← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 11481–11520 · переход к 11486.

стр. 11481

المهدية، وسار هؤلاء العربان حتى نزلوا على المنصور الحمادي، فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد، فأقاموا على ذلك إلى أن حاربوا عبد المؤمن في سنة ثمانٍ وأربعين، فتحزبوا عليه، وهم بنو هلال، وبنو الأثبج، وبنو عدي وبنو رباح، وغيرهم من القبائل، وقالوا: إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا، وتحالفوا عليه. فبذل لهم رجار الفرنجي ملك صقلية نجدةً بخمسة آلاف مقاتل، فقالوا: لا نستعين إلا بمسلم. وساروا في عددٍ عظيم، وسار جيش عبد المؤمن في ثلاثين ألفًا، عليهم عبد الله بن عمر الهنتاتي، فالتقوا وانهزمت العرب، وأخذت البربر جميع متاعهم ونسائهم وأطفالهم، فأتوا بها عبد المؤمن، فقسم المتاع والمال، وصان الحريم وأحسن إليهم، وكاتب العرب واستمالهم وحلف لهم، فأتوا مراكش فخلع عليهم، وبالغ في إكرامهم، ثم استخدمهم عبد المؤمن، وأنزلهم بنواحي إشبيلية وشريش، فهم باقون إلى وقتنا. قال: وكان عبور عبد المؤمن إلى الأندلس في سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مائة، وكان قد كتب إلى أمراء هؤلاء العربان رسالةً فيها أبيات قالها هو، وهي: أقيموا إلى العلياء هوج الرواحل … وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل وقوموا لنصر الدين قومة ثائر … وشدوا على الأعداء شدة صائل فما العز إلا ظهر أجرد سابح … وأبيض مأثور وليس بسائل بني العم من عليا هلال بن عامر … وما جمعت من باسل وابن باسل تعالوا فقد شدت إلى الغزو نية … عواقبها منصورة بالأوائل هي الغزوة الغراء والموعد الذي … تنجز من بعد المدى المتطاول بها نفتح الدنيا بها نبلغ المنى … بها ننصف التحقيق من كل باطل فلا تتوانوا فالبدار غنيمة … وللمدلج الساري صفاء المناهل (١) قال عبد الواحد بن علي المراكشي (٢): أخبرني غير واحد ممن أرضى نقله، أن عبد المؤمن لما نزل مدينة سلا، وهي على البحر المحيط ينصب إليها نهر عظيم يصب في البحر، عبر النهر، وضربت له خيمة، وجعلت الجيوش تعبر قبيلة قبيلة، فخر ساجدًا ثم رفع رأسه وقد بل الدمع لحيته، والتف إليه

стр. 11482

الخواص وقال: أعرف ثلاثة وردوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يعدي بهم، فقال: لا آخذه إلا على اثنين خاصة. فقال له أحدهم، وكان شابًا، خذ ثيابي، وأنا أعبر سباحة. ففعل ذلك فكان كلما أعيا من السباحة دنا من القارب ووضع يده عليه ليستريح، فيضربه صاحبه بالمجذاف الذي معه، فما عدى إلا بعد جهد. قال: فما شك السامعون أنه هو العابر سباحةً، وأن الآخرين ابن تومرت، وعبد الواحد الشرقي. ثم نزل عبد المؤمن مراكش، وأقبل على البناء والغراس وترتيب المملكة، وبسط العدل، وجعل ابنه عبد الله الذي على بجاية يشن الغارات على نواحي إفريقية وضيق على تونس، ثم تجهز في جيش عظيم وسار حتى نازل تونس وهي حاضرة إفريقية بعد القيروان. فحاصرها، وقطع أشجارها، وغور مياهها، وبها يومئذ عبد الله بن خراسان نائب صاحبها لوجار ابن الدوقة الرومي، لعنه الله، وهو صاحب صقلية. فلما طال على ابن خراسان الحصار، أجمع رأيه على مناجزة المصامدة، فخرج فالتقوا، فانهزم المصامدة، وقتل منهم خلق، ورد ابن خراسان إلى البلد، فكتب عبد الله بن عبد المؤمن إلى أبيه يخبره، فلما كان في آخر سنة ثلاث وخمسين تهيأ عبد المؤمن لتونس، وسار حتى نازلها، ثم افتتحها عنوة، وفصل عنها إلى المهدية، وبها النصارى أصحاب ابن الدوقة وهي له، لكن نائبه بها يحيى بن حسن بن تميم بن المعز بن باديس، فحاصرها عبد المؤمن أشد الحصار، لأنها حصينة إلى الغاية. بلغني أن عرض سورها ممر ستة أفراس، وأكثرها في البحر، فكانت الأمداد تأتيها في البحر من صقلية، فأقام يحاصرها سبعة أشهر. فنقل ابن الأثير (١): نازل عبد المؤمن المهدية، فكانت الفرنج تخرج شجعانهم فتنال من العسكر ويعودون، فأمر ببناء سور من غربيها، وأحاط أسطوله بالبحر، وركب عبد المؤمن في شيني، ومعه الحسن بن علي بن باديس الذي كان صاحبها، وأخذتها الفرنج منه من سنوات، فطاف بها في البحر، فهال عبد المؤمن ما رأى من حصانتها، وعرف أنها لا توخذ بقتال، وليس إلا المطاولة، وأمر بجلب الأقوات وترك القتال، فلم يمض إلا أيام حتى صار في

стр. 11483

العسكر كالجبلين من القمح والشعير، فكان من يجيء من بعيد يقول: متى حدثت هذه الجبال هنا؟ فيقال: إنما هي غلة. وتمادى الحصار، وفي مدته أخذ بالأمان بلد سفاقس، وبلد طرابلس، وقصور إفريقية، وافتتح قابس بالسيف. وكانت عساكره تغار، وجاءت جيوش صاحب صقلية، لعنه الله، فكانت مائتين وخمسين شينيًا، فنصر الله عليهم أسطول عبد المؤمن. قال عبد الواحد (١): واشتد على جيشه الغلاء، بلغني عن غير واحد أنهم اشتروا سبع باقلات بدرهم مؤمني، وهو نصف درهم النصاب، ثم افتتحها بعد أن أمن النصارى على أن يلحقوا بصقلية. ثم جهز إلى قابس من افتتحها، ثم افتتح أطرابلس المغرب، وأرسل إلى توزر وبلاد الجريد، فافتتحت كلها، وأخرج الفرنج منها وألحقهم ببلادهم، وتطهرت إفريقية من الكفر، وتم له ملك المغرب من طرابلس إلى سوس الأقصى، وأكثر جزيرة الأندلس. قال: وهذه مملكة لا أعلمها انتظمت لأحد قبله منذ أيام مروان الحمار. وقيل: إنه بدا له أن يمر في هذا الوجه على قرية تاجرا، وبها ولد، ليزور قبر أمه وليصل من هناك من ذوي رحمه، فلما أطل عليها والجيوش قد انتشرت بين يديه، والرايات قد خفقت على رأسه، أكثر من ثلاث مائة راية من بنود وألوية، وهزت أكثر من مائتي طبل، وطبولهم في نهاية الكبر وغاية الضخامة، يخيل لسامعها إذا ضربت أن الأرض من تحته تهتز، فخرج أهل القرية للقائه، فقالت عجوز منهم: هكذا يعود الغريب إلى بلده، ورفعت صوتها. وفي سنة ثمان وخمسين أمر الناس بالجهاد لغزو الروم بالأندلس، واستنفر أهل مملكته ثم سار حتى نزل مدينة سلا، فمرض ثم مات بها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وكان قد جعل ولي عهده محمدًا ولده الكبير، وكان لا يصلح لإدمانه الخمور وكثرة طيشه، وقيل: كان به جذام. فلما مات اضطرب أمر محمد هذا، وخلعوه بعد شهر ونصف، وأجمعت الدولة على تولية أحد أخويه يوسف أو عمر، فأباها عمر، فبايعوا أبا يعقوب يوسف، فبقي في الخلافة اثنتين وعشرين سنة. وخلف عبد المؤمن ستة عشر ابنًا، وهم: محمد المخلوع، وعلي،

стр. 11484

وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب. قال صاحب الجمع والبيان: وقفت على كتاب كتبه عنه بعض كتابه، يقول بعد البسملة: من الخليفة المعصوم الرضي الزكي الذي وردت البشارة به من النبي العربي، القامع لكل مجسم غوي، الناصر لدين الله الكبير العلي، أمير المؤمنين الولي، عبد المؤمن بن علي. ٢٨٣ - علي بن أحمد، أبو الحسن ابن الدلاء الدمشقي. روى عن نصر المقدسي مجلسًا، سمعه منه أبو القاسم ابن عساكر، وقال (١): توفي في شعبان، وله ثلاث وثمانون سنة. ٢٨٤ - علي بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن أبي موسى الهاشمي الشريف، أبو المظفر. بغدادي نبيل، ذكر وفاته أبو بكر محمد بن مشق. ٢٨٥ - كمال بنت المحدث أبي محمد عبد الله بن أحمد بن عمر ابن أبي الأشعث ابن السمرقندي، أم الحسن. امرأة صالحة خيرة، وهي زوجة أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد اليوسفي. سمعها أبوها من طراد الزينبي، وأبي عبد الله النعالي، وابن البطر، وجماعة في سنة إحدى وتسعين. ومولدها سنة نيف وثمانين وأربعمائة. روى عنها إبراهيم بن محمد بن برهان النساج. ٢٨٦ - محمد بن أحمد بن محمد بن سفيان، أبو بكر السلمي، المرسي. روى عن أبي محمد بن أبي جعفر الفقيه، وأبي القاسم بن الجنان. روى عنه أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني. توفي في هذا العام ظنًا أو قبله (٢). ٢٨٧ - محمد بن أحمد بن محمد الدباس المقرئ. هو ابن أخي أبي عبد الله البارع. كان صالحًا مقرئًا، وراقًا. سمع مالكًا

стр. 11485

البانياسي، والنعالي. وعنه ابن الأخضر. عاش ثمانين سنة، مات في صفر. ٢٨٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العافية، أبو عبد الله اللخمي المرسي، يعرف بالقسطلي. روى عن أبي علي بن سكرة، وتفقه عليه، وكان بصيرًا بمذهب الإمام مالك، موصوفًا بذلك؛ تفقه عليه أبو عبد الله محمد بن سليمان بن برطلة (١). ٢٨٩ - محمد بن الحسين، الملك سيف الدين ابن الملك علاء الدين، الغوري، صاحب الغور. تملك بعد أبيه فلم تطل سلطنته. سار بعساكره لغزو الغز وهم ببلخ، فاتفق أنه انفرد من عسكره يتفرج ويتصيد، فشعر به أمراء الغز، فأسرعوا إليه وأحاطوا به، فقاتلهم أشد قتال، إلى أن قتل هو وجماعة، وأسر الباقون، وبلغ جيشه الخبر، فانهزموا. وكان عادلًا، حسن السيرة، لما ملك هراة منع جنده من أذية المسلمين. قتل في رجب من هذه السنة وله نحو من عشرين سنة (٢). ٢٩٠ - محمد بن حماد، أبو غالب الموسوي، المروزي. سمع أبا المظفر ابن السمعاني وخدمه مدة، وإسماعيل بن محمد الزاهري. قال أبو سعد الحافظ: اتصل بالأتراك، وكان يوافقهم على شرب الخمر، وكان رافضيًا مبالغًا. توفي في جمادى الآخرة وله ثمانون سنة (٣). ٢٩١ - محمد بن عبد الله بن سفيان بن سيدالَّه، أبو بكر التجيبي، الشاطبي. روى عن أبي القاسم بن الجنان، وأبي بكر بن أسود. وتفقه بصهره أبي بكر بن أسد. وكان عارفًا بالحديث، له مجموع في رجال الأندلس ذيل به على الصلة لابن بشكوال، وتوفي قبله سنة ثمان هذه (٤).

стр. 11486

٢٩٢ - محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله ابن البيضاوي، القاضي أبو عبد الله. بغدادي فاضل نبيل، ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة، وحدث، وتوفي في شوال. روى عن ابن طلحة النعالي، وابن البطر، وأبي الحسين ابن الطيوري. وعنه أبو الفرج ابن الجوزي (١)، وأبو محمد ابن الأخضر، وإسماعيل بن حمدين. ٢٩٣ - محمد بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم بن رفاعة، سديد الدولة الشيباني، المعروف بابن الأنباري، كاتب الإنشاء بالديوان العزيز. أقام بديوان الإنشاء خمسين سنة، وناب في الوزارة، ونفذ رسولًا إلى ملوك الشام وخراسان، وكان ذا رأي وتدبير وحسن سيرة، وكانت بينه وبين أبي محمد الحريري مصنف المقامات رسائل قد دونت. حدث عن ابن الحصين، وأبي محمد ابن السمرقندي، وسمع من أحمد بن محمد الخياط، وأبي عبد الله محمد بن نصر القيسراني بعض شعرهما. سمع منه أحمد بن صالح بن شافع، والمبارك بن عبد الله بن النقور، وعبد المحسن بن خطلخ. وعاش نيفًا وثمانين سنة. وشيعه ابن هبيرة الوزير فمن دونه، وكان رائق اللفظ، بليغ الكتابة، مليح الخط. وقد مدحه إبراهيم الغزي، وأبو بكر الأرجاني، ومحمد بن نصر القيسراني، وللأرجاني فيه أشعار لو دونت لجاءت مجلدة وسطى. وله قصة في كتابته للإنشاء، فأنبأني أحمد بن سلامة، عن أحمد بن طارق أنه سمع سديد الدولة ابن الأنباري يقول: كتب إلي صديقي هبة الله ابن السقطي المحدث سنة ست وخمس مائة رقعة، وقد مات كاتب الإنشاء ابن رضوان: قل لسديد الدولة المجتبى … في الأصل والأفضال والمغرس قد عنت لرتبة فانهض لها … واخطب جديدا كتبة المجلس

стр. 11487

فكتبت على ظهرها: يا من حوى مع فضله همة … بغير ثوب الشكر لا تكتسي أرهقت عزمي في طلاب العلا … أن رغبوا في كاتب مفلس ودفعتها إلى الرسول، وكان صبيًا، فخرج في الحال، فاجتاز بباب العامة والرقعة بيده، والخط رطب، فأخذ ترابًا ينشفه، فصادف ابن الحلواني صاحب الخبر فقال: يا صبي ما هذه الرقعة؟ قال: كتبها ابن السقطي إلى سديد الدولة ابن الأنباري. فكتب نسختها وعرضها على الإمام المستظهر بالله، فلما كان من الغد إذا رقعة ظهير الدين صاحب المخزن جاءتني إلى داري، يذكر فيها: إن رأى التجشم إلى داره التي أنا ساكنها لألقي إليه ما رسم فقل إن شاء الله، فركبت إليه في الحال، فحين دخلت قام متمثلًا وقال للجماعة: الخلوة، فانصرفوا، فقال: أمير المؤمنين يهدي إليك السلام ويقول: قد رغبنا في كاتب مفلس. فقلت في الحال: التصريح بطلب الرتب ما لا يقتضيه الأدب، فقلدت يومئذ ديوان الإنشاء، وأنعم علي بالخلع والمواهب. قلت: وكان عمره يومئذٍ خمسًا وثلاثين سنة. وأنبأني أحمد، عن ابن طارق، قال: حدثني سديد الدولة أن الحريري صاحب المقامات كتب إليه رقعة، فكتب إليه في الحال بديهًا: أهلًا بمن أهدى إلي صحيفة … صافحتها بالروح لا بالراح وتبلجت فتأرجت نفحاتها … كالمسك شيب نسيمه بالراح فكتب إلي جواب هذه: لقد صدقت رواة الأخبار: إن معدن الكتابة الأنبار. وقد ذكر وفاته ابن الأثير في الكامل (١) في سنة خمس وثلاثين، والنسخة سقيمة فلعل بدل توفي: عزل أو نحوه (٢). ٢٩٤ - محمد بن علي بن خطاب بن أبي الفتح، أبو شجاع الدينوري ثم البغدادي الخيمي، أخو يحيى. سمع أبا الفضل أحمد بن خيرون، وأبا غالب الباقلاني، ومحمد بن

стр. 11488

عبد السلام. روى عنه أبو محمد ابن الخشاب، وعمر القرشي، وابن أخيه عبد اللطيف بن يحيى، وابن الحصري. توفي في شوال (١). ٢٩٥ - المبارك بن أبي طاهر، أبو نصر ابن الملاح. بغدادي. روى عن الحسين بن علي ابن البسري، وغيره. ٢٩٦ - مكي بن علي بن المبارك بن طليب الحربي. شيخ صالح سمع من أبي الحسين ابن الطيوري، وغيره، روى عنه عبد الله بن جحشويه، وعبد العزيز ابن الأخضر. وتوفي في رجب. ٢٩٧ - نصر الله بن أحمد بن أبي العز محمد بن المختار بن المؤيد بالله، أبو العباس بن أبي تمام الهاشمي الحريمي التاجر. سفار كثير المال، من بيت العلم والشرف، حدث بمرو عن جده، ومات بسمرقند، روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم. ٢٩٨ - هبة الله بن الفضل بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن علي، أبو القاسم ابن القطان المتوثي الشاعر. سمع أباه الفضل، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا طاهر أحمد بن الحسن الباقلاني، وأبا عبد الله النعالي، وغيرهم. وكان شاعرًا محسنًا، بليغ الهجاء. روى عنه أبو سعد السمعاني، فقال: سألته عن مولده فقال: سنة ثمان وسبعين. وتوفي يوم عيد الفطر. قلت: وكان يعرف الطب والكحالة، وديوانه مشهور، وقد هجا الحيص بيص، وهو الذي شهره بهذا اللقب، وله قصيدة طنانة في كاتب الإنشاء سديد الدولة محمد ابن الأنباري، أولها: يا من هجرت فلا تبالي … هل ترجع دولة الوصال ما أطمع يا حياة قلبي … أن ينعم في هواك بالي الطرف من الصدود باك … الجسم، كما ترين بالي أهواك وأنت حظ غيري … يا قاتلتي، فما احتيالي واللوم فيك يزجروني … عن حبك ما لهم، وما لي؟

стр. 11489

طلقت تجلدي ثلاثًا والصبوة بعد في خيالي (١) روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وثابت بن مشرف، وابن الأخضر. وكان عسرًا في الرواية. ٢٩٩ - ياقوت المسترشدي. عن: أبي غالب ابن البناء. وعنه أبو الفتوح ابن الحصري. ورخه ابن الدبيثي (٢). ٣٠٠ - يحيى بن سالم بن أسعد بن يحيى، الفقيه أبو الخير بن أبي الخير العمراني الشافعي، مصنف كتاب البيان في المذهب. قيل: إنه كان يكرر على المهذب لأبي إسحاق، فكان يقرؤه في ليلة واحدة. وله مصنفات مفيدة منها: غرائب كتاب الوسيط للغزالي. نشر العلم باليمن، ورحل الناس إليه وتفقهوا عليه. توفي في هذه السنة. ٣٠١ - يغمر بن ألب سارج، الفقيه أبو البدر التركي المقرئ. كان أبوه جنديًا، قال ابن عساكر (٣): كان يعمل في القز ويلقن القرآن، وتفقه على شيخنا أبي الحسن بن مسلم، وكان يحفظ قطعة صالحة من الأخبار والأشعار، وكان يحثني على تبييض التاريخ. وكان قد حصل عندي فتور عن تبييضه، فلما مات في هذه السنة وكنت في جنازته فكرت وقلت: أنا والله أحق بالاهتمام بهذا التاريخ فصرفت همتي إليه وشرعت في تبييضه. ٣٠٢ - يوسف بن محمد بن مقلد بن عيسى، أبو الحجاج الدمشقي، المعروف بابن الدوانيقي. قال ابن عساكر (٤): سمع معنا من هبة الله ابن الأكفاني، وطاهر بن سهل ابن بشر، ورحل فسمع ببغداد: أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وتفقه على أبي منصور ابن الرزاز، واستوطن بغداد، وتصوف وصحب أبا

стр. 11490

النجيب السهروردي، ووعظ وناظر، وقدم دمشق ومرض بالاستسقاء فعدته، وقرأ لابني أبي الفتح ثلاثة أحاديث من حفظه، ومات في عاشر شهر صفر. وأنشدنا أبو الحسين أحمد بن حمزة، قال: أنشدنا يوسف بن محمد التنوخي لنفسه: أنوم بعدما هجع النيام … وظلم بعدما انقشع الظلام فهذا الصبح في الفودين بادٍ … ينادي ما بقي إلا منام فبادر يا فتى قبل المنايا … فما لك بعد ذا عذر يقام فعند الله موقفنا جميعًا … وبين يديه ينفصل الخصام

стр. 11491

سنة تسع وخمسين وخمس مائة ٣٠٣ - أحمد بن محمد بن هذيل، أبو العباس الأنصاري، البلنسي. سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن النعمة، وتفقه عند أبي محمد بن عاشر، ورحل فلقي بقرطبة أبا عبد الله بن الحاج، وغيره، وولي قضاء بلده، فلم تحمد سيرته، وكان عارفًا بالأدب والكتابة، وتوفي كهلًا (١). ٣٠٤ - أحمد بن مسعود بن سعد بن علي، أبو الرضا ابن الناقد، الجصاص. بغدادي، ثقة جليل سمع أبا غالب الباقلاني، وأبا سعد بن خشيش، وأبا الحسن العلاف، روى عنه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وابنه عبد العزيز بن أحمد، وتوفي في ذي الحجة؛ سقط من بناء للدولة فمات صائمًا. ٣٠٥ - إبراهيم بن موهوب بن علي بن حمزة، أبو إسحاق ابن المقصص السلمي، الدمشقي. سمع من أبي الحسن علي بن الحسن بن الحزور، وإبراهيم بن يونس المقدسي، ونصر بن أحمد الهمذاني المؤدب؛ سمع من المؤدب في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وكان شيخًا مباركًا من قراء السبع الكبير؛ سمع منه الحافظ ابن عساكر، وابنه، وأبو المواهب، وأخوه أبو القاسم، ودفن بمقبرة باب الصغير (٢). ٣٠٦ - أسعد بن إسماعيل بن حسين، العميد أبو الفتح النسوي، المستوفي. ساكن وقور متصل بالدولة، سمع الترغيب لحميد بن زنجويه من أبي بكر بن خزيمة. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وتوفي في ذي الحجة. ٣٠٧ - بنيمان بن محمد بن الفضل، أبو القاسم الكندوج الأصبهاني. توفي في الثاني والعشرين من شوال. وكان عدلًا متميزًا، سمع الرئيس

стр. 11492

الثقفي. أخذ عنه السمعاني، وغيره (١). ٣٠٨ - سعد الله بن محمد بن علي بن أحمد بن حمدي، أبو البركات البغدادي الدقاق البزاز. روى عن أبي عبد الله بن طلحة النعالي، ونصر ابن البطر، وأحمد بن علي الطريثيثي، وكان من أهل الخير. روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وعبد الخالق بن أسد، وأبو الفرج ابن الجوزي، وجماعة. توفي في شعبان (٢). ٣٠٩ - ضرغام بن عامر بن سوار، الملك المنصور فارس المسلمين، أبو الأشبال اللخمي المنذري. الذي استولى على الديار المصرية، وهرب منه شاور إلى نور الدين يستنجد به عليه، فسير معه أسد الدين شيركوه، فدخلوا مصر في رجب من هذا العام، فوجدوا الضرغام قد قتل في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة من السنة؛ قتل عند قبر الست نفيسة، وطافوا برأسه، وبقيت جثته حتى أكلتها الكلاب، ثم دفن وبني عليه قبة معروفة عند بركة الفيل بها القلندرية. وفي التاريخ لدخولهم وهم، لأن الضرغام ما قتل إلا بعد دخول أسد الدين. ٣١٠ - ظافر بن معاويه بن خليف، أبو السعادات الحربي الخياط. صالح، ساكن من أهل القرآن والصلاح، سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا علي بن محمد بن محمد ابن المهتدي، وغيرهما. قال ابن السمعاني: كتبت عنه، وكان كخير الرجال. وقال ابن مشق: توفي في سابع جمادى الآخرة. وكان مولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة. قلت: روى عنه أحمد بن سلمان السكر. ٣١١ - عبد الرحمن بن هبة الرحمن بن عبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، أبو خلف.

стр. 11493

نيسابوري، ورع عالم خير، مليح الوعظ، ولي خطابة نيسابور بعد والده، وكان ضريرًا، سمع أعمام أبيه، وعلي بن عبد الله بن أبي صادق، وعبد الغفار الشيرويي، وإسماعيل بن عبد الغافر الفارسي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وتوفي بنسا في يوم عاشوراء. ٣١٢ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي ابن الأخوة، أبو الفتح بن أبي الغنائم البغدادي البيع اللغوي الأديب، نزيل أصبهان. روى عن أبي الحسن بن فتحان الشهرزوي مجلسًا من أمالي ابن بشران، سمعه منه ابن السمعاني، وقال: شاب، له معرفة تامة باللغة والأدب. توفي في صفر. ٣١٣ - عبد الوهاب بن الحسن بن عبد الله، أبو سعد الكرماني الرمجاري (١). شيخ صالح من أهل نيسابور، سمع أبا بكر بن خلف الشيرازي، وأبا المظفر موسى بن عمران، وأبا سهل عبد الملك بن عبد الله الدشتي، وغيرهم. وولد في ربيع الأول سنة ثمانين وأربعمائة. وهو آخر من روى عن هؤلاء الثلاثة فيما أعلم. روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، ومحمد بن ناصر بن سلمان الأنصاري، وجماعة. ٣١٤ - علي بن حمزة بن إسماعيل بن حمزة بن حمزة بن محمد، السيد أبو الحسن العلوي الموسوي الهروي. قال ابن السمعاني: كان سيدًا، عالمًا، زاهدًا، عفيفًا، مواظبًا على الجماعات، سمع الكثير بهراة من أبي عبد الله محمد بن علي العميري، ونجيب بن ميمون، ومحمود بن القاسم الأزدي، والحافظ عبد الله بن يوسف الجرجاني، وصاعد بن سيار الكناني، وجماعة، وخرج له أبو النضر عبد الرحمن الفامي جزءًا ضخمًا عن شيوخه. وحدث بمرو وهراة، وحدث

стр. 11494

بكتاب العوالي لابن عدي، وهو مجلد. وولد سنة ثمان وستين وأربعمائة (١). قلت: وقد ذكره في كتاب ذيل تاريخ الخطيب، فقال: علوي، حسن السيرة، مرضي، جميل الظاهر والباطن، كثير العبادة والخير، يتفقد الفقراء ويراعيهم، محترم عند أهل بلده. قلت: روى عنه هو وابنه وعبد الله بن عيسى بن أبي حبيب الأنصاري، وحفيده محمد بن إسماعيل بن علي الموسوي، وحفيده علي بن محمد بن علي الموسوي، ويحيى بن محمد بن عبد اللطيف المروزي، وأبو روح عبد المعز الهروي، وآخرون. وعاش إحدى وتسعين سنة، وكان مسند هراة في عصره؛ سمع الجامع لأبي عيسى، من أبي عامر الأزدي. ٣١٥ - عمر بن علي بن نصر، أبو المعالي الصيرفي البغدادي الخفاف. سمع رزق الله التميمي، وغيره. روى عنه القاضي عمر بن علي القرشي، وإبراهيم بن محمود الشعار، وعبد الوهاب بن عبد الله الصوفي القصار، وآخرون. وآخر من روى عنه بالإجازة كريمة بنت عبد الوهاب. توفي في شهر ربيع الأول. وآخر من روى عنه بالسماع إسماعيل بن باتكين. ٣١٦ - محمد بن أحمد بن محمد بن عمر الأصبهاني المقدر البناء، أبو الخير الباغبان. شيخ مسند، عالي الإسناد، مشهور، سمع أبا عمرو بن منده، وأبا عيسى بن زياد، والمطهر البزاني، وأبا بكر بن ماجه، وحكيم بن محمد الإسفراييني، حدث عنه بمسند الشافعي بسماعه من جده لأمه علي بن محمد السقاء. روى عنه ابن السمعاني، وجامع بن خمارتاش، وصالح بن أحمد، ومحمد بن أحمد بن أبي الفتح النجار، ومحمد بن مكي الحنبلي، وأحمد بن صالح بن أحمد الهروي، وداود بن معمر، وأحمد بن عبيد الله المستملي الخاني، وعبد البر بن أبي العلاء، ومحمود بن أحمد المعلم، ومعمر بن محمد

стр. 11495

ابن مبشر، وأبو الوفاء محمود بن منده الأصبهانيون. وآخر من روى عنه بالإجازة كريمة ثم عجيبة الباقدارية. قال أبو مسعود الحاجي (١): توفي في ثاني عشر شوال. وقال ابن نقطة (٢): كان ثقة، صحيح السماع، حدث بحضرة أبي العلاء الحافظ، وسمع منه مسند الشافعي أشياخنا أبو مسلم أحمد بن شيرويه، وعلي ومحمد ابنا عبد الرشيد بن بنيمان، وعبد السلام بن شعيب الوطيسي، وغيرهم بهمذان. ٣١٧ - محمد بن أحمد بن عامر، أبو عامر البلوي الطرطوشي، السالمي، من مدينة سالم؛ سكن مرسية. وكان عالمًا، أديبًا، مؤرخًا، لغويًا، صنف في اللغة كتابًا مفيدًا، وله كتاب في الطب سماه الشفا، وكتاب في التشبيهات. قال الأبار (٣): روى عنه عبد المنعم بن الفرس، وأبو القاسم بن البراق. ٣١٨ - محمد بن أحمد بن علي بن محمود، أبو الفتوح الزوزني، الصوفي، ابن عم أبي سعد أحمد بن محمد. ولد سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وحدث. توفي في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة. ٣١٩ - محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب، الحافظ العلامة أبو عبد الله البنجديهي الزاغولي الأرزي، وزاغول من عمل بنج ديه، وقيل: من عمل مرو الروذ، بها قبر المهلب بن أبي صفرة الأمير. ذكره أبو سعد ابن السمعاني فقال: ولد سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة ببنج ديه، وسكن مرو، وتفقه على والدي وعلى الموفق بن عبد الكريم الهروي، وسمع أبا الفتح نصر بن أحمد بن إبراهيم الحنفي، وعيسى بن شعيب السجزي، ومحيي السنة أبا محمد البغوي. وكان فقيهًا صالحًا، حسن السيرة، خشن العيش، تاركًا للتكلف، قانعًا

стр. 11496

باليسير، عارفًا بالحديث وطرقه، اشتغل بطلبه وجمعه طول عمره، وجمع كتابًا مطولًا أكثر من أربعمائة مجلدة مشتملة على التفسير والحديث والفقه واللغة، سماه قيد الأوابد. وسمع جماعة كثيرة. وسمعت بإفادته. ووفاته بقرية نوش كارنجان (١) في ثاني عشر جمادى الآخرة. قلت: روى عنه هو وابنه عبد الرحيم بن أبي سعد. ٣٢٠ - محمد بن طاهر بن عبد الله أخي نظام الملك الحسن ابني علي بن إسحاق بن العباس، الرئيس أبو بكر الطوسي، الرادكاني. حمله أبوه أيام عمه النظام إلى أصبهان، وسمعه من الكبار. وكان مولده في سنة أربع وسبعين وأربعمائة. حدث عن أبي بكر بن ماجه الأبهري، وأبي منصور محمد بن شكرويه، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبي الحسن علي بن أحمد المؤذن. قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه جزء لوين، وتوفي بسردة من سواد نيسابور، في أحد الربيعين أو الجماديين (٢). وبخط الضياء: مات سنة سبع، كما مر (٣). ٣٢١ - محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الأشقر الأموي الداني المقرئ، نزيل سبتة. أخذ القراءات عن أبي الحسن بن شفيع، وأبي محمد بن إدريس. قال الأبار (٤): أقرأ القرآن، وكان عالي الرواية، فاضلًا، مجاب الدعوة. أخذ عنه أبو الصبر أيوب بن عبد الله، وقال: توفي في جمادى الآخرة. ٣٢٢ - محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، أبو الفتح الحمدويي المروزي البنجديهي الفقيه. سمع جامع الترمذي من أبي سعيد الدباس، وقد سمعه منه السمعاني. وسمع من هبة الله الشيرازي، والمظفر بن منصور الرازي. ولد سنة بضع

стр. 11497

وستين، ومات بمرو في جمادى الآخرة في تاسعه سنة تسع؛ قاله أبو سعد (١). ٣٢٣ - محمد بن علي بن أبي منصور، الصاحب جمال الدين أبو جعفر الأصبهاني، الملقب بالجواد، وزير صاحب الموصل أتابك زنكي بن آقسنقر. استعمله زنكي على ولاية نصيبين والرحبة، وجعله مشرف مملكته كلها، واعتمد عليه. وكان نبيلًا، رئيسًا، دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، محبوب الصورة، سمحًا، كريمًا. ومدحه محمد بن نصر القيسراني بقصيدته التي أولها: سقى الله بالزوراء من جانب الغربي … مها وردت ماء الحياة من القلب قال القاضي ابن خلكان (٢): وكان يحمل في السنة إلى الحرمين أموالًا وكسوة تقوم بالفقراء سنتهم كلها، وتنوع في أفعال الخير، حتى جاء في زمنه غلاء عظيم، فواسى الناس حتى لم يبق له شيء وباع بقياره، وعرف بالجواد، وأجرى الماء إلى عرفات أيام الموسم، وبنى سور مدينة النبي ﷺ ، وبالغ في أنواع البر والقرب. ولما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر رتبه سيف الدين غازي بن زنكي وزيره إلى أن مات. ثم وزر بعده لقطب الدين مودود وأخيه. ثم إنه استكثر إقطاعه وثقل عليه، فقبض عليه سنة ثمان وخمسين، ومات محبوسًا مضيقًا عليه في سنة تسع، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا من ضجيج الضعفاء والأيتام حول جنازته، ودفن بالموصل، ونقل بعد سنة إلى مكة في تابوت، فوقفوا به وطافوا بتابوته، ثم ردوه فدفنوه بالمدينة النبوية. قلت: خالفوا السنة بما فعلوا. ولما دخل تابوته الكوفة ذكره الخطيب وأثنى عليه، وقال: سرى نعشه فوق الركاب وطالما … سرى بره فوق الرقاب ونائله فتى مر بالوادي فانثنت رماله … عليه وبالنادي فحنت أرامله فضج الناس بالبكاء، وكانت ساعة عجيبة.

стр. 11498

قال ابن خلكان (١): وكان ابنه جلال الدين علي من بلغاء الأدباء، له ديوان رسائل أجاد فيه، وكان الصدر مجد الدين أبو السعادات المبارك بن الأثير في صباه كاتبًا بين يديه، فكان يملي عليه الإنشاء، وتوفي سنة أربع وسبعين، وقد ولي وزارة الموصل، ومات بدنيسر، ودفن عند أبيه بالمدينة. ولقد حكى ابن الأثير (٢) في ترجمة الجواد مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها في الأعمار فالله يرحمه. ٣٢٤ - محمد بن مهدي بن الحسين بن عمر، أبو الحسين الطبري الصوفي، نزيل بغداد. وبها نشأ، ومولده سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأسمعه أبوه من محمد بن عبد السلام الأنصاري، وثابت بن بندار. وعنه عبد الوهاب ابن سكينة، وغيره. توفي في جمادى الآخرة. ٣٢٥ - محمد بن أبي زيد بن حمكا، الأصبهاني، الرجل الصالح، والد حفصة. توفي في نصف شوال بأصبهان. ٣٢٦ - نصر بن خلف، السلطان أبو الفضل، صاحب سجستان. قال ابن الأثير (٣): عمر مائة سنة، وتملك ثمانين سنة. قلت: لا أعلم أحدًا في الإسلام بقي ملكًا هذه المدة سوى هذا، وبعده ملك ابنه شمس الدين أبو الفتح أحمد بن نصر. قال (٤): وكان أبو الفضل ملكًا عادلًا، عفيفًا عن رعيته، وله آثار حسنة في نصرة السلطان سنجر في غير موقف. توفي في سنة تسع هذه.

стр. 11499

٣٢٧ - يحيى بن علي بن خطاب، أبو شجاع البغدادي، المقرئ. وليس هذا بالخيمي، ذاك يأتي سنة أربع وستين (١)، وهذا ورخه ابن مشق في شعبان.

стр. 11500

سنة ستين وخمسمائة ٣٢٨ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام، أبو العباس بن الحطيئة اللخمي الفاسي المقرئ الناسخ. شيخ إمام صالح، كبير القدر، مقرئ بارع مجود من أعلام المقرئين، نسخ الكثير بالأجرة، وكان مليح الخط، جيد الضبط. ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس، وحج ودخل الشام ولقي الكبار، ثم استوطن مصر بجامع راشدة خارج الفسطاط، وكان لأهل مصر فيه اعتقاد كبير لا مزيد عليه. قرأت بخط أبي الطاهر ابن الأنماطي: سمعت شيخنا أبا الحسن شجاعًا المدلجي، وكان من خيار عباد الله، يقول: كان شيخنا ابن الحطيئة شديدًا في دين الله، فظا غليظا على أعداء الله، لقد كان يحضر مجلسه داعي الدعاة مع عظم سلطنته ونفوذ أمره، فما يحتشمه ولا يكرمه، ويقول: أحمق الناس في مسألة كذا الروافض، خالفوا الكتاب والسنة وكفروا بالله. وكنت عنده يومًا في مسجده بشرف مصر، وقد حضر بعض وزراء المصريين، أظنه ابن عباس، فاستسقى في مجلسه، فأتاه بعض غلمانه بإناء فضة، فلما رآه ابن الحطيئة وضع يده على فؤاده، وصرخ صرخة ملأت المسجد وقال: واحرها على كبدي، أتشرب في مجلس يقرأ فيه حديث رسول الله ﷺ في آنية الفضة؟ لا والله لا تفعل. وطرد الغلام، فخرج، ثم طلب كوزًا، فجاء بكوز قد تثلم فشرب، واستحيى من الشيخ، فرأيته والله كما قال الله تعالى: يتجرعه ولا يكاد يسيغه. أتى رجل إلى شيخنا ابن الحطيئة بمئزر، وحلف بالطلاق ثلاثًا لا بد أن يقبله. فوبخه على ذلك وقال: علقه على ذاك الوتد، قال لنا شجاع وغيره: فلم يزل على الوتد حتى أكله العث وتساقط. وكان ينسخ بالأجرة، ولا يقبل لأحد قط هدية. وكان له على الجزية في الشهر ثلاثة دنانير، ولقد عرض عليه غير واحد من الأمراء أن يزيد جامكيته (١) فما قبل. وكان له من الموقع في قلوبهم، مع كثرة ما يهينهم ما لم يكن لأحد سواه،

стр. 11501

وعرضوا عليه القضاء بمصر فقال: لا والله لا أقضي لهم. قال شيخنا شجاع: وكتب صحيح مسلم كله بقلم واحد، وسمعته يقول: وقال له إنسان: فلان رزق نعمة ومعدة، فقال: حسدتموه على التردد إلى الخلاء! وسمعته يقول كثيرا إذا ذكر عمر بن الخطاب: طويت سعادة المسلمين في أكفان عمر ﵁. قلت: وكان لا يقبل من أحد شيئًا. قرأ بالروايات على أبي القاسم ابن الفحام بالإسكندرية، وعلم زوجته وابنته الكتابة، فكانا يكتبان مثل خطه سواء، فإذا شرعوا في نسخ كتاب أخذ كل واحد منهم جزءًا من الكتاب ونسخوه، فلا يفرق بين خطوطهم إلا الحاذق. ووقع بمصر الغلاء، فأتاه جماعة وسألوه قبول شيء فامتنع، فخطب الفضل بن يحيى الطويل ابنته وتزوجها، ثم سأل أباها أن تكون أمها عندها لتؤنسها، ففعل، فما أحسن ما تلطف هذا الرجل في بر أبي العباس ﵀، وبقي أبو العباس، وحده ينسخ ويقتنع. قرأ عليه جماعة منهم شجاع بن محمد بن سيدهم المدلجي، وأبو الطاهر محمد بن محمد بن بنان الأنباري ثم المصري، وجماعة سواهم. وحدث عنه السلفي، وهو أكبر منه، وقال: توفي في آخر المحرم بمصر، قال: وكان رأسًا في القراءات، سمع الحديث من أبي عبد الله الحضرمي، وأبي الحسن بن مشرف، وسمعته يقول: ولدت بفاس ودخلت الشام. قلت: وروى عنه صنيعة الملك هبة الله بن يحيى بن حيدرة، والأمير إسماعيل بن أحمد اللمطي، والنفيس أسعد بن قادوس وهو آخر من حدث عنه. وقبره يزار بالقرافة الصغرى، وقد طلب لقضاء مصر فأبى. قرأت بخط ابن الأنماطي الحافظ: حكى لنا أبو الحسن شجاع بن محمد بن سيدهم، قال: كان الشيخ أبو العباس قد أخذ نفسه بتقليل الأكل بحيث بلغ في ذلك إلى الغاية، وكان يتعجب ممن يأكل ثلاثين لقمة ويقول: لو أكل الناس من الضار ما آكل من النافع ما اعتلوا. وحكى لي شجاع أن أبا العباس ولدت له ابنته هند وكبرت وقرأت عليه بالسبع، وقرأت عليه الصحيحين، وغير ذلك، وكتبت الكثير، وتعلمت عليه كثيرًا من علوم القرآن والحديث وغير ذلك، ولم ينظر إليها قط. فسألت شجاعًا أكان ذلك عن قصد؟ فقال: كان في

стр. 11502

أول العمر اتفاقًا، لأنه كان يشتغل بالإقراء إلى المغرب، ثم يدخل إلى بيته وهي في مهدها، وتمادى الحال إلى أن كبرت فصارت عادة، وزوجها ودخلت بيتها والأمر على ذلك، ولم ينظر إليها قط إلى أن توفي رحمه الله تعالى (١). ٣٢٩ - أحمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان الحمامي البخاري، أبو العباس الأديب. من مشيخة أبي سعد السمعاني، قال: كان فقيهًا، زاهدًا، عارفًا باللغة، كثير الاجتهاد والتعبد، سمع عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري، والقاضي محمد بن الحسن النسفي، وجماعة. مولده سنة تسع وثمانين، ومات في ربيع الأول سنة ستين، وكان إمام الناس في الجمعة. ٣٣٠ - إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق الموصلي الحنفي (٢)، الفقيه. نزل دمشق، ودرس بالصادرية، وناب في الحكم للقاضي الزكي، وتوفي في هذه السنة (٣). ٣٣١ - أمير ميران بن أتابك زنكي بن آقسنقر التركي، أخو السلطان نور الدين. كان شجاعًا مقدامًا. مرض صاحب الشام نور الدين أخوه، فكاتب هو الأمراء ليملكوه، فلما عوفي نور الدين سار إليه، وأخذ منه حران بعد الخمسين وطرده، فمضى إلى صاحب الروم، وجيش الجيوش في العام الماضي، وكان نور الدين نازلًا على رأس الماء، فالتقوا فكسره نور الدين، وقتل في الوقعة جماعة منهم ابن الداية الأمير، ورد أمير ميران إلى صاحب حصن كيفا، ثم اصطلح هو وأخوه، وأصابه سهم في عينه على بانياس فقتله، ومات منه بدمشق (٤). ٣٣٢ - حسان بن تميم بن نصر، أبو الندى الزيات.

стр. 11503

شيخ صالح دمشقي، سمع مجالس من الفقيه نصر. روى عنه ابن عساكر، وابنه، وأبو المواهب التغلبي، وعبد الخالق بن أسد، ومكرم بن أبي الصقر، وكريمة القرشية، وآخرون. توفي الحاج حسان في تاسع عشر رجب، ودفن بباب الفراديس عن نيف وثمانين سنة (١). ٣٣٣ - الحسين بن محمد بن الحسين بن حما البغدادي، سبط أبي سعد محمد بن عبد الملك الأسدي. سمع من جده أبي سعد، وحدث في هذه السنة؛ روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وغيره. ٣٣٤ - خزيفة (٢) بن سعد بن الحسين (٣) بن الهاطرا (٤)، أبو المعمر الأزجي الوزان. ولد سنة ثمانين وأربعمائة. شيخ صالح مسند، سمع ابن البطر، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا الحسن بن أيوب البزاز، وجماعة. روى عنه ابن السمعاني، ومحمد بن المبارك بن مشق، وشهاب الدين السهروردي، وآخرون. توفي في العشرين من رجب، وروى عنه بالإجازة الرشيد أحمد بن مسلمة (٥). ٣٣٥ - رستم بن علي بن شهريار بن قارن، ملك مازندران.

стр. 11504

كان ملكًا شجاعًا مخوفًا، استولى في العام الماضي على بسطام وقومس، واتسعت ممالكه. مات في ثامن ربيع الأول، فكتم ابنه علاء الدين الحسن موته أيامًا حتى تمكن وثبت ملكه، ثم خرج عليه صاحب جرجان ونازعه في الملك فلم يبال به (١). ٣٣٦ - سعيد بن سهل بن محمد بن عبد الله، أبو المظفر النيسابوري، ثم الخوارزمي، الوزير المعروف بالفلكي. سمع أبا الحسن المؤذن، ونصر الله بن أحمد الخشنامي. وسافر إلى خوارزم، ووزر لصاحبها. وكان ذا رأي، وشهامة، وكفاية، وحسن سيرة وسخاء ومكارم. ثم إنه خاف من صاحب خوارزم فحج وتصدق بأموال كثيرة، وتزهد، وتعبد. وحدث ببغداد ودمشق، وسكن دمشق بخانقاه السميساطي، وجدد بها الصفة الغربية والبركة والقناة التي لها من ماله. وتولى النظر في وقف الخانقاه. وكان ثقة، متواضعًا، صالحًا، حسن الاعتقاد، أثنى عليه ابن عساكر (٢) وغيره. ووقع لنا جزء الفلكي عن الشيخين المذكورين. روى عنه ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصرى، وأخوه أبو المواهب، وأبو عبد الله ابن المجاور، وزين الأمناء، ومكرم، ومحمد بن غسان، ومات في شوال، ودفن بمقابر الصوفية. ٣٣٧ - شرف بن عبد المطلب، السيد أبو علي العلوي الأصبهاني. توفي في رجب. ٣٣٨ - طغرل شاه بن محمد بن الحسين، الشيخ أبو المعالي الكاشغري. توفي بأصبهان في ثاني جمادى الأولى. ٣٣٩ - عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن سبعون، أبو محمد القيرواني الأصل البغدادي. سمع أباه، وأبا الفضل بن خيرون. وحدث في هذا العام؛ روى عنه عمر

стр. 11505

ابن علي القرشي، ونصر ابن الحصري (١). • - عبد الله بن سعد بن الحسين بن الهاطرا الوزان، لقبه خزيفة. ذكرته في الخاء (٢). ٣٤٠ - عبد الرحمن بن علي بن الحسين، أبو محمد الكوفي، العطار. سمع بدمشق: أبا البركات بن طاوس، وحدث، وتوفي بدمشق في ذي القعدة، وكان كثير التلاوة (٣). روى عنه أبو القاسم بن صصرى. ٣٤١ - عبد القاهر بن أحمد بن محمد ابن الطوسي، أبو علي، نزيل الموصل، أخو عبد الله خطيب الموصل، وعبد الرحمن، ومحمد، وعبد الوهاب. سمع من جعفر السراج، وغيره. توفي يوم عيد الأضحى. ٣٤٢ - عبد المحسن بن عبد المنعم بن علي بن منيب، الفقيه أبو محمد الكفرطابي، ثم الشيزري. رحل، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وطبقتهما. وتفقه بالنظامية، وسكن دمشق. روى عنه أبو القاسم بن صصرى. وكان ثقة، خيرًا (٤). ٣٤٣ - عبد الملك بن أحمد بن أبي يداس، أبو مروان الصنهاجي، الجياني. قرأ القرآن والعربية على بكر بن مسعود. وأخذ بالمرية عن أبي الحجاج القضاعي، وغيره. وأقرأ بشاطبة القراءات والعربية. روى عنه أبو عبد الله بن سعادة المعمر (٥).

стр. 11506

٣٤٤ - عبد الواحد بن إبراهيم بن أحمد، أبو الفضل بن القزة (١) الدمشقي. روى صحيح البخاري عن الفقيه نصر، عن علي بن موسى السمسار، عن أبي زيد المروزي، عن الفربري. وسمع مجلسًا من نصر أيضًا. روى عنه ابن عساكر، وقال (٢): سألته عن مولده، فقال: سنة خمس وسبعين وأربعمائة. ومات في ذي الحجة. قال: وكان قد اختلط. قلت: وروى عنه علي بن محمد ابن جمال الإسلام، وأبو القاسم بن صصرى وغيرهما. وقد روى بالإجازة عن عاصم بن الحسن العاصمي. ٣٤٥ - عبيد الله بن خليفة، أبو الحسين البطليوسي. ولي قضاء إشبيلية في الدولة اللمتونية بعد القاضي أبي بكر ابن العربي، ثم عزل، وتوفي في شوال (٣). ٣٤٦ - عتيق بن عبد العزيز، أبو بكر السمرقندي الدرغمي ثم النيسابوري الأديب الأوحد. له محفوظات في اللغة، وشعر جيد. سمع عبد الغفار بن شيرويه، وغيره. ولد سنة سبع وسبعين ومات بخوارزم في حدود سنة ستين (٤). ٣٤٧ - عسكر بن أسامة بن جامع، أبو عبد الرحمن العدوي النصيبي، إمام مسجد كندة بنصيبين. دخل بغداد، وتفقه على مذهب الشافعي، وسمع من هبة الله بن الحصين، وأبي العز بن كادش، وخلق؛ سمع منه ابن السمعاني. وقال ابن النجار (٥): سألت عنه شيخنا عبد الوهاب الأمين فأثنى عليه كثيرا، وقال: كان ناسكا صالحا منعزلا، أفتى ببلده، ودرس. وقال غيره: ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.

стр. 11507

٣٤٨ - عطاء بن عبد المنعم، أبو الغنائم الأصبهاني. حج في هذا العام، فحدث ببغداد عن غانم البرجي. روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وغيره (١). ٣٤٩ - علي بن أحمد بن محمد بن أبي العباس، أبو الحسن الأصبهاني، المعروف باللباد. سمع رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، وأبا بكر محمد بن أحمد بن ماجه، والقاسم بن الفضل الثقفي، ورجاء بن عبد الواحد بن قولويه، وأبا نصر عبد الرحمن بن محمد السمسار، وجماعة. وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي. وخرج له معمر بن الفاخر جزءًا، وروى عنه جماعة. وروى عنه بالإجازة، أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة. توفي في ثامن عشر شوال (٢). ٣٥٠ - علي بن أحمد بن مقاتل بن مطكود، أبو الحسن السوسي، ثم الدمشقي، الشاغوري، ويعرف بابن المعلم. سمع جزءًا واحدًا من أبي القاسم علي بن محمد المصيصي، وهو آخر من حدث عنه. قال ابن عساكر (٣): وكان قبل أن يحج يتولى توظيف ما يؤخذ من مزارع الشاغور، وتوفي في رمضان. قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وزين الأمناء أبو البركات، ومكرم، وجماعة جزء الصفة وأحاديث عنبسة. وهو أخو نصر بن أحمد. ٣٥١ - علي بن محمد بن الحسن بن علان، أبو الحسن البواب. سمع أبا الحسين ابن الطيوري. وولد في سنة سبعين وأربعمائة، وكان يمكنه أن يسمع من أبي نصر الزينبي، لكن السماع قسمية. توفي في المحرم.

стр. 11508

٣٥٢ - عمر بن محمد بن أحمد بن عكرمة، أبو القاسم ابن البزري، الشافعي العلامة فقيه أهل الجزيرة. رحل إلى بغداد، واشتغل على إلكيا الهراسي، وأبي حامد الغزالي، وجماعة، وبرع في المذهب ودقائقه، وقصده الطلبة من البلاد وتفقهوا به. وصنف كتابًا كبيرًا شرح فيه إشكالات المهذب. وكان من الدين والعلم بمحل رفيع. قال القاضي ابن خلكان (١): كان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الشافعي. وكان ينعت بزين الدين جمال الإسلام. انتفع به خلق كثير، ولم يخلف بالجزيرة مثله. وكان قد قرأ أولًا على أبي الغنائم محمد بن الفرج السلمي الفارقي، قليلًا من الفقه، فمات أبو الغنائم سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. توفي ابن البزري في أحد الربيعين، وله تسع وثمانون سنة. والبزري: نسبة إلى عمل البزر وبيعه، والبزر في تلك البلاد اسم للدهن المستخرج من حب الكتان وبه يستصبحون. وكان مولده في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. ٣٥٣ - عمر بن بهليقا الطحان البغدادي الذي عمر جامع العقيبة بالجانب الغربي من بغداد. توفي في ذي القعدة (٢). ٣٥٤ - محمد بن أبي سعد أحمد بن محمد الزوزني، أبو الفتوح الصوفي. سمع الطريثيثي، وابن البطر. وعنه ابن سكينة، وابن الأخضر. مات في جمادى الآخرة سنة تسع (٣). ٣٥٥ - محمد بن حمزة بن الحسن بن المفرج، أبو عبد الله بن أبي يعلى الأزدي الدمشقي الشروطي.

стр. 11509

سمع أباه، وعلي بن طاهر النحوي، وسبيع بن المسلم المقرئ. مات في شعبان، وله إحدى وسبعون سنة (١). ٣٥٦ - محمد بن عبد الله بن المسلم بن أبي سراقة، أبو المجد الهمذاني، ثم الدمشقي. سمع أبا الحسن ابن الموازيني، وعبد المنعم بن الغمر الكلابي، وحيدرة بن أحمد. سمع منه ابنه أبو الفتح. وتولى عمالة الجامع، ثم عمالة الحشرية. مات في شعبان أو رمضان. روى عنه أبو المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى (٢). ٣٥٧ - محمد بن عبد الله بن العباس بن عبد الحميد المعدل، أبو عبد الله الحراني، ثم البغدادي. أحد العدول الكبار. كيس، متودد. سمع هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، ورزق الله التميمي، وطراد بن محمد الزينبي، وأبا الفتح أحمد بن محمد الحداد، وأبا سعد المطرز، ويحيى بن منده الحافظ، وغيرهم. ورحل إلى أصبهان. روى عنه أبو سعد السمعاني، وقال: سألته عن مولده فقال: سنة أربع وثمانين وأربعمائة. قلت: وروى عنه ابن الجوزي وقال (٣): كان لطيفًا ظريفًا، جمع كتابًا سماه روضة الأدباء، وهو آخر من مات من شهود القاضي أبي الحسن ابن الدامغاني. وروى عنه ابنته خديجة، وعبد اللطيف بن محمد القبيطي. وله شعر حسن. توفي في ثاني عشر جمادى الأولى. وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد أحمد بن مسلمة (٤). ٣٥٨ - محمد بن عبد الجبار بن جوروية الأصبهاني. توفي في ربيع الآخر.

стр. 11510

٣٥٩ - محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف ابن العلاف، أبو طاهر بن أبي الحسن من حجاب الديوان ومن بيت العلم. سمع أباه، وابن طلحة النعالي، وابن البطر. روى عنه ابن الأخضر، وغيره. وتفرد بإجازته الرشيد بن مسلمة (١)، وتوفي في ثاني عشر شعبان، ولم يكن مرضيًا. ٣٦٠ - محمد بن أبي خازم محمد ابن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء، القاضي أبو يعلى الصغير، شيخ الحنابلة. تفقه على أبيه، وعمه القاضي أبي الحسين. وكان من أنبل الفقهاء وأنظرهم وأفصحهم. وفي سنة ثمان وعشرين زكي، ثم بعد ذلك ولي قضاء واسط، فبقي بها مدة، ثم عزل عن القضاء والعدالة، ولزم العلم والمقام بمنزله إلى أن توفي وقد أضر. سمع الحسن بن محمد التككي، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبا الغنائم النرسي. روى عنه أبو الفتح المندائي، وأبو محمد ابن الأخضر، وغيرهما. وتوفي في ربيع الآخر ببغداد، وله ست وستون سنة. والأصح أنه توفي في خامس جمادى الأولى، وقد درس وأفتى وأفاد وتخرج به خلق، وكانت جنازته مشهودة (٢). ٣٦١ - محمد بن محمد بن عمر بن قرطف (٣)، أبو الفتح النعماني، الشاعر المشهور، ويعرف بابن الأديب. ولد سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ومات في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة. وكان من ظرفاء البغداديين وشعرائهم الفحول، وله مع براعته في النظم كتابة في غاية الحسن. روى عنه من شعره: أبو سعد السمعاني (٤)، وأبو أحمد ابن سكينة، وأحمد بن طارق الكركي.

стр. 11511

أنبأنا جماعة، عن ابن سكينة، قال: أنشدنا أبو الفتح ابن الأديب لنفسه: عاطل وهو بالمناقب خالي … نسب المجد غير عم وخال شبه قرب الشخوص وفي … نقد المعاني تباين الأشكال ما استطال القنا بطول الأنا … بيب ولكن بالصبر يوم النزال رب حسن يعود قبحا إذا لم … ترو عنه محاسن الأفعال يوجد التبر في التراب كما … يستخرج المسك من مصير الغزال (١) وهي طويلة. وبالإسناد له: طليق دمع أسير القلب عاينه … كل بعينك فانظر ما يعانيه تنام عن سهر لا تلتقي قصر … أجفانه كلما طالت لياليه تحيى على زفرات الشوق أضلعه … وأنت في غفلة عما يلاقيه منها: سهم على القلب قبل السمع موقعه … قد أتبعته بسهم كف راميه وليلة الجزع لما بات يرشفني … ثغر الزجاجة والصهباء من فيه شربت كأس مدام من سلافته … شجت بكأس عتاب من تجنيه وبه له: لم يبق بعد المفرق الأشيب … لديك من ملهى ولا ملعب أنذرت الخمسون أبناءها … بعد ذهاب العمر المذهب أنسيت ما فات كأن الذي … مضى من الأيام لم يحسب هل هو إلا أمد منتهي … إلى بعيد الدار لم يصقب مسافة تطمع في قطعها … بغير زاد وبلا مركب يا ويح من أنفق أيامه … في طلب المتجر والمكسب ما هو آت غير مستبعد … قد آن وضع الحامل المقرب وكل عام أترجى المنى … وهن قد سوفن الوعد بي وليس لي هم سوى وقفة … في حرم المدفون في يثرب

стр. 11512

٣٦٢ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي ابن أبي زيد. الشريف أبو طالب العلوي، الحسني، البصري، النقيب، نقيب الطالبيين بالبصرة ثم عزل من النقابة. قال ابن السمعاني: قدم بغداد عدة نوب، وانحدرت في صحبته إلى البصرة فاجتمعت به. وكان ظريفًا مطبوعًا. وكان أصحابنا البصريون يقولون: إنه يكذب كثيرًا فاحشًا في أحاديث الناس. وروى ببغداد عن أبي علي البسري. قال: وسمع منه، ومن جعفر العباداني، وأبي عمر الحسن بن علي بن محمد بن غسان النحوي، ومحمد بن علي ابن العلاف المؤدب. قال ابن نقطة (١): قدم بغداد سنة خمس وخمسين، وحدث بها عن أبي علي بكتاب السنن لأبي داود الجزء الأول بالسماع المتصل، والباقي إجازة، إن لم يكن سماعًا. حدثنا عنه أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع، وسماعه من التستري سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. وقال عمر بن علي القرشي في معجمه: أخبرنا الشريف أبو طالب محمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن عبد الله بن علي بن باغر ابن الأمير عبيد الله بن عبد الله بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي، ويعرف بابن أبي زيد، سألته عن مولده؛ فقال: في ربيع الأول سنة إحدى وستين وأربعمائة. وتوفي في ربيع الأول سنة ستين. قلت: وقال ابن السمعاني: ولد سنة تسع وستين وأربعمائة. وقال ابن النجار: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن محمد، عن والده متى ولد؟ قال: سنة تسع وستين. قلت: وروى أبو طالب ببغداد كتاب السنن، استقدمه الوزير ابن هبيرة وأكرمه، وسمع منه الكتاب. وقد حدث به أبو الفتوح ابن الحصري عنه بالسماع المتصل، وقال: أخبرت أن سماعه ظهر بعد ذلك. قال ابن نقطة (٢): وهذا القول عندي فيه نظر، لأنا لم نسمع أحدًا قاله

стр. 11513

غير ابن الحصري، والصحيح عندي ما قيده أبو المحاسن القرشي، يعني الجزء الأول فقط، وآخره عند كراهية مسه الذكر في الاستبراء. قال ابن نقطة (١): وحدثني أبو السعود محمد بن محمد بن جعفر البصري الفقيه، قال: قال لي علي بن الحسن ابن المعلمة: لما أرادوا قراءة السنن على ابن أبي زيد النقيب كتب إلي أبو المحاسن القرشي: انقل لنا سماع الشيخ في سنن أبي داود فطفت فلم أجد سماعه إلا في جزء واحد. قلت: عاش نيفا وتسعين سنة، وقد رواه المقداد بن أبي القاسم القيسي بدمشق، أعني السنن كله، عن ابن الحصري، بسماعه عن العلوي عن التستري بجميع الكتاب سماعًا، فالله أعلم بحقيقة الأمر. أنبؤونا عن أحمد بن طارق قال: أنشدنا أبو طالب العلوي لنفسه: لا تشكون دهرًا سطا … شكواكه عين الخطا واصبر على حدثانه … إن جار يومًا وامتطى الدهر دهر قلب … يوماه بؤس أو عطا ٣٦٣ - المبارك بن مسعود بن عبد الملك بن خميس، أبو الكرم الغسال البزاز. بغدادي، مطبوع، صاحب نوادر، وحكايات، وأشعار، وله بضاعة يتجر فيها إلى الحجاز والري. سمع من جعفر السراج، وأبي القاسم الربعي، وجماعة. قال ابن السمعاني: كتبت عنه، وقال لي: ولدت سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وقال ابن مشق: توفي في سابع عشر ربيع الأول. وروى عنه ابن الأخضر، وابن الحصري. ٣٦٤ - مرجان الخادم قال ابن الجوزي (٢): كان يقرأ القرآن، ويعرف شيئًا من مذهب الشافعي، وتعصب على الحنابلة فوق الحد، وناصبني دون الكل وبلغني أنه كان يقول: مقصودي قلع المذهب. ولما مات الوزير ابن هبيرة سعى بي إلى الخليفة

стр. 11514

فقال: عنده كتب من كتب الوزير، فقال الخليفة: هذا محال، فإن فلانًا كان عنده أحد عشر دينارًا فما فعل فيها شيئا حتى طالعنا فدفع الله عني شره، ومات في ذي القعدة. ٣٦٥ - محمود بن عبد الله بن محمد بن عزيزة، أبو الغنائم الأصبهاني. توفي في جمادى الأولى. ٣٦٦ - محمود بن عبد العزيز الوزير شهاب الدين الحامدي الهروي، وزير السلطان أرسلان، ووزير أتابكه إلدكز. توفي في ربيع الأول من سنة ستين، وكان من رجال الدهر حزمًا ورأيًا (١). ٣٦٧ - مظفر بن هبة الله بن المظفر، أبو شجاع ابن المسلمة، البغدادي. سمع أبا القاسم بن بيان، وشجاعًا الذهلي. روى عنه يوسف بن الطفيل الدمشقي، وتوفي في رمضان. ٣٦٨ - نصر بن إدريس، أبو عمرو الشقوري، الرجل الصالح، قاضي شاطبة. روى عن أبي بحر بن العاص، ويونس بن مغيث. ورخه أبو عبد الله الأبار (٢). ٣٦٩ - هبة الله بن صاعد بن هبة الله بن إبراهيم، أمين الدولة، أبو الحسن ابن التلميذ النصراني، المسيحي، البغدادي، شيخ الطب، بقراط عصره، وجالينوس زمانه، وشيخ النصارى لعنهم الله وقسيسهم. ذكره العماد في الخريدة (٣) فيا ما بالغ في وصف هذا الخنزير، ومما قال: هو سلطان الحكماء، ومقصد العالم في علم الطب. وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في تاريخه (٤): ابن التلميذ أوحد

стр. 11515

زمانه في صناعة الطب، وفي مباشرة أعمالها ويدل على ذلك ما هو مشهور من تصانيفه وحواشيه على الكتب الطبية، وكان ساعور البيمارستان العضدي ببغداد إلى حين وفاته. سافر في صباه إلى العجم، وبقي بها في الخدمة زمانًا. وكان يكتب خطًا منسوبًا، خبيرًا باللسان السرياني واللسان الفارسي واللغة، وله نظم حسن ظريف وترسل كثير، وكان والده أبو العلاء صاعد طبيبًا مشهورًا. وكان أمين الدولة، وأبو البركات أوحد الزمان في خدمة المستضيء بأمر الله، وكان أوحد الزمان أفضل من أمين الدولة في العلوم الفلسفية، وله فيها تصانيف. وكان الآخر أبصر بالطب، وكان بينهما عداوة، لكن كان ابن التلميذ أوفر عقلًا، وأجود طباعًا. وقال ابن خلكان (١): وكان أوحد الزمان، واسمه هبة الله بن علي بن ملكا، يهوديًا فأسلم في آخر أيامه، وأصابه الجذام فعالج روحه بتسليط الأفاعي على جسده بعد أن جوعها، فبالغت في نهشه، فبرئ من الجذام وعمي، فعمل ابن التلميذ: لنا صديق يهودي من حماقته … إذا تكلم تبدو فِيهِ مِن فِيهِ يتِيهُ والكلبُ أعلى منه منزلَة … كأنّه بعدُ لم يخرجْ من التِّيهِ وقال الموفق عبد اللطيف بن يوسف: كان ابن التلميذ كريم الأخلاق، عنده سخاء ومروءة، وأعمال في الطب مشهورة، وحدوس صائبة، منها أنه أدخل إليه رجل منزف يعرق دمًا في الصيف فيسأل تلاميذه، وكانوا قدر خمسين، فلم يعرفوا المرض، فأمره أن يأكل خبز شعير مع باذنجان مشوي، ففعل ذلك ثلاثة أيام، فبرئ، فسأله أصحابه عن العلة، فقال: إن دمه قد رق، ومسامه تفتحت، وهذا الغذاء من شأنه تغليظ الدم ويكثف المسام. قال: ومن مروءته أن ظهر داره كان يلي النظامية، فإذا مرض فقيه نقله إليه، وقام في مرضه عليه فإذا أبل وهبه دينارين وصرفه. وقال الموفق بن أبي أصيبعة (٢): وكان الخليفة قد فوض إليه رياسة الطب، فلما اجتمعوا إليه ليمتحنهم، كان فيهم شيخ له هيئة ووقار فأكرمه، وكان للشيخ دربة ما بالمعالجة من غير علم. فلما انتهى الأمر إليه قال له ابن

стр. 11516

التلميذ: لم لا شاركتم الجماعة في البحث لنعلم ما عندكم من هذه الصناعة؟ فقال: وهل تكلموا بشيء إلا وأنا أعلمه، وسبق إلى فهمي أضعافه؟! قال: فعلى من قرأتم؟ قال: يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذا السن ما يبقى يليق به إلا أن يسأل: كم لكم من التلاميذ. قال: فأخبرني ما قرأت من الكتب؟ قال: سبحان الله! صرنا إلى حد الصبيان، أيقال لمثلي هذا؟ إنما يقال لي: ما صنفتم في الطب؟ وكم لكم من الكتب والمقالات؟ ولا بد أن أعرفك بنفسي. ثم دنا إلى أذن أمين الدولة وقال له سرًا: اعلم بأنني قد شخت وأنا أوسم بالطب، وما عندي إلا معرفة اصطلاحات مشهورة، وعمري كله أتكسب بهذا الفن، ولي عائلة، فسألتك بالله يا سيدنا أن تكاسر عني ولا تفضحني بين الجماعة. فقال: على شرط أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلمه ولا تشير بفصد ولا بإسهال إلا لما قرب من الأمراض. فقال الشيخ: هذا مذهبي مذ كنت وما تعديت شراب الليمون والجلاب. فقال ابن التلميذ للجماعة جهرًا: يا شيخ ما كنا نعرفك فاعذرنا والآن قد عرفناك، فاستمر فيما أنت فيه. وقال ابن أبي أصيبعة (١): حدثني سعد الدين بن أبي السهل البغدادي العواد، قال: رأيت ابن التلميذ، وكان يحب صناعة الموسيقى، وله ميل إلى أهلها، وكان شيخًا ربع القامة، عريض اللحية، حلو الشمائل، كثير النادرة. ومن شعر ابن التلميذ: لو كان يحسن غصن البان مشيتها … تأودا لمشاها غير محتشم في صدرها كوكبا نور أقلهما … ركنان لم يقربا من كف مستلم صانتهما في حريم من غلائلها … فنحن في الحل والركنان في الحرم وله: عانقتها وظلام الليل منسدل … ثم انتبهت ببرد الحلي في الغلس فصرت أحميه خوفا أن ينبهها … وأتقي أن يذوب العقد من نفسي وله: أكثر حسو البيض كيما … يستقيم قيام أيرك ما لا يقوم ببيضتيك … فلا يقوم ببيض غيرك

стр. 11517

وله من الكتب أقراباذين وهو مشهور تداوله الناس، وآخر اسمه الموجز صغير، واختيار كتاب الحاوي للرازي، اختصار شرح جالينوس لفصول أبقراط، شرح مسائل حنين، كناش، مختصر الحواشي على القانون لابن سينا، مقالة في الفصد، وتصانيف سوى ذلك. وتوفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول، وله أربع وتسعون سنة، لا ﵀، وخلف أموالًا جزيلة، وكتبًا فائقة، ورثه ابنه، ثم أسلم ابنه قبل موته، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، وخنق في داره، وأخذ ماله، ونقلت كتبه على اثني عشر حمالا. وكان أمين الدولة قد قرأ الطب على أبي الحسن سعيد بن هبة الله صاحب المصنفات. وذكر الموفق عبد اللطيف أن ولد أمين الدولة كان شيخه في الطب، وأنه انتفع به، وقال: لم أر من يستحق اسم الطب غيره، خنق في دهليزه. قلت: ومن أقارب أمين الدولة الأجل الحكيم: ٣٧٠ - معتمد الملك أبو الفرج يحيى بن صاعد بن يحيى ابن التلميذ. كان بارعًا في الطب رأسا في الفلسفة، له شعر رائق، وله عدة تلاميذ. وقد مدحه الشريف أبو يعلى محمد ابن الهبارية، وكان قد أتاه إلى أصبهان، فحصل له من الأمراء والأعيان مالًا جزيلا، فقال فيه قصيدة منها: نعمى أبي الفرج بن صاعد الذي … ما زال عني في المكاسب نائبا ثقة الخلافة سيد الحكماء … معتمد الملوك الفيلسوف الكاتبا (١) ٣٧١ - ياغي أرسلان بن دانشمند، صاحب ملطية. جرى بينه وبين قلج أرسلان بن مسعود السلجوقي حروب لأنه كان جاره بقونية، وسببها أن قلج أرسلان تزوج بابنة الملك صلتق فجهزت إليه، فنزل ياغي أرسلان فأخذ العروس وجهازها ثم أراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون؛ فقيل له: لا يصلح هذا، فعلمه بعض فقهاء الرأي أن يأمرها بالردة عن الإسلام فارتدت لينفسخ النكاح، ثم أسلمت فزوجها لذي النون. فسار قلج أرسلان

стр. 11518

لقتاله فعملا مصافًا فانهزم قلج أرسلان. وهلك ياغي أرسلان عقب ذلك، وتملك بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد بن دانشمند وأخوه ذو النون واتفقا مع قلج أرسلان. ٣٧٢ - يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم، أبو المظفر الشيباني الوزير عون الدين. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالدور، وهو موضع من سواد العراق، بقرية بني أوقر، ودخل بغداد في صباه، وطلب العلم، وجالس الفقهاء والأدباء وسمع الحديث، وقرأ القراءات، وشارك في فنون عديدة، وكان خبيرًا باللغة، ويعرف النحو والعروض والفقه. وكان مشددًا في السنة واتباع السلف، ثم أمضه الفقر فتعرض للكتابة وولي مشارفة الخزانة، ثم ولي ديوان الزمام للمقتفي بأمر الله، ثم استوزره المقتفي سنة أربع وأربعين فدام وزيره، ثم وزير ولده المستنجد إلى أن مات. وكان من خيار الوزراء دينا وصلاحًا ورأيًا وعقلا وتواضعًا لأهل العلم وبرًا بهم. سمع أبا عثمان بن ملة، وأبا القاسم بن الحصين، ومن بعدهما. وكان يحضر مجلسه الأئمة والفقهاء، ويقرأ عنده الحديث على الرواة، ويجري من البحوث والفوائد عجائب. دخل عليه الحيص بيص مرة، فقال ابن هبيرة: قد نظمت بيتين تقدر أن تعززهما بثالث؟ فقال: وما هما؟ قال: زار الخيال نجيلًا مثل مرسله … فما شفاني منه الضم والقبل ما زارني قط إلا كي يوافقني … على الرقاد فينفيه ويرتحل فقال الحيص بيص من غير روية: وما درى أن نومي حيلة نصبت لوصله حين أعيا اليقظة الحيل ذكره أبو الفرج ابن الجوزي فقال (١): كان يجتهد في اتباع الصواب، ويحذر من الظلم، ولا يلبس الحرير. قال لي: لما رجعت من الحلة دخلت على المقتفي، فقال لي: ادخل هذا البيت وغير ثيابك. فدخلت فإذا خادم وفراش ومعهم خلعة حرير، فقلت: والله ما ألبسها. فخرج الخادم فأخبر المقتفي؛ فسمعت صوته يقول: قد والله قلت إنه ما يلبس. وكان المقتفي

стр. 11519

معجبًا به. ولما استخلف المستنجد دخل عليه فقال له: يكفي في إخلاصي أني ما حابيتك في زمن أبيك. فقال: صدقت. قال: وقال مرجان الخادم: سمعت المستنجد بالله ينشد وزيره وقد مثل بين يديه في أثناء مفاوضة ترجع إلى تقرير قواعد الدين وإصلاح أمور المسلمين، فأعجب المستنجد به، فأنشده لنفسه: ضفت نعمتان خصتاك وعمتا … فذكرهما حتى القيامة يذكر وجودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في الناس ينكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ … مظفر إلا كنت أنت المظفر قال ابن الجوزي (١): وكان مبالغا في تحصيل التعظيم للدولة، قامعًا للمخالفين بأنواع الحيل. حسم أمور السلاطين السلجوقية، وكان شحنةٌ قد آذاه في صباه؛ فلما وزر أحضره وأكرمه. وكان يتحدث بنعم الله، ويذكر في منصبه شدة فقره القديم. وقال: نزلت يومًا إلى دجلة وليس معي رغيف أعبر به. وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء، وكان يبذل لهم الأموال. فكانت السنة تدور وعليه ديون؛ وقال: ما وجبت علي زكاة قط. وكان إذا استفاد شيئًا قال: أفادنيه فلان. أفدته معنى حديث، فكان يقول: أفادنيه ابن الجوزي. فكنت أستحيي من الجماعة. وجعل لي مجلسًا في داره كل جمعة، ويأذن للعوام في الحضور. وكان بعض الفقراء يقرأ عنده كثيرًا، فأعجبه وقال لزوجته: أريد أزوجه بابنتي. فغضبت الأم من ذلك. وكان يقرأ عنده الحديث كل يوم بعد العصر، فحضر فقيه مالكي، فذكرت مسألة، فخالف فيها الجميع وأصر، فقال الوزير: أحمار أنت؟ أما ترى الكل يخالفونك؟! فلما كان في اليوم الثاني قال للجماعة: إنه جرى مني بالأمس على هذا الرجل ما لا يليق، فليقل لي كما قلت له، فما أنا إلا كأحدكم. فضج المجلس بالبكاء، واعتذر الفقيه وقال هو: أنا أولى بالاعتذار. وجعل يقول: القصاص القصاص، فلم يزل حتى قال يوسف الدمشقي: إذ أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير: له حكمه. فقال الفقيه: نعمك علي كثيرة، فأي حكم بقي لي؟ قال: لا بد. قال: علي دين مائة

стр. 11520

دينار. فقال: أعطوه مائة دينار لإبراء ذمته، ومائة لإبراء ذمتي. فأحضرت في الحال. وما أحسن قول الحيص بيص في قصيدته في الوزير: يهز حديث الجود ساكن عطفه … كما هز شرب الحي صهباء قرقف إذا قيل عون الدين يحيى تألق الـ … غمام وماس السمهري المثقف (١) قال (٢): وكان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على ما دخل فيه. ولقد قال لي: كان عندنا بالقرية مسجد فيه نخلة تحمل ألف رطل، فحدثت نفسي أن أقيم في ذلك المسجد، وقلت لأخي محب الدين: أقعد أنا وأنت وحاصلها يكفينا. ثم انظر إلى ما صرت. ثم صار يسأل الله الشهادة ويتعرض لأسبابها. وفي ليلة ثالث عشر جمادى الأولى استيقظ وقت السحر فقاء، فحضر طبيبه ابن رشادة فسقاه شيئًا، فيقال إنه سمه، فمات وسقي الطبيب بعده بنصف سنة سمًا، فكان يقول: سقيت كما سقيت؛ فمات. ورأيت أنا وقت الفجر كأني في دار الوزير وهو جالس، فدخل رجل بيده حربة، فضربه بها، فخرج الدم كالفوارة، فالتفت فإذا خاتم ذهب، فأخذته وقلت: لمن أعطيه؟ أنتظر خادمًا يخرج فأسلمه إليه. فانتبهت فأخبرت من كان معي، فما استممت الحديث حتى جاء رجل فقال: مات الوزير. فقال واحد: هذا محال أنا فارقته في عافية أمس العصر. فنفذوا إلي، فقال لي ولده: لا بد أن تغسله. فغسلته، ورفعت يده ليدخل الماء في مغابنه، فسقط الخاتم من يده حيث رأيت ذلك الخاتم. ورأيت آثارًا بجسده ووجهه تدل على أنه مسموم. وحملت جنازته إلى جامع القصر، وخرج معه جمع لم نره لمخلوق قط، وكثر البكاء عليه لما كان يفعله من البر والعدل، ورثاه الشعراء. قلت: وقد روي عن المقتفي تلك الأحاديث المقتفوية. سمعتها من الأبرقوهي، عن ابن الجواليقي، عنه. وقد شرح صحيحي البخاري ومسلم في عدة مجلدات، وسماه كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح. وألف كتاب العبادات في مذهب أحمد، وأرجوزة في المقصور والممدود، وأخرى في علم الخط، واختصر إصلاح المنطق لابن السكيت.
следующие страницы →