← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

واستقل بالأمور، وكانت ولايته في سنة تسع وأربعين. وكان أديبًا، شاعرًا، سمحًا، جوادًا، محبًا لأهل الفضائل، وله ديوان شعر صغير. ولما مات الفائز وبويع العاضد استمر ابن رزيك في وزارته، وتزوج العاضد بابنته. وكان العاضد من تحت قبضته، فاغتر بطول السلامة، وقطع أرزاق الخاصة، فتعاقدوا على قتله، ووافقهم العاضد، وقرر مع أولاد الداعي قتله، وعين لهم موضعًا في القصر يكمنون فيه، فإذا عبر أبو الغارات قتلوه، فخرج من القصر ليلة، فقاموا إليه، فأراد أحدهم أن يفتح الباب فأغلقه، وما علم لتأخير الأجل. ثم جلسوا له يومًا آخر، ووثبوا عليه عند دخوله القصر نهارًا وجرحوه عدة جراحات، ووقع الصوت، فدخل حشمه، فقتلوا أولئك، ثم حملوه إلى داره جريحًا، ومات ليومه في تاسع عشر رمضان، وخرجت الخلع لولده العادل رزيك بالوزارة. ورثاه عمارة اليمني بعدة قصائد. ومن شعر أبي الغارات: ومُهَفْهَفٍ ثملِ القوامِ سَرَتْ إلى … أعطافه النّشواتُ من عَيْنيهِ ماضي اللّحاظِ كأنَّما سَلَّتْ يدي … سيفًا غداةَ الروع من جَفْنَيهِ قد قلتُ إذ خطّ العِذارُ بمسكةٍ … فِي خدّه ألفيه لا لامَيْهِ ما الشعر دب بعارضيه، وإنما … أصداغه نفضت على خَدَّيهِ النّاسُ طَوْعُ يدي وَأمري نافِذٌ … فيهمْ وقلبي الآنَ طَوْعُ يَدَيهِ فاعْجَبْ لسلطان يعمُّ بعدْلِهِ … ويجُورُ سلطانُ الغرامِ عليهِ (١) وله أشعار كثيرة فِي أهل البيت تدلّ على تشيّعه، وسوء مذهبه، حَتَّى قال الشّريف الجوانيّ: كان فِي نصر المذهب كالسّكَّة المُحْمَاة، لا يفرى فريه، ولا يُبارَى عبقريه، وكان يجمع العلماء من الطّوائف، ويناظرهم على الإمامة. قلت: وكان يرى القَدَر، وصنَّف كتابًا سمّاه: " الاعتماد فِي الرّدّ على أهل العناد " يقرّر فِيه قواعد الرفض، ويعظم بني عبيد.

стр. 11447

وقال عُمارة (١): دخلت عليه قبل قتله بثلاثة أيّام، فناولني قِرطاسًا فِيهِ بيتان من شِعره، وهما: نحن في غفلة ونوم، وللمو … ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى الحمّامْ سِنينًا … ليت شِعْري مَتَى يكون الحمام وقد كان أبو محمد ابن الدّهان النّحْويّ نزيل المَوْصِل شرح بيتًا من شعر ابن رزيك وهو هذا: تجنَّب سمعي ما تقولُ العَوَاذلُ … وأصبح لي شُغلٌ، من الغُرّ شاغلُ فبَلَغه ذلك، فبعث إليه هديَّة سنيَّة. ولمّا قُتِلَ رثاه عُمارة اليمنيّ، فأبلغ وأجاد حيث يقول: خربت رُبُوعُ المكْرَمات لراحلٍ … عُمِرتْ به الأَجْدَاثُ وهي قِفارُ شَخَصَ الأَنَامُ إليه تحت جنازةٍ … خُفِضَتْ بِرِفْعة قِدْرِها الأقدارُ وكأنّه تابوت مُوسَى أُودِعَتْ … فِي جانبَيْه سَكِينَةٌ وَوَقارُ وتغايَرَ الحَرَمانِ والهَرَمانِ فِي … تابوته وعلى الكريم يُغارُ أنبأني أَحْمَد بْن سلامة، عن عليّ بْن نجا الواعظ قال: قرأت على الملك الصّالح طلائع لنفسه: قولوا لمغرورٍ بطُول العُمرٍ … ويْحَك، ما عرفتَ صَرْفَ الدَّهْرِ نَحْنُ قُعُودٌ والزّمانُ يجري … والموتُ يغدو نحونا ويسري يطرق فِي غَسَق وفجرٍ … وبعده أهوالُ يوم الحشرِ طُوبَى لِمَنْ جانب طُرُق الشرّ … ومَرَّ جذْلانَ خفيفَ الظَّهرِ يمضي ويبقى منه حُسْنُ الذِّكْرِ ٢٠٥ - عبد الحميد بن إسماعيل بن أحمد، أبو الفرج الموسياباذي، الهمذاني، الصوفي. سمع عبدوس بن عبد الله، والفضل بن أحمد الزجاجي. مات في رمضان عن اثنتين وثمانين سنة. أخذ عنه السمعاني (٢).

стр. 11448

٢٠٦ - عبد الصمد بن محمد بن عمر بن محمد، أبو محمد البغوي الخطيب، من أهل بغشور. شيخ صالح، ورع، تقي، قانت لله. ولي خطابة بغشور مدة، وكان الناس يتبركون به، سمع من القاضي أبي سعيد بن أبي صالح البغوي، الدباس. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: ولد سنة إحدى وثمانين وأربع مائة. وتوفي بهراة في ربيع الأول. ٢٠٧ - عبد الكريم بن أبي الفتح عبيد الله ابن الإمام أبي القاسم القشيري، أبو المعالي الواعظ. سمع أباه، والفضل بن أحمد الجرجاني. لقيه السمعاني بإسفرايين، وقال (١): كان يعظ بنيسابور ويقع في الروافض، فقتلوه في أحد الجماديين سنة ست هذه. ٢٠٨ - عبد الملك بن عبد السلام بن عبد الملك بن الصدر التيمي البغدادي. سمع الحسين بن محمد السراج، وحدث، وتوفي في رمضان. وهو مقل، سمع منه أحمد بن طارق الكركي (٢). ٢٠٩ - عبد الوهاب بن محمد بن الحسين، أبو الفتح ابن الصابوني، المالكي، المقرئ، الخفاف، وهو من قرية المالكية التي على الفرات. ولد سنة اثنتين وثمانين وأربع مائة. وسمع من أبي عبد الله النعالي، ونصر ابن البطر، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن قيداس، وثابت بن بندار، والمبارك ابن الطيوري، وخلق كثير، وسمع ونسخ وحصل الأصول وروى الكثير. وقرأ القراءات على أبي بكر بن بدران الحلواني، وأبي العز القلانسي. وأقرأ الناس، وكان قيمًا بالروايات ومعرفتها، ثبتًا، صالحًا، حسن الطريقة، روى عنه عبد العزيز بن الأخضر، وسبطه عمر بن كرم.

стр. 11449

قال ابن السمعاني: هو شيخ صدوق، قيم بكتاب الله، يأكل من كد يده، كتبت عنه. وقال عمر بن علي القرشي: توفي في صفر. قلت: وله أربعون حديثا رواها عنه عمر بن كرم (١). ٢١٠ - عبد المنعم بن أبي سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه، أبو محمد الأصبهاني. روى عن أبي الخير بن ررا، روى عنه محمود بن منده أبو الوفاء. توفي في الثالث والعشرين من شعبان. ٢١١ - عدنان بن محمد بن عدنان، أبو هاشم الزينبي. سمع من أبي القاسم الربعي، وأبي سعد بن خشيش. روى عنه ابن السمعاني، وعبد العزيز بن الأخضر (٢). ٢١٢ - علي بن محمد بن طاهر بن علي، أبو تراب التميمي الكرميني، أحد الأئمة الكبار. قال ابن السمعاني: أديب عديم النظير، حافظ لأصول اللغة، لا نعرف في زماننا له نظيرًا، ومع هذا الفضل كان ورعًا عفيفًا كثير التلاوة والتهجد متدينًا متقنًا لما ينقله. سمع من القاضي أبي بكر محمود بن مسعود، وغيره، لقيته ببخارى، ومات بكرمينية في صفر (٣). قلت: وروى عنه ابنه عبد الرحيم ابن السمعاني. ٢١٣ - العلاء بن علي بن محمد بن علي، أبو الفرج ابن السوادي، الواسطي الكاتب الشاعر المشهور. من بيت تقدم وحشمة، وقد كان أبو الفضل هبة الله بن الفضل القطان هجا قاضي القضاة أبا القاسم الزينبي بقصيدته التي أولها: يا أخي الشرط أَمْلَكُ … لستُ للثَّلْبِ أترُكُ وهي زيادة على مائة بيت مشهورة. فأحضر الزينبي أَبَا الفضل وصفعه، وحبسه مدَّة، ثُمَّ بعد ذلك مدح أبو الفَرَج هذا قاضي القُضاة الزَّيْنَبيّ لمّا قدِم من

стр. 11450

واسط، فتأخرَّت عَنْهُ جائزته، وتردّد مرّات، فما أجْدَى، فاجتمع بابن القطّان وشرح له حاله، ثم كتب إلى صديق لقاضي القضاة الزينبي: يا أَبَا الفتح الهجاء إذا … جاش صدرٌ منه متسع وقوافي الشعر كامنة … ولها الشَيطانُ متَّبعُ فاحْذَرُوا كافاتِ منحدَرٍ … ما لكم في صفعه طمع (١) فاتصلت الأبيات بالزَّيْنَبيّ، فأجاز ابن السّواديّ وأرضاه. وُلِدَ سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة بواسط. والسَّواديّ: نسبة إلى سواد العراق. ومن شِعْره: أشكو إليك ومن صُدُودك أشتكي … وأظنّ من شَغَفي بأنّك منصفي وأصدّ عنك مخافةً من أن يُرى … منك الصدود فيشتفي من يشتفي (٢) ٢١٤ - عمر بن أحمد بن أبي الحسن، الإمام أبو محمد الفرغاني المرغيناني، نزيل سمرقند. فقيه، إمام، ورع، متواضع، سمع ببلخ من أبي جعفر محمد بن الحسين السمنجاني، وإسماعيل بن أحمد البيهقي، ومحمد بن أبي القصر السجزي، روى عنه عبد الرحيم بن أبي سعد السمعاني. وتوفي في المحرم سنة إذٍ وله سبعون سنة (٣). ٢١٥ - عمر بن محمد بن عبد الملك بن ينكي (٤)، أبو حفص الفرخوزديزجي، (٥) النسفي، نزيل بخارى. شيخ صالح، عالم، متميز، سمع أبا بكر البلدي، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وعاش خمسًا وستين سنة (٦).

стр. 11451

٢١٦ - قاسم بن هاشم بن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي، الحسني، صاحب مكة. كان ظالمًا جبارًا، صادر المجاورين وأهل مكة، وهرب من عسكر الخليفة، فلما وصل أمير الحاج أرغش رتب مكانه عمه عيسى، فبقي كذلك إلى رمضان من السنة المقبلة، فجمع قاسم العرب، وقصد عمه، فهرب منه، فأقام بمكة أيامًا ولم يكن له مال يوصله إلى العرب، ثم إنه قتل قائدًا كان معه، فتغيرت نيات أصحابه وكاتبوا عمه عيسى فقدم، وهرب قاسم، فصعد جبل أبي قبيس، فسقط عن فرسه، فأخذه أصحاب عيسى فقتلوه، فتألم عمه لقتله وغسله، ودفنه عند أبيه فليتة، واستقر الأمر لعيسى (١). ٢١٧ - محمد بن أحمد بن محمد، القاضي أبو طاهر ابن الكرخي، قاضي باب الأزج. ولي قضاء واسط أيضًا، وطالت أيامه في القضاء، وهو الذي حكم بفسخ خلافة الراشد. توفي في ربيع الأول. سمع من النعالي، والحسين ابن البسري، وعنه ابن الأخضر (٢). ٢١٨ - محمد بن أحمد بن صدقة، الوزير جلال الدين أبو الرضا. وزر للراشد بالله، وكان هو المدبر لأموره، وكان الراشد مهيبًا، جبارًا، ذا سطوةٍ، فخاف منه ابن صدقة، فصار إلى متولي الموصل الأتابك زنكي، ثم صلح أمره عند الراشد، فعاد إلى بغداد؛ فلما خرج الراشد من بغداد سنة ثلاثين تأخر الوزير ابن صدقة عنه، فلما خلع الراشد وبويع المقتفي استخدم المقتفي ابن صدقة في غير الوزارة. وكان يرجع إلى خيرٍ ودين، وحدث عن أبي الحسن ابن العلاف. سمع منه أحمد بن شافع، وعمر بن علي القرشي. ولد سنة ثمانٍ وتسعين وأربعمائة، وتوفي في شعبان ببغداد. وروى عنه أحمد بن طارق الكركي (٣).

стр. 11452

٢١٩ - محمد ابن المقرئ أبي طاهر أحمد بن علي بن عبيد الله بن سوار، أبو الفتوح البغدادي، الوكيل. سمع أباه، وطرادًا، وأبا الفضل عبد الله بن محمد الدقاق، وجماعة. وعنه ثابت بن مشرف، وغيره، وكان عسرًا في التحديث. مات في جمادى الآخرة. ٢٢٠ - محمد بن أحمد بن عبد الكريم بن محمد، أبو محمد ابن المادح التميمي، البغدادي. شيخ معمر عالي الرواية، كان يروي ستة أجزاء أو نحوها. سمع أبا نصر الزينبي، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، وأبا الحسن الأنباري، وابن البطر. روى عنه إبراهيم بن محمود الشعار، وأحمد بن طارق، وعمر بن محمد الدينوري، وأحمد بن يحيى بن هبة الله، وعبد الحق بن محمد ابن المقرون، وعبد الرحمن بن عمر ابن الغزال، ونصر بن أبي الفرج ابن الحصري، وعلي بن بورنداز، وثابت بن مشرف، وعبد اللطيف بن عبد الوهاب بن محمد الطبري، وأبو الحسن محمد بن محمد بن أبي حرب النرسي، وطائفة سواهم. وتوفي في ذي القعدة. وكان أبوه ينوح على الصحابة بالقصائد، ويمدحهم في المواسم بصوت طيب ملحن (١). ٢٢١ - محمد بن علي بن إبراهيم بن زبرج، أبو منصور البغدادي، النحوي، المعروف بالعتابي، صاحب الخط المنسوب. أخذ العربية عن: أبي السعادات ابن الشجري، وأبي منصور ابن الجواليقي، وسمع من قاضي المرستان (٢)، وكان من كبار النحاة، وخطه يتنافس فيه الفضلاء. توفي في جمادى الأولى، وقد جاوز السبعين (٣). ٢٢٢ - محمد بن عمر بن محمد بن محمد، أبو عبد الله الشاشي. فقيه، عابد، خير، تفقه بمرو على محيي السنة البغوي، وحدث عنه

стр. 11453

بالأربعين الصغرى له، رواها عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وتوفي في شعبان، وله بضع وسبعون سنة (١). ٢٢٣ - محمد بن محفوظ، أخي مسعود بن الحسن بن القاسم بن الفضل، الثقفي، الأصبهاني، أبو طالب الرئيس. توفي في ذي القعدة، قاله عبد الرحيم الحاجي (٢). ٢٢٤ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يعيش، أبو عبد الله اللخمي، البلنسي، نزيل شاطبة. روى عن أبي علي بن سكرة، وأبي محمد بن خيرون، وحج سنة ست وخمسمائة، وأقام بمصر مدة، وسمع أبا بكر عبد الله بن طلحة اليابري، وأبا الحسن ابن الفراء، وأبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبا بكر الطرطوشي، ورافع بن دغش. قال أبو عبد الله الأبار (٣): كان ثقة ولم يكن له كبير معرفة، حدث عنه صهره أبو عبد الله ابن الخباز، وأبو عمر بن عياد. وكان مولده سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة. ٢٢٥ - محمد بن المؤيد بن عبد المنعم بن روح الأصبهاني، أبو عبد الله. توفي في آخر السنة. ٢٢٦ - محمود بن محمد، الخاقان التركي، صاحب ما وراء النهر، وابن أخت السلطان سنجر السلجوقي. قد ذكرنا من أخباره في الحوادث، وأنه ولي ملك خراسان من تحت يد الغز، لا بارك الله فيهم، فلما كان في وسط سنة ست هذه سار بالغز، وحاصر نيسابور شهرين، وكان من تحت، حكمته الغز، فأظهر أنه يريد الحمام، وهرب من الغز إلى المؤيد أي أبه صاحب نيسابور. ثم ترحلت الغز عن نيسابور بعد أشهر، فعاثوا وأفسدوا، ونهبوا طوس، والمشهد. ثم أمهله المؤيد إلى رمضان من سنة سبع الآتية، فقبض عليه وعلى ابنه الملك جلال الدين

стр. 11454

محمد، وكحلهما، وسجنهما، واستولى على ذخائر محمود وجواهره، وقطع خطبته، وخطب لنفسه بعد الخليفة، فلم تطل أيامهما في الحبس، ومات السلطان محمود، ثم مات بعده ابنه محمد، وكان قد أكرمهما في الحبس بعض الشيء، ونقل إليهما سراريهما، ولا أعلم متى توفيا، فلعله في سنة ثمانٍ وخمسين. ٢٢٧ - مقبل بن أحمد بن بركة بن الصدر، أبو القاسم القرشي، التيمي، الطلحي، البغدادي، القزاز، المعروف بابن الأبيض الحنبلي. فقيه، إمام، فرضي، صالح، مقرئ، مجود، قرأ بالروايات على أبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وسمع من ثابت بن بندار، وأبي الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبي القاسم الربعي، والعلاف، وجماعة. وولد في سنة ست وثمانين وأربعمائة، وعاش سبعين سنة. روى عنه أبو محمد بن الأخضر، وريحان بن تيكان، ومحمد بن محمد بن اليعسوب، وثابت بن مشرف، وغيرهم. توفي في ربيع الآخر، قاله ابن النجار، وآخر من روى عنه ابن اللتي. ٢٢٨ - منصور بن أبي فوناس، أبو علي. فقيه مشاور. روى بالأندلس عن: أبي علي الصدفي، وأبي محمد بن عتاب. ومات في عشر التسعين، يعرف بالزرهوني. تفقه به أهل فاس، وحدث عنه جماعة (١). ٢٢٩ - منصور بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أبي جعفر ابن التيتي (٢)، الكشميهني، الأمير أبو الغنائم ابن الأمير أبي جعفر، صاحب التقدم والرياسة بمرو. نظر في الفلسفة والنجوم، وضيع أمواله في اللهو والعشرة، وقل ما بيده، وأصابته في الآخر زمانة من النقرس. سمع أبا المظفر منصور ابن

стр. 11455

السمعاني، وأبا نصر أحمد بن محمد بن صاعد القاضي، وجماعة. وعنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وتوفي في رمضان وله خمس وثمانون سنة وأشهر (١). ٢٣٠ - هبة الله بن عبد العزيز بن المفرج بن عمرو بن مسلمة، أبو المعالي التنوخي، الدمشقي، العدل، الطيبي. سمع هبة الله ابن الأكفاني. روى عنه أبو القاسم بن صصرى. وقد حج مرات. وكان صالحًا، كثير الصدقة، توفي في رجب، ودفن بقاسيون. ٢٣١ - يحيى بن محمد بن يحيى بن سعيد بن سعدون بن زيدون، أبو بكر الفهري القرطبي. روى عن أبيه وتفقه به. وروى عن أبي عبد الله ابن الطلاع، وخازم بن محمد، وأبي عبد الله بن حمدين، وأبي عبد الله بن خليفة المرواني، وجماعة. قال الأبار (٢): وكان فقيهًا، حافظًا، مشاورًا في الأحكام. ثم انتقل من قرطبة إلى لبلة وتجول في الأندلس. حدث عنه أبو القاسم القنطري، وأبو بكر بن خير، وأبو القاسم بن الملجوم. وكان مولده في رمضان سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وتوفي بإشبيلية.

стр. 11456

سنة سبع وخمسين وخمسمائة ٢٣٢ - أحمد بن عمر بن أبي بكر بن عمر بن خالويه الأصبهاني. في رمضان. ٢٣٣ - أحمد بن محمد بن أحمد بن الفتح الأصبهاني. سمع عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده. روى عنه أبو الوفاء محمود بن منده، وتوفي في ربيع الآخر. ٢٣٤ - أحمد بن يحيى بن أحمد بن زيد بن ناقة، أبو العباس المسلي (١) الكوفي. شيخ محدث سمع بنفسه، ورحل إلى بغداد، ونسخ وحصل، سمع أبا البقاء الحبال، وأبا الغنائم النرسي، وهبة الله بن أحمد الموصلي، وأبا محمد التككي. وله شعر وسط. روى عنه أبو سعد السمعاني. ومولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة. وممن روى عنه مسمار بن العويس، ونصر الله بن محمد بن مدلل. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير. وتوفي يوم عيد الفطر بالكوفة (٢). ٢٣٥ - أحمد بن أبي المظفر محمد بن أبي مطيع أحمد بن محمد. القاضي أبو مطيع الهروي، ثم المروزي. عالم، فاضل، كثير المحفوظ. سمع عبد الرحمن بن أحمد السرخسي، وأبا عمرو الفضل بن أحمد بن متويه. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: توفي في نصف ربيع الأول. وكان مولده في نصف ذي الحجة سنة سبع وسبعين. ٢٣٦ - أسعد بن الحسين، أبو المعالي ابن الشهرستاني، الدمشقي. سمع أبا البركات بن طاوس، وأبا طاهر محمد بن الحسين الحنائي،

стр. 11457

وهبة الله ابن الأكفاني. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وقال: كان خيرًا نزل الربوة مدة (١). ٢٣٧ - أنس بن عبد الخالق بن زاهر بن طاهر الشحامي، أبو هريرة النيسابوري. سمع جده، وأبا سعد محمد بن أحمد بن صاعد. كتب عنه أبو سعد السمعاني، وقال (٢): مات تحت الهدم. ٢٣٨ - الحسن بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، القاضي أبو ثابت النسفي البزدوي. سمع جميع مسند الحسن بن سفيان من أبي علي الحسن بن عبد الملك النسفي. وسمع من علي بن محمد بن خذام صاحب أبي الفضل منصور الكاغدي مسند علي بن عبد العزيز البغوي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. توفي بسمرقند وله ثمانون سنة. ٢٣٩ - الحسين بن علي بن القاسم بن مظفر ابن الشهرزوري، الموصلي، أبو عبد الله قاضي بغداد، مشاركًا لأبي البركات جعفر الثقفي. روى عن أبي البركات محمد بن محمد بن خميس. أخذ عنه عمر بن علي القرشي، وتوفي في جمادى الآخرة. ٢٤٠ - حمزة بن أحمد بن فارس بن المنجى بن كروس (٣). أبو يعلى السلمي، الدمشقي. ولد يوم عيد النحر سنة ثلاثٍ وسبعين وأربعمائة، وسمع من نصر بن إبراهيم الفقيه، وسهل بن بشر الإسفراييني، ومكي بن عبد السلام الرميلي.

стр. 11458

قال ابن عساكر (١): كتبت عنه بعد ما تاب، وكان شيخًا حسن السمت، توفي في صفر. قلت: وروى عنه عمر بن علي القرشي، وأخوه عبد الوهاب بن علي، والقاضي عبد الرحمن بن سلطان القرشي، وأبو القاسم بن صصرى. وآخر من روى عنه إسحاق بن طرخان الشاغوري، وآخر من روى عنه الموطأ من رواية يحيى بن بكير: مكرم بن أبي الصقر. وقد طلب بنفسه وكتب الحديث بخطه. ٢٤١ - خلف بن محمد بن خلف بن سليمان بن خلف بن محمد بن فتحون. أبو القاسم الأندلسي، الأوريولي. سمع أباه أبا بكر، وتفقه بأبي علي بن سكرة، وسمع منه. وأجاز له جده أبو القاسم خلف المذكور في سنة خمس وخمس مائة. وقرأ على أبي بكر بن عمار، وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني، وغيره. وولي قضاء مرسية، ثم قضاء أوريولة. قال أبو عبد الله الأبار (٢): كان من قضاة العدل، صارمًا مهيبًا. توفي في جمادى الأولى، وله اثنتان وستون سنة، وثكله أهل بلده، وبكوه دهرًا. ٢٤٢ - زمرد بنت الأمير جاولي بن عبد الله، الخاتون، الجهة، صفوة الملك، أخت الملك دقاق لأمه، وزوجة الملك بوري تاج الملوك، وأم الملك إسماعيل شمس الملوك ومحمود ابني بوري. سمعت من أبي الحسن بن قبيس المالكي، ونصر الله بن محمد المصيصي الفقيه. واستنسخت الكتب، وقرأت القرآن على أبي محمد هبة الله بن طاوس، والقرطبي. وبنت المسجد الكبير الذي في صنعاء دمشق، ووقفته مدرسةً على الحنفية، وهي من كبار مدارسهم وأجودها معلومًا. وكانت كبيرة القدر، وافرة الحرمة؛ ولما خافت من ابنها شمس الملوك دبرت الحيلة في قتله حتى قتل بحضرتها. وأقامت في الملك أخاه شهاب الدين محمود. ثم تزوجها الأتابك قسيم الدولة زنكي والد السلطان نور الدين، وسارت إليه إلى حلب في سنة اثنتين وثلاثين، فلما مات عادت إلى دمشق ثم

стр. 11459

حجت على درب بغداد، وجاورت إلى أن ماتت بالمدينة، ودفنت بالبقيع. قاله أبو القاسم ابن عساكر بمعناه (١). وأما خاتون بنت معين الدين أنر فتأخرت، ولها مدرسة بدمشق وخانكاه غربي البلد. ٢٤٣ - سعد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حمدي، أبو البركات، أخو الحسين. بغدادي، صالح، خير، يتجر في البز عند باب النوبي. سمع نصر بن البطر، والحسين بن أحمد النعالي، وأبا بكر الطريثيثي. روى عنه أبو سعد السمعاني، وقال: توفي في رابع شعبان. وروى عنه أبو الفرج ابن الجوزي (٢)، وابن سكينة المقرئ، وجماعة (٣). ومات ابنه إسماعيل سنة أربع عشرة، وسيأتي (٤). ٢٤٤ - سهل بن محمد بن سهل، الكموني، أبو القاسم السرخسي، ثم المروزي. شيخ صالح، خير متواضع. سمع أبا نصر محمد بن محمد الماهاني، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق. وتوفي في رمضان وله سبعون سنة. روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم (٥). ٢٤٥ - الشافعي بن محمد بن محمد بن علي، أبو محمد المروزي، الخياط الزاهد. من صلحاء مريدي الشيخ يوسف الهمذاني. قال عبد الرحيم ابن السمعاني: كان صالحًا، خيرًا، ورعًا، كثير العبادة، متواضعًا، يأكل من الخياطة. حملني أبي إليه في سنة سبع (٦) وخمسين عائدًا وزائرًا، وقرأ عليه حديثين وحكاية.

стр. 11460

٢٤٦ - شجاع الفقيه الحنفي، مدرس مشهد أبي حنيفة ببغداد. تفقه عليه جماعة، وتوفي في ذي القعدة؛ قاله أبو الفرج ابن الجوزي (١). ٢٤٧ - صدقة بن الحسين بن أحمد بن محمد بن وزير، أبو الحسن الواسطي الواعظ. قال ابن الدبيثي (٢): كان أبوه من تناء قرية خسرو وبها ولد صدقة، وأحب العلم، وأقبل على طلبه، وقرأ القراءات على المبارك بن زريق الحداد، وغيره. وطلب الحديث فسمع في حدود الخمسين بالبصرة من إمامها إبراهيم بن عطية، وبالكوفة من أبي الحسن بن غبرة، وببغداد من أبي الوقت، وأبي جعفر العباسي، وأحمد بن قفرجل، وجماعة. وتكلم في الوعظ، وحصل له القبول، وأخذ نفسه بالمجاهدة والرياضة وإدامة الصوم والتعبد. وله أتباع من أهل الخير. وسكن بغداد، وأكثر من طلب الحديث، وبنى له رباطًا بقراح القاضي، وسكن فيه جماعة، فكان يخدمهم بنفسه، ويأخذ نفسه بكثرة المجاهدة. سمع منه الشيخ أحمد بن أبي الهياج الذي خلفه بعد موته، وأحمد بن مبشر، وعمر بن محمد المقرئ، وجماعة. أخبرنا عمر بن محمد بن هارون، قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا محمد بن حمزة بن أبي الصقر بمكة، قال: أخبرنا ابن قبيس، قال: أخبرنا أبو الحسن بن أبي الحديد، قال: أخبرنا جدي، قال: حدثنا الخرائطي، فذكر حديثًا من مساوئ الأخلاق. وقد روى عن ابن أبي الصقر: محمد بن عبد الهادي، وعاش بعد صدقة مائة سنة وأشهرًا. وقال ابن الجوزي في المنتظم (٣): دخل صدقة بن وزير إلى بغداد، ولازم التقشف زائدًا في الحد ووعظ. وكان يصعد إلى المنبر وليس عليه فرش. وأخذ قلوب العوام بثلاثة أشياء؛ أحدها: التقشف الخارج، والثاني: التمشعر، فإنه كان يميل إلى مذهب الأشعري، والثالث: الترفض، فإنه كان يتكلم في ذلك. وكان إذا جاءه فتوح يقول: سلموه إلى أصحابي. فتم له ما

стр. 11461

أراد، وبنى رباطًا اجتمع فيه جماعة. وتوفي في ثامن ذي القعدة. ٢٤٨ - عبد الرحمن بن مروان بن سالم، أبو محمد التنوخي المعري، المعروف بابن المنجم الواعظ. كان أبوه ينجم بدمشق، وكان هو يمشي على الدكاكين ينشد في الأسواق بصوت مطرب. خرج عن دمشق ورجع بعد مدة، فكان يعظ في الأعزية، ثم وعظ على الكرسي ورزق القبول. ثم سافر إلى العراق وتزهد، وظهر له بها سوق. ثم رجع إلى دمشق فوعظ، وأقبلوا عليه. قال ابن عساكر (١): وكان يظهر لكل طائفة أنه منهم حرصًا على التحصيل، وطلع صبي يتوب فحمله وقال: هذا صغير ما أتى صغيرة فهل كبير ركب الكبائر. فضج الناس وبكوا. وحضرنا عزاء أمير المؤمنين المقتفي بدمشق، فقام ورثاه بأبيات، فخلع عليه القاضي أبو الفضل ابن الشهرزوري ثوبه، وقال في ذلك اليوم: أنا المُعري لا المَعري (٢). وذكر أشياء أضحك منها الحاضرين. وقال ابن النجار: قدم بغداد قبل الأربعين وخمس مائة وعليه مسح مثل السياح، وصار له ناموس عظيم ووعظ؛ وازدحموا عليه، وجلس بدار السلطان، فحضر السلطان مجلسه، وصار له الجاه العظيم، ونفذه الخليفة رسولًا إلى الموصل، وفشا أمره. وكان مشتهرًا بنكاح الأبكار وأكثر من ذلك، حتى قيلت فيه الأشعار في الأسواق، وصار له جوار يغنين. وفر من بغداد هاربًا من الغرماء، وأقام بدمشق. وله ديوان شعر رأيته في مجلدة، وأنشدنا عنه ابن سكينة، ومن شعره: يا ساهرًا عبراته ذرف … في الخد إلا أنها علق أتقيم بعدهم وقد رحلوا … ومطيتاك الشوق والقلق وله: أرى حب ذات الطوق يزداد لوعة … إذا نحت أو ناح الحمام المطوق

стр. 11462

وقلبي على جمر الوداع مودع … وإنسان عيني بالمدامع تغرق ٢٤٩ - عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان، أبو مروان الإشبيلي. شيخ الأطباء، له مصنفات في الطب. أخذ عن والده، وتقدم في الطب، ورأس، وشاع ذكره، ولحق بأبيه أبي العلاء زهر في الصناعة، وأقبل الأطباء على حفظ مصنفاته. وكان واصلًا عند عبد المؤمن، عالي القدر، صنف له الترياق السبعيني ونال من جهته دنيا عريضة. ومن أجل تلامذته أبو الحسين بن أسدون المصدوم، وأبو بكر ابن الفقيه ابن قاضي إشبيلية، والزاهد أبو عمران ابن أبي عمران، ومات بإشبيلية (١). ٢٥٠ - عدي بن مسافر بن إسماعيل بن موسى، الزاهد الشامي، ثم الهكاري سكنًا. وذكره الحافظ عبد القادر (٢) فسماه عدي بن صخر الشامي، وقال: ساح سنين كثيرة، وصحب المشايخ، وجاهد أنواعًا من المجاهدات. ثم إنه سكن بعض جبال الموصل في موضع ليس به أنيس، ثم آنس الله تلك المواضع به، وعمرها ببركاته حتى صار لا يخاف أحد بها بعد قطع السبيل، وارتدع جماعة من مفسدي الأكراد ببركاته، وعمره الله حتى انتفع به خلق، وانتشر ذكره. وكان معلمًا للخير ناصحًا، متشرعًا، شديدًا في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم. عاش قريبًا من ثمانين سنة ما بلغنا أنه باع شيئًا قط، ولا اشترى، ولا تلبس بشيء من أمر الدنيا؛ كانت له غليلة يزرعها بالقدوم في الجبل ويحصدها، ويتقوت منها. وكان يزرع القطن ويكتسي منه. ولا يأكل من مال أحد شيئًا، ولا يدخل منزل أحد. وكان يجيء إلى الموصل فلا يدخلها. وكانت له أوقات لا يرى فيها محافظة على أوراده. وقد طفت معه أيامًا في سواد الموصل، فكان يصلي معنا العشاء، ثم لا نراه إلا الصبح. ورأيته إذا أقبل إلى القرية يتلقاه أهلها من قبل أن يسمعوا كلامه تائبين، رجالهم

стр. 11463

ونساؤهم، إلا من شاء الله منهم. ولقد أتينا معه على دير فيه رهبان، فتلقاه منهم راهبان، فلما وصلا إلى الشيخ كشفا رأسيهما وقبلا رجليه وقالا: ادع لنا، فما نحن إلا في بركاتك، وأخرجا طبقًا فيه خبز وعسل فأكل الجماعة. وأول مرة خرجت إلى زيارته مع طائفة، فلما أقبلنا أخذ يحادثنا ويسائل الجماعة ويؤانسهم، وقال: رأيت البارحة في النوم كأننا في الجنة، ونحن ينزل علينا شيء مثل البرد. ثم قال: الرحمة. فنظرت إلى فوق رأسي، فرأيت ناسًا، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: أهل السنة والصيت الحنابلة. وسمعت شخصًا يقول له: يا شيخ، لا بأس بمداراة الفاسق؟ فقال: لا يا أخي، دين مكتوم دين ميشوم. وكان يواصل الأيام الكثيرة على ما اشتهر عنه، حتى إن بعض الناس كان يعتقد أنه لا يأكل شيئًا قط. فلما بلغه ذلك أخذ شيئًا، وأكله بحضرة الناس. واشتهر عنه من الرياضات، والسير، والكرامات، والانتفاع به ما لو كان في الزمان القديم لكان أحدوثة. ورأيته قد جاء إلى الموصل في السنة التي مات فيها، فنزل في مشهد خارج الموصل، فخرج إليه السلطان وأصحاب الولايات والمشايخ والعوام، حتى آذوه مما يقبلون يده فأجلس في موضع بينه وبين الناس شباك، بحيث لا يصل إليه أحد إلا رؤيةً، فكانوا يسلمون عليه وينصرفون. ثم رجع إلى زاويته فمات على أحسن حالاته. وقال القاضي ابن خلكان (١): أصله من قرية بيت فار من بلاد بعلبك، والبيت الذي ولد فيه من بيت فار يزار إلى اليوم. وتوجه إلى جبل الهكارية من أعمال الموصل، وانقطع فيه، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل البلاد ميلًا لم يسمع بمثله، وساد ذكره في الآفاق، وتبعه خلق، وجاوز اعتقادهم فيه الحد حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها. صحب الشيخ عقيلًا المنبجي، والشيخ حمادًا الدباس، وغيرهما، وقبر بزاويته، وقبره من كبار المزارات عندهم. وعاش تسعين سنة. وتوفي سنة سبع، وقيل: سنة خمس وخمسين. قلت: قرأت بخط الحافظ الضياء: سمعت الشيخ نصر يقول: قدم الشيخ

стр. 11464

عدي الموصل سنة ست وخمسين، وفيها: أخذ من شعري، وتوفي يوم عاشوراء وقت طلوع الشمس سنة سبع. ٢٥١ - علي بن محمد بن عبد العزيز، أبو القاسم العجلي، البندكاني، المروزي، وبندكان على بريد من مرو. سمع الإمام أبا المظفر السمعاني. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وتوفي في عاشر رمضان. ٢٥٢ - علي بن موجود بن حسين، أبو الحسن النظري، الكشاني، وكشانية: من سغد سمرقند. إمام، مناظر، علامة. تفقه ببخارى على البرهان عبد العزيز، وبمرو على محمد بن الحسن النسفي، وسمع من جماعة. وعاش سبعا وسبعين سنين، مات في ربيع الأول؛ قاله السمعاني (١). ٢٥٣ - عمر بن محمد بن واجب بن عمر بن واجب، أبو حفص القيسي، البلنسي، شيخ المالكية، وصاحب الأحكام ببلنسية. سمع من أبيه، وأبي محمد بن خيرون، وأبي بحر بن العاص، وأبي محمد البطليوسي. وتفقه بأبي محمد بن سعيد، وعرض عليه مختصر المدونة. وكان بصيرًا بالأحكام، مفتيًا، إمامًا كبيرًا. نوظر عليه في حياة أبيه وبعده. وكان متواضعًا، نزهًا، قانعًا، متعففًا، منقبضًا عن السلطان، حسن السمت. ولي قضاء دانية. وكان مولده في حدود سنة ست وسبعين وأربعمائة. روى عنه حفيده أبو الخطاب أحمد بن واجب، وأبو عمر بن عياد، وأبو عبد الله بن سعادة، وأبو محمد بن سفيان. وتوفي في سلخ رمضان. قال الأبار (٢): وهو آخر حفاظ المسائل بشرق الأندلس.

стр. 11465

٢٥٤ - إلكيا الصباحي، صاحب الألموت، ومقدم الإسماعيلية ورئيس الضلال الباطنية. هلك في هذا العام، وقام بعده ابنه فأظهر التوبة وألزم الإسماعيلية الذين عنده الصلوات وصوم رمضان، وبعثوا إلى قزوين يطلبون من يصلي بهم ويعلمهم حدود الإسلام، والله أعلم بالنيات (١). ٢٥٥ - فضل الله بن محمد بن إبراهيم، أبو بكر المروزي الفقيه الأديب العابد الصوام. أخذ عنه السمعاني وعاش نيفًا وسبعين سنة، مات في المحرم (٢). ٢٥٦ - محمد بن أحمد بن تغلب، أبو عبد الله البغدادي التاجر السفار. تأدب على ابن الجواليقي. وحدث عن أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان بدمشق، وغيرها. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابنه القاسم، وقال الحافظ: بلغني أنه توفي سنة ثمان وخمسين. وقال ابن مشق: توفي في سابع عشري ذي القعدة سنة سبع وخمسين. ٢٥٧ - محمد بن أحمد بن الحسين بن محمود، أبو نصر العراقي الأواني، الكاتب المعروف بالفروخي. كان مستوفيًا على السواد من قبل الوزير ابن هبيرة، وله يد طولى في النظم والنثر والرسائل (٣). ٢٥٨ - محمد بن الحسن بن علي بن صدقة، أبو العز ابن الوزير أبي علي. سمع المقامات من أبي محمد الحريري، وسمع من أبي سعد ابن الطيوري. روى عنه إبراهيم بن محمود الشعار. انقطع إلى العبادة وصحب الصوفية، ومات كهلًا (٤).

стр. 11466

٢٥٩ - محمد بن الحسن بن محمد بن محمد، أبو الفتح الأنباري، الخطيب، المعدل. سمع أبا الحسن علي بن محمد بن محمد الأنباري. روى عنه عمر بن علي القرشي، وأحمد بن الحسين العاقولي. حدث في هذه السنة، ولم تحفظ وفاته (١). ٢٦٠ - محمد بن حمزة بن أحمد ابن العرقي، التنوخي المصري. من شيوخ السلفي، قال (٢): ولد بمصر سنة خمس وستين وأربعمائة. وذكر أنه سمع من الخلعي، وغيره، وقرأ اللغة على ابن القطاع. ٢٦١ - محمد بن طاهر بن عبد الله بن علي بن إسحاق، أبو بكر الطوسي رئيس نيسابور. صدر كبير، سمع في أيام عمه النظام بأصبهان من ابن شكرويه، وأبي بكر محمد بن أحمد بن ماجه، وسليمان ابن الحافظ. أخذ عنه السمعاني، ومات في أوائل العام (٣). ٢٦٢ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو الفتح البخاري ثم المروزي الصفار الفقيه. تفقه على القاضي عبد الرحمن بن عبد الرحيم، وسمع منه، ومن أسعد بن محمد الباهلي. أخذ عنه السمعاني، وقال (٤): مات بخوارزم في رجب في عشر الثمانين. ٢٦٣ - محمد بن مفضل بن سيار، أبو نصر. ولد سنة سبع وثمانين. وسمع من أبي عطاء المليحي، وصاعد بن سيار

стр. 11467

القاضي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. وبقي بعد أخيه المذكور في سنة ثمان وأربعين (١). وجدت وفاته في التحبير للسمعاني في ربيع الأول هذه السنة (٢). ٢٦٤ - محمد بن النعمان بن محمد بن أبي عاصم، أبو الفتح البالقاني (٣)، المروزي، ويعرف بأبي حنيفة. كان كثير التلاوة، ملازمًا لصلاة الجماعة، غير أنه كان يشرب الخمر، ويعرف النجوم. قاله ابن السمعاني (٤). سمع أبا المظفر ابن السمعاني، وإسماعيل بن محمد الزاهري. ولد سنة ست وسبعين، ومات بهراة في شوال أو ذي القعدة. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني. ٢٦٥ - محمد بن أبي بكر بن أبي الخليل، أبو بكر التميمي، الأندلسي، المريني. أخذ القراءات عن شريح، وروى عن ابن خلصة النحوي، وأبي عبد الله بن أبي الخصال. وكان ذا فهم ومعرفة؛ أخذ عنه أبو عبد الله بن نوح الغافقي، وغيره (٥). ٢٦٦ - محمود بن المبارك بن أبي غالب، أبو الثناء البواب. بغدادي، روى عن أبي الحسن ابن العلاف، وابن الطيوري. روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وتوفي في رمضان. ٢٦٧ - المؤيد بن محمد بن علي، أبو سعيد الألوسي الشاعر. كان منقطعًا إلى الوزير ابن هبيرة، وكان بزي الأجناد. وله ديوان شعر، وقد أكثر من الهجاء والغزل، وجرت له أقاصيص، وسجن مدة، ثم أخرج عن بغداد. توفي بالموصل في رمضان وهو في عشر السبعين.

стр. 11468

والألوس: بالضم وهي ناحية عند حديثة عانة (١). ٢٦٨ - نصر الله بن علي بن صالح، أبو الفتح البغدادي، الصوفي. سمع أبا البركات محمد بن عبد الله الوكيل. سمع منه بواسط محمد بن علي الأنصاري في هذه السنة. ٢٦٩ - هبة الله بن أحمد بن محمد ابن الشبلي، أبو المظفر القصار، الدقاق، المؤذن. ولد سنة سبعين وأربعمائة، وسمع من أبي نصر الزينبي، وهو آخر من سمع منه. وسمع من طراد، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وأبي نصر ابن المجلي، وغيرهم. روى عنه إبراهيم الشعار، وأحمد بن شافع، وأبو بكر الباقداري، وأبو العلاء الهمذاني، وعبد المغيث بن زهير، وأحمد بن طارق، وأبو طالب بن عبد السميع، وأبو الفتوح ابن الحصري، وعبد العزيز بن الأخضر، وظفر وياسين ولدا سالم البيطار، وأبو حفص عمر بن محمد السهروردي، وعلي بن أبي سعد بن تميرة، وأخته فرحة، وزيد بن يحيى البيع، والنفيس بن كرم، وعبيد الله بن علي بن نغوبا وآخر من روى عنه هبة الله بن عمر بن كمال القطان، وتوفي هو وياسمين في سنة أربع وثلاثين. وتوفي الشبلي في سلخ ذي الحجة. وقع لي من طريقه جزءان؛ وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة بنت الباقداري. ٢٧٠ - هبة الله بن أحمد بن محمد، أبو بكر البغدادي، الحفار. سمع من رزق الله التميمي. كتب عنه عمر بن علي، وإبراهيم ابن الشعار. وآخر من روى عنه إجازة كريمة الزبيرية، وتوفي في شوال. أخبرنا محمد بن الحسن الفقيه، وجماعة آخرهم موتًا إبراهيم ابن الشيرازي؛ قالوا: أخبرتنا كريمة، قالت: أخبرنا هبة الله بن أحمد الحفار في

стр. 11469

كتابه، قال: أخبرنا أبو محمد التميمي، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد الواعظ، قال: حدثنا المحاملي، قال: حدثنا أبو الأشعث، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء الآية (١). ٢٧١ - يحيى بن بختيار، أبو زكريا الشيرازي، ثم الدمشقي. حدث عن الفقيه نصر المقدسي. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وقال (٢): توفي في رجب، وله ثمانون سنة. وروى عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: كان صوفيًا، صالحًا، خيرًا. ٢٧٢ - يحيى بن محمد بن يوسف، أبو بكر الأنصاري الغرناطي الشاعر المعروف بابن الصيرفي. ألف تاريخ الدولة اللمتونية. وكان من أعيان شعرائها، ومداح أمرائها. توفي بأوريولة وله تسعون سنة (٣).

стр. 11470

سنة ثمان وخمسين وخمس مائة ٢٧٣ - أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، الرجل الصالح، أبو العباس المقدسي، الجماعيلي الحنبلي، والد الشيخ أبي عمر، والشيخ الموفق، نزيل سفح قاسيون ﵁. ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وهاجر إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، فنزل بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي نحو سنتين، وانتقل إلى الجبل، وبنى الدير المبارك، وسكن بالجبل. وقد حج وجاور، وسمع من رزين العبدري صحيح مسلم، وحدث به. روى عنه ابناه، وتوفي في شوال. وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، قانتًا، صاحب كرامات وأحوال، جمع أخباره سبطه الحافظ ضياء الدين، وساق له عدة كرامات، وحكى عن خاله الموفق، أن أباه قرأ في شهر رمضان بمسجد أبي صالح خمسًا وستين ختمة، ثم حكاها عن الشيخ العماد، عن الشيخ أحمد، أنه قرأ ذلك. وقال العماد: كان الشيخ أحمد بين عينيه نور لا يكاد أحد يراه إلا قبل يده. قلت: قبره بمقبرة المقادسة التي فوق مرقد الحوراني، مقصود بالزيارة، ﵁. ٢٧٤ - أحمد بن مسعود بن يحيى بن إبراهيم، أبو جعفر بن أشكبند القيسي السرقسطي ثم الشاطبي. سمع من أبي عامر بن حبيب، وعبد الحق بن عطية، وجماعة. وولي خطة الشورى بشاطبة. قال ابن الأبار (١): وكان محدثًا، حافظًا، متقنًا. أخذ عنه أبو القاسم بن فيرة الضرير، وغيره. قال ابن عياد: لم أر بعد أبي الوليد ابن الدباغ أحفظ منه لأسماء الرجال، وكان ورعًا، منقبضًا، متواضعًا، تزهد في آخر عمره، حتى عرف بإجابة الدعوة. توفي في رمضان، ويقال، توفي سنة سبع وخمسين.

стр. 11471

ومولده سنة خمس وخمس مائة. وكان بارعًا في كتابة الوثائق. ﵀. ٢٧٥ - سخاء بنت المبارك بن علي البغدادية، وتدعى مهناز. سمعت من أبي القاسم الربعي. روى عنها أبو المعالي بن هبة، ونصر ابن الحصري. وعاشت إلى هذه السنة. • - سديد الدين ابن الأنباري، اسمه محمد، سيأتي إن شاء الله (١). ٢٧٦ - سلامة بن أحمد بن عبد الملك ابن الصدر، أبو بكر البغدادي التاجر، أخو مقبل المذكور سنة ست (٢). سمع رزق الله التميمي، وطرادًا، والنعالي. وتوفي في ثامن ربيع الأول. روى عنه ابن الحصري، وأحمد ابن البندنيجي (٣). ٢٧٧ - شهردار بن شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو بن خسركان بن رينويه بن خسرو بن وروداذ بن ديلم بن الدياس بن لشكري بن داجي بن كيوش بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن صاحب رسول الله ﷺ الضحاك بن فيروز الديلمي، أبو منصور ابن المحدث المؤرخ أبي شجاع الهمذاني. قال ابن السمعاني في الذيل: كذا قرأت نسبه في ديباجة كتابه، ثم قال: كان أبو منصور حافظًا، عارفًا بالحديث، فهمًا، عارفًا بالأدب، ظريفًا، خفيفًا، لازمًا مسجده، متبعًا أثر والده في كتابة الحديث وسماعه وطلبه. رحل إلى أصبهان مع والده سنة خمس وخمس مائة، ثم رحل إلى بغداد سنة سبع وثلاثين. سمع أباه، وأبا الفتح عبدوس بن عبد الله، ومكي بن منصور الكرجي، وحمد بن نصر الأعمش، وفيد بن عبد الرحمن الشعراني، وأبا محمد الدوني. وبزنجان الفقيه أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه، وذكر أنه سمع منه مسند أحمد بن حنبل سنة خمس مائة بروايته عن الحسين بن محمد الفلاكي، عن القطيعي. وله إجازة من أبي بكر بن خلف الشيرازي، وأبي منصور الحسين ابن المقومي. كتبت عنه. وكان يجمع أسانيد كتاب الفردوس لوالده، ورتب لذلك ترتيبًا عجيبًا حسنًا. ثم رأيت الكتاب سنة ست وخمسين

стр. 11472

بمرو في ثلاث مجلدات ضخمة، وقد فرغ منه، وهذبه ونقحه. وقال: أخبرنا المقومي سنة ثلاث وثمانين إجازةً، وفيها ولدت. قلت: روى عنه ابنه أبو مسلم أحمد وأبو سهل عبد السلام السرفولي (١)، وطائفة. وسمعنا من طريقه كتاب الألقاب لأبي بكر الشيرازي. وقيد وفاته في هذه السنة عبد الرحيم الحاجي (٢)، زاد السمعاني: في رجبها (٣). ٢٧٨ - عبد الله بن علي بن أحمد بن علي بن حسن، أبو القاسم الأنصاري الدمشقي الشاهد المعروف بابن الشيرجي. سمع من سعد بن أحمد النسوي الذي استشهد بالقدس. روى عنه ابن عساكر، وغيره. وتوفي في ربيع الآخر (٤). ٢٧٩ - عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم بن عبد الله، أبو محمد الكناني الداراني الدمشقي، ابن أخت محمد بن إبراهيم النسائي. سمعه خاله من أبي الفضل بن الفرات، وسهل بن بشر، وعبد الله بن عبد الرزاق. روى عنه ابن عساكر، وقال (٥): لم يكن الحديث من صنعته، وابنه القاسم، والمسلم بن أحمد المازني، ومكرم بن أبي الصقر، وكريمة، وآخرون. توفي في الخامس والعشرين من جمادى الأولى. وقد سمع قطعة كبيرة من السنن الكبير للنسائي على سهل بن بشر الإسفراييني. ٢٨٠ - عبد الرحمن بن زيد بن الفضل، أبو محمد الوراق.

стр. 11473

بغدادي، ثقة، ذكره ابن السمعاني، فقال: شيخ صالح، دين، كثير التلاوة، والصلاة، والعبادة، مشتغل بما يعنيه. سمع أبا الحسن ابن العلاف، وابن نبهان، وأبيًا النرسي. ولد في حدود سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، كتبت عنه. قلت: هذا كان من الصالحين ببغداد. روى عن ابن طلحة النعالي أيضًا، وعنه إبراهيم بن محمد بن برهان النساج، وعبد الواحد بن علوان السقلاطوني، ومحمد بن عمر العطار، وهبة الله بن الحسن الحلاج الحربيون. وتوفي في العشرين من شوال، وأصله مدني. ٢٨١ - عبد اللطيف ابن المحدث أبي سعد أحمد بن محمد البغدادي ثم الأصبهاني. سمع أبا مطيع، وأبا الفتح الحداد، وكان صدوقًا. قرأ عليه ابن ناصر. مات في ذي القعدة بأصبهان. ٢٨٢ - عبد المؤمن بن علي بن علوي، القيسي المغربي الكومي التلمساني. ولد بقرية من ضياع تلمسان، وكان أبوه صانعًا في الفخار. نقل عبد الواحد المراكشي في كتاب المعجب (١) فقال: وقيل إن عبد المؤمن قال: إنما نحن لقيس؛ لقيس عيلان من مضر بن نزار، ولكومية علينا حق الولادة فيهم والمنشأ، وهم أخوالي. وأما خطباء المغرب فكانوا يقولون إذا ذكروا الملك عبد المؤمن بعد ابن تومرت: قسيمه في النسب الكريم. ولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة، واستقل بالملك إحدى وعشرين سنة، وعاش إحدى وسبعين سنة، واستوسق له أمر المغرب بموت أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. قال (٢): وكان أبيض، ذا جسم عمم (٣) تعلوه حمرة وكان أسود الشعر، معتدل القامة، وضيئًا، جهوري الصوت، فصيحًا، جزل المنطق، لا يراه أحد إلا أحبه بديهة. قال: وبلغني أن ابن تومرت كان إذا رآه أنشد:

стр. 11474

تكاملت فيك أخلاق خصصت بها … فكلنا بك مسرور ومغتبط فالسن ضاحكة والكف مانحة … والصدر منشرح والوجه منبسط وقال ابن خلكان (١): كان عند موته شيخًا نقي البياض، معتدل القامة، عظيمًا، أشهل العينين، كث اللحية، شثن الكفين، طويل القعدة، واضح بياض الأسنان، بخده الأيمن خال، عظيم الهامة. قال صاحب سيرته: هكذا رأيته. قال ابن خلكان (٢): وحكي أن عبد المؤمن كان في صباه نائمًا، فسمع أبوه دويًا، فرفع رأسه، فإذا سحابة سوداء من النحل قد أهوت مطبقة على بيته، فنزلت كلها على عبد المؤمن وهو نائمًا، فلم يستيقظ، ولا آذاه شيء منها، فصاحت أمه، فسكتها أبوه، وقال: لا بأس، ولكني متعجب مما يدل عليه هذا، ثم طار عنه النحل كله، واستيقظ الصبي سالمًا فمشى أبوه إلى زاجر (٣) فأخبره بالأمر، فقال: يوشك أن يكون له شأن يجتمع على طاعته أهل المغرب. وقد ذكرنا في ترجمة ابن تومرت كيف وقع بعبد المؤمن، وأفضى إليه بسره. وكان ابن تومرت يقول لأصحابه: هذا غلاب الدول. وقد مر أيضًا في ترجمة ابن تومرت: أن في سنة إحدى وعشرين جرت وقعة البحيرة على باب مراكش استؤصلت فيها عامة عسكر الموحدين، ولم ينج منهم إلا أربعمائة مقاتل، وذلت المصامدة، فلما توفي ابن تومرت سنة أربع وعشرين أخفوا موته، فكان عبد المؤمن وغيره يخرج الرجل منهم ويقول: قال المهدي كذا، وأمر بكذا. وجعل عبد المؤمن يخرج بنفسه، ويغير على البلاد، وأمرهم يكاد أن يدثر، حتى وقع بين المرابطين وبين الفلاكي ما أوجب عليه الهرب منهم فقدم إلى الجبل، فتلقاه عبد المؤمن بالإكرام، واعتضد به اعتضادًا كليًا. فلما كان في سنة تسع وعشرين صرحوا بموت المهدي، ولقبوا عبد المؤمن أمير المؤمنين، ورجعت حصون الفلاكي كلها للموحدين،

стр. 11475

والفلاكي يغير على نواحي السوس، وأغمات، وهم كلهم تنمو أحوالهم وتستفحل. قال صاحب المعجب (١): قبل وفاة ابن تومرت بأيام استدعى المسمين بالجماعة، وأهل الخمسين، والقواد الثلاثة: عمر بن عبد الله الصنهاجي المعروف بعمر أرتاج، وعمر بن ومزال ويعرف بعمر إينتي، وعبد الله بن سليمان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله سبحانه، وله الحمد، من عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده، وقيض لكم من ألفاكم ضلالًا لا تهتدون، وعميًا لا تبصرون، لا تعرفون معروفًا، ولا تنكرون منكرًا. قد فشت فيكم البدع، واستهوتكم الأباطيل، وزين لكم الشيطان أباطيل وترهات، أنزه لساني عن النطق بها، فهداكم الله به بعد الضلالة، وبصركم به بعد العمى، وجمعكم بعد الفرقة، وأعزكم بعد الذلة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيورثكم أرضهم وديارهم، وذلك بما كسبت أيديهم، وأضمرته قلوبهم، فجددوا لله خالص نياتكم، وأروه من الشكر قولًا وفعلًا مما يزكي به سعيكم، واحذروا الفرقة، وكونوا يدًا واحدة على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم، وإن لا تفعلوا شملكم الذل، واحتقرتكم العامة، وعليكم بمزج الرأفة بالغلظة، واللين بالعنف. وقد اخترنا لكم رجلًا منكم، وجعلناه أميرًا عليكم بعد أن بلوناه، فرأيناه ثبتًا في دينه، متبصراُ في أمره، وهو هذا، وأشار إلى عبد المؤمن، فاسمعوا له وأطيعوا، ما دام سامعًا مطيعًا لربه، فإن بدل ففي الموحدين بركة وخير، والأمر أمر الله يقلده من يشاء. فبايع القوم عبد المؤمن، ودعا لهم ابن تومرت، ومسح صدورهم. وأما ابن خلكان فقال (٢): لم يصح عنه أنه استخلفه، بل راعى أصحابه في تقديمه إشارته، فتم له الأمر. قال: وأول ما أخذ من البلاد وهران، ثم تلمسان، ثم فاس، ثم سلا، ثم سبتة، ثم إنه حاصر مراكش أحد عشر شهرًا، ثم أخذها في أوائل سنة اثنتين وأربعين، وامتد ملكه إلى أقصى المغرب وأدناه وبلاد إفريقية وكثيرٍ من

стр. 11476

الأندلس، وسمى نفسه أمير المؤمنين، وقصدته الشعراء وامتدحوه. ولما قال فيه الفقيه محمد بن أبي العباس التيفاشي هذه القصيدة وأنشده إياها: ما هز عطفيه بين البيض والأسل … مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي فلما أنشده هذا المطلع أشار إليه أن يقتصر عليه، وأجازه بألف دينار. وقال صاحب المعجب (١): ولم يزل عبد المؤمن بعد موت ابن تومرت يقوى ويظهر على النواحي، ويدوخ البلاد، وكان من آخر ما استولى عليه مراكش كرسي ملك أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. وكان لما توفي علي عهد إلى ابنه تاشفين، فلم يتفق له ما أمله فيه من استقلاله بالأمور، فخرج قاصدًا نحو تلمسان، فلم يتهيأ له من أهلها ما يحب، فقصد مدينة وهران، وهي على ثلاثة مراحل من تلمسان فأقام بها، فحاصره جيش عبد المؤمن، فلما اشتد عليه الحصار خرج راكبًا في سلاحه، فاقتحم البحر، فهلك. ويقال: إنهم أخرجوه وصلبوه، ثم أحرقوه في سنة أربعين، فكانت ولايته ثلاثة أعوام في نكدٍ، وخوف، وضعف. ولما ملك عبد المؤمن مراكش طلب قبر أمير المسلمين علي، وبحث عنه، فما وقع به. وانقطعت الدعوة لبني العباس بموت أمير المسلمين وابنه تاشفين، فإنهم كانوا يخطبون لبني العباس، ثم لم يذكروا إلى الآن خلا أعوام يسيرة بإفريقية فقط، فإنه تملكها الأمير يحيى بن غانية الثائر من جزيرة ميورقة. وقال ابن الجوزي في المرآة (٢): استولى عبد المؤمن على مراكش، فقتل المقاتلة، ولم يتعرض للرعية، وأحضر الذمية وقال: إن المهدي أمرني أن ل أقر الناس إلا على ملة الإسلام، وأنا مخيركم بين ثلاث: إما أن تسلموا، وإما أن تلحقوا بدار الحرب، وإما القتل. فأسلم طائفة، ولحق بدار الحرب آخرون وخرب الكنائس وردها مساجد، وأبطل الجزية، وفعل ذلك في جميع مملكته. ثم فرق بين الناس بيت المال وكنسه، وأمر الناس بالصلاة فيه اقتداءًا بعلي ﵁ وليعلم الناس أنه لا يؤثر جمع المال، ثم أقام معالم الإسلام مع السياسة الكاملة، وقال: من ترك الصلاة ثلاثة أيام فاقتلوه، ولم يدع منكرًا

стр. 11477

إلا وأزاله، وكان يصلي بالناس الصلوات، ويقرأ كل يوم سبعًا، ويلبس الصوف، ويصوم الاثنين والخميس، ويقسم الفيء على الوجه الشرعي، فأحبه الناس. وقال عزيز في كتاب الجمع والبيان: كان يأخذ الحق إذا وجب على ولده، ولم يدع مشركًا في بلاده؛ لا يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا كنيسةً في بقعة من بلاده ولا بيعة، لأنه من أول ولايته كان إذا ملك بلدًا إسلاميًا لم يترك فيه ذميًا إلا عرض عليه الإسلام، ومن أبى قتل، فجميع أهل مملكته مسلمون لا يخالطهم سواهم. قال عبد الواحد بن علي (١): ووزر لعبد المؤمن أولًا عمر أرتاج، ثم أجله عن الوزارة ورفعه عنها، واستوزر أبا جعفر أحمد بن عطية الكاتب، وجمع له بين الكتابة والوزارة، فلما افتتح بجاية استكتب من أهلها أبا القاسم القالمي. ودامت وزارة ابن عطية إلى أن قتله في سنة ثلاثٍ وخمسين، وأخذ أمواله، ثم استوزر بعده عبد السلام الكومي، ثم قتله سنة سبع وخمسين، واستوزر ابنه عمر. وكان قاضيه أبو محمد عبد الله بن جبل الوهراني، ثم عبد الله بن عبد الرحمن المالقي، فلم يزل قاضيًا له وصدرًا من أيام ابنه يوسف بن عبد المؤمن. قال (٢): ولما دان له أقطار المغرب مما كان يملكه المرابطون قبله، سار من مراكش إلى بجاية، فحاصر صاحبها يحيى الصنهاجي، فهرب يحيى في البحر حتى أتى مدينة بونة وهي أول حد إفريقية، ومضى منها إلى قسنطينة المغرب، فأرسل عبد المؤمن وراءه جيشًا، فأخذوه بالأمان، وأتوا به عبد المؤمن. وتملك عبد المؤمن بجاية وأعمالها، وكان يحيى بن العزيز، وأبوه، وجده المنصور، وجد أبيه المنتصر، وجدهم حماد من شيعة الرافضة بني عبيد، والقائمين بدعوتهم، وطالت أيامهم حتى أخرجهم عبد المؤمن. واستعمل عبد المؤمن على مملكة بجاية ابنه عبد الله، ورجع إلى مراكش ومعه يحيى بن العزيز وجماعة من أمراء دولة يحيى، فأمر لهم بخلع، وبوأهم المنازل، وخص يحيى بأموال وعطايا، ونال يحيى عنده مرتبة لا مزيد عليها.

стр. 11478

قال (١): وكان عبد المؤمن مؤثرًا لأهل العلم، محبًا لهم، يستدعيهم من البلاد، ويجزل لهم الصلات، وينوه بهم. قال (٢): وتسمى المصامدة بالموحدين، لأجل خوض ابن تومرت بهم في علم الاعتقاد. وكان عبد المؤمن في نفسه كامل السؤدد، خليقًا للإمارة، سري الهمة، لا يرضى إلا بمعالي الأمور، كأنه ورث الملك كابرًا عن كابر، وكان شديد السطوة، عظيم الهيبة. قال عزيز في تاريخه: أخبرني رجل من أهل المهدية سنة إحدى وخمسين وخمس مائة بصقلية، قال: افتتح عبد المؤمن بجاية، فأتيتها بأحمال لنبتاع، فلما كنا على مرحلة منها سرقت لي شدة من المتاع، فدخلت وبعت المتاع، وأفدت منه فائدة يسيرة. فقلت لتاجر: سرقت لي شدة، وأخلف الله علي في الباقي. فقال: وما أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن؟ قلت: لا. قال: والله إن علم بك للحقك ضرر. فرحت إلى القصر، فأدخلني خادم عليه، فأعلمته ورجعت. فلما كان صبيحة اليوم الثالث جاءني غلام فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت معه، فإذا جماعة كبيرة، والمصامدة محيطة بهم، فقال الغلام لي: هؤلاء أهل الصقع الذي أخذ رحلك فيه. فدخلت وأجلست بين يديه، فاستدعى مشايخهم، وقال: كم صلح لك في الشدة التي فقدت أختها؟ قلت: كذا وكذا. فأمر من وزن لي المبلغ وقال: قم، أنت أخذت حقك، وبقي حقي وحق الله. وأمر بإخراج المشايخ، وبقتل الجميع، فأقبلوا يتضرعون ويبكون وقالوا: يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين؟ فقال: يخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين. فصار الرجل يخرج ولده، وأخاه، وابن عمه، إلى أن اجتمع نحو مائة نفسٍ، فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم، ففعلوا ذلك. فخرجت من المغرب إلى صقلية خوفًا على نفسي من أهل المقتولين. قال عبد الواحد: قلت: كان عبد المؤمن من أفرد العالم في زمانه على هناته. قال عبد المؤمن بن عمر الكحال في أخبار ابن تومرت: توجه أمير المؤمنين عبد المؤمن إلى بلاد إفريقية، فسار في مائة ألف فارس محصاةً في

стр. 11479

ديوانه، سوى ما يتبعها، وكانوا يصلون كلهم خلف إمامٍ واحد. قال: وكان هو يصلي الصبح مبكرًا، ثم يركب ويقف عند باب خيمته، وبين يديه مناد يقول بصوتٍ عالٍ: الاستعانة بالله، والتوكل عليه. فينتظم حوله الكبراء على خيلهم فيدعو ويؤمنون، ثم يأخذ في قراءة حزب من القرآن، وهم يقرؤون معه بصوتٍ واحدٍ يسرون، فإذا فرغ أمسك عنان فرسه، فيدعو ويؤمنون، ثم يلحق أولئك الأعيان، ويلقبون بالطلبة والحفاظ لا بالأمراء والقواد، إلى عساكرهم، ويبقى وحده وحوله ألوف من عبيده السود رجالةً بالرماح والدرق. وكان إذا مر على قوم ٍسلم ودعا لهم فيؤمنون، وكان فصيحًا بالعربية، حسن العبارة. قال: وكان في جوده بالمال كالسيل، وفي حبه لحسن الثناء كالعاشق، مجلسه مجلس وقار وهيبة، مع طلاقة الوجه. انعمرت البلاد في أيامه، وما لبس قط إلا الصوف طول عمره، وما كان في مجلسه حصير، بل مفروش بالحصباء، وله سجادة من الخوص تحته خاصة. وأما الأندلس فاختلت أحوالها اختلالا بينًا أوجب تخاذل المرابطين وميلهم إلى الراحة، فهانوا على الناس، واجترأ عليهم الفرنج، وقام بكل مدينة بالأندلس رئيس منها، فاستبد بالأمر، وأخرج من عنده من المرابطين. وكادت الأندلس تعود إلى مثل سيرتها بعد الأربعمائة عند زوال دولة بني أمية. فأما بلاد إفراغة (١) فاستولى عليها صاحب أرغن لعنه الله، ثم أخذ سرقسطة ونواحيها، فلا قوة إلا بالله. وأما أهل شرق الأندلس بلنسية ومرسية، فاتفقوا على تقديم الزاهد عبد الرحمن بن عياض، بلغني عن غير واحدٍ أنه كان مجاب الدعوة، بكاء، رقيقًا، فإذا ركب للحرب لا يقوم له أحد. كان الفرنج يعدونه بمائة فارس، فحمى الله بابن عياض تلك الناحية مدة إلى أن توفي ﵀، ولا أتحقق تاريخ وفاته، فقام بعده خادمه محمد بن سعد وهو خليفته على الناس، فاستمرت أيامه إلى أن مات سنة ثمانٍ وستين وخمس مائة. وأما أهل المرية فأخرجوا عنهم أيضًا المرابطين، وندبوا للأمر عليهم الأمير أبا عبد الله بن ميمون الداني، فأبى عليهم، وقال: إنما وظيفتي البحر وبه عرفت. فقدموا عليهم عبد الله بن محمد

стр. 11480

ابن الرميمي، فلم يزل على المرية إلى أن دخلها الفرنج واستباحوها. وأما جيان وحصن شقورة، وتلك الناحية فاستولى عليها عبد الله بن همشك، وربما تملك قرطبة أيامًا يسيرة. وأما إشبيلية، وغرناطة فأقامت على طاعة المرابطين. وأما غرب الأندلس، فقام به دعاة فتن ورؤوس ضلالة، منهم أحمد بن قسي، وكان في أول أمره يدعي الولاية، وكان ذا حيل وشعوذة ومعرفة بالبلاغة، فقام بحصن مارتلة، ثم اختلف عليه أصحابه وتحيلوا فأخرجوه من الحصن وأسلموه إلى جند عبد المؤمن، فأتوه به، وهو الذي قال له عبد المؤمن: بلغني أنك دعيت إلى الهداية. فقال: أليس الفجر فجرين، كاذب وصادق؟ فأنا كنت الفجر الكاذب. فضحك وعفا عنه. وجهز عبد المؤمن الشيخ أبا حفص عمر إينتي، فعدى البحر إلى الأندلس، فافتتح الجزيرة الخضراء، ثم رندة، ثم افتتح إشبيلية، وغرناطة، وقرطبة. وسار عبد المؤمن في جيوشه وعبر من زقاق سبتة، فنزل جبل طارق، وسماه جبل الفتح. فأقام هناك أشهرًا، وابتنى هناك قصورًا عظيمة ومدينة، فوفد إليه رؤساء الأندلس، ومدحه شعراؤها، فمن ذلك: ما للعدى جنة أوقى من الهرب … أين المفر وخيل الله في الطلب وأين يذهب من في رأس شاهقةٍ … وقد رمته سهام الله بالشهب حدث عن الروم في أقطار أندلسٍ … والبحر قد ملأ البرين بالعرب (١) فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن: بمثل هذا تمدح الخلفاء. ثم استعمل على إشبيلية ولده يوسف الذي ولي الأمر من بعده، واستعمل على قرطبة وبلادها أبا حفص إينتي، واستعمل على غرناطة ابنه عثمان بن عبد المؤمن، ورجع إلى مراكش وترك بالأندلس جيشًا كثيفًا من المصامدة والعرب. وكان قد استخدم العرب الذين ببلاد بجاية، وهم قبائل من بني هلال بن عامر، خرجوا إلى البلاد حين خلى بنو عبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب، فعاثوا في القيروان عيثًا شديدًا أوجب خرابها إلى اليوم، ودوخوا مملكة بني زيري بن مناد، وهذا كان بعد موت المعز بن باديس، فانتقل ابنه تميم إلى

стр. 11481

المهدية، وسار هؤلاء العربان حتى نزلوا على المنصور الحمادي، فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد، فأقاموا على ذلك إلى أن حاربوا عبد المؤمن في سنة ثمانٍ وأربعين، فتحزبوا عليه، وهم بنو هلال، وبنو الأثبج، وبنو عدي وبنو رباح، وغيرهم من القبائل، وقالوا: إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا، وتحالفوا عليه. فبذل لهم رجار الفرنجي ملك صقلية نجدةً بخمسة آلاف مقاتل، فقالوا: لا نستعين إلا بمسلم. وساروا في عددٍ عظيم، وسار جيش عبد المؤمن في ثلاثين ألفًا، عليهم عبد الله بن عمر الهنتاتي، فالتقوا وانهزمت العرب، وأخذت البربر جميع متاعهم ونسائهم وأطفالهم، فأتوا بها عبد المؤمن، فقسم المتاع والمال، وصان الحريم وأحسن إليهم، وكاتب العرب واستمالهم وحلف لهم، فأتوا مراكش فخلع عليهم، وبالغ في إكرامهم، ثم استخدمهم عبد المؤمن، وأنزلهم بنواحي إشبيلية وشريش، فهم باقون إلى وقتنا. قال: وكان عبور عبد المؤمن إلى الأندلس في سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مائة، وكان قد كتب إلى أمراء هؤلاء العربان رسالةً فيها أبيات قالها هو، وهي: أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل … وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل وقوموا لنصر الدين قومة ثائر … وشدوا على الأعداء شدة صائل فما العز إلا ظهر أجرد سابح … وأبيض مأثور وليس بسائل بني العم من عليا هلال بن عامر … وما جمعت من باسل وابن باسل تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية … عواقبها منصورة بالأوائل هي الغزوة الغراء والموعد الذي … تنجز من بعد المدى المتطاول بها نفتح الدنيا بها نبلغ المنى … بها ننصف التحقيق من كل باطل فلا تتوانوا فالبدار غنيمة … وللمدلج الساري صفاء المناهل (١) قال عبد الواحد بن علي المراكشي (٢): أخبرني غير واحد ممن أرضى نقله، أن عبد المؤمن لما نزل مدينة سلا، وهي على البحر المحيط ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر، عبر النهر، وضربت له خيمة، وجعلت الجيوش تعبر قبيلة قبيلة، فخر ساجدًا ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته، والتف إليه

стр. 11482

الخواص وقال: أعرف ثلاثة وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يعدي بهم، فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة. فقال له أحدهم، وكان شابًا، خذ ثيابي، وأنا أعبر سباحة. ففعل ذلك فكان كلما أعيا من السباحة دنا من القارب ووضع يده عليه ليستريح، فيضربه صاحبه بالمجذاف الذي معه، فما عدى إلا بعد جهد. قال: فما شك السامعون أنه هو العابر سباحةً، وأن الآخرين ابن تومرت، وعبد الواحد الشرقي. ثم نزل عبد المؤمن مراكش، وأقبل على البناء والغراس وترتيب المملكة، وبسط العدل، وجعل ابنه عبد الله الذي على بجاية يشن الغارات على نواحي إفريقية وضيق على تونس، ثم تجهز في جيش عظيم وسار حتى نازل تونس وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان. فحاصرها، وقطع أشجارها، وغور مياهها، وبها يومئذ عبد الله بن خراسان نائب صاحبها لوجار ابن الدوقة الرومي، لعنه الله، وهو صاحب صقلية. فلما طال على ابن خراسان الحصار، أجمع رأيه على مناجزة المصامدة، فخرج فالتقوا، فانهزم المصامدة، وقتل منهم خلق، ورد ابن خراسان إلى البلد، فكتب عبد الله بن عبد المؤمن إلى أبيه يخبره، فلما كان في آخر سنة ثلاث وخمسين تهيأ عبد المؤمن لتونس، وسار حتى نازلها، ثم افتتحها عنوة، وفصل عنها إلى المهدية، وبها النصارى أصحاب ابن الدوقة وهي له، لكن نائبه بها يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس، فحاصرها عبد المؤمن أشد الحصار، لأنها حصينة إلى الغاية. بلغني أن عرض سورها ممر ستة أفراس، وأكثرها في البحر، فكانت الأمداد تأتيها في البحر من صقلية، فأقام يحاصرها سبعة أشهر. فنقل ابن الأثير (١): نازل عبد المؤمن المهدية، فكانت الفرنج تخرج شجعانهم فتنال من العسكر ويعودون، فأمر ببناء سور من غربيها، وأحاط أسطوله بالبحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن بن علي بن باديس الذي كان صاحبها، وأخذتها الفرنج منه من سنوات، فطاف بها في البحر، فهال عبد المؤمن ما رأى من حصانتها، وعرف أنها لا توخذ بقتال، وليس إلا المطاولة، وأمر بجلب الأقوات وترك القتال، فلم يمض إلا أيام حتى صار في

стр. 11483

العسكر كالجبلين من القمح والشعير، فكان من يجيء من بعيد يقول: متى حدثت هذه الجبال هنا؟ فيقال: إنما هي غلة. وتمادى الحصار، وفي مدته أخذ بالأمان بلد سفاقس، وبلد طرابلس، وقصور إفريقية، وافتتح قابس بالسيف. وكانت عساكره تغار، وجاءت جيوش صاحب صقلية، لعنه الله، فكانت مائتين وخمسين شينيًا، فنصر الله عليهم أسطول عبد المؤمن. قال عبد الواحد (١): واشتد على جيشه الغلاء، بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا سبع باقلات بدرهم مؤمني، وهو نصف درهم النصاب، ثم افتتحها بعد أن أمن النصارى على أن يلحقوا بصقلية. ثم جهز إلى قابس من افتتحها، ثم افتتح أطرابلس المغرب، وأرسل إلى توزر وبلاد الجريد، فافتتحت كلها، وأخرج الفرنج منها وألحقهم ببلادهم، وتطهرت إفريقية من الكفر، وتم له ملك المغرب من طرابلس إلى سوس الأقصى، وأكثر جزيرة الأندلس. قال: وهذه مملكة لا أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ أيام مروان الحمار. وقيل: إنه بدا له أن يمر في هذا الوجه على قرية تاجرا، وبها ولد، ليزور قبر أمه وليصل من هناك من ذوي رحمه، فلما أطل عليها والجيوش قد انتشرت بين يديه، والرايات قد خفقت على رأسه، أكثر من ثلاث مائة راية من بنود وألوية، وهزت أكثر من مائتي طبل، وطبولهم في نهاية الكبر وغاية الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز، فخرج أهل القرية للقائه، فقالت عجوز منهم: هكذا يعود الغريب إلى بلده، ورفعت صوتها. وفي سنة ثمان وخمسين أمر الناس بالجهاد لغزو الروم بالأندلس، واستنفر أهل مملكته ثم سار حتى نزل مدينة سلا، فمرض ثم مات بها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وكان قد جعل ولي عهده محمدًا ولده الكبير، وكان لا يصلح لإدمانه الخمور وكثرة طيشه، وقيل: كان به جذام. فلما مات اضطرب أمر محمد هذا، وخلعوه بعد شهر ونصف، وأجمعت الدولة على تولية أحد أخويه يوسف أو عمر، فأباها عمر، فبايعوا أبا يعقوب يوسف، فبقي في الخلافة اثنتين وعشرين سنة. وخلف عبد المؤمن ستة عشر ابنًا، وهم: محمد المخلوع، وعلي،

стр. 11484

وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب. قال صاحب الجمع والبيان: وقفت على كتاب كتبه عنه بعض كتابه، يقول بعد البسملة: من الخليفة المعصوم الرضي الزكي الذي وردت البشارة به من النبي العربي، القامع لكل مجسم غوي، الناصر لدين الله الكبير العلي، أمير المؤمنين الولي، عبد المؤمن بن علي. ٢٨٣ - علي بن أحمد، أبو الحسن ابن الدلاء الدمشقي. روى عن نصر المقدسي مجلسًا، سمعه منه أبو القاسم ابن عساكر، وقال (١): توفي في شعبان، وله ثلاث وثمانون سنة. ٢٨٤ - علي بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن أبي موسى الهاشمي الشريف، أبو المظفر. بغدادي نبيل، ذكر وفاته أبو بكر محمد بن مشق. ٢٨٥ - كمال بنت المحدث أبي محمد عبد الله بن أحمد بن عمر ابن أبي الأشعث ابن السمرقندي، أم الحسن. امرأة صالحة خيرة، وهي زوجة أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد اليوسفي. سمعها أبوها من طراد الزينبي، وأبي عبد الله النعالي، وابن البطر، وجماعة في سنة إحدى وتسعين. ومولدها سنة نيف وثمانين وأربعمائة. روى عنها إبراهيم بن محمد بن برهان النساج. ٢٨٦ - محمد بن أحمد بن محمد بن سفيان، أبو بكر السلمي، المرسي. روى عن أبي محمد بن أبي جعفر الفقيه، وأبي القاسم بن الجنان. روى عنه أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني. توفي في هذا العام ظنًا أو قبله (٢). ٢٨٧ - محمد بن أحمد بن محمد الدباس المقرئ. هو ابن أخي أبي عبد الله البارع. كان صالحًا مقرئًا، وراقًا. سمع مالكًا

стр. 11485

البانياسي، والنعالي. وعنه ابن الأخضر. عاش ثمانين سنة، مات في صفر. ٢٨٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العافية، أبو عبد الله اللخمي المرسي، يعرف بالقسطلي. روى عن أبي علي بن سكرة، وتفقه عليه، وكان بصيرًا بمذهب الإمام مالك، موصوفًا بذلك؛ تفقه عليه أبو عبد الله محمد بن سليمان بن برطلة (١). ٢٨٩ - محمد بن الحسين، الملك سيف الدين ابن الملك علاء الدين، الغوري، صاحب الغور. تملك بعد أبيه فلم تطل سلطنته. سار بعساكره لغزو الغز وهم ببلخ، فاتفق أنه انفرد من عسكره يتفرج ويتصيد، فشعر به أمراء الغز، فأسرعوا إليه وأحاطوا به، فقاتلهم أشد قتال، إلى أن قتل هو وجماعة، وأسر الباقون، وبلغ جيشه الخبر، فانهزموا. وكان عادلًا، حسن السيرة، لما ملك هراة منع جنده من أذية المسلمين. قتل في رجب من هذه السنة وله نحو من عشرين سنة (٢). ٢٩٠ - محمد بن حماد، أبو غالب الموسوي، المروزي. سمع أبا المظفر ابن السمعاني وخدمه مدة، وإسماعيل بن محمد الزاهري. قال أبو سعد الحافظ: اتصل بالأتراك، وكان يوافقهم على شرب الخمر، وكان رافضيًا مبالغًا. توفي في جمادى الآخرة وله ثمانون سنة (٣). ٢٩١ - محمد بن عبد الله بن سفيان بن سيدالَّه، أبو بكر التجيبي، الشاطبي. روى عن أبي القاسم بن الجنان، وأبي بكر بن أسود. وتفقه بصهره أبي بكر بن أسد. وكان عارفًا بالحديث، له مجموع في رجال الأندلس ذيل به على الصلة لابن بشكوال، وتوفي قبله سنة ثمان هذه (٤).
следующие страницы →