← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) حوادث سنة إحدى وخمسين وخمسمائة قدم في أواخر سنة خمسين إلى بغداد السلطان سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه مستجيرًا بالخلافة، فخرج لتلقيه ولد الوزير عون الدين، ولم يترجل أحد منهما للآخر ولم يحتفل بمجيئه لتمكن الخليفة وقوته، وكثرة جيوشه. فلما كان في نصف المحرم استدعي إلى باب الحجرة، وحلف على النصح ولزوم طاعة أمير المؤمنين، ثم خطب له في آخر الشهر، وذكر في الخطبة بعد اسم السلطان سنجر ولقب بألقاب أبيه. وفي وسط صفر أحضر وألبس الخلعة والتاج والسوارين، وقرر بأن العراق لأمير المؤمنين، ولا يكون لسليمان شاه إلا ما يفتحه من بلاد خراسان. ثم خرج، فقدم له الخليفة عشرين ألف دينار ومائتي كر، وخلع على أمرائه، ثم سار الخليفة ومعه سليمان شاه إلى أن وصل حلوان، ونفذ معه العسكر. وفيها، في رمضان، هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من يد الغز في جماعة من الأمراء، فساروا إلى قلعة ترمذ، فاستظهر بها على الغز. وكان خوارزم شاه آتسز هو والخاقان محمود بن محمد ابن أخت سنجر يقاتلان الغز، والحرب بينهم سجال، فذلت الغز بموت علي بك، وكان أشد شيء على السلطان سنجر وعلى غيره، ثم مضت الأتراك الفارغلية إلى خدمة سنجر، وتجمع له جيش ورد إلى دار ملكه مرو، فكانت مدة أسره مع الغز إلى أن رجع إلى دست سلطنته ثلاث سنين وأربعة أشهر. وفيها، كما قال أبو يعلى التميمي (١)، كانت بالشام زلازل عظيمة، انهدم

стр. 11342

كثير من مساكن شيزر على أهلها. وأما كفرطاب فهرب أهلها منها خوفًا على أرواحهم، وأما حماة فكانت كذلك. قلت: وقد ذكر ابن الجوزي (١) الزلزلة كما يأتي في سنة اثنتين، فبالغ ونقل ما لم يقع. قال حمزة (٢): وفي رمضان وصل الملك نور الدين إلى دمشق من حلب بعد أن تفقد أحوالها وهذبها. وفي شوال تقررت الموادعة بينه وبين ملك الفرنج سنة كاملة، وأن المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية. وكتبت الموادعة بذلك، وأكدت بالأيمان، فبعد شهرين غدرت الفرنج لوصول نجدة في البحر، ونهضوا إلى الشغراء من ناحية بانياس، وبها جشارات (٣) الخيول، فاستاقوا الجميع، وأسروا خلقًا. وفيها كثر الحريق ببغداد، ودام أيامًا ووقع في تسعة دروب سماها ابن الجوزي (٤). وفيها سافر أمير المؤمنين إلى ناحية دجيل بعد قدومه من حلوان وخرج يتصيد. وانضاف إلى سليمان شاه ابن أخيه ملكشاه وإلدكز وتحالفوا، فسار لقتالهم محمد شاه، فعملوا مصافًا فانتصر محمد شاه، ووصل إلى بغداد من عسكرها خمسون فارسًا بعد أن خرجوا ثلاثة آلاف، ولم يقتل منهم أحد، إنما نهبوا، وأخذت خيولهم، وتشتتوا. ورد سليمان شاه في حالة نحسةٍ، فخرج عليه أمير الموصل، فقبض عليه وطلعه إلى القلعة. وسار محمد شاه يقصد بغداد، فوصل إلى ناحية بعقوبا، وبعث إلى كوجك، فتأخر عنه، فانزعجت بغداد، وأحضرت العساكر، واستعرضهم الوزير. وفيها تسلم نور الدين بعلبك.

стр. 11343

سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ثم قرب محمد شاه بن محمود من بغداد، وجاءه زين الدين علي كوجك صاحب إربل نجدة، فحاصرا بغداد، واختلف عسكر الخليفة عليه، وفرق الخليفة سبعة آلاف جوشن، وعملت الأترسة الكبار، والمجانيق الكثيرة، وأذن للوعاظ في الجلوس، بعد منعهم في سنةٍ وخمسة أشهر. ثم ركب محمد شاه وعلي كوجك، وجاءوا في ثلاثين ألفًا، ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج، وقاتلت العامة، ونهب الجانب الغربي، وأحرقوا مائتين وسبعين دولابًا، وقاتل عسكر الخليفة في السفن، كل ذلك في المحرم. فلما كان ثالث صفر جاء عسكر محمد في جمع عظيم، وانتشروا على دجلة، وخرج عسكر الخليفة في السفن يقاتلون، وكان يوما مشهودا، فلما كان يوم سادس عشر صفر وصلت سفن للقوم فخرجت سفن الخليفة تمنعها من الإصعاد، وجرى قتال عظيم، وقاتل سائر أهل البلد. وجاء الحاج سالمين فدخلوا بغداد من هذا الجانب. فلما كان يوم سادس وعشرين جاء بريدي يخبر بدخول ملكشاه ابن السلطان مسعود همذان، وكبس بيوت المخالفين ونهبها؛ ففرح الناس بذلك. فلما كان يوم سلخ صفر عبر في السفن ألف فارس، وصعدوا فدخلوا دار السلطنة فنزل منكورس الشحنة، وكان أحد الأبطال المذكورين، فأحاط بهم وقتل منهم جماعة، ورمى الباقون أنفسهم في الماء، واتصل القتال، وكان الخليفة يفرق كل يوم نحوًا من مائة كر، وفي بعض الأيام فرق على الجند خمسة وعشرين ألف نشابة، والكل من عنده، لم يكلف أحدًا ولا استقرض. وحكى الزجاج الحلبي أنه عمل في هذه النوبة ثمانية عشر ألف قارورة للنفط. وفي خامس ربيع الأول خرج منكورس، وقيماز السلطاني، والخيالة، والرجالة، فحملوا اثنتي عشرة حملة، واقتتلوا. وفي العشرين من ربيع الأول جاءوا بالسلالم التي عملوها، وكانت أربعمائة سلم، لينصبوها على السور فلم يقدروا، وأصبحوا يوم الجمعة، فلم يجر

стр. 11344

يومئذ كبير قتال، وهي الجمعة الثالثة التي لم تصل بها الجمعة ببغداد في غير جامع القصر. ثم قدمت بنت خوارزم شاه زوجة سليمان شاه، وكانت قد أصلحت بين ملكشاه وبين الأمراء جميعهم في همذان، وجاءت في زي الحاج الصوفية إلى الموصل وعليها مرقعة، ومعها ركابي في زي شحاذ. ثم جاءت حتى صارت في عسكر محمد شاه، وتوصلت وعبرت إلى الخليفة، فأكرمت وأفردت لها دار، وأخبرت بدخول ملكشاه همذان، وبأنه نهب دور المخالفين. وفي الخامس والعشرين منه صعد أهل بغداد السور بالسلاح، وجاء العدو ومعهم السلالم، وهموا بطم الخندق، فخرج الناس واقتتلوا. وفي التاسع والعشرين منه نادوا: اليوم يوم الحرب العظيم، فلا يتأخرن أحد، فخرج الناس ولم يجر قتال. وبعث محمد شاه إلى علي كوجك يعاتبه ويقول: أنت وعدتني بأخذ بغداد فبغداد ما حصلت، وخرجت من يدي همذان، وأخربت بيوتي وبيوت أمرائي. فأنا عازم على المضي، فشجعه ونخاه وقال: نمد الجسر، ونعبر، ونطم الخندق، وكانوا قد صنعوا غرائر وملأوها ترابًا، وننصب هذه السلالم الطوال، ونحمل حملة واحدة، ونأخذ البلد، ثم أخذوا يتسللون، وقلت عليهم الميرة، وهلك منهم خلق، ثم استأمن خلق كثير منهم وخامروا، ودخلوا، وأخبروا بأن القوم على رحيل. وفي العشرين من ربيع الآخر جرى قتال، وعطلت الجمعة إلا من جامع القصر، وهي الجمعة السابعة، ووقع الواقع بين محمد شاه وبين كوجك. وهو يطمعه ويهون عليه أخذ بغداد. ثم نصبوا الجسر، وعبر أكثر عسكر محمد شاه، وعبر محمد شاه من الغد في أصحابه إلى عشية، فلما كان العشاء قطع كوجك الجسر، وقلع الخيم، وبعث نقله طول الليل. ثم أصبح وضرب النار في زواريق الجسر، وأخذ خزانة محمد شاه وخزانة وزيره، ورحل، وبقي محمد شاه وأصحابه بقية يوم الثلاثاء. ثم ركب هو وعسكره، فمنع الخليفة العسكر من أن يلحقوه، ونهب أصحاب محمد شاه بعض الأعمال، ثم قال الخليفة: اذهبوا إلى همذان فكونوا مع ملكشاه، وخلع عليهم، وفرح الناس بالسلامة. ثم ركب الخليفة

стр. 11345

وافتقد السور من أوله إلى آخره، وكثرت الأمراض وغلت الأسعار. ثم جاء الخبر بوفاة السلطان سنجر، فقطعت خطبته. وفيها غزا رستم بن علي بن شهريار الملك مازندران بلاد الألموت وأوطأ الإسماعيلية ذلًا، وخرب بلادهم، وسبى النساء والأولاد، وغنم، وخذل الإسماعيلية، وخربت عامة قراهم. وفيها خرجت الإسماعيلية، على حجاج خراسان، فاقتتلوا وثبت الفريقان إلى أن قتل أمير الحاج، فذلوا وألقوا بأيديهم، وقتلتهم الإسماعيلية قتلًا ذريعًا، وعظم المصاب فـ إنا لله وإنا إليه راجعون. وصبحهم من الغد شيخ في المقتلة ينادي: يا مسلمين، يا حجاج، ذهب الملاحدة وأنا مسلم، فمن أراد الماء سقيته. فكان كل من كلمه أجهز عليه، فهلكوا أجمعين إلا القليل. وأما خراسان فتخربت على يد الغز، ومات سلطانها سنجر، واختلف أمراؤه بعده، وغلب كل مقدم على ناحية واقتتلوا، وجرت أمور طويلة بخراسان، أجحفت بخراسان فالأمر لله. واشتد بخراسان القحط، وأكلت الجيف؛ قال ابن الأثير (١): فكان بنيسابور طباخ، فذبح إنسانًا علويًا وطبخه، ثم ظهر ذلك فقتل الطباخ. وسافر الخليفة إلى أوانا ودجيل، ثم رجع. ثم راح يتصيد، ورجع بعد عشرة أيام. وفيها كانت وقعة عظيمة بين نور الدين وبين الفرنج على صفد، ونصر عليهم. ثم جاء إلى الخليفة رسوله برؤوس الفرنج وبتحف وهدايا. وفيها، وفي سنة إحدى وخمسين، كان بالشام زلازل عظيمة هدمت في ثلاثة عشر بلدًا، منها خمسة للفرنج، وبدعت في شيزر، وحماة، والمعرة وحصن الأكراد، وطرابلس، وأنطاكية، وحلب. فأما حلب فهلك فيها تحت الردم خمسمائة نفس؛ وأما حماة فهلكت جميعها إلا اليسير، وأما شيزر فما سلم منها إلا امرأة وخادم، وهلك جميع من فيها وتسلمها نور الدين، فجدد عمارتها وحصنها. وهي على جبل منيع بقي في يدي بني منقذ نحو مائة وعشرين سنة أو أكثر. وأما كفرطاب فما سلم منها أحد؛ وأما فامية فهلكت

стр. 11346

وساخت قلعتها، وأما حمص فهلك بها عالم عظيم، وأما المعرة فهلك بعضها، وأما تل حران فإنه انقسم نصفين، وظهر من وسطه نواويس وبيوت كثيرة، وأما حصن الأكراد وعرقة فهلكا جميعًا، وسلم من اللاذقية نفر، وأما طرابلس فهلك أكثرها، وأما أنطاكية فسلم نصفها. قال ابن الجوزي في المنتظم (١): وصل الخبر في رمضان بزلازل كانت بالشام عظيمة في رجب، ثم ذكر هذا الفصل. قلت: الله أعلم بصحة ذلك وبحقيقة تفاصيله. قال (٢): وفي رمضان أنفق الوزير ابن هبيرة للإفطار طول الشهر ثلاثة آلاف دينار، وكان يحضر عنده الأماثل. وخلع على المفطرين عنده الخلع السنية. وفيها افتتح عسكر المسلمين غزة واستعيدت من الفرنج، وتسلم نور الدين بانياس من الفرنج. وفيها انقرضت دولة الملثمين بالأندلس وتملك عبد المؤمن مدينة المرية، واستعمل أولاده على الأندلس، ولم يبق للملثمين إلا جزيرة ميورقة. وكانت المرية بيد الفرنج من عشر سنين، فنازلها أبو سعيد بن عبد المؤمن، وحاصرها برًا وبحرًا ثلاثة أشهر، وبنى بإزائها سورًا، وجاع أهلها فسلموها بالأمان. وفي صفر ورد على نور الدين كتاب السلطان أبي الحارث سنجر بن ملكشاه بالتشوق إليه، وما ينتهي إليه من جميل أفعاله، وإعلامه بما من الله عليه من خلاصه من الشدة، والخلاص من أيدي الغز بحيلة دبرها بحيث عاد إلى منصبه من السلطنة، ووعده بنصره على الفرنج، فأمر نور الدين بزينة دمشق، وفعل في ذلك ما لم تجر به عادة فيما تقدم في أيام ملوكها، وأمر بزينة قلعتها، فجللت أسوارها بالجواشن، والدروع، والتراس، والسيوف، والأعلام، وأنواع الملاهي، وهرعت الخلائق والغرباء لمشاهدة هذا فأعجبهم وبقي أسبوعًا. ثم جاءته الأخبار بإغارة الفرنج على أعمال حمص وحماة، ثم سارت

стр. 11347

الفرنج في سبعمائة فارس، سوى الرجالة إلى ناحية بانياس، فوقع عليهم عسكر الإسلام ونزل النصر، فلم ينج من الملاعين إلا القليل، وصاروا بين أسير وجريح وقتيل، وذلك في ربيع الأول. وجاءت الرؤوس والأسرى، وكان يومًا مشهودًا. ثم تهيأ نور الدين للجهاد، وجاءته الأمداد، ونودي في دمشق بالتأهب والحث على الجهاد، فتبعه خلق كثير من الأحداث والفقهاء والصلحاء، ونازل بانياس، وجد في حصارها، فافتتحها بالسيف، ثم إن الفرنج تحزبوا وأقبلوا لينصروا هنفري صاحب بانياس وهو بالقلعة، فوصل ملك الفرنج بجموعه على حين غفلة، فاندفع جيش الإسلام، ووصلوا هم إلى بانياس، فحين شاهدوا ما عمها من خراب سورها ودورها يئسوا منها. ثم إن الملك نور الدين عرف أن الفرنج على الملاحة بقرب طبرية، فنهض بجيوشه، وجد في السير، فشارفهم وهم غارون، وأظلتهم عصائبه، فبادروا الخيل، وافترقوا أربع فرق، وحملوا على المسلمين، فترجل نور الدين، وترجلت معه الأبطال، ورموا بالسهام، ونزل النصر، ووقع القتل والأسر في الكفرة. قال أبو يعلى (١): فلم يفلت منهم، على ما حكاه الخبير الصادق، غير عشرة نفر، قيل إن ملكهم فيهم، وقيل قتل. ولم يفقد من المسلمين الأجناد سوى رجلين، أحدهما من الأبطال قتل أربعة من شجعان الفرنج واستشهد. وفرح المسلمون بهذا النصر العزيز، وجيء بالرؤوس والأسرى إلى دمشق، والخيالة على الجمال، والمقدمون على الخيل بالزرديات والخوذ، وفي أيديهم أعلامهم. وضج الخلق بالدعاء لنور الدين. وفيها جاءت عدة زلازل عظيمة بالشام. ثم جاءت الأخبار بوصول ولد السلطان مسعود للنزول على أنطاكية، فاضطر نور الدين إلى مهادنة الفرنج، ثم توجه إلى حلب. وجاءت الأخبار من الشمال بما يرعب النفوس من شأن الزلزلة، بحيث انهدمت حماة وقلعتها ودورها على أهلها ولم ينج إلا اليسير. وأما شيزر

стр. 11348

فانهدم حصنها على واليها تاج الدولة ابن منقذ. وأما حمص فهرب أهلها منها وتلفت قلعتها. وأما حلب فهدمت بعض دورها، وتلفت سلمية وغيرها. ثم جاءت عدة زلازل في أشهر مختلفة، ورخها حمزة التميمي (١). وفي رمضان مرض الملك نور الدين مرضًا صعبًا، فاستدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران، وأسد الدين شيركوه والأمراء، فقرر معهم أن الأمر من بعده لأخيه لاشتهاره بالشجاعة، فيكون بحلب، وينوب عنه بدمشق شيركوه، وحلفوا له وتوجه في المحفة إلى حلب، فتمرض بالقلعة، وهاج النفاق والكفر، وشنعوا بموت نور الدين. وذهب نصرة الدين إلى حلب، فأغلق مجد الدين والي القلعة بابها وعصى، فثارت أحداث حلب وقالوا: هذا ملكنا بعد أخيه، وحملوا السلاح، وكسروا باب البلد، ودخله نصرة الدين، واقترحوا عليه أشياء منها إعادة التأذين بحي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر، فأجابهم ونزل في داره. ثم عوفي نور الدين وتوجه المسمى بنصرة الدين إلى حران، وكان قد وليها، وقدم نور الدين دمشق. سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وقع الاتفاق بين ملكشاه وأخيه محمد شاه، وأمده بعسكر ففتح خوزستان، ودفع عنها شملة التركماني. وفي ربيع الآخر زار المقتفي مشهد الحسين، ومضى إلى واسط، وعبر في سوقها. وكان الوزير مريضًا، فأنفق في مرضته نحو خمسة آلاف دينار منها لابن التلميذ الطبيب جملة. وخرج الخليفة إلى المدائن، ثم خرج مرة أخرى إلى المدائن، وخرج يوم الفطر، وكان موكبه بتجمل وحشمة لم يعهد مثلها من الأعمار. ووقع في شوال مطر وبرد أكبر من البيض. وأما خراسان فكانت الغز قد شبعوا، وسكنت سورتهم، واستوطنوا بلخ، وتركوا النهب، واتفقوا على طاعة الخاقان محمود بن محمد ابن أخت

стр. 11349

سنجر، وأتابكه الأمير أي أبه، فلما دخل شعبان سارت الغز إلى مرو، فنهض لحربهم الأمير المؤيد، فظفر بهم، وقتل بعضهم، فدخلوا مرو، فجاء الخاقان من سرخس، وانضم إليه المؤيد، فالتقوا في شوال، فكان بينهم مصاف لم يسمع بمثله، وبقي القتال يومين، وتواقعوا مرات عديدة وانهدم الغز ثلاث مرات، ثم يعودون للقتال، فلما طلع الضوء من الليلة الثانية انجلت الحرب عن هزيمة الخراسانية، وظفر الغز بهم قتلًا وأسرًا وعادوا إلى مرو، وقد استغنوا عن الظلم المفرط فشرعوا في العدل وإكرام العلماء، ثم أغاروا على سرخس وأخربوا رساتيقها، وعملوا كل شر. وقتل من أهل سرخس نحو من عشرة آلاف نفس، وعادوا إلى مرو، وتقهقر الخاقان بعساكره إلى جرجان. فلما دخلت سنة أربع بعث إليه الغز يسألونه القدوم ليملكوه كما كان فلم يركن إليهم، فأرسلوا يطلبون ابنه جلال الدين محمد، وترددت الرسل، فبعث إليهم ابنه، ولما اطمأن هو سار إليهم، وكان مستضعفًا معهم في السلطنة. قال ابن الجوزي (١): وحججت فيها، وتكلمت بالحرم مرتين. وفيها مصرع الإسماعيلية الخراسانيين، وذلك أنهم نزلوا في ألف وسبعمائة رجل على روق (٢) كبير للتركمان، فلم يجدوا به الرجال، فسبوا الذرية، وحازوا الروق، وقتلوا الرجال وأحرقوا الأشياء الثقيلة. وبلغ الخبر عسكر التركمان، فأسرعوا فأدركوا الإسماعيلية لعنهم الله، وهم يقتسمون الغنيمة، فأحاطوا بهم ووضعوا فيهم السيف، وألقى الله الذل على الإسماعيلية، واستولى عليهم القتل والأسر، فلم ينج منهم إلا تسعة أنفس. قاله ابن الأثير (٣). وفي صفر خرج جيش من مصر فأغاروا على غزة، وعسقلان، ونواحيها، فالتقاهم الفرنج، فانتصر المصريون، ووضعوا في الفرنج السيف بحيث لم يسلم منهم إلا الشريد، ورجعوا بالغنائم. وخرج نور الدين من دمشق بآلات الحرب مجدًا في جهاد الفرنج، وأغار عسكره على أعمال صيدا، فقتلوا خلقًا.

стр. 11350

وفي أول تموز جاء سيل أحمر ببرد كما يجيء في الشتاء، وكثر التعجب منه. ثم التقى نور الدين الفرنج، فانهزم عسكره، وثبت هو ساعة، ثم ولى العدو خوفًا من كمين يكون للمسلمين، ونجى الله نور الدين وسلمه. وفي رجب تجمع قوم من الظلمة وعزموا على تحريض نور الدين على إعادة ما كان أبطله، إذ تملك دمشق من رسوم دار البطيخ والأنهار، وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء حتى أجيبوا إلى ما راموه، وعسفوا الناس، ثم أبطل نور الدين ذلك كله بعد أربعين يومًا. وفيها برز ملك الروم من القسطنطينية بجيوشه، وقصد ممالك الإسلام، ووصلت خيله غائرة على أعمال أنطاكية، فتأهب المسلمون للجهاد. سنة أربع وخمسين وخمسمائة فيها وصل ترشك فلم يشعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه كفن، فوقع الرضا عنه. وفيها عاد الغز ونهبوا نيسابور، وكان بها ابن أخت سنجر، فهرب إلى جرجان. وفيها سافر الخليفة إلى واسط، فرماه فرسه، وشج جبينه بقبيعة السيف. ووقع برد كبار أهلك أماكن، وذكر أنه كان في البرد ما وزنه خمسة أرطال ونحو ذلك، وقيل إنهم رأوا بردة فيها تسعة أرطال. وفيها كان الغرق ببغداد، ووقع بعض سورها، وسقطت الدور، قال ابن الجوزي (١): لم نعرف دربنا إلا بمنارة المسجد، فإنها لم تقع. وغرقت مقبرة الإمام أحمد، وخرجت الموتى على وجه الماء، وكانت آية عجيبة. وفيها سار عبد المؤمن في نحو مائة ألف فنازل المهدية، فحاصرها برًا وبحرًا سبعة أشهر، وأخذها بالأمان. وركب الفرنج في البحر قاصدين صقلية في الشتاء، فغرق أكثرهم. وكان ملك الفرنج قال: إن قتل عبد المؤمن نصارى المهدية فلأقتلن من عندي من المسلمين بصقلية، ولعل أكثر رعيته بصقلية

стр. 11351

مسلمون، فأهلك الله النصارى بالغرق، وكان مدة ملكهم للمهدية اثنتي عشرة سنة، ودخلها عبد المؤمن يوم عاشوراء سنة خمس فبقي بها أيامًا، وكان قد افتتح قبلها تونس، فنازلها أسطوله في البحر ستون شينيًا، وأخذها بالأمان على مشاطرة أهلها أموالهم، لكونه عرض عليهم أولًا التوكيد والأمان، فأبوا عليه. وبعدها افتتح المهدية. وكان رئيس نيسابور هو نقيب العلويين ذخر الدين زيد بن الحسين الحسيني، فقتل بعض أصحابه أبو الفتوح الفستقاني الشافعي، فبعث إلى رئيس الشافعية مؤيد الدين الموفقي يطلب منه القاتل ليقتص منه، فامتنع المؤيد وقال: إنما حكمك على العلوية، فخرج النقيب وقصد الشافعية، فاقتتلوا وقتل جماعة، وأحرق النقيب سوق العطارين وسكة معاذ، وعظم البلاء. ثم جمع المؤيد جموعًا وجيش، والتقى هو والعلوية في شوال سنة أربع، واشتد الحرب، وأحرقت المدارس والأسواق، واستحر القتل بالشافعية، فالتجأ المؤيد إلى قلعة فرخك، وخربت نيسابور بسبب هذه المصيبة الكبرى. وأما المؤيد أي أبه الأمير فإنه جرت له فصول وأسر، ثم هرب، وقدم نيسابور، فنزل إليه المؤيد رئيس الشافعية، وتحصن العلوي بنيسابور، واشتد الخطب على المعترين الرعية، وتمنوا الموت، وسفكت الدماء، وهتكت الأستار، وخربوا ما بقي من البلد، وبالغ الشافعية في الانتقام، وخربوا مدرسة الحنفية، واستؤصلت نيسابور، فلا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير في كامله (١). ومرض نور الدين في آخر الماضية وأول سنة أربع وضعف، فعهد بالأمر من بعده لأخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل. وقال: ابن أخي أمير ميران لا أرتضيه لمصالح المسلمين لسوء أفعاله وأخلاقه. فحلفت الأمراء وكاتب جماعة من الكبار أمير ميران يحثونه على المجيء ليستولي على الشام، فبادر وقطع الفرات، فبعث أسد الدين عسكرًا فردوه. وبلغ صاحب الموصل الخبر، فبعث وزيره كمال الدين محمد بن علي الجواد، فدخل دمشق في

стр. 11352

أحسن زي، وأبهى تجمل، وهو حميد الخلال، كثير الإنفاق في وجوه البر فصادف نور الدين قد عوفي. وجاءت بدمشق زلازل مهولة صعبة، فسبحان من حركها وسبحان من سكنها. وصالح نور الدين ملك الروم القادم من القسطنطينية وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من إطلاق مقدمي الفرنج، فأطلقهم نور الدين، فبعث لنور الدين عدة أثواب مثمنة وجواهر، وخيمة من الديباج، وخيلًا، ورد إلى بلاده، ولم يؤذ أحدًا. واطمأن المسلمون. وجاء الخبر إلى دمشق بأن الملك نور الدين صنع لأخيه قطب الدين ولجيشه الذين قدموا للجهاد في يوم جمعة سماطًا عظيمًا هائلًا، تناهى فيه بالاستكثار من ذبح الخيل والبقر والأغنام، بحيث لم يشاهد مثله، وقام ذلك بجملة كثيرة. وفرق من الخيل العربية جملة، ومن الخلع شيئًا كثيرًا. وكان يومًا مشهودا. ثم توجه إلى حران وانتزعها من يد أخيه أمير ميران، وسلمها إلى الأمير زين الدين علي إقطاعًا له. إلى هنا زدته من تاريخ ابن القلانسي (١). وفيها جمع ملك الروم جمعًا عظيمًا، وقصد الشام، فضاق بالمسلمين الأمر، فنصر الله تعالى، وأسر ابن أخت ملكهم، وغنمهم المسلمون، وعادوا خائبين. وفيها مات محمد شاه ابن السلطان محمود الذي حاصر بغداد. مات بهمذان. قال عبد المنعم بن عمر المغربي في أخبار ابن تومرت: وفي سنة أربع وخمسين توجه أمير المؤمنين عبد المؤمن إلى بلاد إفريقية، فتجهز في مائة ألف فارس محصاة في ديوانه، ومعهم من السوقة والصناع والأتباع أضعافهم مرارًا. قال: وكان هذا الجمع الحفل يمشون بين الزروع في الطرق الضيقة، فلا يكسرون سنبلة، ولا يطؤونها من هيبة الأمير، وكان خيامهم وأسواقهم مسافة فرسخين، وكلهم يصلون الخمس وراء إمام واحد بتكبيرة واحدة، ولا يتخلف

стр. 11353

أحد عن الصلاة إذا قامت، كائنًا من كان من أصناف الجيش والسوقة وغيرهم. وكان عبد المؤمن يسير وحده منفردًا أمام الجيوش ليس معه فارس إلا ابنه ولي عهده وراءه. وحوله من عبيده السودان ألوف بالرماح والدرق. قال: ولم يكن في دولته أحد يسمى بالأمير ولا بالوالي، وإنما يسمون الطلبة لأن دولته مبنية على العلم، ومن دون الطلبة يسمون الحفاظ. وأما أولاد أمير المؤمنين فيسمون السادة. ولا يجتمع الناس عنده فينصرفون إلا عن دعاء منه، ويؤمن الحاضرون، وما لبس إلا ثياب الصوف طول عمره. سنة خمس وخمسين وخمسمائة فيها أفرج علي كوجك عن سليمان شاه بن محمد وسلطنه وخطب له، وبعثه إلى همذان؛ وذهب ابن أخيه ملكشاه بن محمود إلى أصبهان طالبًا للملك، فمات بها. وفيها منع المحدثون من السماع في جامع القصر لأن بعض الأحداث قرأوا شيئًا من الصفات وأتبعوه بذم المتأولين، فمنعوا. وفي ثاني ربيع الأول توفي المقتفي لأمر الله، وطلبت الناس نصف النهار لبيعة المستنجد بالله، فأول من بايعه عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر، وكان أسن من أخيه المستنجد بالله، ثم بايعه ابن هبيرة، وقاضي القضاة. وفي شوال اتفق الأمراء بهمذان على القبض على سليمان شاه وخطبوا لرسلان شاه ابن طغرل. وفيه ورد علي كوجك إلى بغداد قاصدًا للحج، فخلع عليه وعفي عنه ما أسلف من حصار بغداد مع محمد شاه. وولي قضاء القضاة أبو جعفر الثقفي، وعزل أبو الحسن علي بن أحمد الدامغاني فلم يبق الثقفي إلا أشهرًا ومات، فولي مكانه ولده جعفر. وفيها مات الفائز خليفة مصر، وعاش عشر سنين أو أكثر، وكان يصرع، وقام بعده العاضد آخر الخلفاء الباطنية. وأما نيسابور فشرع في عمارتها المؤيد أي أبه، واستقل بمملكتها، وأحسن إلى الناس، فتراجعت بعض الشيء.

стр. 11354

سنة ست وخمسين وخمسمائة في المحرم قطعت خطبة سليمان شاه من المنابر، ثم خطب لأرسلان شاه. قال ابن الأثير (١): لما قتل سليمان شاه أرسلوا إلى إيلدكز صاحب أران وأكثر أذربيجان، فطلبه الأمير كردباز ليخطب لأرسلان الذي معه. وكان إيلدكز قد تزوج بأم أرسلان، وولدت له البهلوان بن إيلدكز. وكان إيلدكز أتابكه وأخوه لأمه البهلوان حاجبه، وكان إيلدكز مملوكًا للسلطان مسعود، فأقطعه أران وبعض أذربيجان، ووقع الاختلاف، فلم يحضر إيلدكز عند فرقتهم أصلًا. وعظم شأنه، وجاءته الأولاد من أم السلطان أرسلان فسار إيلدكز في العساكر، وهم أكثر من عشرين ألفًا، ومعه أرسلان بن طغرل بن محمد ملكشاه فتلقاهم كردباز، فأنزله بهمذان في دار السلطنة، وخطب لأرسلان. ثم بعثوا إلى بغداد يطلبون له السلطنة، فأهين رسولهم. وكان قد تغلب على الري الأمير إينانج، وقوي حاله، فصالحه، إيلدكز، وزوج ولده البهلوان بابنة إينانج وزفت إليه بهمذان. ثم التقى البهلوان وصاحب مراغة آقسنقر، فانهزم البهلوان فجاء إلى همذان على أسوأ حال. وفيها كثر اللصوص والحرامية بنيسابور، ونهبوا دور الناس نهارًا جهارًا، فقبض المؤيد على نقيب العلويين أبي القاسم زيد الحسيني وعلى جماعة، وقتل جماعة، وخربت نيسابور، ومما خرب سبع عشرة مدرسة للحنفية، وأحرقت خمس خزائن للكتب، ونهبت سبع خزائن، وبيعت بأبخس الأثمان، وخرب مسجد عقيل. وانتشر في هذه الأيام، وقت عاشوراء، الرفض والتسنن حتى خيف من فتنة تقع. وفيه ركب المستنجد بالله وراح إلى الصيد، ثم بعد أيام خرج أيضًا إلى الصيد.

стр. 11355

وكان الرخص كثيرًا ببغداد، فأبيع اللحم أربعة أرطال بقيراط، والبيض كل مائة بقيراط. وفيها كان مقتل الملك الصالح طلائع بن رزيك، واستولى على مصر شاور. سنة سبع وخمسين وخمسمائة فمن الحوادث فيها أن الحاج العراقي وصلوا مكة، فلم يدخل أكثرهم لفتن جرت، وإنما دخلت شرذمة، ورجع أكثر الناس بلا حج. وفيها خرج الخليفة للصيد على طريق واسط. ووقع فيها حريق عظيم ببغداد، احترق سوق الطير، والبزوريين وإلى سوق الصفر والخان، واحترق كثير من الطيور. وفيها كان مصاف كبير وحرب شديد بين جيوش أذربيجان، وأرمينية، وبين الكرج، فنصر المسلمون، وغنموا ما لا يحد ولا يوصف. سنة ثمان وخمسين وخمسمائة جاءت الأخبار بما تم على الحجيج، عاث عبيد مكة في الركب، فثار عليهم أصحاب أمير الحاج، فقتلوا منهم جماعة، فردوا إلى مكة وتجمعوا، ثم أغاروا على جمال الحاج، فانتهبوا نحوًا من ألف جمل، فركب أمير الحاج وجنده بالسلاح، ووقع القتال وقتل طائفة. ثم جمع الأمير الناس، ورجع بهم ولم يطوفوا. وفيها بني ببغداد كشك (١) للخليفة وكشك للوزير، وأنفق عليهما مبلغ عظيم. وثارت بنو خفاجة بالعراق، فعاثت وأفسدت، وكانت القوافل تؤخذ إلى باب الحربية. وفيها قتل العادل ابن الصالح طلائع بن رزيك، وقام بعده شاور السعدي. وفيها سار المؤيد أي أبه صاحب نيسابور، فاستولى على بسطام،

стр. 11356

ودامغان، واستعمل عليهما مملوكه تنكز. وفيها التقى المؤيد وصاحب مازندران وانتصر المؤيد. وفيها بعث السلطان أرسلان بن طغرل خلعًا وألوية معقودة وتقادم إلى المؤيد، وأمره أن يهتم باستيعاب تملك خراسان، فلبس الخلع. وكان السبب في ذلك شمس الدين إيلدكز أتابك السلطان. وكان إيلدكز هو الكل، وبينه وبين المؤيد ود وإخاء. وكانت الخطبة في مرو، وبلخ، وهراة وهذه البلاد للغز سوى هراة، فإنها بيد أيتكين وهو مسالم للغز. وفيها قتل صاحب الغور سيف الدين محمد. وفيها جمع نور الدين جيشه، وسار لغزو الفرنج، ونزل تحت حصن الأكراد ومن عزمه محاصرة طرابلس، فتجمعت الفرنج وكبسوا المسلمين، فلم يشعر الترك إلا بظهور الصلبان من وراء الجبل، فبعثوا إلى نور الدين يعرفونه، وتقهقروا فرهقتهم الفرنج بالحملة فهربوا، والفرنج في أقفية الترك، إلى المخيم النوري، فلم يستمكن المسلمون من الأهبة، فوقع فيهم القتل والأسر، وقصدوا خيمة السلطان نور الدين وقد ركب فرسه، وطلب النجاة، فلدهشته ركب والشبحة في رجل الفرس، فنزل كردي فقطعها، فنجا نور الدين، وقتل ذلك الكردي. ونزل نور الدين على بحيرة حمص وقال: والله لا أستظل بسقف حتى آخذ بالثأر، وأحضر الأموال والأمتعة، ولم شعث عساكره (١). وفيها أمر المستنجد بالله بقتال بني أسد أصحاب الحلة وإجلائهم عن العراق، فتجمع لحربهم عدة أمراء وخلق من العسكر، فخذلت بنو أسد وزالت دولتهم، وقتل منهم نحو أربعة آلاف، وتفرق الباقون، وقطع دابرهم، ولم يبق من هذا الوقت أحد يعرف بالعراق من الأسديين. سنة تسع وخمسين وخمسمائة فيها أخرج ببغداد تسعة من اللصوص فقتلوا. وفيها كسر نور الدين الفرنج كسرة هائلة وأخذ الإبرنس والقمص أسيرين.

стр. 11357

وفيها جهز نور الدين جيشًا عليهم أسد الدين شيركوه إلى مصر نجدة لشاور، لكونه قصده واستجار به. فأول دخولهم قتل الملك المنصور ضرغام الذي كان قد قهر شاور، وأخذ وزارة مصر منه في آخر العام الماضي. ثم تمكن شاور ولم يلتفت على شيركوه، فاستولى على بلبيس وأعمال الشرقية. وأرسل شاور يستنجد بالفرنج، فسارعوا إليه، وبذل لهم ذهبًا عظيمًا، فجاؤوا من القدس والسواحل، والتجأ شيركوه وعسكر الشام إلى بلبيس، وجعلها ظهرًا له، وحصروه ثلاثة أشهر ومنعته مع قصر سورها وعدم خندق لها. فبينا هم كذلك إذ أتاهم الصريخ أن نور الدين أخذ حصن حارم منهم وسار إلى بانياس، فسقط في أيديهم، فهموا بالعود إلى بلادهم ليحفظوها، وطلبوا الصلح مع شيركوه، فأجابهم لقلة الأقوات عليه، وسار إلى الشام سالمًا. وفيها وقعة حارم، وذلك أن نجم الدين ألبي الأرتقي صاحب ماردين نازل حارم ونصب عليها المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج من كل ناحية، واجتمع طائفة من ملوكهم، وعلى الكل بيمند صاحب أنطاكية، فكشفوا عن حارم، وترحل عنها صاحب ماردين، فقصدهم نور الدين ﵁، فالتقى الجمعان، فحملت الفرنج على ميمنة الإسلام فهزمتها، فيقال: إنهم انهزموا عن خديعة قررت، فتبعتهم الفرنج الفرسان، فمال المسلمون من الميسرة، فحصدت رجالة الفرنج؛ ثم ردت الفرسان عليهم اللعنة، فأحاط بهم المسلمون، واشتدت الحرب، وطاب القتل في سبيل الله، وكثر القتل في الفرنج والأسر، فكان في جملة الأسرى سلطان أنطاكية، وصاحب طرابلس، والدوك مقدم الروميين، وابن جوسلين. وزادت عدة القتلى منهم على عشرة آلاف، فلله الحمد على هذا الفتح المبين. ثم سار نور الدين بعد أن افتتح حارم، فافتتح قلعة بانياس في آخر السنة. وكان لها بيد الفرنج ستة عشر عامًا. ولما عاد منها إلى دمشق، قال ابن الأثير (١): كان في يده خاتم بفص ياقوت يسمى الجبل لكبره وحسنه، فسقط من يده في شعرة بانياس، فنفذ وراءه من فتش عليه فلقيه، فقال فيه بعض الشعراء:

стр. 11358

إن يمتري الشكاك فيك بأنك ال … ـمهدي مُطْفئ جمرة الدّجّال فلعَودة الْجَبَل الَّذِي أضْللتَه … بالأمس بين غياطل (١) وجبال في أبيات وفيها قتل الملك أيتكين صاحب هراة في مصاف بينه وبين عسكر الغور. وفيها استولى ملك مازندران على قومس، وبسطام، بعد أن هزم دنكز (٢) مملوك المؤيد أي أبه. وفيها سار ملك القسطنطينية، لعنه الله، بجيش عرمرم وقصد الإسلام والبلاد التي لقلج أرسلان وابن دانشمند، فكان التركمان يبيتونهم ويغيرون عليهم بالليل حتى قتلوا منهم نحوًا من عشرة آلاف، فرجعوا خائبين. وكفى الله شرهم، وطمع المسلمون فيهم، وأخذوا لهم عدة حصون. سنة ستين وخمسمائة فيها خرج الخليفة إلى الصيد، فقبض على الأمير توبة البدوي، وسجن ثم أهلك، وكان قد واطأ عسكر همذان على الخروج (٣). وفي يوم عيد النحر ولدت امرأة من درب بهروز يقال لها بنت أبي العز الأهوازي أربع بنات، ولم يسمع بمثل هذا (٤). وفيها كاتب أهل هراة المؤيد صاحب نيسابور، فبعث إليهم مملوكه تنكز، فتسلمها وطرد الغز عن حصارها (٥). وفيها وقعت فتنة عظيمة آلت إلى الحرب بأصبهان بين صدر الدين عبد اللطيف ابن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب، وسببها التعصب للمذاهب، فدام القتال بين الفريقين ثمانية أيام، قتل فيها خلق كثير، وأحرق كثير من الدروب والأسواق، قاله ابن الأثير (٦).

стр. 11359

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) المتوفون في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ١ - أحمد بن أبي المجد صاعد بن أبي الغنائم الحربي الإسكاف، والد عبد الله بن أبي المجد، وهو أخو عمر بن عبد الله الحربي لأمه. روى عن أبي طلحة النعالي، والمبارك ابن الطيوري، وجماعة. روى عنه ابن الأخضر، ومحمد بن محمد بن ياسين. وكان صالحًا حافظًا للقرآن، يؤم الناس، ويغسل الموتى احتسابا. توفي في شعبان عن سبعين سنة، رحمه الله تعالى (١). ٢ - أحمد بن الفرج بن راشد، أبو العباس المدني (٢)، ثم البغدادي الوراق، قاضي دجيل. ولد سنة تسعين وأربعمائة، وسمع من: أبي غالب بن زريق، وغيره. كتب عنه أبو سعد السمعاني وقال (٣): كان يسمع معنا ولده من القاضي أبي بكر (٤). ٣ - آتسز بن محمد بن أنوشتكين، الملك خوارزم شاه. أصابه فالج فعالجوه بكل ممكن فلم يبرأ، فأعطوه حرارات عظيمة بغير أمر الطبيب، فاشتد مرضه وخارت قوته، ومات في جمادى الآخرة؛ وكان يقول عند الموت: ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه. وولد في رجب سنة تسعين، وامتدت أيامه، وتملك بعده ابنه أرسلان فقتل نفرًا من أعمامه.

стр. 11360

وكان آتسز عادلًا، عافًا عن أموال الرعية، محببًا إليهم، فيه خير وإحسان، وكان تحت طاعة السلطان سنجر (١). ٤ - آمنه بنت الشريف أبي الفضل محمد بن عبد الله ابن المهتدي بالله الهاشمي. سمعت أبا عبد الله النعالي، وطرادا. كتب عنها ابن السمعاني، وتوفيت في رجب، وروى عنها ابن الأخضر. ٥ - إسماعيل بن علي بن الحسين بن أبي نصر، أبو القاسم النيسابوري، ثم الأصبهاني، الصوفي المعروف بالحمامي. شيخ معمر، عالي الرواية. ولد في حدود سنة خمسين وأربعمائة، وبكر به أبوه بالسماع، فسمع أبا مسلم محمد بن علي بن مهربزد صاحب ابن المقرئ، وأبا منصور بكر بن محمد بن حيد، ومسعود بن ناصر السجزي الحافظ، وأبا الفتح عبد الجبار بن عبد الله بن برزة الواعظ، وأبا سهل حمد بن ولكيز، وأبا بكر محمد بن إبراهيم بن علي العطار، وعبد الله بن محمد الكروني، وأبا طاهر أحمد بن محمد بن عمر النقاش، وأبا بكر بن أسيد، والحسن بن عمر بن يونس، وعائشة بنت الحسن الوركانية؛ وانفرد بالرواية عنهم. وأول سماعه سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وعاش بعدما سمع نيفًا وتسعين سنة. ولعل الذين اتفق لهم هذا لا يصلون إلى عشرة أنفس ليس فيهم الأصم، ولا الطبراني، ولا القطيعي، ولا ابن غيلان، ولا الجوهري، ولا ابن البطر، ولا ابن الحصين، ولا أبو الوقت، ولا السلفي، ولا ابن كليب، ولا الكندي، ولا ابن اللتي. روى عنه: السلفي، وابن عساكر، وابن السمعاني، وأبو موسى، ويوسف بن أحمد بن إبراهيم البغدادي وقال: حدثنا الشيخ المعمر الممتع بالسمع والبصر والعقل، وقد جاوز المائة، أبو القاسم الصوفي، قال: أخبرنا أبو مسلم محمد بن علي النحوي سنة تسع وخمسين، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبدان بن أحمد الجواليقي، قال: حدثنا عمر بن عيسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه

стр. 11361

أبي رزين قال: قلت لرسول الله ﷺ : «أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء» (١). قلت: أخبرنا به جماعة، عن محمد بن عبد الواحد المديني، أن أبا القاسم إسماعيل أخبرهم، فذكره مثله، إلا أن عندنا عمر بن موسى، وهو الصحيح. روى عنه أيضًا: أبو المجد زاهر بن أبي طاهر الثقفي، وعبد الخالق بن أسد الدمشقي، وأحمد بن محمد بن أحمد ويرج، وإسماعيل بن ماشاذة، وحمزة بن أبي المطهر الصالحاني، وخضر بن معمر بن الفاخر، وأخوه يوسف، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد ابن المستملي، ومحمد بن محمود بن خمارتاش الواعظ، ومحمد بن محمود الصباغ، ومودود بن مسعود الفهاد، وأحمد بن محمد الفارقاني، وأحمد بن محمد بن عثمان الأصبهانيون. وآخر من روى عنه محمد ابن عبد الواحد المذكور. وسماع السلفي منه في سنة نيف وتسعين وأربعمائة. أخبرنا أبو علي الخلال أن كريمة الأسدية أخبرتهم عن عبد الرحيم بن أبي الوفاء الحافظ، قال (٢): توفي أبو قاسم إسماعيل بن أبي الحسن الحمامي يوم السبت السابع من صفر سنة إحدى وخمسين. ٦ - تركانشاه بن محمد بن تركانشاه، الحاجب أبو المظفر البغدادي المراتبي. سمع هبة الله بن أحمد الموصلي ببغداد، والإمام أبا المحاسن الروياني بالري، وجماعة. وتوفي في رابع عشر ذي القعدة وله سبع وستون سنة. روى عنه ابن الأخضر. ٧ - جابر بن محمد، أبو الحسين اللاذاني، الأصبهاني، القصار. سمع: أبا منصور بن شكرويه، ورزق الله (٣). روى عنه: أبو سعد السمعاني، وقال (٤): مات في شوال.

стр. 11362

٨ - حذيفة بن يحيى، أبو بكر البطائحي المقرئ. شيخ صالح، سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا طالب الزينبي. وعنه السمعاني، وعمر بن طبرزد. وعاش إحدى وستين سنة (١). ٩ - الحسن بن أحمد بن محمد، أبو علي البحيري، الملقاباذي، النيسابوري. سمع: أحمد بن محمد الشجاعي، وأبا سعد البحيري. روى عنه: عبد الرحيم ابن السمعاني وقال: توفي في شوال، أو ذي القعدة (٢). ١٠ - الحسين بن الحسن بن محمد، أبو القاسم بن البن الأسدي، الدمشقي، الفقيه. سمع: أبا القاسم بن أبي العلاء، وسهل بن بشر، وأبا عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد، وأبا البركات بن طاوس، والفقيه نصر المقدسي وعليه تفقه. وخلط على نفسه لكنه تاب توبة نصوحًا، وكان حسن الظن بالله، قاله الحافظ ابن عساكر (٣)، وقال: قال لي: ولدت في رمضان سنة ست وستين وأربعمائة. قلت: روى عنه هو، وابنه القاسم، والحافظ أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم بن صصرى، وهو آخر من حدث عنه، وأبو القاسم ابن الحرستاني، وأبو محمد الحسن بن علي بن الحسين الأسدي حفيده، وآخرون. وتوفي في نصف ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب الفراديس. ١١ - سلمان بن مسعود بن الحسن، أبو محمد البغدادي، الشحام. سمع الكثير بنفسه من أبي المعالي ثابت بن بندار، وجعفر السراج، والمبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وعلي بن محمد العلاف، وطائفة. وخرج له الحافظ اليونارتي خمسة أجزاء فوائد. قال أبو سعد السمعاني: سمعت عليه، وهو شيخ صالح، مشتغل

стр. 11363

بكسبه، توفي في المحرم، وولد سنة سبع وسبعين. وقال ابن الجوزي (١): قرأت عليه كثيرًا من حديثه، وكان من أهل السنة، صحيح السماع. قلت: روى عنه عبد الخالق بن أسد، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير. توفي في الثاني والعشرين من المحرم، كذا أرخه السمعاني. ثم قرأت بخط عمر بن الحاجب قال: سمعت أبا الحسن القطيعي يقول في وفاة سلمان الشحام إنها سهو لأنه أجاز في ذي القعدة من السنة لابن دحروج، وقرأ عليه فيها في ربيع الأول ابن الخشاب جزءًا. ١٢ - شكر بنت سهل بن بشر بن أحمد الإسفراييني، أمة العزيز. سمعت بدمشق من: أبيها، وأبي نصر أحمد الطريثيثي. ومولدها بصور في سنة اثنتين وسبعين. روى عنها الحافظ ابن عساكر، وغيره، وتوفيت بدمشق في جمادى الأولى (٢). ١٣ - صدقة بن محمد بن حسين بن المحلبان، أبو القاسم سبط ابن السياف البغدادي. شيخ متجمل، ظاهره الخير، وكان على العمائر. سمع الكثير من: مالك البانياسي، وأبي الفضل بن خيرون، وأحمد بن عثمان بن نفيس الواسطي، وأبي الفضل حمد الحداد. روى عنه: أبو سعد السمعاني، وجماعة. وتوفي في وسط جمادى الأولى. وروى عنه: ابن الأخضر، وعبد الرزاق. ١٤ - عبد الحكيم بن مظفر بن أحمد، أبو نصر الفحفحي (٣) الكرخي الأديب.

стр. 11364

شيخ معمر. ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. روى عنه أبو موسى المديني، وقال: سمعت منه بالكرخ. ١٥ - عبد الرشيد بن ناصر بن فاخر، أبو المظفر البناء الصوفي الهروي. سمع حاتم بن محمد الأزدي، ومحمد بن أبي عمر القويني (١)، والحسين بن محمد الكتبي. حدث ببغداد، وسمع منه أبو سعد السمعاني. قلت: عاش نيفا وتسعين سنة. ١٦ - عبد السميع بن أبي تمام عبد الله بن عبد السميع الهاشمي، أبو المظفر الواسطي. من ذرية جعفر بن سليمان الأمير. قرأ القرآن على: المبارك بن محمد ابن الرواس، وأحمد بن محمد ابن العكبري، والقلانسي. ورحل إلى بغداد فقرأ على أبي الخطاب الجراح، وثابت بن بندار. وسمع من جعفر السراج، وعدة. قرأ عليه بحرف أبي عمرو أبو أحمد ابن سكينة. وأخذ عنه السمعاني. ولد سنة ست وستين وأربعمائة. وكان عابدًا، صوامًا، مات في ذي القعدة. ١٧ - عبد القاهر بن عبد الله بن حسين، أبو الفرج الشيباني، الحلبي، الشاعر المعروف بالوأواء. له ديوان مشهور. تردد إلى دمشق غير مرة، وأقرأ بها النحو، وكان حاذقًا به، وصنف شرح المتنبي، ومدح جماعة من الأكابر. توفي في شوال بحلب، وكان من فحول الشعراء (٢). ١٨ - عبد الملك بن محمد بن هشام بن سعد، الإمام أبو الحسن ابن الطلاء، القيسي، الشلبي، من كبار أئمة الأندلس، كان أبوه طلاء في اللجم. سمع أبو الحسن من أبي عبد الله بن شبرين، وأبي الحسن بن الأخضر، وأبي محمد بن عتاب، وأبي الحسن شريح، وأبي بحر بن العاص، وأبي الوليد

стр. 11365

ابن طريف، وخلق كثير. وأجاز له: أبو عبد الله ابن الطلاع، وأبو علي الغساني، وأبو القاسم الهوزني. وأجاز له من بغداد أبو الفضل بن خيرون، وغيره. قال أبو عبد الله الأبار (١): وكان من أهل العلم بالحديث والعكوف عليه، مع المعرفة باللغة والآداب والنسب والمشاركة في الأصول، ولي خطابة مدينة شلب مدة، وتوفي في صفر. وكان مولده في سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة. قال: وأجاز روايته لجميع المسلمين قبل موته بيومين. ١٩ - عبد الواسع بن الموفق بن أميرك، أبو محمد الهروي الصيرفي. شيخ صالح، عابد، قانت، سمع الكثير من شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري، وأبي عطاء عبد الرحمن الجوهري، وأبي عامر الأزدي، وجماعة. قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه قدر خمسة عشر جزءًا من أمالي الأنصاري، وتوفي في خامس رمضان. ٢٠ - عتيق بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو بكر الأزدي، الأندلسي، الأوريولي. حج سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ولقي بمكة أبا الفوارس طرادا الزينبي فسمع منه، وطال عمره، وتفرد عنه في الأندلس بالرواية. وقد حج سنة عشرين وخمسمائة أيضًا، وجاور، وسمع من أبي عبد الله الرازي صاحب السداسيات، ورزين العبدري، وزاهر الشحامي، وجماعة من القادمين للحج. قال الأبار (٢): وكان ثقة، معتنيًا بالرواية. روى عنه أبو طاهر السلفي، وأبو القاسم بن بشكوال، وأبو عمر بن عياد، وأبو بكر بن أبي ليلى، وغيرهم. وكان مولده بأوريولة سنة سبع وستين وأربعمائة وبها توفي. قلت: رواية السلفي عنه في الوجيز له، وسمع منه السمعاني بمكة مجلسًا.

стр. 11366

٢١ - العزيز بن محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد، القاضي أبو المفاخر الصاعدي، النيسابوري. قاضي نيسابور. ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا بكر بن خلف، وأبا القاسم عبد الرحمن الواحدي، وعلي بن محمد الجوزجاني، وغيرهم، وبكروا به وسمعوه حضورًا. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: توفي في صفر. ٢٢ - علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين بن محمويه، الإمام أبو الحسن اليزدي الفقيه، الشافعي المقرئ، المحدث الزاهد، نزيل بغداد. ولد بيزد في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة ظنًا، وسمع الحسين بن الحسن بن جوانشير، وأبا المكارم محمد بن علي الفسوي، ومحمد بن الحسين بن بلوك. ورحل إلى أصبهان فقرأ بها على أبي الفتح أحمد بن محمد الحداد، وأبي سعد المطرز، وأبي علي الحداد. وسمع من أحمد بن محمد ابن الحافظ أبي بكر بن مردويه. وسمع بهمذان من ناصر بن مهدي المشطبي، وبالدون من عبد الرحمن بن حمد الدوني. ودخل بغداد سنة خمسمائة فسمع بها أبا الحسين بن الطيوري، وأبا القاسم علي بن الحسين الربعي، وأبا سعد بن خشيش، وأبا الحسن العلاّف، وجماعة. وتفقه على الإمام أبي بكر الشاشي. ورحل إلى واسط، وتفقه على قاضيها أبي علي الفارقي. وسمع بالكوفة، والبصرة، والحجاز. وصنف في الفقه، والحديث، والزهد، وحدث بسنن النسائي، عن الدوني. قال أبو سعد السمعاني: فقيه، فاضل، زاهد، حسن السيرة، عزيز النفس، سخي بما يملك، قانع بما هو فيه، كثير الصوم والعبادة. صنف تصانيف في الفقه، وأورد فيها أحاديث بأسانيده. سمعت منه وسمع مني. وكان حسن الأخلاق، دائم البشر، متواضعًا. وكان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه، إذا خرج ذاك قعد ذا، وإذا خرج ذا قعد الآخر.

стр. 11367

وقال ابن النجار في تاريخه (١): كان من أعيان الفقهاء ومشهوري العباد. سمعت أبا يعلى حمزة بن علي يقول: كان شيخنا أبو الحسن اليزدي يقول لنا: إذا مت فلا تدفنوني إلا بعد ثلاث، فإني أخاف أن يكون بي سكتة. وقال: وكان جثيثًا صاحب بلغم. وكان يصوم رجب، فلما كان سنة موته قبل رجب بأيام، قال: قد رجعت عن وصيتي، ادفنوني في الحال، فإني رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقول: يا علي، صم رجب عندنا. قال: فمات ليلة رجب. قال: وقرأت بخط أحمد بن شافع وفاته في تاسع عشر جمادى الآخرة، وقال: زادت مصنفاته على خمسين مصنفًا. قلت: روى عنه ابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وعبد الملك بن ياسين الدولعي الخطيب، وعلي بن أحمد بن سعيد الواسطي الدباس وقرأ عليه القراءات، وأبو أحمد عبد الوهاب ابن سكينة، وعبد العزيز بن الأخضر، وآخرون. ٢٣ - علي بن الحسين بن عبد الله، أبو الحسن الغزنوي الواعظ، نزيل بغداد. سمع بغزنة من حمزة بن الحسين القايني صحيح البخاري بروايته عن العيار. وسمع ببغداد أبا سعد ابن الطيوري، وابن الحصين. قال أبو الفرج ابن الجوزي (٢): كان مليح الإيراد، لطيف الحركات، بنت له زوجة المستظهر بالله رباطًا بباب الأزج ووقفت عليه الوقوف، وصار له جاه عظيم لميل الأعاجم إليه. وكان السلطان يأتيه يزوره والأمراء والأكابر، وكثرت عنده المحتشمون والقراء، واستعبد كثيرًا من العلماء والفقراء بنواله وعطائه، وكان محفوظه قليلًا، فحدثني جماعة من القراء أنه كان يعين لهم ما يقرؤون بين يديه، ويتحفظ الكلام عليه، وسمعته يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال. وقال ابن السمعاني: سمعته يقول: رب طالب غير واجد، وواجد غير طالب. وقال: نشاط القائل على قدر فهم المستمع.

стр. 11368

وقال ابن الجوزي (١): كان يميل إلى التشيع ويدل بمحبة الأعاجم له، ولا يعظم بيت الخلافة كما ينبغي، فسمعته يقول يوما: تتولانا وتغفل عنا: فما تصنع بالسيف … إذا لم يك قتالًا فغير حلية السيف … وصغه لك خلخالًا ثم قال: تولي اليهود فيسبون نبيك يوم السبت، ويجلسون عن يمينك يوم الأحد. ثم صاح: اللهم هل بلغت. قال: فبقيت هذه الأشياء في النفوس حتى منع من الوعظ. ثم قدم السلطان مسعود، فجلس بجامع السلطان، فحدثني فقيه أنه لما جلس قال لما حضر السلطان: يا سلطان العالم، محمد بن عبد الله أمرني أن أجلس، ومحمد أبو عبد الله منعني أن أجلس، يعني المقتفي. وكان إذا نبغ واعظ سعى في قطع مجلسه. وكان يلقب بالبرهان، فلما مات السلطان أهين الغزنوي، وكان معه قرية فأخذت منه، وطولب بمغلها عند القاضي، وحبس ثم أطلق، ومنع من الوعظ. وتشفع في أمر القرية، فقال المقتفي: ألا يرضى أن نحقن دمه؟ وما زال الغزنوي يلقى الذل بعد العز الوافر، وتوفي في المحرم (٢). وهو والد المسند أبي الفتح أحمد بن علي الغزنوي، راوي الترمذي. ٢٤ - علي بن حيدرة بن جعفر بن المحسن، أبو طالب الحسيني العلوي الشريف الدمشقي، نقيب العلويين. سمع أبا القاسم بن أبي العلاء المصيصي، والفقيه نصر بن إبراهيم. روى عنه ابن عساكر، وولده القاسم، وأبو المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى، وغيرهم. وهو راوي السابع من فضائل الصحابة لخيثمة، توفي في جمادى الآخرة، ودفن بمقابر باب الصغير (٣).

стр. 11369

٢٥ - علي بن أبي تراب بن فيروز، أبو الحسن الزيكوني (١)، ثم البغدادي، الخياط. سمع أبا الفضل محمد بن عبد السلام، وأبا الحسين المبارك ابن الصيرفي. قال ابن السمعاني: كتب لي جزءًا عن شيوخه، وقرأته عليه وولد سنة أربع وسبعين. ومات في ثاني ربيع الأول (٢). ٢٦ - محمد بن عبد الله بن محمد بن خيرة، أبو الوليد القرطبي. قال ابن بشكوال (٣): روى عن جماعة من شيوخنا وصحبنا عندهم، وكان من جلة العلماء الحفاظ، متفننًا في المعارف كلها، جامعًا لها، كثير الدراية، واسع المعرفة، حافل الأدب. حج وتوفي بزبيد في شوال، وله اثنتان وستون سنة. ٢٧ - محمد بن عبد الخالق، الإمام أبو المحامد السمرقندي، الكندي. ورع، عارف بالفقه، له حلقة إشغال، كتب عنه أبو سعد السمعاني. وكندى من قرى سمرقند (٤). ٢٨ - محمد بن عبيد الله بن سلامة بن عبيد الله بن مخلد، أبو عبد الله الكرخي البغدادي الرطبي، من كرخ جدان، لا من (٥) كرخ بغداد. وهو ابن أخي القاضي أبي العباس أحمد بن سلامة ابن الرطبي. كان أحد الشهود المعدلين، كان جميل الأمر، لازمًا بيته، مشتغلًا بما يعنيه. سمع أبا القاسم ابن البسري، وأبا نصر الزينبي، وعاصم بن الحسن،

стр. 11370

وجماعة، وتوفي في شوال. وكان مولده في سنة ثمان وستين وأربعمائة. روى عنه: ابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وداود بن ملاعب، وابن الأخضر، وعمر بن أحمد بن بكرون، ومحمد بن علي بن يحيى ابن الطراح، وجماعة. ٢٩ - محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو الفتح بن أبي الحسن البسطامي، ثم البلخي، أخو الحافظ أبي شجاع عمر. قال ابن السمعاني: كان إمامًا صالحًا، كثير العبادة، متواضعًا. سمع الكثير ببلخ من أبيه، وأبي هريرة عبد الرحمن بن عبد الملك بن يحيى القلانسي، وأبي القاسم أحمد بن محمد الخليلي، وإبراهيم بن أبي نصر الأصبهاني، والوزير نظام الملك. وأجاز له الحافظ أبو علي الوخشي القاضي، ولد في رمضان سنة ثمان وستين وأربعمائة. وتوفي في رمضان أيضًا (١). روى عنه بالإجازة عبد الرحيم ابن السمعاني. ٣٠ - محمود بن إسماعيل بن قادوس، القاضي، أبو الفتح المصري الكاتب، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية. أصله من دمياط، وهو أحد من اشتغل عليه القاضي الفاضل، وكان يعظمه ويصفه ويسميه ذا البلاغتين. وكان لا يتمكن من اقتباس فرائده غالبًا إلا في ركوبه من القصر إلى منزله، ومن منزله إلى القصر، فيسايره الفاضل ويجاريه في فنون الإنشاء والشعر، وله في موسوس (٢) يكثر التكبير وقت الإحرام: وفاتر النية عنينها … مع كثرة الرعدة والهزة يكبر السبعين في مرة … كأنه صلى على حمزة ٣١ - مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، السلجوقي، صاحب الروم. مات بقونية، وتملك بعده ولده قلج أرسلان (٣).

стр. 11371

٣٢ - المرتضى بن محمد بن إسماعيل بن الحسين، أبو القاسم العلوي. شيخ معمر. سمع نجيب بن ميمون الواسطي. مات بسجستان في ذي الحجة؛ ورخه أبو سعد (١). ٣٣ - نبأ (٢) بن محمد بن محفوظ، الشيخ أبو البيان ﵁، شيخ الطائفة البيانية بدمشق. كان كبير القدر، عالمًا، عاملًا، زاهدًا، قانتًا، عابدًا، إمامًا في اللغة، فقيها، شافعي المذهب، سلفي المعتقد، داعية إلى السنة. له تواليف ومجاميع، وشعر كثير، وأذكار مسجوعة مطبوعة، وقبره يزار بمقابر باب الصغير. ولم يذكره ابن عساكر في تاريخه، ولا ابن خلكان في الأعيان. توفي وقت الظهر يوم الثلاثاء ثاني ربيع الأول، ودفن من الغد، وشيعه خلق عظيم. وقرأت بخط السيف ابن المجد؛ الشيخ الفقيه أبو البيان نبأ بن محمد بن محفوظ القرشي، الشافعي، ﵀، المعروف بابن الحوراني، سمع أبا الحسن علي ابن الموازيني، وأبا الحسن علي بن أحمد بن قبيس المالكي. وكان حسن الطريقة، قد نشأ صبيًا إلى أن قضى متدينًا، تقيًا، عفيفًا، محبًا للعلم والأدب والمطالعة للغة العرب. قلت: روى عنه يوسف بن عبد الواحد بن وفاء السلمي، والقاضي أسعد بن المنجى، والفقيه أحمد العراقي، وعبد الرحمن بن الحسين بن عبدان، وغيرهم. أخبرنا القاضي أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام، قال: أخبرنا العلامة أبو محمد بن قدامة، قال: حدثني أبو المعالي أسعد بن المنجى، قال: كنت يومًا قاعدًا عند الشيخ أبي البيان، ﵀، فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك، ما أنحسكم، فإن

стр. 11372

الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وذكر الشيخ الآيات والأخبار؛ وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل: إن الكلام من الفؤاد، أيش هذا، نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة!!. وحدث أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المعدل في تاريخه قال: حكى جماعة من ثقات الدمشقيين أن طائفة من أصحاب الشيخ أبي البيان، بعد وفاته بأربع سنين، اجتمعوا وجمعوا دراهم واتفقوا على أن يبنوا لهم مكانًا يجتمعون فيه للذكر، واشتروا أخصاصًا وبواري ومصاطيج (١)، وشرعوا في حفر الأساس، والفقراء قد فرحوا وهم يعملون، فبلغ ذلك نور الدين، فسير إليهم من يمنعهم، فنزل إليهم الرسول من القلعة، فالتقاه في الطريق الشيخ نصر صاحب أبي البيان، فقال له: أنت رسول محمود بمنع الفقراء من البناء؟ قال: نعم. قال: ارجع إليه وقل بعلامة ما قمت قي جوف الليل وسألت الله في باطنك أن يرزقك ولدًا ذكرًا من فلانة وواقعتها لا تتعرض إلى جماعة الشيخ ولا تمنعهم. فعاد الرسول إلى السلطان وأخبره فقال: والله العظيم ما تفوهت بهذا لمخلوق، ثم أمر بعشرة آلاف درهم ومائة حمل خشب ليبنوا بها. فبنوا الرباط، ووقف عليه مزرعة بجسرين. هذه حكاية منقطعة لا تصح. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم الأرموي: أخبرني والدي، عن جدي، عن الشيخ عبد الله البطائحي قال: رأيت الشيخ أبا البيان والشيخ رسلان مجتمعين بجامع دمشق، فسألت الله أن يحجبني عنهما حتى لا يشتغلا بي، وتبعتهما حتى صعدا إلى أعلى مغارة الدم، وقعدا يتحدثان، وإذا بشخص قد أتى كأنه طائر في الهواء، فجلسا بين يديه كالتلميذين، وسألاه عن أشياء من جملتها: على وجه الأرض بلد ما رأيته؟ قال: لا. فقالا: هل رأيت مثل دمشق؟ قال: ما رأيت مثلها. وكانوا يخاطبونه يا أبا العباس، فعلمت أنه الخضر ﵇. فقلت: إن صحت هذه الحكاية عن عبد الله البطائحي فهو ظن من الشيخ

стр. 11373

عبد الله في أن ذلك الشخص الخضر، ومن الناس من يقول: إن الخضر مرتبة من وصل إليها سمي الخضر كالقطب والغوث. ٣٤ - واثق بن تمام بن محمد بن علي بن أبي عيسى، أبو منصور الهاشمي، العباسي، العيسوي، البغدادي، العتابي. سمع عبد الخالق بن هبة الله المفسر، ومحمد بن عبد الله المستعمل. روى عنه يحيى بن الحسين الأواني، وعبد العزيز بن الأخضر. توفي في شعبان عن بضع وثمانين سنة. ٣٥ - يحيى بن سلامة بن الحسين بن عبد الله، الخطيب، معين الدين أبو الفضل الحصكفي، نسبة إلى حصن كيفا. تأدب ببغداد على أبي زكريا التبريزي، وقرأ الفقه وجوده، ثم نزل ميافارقين وولي خطابتها والفتوى بها، واشتغل عليه أهلها، وله ديوان معروف، وخطب، ورسائل. قال العماد في الخريدة (١): كان علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم. ومن شعره: وخليع بت أعذُلُهُ … ويرى عَذْلي من العَبَثِ قلتُ: إنَّ الخَمرَ مَخْبَثَةٌ … قال: حاشاها من الخَبَثِ قلت: فالأرفاث تتبعها … قال: طَيِّبُ العَيْشِ فِي الرَّفَثِ قلت: منها القَيْءُ قال: أَجَلْ … شَرُفَتْ عن مَخْرَج الحَدَث وسأجْفُوها، فقلت مَتَى؟ … قال: عند الكَوْن فِي الْجَدَثِ وله فِي مُغَنّ: ومُطرب قولُهُ بالكُره مسموعُ … مُحَجَّبٌ عن بيوت النّاس ممنوع غنى فبرق عينيه وحول لحـ … ييه فقلنا: الفتى، لا شكّ، مصروع وقطَع الشَّعْر حَتَّى ودّ أكثَرُنا … أنّ اللّسان الَّذِي فِي فيه مقطوع

стр. 11374

لم يأتِ دعوةَ أقوامٍ بأمرهم … ولا مضى قَطُّ إلا وهو مصفُوع (١) تُوُفّي الخطيب الحَصْكَفيّ سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاثٍ (٢). ٣٦ - يحيى بن عبد الباقي بن محمد، أبو بكر البغدادي، الغزال. سمع مالكًا البانياسي، ورزق الله التميمي، وحمدًا الحداد الأصبهاني، وجماعة. روى عنه أبو سعد السمعاني، وأحمد بن حمزة ابن الموازيني، وجماعة، وتوفي في شوال.

стр. 11375

سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة ٣٧ - أحمد بن أحمد بن علي بن أحمد ابن الخراز، أبو علي الحريمي، البغدادي. قال ابن السمعاني (١): شيخ صالح، مستور، متدين، لازم لمسجده. سمع أبا الغنائم محمد بن علي الدقاق، وولد في سنة خمس وسبعين وأربعمائة قرأت عليه جزءًا من أمالي المحاملي قلت: هو الجزء الأول، لأنه كان يرويه عن أبي الغنائم، وتفرد به وما كأنه روى سواه. بلى، روى جزءًا عن محمد بن أحمد ابن الجبان العطار، عن أحمد بن عمر ابن الإسكاف، وروى جزءًا عن، طراد الزينبي، وآخر عن مالك البانياسي، وتوفي في أول ذي الحجة. وقد روى عنه عبد الخالق بن أسد، وعمر بن طبرزد، وأبو علي الحسن ابن الزبيدي، ومحمد وعبد الواحد ابنا المبارك ابن المستعمل. وآخر من روى عنه بالإجازة ابن المقير، فأخبرنا صبيح فتى صواب المالقي، قال: أخبرنا ابن المقير، قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن أحمد إجازة، قال: أخبرنا محمد بن علي بن أبي عثمان، قال: أخبرنا عبد الله بن البيع، قال: أخبرنا أبو عبد الله المحاملي، قال: حدثنا يوسف بن موسى، قال: حدثنا جرير، ومحمد بن فضيل، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: سمعت عليًا ﵁ يقول: أمر رسول الله ﷺ ابن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه بشيء منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقيه، فضحكوا، فقال النبي ﷺ : ما تضحكون لرجل عند الله في الميزان أثقل يوم القيامة من أحد. قيل اسم أم موسى حبيبة (٢). وقال ابن النجار: كان شيخًا صالحًا، له سمت حسن، وعليه وقار

стр. 11376

وسكينة، قال لي بعض أهل العلم إنهم يقولون إن وجهه يشبه وجه أبي بكر الصديق ﵁. ٣٨ - أحمد بن أحمد بن محمد بن اليعسوب، أبو الفتح البغدادي. سمع أبا غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وأبا العز محمد بن المختار. وكان أديبًا شاعرًا، روى عنه أبو المنجى بن اللتي. قال ابن النجار: توفي في سادس عشر جمادى الآخرة. ٣٩ - أحمد بن بختيار بن علي بن محمد، القاضي أبو العباس المندائي، الواسطي. ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة، ورحل إلى بغداد. وسمع من أبي القاسم بن بيان، وأبي غالب أحمد ابن المعبر، وأبي علي بن نبهان. وكان فقيهًا، إمامًا، بارعًا في كتابة الشروط بارعًا في اللغة والأدب، ولي قضاء واسط مدة، وهو والد أبي الفتح المندائي. وحدث عن الحريري بالمقامات وصنف كتاب القضاة وغير ذلك. وكان ثقة صدوقًا. قال أبو سعد السمعاني (١): قرأت عليه مقامات الحريري، وتوفي في نصف جمادى الأولى. قلت: وقد أجاز لابن المقير، وروى عنه ابنه، وجماعة. ٤٠ - أحمد بن جبير بن محمد بن سعيد بن جبير، الوزير أبو جعفر الكناني، من ولد بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة. كان من وجوه أهل بلنسية، روى عن صهره أبي عمران بن أبي تليد، وأبي عبد الله بن خلصة وعليه قرأ الأدب. ووزر لمروان بن عبد العزيز عند ثورته وخروجه ببلنسية لما انقرضت دولة الملثمين. وامتحن يوم خلع مروان، فقبض عليه الجند، ثم انتقل إلى شاطبة. روى عنه ولده أبو الحسين محمد بن أحمد (٢). ٤١ - أحمد بن عمر بن محمد بن لقمان، أبو الليث النسفي، ثم السمرقندي، الفقيه، مجد الدين الواعظ.

стр. 11377

قال ابن السمعاني (١): كان فقيهًا، فاضلًا، واعظًا كاملًا، سمعه أبوه من جماعة. وكان مولده في سنة سبع وخمسمائة بسمرقند. وكان أبوه حافظًا. قدم مجد الدين بغداد حاجًا، ثم رد إلى وطنه، فلما وصل إلى قومس خرج طائفة كبيرة من أهل قلاع الإسماعيلية وقطعوا الطريق على القافلة، وقتلوا مقتلة عظيمة من الحاج والعلماء، أكثر من سبعين نفسًا، منهم المجد النسفي. ٤٢ - أحمد بن هبة الله بن أحمد، أبو الفضائل ابن الزيتوني، الهاشمي، العباسي، الواثقي، البغدادي. سمع طرادًا الزينبي، وثابت بن بندار. روى عنه المبارك بن كامل مع تقدمه في معجمه، وثابت بن مشرف، وعمر بن أحمد العلوي، وتوفي في صفر وله اثنتان وثمانون سنة. ٤٣ - إبراهيم بن رضوان بن تتش بن ألب أرسلان، شمس الملوك، أبو نصر. ولد سنة ثلاث وخمسمائة، ونزل على حلب محاصرًا لها في سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وكان معه الأمير دبيس بن صدقة الأسدي صاحب الحلة، وبغدوين ملك الفرنج. وفي سنة إحدى وعشرين قدم أبو نصر إبراهيم هذا إلى حلب أيضًا فدخلها وملكها، وفرحوا به، ونادوا بشعاره. وخرج صاحب أنطاكية فأتاها ونازلها، فترددت الرسل لما ضايق حلب، فركب أبو نصر وعزيز الدولة في خلق عظيم، فتراسلوا، فانعقدت الهدنة، وحلف لهم، وحملوا إليه ما افترضه، ولطف الله. ثم بعد مدة سار أبو نصر، وأعطاه الأتابك زنكي نصيبين، فملكها إلى أن مات في ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وخمسين. قال ابن العديم في تاريخه: أخبرني بذلك بعض أحفاده. ٤٤ - الحسن بن الحسين بن الحسن، الأستاذ أبو علي الأندقي، العارف، شيخ الصوفية، وكبير القوم بما وراء النهر صحب يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد بمرو مدة طويلة وكان يسافر معه. وجالس جده لأمه الإمام أبا المظفر عبد الكريم بن أبي حنيفة الأندقي الفقيه المذكور في سنة إحدى وثمانين.

стр. 11378

قال أبو سعد السمعاني: هو شيخ عصره أبو علي الأندقي من أهل بخارى. وأندقى من قرى بخارى. ظهرت بركته على جماعة كثيرة من أهل العلم والدين، وكان صاحب طريقة حسنة في تربية المريدين ودعاء الخلق إلى الله تعالى، مع ما رزقه الله من صفاء الوقت، ودوام العبادة والرياضة، واتباع الأثر والسنة النبوية. وكان مهيبًا، حسن الكلام، يتكلم على الخواطر، وابتلي وامتحن، وظهر له جماعة من الخصوم ممن قصد قتله، فصبر ودفع الله عنه، وسلمه من أيديهم. ولد في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، وتوفي في السادس والعشرين من رمضان، وله تسع وثمانون سنة. قلت: ذكره أبو سعد في الأنساب (١)، وفي معجم ولده. وروى عنه ولده عبد الرحيم حديثًا واحدًا بروايته عن يوسف الهمذاني. ٤٥ - الحسن بن سعد، أبو شجاع ابن القواريري، البغدادي، البزاز، أخو يعيش بن سعد قاضي باب البصرة. سمع ثابت بن بندار، وابن سوسن التمار. قال ابن الأخضر: كان متكلمًا أشعريًا. وقال السمعاني (٢): شيخ صالح. وروى عنه هو، وابن عساكر، مات في شوال. ٤٦ - الحسن بن المبارك بن محمد الأديب، أبو الحسين ابن الخل، أخو الفقيه أبي الحسن محمد شاعر ماجن ظريف، بديع النظم. روى عن أبي الخطاب الكلوذاني. روى عنه ابن عساكر وغيره، وهو القائل: آه من قلة التجلد والصبـ … ـر وويلي من كثرة العذال وبنفسي ذاك الغزال وحاشا … حسنه أن أقيسه بالغزال والبديع الذي إذا بلبل الأصـ … ـداغ أعدى القلوب بالبلبال عاش سبعين سنة، ومات في ذي القعدة (٣).

стр. 11379

٤٧ - الحسين بن نصر بن محمد بن الحسين بن القاسم بن خميس، الجهني، الكعبي، الموصلي، القاضي أبو عبد الله، قاضي رحبة مالك بن طوق قال ابن السمعاني: إمام فاضل، حسن الأخلاق، بهي المنظر. قدم بغداد قبل الثمانين وأربعمائة، وسمع بها قاضي القضاة أبا بكر محمد بن المظفر الشامي، وطرادًا الزينبي، وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، ونصر بن البطر. وسمع بالموصل: أبا نصر بن ودعان، قرأت عليه أحاديث، وقال لي: ولدت في المحرم سنة ست وستين وأربعمائة بالموصل. ثم ظفرت بوفاته؛ وأرخها ابن خلكان (١) وابن النجار سنة اثنتين وخمسين. ٤٨ - سرخاك، الأمير الكبير فخر الدين، متولي قلعة بصرى. قتل في شوال غيلة بالقلعة بتدبير من زوج بنته الأمير علي بن جولة ومن وافقه من أعيان خاصته مع أنه كان يبالغ في التحرز والتيقظ، ولكنه الأجل. ٤٩ - سعد بن محمد بن أبي عبيد، أبو محمد الدستجردي، المروزي، خطيب دستجرد. فقيه صالح، سمع أبا الفتح عبيد الله بن محمد الهشامي، ومحمد بن إسماعيل اليعقوبي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وتوفي في رمضان. ٥٠ - سنجر ابن السلطان ملكشاه ابن السلطان ألب رسلان ابن السلطان جغربيك بن ميكائيل بن سليمان بن سلجوق، سلطان خراسان، وغزنة، وما وراء النهر. وخطب له بالعراق، والشام، والجزيرة، وأذربيجان، وأران، وديار بكر، والحرمين، ولقبه السلطان الأعظم معز الدين، أبو الحارث، واسمه بالعربي أحمد بن الحسن بن محمد بن داود. كذا ساقه ابن السمعاني، وقال في أبيه الحسن إن شاء الله. ثم قال: ولد بسنجار من بلاد الجزيرة في رجب سنة

стр. 11380

تسع وسبعين وأربعمائة حين توجه أبوه إلى غزو الروم، ونشأ ببلاد الخزر، وسكن خراسان، واستوطن مرو. وقال ابن خلكان (١): تولى المملكة نيابة عن أخيه بركياروق سنة تسعين وأربعمائة، ثم استقل بالسلطنة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وقال ابن السمعاني: وكان في أيام أخيه يلقب بالملك المظفر إلى أن توفي أخوه السلطان محمد بالعراق في ذي الحجة سنة إحدى عشرة، فلقب بالسلطان. وقال: ورث الملك عن آبائه وزاد عليهم: ملك البلاد، وقهر العباد، وخطب له على أكثر منابر الإسلام. وكان وقورًا، حييًا، سخيًا، كريمًا، مشفقًا، ناصحًا لرعيته، كثير الصفح، صارت أيام دولته تاريخًا للملوك، وجلس على سرير الملك قريبًا من ستين سنة. أقام ببغداد، وانصرف منها إلى خراسان، ونزل مرو، وكان يخرج منها ويعود. قال: وحكى أنه دخل مع أخيه محمد على الإمام المستظهر بالله، قال: فلما وقفنا بين يديه ظن أني أنا هو السلطان، فافتتح كلامه معي، فخدمته وقلت: يا مولانا أمير المؤمنين السلطان هو وأشرت إلى أخي. ففوض إليه السلطنة، وجعلني ولي العهد بعده بلفظه. قال ابن السمعاني: واتفق أن في سنة إحدى وتسعين لما هزم عساكر أخيه والأمير حبشي كان فتحًا عظيمًا في الإسلام، فإن أكثر ذلك العسكر كان ممن يميل عن الحق، فبلغ ذلك الإمام أبا الحسن علي بن أحمد المديني المؤذن، فصلى ركعتين، وسجد شكرًا لله. ثم أجاز للسلطان سنجر جميع مسموعاته، فقرأت عليه بها أحاديث. وكان قد حصل له طرش. قال ابن الجوزي (٢): واتفق أنه حارب الغز، يعني قبل الخمسين، فأسروه، ثم تخلص بعد مدة وجمع إليه أطرافه بمرو. وقال القاضي ابن خلكان (٣): كان من أعظم الملوك همة، وأكثرهم عطاء. ثم قال: ذكر أنه اصطبح خمسة أيام متوالية، ذهب بها في الجود كل مذهب، فبلغ ما وهبه من العين سبعمائة ألف دينار، سوى الخلع والخيل.
следующие страницы →