التلميذ: لم لا شاركتم الجماعة في البحث لنعلم ما عندكم من هذه الصناعة؟ فقال: وهل تكلموا بشيء إلا وأنا أعلمه، وسبق إلى فهمي أضعافه؟! قال: فعلى من قرأتم؟ قال: يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذا السن ما يبقى يليق به إلا أن يسأل: كم لكم من التلاميذ. قال: فأخبرني ما قرأت من الكتب؟ قال: سبحان الله! صرنا إلى حد الصبيان، أيقال لمثلي هذا؟ إنما يقال لي: ما صنفتم في الطب؟ وكم لكم من الكتب والمقالات؟ ولا بد أن أعرفك بنفسي. ثم دنا إلى أذن أمين الدولة وقال له سرًا: اعلم بأنني قد شخت وأنا أوسم بالطب، وما عندي إلا معرفة اصطلاحات مشهورة، وعمري كله أتكسب بهذا الفن، ولي عائلة، فسألتك بالله يا سيدنا أن تكاسر عني ولا تفضحني بين الجماعة. فقال: على شرط أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلمه ولا تشير بفصد ولا بإسهال إلا لما قرب من الأمراض. فقال الشيخ: هذا مذهبي مذ كنت وما تعديت شراب الليمون والجلاب. فقال ابن التلميذ للجماعة جهرًا: يا شيخ ما كنا نعرفك فاعذرنا والآن قد عرفناك، فاستمر فيما أنت فيه.
وقال ابن أبي أصيبعة (١): حدثني سعد الدين بن أبي السهل البغدادي العواد، قال: رأيت ابن التلميذ، وكان يحب صناعة الموسيقى، وله ميل إلى أهلها، وكان شيخًا ربع القامة، عريض اللحية، حلو الشمائل، كثير النادرة.
ومن شعر ابن التلميذ:
لو كان يحسن غصن البان مشيتها … تأودا لمشاها غير محتشم
في صدرها كوكبا نور أقلهما … ركنان لم يقربا من كف مستلم
صانتهما في حريم من غلائلها … فنحن في الحل والركنان في الحرم
وله:
عانقتها وظلام الليل منسدل … ثم انتبهت ببرد الحلي في الغلس
فصرت أحميه خوفا أن ينبهها … وأتقي أن يذوب العقد من نفسي
وله:
أكثر حسو البيض كيما … يستقيم قيام أيرك
ما لا يقوم ببيضتيك … فلا يقوم ببيض غيرك
стр. 11517
وله من الكتب أقراباذين وهو مشهور تداوله الناس، وآخر اسمه الموجز صغير، واختيار كتاب الحاوي للرازي، اختصار شرح جالينوس لفصول أبقراط، شرح مسائل حنين، كناش، مختصر الحواشي على القانون لابن سينا، مقالة في الفصد، وتصانيف سوى ذلك.
وتوفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول، وله أربع وتسعون سنة، لا ﵀، وخلف أموالًا جزيلة، وكتبًا فائقة، ورثه ابنه، ثم أسلم ابنه قبل موته، وعاش نحوًا من ثمانين سنة، وخنق في داره، وأخذ ماله، ونقلت كتبه على اثني عشر حمالا.
وكان أمين الدولة قد قرأ الطب على أبي الحسن سعيد بن هبة الله صاحب المصنفات.
وذكر الموفق عبد اللطيف أن ولد أمين الدولة كان شيخه في الطب، وأنه انتفع به، وقال: لم أر من يستحق اسم الطب غيره، خنق في دهليزه.
قلت: ومن أقارب أمين الدولة الأجل الحكيم:
٣٧٠ - معتمد الملك أبو الفرج يحيى بن صاعد بن يحيى ابن التلميذ.
كان بارعًا في الطب رأسا في الفلسفة، له شعر رائق، وله عدة تلاميذ. وقد مدحه الشريف أبو يعلى محمد ابن الهبارية، وكان قد أتاه إلى أصبهان، فحصل له من الأمراء والأعيان مالًا جزيلا، فقال فيه قصيدة منها:
نعمى أبي الفرج بن صاعد الذي … ما زال عني في المكاسب نائبا
ثقة الخلافة سيد الحكماء … معتمد الملوك الفيلسوف الكاتبا (١)
٣٧١ - ياغي أرسلان بن دانشمند، صاحب ملطية.
جرى بينه وبين قلج أرسلان بن مسعود السلجوقي حروب لأنه كان جاره بقونية، وسببها أن قلج أرسلان تزوج بابنة الملك صلتق فجهزت إليه، فنزل ياغي أرسلان فأخذ العروس وجهازها ثم أراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون؛ فقيل له: لا يصلح هذا، فعلمه بعض فقهاء الرأي أن يأمرها بالردة عن الإسلام فارتدت لينفسخ النكاح، ثم أسلمت فزوجها لذي النون. فسار قلج أرسلان
стр. 11518
لقتاله فعملا مصافًا فانهزم قلج أرسلان. وهلك ياغي أرسلان عقب ذلك، وتملك بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد بن دانشمند وأخوه ذو النون واتفقا مع قلج أرسلان.
٣٧٢ - يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم، أبو المظفر الشيباني الوزير عون الدين.
ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالدور، وهو موضع من سواد العراق، بقرية بني أوقر، ودخل بغداد في صباه، وطلب العلم، وجالس الفقهاء والأدباء وسمع الحديث، وقرأ القراءات، وشارك في فنون عديدة، وكان خبيرًا باللغة، ويعرف النحو والعروض والفقه. وكان مشددًا في السنة واتباع السلف، ثم أمضه الفقر فتعرض للكتابة وولي مشارفة الخزانة، ثم ولي ديوان الزمام للمقتفي بأمر الله، ثم استوزره المقتفي سنة أربع وأربعين فدام وزيره، ثم وزير ولده المستنجد إلى أن مات.
وكان من خيار الوزراء دينا وصلاحًا ورأيًا وعقلا وتواضعًا لأهل العلم وبرًا بهم. سمع أبا عثمان بن ملة، وأبا القاسم بن الحصين، ومن بعدهما.
وكان يحضر مجلسه الأئمة والفقهاء، ويقرأ عنده الحديث على الرواة، ويجري من البحوث والفوائد عجائب. دخل عليه الحيص بيص مرة، فقال ابن هبيرة: قد نظمت بيتين تقدر أن تعززهما بثالث؟ فقال: وما هما؟ قال:
زار الخيال نجيلًا مثل مرسله … فما شفاني منه الضم والقبل
ما زارني قط إلا كي يوافقني … على الرقاد فينفيه ويرتحل
فقال الحيص بيص من غير روية:
وما درى أن نومي حيلة نصبت لوصله حين أعيا اليقظة الحيل
ذكره أبو الفرج ابن الجوزي فقال (١): كان يجتهد في اتباع الصواب، ويحذر من الظلم، ولا يلبس الحرير. قال لي: لما رجعت من الحلة دخلت على المقتفي، فقال لي: ادخل هذا البيت وغير ثيابك. فدخلت فإذا خادم وفراش ومعهم خلعة حرير، فقلت: والله ما ألبسها. فخرج الخادم فأخبر المقتفي؛ فسمعت صوته يقول: قد والله قلت إنه ما يلبس. وكان المقتفي
стр. 11519
معجبًا به. ولما استخلف المستنجد دخل عليه فقال له: يكفي في إخلاصي أني ما حابيتك في زمن أبيك. فقال: صدقت. قال: وقال مرجان الخادم: سمعت المستنجد بالله ينشد وزيره وقد مثل بين يديه في أثناء مفاوضة ترجع إلى تقرير قواعد الدين وإصلاح أمور المسلمين، فأعجب المستنجد به، فأنشده لنفسه:
ضفت نعمتان خصتاك وعمتا … فذكرهما حتى القيامة يذكر
وجودك والدنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في الناس ينكر
فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر
ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ … مظفر إلا كنت أنت المظفر
قال ابن الجوزي (١): وكان مبالغا في تحصيل التعظيم للدولة، قامعًا للمخالفين بأنواع الحيل. حسم أمور السلاطين السلجوقية، وكان شحنةٌ قد آذاه في صباه؛ فلما وزر أحضره وأكرمه. وكان يتحدث بنعم الله، ويذكر في منصبه شدة فقره القديم. وقال: نزلت يومًا إلى دجلة وليس معي رغيف أعبر به. وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء، وكان يبذل لهم الأموال. فكانت السنة تدور وعليه ديون؛ وقال: ما وجبت علي زكاة قط. وكان إذا استفاد شيئًا قال: أفادنيه فلان. أفدته معنى حديث، فكان يقول: أفادنيه ابن الجوزي. فكنت أستحيي من الجماعة. وجعل لي مجلسًا في داره كل جمعة، ويأذن للعوام في الحضور. وكان بعض الفقراء يقرأ عنده كثيرًا، فأعجبه وقال لزوجته: أريد أزوجه بابنتي. فغضبت الأم من ذلك. وكان يقرأ عنده الحديث كل يوم بعد العصر، فحضر فقيه مالكي، فذكرت مسألة، فخالف فيها الجميع وأصر، فقال الوزير: أحمار أنت؟ أما ترى الكل يخالفونك؟! فلما كان في اليوم الثاني قال للجماعة: إنه جرى مني بالأمس على هذا الرجل ما لا يليق، فليقل لي كما قلت له، فما أنا إلا كأحدكم. فضج المجلس بالبكاء، واعتذر الفقيه وقال هو: أنا أولى بالاعتذار. وجعل يقول: القصاص القصاص، فلم يزل حتى قال يوسف الدمشقي: إذ أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير: له حكمه. فقال الفقيه: نعمك علي كثيرة، فأي حكم بقي لي؟ قال: لا بد. قال: علي دين مائة
стр. 11520
دينار. فقال: أعطوه مائة دينار لإبراء ذمته، ومائة لإبراء ذمتي. فأحضرت في الحال.
وما أحسن قول الحيص بيص في قصيدته في الوزير:
يهز حديث الجود ساكن عطفه … كما هز شرب الحي صهباء قرقف
إذا قيل عون الدين يحيى تألق الـ … غمام وماس السمهري المثقف (١)
قال (٢): وكان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه، ويندم على ما دخل فيه. ولقد قال لي: كان عندنا بالقرية مسجد فيه نخلة تحمل ألف رطل، فحدثت نفسي أن أقيم في ذلك المسجد، وقلت لأخي محب الدين: أقعد أنا وأنت وحاصلها يكفينا. ثم انظر إلى ما صرت. ثم صار يسأل الله الشهادة ويتعرض لأسبابها. وفي ليلة ثالث عشر جمادى الأولى استيقظ وقت السحر فقاء، فحضر طبيبه ابن رشادة فسقاه شيئًا، فيقال إنه سمه، فمات وسقي الطبيب بعده بنصف سنة سمًا، فكان يقول: سقيت كما سقيت؛ فمات. ورأيت أنا وقت الفجر كأني في دار الوزير وهو جالس، فدخل رجل بيده حربة، فضربه بها، فخرج الدم كالفوارة، فالتفت فإذا خاتم ذهب، فأخذته وقلت: لمن أعطيه؟ أنتظر خادمًا يخرج فأسلمه إليه. فانتبهت فأخبرت من كان معي، فما استممت الحديث حتى جاء رجل فقال: مات الوزير. فقال واحد: هذا محال أنا فارقته في عافية أمس العصر. فنفذوا إلي، فقال لي ولده: لا بد أن تغسله. فغسلته، ورفعت يده ليدخل الماء في مغابنه، فسقط الخاتم من يده حيث رأيت ذلك الخاتم. ورأيت آثارًا بجسده ووجهه تدل على أنه مسموم. وحملت جنازته إلى جامع القصر، وخرج معه جمع لم نره لمخلوق قط، وكثر البكاء عليه لما كان يفعله من البر والعدل، ورثاه الشعراء.
قلت: وقد روي عن المقتفي تلك الأحاديث المقتفوية. سمعتها من الأبرقوهي، عن ابن الجواليقي، عنه.
وقد شرح صحيحي البخاري ومسلم في عدة مجلدات، وسماه كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح. وألف كتاب العبادات في مذهب أحمد، وأرجوزة في المقصور والممدود، وأخرى في علم الخط، واختصر إصلاح المنطق لابن السكيت.
стр. 11521
وولي الوزارة بعده شرف الدين أبو جعفر أحمد ابن البلدي، فأخذ في تتبع آل هبيرة، فقبض على ولديه محمد وظفر ثم قتلهما.
وقال أبو المظفر (١): اضطر ورثة ابن هبيرة إلى بيع ثيابهم وأثاثهم، وبيعت كتب الوزير الموقوفة على مدرسته حتى أبيع كتاب البستان في الرقائق لأبي الليث السمرقندي بدانقين وحبة، وكان يساوي عشرة دنانير، فقال واحد: ما أرخص هذا البستان! فقال جمال الدين بن الحصين: لثقل ما عليه من الخراج. يشير إلى الوقفية. فأخذ وضرب وحبس.
٣٧٣ - يحيى بن محمد بن رزق، أبو بكر الأندلسي.
قال ابن بشكوال (٢): هو من أهل المرية. أخذ عن جماعة من شيوخنا وصحبنا عند بعضهم. وكان محدثًا حافظًا، متيقظًا، عارفًا بالحديث ورجاله، ثقة، دينًا. وقد أخذ عنه. وتوفي بسبتة في شعبان، وكان مولده سنة ثلاث وخمس مائة.
стр. 11522
ومن الذين كانوا في هذه الطبقة ولم أعرف وفياتهم
٣٧٤ - أحمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن علي، القاضي أبو الخطاب الطبري، البخاري، العلامة.
أستاذ في علم الخلاف، قدوة في علم النظر؛ تفقه على والده، والإمام البرهان، وحدث عن أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق، وغيره. وكان مولده في سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم السمعاني، وقال: هو أستاذي في علم الخلاف.
٣٧٥ - أحمد بن الحسن بن سيد، أبو العباس الجراوي (١)، المالقي.
من كبار النحاة والأدباء بالأندلس. حدث عن أبي الحسن بن مغيث.
قال الأبار (٢): توفي نحو الستين، ومن شعره:
وبين ضلوعي للصبابة لوعة … بحكم الهوى تقضي علي ولا أقضي
جنى ناظري منها على القلب ما جنى … فيا من رأى بعضًا يعين على بعض
٣٧٦ - أحمد بن قسي، صاحب (خَلْع النعلين) من أهل الأندلس.
قال عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي (٣): كان في أول أمره يدَّعي الولاية، وكان ذا حيل وشعبذة ومعرفة بالبلاغة، ثم قام بحصن مارتلة، ودعا إلى بيعته، ثم اختلف عليه أصحابه، ودسُّوا عليه من أخرجه من الحصن بحيلة حتى أسلموه إلى الموحدين، فأتوا به عبد المؤمن، فقال له: بلغني أنك دعيتَ إلى الهداية. فكان من جوابه أن قال: أليس الفجر فجرين: كاذب وصادق؟ قال: بلى. قال: فأنا كنت الفجر الكاذب، فضحك عبد المؤمن ثم عفا عنه. ولم يزل بحضرة عبد المؤمن حتى قُتل؛ قتله صاحبٌ له.
قلت: كان سيئ الاعتقاد، فلسفي التصوف، له في (خَلْع النعلين) أوابد ومصائب.
стр. 11523
٣٧٧ - إبراهيم بن أحمد، القاضي أبو إسحاق السلمي الغرناطي، ويعرف بابن صدقة.
روى ببلده عن أبي بكر بن غالب بن عطية، وغيره، وحج فسمع من أبي بكر الطرطوشي، وأبي الحسن ابن الفراء. روى عنه أبو القاسم بن سمجون.
قال الأبار (١): بقي إلى بعد الخمسين.
٣٧٨ - إبراهيم بن عطية بن علي بن طلحة، أبو إسحاق البصري، الضرير، المقرئ، إمام الجامع.
شيخ صالح، ظريف، كثير المحفوظ، سمع من قاضي البصرة أبي عمر محمد بن أحمد النهاوندي. وأحسبه آخر من روى عنه. وسمع ببغداد من مالك البانياسي.
قال ابن الدبيثي (٢): بقي إلى سنة إحدى وخمسين، وحدثنا عنه سعيد ابن محاوش، وأحمد بن مبشر المقرئ، وغيرهما.
٣٧٩ - إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عقيل بن الأشعث. الحكيم أبو إسحاق السمرقندي، المعروف جده بالدغوش.
ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، قال عبد الرحيم السمعاني: سمعت منه جزءًا من حديث قتيبة، قال: أخبرنا علي بن أحمد بن حسن الصيرفي، قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين السمرقندي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد الدزماري (٣) سنة اثنتين وسبعين، قال: حدثنا محمد بن الفضل البلخي، عنه.
٣٨٠ - أحمشاد بن عبد السلام بن محمود، العلامة الواعظ، أبو المكارم الغزنوي، الحنفي.
أحد فحول الفضلاء والعلماء، بحر يتموج، وفجر يتبلج، وهمام فتاك، وحسام بتاك، وفقيه مدره، وفصيح مفوه، وواعظ مذكر. كان بأصبهان، ثم لحق بالعسكر، وولي أرانية وجنزة. ثم لما كان محمد شاه محاصرًا بغداد، ورد أبو
стр. 11524
المكارم هذا من جهة إلدكز، وعبر إلى الجانب الشرقي، كأنه يؤدي رسالة واجتمع بالوزير ابن هبيرة وعاد، فاتهمه محمد شاه ونكبه. ثم عاد إلى جنزة، ومات بعد سنة اثنتين وخمسين وهو في الكهولة.
قال العماد في الخريدة: أنشدني لنفسه:
أمالك رقي ما لك اليوم رقة … على صبوتي والحين من تبعاتها
سألت حياتي إذ سألتك قبلة … لي الربح فيها خذ حياتي وهاتها
٣٨١ - إسماعيل بن علي بن بركات، أبو الفضل الغساني، الدمشقي، المقرئ، ويعرف بابن البجاوي.
من ذرية الإمام يحيى بن يحيى الغساني.
قرأ بالروايات على سبيع بن المسلم. وسمع من الشريف نسيب الدولة، وأبي طاهر الحنائي. وقدم بغداد سنة اثنتين وخمسين، فسمع ولده من أبي الوقت السجزي. ثم مات الولد.
قال ابن النجار: قرأ عليه شيخنا أحمد بن عبد الملك بن باتانة، وعبد الوهاب بن بزغش وأقرأ عنه. وكان عالمًا بالقراءات ووجوهها، صدوقًا، موثقًا.
٣٨٢ - أوحد الزمان الطبيب، واسمه هبة الله بن علي بن ملكا، أبو البركات البلدي.
وولد ببلد وسكن بغداد، وكان يهوديًا فأسلم في أواخر عمره، وخدم المستنجد بالله.
قال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة (١): تصانيفه في غاية الجودة، وكان له اهتمام بالغ في العلوم وفطرة فائقة. وكان مبدأ تعلمه الطب أن أبا الحسن سعيد بن هبة الله كان له تصانيف وتلامذة، ولم يكن يقرئ يهوديًا، وكان أوحد الزمان يشتهي الاجتماع به والتعلم منه، وثقل عليه بكل طريق فما مكنه، فكان يتخادم للبواب ويجلس في الدهليز، بحيث يسمع جميع ما يقرأ على أبي الحسن. فلما كان بعد سنة جرت مسألة وبحثوا فيها، فلم يتجه لهم عنها جوابًا، وبقوا متطلعين إلى حلها، فلما تحقق ذلك منهم أبو البركات، دخل وخدم الشيخ، وقال: يا سيدنا، بإذنك أتكلم في هذه المسألة؟ فقال: قل.
стр. 11525
فأجاب بشيء من كلام جالينيوس، وقال: يا سيدنا، هذا جرى في اليوم الفلاني، في ميعاد فلان، وحفظته. فبقي الشيخ متعجبا من ذكائه وحرصه، واستخبره عن المكان الذي كان يجلس فيه، فأعلمه به فقال: من يكون بهذه المثابة ما نمنعه؟ وقربه وصار من أجل تلاميذه. وكان ببغداد مريض بالماليخوليا، بقي يعتقد أن على رأسه دنًا، وأنه لا يفارقه، وكان يتحايد السقوف القصيرة، ويطأطئ رأسه، فأحضره أبو البركات عنده، وأمر غلامه أن يرمي دنًا بقرب رأسه، وأن يضربه بخشبة يكسره، فزال ذلك الوهم عن الرجل وعوفي، واعتقد أنهم كسروا الدن الذي على رأسه. ومثل هذه المداواة بالأمور الوهمية معتبر عند الأطباء. وقد أضر أبو البركات في آخر عمره، وكان يملي على الجمال بن فضلان، وعلى ابن الدهان المنجم، وعلى يوسف والد عبد اللطيف، وعلى المهذب ابن النقاش كتاب المعتبر. وقيل: إن سبب إسلامه أنه دخل يومًا إلى الخليفة، فقام الحاضرون سوى قاضي القضاة، فلم يقم له لكونه يهوديًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان القاضي لم يوافق الجماعة لكونه يرى أني على غير ملته، فأنا أسلم بين يدي أمير المؤمنين، ولا أتركه ينتقصني. وأسلم. خلف أوحد الزمان أبو البركات ثلاث بنات، وعاش نحو ثمانين سنة.
وحدثني (١) نجم الدين عمر بن محمد ابن الكريدي قال: كان أوحد الزمان وأمين الدولة ابن التلميذ بينهما معاداة، وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصل من اليهود ويلعنهم، فحضر في مجمع فقال أوحد الزمان: لعن الله اليهود. فقال ابن التلميذ: نعم وأبناء اليهود. فوجم لها أوحد الزمان ولم يتكلم. وله كتاب المعتبر، وهو في نهاية الجودة في الحكمة التي هي دين الفلاسفة، ومقالة في سبب ظهور الكواكب ليلًا واختفائها نهارًا، واختصار التشريح، وكتاب أقرباذين، ومقالة في الدواء الذي ألفه وسماه برشعثا، ورسالة في العقل وماهيته وغير ذلك.
من تلامذته: المهذب بن هبل.
مات سنة أربع وتسعين وخمس مائة (٢).
стр. 11526
٣٨٣ - البديع الأصطرلابي
هو بديع الزمان أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي الطبيب الفيلسوف.
قال الموفق ابن أبي أصيبعة (١): كان من الحكماء الفضلاء والأدباء النبلاء، طبيب عالم، وفيلسوف متكلم، غلب عليه الحكمة وعلم الكلام والرياضي، وبرع في النجوم والأرصاد. وكان صديقا لأمين الدولة ابن التلميذ، واجتمع به بأصبهان في سنة عشر وخمس مائة. وكان أوحد عصره في عمل الإصطرلاب وإتقان صنعته، وله شعر كثير. وقد اختصر ديوان أبي عبد الله الحسين بن الحجاج وأسماه المعرب المحمودي؛ ألفه للسلطان محمود بن محمد ولابن القيسراني الشاعر؛ فيه:
أعرب الفضل من بديع الزمان … عن معان عزت على اليونان
ما تلاها لما تلاها ولكن … فاتها حائزا خصال الرهان
فأجابه البديع بأبيات منها:
أيها السيد الذي أطراني … بمديح كالدر قد أطغاني
والذي زاد في محلي وقدري … وأذل الشاني بتعظيم شاني
وترشحت للجواب فأعيا … ني وانسل هاربا شيطاني
مخبلا مختلا يقول اتق الـ … له فما لي بما تروم يدان
أتظن الوهاد مثل الروابي … أم تخال الهجين مثل الهجان؟!
فاكتنفني سرا فشعري يخطئ … حين يبدو لناظر عورتان
٣٨٤ - الحسن بن أحمد بن محمد بن جعفر، شرف القضاة أبو المعالي الكرخي الفقيه الشاهد.
خير متعبد، ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وسمع النعالي، والحسين ابن البسري. كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني، والمسعودي.
٣٨٥ - الحسن بن محمد بن الحسن، أبو المعالي الوثابي، الأصبهاني، الفقيه.
سمع من طراد الزينبي، والرئيس أبي عبد الله الثقفي، وغيرهما. روى عنه
стр. 11527
حفيده أبو الفتح محمد بن محمد بن أبي المعالي.
توفي قريبا من الستين وخمسمائة، وكان من أئمة الفتيا بأصبهان.
٣٨٦ - دري الظافري المصري الأمير.
ولي إمرة الإسكندرية وإمرة دمياط، ثم تزهد، وأقبل على الاشتغال والتحصيل، فبرع في علوم الرافضة، وصنف التصانيف؛ من ذلك كتاب معالم الدين على قواعد الرافضة والمعتزلة، ينكر فيه الرؤية والقدر، وله مصنف في الفقه مشهور بين الرافضة لا بارك الله فيهم، وكان له منزلة عظيمة في دولة الباطنية، وفيه زهد وورع، وكان الصالح بن رزيك يحترمه ويكرمه.
٣٨٧ - رافع بن أبي سهل بن أبي سهل (١)، أبو محمد القصاب اللحام الهروي.
سمع من أبي عبد الله العميري.
قال ابن السمعاني (٢): قيل: كان يشرب الخمر فأحضرناه وتوبناه، فتاب وبكى.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
٣٨٨ - رسلان بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله، الجعبري الأصل، الدمشقي النشار الزاهد القدوة، ﵁.
قال شمس الدين الجزري: رسلان معناه بالتركي أسد، قال: وقال الشيخ نجم الدين محمد بن إسرائيل الشاعر: سمعت المشايخ الذين أدركتهم من أصحابه يقولون: إنه من قلعة جعبر من أولاد الأجناد، صحب شيخه أبا عامر المؤدب، وهو مقبور في القبة التي بظاهر باب توما، وتعرف بتربة الشيخ رسلان في القبر القبلي، والشيخ ﵁ في الأوسط، والشيخ أبو المجد خادم الشيخ رسلان في القبر الثالث. وصحب أبو عامر الشيخ ياسين، وهو صحب الشيخ مسلمة، وهو صحب الشيخ عقيل، وهو صحب الشيخ علي بن عليم، وهو صحب الشيخ أبا سعيد أحمد بن عيسى الخزاز، وهو صحب السري السقطي.
стр. 11528
قال: وكان الشيخ رسلان يعمل في صنعة النشر في الخشب، فذكروا عنه أنه بقي مدة عشرين سنة يأخذ ما يحصل له من أجرته ويعطيها لشيخه أبي عامر، وشيخه يطعمه، فتارة يجوع وتارة يشبع. وقيل عنه - وهو أشهر: إنه كان يقسم أجرته أثلاثا؛ ثلث ينفقه، وثلث يتصدق به، وثلث يكتسي به ولمصالحه. وكان أولا يتعبد بمسجد صغير داخل باب توما جوار بيته ودكان النشر، ثم انتقل إلى مسجد درب الحجر وقعد بالجانب الشرقي منه، وكان ينام هناك. وكان الشيخ أبو البيان في الجانب الغربي، وبقيا على ذلك زمانا يتعبدان، وكل واحد منهما بأصحابه في ناحية من المسجد. ثم خرج إلى ظاهر باب توما إلى مسجد خالد بن الوليد، وهو مكان خيمة خالد لما حاصر دمشق، وعبد الله فيه إلى أن توفي بعد الأربعين وخمسمائة.
وحكى الشيخ داود بن يحيى بن داود الحريري - وكان صدوقا - قال: حكى لي جماعة أن الشيخ رسلان لما شرع في بنيان المعبد، سير إليه الشيخ أبو البيان ذهبا مع بعض أصحابه حتى يصرفه في العمارة، فلما اجتمع به وعرض عليه الصرة قال الشيخ رسلان: ما يستحي شيخك يبعث لي هذا، وفي عباد الله من لو أشار إلى ما حوله لصار ذهبا وفضة! وأشار بيده، فرأى الرسول الطين ذهبا وفضة، وقال: عد إليه. فقال: والله ما بقيت أرجع، بل أكون في خدمتك إلى الموت. وانقطع عنده.
وقال الشيخ داود: كان الشيخ أحمد ابن الرفاعي قد دار النخيل الذي له، وعين على واحدة، وقال لأصحابه: إذا استوت هذه أهديناها للشيخ رسلان. فمر بها بعد مدة فوجد أكثر ما عليها قد راح، فسألهم فقالوا: لم يطلع إليها أحد، لكن في كل يوم يجيء إليها باز أشهب يأكل منها ولا يقرب غيرها، ثم يطير. فقال لهم: الباز الذي يجيء هو الشيخ رسلان، فلذلك يقال له: الباز الأشهب.
قال داود: لما احتضر الشيخ أبو عامر المؤدب سألوه أن يوصي إلى ولده عامر، فقال: عامر خراب، ورسلان عامر. فلما توفي قام الشيخ رسلان مقامه، ولم يجئ من عامر حاله.
قال شمس الدين ابن الجزري: صليت العصر في مسجد كان فيه الشيخ رسلان داخل باب توما، فقال لي يوسف المؤذن: يا سيدي، هذا البئر حفره
стр. 11529
الشيخ رسلان بيده، وأهل هذه الناحية يشربون منه للبركة، ومن أوجعه جوفه أو حصل له ألم يشرب منه فيعافى بإذن الله، وقد جربه جماعة، ثم أراني طبقة وقال: هذا بيت الشيخ رسلان، وإلى جانب الطبقة دكان حياكة، فقال: في هذا المكان كان يعمل بالمنشار، وهنا كلمه المنشار مرتين، وفي الثالثة كلمه وتقطع ثلاث قطع، وقال: يا رسلان، ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت. فترك العمل وجلس في هذا المعبد؛ وهو مسجد صغير. وعاد نور الدين الشهيد اشترى دارا مجاورة للمسجد وكبر وبنى له منارة ووقف عليه.
قال: وحكى لي الشيخ يوسف المؤذن عن الشرف الحصري أن نور الدين الشهيد سير إلى الشيخ رسلان ألف دينار مع مملوك، وقال: إن أخذها منك فأنت حر لوجه الله. فجاء بها إليه وهو يبني المعبد الذي بظاهر دمشق، فقال له: ما يستحي محمود يبعث هذه، وفي عباد الله من لو شاء لجعل ما حوله ذهبا وفضة! فرأى المملوك الحيطان والطين ذهبا وفضة، فتحير وقال: يا سيدي، قد جعل عتقي على قبولك هذا الذهب. فأخذها وصرفها في الحال على المساكين والأرامل والأيتام، ففرقت بحضور المملوك.
وذكر أيضا أن الشيخ رسلان أعطى نور الدين من المنشار الذي كلمه وتقطع قطعة، قال: فأوصى نور الدين لأصحابه وأهله إذا مات أن يضعوها في كفنه.
قلت: والشيخ علي الحريري صحب المغربل صاحب الشيخ رسلان، ويقال: إن هذه القبة بناها الشيخ رسلان على شيخه أبي عامر لما أعطاه بعض التجار مبلغا من المال، فالله أعلم.
ومناقب الشيخ رسلان كثيرة، اقتصرنا منها على هذا، فرحمه الله ورضي عنه، وكان عريا من العلم بخلاف الشيخ أبي البيان.
٣٨٩ - ريحان الحبشي، أبو محمد الزاهد الشيعي.
كان بالديار المصرية بعد الخمسين، وكان من فقهاء الإمامية الكبار، قال ابن أبي طيئ في تاريخه: كان مقيما بالقاهرة، وكان مولى الأمير سديد الدولة ظفر المصري. تفقه على الشيخ الفقيه علي بن عبد الله بن عبد العزيز بن كامل الفقيه المصري، وعليه تخرج، وقرأ عليه في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
стр. 11530
كتاب النهاية (١)، وروى عن ريحان سديد الدين شاذان بن جبريل القمي، وحكى لي أبي مذاكرة قال: كان الفقيه ريحان من أحفظ الناس، كان يكرر على النهاية والمقنعة (٢) والذخيرة (٣)، وقال: ما حفظت شيئا فنسيته. وحدثني أبي عن القاضي الأسعد محمد بن علي المصري قال: كان الفقيه ريحان يصوم جميع الأيام المندوب إلى صومها، وكان لا يأكل إلا من طعام يعلم أصله، وكان إذا قدمت الغلال التقط من الطرقات حبات من الشعير والقمح فيتقوت به، وكان يؤجر نفسه إذا احتاج، وكان لا يصلي النوافل مقابل أحد ويقول: أخاف الرياء. وكان إذا علم أحدا يحب العلم قصده في بيته وعلمه، ولا يأكل له شيئا، وإذا علم أن الطالب محتاج دخل به على الصالح بن رزيك وسلم، فيعلم ابن رزيك أنه جاء في مثوبة، فيقوم لذلك الرجل بجميع ما يحتاج إليه. وكان لا يطأ له على بساط، ولا يزيده أكثر من السلام في باب داره، وكان ابن رزيك يبجله ويعظمه، ويقول: يقولون ما ساد من بني حام إلا اثنان: لقمان وبلال، وأنا أقول: ريحان ثالثهم.
وقيل: إن ريحان هذا منذ تفقه ما نام إلا جالسا، ولا جلس قط إلا على وضوء، وأنه ما ذكر النار إلا وأخذه دمع منها، وكان سريع الدمعة كثير الحب لآل رسول الله ﷺ ، خفيف الرفض.
٣٩٠ - زليخا بنت أحمد بن محمد بن فضلوية الأصبهانية.
سمعت من رزق الله التميمي. روى عنها شيبان بن الحسن الكيمختي، وعمر بن أبي الجيش القصاب؛ شيخا ابن النجار.
٣٩١ - سعيد بن الحسن بن محمد بن سورة، أبو محمد التميمي، النيسابوري الدلال.
سمع عبد الله بن الحسين الوراق، ونصر الله بن أحمد الخشنامي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني جزء الذهلي.
٣٩٢ - شهاب بن سيار بن صاعد بن سيار بن يحيى الكناني، القاضي أبو محفوظ الهروي، أخو القاضي أبي الفتح نصر بن سيار.
стр. 11531
كان يؤثر الانفراد والعزلة، سمع من جده، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
٣٩٣ - عبد الله بن طاهر بن علي بن محمد بن علي بن فارس، أبو المظفر بن أبي المعالي البغدادي الخياط التاجر.
خرج عن بغداد قديما ودخل خراسان والهند، وسكن لوهور وولد له بها، ثم كان يتردد إليها. وحدث عن ثابت بن بندار، وجعفر السراج، والحسين ابن البسري، وأبي بكر الطريثيثي، وأبي غالب الباقلاني، وغانم البرجي، وأبي علي الحداد، وأبي بكر الشيرويي.
قال ابن السمعاني: هو شيخ عالم فاضل، حسن السيرة متواضع، له أنسة بالحديث، يحفظ الأجزاء والكتب التي سمعها والطرق وأسماء شيوخه، وكان ثقة مكثرا، حدث بمرو وبلخ.
روى عنه ابن السمعاني وابنه عبد الرحيم، وولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
٣٩٤ - عبد الله بن محمد بن المظفر بن المتولي، أبو محمد البغوي البناء الفقيه.
قال ابن السمعاني: ولد ببغشور سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وكان فقيها مفتيا ذكيا، تفقه على محيي السنة أبي محمد البغوي، وولي قضاء بغشور مدة، وسمع بنيسابور العباس بن أحمد الشقاني وأبا بكر الشيرويي وجماعة.
روى عنه أبو المظفر عبد الرحيم.
٣٩٥ - عبد الرحمن بن أبي نصر بن محمد بن أبي نصر، أبو أحمد البغوي، شيخ الصوفية ببغداد.
شيخ صالح جواد سخي، يخدم الفقراء. سمع عمر بن أحمد بن محمد البغوي.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وقال: ولد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
стр. 11532
٣٩٦ - عبد الرشيد بن أبي حنيفة النعمان بن عبد الرزاق بن عبد الملك، الإمام أبو الفتح الولوالجي.
إمام فاضل، حسن السيرة. سمع ببلخ أحمد بن محمد الخليلي ومحمد بن الحسين السمنجاني، وببخارى أبا بكر محمد بن الحسين النسفي وأحمد بن أبي سهل وأبا المعين المكحولي واسمه ميمون، وبسمرقند محمد بن محمد بن أيوب القطواني.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: لقيته بقطوان وسمعت منه، ومولده بولوالج سنة سبع وستين وأربعمائة (١).
٣٩٧ - عبد الصمد بن أبي منصور محمد بن عبد الله بن عبد الواحد ابن مندوية، أبو القاسم الأصبهاني الضرير.
سمع أباه، وأبا بكر بن ماجة، ورزق الله. وعنه السمعاني، وقال (٢): كان حيا في سنة خمس وأربعين.
٣٩٨ - عبد العزيز بن عبد الجبار بن ناصر، أبو الفتح الهروي القواس.
شيخ صالح مستور، سمع أبا عبد الله العميري، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وغيره.
٣٩٩ - عبد العزيز بن عبد العزيز بن محمد بن شداد، أبو بكر المعافري الأندلسي الشوذري، وشوذر من عمل جيان.
أخذ عن شريح بن محمد، وأبي بكر ابن العربي، وأبي عبد الله بن أبي الخصال، وجماعة. وكان أديبا كاتبا بليغا مفوها شاعرا.
قال الأبار (٣): توفي في حدود الستين وخمسمائة.
٤٠٠ - عبد الكريم بن علي بن الحسن، الرئيس أبو الفتح العلوي النيسابوري.
شيخ عالم عابد، راغب في الخير، عفيف. سمع إسماعيل بن زاهر
стр. 11533
النوقاني، وأبا عدي محمد بن علي الأبيوردي. روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
٤٠١ - عبد الواحد بن أبي طاهر محمد بن عبد الواحد، أبو القاسم الأصبهاني الشرابي الخباز النشاستجي.
سمع رزق الله التميمي وغيره، وأجاز لابن اللتي في سنة تسع وخمسين.
٤٠٢ - عبد الوهاب بن محمد بن أحمد، أبو علي الهروي النباذاني، ونباذان من قرى هراة، وهو أخو أمة الله وأمة الرحمن.
شيخ مستور، سمع نجيب بن ميمون الواسطي، روى عنه عبد الرحيم.
٤٠٣ - عبد الوهاب بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي، أبو الفضل البغدادي.
تاجر متميز، صاحب صدقات وديانة. سمع أخاه أحمد، وأبا الحسن العلاف، وابن بدران الحلواني. وحدث بسمرقند بمقامات الحريري بسماعه بقوله من مصنفها، سمعها عنه عبد الرحيم (١).
٤٠٤ - عتيق بن علي بن منصور، الإمام أبو بكر المروزي الغازي المقرئ.
فقيه فاضل، مقرئ كامل، ورع قانع، مقل، له تصانيف في القراءات والحساب ومنازل القمر. سمع أبا المظفر منصور ابن السمعاني، وأبا الفتح عبيد الله الهشامي، وغير واحد. روى عنه ابن السمعاني، وولده عبد الرحيم (٢).
٤٠٥ - عثمان بن عطاء ملك بن عبد الجبار بن أبي طاهر، أبو المعالي السمرقندي الخطيب النحوي.
سمع أباه، وأبا بكر محمد بن أحمد البلدي، وأبا القاسم عبيد الله الكشاني، وأبا الحسن الخراط. روى عنه عبد الرحيم.
٤٠٦ - عثمان بن علي بن عثمان، أبو عمرو ابن الإمام الأندلسي الشلبي، نزيل إشبيلية.
стр. 11534
سمع من أبي بكر محمد بن إبراهيم العامري، وأبي عبد الله بن مكي، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة. وكان أديبا بارعا، بليغ القلم واللسان، كاتبا كاملا، وشاعرا محسنا، له مصنف في شعراء عصره.
توفي بعد الخمسين (١).
٤٠٧ - علي بن طويل بن أحمد بن طويل، الشيخ أبو الحسن بن بيضاء القيسي الفاسي.
من ذوي الهمة والشارة والصيانة، تفقه وبرع؛ قرأ الملخص في سنة خمس وتسعين على محمد بن علي الأزدي، وسمع بالأندلس من عبد الله بن أبي جعفر وغيره. حدث عنه ولده أبو الحسين يحيى، ومحمد بن وساخة القروي.
قال ابن فرتون: مات في عشر الستين وخمسمائة.
٤٠٨ - علي بن محمد بن حمزة بن محمد بن حمزة، أبو الحسن الأصبهاني الفلكي الخطاط.
شيخ صالح متميز، سمع الحلية ومسند أحمد من أبي علي الحداد.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه جميع حلية الأولياء بسمرقند، وولد في حدود تسعين وأربعمائة (٢).
٤٠٩ - عمر بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن أحمد، أبو حفص البزدوي السنجي الصابوني، أخو محمد.
سكن بخارى، وسمع أبا محمد عبد الواحد الزبيري الوركي، وأبا صادق أحمد بن حسين، وأبا اليسر محمد بن محمد البزدوي. وولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة.
روى عنه ابن السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وغيرهما (٣).
٤١٠ - عمر بن الفضل بن أحمد، أبو الوفاء ابن المميز الأصبهاني.
شيخ صالح سديد، سمع بإفادة أخيه أحمد من رزق الله التميمي وغيره، وعمر حتى حدث بالكثير، روى عنه أبو سعد السمعاني وغيره.
стр. 11535
٤١١ - القاسم بن محمد بن مبارك، أبو محمد ابن الحاج الأموي الزقاق.
أخذ القراءات بالأندلس عن شريح بن محمد، ومنصور بن الخير. وروى عن أبي عبد الله الخولاني، وجماعة. ونزل مدينة فاس، وتصدر للإقراء، وأخذ الناس عنه؛ أخذ عنه ابن خروف، وهذيل بن محمد، وأبو الصبر أيوب بن عبد الله. وتوفي بسلا في حدود الستين وخمسمائة (١).
٤١٢ - قتيبة بن سعيد بن الفضل، أبو بكر العراقي المفتاحي التاجر.
رجل خير من أهل نيسابور، سمع أبا الحسن علي بن أحمد المديني وغيره، روى عنه عبد الرحيم السمعاني.
٤١٣ - قتيبة بن سعيد الأصبهاني المغازلي.
سمع رزق الله التميمي وغيره، روى عنه شيوخ ابن النجار: محمد بن محمد بن أبي بكر، وعمر بن أبي الجيش القصاب، وأبو بكر شيبان بن الحسن الكيمختي؛ الأصبهانيون، وغيرهم.
٤١٤ - قراطاس بن طنطاش، أبو صالح الظفري البغدادي.
شيخ صعلوك، وهو رأس طبقة البغداديين في لعب الشطرنج. سمع أبا الحسين ابن الطيوري، وهبة الله الموصلي، وابن بيان.
كتب عنه أبو سعد السمعاني، وقال له: إنه ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
٤١٥ - لوط بن علي بن محمد بن عمر، أبو مطيع الباغبان الخباز.
شيخ صالح، سمع أبا مطيع وغيره، وأجاز من أصبهان لعبد الرحيم ابن السمعاني (٢).
٤١٦ - محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو عبد الله ابن الصيقل الفهري المرسي، الملقب أبا هريرة لعنايته بالآثار.
стр. 11536
سمع أبا محمد بن أبي جعفر، وأبا الوليد ابن الدباغ، وأجاز له جماعة. روى عنه أبو بكر بن سفيان وغيره (١).
٤١٧ - محمد بن إبراهيم ابن المنخل، أبو بكر المهري الأديب الشلبي.
أحد الشعراء المجودين، كان يعرف علم الكلام، روى عنه من ديوانه عبد الله بن أحمد الشلبي، فمن شعره:
مضت لي ست بعد سبعين حجة … ولي حركات بعدها وسكون
فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى … يكون الذي لا بد أن سيكون (٢)
٤١٨ - محمد بن الحسن بن محمود، أبو جعفر المروزي البيع.
كان صاحب أموال كثيرة ذهبت في نهب مرو وفي المصادرة، وكان دينا خيرا، سمع ببغداد من أبي القاسم بن بيان، روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني وقال: قال: وزنت لابن بيان دينارا أحمر حتى سمعت منه؛ يعني جزء ابن عرفة. ولد سنة أربع وثمانين.
٤١٩ - محمد بن عبد الحق بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحق، أبو عبد الله الخزرجي القرطبي.
سمع أبا عبد الله محمد بن الفرج مولى ابن الطلاع وأكثر عنه، وعني بالفقه، وطال عمره وعلا سنده، وسمع في الكهولة من أبي محمد بن عتاب وغيره، روى عنه ابنه القاضي أبو محمد عبد الحق وغيره (٣)، وآخر من روى عنه أبو القاسم أحمد بن بقي؛ سمع منه الموطأ وأجاز له، وتوفي قريبا من سنة ستين وخمسمائة.
وقد أجاز لنا عبد الله بن هارون الطائي سنة سبعمائة من المغرب، قال: حدثنا أحمد بن بقي بالموطأ قال: أخبرنا محمد بن عبد الحق قال: أخبرنا ابن الطلاع. وهذا أعلى ما يوجد من الروايات بالمغرب.
٤٢٠ - محمد بن عبد الحميد بن الحسين، العلامة أبو الفتح الأسمندي السمرقندي.
стр. 11537
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسمع الحديث من علي بن عثمان الخراط. وأسمند: من قرى سمرقند.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني، وقال: كان إماما مناظرا، له الباع الطويل في علم الجدل، وصنف التصانيف في علم الخلاف، وشاعت تصانيفه في البلدان.
٤٢١ - محمد بن علي بن عبد الله بن أحمد بن حمدان، أبو سعيد وأبو عبد الله الجاواني الحلوي العراقي، وجاوان: قبيلة من الأكراد سكنوا الحلة.
قدم بغداد في الصبى، وتفقه بها على أبي حامد الغزالي وإلكيا الهراسي حتى برع وتميز. وسمع من الحميدي، وأبي سعد عبد الواحد ابن القشيري، وأبي بكر محمد بن المظفر الشامي القاضي، وجماعة. وقرأ المقامات على الحريري، وكان إماما مناظرا، شرح كتاب المقامات، وله كتاب عيوب الشعر وكتاب الفرق بين الراء والغين. وحدث بإربل والموصل، وسكن البوازيج، وحدث ببغداد قديما بكتاب إلجام العوام للغزالي.
وحدث عنه قاضي أسيوط أبو البركات محمد بن علي الأنصاري، وقال: أخبرنا شيخنا الإمام رضي الدين الجاواني بالموصل في رجب سنة تسع وخمسين وخمسمائة قال: أخبرنا أبو سعد القشيري قراءة عليه ببغداد.
وقال ابن النجار: أخبرنا شهاب المزكي قال: أخبرنا أبو سعد ابن السمعاني قال: أنشدني أبو الفوارس الحسن بن عبد الله بن شافع الدمشقي بمرو قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن علي العراقي لنفسه بإربل:
دعَاني مَن مَلامِكُمَا دَعاني … فداعي الحبِّ للبَلْوَى دعاني
أجاب له الفؤاد ونوم عيني … وسارا في الرفاق وودعاني
فطرفي ساهِرٌ فِي طُولِ ليلي … وقلْبي فِي يد الأشواق عاني
فكيف يصيخ للعُذّال سمعي … ولا عقلي لديَّ ولا جَنَاني؟
وقد قرأ عليه أبو سَعْد أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم المؤدِّب " مقامات الحريريّ " بإربل فِي سنة إحدى وخمسين، وبقي إلى قريب الستين، وعاش ثنتين وتسعين سنة.
стр. 11538
٤٢٢ - محمد بن علي بن محمد بن أبي العاص النفزي، الأستاذ أبو عبد الله الشاطبي، ويعرف ببلده بابن اللايه؛ بتفخيم اللام، وضم الياء بعدها، ثم هاء ساكنة. المقرئ الضرير.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله محمد ابن غلام الفرس الداني، وتصدر للإقراء مدة؛ أخذ عنه القراءات أبو القاسم الرعيني الشاطبي، وأبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة، والقاضي أبو بكر بن مفوز مع تقدمه. وكان موصوفا بالإتقان والديانة.
قال شيخنا أبو حيان: كان حيا في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو والد المقرئ أبي جعفر أحمد بن محمد، وهو الذي خلف أباه أبا عبد الله في الإقراء.
٤٢٣ - محمد بن عمر بن محمد بن العباس بن علي، الأديب أبو الفضل القرشي المخزومي الخالدي، الإشتيخني السغدي، السمرقندي.
كان أديبا، نحويا بارعا، صالحا خيرا، سريع الدمعة، كتب بنفسه أمالي أئمة سمرقند، واختص بالإمام مسعود بن الحسين الكشاني وعليه تفقه، وسمع منه ومن علي بن عثمان الخراط، ومحمود بن مسعود الشعيبي، وجماعة كبيرة. وكان مولده بإشتيخن في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ومات الخراط في سنة عشر، ومات الشعيبي سنة أربع عشرة.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
٤٢٤ - محمد بن أبي القاسم بن محمد الأصبهاني.
روى جزء لوين عن أبي عيسى بن زياد، وعن أبي بكر بن ماجه الأبهري. روى عنه جامع بن إسماعيل - عرف بباله - والأمير أبو المعالي، وابنه غانم بن أبي المعالي بن حيدر الحسيني، ومحمد بن أبي الفتوح السوذرجاني، ومحمد بن أميرك بن حسين الصيرفي، والوجيه محمد بن أبي رشيد بن عبد المطلب الضراب البصري، ومحمد بن محمد بن أبي نصر البقال، وسفيان بن إبراهيم بن منده، وآخرون.
وكان أديبا نبيلا، كنيته أبو بكر الصالحاني.
стр. 11539
٤٢٥ - محمد بن الفضل بن محمد بن منصور، العلامة أبو طاهر البرجي الأصبهاني العروضي.
إمام مناظر فحل، صاحب فنون. سمع أبا المطيع المصري، ومكي بن منصور الكرجي، وجماعة.
عظمه السمعاني وأخذ عنه ببلخ وببخارى في سنة إحدى وخمسين، ثم دخل بلاد الترك (١).
٤٢٦ - محمد بن المجلى ابن الصائغ، أبو المؤيد الجزري الطبيب، المعروف بالعنتري.
عرف بذلك لأنه كان في أول أمره يكتب سيرة عنترة العبسي.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبا مشهورا، وعالما مذكورا، حسن المعالجة والتدبير فيلسوفا، متميزا في علم الأدب، شاعرا. روى السديد محمود بن عمر بن زقيقة (٣) الطبيب عن الحكيم مؤيد الدين ابن العنتري، عن أبيه، له هذه الأبيات:
احفظ بني وصيتي واعمل بها … فالطب مجموع بنص كلامي
قدم على طِبِّ المريضِ عنايةً … فِي حفْظِ قُوَّته مع الأيام
بالشبه تحفظ صحة موجودة … والضد فيه شفاءُ كلِّ سقامِ
أقْلِلْ نِكاحَكَ ما استطعتَ فإنّه … ماء الحياةِ يُراقُ فِي الأرحامِ
واجعلْ طعامَكَ كلَّ يَوْمٍ مرَّةً … وَاحْذَرْ طعامًا قبل هضْم طعامِ
لا تحقر الْمَرَضَ اليسيرَ فإنّه … كالنّار تُصبحُ وهي ذاتُ ضِرامَ
لا تَهْجُرَنّ القيء واهجر كلما … كيموسه سبب إلى الأسقامَ
إنَّ الحمى عَوْنُ الطّبيعة مسعد … شافِ من الأمراضِ والآلامِ
لا تَشْرَبَنَّ بعقِبِ أَكْلٍ عاجِلًا … أو تأكُلَنَّ بعقِب شُربِ مُدام
إيّاكَ تلْزَمْ أكْلَ شيءٍ واحدٍ … فيقود طبعك للأذى بزمام
стр. 11540
في أبيات أخر؛ وهي تنسب أيضا إلى الرئيس ابن سينا، وتنسب إلى المختار بن بطلان.
قال ابن أبي أُصَيْبَعة (١): والّصحيح أنّها للعنْتَري.
وله:
من لزم الصمت اكتسى هيبة … تخفي عن النّاس مساويه
لسان من يعقل فِي قلبه … وقلب من يجهل في فيه
وله:
جردته الحمّام من كلّ ثوبٍ … وأَرَتْني منه الَّذِي كان قَصْدي
بَدَنًا كالصَّباح من تحت ليلٍ … حالِكِ اللّون أسْوَدَ غيرِ جعدِ
سكَبَ الماءَ فوق جسمٍ حكى … الفضَّةَ حَتَّى اكتسى غُلالةَ وَرِد
وله من المصنَّفات كتاب " الحماية " فِي الطبّيعي والإلهي، وكتاب " الأقراباذين " وهو كبير مفيد، وكتاب " رسالة الشعرى اليَمَانية إلى الشعرى الشمالية "، كتبها إلى عرفة النحوي بدمشق، ورسالة يهنئ بها الوزير مروان الذي وزر بعده أتابك زنكي بن آقسنقر، ورسالة " الفرق ما بين الدّهر والزّمان، والكُفر والإيمان "، ورسالة " العشْق الإلهي والطّبيعي "، وكتاب " النّور المُجْتَنى فِي المحاضرة ".
٤٢٧ - محمد بن الفضل بن إسماعيل بن الفضل، أبو الفضل بن كاهويه التميمي الأصبهاني الكاتب.
ولد سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وابن ملة، وخلقا كثيرا بأصبهان وبغداد وخراسان. وخرج لنفسه معجما، وكان كاتبا بليغا ناظما ناثرا مرضي الأخلاق. روى اليسير، وخرج من بغداد سنة تسع وأربعين، وأحسبه توفي بعد الخمسين.
٤٢٨ - السجاوندي، أحد القراء، هو أبو عبد الله محمد بن طيفور الغزنوي السجاوندي المقرئ المفسر النحوي.
له تفسير حسن للقرآن، وكتاب علل القراءات في عدة مجلدات،
стр. 11541
وكتاب الوقف والابتداء في مجلد كبير يدل على تبحره. ولم يبلغني على من قرأ، ولا من أخذ عنه.
ذكره القفطي مختصرا وقال (١): كان في وسط المائة السادسة، ﵀.
٤٢٩ - المبارك بن هبة الله بن علي، أبو المعالي ابن العقاد البغدادي المؤدب.
سمع أبا الحسن الأنباري الخطيب، وأبا عبد الله النعالي. وعنه السمعاني، والمسعودي، وغيرهما.
قال أبو سعد السمعاني: كان صالحا خيرا، من أولاد المحدثين، ولد سنة ثمان أو تسع وستين وأربعمائة.
قلت: وبقي إلى سنة أربع وخمسين.
٤٣٠ - محمود بن أحمد بن الفرج بن عبد العزيز، أبو المحامد الساغرجي السغدي السمرقندي، المعروف بشيخ الإسلام.
قال ابن السمعاني (٢): إمام فاضل بارع، مبرز في أنواع الفضل والتفسير والحديث والأصول والخلاف والوعظ، ومع اجتماع هذه الفضائل هو حسن السيرة، سليم الباطن كثير الخير والعبادة، تارك لما لا يعنيه. ولد سنة ثمانين وأربعمائة، وقال لي: أول ما كتبت الحديث عن شيخ والدي الإمام يوسف بن صالح الخطيبي سنة إحدى وتسعين. وسمع بسمرقند من الحسن بن عطاء السغدي وأبي إبراهيم إسحاق بن محمد النوحي، وببخارى أبا المعين ميمون المكحولي وعلي بن أحمد الكلابادي والبرهان عبد العزيز بن عمر ابن مازة. قرأت عليه تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي، عن النوحي، عن سبط الترمذي، عنه من أوله إلى باب الورع. كتبت عنه بسمرقند، وحج سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
قلت: روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني.
стр. 11542
٤٣١ - محمود بن علي بن نصر بن أبي يعمر، الأديب أبو القاسم النسفي، نزيل سمرقند.
نحوي لغوي فاضل، كان يعلم أولاد الخاقان، وكان خيرا صالحا صدوقا. سمع أبا بكر محمد بن أحمد البلدي، وعبد الله بن أبي جعفر النسفي، وعلي بن عثمان الخراط، وغيرهم.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه أخبار مكة للأزرقي؛ قال: أخبرنا البلدي قال: أخبرنا معتمد بن محمد بن محمد النسفي قال: أخبرنا هارون بن أحمد الإستراباذي، عن إسحاق بن أحمد الخزاعي، عن أبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وتوفي سنة نيف وخمسين (١).
٤٣٢ - محمود بن محمد بن عبد الرحمن، أبو القاسم المروزي التاجر السفار.
سمع أبا المظفر منصورا السمعاني، وعبد الغفار الشيرويي.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: سمعت منه بمرو وسمرقند، وولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
٤٣٣ - مسعود بن محمد بن سعيد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود، أبو الفتح المسعودي المروزي، الخطيب بجامع مرو القديم.
ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وسمع الإمام أبا المظفر السمعاني، ومحمد بن الحسين الخزاعي، وأبا المظفر سليمان بن محمد الصيدلاني.
روى عنه عبد الرحيم ابن السمعاني (٢).
٤٣٤ - مصعب بن محمد بن أحمد بن القاسم، أبو الفرج البغدادي الخشاب.
стр. 11543
سمع أبا عبد الله ابن البسري، وأبا القاسم الربعي. روى عنه عبد العزيز بن الأخضر (١).
٤٣٥ - نصر بن علي بن عيسى بن مختار، أبو عمر الغافقي الأندلسي الشقوري.
سمع جامع الترمذي من أبي علي بن سكرة، وأجاز له من خراسان أبو عبد الله الفراوي وغيره، ولي قضاء شقورة. روى عنه ابن أخيه محمد بن عبد العزيز، وسبطه نصر بن عبد الله (٢)؛ بقي سبطه إلى بعد العشرين وستمائة.
• - هبة الله، هو أوحد الزمان الطبيب، قد تقدم ذكره (٣).
٤٣٦ - الوليد بن الموفق، مولى ابن جديع الأزدي الجياني، أبو الحسن، من أهل وادي آش.
حج وسمع من أبي عبد الله الرازي، وأبي بكر الطرطوشي. وسمع تجريد الصحاح من رزين العبدري وأدخله الأندلس. روى عنه أبو خالد المرواني، وأبو عبد الله المكناسي، وأبو خالد بن رفاعة.
وكان صالحا ذا مشاركة في الفقه والأصول، ونيف على الثمانين. أجاز لأبي محمد بن سفيان في سنة خمسين وخمسمائة (٤).
٤٣٧ - يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن رافع، أبو اليمن ابن تاج القراء الطوسي، أخو أبي الحسن علي.
سمع من مالك البانياسي، ورزق الله بن عبد الوهاب. وكان مولده في سنة سبع وسبعين.
٤٣٨ - يحيى بن عبد الملك بن أحمد بن شعيب، أبو زكريا السدري الكافوري.
ولد بحلب سنة ست وسبعين وأربعمائة، ونشأ ببغداد، وصحب الشيخ حمادا الدباس وجمع كلامه بعد وفاته. وسمع الحديث من أبي الحسين ابن الطيوري، والحسن بن محمد بن عبد العزيز التككي.
стр. 11544
قال ابن السمعاني: شيخ صالح دين، مشتغل بما يعنيه، له سكون وحياء ووقار، كتبت عنه أحاديث (١).
٤٣٩ - يوسف بن آدم بن محمد بن آدم، أبو يعقوب، المراغي ثم الدمشقي، المحدث.
شيخ سني خير، له معرفة قليلة، رحل وسمع من أبي الفضل محمد بن ناصر وجماعة، وحدث بصحيح مسلم عن أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي. وحدث بدمشق وبغداد ونصيبين، ونسخ الكثير، وكان مولده في سنة إحدى عشرة وخمسمائة (٢).
روى عنه عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر، والشيخ أحمد والد الشيخ الموفق، وأبو الخير سلامة الحداد، والفقيه هلال بن محفوظ الرسعني، وغيرهم.
وفي سنة نيف وخمسين ضرب السيف البلخي الواعظ أنف يوسف بن آدم بدمشق فأدماه، فأخرج الملك نور الدين يوسف منفيا من دمشق، ونفي إلى حدود الستين، وانقطع خبره.
قال ابن النجار: حدث بصحيح مسلم، سمعه منه شيخنا عبد الرزاق الجيلي، ومحمد بن مشق. وكان كثير الشغب، مثيرا للفتن بين الطوائف.
وقال أبو الحسن القطيعي: كان إذا بلغه أن قاضيا أشعريا عقد نكاحا فسخ نكاحه، وأفتى أن الطلاق لا يقع في ذلك النكاح، فأثار بذلك فتنا، فأخرجه صاحب دمشق منها فسكن حران، ثم ملكها نور الدين، فطلب منه أن يعود ليرى أمه بدمشق، فأذن له بشرط أن لا يدخل البلد، فجاء ونزل كهف آدم فخرجت أمه إليه، ثم دخل دمشق يوم جمعة فخاف الوالي من فتنه، فأمره بالعود إلى حران فعاد إليها، لقيته بها وكتبت عنه، وبها مات في قرب ربيع الأول سنة تسع وستين (٣).
(آخر الطبقة والحمد لله)
стр. 11545
الطبقة السابعة والخمسون
(٥٦١ - ٥٧٠)
стр. 11546
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وستين وخمسمائة
ظهر في أيام عاشوراء من الرفض ببغداد أمر عظيم حتى سبوا الصحابة، وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحلا ضربوه.
ووقع الرخص حتى أبيعت كارة الدقيق بعشرة قراريط، قال ابن الجوزي (١): وقد اشتريتها في زمن المسترشد باثني عشر دينارا.
وفيها هاجت الكرج على بلاد الإسلام وقتلوا وسبوا، وغنموا ما لا يحصى.
وفيها افتتح نور الدين حصن المنيطرة.
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
وقع الإرجاف بمجيء شملة التركماني إلى قلعة الماهكي، وبعث يطلب ويتنطع، فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب من البلاد، وبعث لحربه أكثر عسكر بغداد.
وقدم الركب، وأخبروا بالأمن والرخص والمياه، وأنهم نقضوا القبة التي بنيت بمكة للمصريين.
وفيها قدم قطب الدين من الموصل للغزو مع عمه نور الدين، فاجتمعا على حمص، وسارا بالجيوش، فأغاروا على بلاد حصن الأكراد، وحاصروا عرقة، وحاصروا حلبة وأخذوها، وأخذوا العريمة وصافيتا، ثم صاموا رمضان بحمص، وساروا إلى بانياس، فنازلوا حصن هونين وأحرقوه. وعزم نور الدين على منازلة بيروت، فوقع خلف في العسكر، فعاد قطب الدين إلى الموصل وأعطاه أخوه بلد الرقة.
стр. 11547
وفيها قال أبو المظفر الجوزي (١): احترقت اللبادين وباب الساعات بدمشق حريقا عظيما صار تاريخا؛ رقد طباخ هريسة على القدر ونام، فاحترقت دكانه، ولعبت النار في اللبادين، وتعدت إلى دور كثيرة، ونهبت أموال عظيمة، وأقامت النار تلعب أياما.
وفيها كان مسير أسد الدين شيركوه المسير الثاني إلى مصر، جهزه السلطان نور الدين بمعظم جيوشه، وقيل: بل جهز معه ألفي فارس، فنزل بالجيزة محاصرا لمصر مدة نيف وخمسين يوما، فاستنجد شاور بالفرنج فدخلوا مصر من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدين من بين أيديهم، وتقدم عن منزلته، ثم وقع بينه وبين المصريين حرب على قلة عسكره وكثرة عدوه، فانتصر فيها أسد الدين، وقتل من الفرنج ألوفا وأسر منهم سبعين فارسا.
قال ابن الأثير (٢): كانت هذه الوقعة من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج الساحلية.
قلت: صدق والله ابن الأثير، وهذه تسمى وقعة البابين، وهو موضع بالصعيد، أدركته فيه الفرنج والمصريون في جمادى الآخرة من السنة، فعمل مشورة فأشاروا بالتعدية إلى الجانب الشرقي والرجوع إلى الشام، وقالوا: إن انهزمنا إلى أين نلتجئ؟ فقال بزغش النوري صاحب الشقيف: من خاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ليأخذن إقطاعنا ويطردنا. فقال أسد الدين: هذا رأيي. وقال صلاح الدين كذلك، فوافق الأمراء، وتعبوا للملتقى، وجعلوا الثقل في القلب حفظا له وتكثيرا للسواد، وأقيم صلاح الدين في القلب، وقال له عمه أسد الدين: إذا حملوا على القلب فلا تصدقوهم القتال وتقهقروا، فإن ردوا عنكم فارجعوا في أعقابهم. ثم اختار هو جماعة يثق بشجاعتهم، ووقف في الميمنة فحملت الفرنج على القلب، فناوشوهم القتال، واندفعوا بين أيديهم على بغيتهم، فتبعتهم الفرنج، فحمل أسد الدين على باقي الفرنج والمصريين فهزمهم،
стр. 11548
ووضع فيهم السيف، فلما عاد الفرنج من حملتهم على القلب رأوا عسكرهم مهزوما، فولوا وانهزموا، ونزل النصر.
ثم سار أسد الدين إلى الصعيد فجبى خراجها، وأقام الفرنج بالقاهرة حتى استراشوا، وقصدوا الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسف ابن أخي أسد الدين، فحاصروها أربعة أشهر، وقاتل أهلها مع صلاح الدين أشد قتال، وكانوا باغضين في دولة بني عبيد لسوء عقائدهم، ثم أقبل أسد الدين بجموعه، فترحل الفرنج عن الإسكندرية.
ثم وقعت مهادنة بين أسد الدين وشاور على أن ينصرف أسد الدين إلى الشام ويعطى خمسين ألف دينار، فأخذها ورجع. واستقر بالقاهرة شحنة للفرنج، وقطيعة مائة ألف دينار في السنة.
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
لم يحج المصريون لما فيه ملكهم من الويل والاشتغال بحرب أسد الدين.
ورخص الورد ببغداد إلى أن أبيع كل ثمانين رطلا بقيراط.
وفيها أنعم السلطان نور الدين على أسد الدين شيركوه بحمص وأعمالها فتملكها، وصارت لذريته إلى دولة الملك الظاهر.
وفيها ولي الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد ابن البلدي وزارة المستنجد بالله، وكان ناظرا بواسط.
وفيها كان حرب ومحاصرة من البهلوان لصاحب مراغة آقسنقر الأحمديلي، ثم وقع الصلح بعد مصاف كبير.
وفيها ولي مشيخة الشيوخ والأوقاف بدمشق وحمص وحماة أبو الفتح عمر بن علي بن حموية.
стр. 11549
سنة أربع وستين وخمسمائة
فيها واقع غلمان الخليفة العيارين بالدجيل، وقتل كثير منهم، وجاءوا برؤوسهم، وأخذ قائدهم، وصلب ببغداد تسعة من اللصوص (١).
وفيها صودر الأمير قايماز ببغداد وأخذ منه ثلاثون ألف دينار، وانكسر بذلك (٢).
وفيها كان مسير أسد الدين إلى مصر المسير الثالث، وذلك أن الفرنج قصدت الديار المصرية في جمع عظيم، وكان السلطان نور الدين في جهة الشمال ونواحي الفرات، فطلعوا من عسقلان، وأتوا بلبيس فحاصروها وملوكها، واستباحوها، ثم نزلوا على القاهرة فحاصروها، فأحرق شاور مصر خوفا من الفرنج، فلما ضايقوا القاهرة بعث إلى ملكهم يطلب الصلح على ألف ألف دينار يعجل له بعضها. فأجابه ملك الفرنج مري إلى ذلك وحلف له، فحمل إليه شاور مائة ألف دينار وماطله بالباقي. وكاتب في غضون ذلك الملك العادل نور الدين يستنجد به، وسود كتابه، وجعل في طيه ذوائب النساء، وواصل كتبه يستحثه، فكان بحلب، فساق أسد الدين من حمص إلى حلب في ليلة.
قال القاضي بهاء الدين يوسف بن شداد (٣): قال لي السلطان صلاح الدين: كنت أكره الناس في الخروج إلى مصر هذه المرة، وهذا معنى قوله: (أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا).
وقال ابن الأثير (٤): حكي عن صلاح الدين قال: لما وردت الكتب من مصر إلى نور الدين أحضرني وأعلمني الحال، وقال: تمضي إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسولي تحثوه على الحضور. ففعلت، فلما سرنا عن حلب ميلا لقيناه قادما، فقال له نور الدين: تجهز. فامتنع خوفا من غدرهم أولا، وعدم ما ينفقه في العسكر آخرا، فأعطاه نور الدين الأموال والرجال وقال: إن
стр. 11550
تأخرت عن مصر سرت أنا بنفسي، فإن ملكها الفرنج لا يبقى معهم بالشام مقام. فالتفت إلي عمي وقال: تجهز يا يوسف. فكأنما ضرب قلبي بسكين! فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالإسكندرية من المشاق ما لا أنساه. فقال عمي لنور الدين: لا بد من مسيره معي، فترسم له. فأمرني نور الدين وأنا أستقيله، وانقضى المجلس. ثم قال نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك. فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به، وكأنما أساق إلى الموت. وكان نور الدين مهيبا مخوفا مع لينه ورحمته، فسرت معه، فلما توفي أعطاني الله من الملك ما كنت أتوقعه (١).
رجعنا إلى ذكر مسير أسد الدين: فجمع الجيوش وسار إلى دمشق، وعرض الجيش، ثم سار إلى مصر في جيش عرمرم، فقيل: كانوا سبعين ألف فارس وراجل. فتقهقر الفرنج لمجيئه، ودخل القاهرة في ربيع الآخر، وجلس في الدست، وخلع عليه العاضد خلع السلطنة، وولاه وزارته، وهذه نسخة العهد:
من عبد الله أبي محمد عبد الله بن يوسف العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجل، الملك المنصور، سلطان الجيوش، ولي الأئمة، مجير الأمة، أسد الدين، هادي دعاة المؤمنين، أبي الحارث شيركوه العاضدي، عضد الله به الدين، وأمتع ببقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته، سلام عليك؛ فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين والأئمة المهديين … ثم أتبع ذلك بخطبتين بليغتين، وأنه ولاه الوزارة، وفوض إليه تدبير الدولة. وكتب هو في أعلى المنشور بخطه: هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فتقلد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا لحملها، والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت بك بنو النبوة، واتخذ للفوز سبيلا، (ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا).
وكان هذا قبل مقتل شاور؛ وهو أن أسد الدين لما دخل القاهرة قام شاور
стр. 11551
بضيافته وضيافة عسكره، وتردد إلى خدمته، فطلب منه أسد الدين مالا ينفقه على جيشه فماطله، فبعث إليه الفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهكاري يقول: إن الجيش طلبوا نفقاتهم، وقد مطلتهم بها وتغيرت قلوبهم، فإذا أبيت فكن على حذر منهم. فلم يؤثر هذا عند شاور، وركب على عادته، وأتى أسد الدين مسترسلا، وقيل: إنه تمارض، فجاء شاور يعوده، فاعترضه صلاح الدين يوسف بن أيوب وجماعة من الأمراء النورية فقبضوا عليه، فجاءهم رسول العاضد يطلب رأس شاور، فذبح وحمل رأسه إليه.
ثم لم يلبث أسد الدين أن حضرته المنية بعد خمسة وستين يوما من ولايته، وقلد العاضد الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأمور، وهو لقبه الملك الناصر، وكتب تقليده القاضي الفاضل، فقام بالسلطنة أتم قيام.
قال العماد في البرق الشامي بعد أن ذكر استباحة الفرنج بلبيس: فأناخوا على القاهرة معولين على المحاصرة في عاشر صفر، فخاف الناس من نوبة بلبيس، فلو أن الفرنج لم يعمدوا بالسوء إلى بلبيس لوثقت منهم القاهرة ولم تدم المحاصرة. وأحرق شاور مصر، وخاف عليها منهم، فبقيت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما، وكان غرضه أن يأمن عليها من العدو الكافر، ثم عرف العجز، فشرع في الحيل ومداواة الغيل، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل له المودة، وأنه يراه لدهره العمدة، فأحسن له العدة، ووفر لرجائه الجدة، وقال: أمهلني حتى أجمع لك الدنانير، وأنفذ لك منها قناطير، وأطمعه في ألف ألف دينار معجلة ومؤجلة، وتوثق منه بمواثيق مستحكمة، ثم قال له: ترحل عنا، وتوسع الخناق، وتترك الشقاق، وعجل له مائة ألف دينار حيلة وخداعا، وواصل بكتبه نور الدين مستصرخا مستنفرا، وفي طيها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة، وبقي ينفذ للفرنج في كل حين مالا، ويطلب منهم إمهالا، حتى أتى الغوث، فسلب أسد الدين القرار، وساق في ليلة إلى حلب، وقال: إن الفرنج قد استحكم في البلاد المصرية طمعهم، وليس في الوجود غيرك من يرغمهم، ومتى تجمع العسكر وكيف تدفعهم؟ فقال له: خزانتي لك، فخذ منها ما تريد، ويصحبك أجنادي. وعجل له بمائتي ألف دينار، وأمر خازنه ولي الدين إسماعيل بأن يعطيه ما يطلب، فقال: أمضي إلى الرحبة لجمع التركمان. وذهب نور الدين ليتسلم قلعة جعبر، وحشد أسد الدين وحشر، وأسرع نور
стр. 11552
الدين بالعود إلى دمشق، وخرجنا إلى الفوار، وأسد الدين هناك في العسكر الجرار، وأطلق لكل فارس عشرين دينارا، ورحلوا على قصد مصر.
وخيم نور الدين بمن أقام معه على رأس الماء، فجاء البشير برحيل الفرنج عن القاهرة عند وصول خبر العسكر، فدخلوا مصر في سابع ربيع الآخر، وتودد شاور إلى أسد الدين وتردد، وتجدد بينهما من الود ما تأكد، ثم ساق العماد نحو ما تقدم، وأنه قتل في سابع عشر ربيع الآخر.
ثم قال: ولما فرغ العسكر بمصر بعد ثلاثة أيام من التعزية بأسد الدين اختلفت آراؤهم، واختلطت أهواؤهم، وكاد الشمل لا ينتظم، فاجتمع الأمراء النورية على كلمة واحدة، وأيد متساعدة، وعقدوا لصلاح الدين الرأي والراية، وأخلصوا له الولاء والولاية، وقالوا: هذا مقام عمه، ونحن بحكمه. وألزموا صاحب القصر بتوليته، ونادت السعادة بتلبيته، وشرع في ترتيب الملك وتربيته، وسلط الجود على الموجود، وبسط الوفور للوفود.
قال القاضي بهاء الدين بن شداد (١): كانت الوصية إلى صلاح الدين من عمه، ولما فوض إليه تاب من الخمر وأعرض عن اللهو. ولقد سمعته يقول لما يسر الله ديار مصر: علمت أنه أراد فتح الساحل، لأنه أوقع ذلك في نفسي.
وقال ابن واصل (٢): لما مات أسد الدين كان ثم جماعة؛ منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين خسرو الهذباني، وسيف الدين علي المشطوب، وشهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين، وكل منهم تطاول إلى الأمر، فطلب العاضد صلاح الدين ليوليه الأمر، حمله على ذلك ضعف صلاح الدين، وأنه لا يجسر على مخالفة، فامتنع وجبن، فألزم وأحضر إلى القصر، وخلع عليه، ولقب بالملك الناصر صلاح الدين، وعاد إلى دار الوزارة، فلم يلتفت إليه أولئك الأمراء ولا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري، وأمال إليه المشطوب، ثم قال لشهاب الدين: هذا هو ابن أختك، وملكه لك. ولم يزل به حتى حلفه له، ثم أتى قطب الدين وقال: إن صلاح الدين قد أطاعه الناس، ولم يبق غيرك وغير عين الدولة، وعلى كل
стр. 11553
حال، فالجامع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه، فلان وحلف. ثم ذهب ضياء الدين واجتمع بعين الدولة الياروقي، وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعا، فلم تنفع رقاه، وقال: لا أخدم يوسف أبدا. وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقهم له.
قال العماد: وكان بالقصر أستاذ خصي يلقب بمؤتمن الخلافة، لأمره نفاذ، وبه في الشدة عياذ، وله بتمحل الحيل لياذ، وعلى القصر استحواذ، فشمر وتنمر، وقال: من كسرى، ومن كيقباذ. وتآمر هو ومن شايعه وبايعه على مكاتبة الفرنج، فكاتبوهم خفية، فاتفق أن تركمانيا عبر بالبير البيضاء (١)، فرأى نعلين جديدين مع إنسان، فأخذهما وجاء بهما إلى صلاح الدين، فوجد في البطانة خرقا مكتوبة مكتومة مختومة، بالشر محتومة، وإذا هي إلى الفرنج من القصر؛ يرجون بالفرنج النصر، فقال: دلوني على كاتب هذا الخط. فدلوه على يهودي من الرهط، فلما أحضروه تلفظ بالشهادتين، واعترف أنه بأمر مؤتمن الخلافة كتبه، واستشعر الخصي العصي، وخشي أن تسقه على شق العصا العصي، فلزم القصر، وأعرض عنه صلاح الدين، ثم خرج إلى قرية له، فأنهض له السلطان صلاح الدين من أخذ رأسه في ذي القعدة.
ولما قتل هذا الخادم غار السودان وثاروا، ومن إسعار السعير استعاروا، وقاموا ثاني يوم قتله وجيشوا، وكانوا أكثر من خمسين ألفا؛ من كل أعبس أغبش، أحمر أحمش، أجرى أجرش، ألسع أليش أسود وأسحم حسامه يحسم، فحسبوا أن كل بيضاء شحمة، وأن كل سوداء فحمة، وحمراء لحمة، وأن كل ما أسدوه من العجاج ما له لحمة، فأقبلوا ونصرائهم زحمة، وما في قلوبهم رحمة، فقال أصحابنا: إن فشلنا عنهم سلونا البقاء، وما في عادتهم العادية شيء من الإبقاء، فهاجوا إلى الهيجا، وكان المقدم الأمير أبو الهيجا، واتصلت الحرب بين القصرين، ودام الشر يومين، وأخرجوا عن منازلهم العزيزة إلى الجيزة، وكانت لهم محلة تسمى المنصورة، فأخربت وحرثت.
стр. 11554
ولما عرف نور الدين النصر، واستقرار ملك مصر، ارتاح سره، وانشرح صدره، وأمد الصلاح بأخيه شمس الدولة تورانشاه.
وأما مملكة الري فكانت بيد إينانج يؤدي حملا إلى إلدكز صاحب أذربيجان، فمنعه سنتين، وطالبه فاعتذر بكثرة الجند والحاشية، فقصده إلدكز، فالتقيا وعملا مصافا، فانهزم إينانج، وتحصن بقلعة، فحصره إلدكز فيها. ثم كاتب غلمان إينانج وأطمعهم، فقتلوه، وسلموا البلد إلى إلدكز، فلم يف لهم بما وعد، وطردهم، وظفر خوارزم شاه بالذي باشر قتل إينانج، فأخذه وصلبه. وأما إلدكز فعاد إلى همذان، وكان هذه المدة قد سكنها (١).
وفيها تملك الأمير شملة صاحب خوزستان بلاد فارس، ثم حشد صاحبها وجمع، وحارب شملة ونصر عليه، فرد شملة إلى بلاده.
وفيها قتل العاضد بالقصر الكامل وأخاه ابني شاور وعمهما في جمادى الآخرة؛ وذلك أنهم لاذوا بالقصر، ولو أنهم جاءوا إلى أسد الدين سلموا، فإنه ساءه قتل شاور.
وفيها كانت الزلزلة العظمى بصقلية، وأهلك خلق كثير، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
سنة خمس وستين وخمسمائة
وردت الأخبار بوقوع زلازل في الشام وقع فيها نصف حلب، ويقال: هلك من أهلها ثمانون ألفا؛ ذكره ابن الجوزي (٢).
وقال العماد: تواصلت الأخبار من جميع البلاد الشامية بما أحدثته الزلزلة بها من الانهدام والانهداد، وأن زلات زلازلها حلت وجلت، ومعاقد معاقلها انحلت واختلت، وألقت ما فيها وتخلت، وأن أسوارها غرتها الأسواء وعرتها، وقرت بها النواكب فنكبتها وما أقرتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأن سماءها انفطرت، وشموسها كورت، وعيونها عورت وغورت. وذكر فصلا طويلا في الزلزلة وتهويلها.
стр. 11555
وقال أبو المظفر ابن الجوزي بعد أن أطنب في شأن هذه الزلزلة وأسهب (١): لم ير الناس زلزلة من أول الإسلام مثلها، أفنت العالم، وأخربت القلاع والبلاد. وفرق نور الدين في القلاع العساكر خوفا عليها؛ لأنها بقيت بلا أسوار.
وفيها نزلت الفرنج على دمياط في صفر، فحاصروها واحدا وخمسين يوما ثم رحلوا خائبين، وذلك أن نور الدين وصلاح الدين أجلبا عليها برا وبحرا، وأغارا على بلادهم.
قال ابن الأثير (٢): بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخلو البلاد من مانع، فلما بلغهم ذلك رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين. وأخرج صلاح الدين في هذه المرة أموالا لا تحصى، حكي لي عنه أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها.
وفيها توجه نور الدين إلى سنجار فحاصرها حصارا شديدا، ثم أخذها بالأمان، ثم توجه إلى الموصل ورتب أمورها، وبنى بها جامعا وقف عليه الوقوف الجليلة.
وفيها دخل نجم الدين أيوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه، وكان يوما مشهودا، وتأدب ابنه صلاح الدين معه، وعرض عليه منصبه.
وفيها سار نور الدين فنازل الكرك، ونصب عليها منجنيقين، وقاتلهم أشد القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم فانهزموا.
وفيها طرق الفرنج حصن عكار من المسلمين، وأسروا أميرها؛ وهو خطلخ العلمدار مملوك نور الدين.
سنة ست وستين وخمسمائة
فيها وفاة المستنجد بالله، وما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض، وكانت ترمي ضوءها على الحيطان، وبويع ابنه المستضيء بالله أبو