في جيشك للوجه الذي أمرت به، ثم اغز حيث أمرك رسول الله ﷺ من ناحية فلسطين، وعلى أهل مؤتة؛ فإن الله تعالى سيكفي ما تركت. ولكن إن رأيت أن تأذن لعمر فأستشيره وأستعين به فافعل، ففعل أسامة.
ورجع عامة العرب عن دينهم، وعامة أهل المشرق وغطفان وأسد، وعامة أشجع. وتمسكت طيئ بالإسلام.
شأن أبي بكر وفاطمة ﵄
قال الزهري عن عروة عن عائشة: إن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة! فغضبت، وهجرت أبا بكر حتى توفيت (١).
وأرسل أزواج النبي ﷺ عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن مما أفاء الله على رسوله، حتى كنت أنا رددتهن فقلت لهن: ألا تتقين الله؟ ألم تسمعن من رسول الله ﷺ يقول: لا نورث، ما تركنا صدقة! إنما يأكل آل محمد في هذا المال (٢).
وقال أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤونة عاملي - (٣)
стр. 1193
فهو صدقة (١).
وقال محمد بن السائب وهو متروك، عن أبي صالح مولى أم هانئ - أن فاطمة دخلت على أبي بكر فقالت: يا أبا بكر، أرأيت لو مت اليوم من كان يرثك؟ قال: أهلي وولدي. فقالت: مالك ترث رسول الله ﷺ من دون أهله وولده؟ فقال: ما فعلت يا ابنة رسول الله! قالت: بلى، قد عمدت إلى فدك (٢)، وكانت صافية لرسول الله ﷺ فأخذتها! وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته منا! فقال: لم أفعل؛ حدثني رسول الله ﷺ أن الله يطعم النبي الطعمة ما كان حيا، فإذا قبضه رفعها. قالت: أنت ورسول الله ﷺ أعلم، ما أنا بسائلتكه بعد مجلسي هذا!
ابن فضيل عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما قبض النبي ﷺ أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت وريث رسول الله ﷺ ؟ أم أهله؟ فقال: لا، بل أهله. قالت: فأين سهمه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة، ثم قبضه - جعلها للذي يقوم من بعده. فرأيت أن أرده على المسلمين. قالت: أنت وما سمعت من رسول الله ﷺ أعلم!
رواه أحمد في مسنده (٣)، وهو منكر، وأنكر ما فيه قوله: لا، بل أهله.
وقال الوليد بن مسلم وعمر بن عبد الواحد: حدثنا صدقة أبو معاوية عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن يزيد الرقاشي، عن أنس - أن فاطمة أتت أبا بكر فقالت: قد علمت الذي خلفنا عنه من الصدقات أهل البيت، ثم قرأت عليه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية. فقال لها: بأبي
стр. 1194
وأمي أنت ووالدك وولدك، وعلي السمع والصبر، كتاب الله وحق رسوله وحق قرابته.
أنا أقرأ من كتاب الله مثل الذي تقرئين، ولا يبلغ علمي فيه أن لذي قرابة رسول الله ﷺ هذا السهم كله من الخمس يجري بجماعته عليهم.
قالت: أفلك هو ولقرابتك؟ قال: لا، وأنت عندي أمينة مصدقة؛ فإن كان رسول الله ﷺ عهد إليك في ذلك عهدا، ووعدك موعدا أوجبه لكم حقا - صدقتك، وسلمته إليك!
قالت: لا، إلا أن رسول الله ﷺ حين أنزل عليه في ذلك قال: أبشروا آل محمد؛ فقد جاءكم الغنى! فقال أبو بكر: صدقت، فلك الغنى! ولم يبلغ علمي فيه ولا بهذه الآية أن يسلم هذا السهم كله كاملا، ولكن لكم الغنى الذي يغنيكم، ويفضل عنكم. فانظري هل يوافقك على ذلك أحد منهم؟ فانصرفت إلى عمر فذكرت له كما ذكرت لأبي بكر، فقال لها مثل الذي راجعها به أبو بكر. فعجبت، وظنت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه (١).
وبالإسناد إلى محمد بن عبد الله، من دون ذكر الوليد بن مسلم - قال: حدثني الزهري قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول: كان عمر عرض علينا أن يعطينا من الفيء بحق ما يرى أنه لنا من الحق، فرغبنا عن ذلك وقلنا: لنا ما سمى الله من حق ذي القربى، وهو خمس الخمس. فقال عمر: ليس لكم ما تدعون لكم حق، إنما جعل الله الخمس لأصناف سماهم، فأسعدهم فيه حظا أشدهم فاقة وأكثرهم عيالا! قال: فكان عمر يعطي من قبل منا من الخمس والفيء نحو ما يرى أنه لنا، فأخذ ذلك منا ناس وتركه ناس (٢).
وذكر الزهري (٣) أن مالك بن أوس بن الحدثان النصري قال: كنت عند عمر ﵁، فقال لي: يا مالك، إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ فاقسمه بينهم. قلت: لو أمرت به غيري! قال: اقبضه أيها المرء! قال: وأتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان،
стр. 1195
والزبير، وعبد الرحمن، وسعد - يستأذنون؟ قال: نعم، فدخلوا وسلموا وجلسوا. ثم لبث يرفأ قليلا، ثم قال لعمر: هل لك في علي والعباس؟ قال: نعم. فلما دخلا سلما فجلسا، فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الظالم الفاجر الغادر الخائن! فاستبا.
فقال عثمان وغيره: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر! فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة؟ قالا: قد قال ذلك؟ قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر: إن الله كان قد خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
فكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله.
أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم توفى الله نبيه، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ ، فقبضها وعمل فيها بما عمل به رسول الله ﷺ فيها، وأنتما تزعمان أن أبا بكر فيها كاذب فاجر غادر، والله يعلم أنه فيها لصادق بار راشد.
ثم توفاه الله، فقلت: أنا ولي رسول الله ﷺ وولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بعمله، وأنتم حينئذ. وأقبل علي علي وعباس يزعمون أني فيها كاذب فاجر غادر، والله يعلم أني فيها لصادق بار راشد تابع للحق.
ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، فجئتني تسألني عن نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا يسألني عن نصيب امرأته من أبيها - فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث، ما تركنا صدقة.
فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ ، وبما عمل فيها أبو بكر، وإلا فلا تكلماني! فقلتما: ادفعها إلينا بذلك! فدفعتها إليكما.
أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم. فأقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله، هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك! فوالذي بإذنه تقوم