بضيافته وضيافة عسكره، وتردد إلى خدمته، فطلب منه أسد الدين مالا ينفقه على جيشه فماطله، فبعث إليه الفقيه ضياء الدين عيسى بن محمد الهكاري يقول: إن الجيش طلبوا نفقاتهم، وقد مطلتهم بها وتغيرت قلوبهم، فإذا أبيت فكن على حذر منهم. فلم يؤثر هذا عند شاور، وركب على عادته، وأتى أسد الدين مسترسلا، وقيل: إنه تمارض، فجاء شاور يعوده، فاعترضه صلاح الدين يوسف بن أيوب وجماعة من الأمراء النورية فقبضوا عليه، فجاءهم رسول العاضد يطلب رأس شاور، فذبح وحمل رأسه إليه.
ثم لم يلبث أسد الدين أن حضرته المنية بعد خمسة وستين يوما من ولايته، وقلد العاضد الملك الناصر صلاح الدين يوسف الأمور، وهو لقبه الملك الناصر، وكتب تقليده القاضي الفاضل، فقام بالسلطنة أتم قيام.
قال العماد في البرق الشامي بعد أن ذكر استباحة الفرنج بلبيس: فأناخوا على القاهرة معولين على المحاصرة في عاشر صفر، فخاف الناس من نوبة بلبيس، فلو أن الفرنج لم يعمدوا بالسوء إلى بلبيس لوثقت منهم القاهرة ولم تدم المحاصرة. وأحرق شاور مصر، وخاف عليها منهم، فبقيت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما، وكان غرضه أن يأمن عليها من العدو الكافر، ثم عرف العجز، فشرع في الحيل ومداواة الغيل، فأرسل إلى ملك الفرنج يبذل له المودة، وأنه يراه لدهره العمدة، فأحسن له العدة، ووفر لرجائه الجدة، وقال: أمهلني حتى أجمع لك الدنانير، وأنفذ لك منها قناطير، وأطمعه في ألف ألف دينار معجلة ومؤجلة، وتوثق منه بمواثيق مستحكمة، ثم قال له: ترحل عنا، وتوسع الخناق، وتترك الشقاق، وعجل له مائة ألف دينار حيلة وخداعا، وواصل بكتبه نور الدين مستصرخا مستنفرا، وفي طيها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة، وبقي ينفذ للفرنج في كل حين مالا، ويطلب منهم إمهالا، حتى أتى الغوث، فسلب أسد الدين القرار، وساق في ليلة إلى حلب، وقال: إن الفرنج قد استحكم في البلاد المصرية طمعهم، وليس في الوجود غيرك من يرغمهم، ومتى تجمع العسكر وكيف تدفعهم؟ فقال له: خزانتي لك، فخذ منها ما تريد، ويصحبك أجنادي. وعجل له بمائتي ألف دينار، وأمر خازنه ولي الدين إسماعيل بأن يعطيه ما يطلب، فقال: أمضي إلى الرحبة لجمع التركمان. وذهب نور الدين ليتسلم قلعة جعبر، وحشد أسد الدين وحشر، وأسرع نور
стр. 11552
الدين بالعود إلى دمشق، وخرجنا إلى الفوار، وأسد الدين هناك في العسكر الجرار، وأطلق لكل فارس عشرين دينارا، ورحلوا على قصد مصر.
وخيم نور الدين بمن أقام معه على رأس الماء، فجاء البشير برحيل الفرنج عن القاهرة عند وصول خبر العسكر، فدخلوا مصر في سابع ربيع الآخر، وتودد شاور إلى أسد الدين وتردد، وتجدد بينهما من الود ما تأكد، ثم ساق العماد نحو ما تقدم، وأنه قتل في سابع عشر ربيع الآخر.
ثم قال: ولما فرغ العسكر بمصر بعد ثلاثة أيام من التعزية بأسد الدين اختلفت آراؤهم، واختلطت أهواؤهم، وكاد الشمل لا ينتظم، فاجتمع الأمراء النورية على كلمة واحدة، وأيد متساعدة، وعقدوا لصلاح الدين الرأي والراية، وأخلصوا له الولاء والولاية، وقالوا: هذا مقام عمه، ونحن بحكمه. وألزموا صاحب القصر بتوليته، ونادت السعادة بتلبيته، وشرع في ترتيب الملك وتربيته، وسلط الجود على الموجود، وبسط الوفور للوفود.
قال القاضي بهاء الدين بن شداد (١): كانت الوصية إلى صلاح الدين من عمه، ولما فوض إليه تاب من الخمر وأعرض عن اللهو. ولقد سمعته يقول لما يسر الله ديار مصر: علمت أنه أراد فتح الساحل، لأنه أوقع ذلك في نفسي.
وقال ابن واصل (٢): لما مات أسد الدين كان ثم جماعة؛ منهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين خسرو الهذباني، وسيف الدين علي المشطوب، وشهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين، وكل منهم تطاول إلى الأمر، فطلب العاضد صلاح الدين ليوليه الأمر، حمله على ذلك ضعف صلاح الدين، وأنه لا يجسر على مخالفة، فامتنع وجبن، فألزم وأحضر إلى القصر، وخلع عليه، ولقب بالملك الناصر صلاح الدين، وعاد إلى دار الوزارة، فلم يلتفت إليه أولئك الأمراء ولا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري، وأمال إليه المشطوب، ثم قال لشهاب الدين: هذا هو ابن أختك، وملكه لك. ولم يزل به حتى حلفه له، ثم أتى قطب الدين وقال: إن صلاح الدين قد أطاعه الناس، ولم يبق غيرك وغير عين الدولة، وعلى كل
стр. 11553
حال، فالجامع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك. ووعده بزيادة إقطاعه، فلان وحلف. ثم ذهب ضياء الدين واجتمع بعين الدولة الياروقي، وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعا، فلم تنفع رقاه، وقال: لا أخدم يوسف أبدا. وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقهم له.
قال العماد: وكان بالقصر أستاذ خصي يلقب بمؤتمن الخلافة، لأمره نفاذ، وبه في الشدة عياذ، وله بتمحل الحيل لياذ، وعلى القصر استحواذ، فشمر وتنمر، وقال: من كسرى، ومن كيقباذ. وتآمر هو ومن شايعه وبايعه على مكاتبة الفرنج، فكاتبوهم خفية، فاتفق أن تركمانيا عبر بالبير البيضاء (١)، فرأى نعلين جديدين مع إنسان، فأخذهما وجاء بهما إلى صلاح الدين، فوجد في البطانة خرقا مكتوبة مكتومة مختومة، بالشر محتومة، وإذا هي إلى الفرنج من القصر؛ يرجون بالفرنج النصر، فقال: دلوني على كاتب هذا الخط. فدلوه على يهودي من الرهط، فلما أحضروه تلفظ بالشهادتين، واعترف أنه بأمر مؤتمن الخلافة كتبه، واستشعر الخصي العصي، وخشي أن تسقه على شق العصا العصي، فلزم القصر، وأعرض عنه صلاح الدين، ثم خرج إلى قرية له، فأنهض له السلطان صلاح الدين من أخذ رأسه في ذي القعدة.
ولما قتل هذا الخادم غار السودان وثاروا، ومن إسعار السعير استعاروا، وقاموا ثاني يوم قتله وجيشوا، وكانوا أكثر من خمسين ألفا؛ من كل أعبس أغبش، أحمر أحمش، أجرى أجرش، ألسع أليش أسود وأسحم حسامه يحسم، فحسبوا أن كل بيضاء شحمة، وأن كل سوداء فحمة، وحمراء لحمة، وأن كل ما أسدوه من العجاج ما له لحمة، فأقبلوا ونصرائهم زحمة، وما في قلوبهم رحمة، فقال أصحابنا: إن فشلنا عنهم سلونا البقاء، وما في عادتهم العادية شيء من الإبقاء، فهاجوا إلى الهيجا، وكان المقدم الأمير أبو الهيجا، واتصلت الحرب بين القصرين، ودام الشر يومين، وأخرجوا عن منازلهم العزيزة إلى الجيزة، وكانت لهم محلة تسمى المنصورة، فأخربت وحرثت.
стр. 11554
ولما عرف نور الدين النصر، واستقرار ملك مصر، ارتاح سره، وانشرح صدره، وأمد الصلاح بأخيه شمس الدولة تورانشاه.
وأما مملكة الري فكانت بيد إينانج يؤدي حملا إلى إلدكز صاحب أذربيجان، فمنعه سنتين، وطالبه فاعتذر بكثرة الجند والحاشية، فقصده إلدكز، فالتقيا وعملا مصافا، فانهزم إينانج، وتحصن بقلعة، فحصره إلدكز فيها. ثم كاتب غلمان إينانج وأطمعهم، فقتلوه، وسلموا البلد إلى إلدكز، فلم يف لهم بما وعد، وطردهم، وظفر خوارزم شاه بالذي باشر قتل إينانج، فأخذه وصلبه. وأما إلدكز فعاد إلى همذان، وكان هذه المدة قد سكنها (١).
وفيها تملك الأمير شملة صاحب خوزستان بلاد فارس، ثم حشد صاحبها وجمع، وحارب شملة ونصر عليه، فرد شملة إلى بلاده.
وفيها قتل العاضد بالقصر الكامل وأخاه ابني شاور وعمهما في جمادى الآخرة؛ وذلك أنهم لاذوا بالقصر، ولو أنهم جاءوا إلى أسد الدين سلموا، فإنه ساءه قتل شاور.
وفيها كانت الزلزلة العظمى بصقلية، وأهلك خلق كثير، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
سنة خمس وستين وخمسمائة
وردت الأخبار بوقوع زلازل في الشام وقع فيها نصف حلب، ويقال: هلك من أهلها ثمانون ألفا؛ ذكره ابن الجوزي (٢).
وقال العماد: تواصلت الأخبار من جميع البلاد الشامية بما أحدثته الزلزلة بها من الانهدام والانهداد، وأن زلات زلازلها حلت وجلت، ومعاقد معاقلها انحلت واختلت، وألقت ما فيها وتخلت، وأن أسوارها غرتها الأسواء وعرتها، وقرت بها النواكب فنكبتها وما أقرتها، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها، وأن سماءها انفطرت، وشموسها كورت، وعيونها عورت وغورت. وذكر فصلا طويلا في الزلزلة وتهويلها.
стр. 11555
وقال أبو المظفر ابن الجوزي بعد أن أطنب في شأن هذه الزلزلة وأسهب (١): لم ير الناس زلزلة من أول الإسلام مثلها، أفنت العالم، وأخربت القلاع والبلاد. وفرق نور الدين في القلاع العساكر خوفا عليها؛ لأنها بقيت بلا أسوار.
وفيها نزلت الفرنج على دمياط في صفر، فحاصروها واحدا وخمسين يوما ثم رحلوا خائبين، وذلك أن نور الدين وصلاح الدين أجلبا عليها برا وبحرا، وأغارا على بلادهم.
قال ابن الأثير (٢): بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه، لخلو البلاد من مانع، فلما بلغهم ذلك رجعوا، وكان موضع المثل: خرجت النعامة تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين. وأخرج صلاح الدين في هذه المرة أموالا لا تحصى، حكي لي عنه أنه قال: ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب وغيرها.
وفيها توجه نور الدين إلى سنجار فحاصرها حصارا شديدا، ثم أخذها بالأمان، ثم توجه إلى الموصل ورتب أمورها، وبنى بها جامعا وقف عليه الوقوف الجليلة.
وفيها دخل نجم الدين أيوب مصر، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه، وكان يوما مشهودا، وتأدب ابنه صلاح الدين معه، وعرض عليه منصبه.
وفيها سار نور الدين فنازل الكرك، ونصب عليها منجنيقين، وقاتلهم أشد القتال، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين، فعطف عليهم فانهزموا.
وفيها طرق الفرنج حصن عكار من المسلمين، وأسروا أميرها؛ وهو خطلخ العلمدار مملوك نور الدين.
سنة ست وستين وخمسمائة
فيها وفاة المستنجد بالله، وما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض، وكانت ترمي ضوءها على الحيطان، وبويع ابنه المستضيء بالله أبو
стр. 11556
محمد الحسن، وأمه أرمنية؛ بايعه الناس وصلى ليومه على المستنجد، ونادى برفع المكوس، ورد مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره من الأعمار؛ قاله ابن الجوزي (١). ثم قال: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قايماز.
وقال العماد الكاتب: أنشأت عن نور الدين كتابا إلى العاضد يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط. وكان قد ورد كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك في مصر خوفا منهم، والاقتصار منهم على صلاح الدين. فقلت: الخادم يهنئ بما نشأه الله من الظفر الذي أضحك سن الإيمان. ثم ذكر أن الفرنج لا تؤمن غائلتهم، والرأي إبقاء الترك بديار مصر.
ولما بلغ نور الدين وفاة أخيه قطب الدين بالموصل توجه ليدبر أحوالها، وكان الخادم فخر الدين عبد المسيح قد تعرض للحكم، وأقام سيف الدين غازي مقام أبيه، فقال نور الدين: أنا أولى بتدبير البلاد، فسار مارا على قلعة جعبر، واستصحب معه العسكر، ثم سير من الرقة العماد الكاتب في الرسلية إلى الخليفة.
ثم حاصر نور الدين سنجار، وهدم سورها بالمجانيق، ثم تسلمها، وسلمها إلى ابن أخيه زنكي بن مودود.
وقصد الموصل فنزل عليها، خاض إليها دجلة من مخاضة دله عليها تركماني. ثم أنعم نور الدين على أولاد أخيه، وأقر غازيا عليها، وألبسه التشريف الذي وصل إليه من الإمام المستضيء. ثم دخل نور الدين قلعة الموصل، فأقام بها سبعة عشر يوما، وجدد مناشير ذوي المناصب، فكتب منشورا لقاضيها حجة الدين الشهرزوري، وتوقيعا لنقيب العلويين، وكتب منشورا بإسقاط المكوس والضرائب، فما أعيدت إلا بعد وفاته.
قال العماد: وكتبت له منشورا أيضا بإسقاط المكوس والضرائب في جميع بلاده.
قال: وحضر مجاهد الدين قايماز صاحب إربل في الخدمة النورية، وزخرفت الموصل بأنوار هداياه. ثم ولى نور الدين سعد الدين كمشتكين بقلعة
стр. 11557
الموصل عنه نائبا، وأمر فخر الدين عبد المسيح أن يكون له في خدمته بالشام مصاحبا، واقتطع عن صاحب الموصل: حران، ونصيبين، والخابور. وعاد إلى سنجار فأعاد عمارة أسوارها، ودخل حلب في رجب.
وكان ثلاثمائة من الفرنج قد أغاروا، فصادفهم صاحب البيرة شهاب الدين محمد بن إلياس بن إيلغازي بن أرتق وهو يتصيد، فقتل وأسر أكثرهم، وقدم بالأسارى على نور الدين، وكان منهم سبعة عشر فارسا فيهم مقدم الإسبتار الأعور بحصن الأكراد، وللعماد الكاتب في شهاب الدين قصيدة مطلعها:
يروق ملوكَ الأرض صيْدُ القَنَائصِ … وصيد شهاب الدين صيد القوامص
وفيها عمل صلاح الدين بمصر حبس المعونة مدرسة للشافعية، وبنى دار الغزل مدرسة للمالكية. وقلد القضاء بديار مصر صدر الدين عبد الملك بن درباس. وخرج بجيوشه فأغار على الرملة وعسقلان وأولي الكفر الخذلان، وهجم ربض غزة، ورجع إلى مصر. وافتتح قلعة أيلة في السنة، غزاها جنده في المراكب واستباحها قتلا وسبيا.
وفيها سار إلى الإسكندرية ليشاهدها ويرتب قواعدها، وسمع بها حينئذ من السلفي.
وفيها اشترى تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب منازل العز بمصر، وصيرها مدرسة للشافعية.
وفي جمادى الآخرة توفي بمصر القاضي ابن الخلال صاحب ديوان الإنشاء بمصر، ولما كبر جلس في بيته. وكان القاضي الفاضل يوصل إليه كل ما كان له.
وفيها ظهر ملك الخزر وفتح دوين؛ وهي بلدة قرب أذربيجان، وقتلوا من المسلمين بها ثلاثين ألفا.
وفيها ظهر بدمشق معز (١) في أخلاط طائفة من الأغبياء، وأظهر التخاييل، ثم ادعى الربوبية فقتل، ولله الحمد.
стр. 11558
سنة سبع وستين وخمسمائة
في هذه السنة دخل نجاح الخادم على الوزير ابن رئيس الرؤساء ومعه خط الخليفة بعزله، وأمر بطبق دواته، وحل أزراره، وإقامته من مسنده، وقبض على ولده أستاذ الدار، ثم نهبت داره ودار ولده، واستنيب ابن جعفر ناظر المخزن في الوزارة (١).
وفيها وقع حريق عظيم ببغداد.
ووصلت رسل صاحب البحرين إلى الخليفة بهدايا.
قال ابن الجوزي (٢): وتكلمت في رمضان بالحلبة، فتاب نحو مائتي رجل، وقطعت شعور مائة وعشرين منهم.
ووصل ابن عصرون رسولا بأن أمير المؤمنين خطب له بمصر، وضربت السكة باسمه، فغلقت أسواق بغداد، وعملت القباب. وكانت قد قطعت من مصر خطبة بني العباس من أكثر من مائتي سنة.
قال العماد (٣) ﵀: استفتح السلطان سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع، وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى بمصر لبني العباس، وعفت البدعة، وصفت الشرعة، وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة. وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء بالقصر، وجلس السلطان صلاح الدين للعزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وتسلم القصر بما فيه من خزائنه ودفائنه.
ولما قتل مؤتمن الخلافة صرف من هو زمام القصر، وصير زمامه بهاء الدين قراقوش، فما دخل القصر شيء ولا خرج إلا بمرأى منه ومسمع، ولا حصل أهل القصر بعد ذلك على صفو مشرع. فلما توفي العاضد احتيط على آل القصر في موضع جعل برسمهم على الانفراد، وقررت لهم الكسوات والأزواد فدامت زمانا، وجمعت رجالهم، واحترز عليهم، ومنعوا من النساء
стр. 11559
لئلا يتناسلوا، وهم إلى الآن محصورون محسورون لم يظهروا. وقد نقص عددهم، وقلص مددهم. وفرق ما في القصر من الحرائر والإماء، وأخذ ما صلح له ولأمرائه من أخاير الذخاير، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، وقلائد الفرائد، والدرة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة. ووصف العماد أشياء عديدة.
قال: واستمر البيع فيما بقي عشر سنين، ومن جملتها الكتب، وكانت خزانة الكتب مشتملة على نحو مائة وعشرين ألف مجلدة. وانتقل إلى القصر الملك العادل سيف الدين أبو بكر لما ناب عن أخيه، واستمرت سكناه فيه. وكان صلاح الدين لا يخرج عن أمر نور الدين، ويعمل له عمل القوي الأمين، ويرجع إلى رأيه المتين. وسير نور الدين إلى الديوان العزيز بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين بن أبي عصرون، وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام:
الحمد لله معلي الحق ومعلنه، وموهي الباطل وموهنه. منها: ولم يبق بتلك البلاد منبر إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وتمهدت جوامع الجمع، وتهدمت صوامع البدع. إلى أن قال: وطالما مرت عليها الحقب الخوالي، وبقيت مائتين وثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين، مملؤة بحزب الشياطين. فملكنا الله تلك البلاد، ومكن لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد والرفض. وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك، ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك. وقال من إنشائه في البشارة إلى الديوان العزيز:
وصارت مصر سوق الفسوق، ودوحة شعب الإلحاد، وموطن دعوة الدعي، ومحل المحال والمحل، وقحط الضلال والجهل، وقد استولت بها جند الشياطين، واستعلت بها دعوة المعطلين، وغلبت بها نجوى المبطلين، وتبطلت الجماعات والجمع، واستفحلت الشناعات والبدع، وأفرخ الشيطان بها وباض، واشتهر الجور واستفاض، واستبدلت العمائم السواد بالبياض.
وللعماد قصيدة منها:
قد خَطَبْنَا للمستضيء بمصر … نائبِ المُصْطَفَى إمام العصْر
стр. 11560
وخذلنا نصرة العضد العا … ضد والقاصِرَ الَّذِي بالقَصْر
وَتَرَكْنَا الدّعِيَّ يدعو ثُبُورا … وهو بالذل تحت حجر وحصر
ووصل الأستاذ عماد الدّين صَنْدَل الطُّوَاشيّ المقتفويّ إلى دمشق رسولًا من دار الخلافة فِي جواب البشارة بالخِلَع والتّشريفات لنور الدّين وصلاح الدين في السنة، ومعه رسولان من الوزير ومن الأمير قُطْب الدّين قايماز. وكان صَنْدَل قد وُلّي أُسْتَاذيَّة الدّار المستضيئة بعد الكمال ابن رئيس الرؤساء. ولبس نور الدّين الخِلَع، وهي فَرَجِيَّة، وجُبَّة، وقباء، وطَوْق ذهب ألف دينار، وحصان بسَرْجٍ خاصّ، وسيفان، ولواء، وحصان آخر بحليته يجنب بين يديه، وقلِّد السّيفين إشارة إلى الجمْع لَهُ بين مصر والشّام. وخرج فِي دَسْت السَّلْطَنة، واللّواءُ منشور، والذّهبُ منثور إلى ظاهر دمشق، وانتهى إلى آخر الميدان ثمّ عاد.
وسُيِّر إلى صلاح الدّين تشريف فائقٌ، لكنّه دون ما ذكرناه لنور الدّين بقليل، فكان أوّل أهبة عبّاسيَّة دخلت الدّيار المصريَّة، وقضى أهلها منها العجب، وكان معها أعلام وبُنُود وأهب عبّاسيَّة للخُطَبَاء بمصر. وسيَّر إلى العماد الكاتب خلعةً ومائة دينار من الدّيوان. قَالَ: فسيَّرت إلى الوزير هذه المدْحة واستزدتُ المِنْحَة، وهي:
عسى أن تعودَ ليالي زُرُودِ
وهي طويلة، منها:
نُحُولي من ناحلاتِ الخُصُور … ومَيْلي إلى مائلات القُدُودِ
وتطميني طاميات الوِشاحِ … وتعلُّقني عَلَقات العُقُودِ
وما العَيْشُ إلّا مَبِيتُ المُحِبّ … فوق التّرائب بين النُّهُودِ
وما كنت أعلم أنّ الظِّبا بوجـ … ـره قانصات الأسود
وخيل بنت لنجوم الصعاد … كما العجاج بأرض الصعيد
سوابق قد ضمرت للطراد … بكل عتاق من الجرد قود
فتخفق منها قلوبُ العِداةِ … كما خَفَقَتْ عَذَباتُ البُنُودِ
أدالت بمصرَ لِداعي الهُداةِ … وانتقمت من دَعِيّ الْيَهُودِ
стр. 11561
يعني بدعي اليهود: العاضد؛ لأن جدهم عبيد الله قد جاء أنه يهودي الأصل.
وقال ابن الأثير (١):
فصل في انقراض الدولة المصرية وإقامة الدولة العباسية بمصر (٢)
وذلك في المحرم سنة سبع، فقطعت خطبة العاضد، وخطب فيها للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وسبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت قدمه، وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه نور الدين يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين وامتناعهم، فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك. واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه كيف الابتداء؟ فمنهم من أقدم على المساعدة، ومنهم من خاف. وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم، قد رأيته بالموصل، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدي بها. فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر ذلك أحد. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد، ففعل ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان. والعاضد شديد المرض، فتوفي يوم عاشوراء، واستولى صلاح الدين على القصر وما حوى، وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفيسة ما لم يكن عند ملك من الملوك، فمنه القضيب الزمرد، طوله نحو قبضة ونصف، والجبل الياقوت، ومن الكتب التي بالخطوط المنسوبة نحو مائة ألف مجلد.
وذكر أشياء، ثم قال (٣): وفي هذه السنة حدث ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين؛ أرسل نور الدين إليه يأمره بجمع الجيش والمسير لمنازلة الكرك، ليجيء هو بجيشه ويحاصرانها. فكتب إلى نور الدين يعرفه أنه قادم، فرحل على قصد الكرك وأتاها، وانتظر وصوله، فأتاه كتاب يعتذر باختلال البلاد، فلم يقبل عذره. وكان خواص صلاح الدين خوفوه من الاجتماع، وهم
стр. 11562
نور الدين بالدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ صلاح الدين ذلك، فجمع أهله وأباه وخاله الأمير شهاب الدين الحارمي وسائر الأمراء وأطلعهم على نية نور الدين، واستشارهم فسكتوا، فقال ابن أخيه تقي الدين عمر: إذا جاء قاتلناه. ووافقه غيره من أهله، فسبهم نجم الدين أيوب واحتد، وكان ذا رأي ومكر، وقال لتقي الدين: اسكت. وزبره، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك، وهذا خالك، أتظن أن في هؤلاء من يريد لك الخير مثلنا؟ فقال: لا. فقال: والله لو رأيت أنا وهذا نور الدين لم يمكننا إلا أن ننزل ونقبل الأرض، ولو أمرنا بضرب عنقك لفعلنا، فما ظنك بغيرنا؟! فكل من تراه من الأمراء لو رأى نور الدين لما وسعه إلا الترجل له، وهذه البلاد له، وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء؟ بل يطلبك بكتاب. وتفرقوا، وكتب أكثر الأمراء إلى نور الدين بما تم، ولما خلا بولده قال: أنت جاهل، تجمع هذا الجمع وتطلعهم على سرك، ولو قصدك نور الدين لم تر معك أحدا منهم. ثم كتب إلى نور الدين بإشارة والده نجم الدين يتخضع له، ففتر عنه.
قال العماد (١): وكان نور الدين لا يقيم في البلد أيام الربيع والصيف محافظة على الثغر وصونا من الحيف، ليحمي البلاد بالسيف. وهو متشوف إلى أخبار مصر وأحوالها، فرأى اتخاذ الحمام المناسب، وتدريجها على الطيران لتحمل إليه الكتب بأخبار البلدان. وتقدم إلي بكتب منشور لأربابها، وإعذار أصحابها، ونودي بالتهديد لمن اصطاد منها شيئا.
قال: وفي رجب فوض إلي نور الدين المدرسة التي عند حمام القصير، وهي التي أنا منذ قدمت دمشق فيها ساكن، وكان فيها الشيخ الكبير ابن عبد، وقد استفاد من علمه كل حر وعبد، فتوفي وخلف ولدين استمرا فيها على رسم الوالد، ودرسا بها، فخدعهما مغربي بالكيمياء فلزماه، وافتقرا به وأغنياه، وغاظ نور الدين ذلك، وأحضرهما ووبخهما، ورتبني فيها مدرسا وناظرا.
وفيها عبرت الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم، فجمع خوارزم شاه ابن أرسلان بن آتسز بن محمد جيوشه وقصدهم، فمرض، فجهز الجيش
стр. 11563
للملتقى، فالتقوا واشتد الحرب، ثم انهزم الخوارزميون، وأسر مقدمهم ورجعت الخطا.
سنة ثمان وستين وخمسمائة
قال ابن الجوزي (١): جلست يوم عاشوراء بجامع المنصور، فحضر من الجمع ما حزر بمائة ألف. وفيها وقعت الأراجيف بمجيء العسكر من همذان، فأخذ الخليفة في التجنيد وعمارة السور، وجمع الغلات وعرض العساكر.
وعمل ختان إخوة الخليفة وأقاربه، فتفرقت الخلع، وذبح ألف رأس غنم، وثلاثة آلاف دجاجة، وعشرون ألف خشكنانكة (٢)، وغير ذلك.
وفي رجب تقدم إلي بالجلوس بباب بدر ليسمع الخليفة، فكنت أجلس أسبوعا وأبو الخير القزويني أسبوعا، إلى آخر رمضان، وجمعي عظيم، وجمعه يسير. ثم شاع أن أمير المؤمنين لا يحضر إلا مجلسي، وكانت زيادة عظيمة ببغداد.
قال ابن الأثير (٣): وفيها سار طائفة من الترك مع قراقوش مملوك تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين إلى جبال نفوسة، فاجتمع به بعض المقدمين هناك، فاتفقا وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب فحاصراها مدة، ثم فتحت، فاستولى عليها قراقوش وسكنها، وكثرت عساكره.
وفيها افتتح شمس الدولة أخو صلاح الدين برقة على يد غلام له تركي، ثم سار وافتتح اليمن بعد ذلك، وقبض على ابن مهدي الخارج باليمن؛ وكان شابا أسود، منحل الاعتقاد.
وفيها سار صلاح الدين بعساكر مصر يريد الكرك، وإنما بدأ بها لقربها إليه، وكانت تمنع من يقصد الديار المصرية، وتقطع القوافل، فحاصرها وقاتل الفرنج، ثم رجع ولم يفتحها.
وفيها مات خوارزم شاه أرسلان وملك بعده ابنه الصغير محمود، وكان
стр. 11564
ابنه الكبير علاء الدين تكش غائبا نائبا لأبيه على الجند، فاستنجد بالخطا وأقبل بهم، فاستعان أخوه محمود بصاحب نيسابور المؤيد، وعملوا المصاف، فأسر المؤيد وذبح صبرا، وهرب محمود وأسرت أمه فيما بعد، وقتلت، وثبت قدم تكش في الملك، فجاءته رسل صاحب الخطا بأمور مشقة واقتراحات صعبة، فقتل كل من عنده من الخطا، ونبذ إلى ملك الخطا، فسار محمود إلى ملك الخطا فجهز معه جيشا، فنازل خوارزم وحصرها، فأمر تكش بإجراء ماء جيحون فكادوا يغرقون، فرحلوا وندموا، فسار محمود بهم فأخذ مرو، فعادت الخطا إلى بلادها؛ وجعل محمود الغز من دأبه، وحاربهم وأوطأهم ذلا، ثم افتتح مدينة سرخس سنة ست وسبعين، ثم أخذ طوس.
وأما نيسابور ومملكتها فتولاها طغان شاه بعد والده المؤيد، وكان لعابا مسرفا على نفسه، ملك أربع عشرة سنة ومات (١).
وفيها - في جمادى الأولى - هزم مليح بن لاون الأرمني النصراني صاحب بلاد الدروب وسيس عسكر الروم، لعنهم الله معا، وذلك أن نور الدين ﵀ كان قد استخدم صاحب سيس هذا وأقطعه واستماله، وظهر له منه نصحه، وكان ملازما لخدمة نور الدين، معينا له على الفرنج، ولما قيل لنور الدين في معنى استخدامه وإعطائه بلاد سيس قال: أستعين به على قتال أهل ملته وأريح طائفة من عسكري، وأجعله سدا بيننا وبين صاحب القسطنطينية. فجهز إليه صاحب الروم جيشا كثيفا، فالتقاهم، ومعه طائفة من عسكر المسلمين، فهزمهم، وكثر القتل والأسر في الروم، وقويت شوكة مليح (٢).
وفيها سار نور الدين إلى بلاد الشرق، فصلى في جامع الموصل الذي بناه، وتصدق بمال عظيم، ثم رد وقطع الفرات، وقصد ناحية الروم فافتتح بهسنا ومرعش، ورد إلى الشام ومعه ابن الدانشمند ووعده بخلاص بلاده، فبعث قلج أرسلان إلى نور الدين يخضع له، وأن يرد إلى ابن الدانشمند قلاعه، فشرط عليه نور الدين تجديد إسلامه، لأن قلج أرسلان اتهم بالزندقة،
стр. 11565
وأنه متى طلب منه عسكره ينجده به، وأن يزوج بنت قلج أرسلان بابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل. ففعل، وبعث نور الدين في خدمة ابن الدانشمند عسكرا صحبة الأمير فخر الدين عبد المسيح إلى ملطية وسيواس، فلما مات نور الدين عادت البلاد إلى قلج أرسلان.
وفيها قدم القطب النيسابوري من حلب إلى دمشق، فدرس بالغزالية.
وشرع نور الدين في بناء مدرسة للشافعية، ووضع محرابها، فمات ولم يتمها. وبقي أمرها على حاله إلى أن أزال الملك العادل ذلك البناء وعملها مدرسة عظيمة؛ فهي العادلية.
سنة تسع وستين وخمسمائة
في المحرم وقع حريق بالظفرية، فاحترقت مواضع كثيرة (١).
قال ابن الجوزي (٢): وجلست يوم عاشوراء في جامع المنصور، فحزر الجميع بمائة ألف. كذا قال.
قال (٣): وسألني في ربيع الأول أهل الحربية أن أعمل عندهم مجلسا، فوعدتهم ليلة، فانقلبت بغداد وعبر أهلها، وتلقيت بشموع حزرت بألف شمعة، وما رأيت البرية إلا مملوءة بالضوء، وكان أمرا مفرطا، فلو قال قائل: إن الخلق كانوا ثلاثمائة ألف لما أبعد.
وفي رجب وصل ابن الشهرزوري (٤) بتحف وتقادم للخليفة من نور الدين، وفيها حمار مخطط كثوب عتابي، وخرج الخلق للفرجة عليه وكان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوى، وهو بليد ناقص الفضيلة، فقال رجل: إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي، فنحن عندنا عتابي حمار.
وفيها ولي أبو الخير القزويني تدريس النظامية ببغداد.
وخرج ابن أخي شملة التركماني، ويعرف بابن سنكة (٥)، وأخذ قلعة
стр. 11566
بنواحي باذرايا ليتخذها عونا له على الإغارة، فسارت لقتاله العساكر، فالتقوا، فطحن الميمنة، ثم حمي القتال وظفروا به، وجيء برأسه إلى بغداد (١).
وفيها وقع برد بالسواد هدم الدور، وقتل جماعة وكثيرا من المواشي؛ وقال ابن الجوزي (٢): فحدثني الثقة أنهم وزنوا بردة فكانت سبعة أرطال. قال: وكان عامته كالنارنج.
وفي رمضان زادت دجلة زيادة عظيمة على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر، وخرج الناس إلى الصحراء، وأيسوا من البلد، وضجوا إلى الله بالبكاء، وانهدمت دور كثيرة بمرة، وكان آية من الآيات، وهلكت قرى ومزارع لا تحصى، ونصب يوم الجمعة منبر خارج السور، وصلى الخطيب بالناس هناك.
وفي الجمعة الأخرى جمعوا بمسجد التوثة، ودام الغرق أياما، وكثر الابتهال إلى الله، وبقي الخلق والأمراء كلما سدوا بثقا وتعبوا عليه غلبهم الماء وخربه، أو انفتح آخر غيره.
وجاءت أمطار هائلة بالموصل، ودامت أربعة أشهر حتى تهدم بها نحو ألفي دار، وهلك خلق تحت الردم، وزادت الفرات زيادة كبيرة، وفاضت حتى أهلكت قرى ومزارع. ومن العجائب أن هذا الماء على هذه الصفة، ودجيل قد هلكت مزارعه بالعطش.
وتوفي السلطان نور الدين فتجدد بحلب بعد موته اختلاف بين السنة والرافضة، فقتل من الطائفتين خلق، ونهب ظاهر البلد.
وكان مما قدم به ابن الشهرزوري من البشارة فتح اليمن، وكسر الفرنج مرة ثانية، ومقدمهم الدوقش، وكان أسيرا عند نور الدين، أسره نوبة حارم، ففداه بخمسة وخمسين ألف دينار وخمسمائة ثوب أطلس، وفي كتابه يقول: ولم ينج من عشرة آلاف غير عشرة حمر مستنفرة، فرت من قسورة.
وذكر ابن الأثير (٣) أن صلاح الدين لما استولى على مصر وأراد أن
стр. 11567
يستبد بالأمر خاف من نور الدين، وعرف أنه ربما يقصده ويأخذ منه مصر، فشرع هو وأهل بيته في تحصيل مملكة تكون لهم ملجأ إن قصدهم، فجهز أخاه تورانشاه إلى النوبة فافتتح منها. فلما عاد تجهز إلى اليمن بقصد عبد النبي صاحب زبيد وطرده عن اليمن، وحسن لهم ذلك عمارة اليمني، فسار في أكمل الهيبة والأهبة فلم يثبت له أهل زبيد، وانهزموا، فعمد العسكر إلى سور زبيد، ونصبوا السلالم وطلعوا، فأسروا عبد النبي وزوجته الحرة، وكانت صالحة كثيرة الصدقة، فعذبوا عبد النبي، واستخرجوا منه أموالا كثيرة، ثم سار تورانشاه إلى عدن، وهي لياسر، فهزموه وأسروه. ثم سار فافتتح حصون اليمن، وهي قلعة تعز وقلعة الجند، واستناب بعدن عز الدين عثمان ابن الزنجبيلي، وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ، زاد أبو المظفر السبط، فقال (١): يقال إنه افتتح ثمانين حصنا ومدينة، وقتل عبد النبي بن مهدي.
وذكر ابن أبي طيئ قال: في هذه السنة وصل الموفق ابن القيسراني إلى مصر رسولا من نور الدين، فاجتمع بصلاح الدين وأنهى إليه رسالة، وطالبه بحساب جميع ما حصله من ارتفاع البلاد فشق ذلك عليه، وأراد شق العصا ثم ثاب، وأمر النواب بالحساب، ثم عرضه على ابن القيسراني، وأراه جرائد الأجناد بالإقطاع. ثم أرسل معه هدية على يد الفقيه عيسى، وهي ختمة بخط ابن البواب، وختمة بخط مهلهل، وختمة بخط الحاكم البغدادي، وربعه مكتوبة بالذهب بخط يانس، وربعة عشرة أجزاء بخط راشد، وثلاثة أحجار بلخش، وست قصبات زمرد، وقطعة ياقوت وزن سبعة مثاقيل، وحجر أزرق ستة مثاقيل، ومائة عقد جوهر وزنها ثمانمائة وسبعة وخمسون مثقالا، وخمسون قارورة دهن بلسان، وعشرون قطعة بلور، وأربع عشرة قطعة جزع، وإبريق يشم، وطست يشم، وصحون صيني، وزبادي أربعون، وكرتان عود قماري وزن إحداهما ثلاثون رطلا بالمصري، والأخرى أحد وعشرون، ومائة ثوب أطلس، وأربعة وعشرون
стр. 11568
بقيارا مذهبة، وخمسون ثوبا حرير، وحلة فلفلي (١) مذهب، وحلة مرايش صفراء، وغير ذلك من القماش قيمتها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار، وعدة من الخيل والغلمان والجواري والسلاح، ولم تصل إلى نور الدين؛ لأنه مات، فمنها ما أعيد ومنها ما استهلك، لأن الفقيه عيسى وابن القيسراني وضعا عليها من نهبها واستبدا بأكثرها. وقيل: ردت كلها إلى صلاح الدين، وكان معها خمسة أحمال مالا.
وتحركت الفرنج بالسواحل، وكان بدمشق الملك الصالح إسماعيل ابن السلطان نور الدين، صبي عمره عشر سنين أو أكثر، فاستنجد بصلاح الدين صاحب مصر. وبلغ صلاح الدين نزول الملاعين على بانياس، فصالحهم الأمراء وأهل دمشق، وهادنوهم على مال وأسارى يطلقون. فكتب إلى جماعة يوبخهم، فكتب إلى الشيخ شرف الدين ابن أبي عصرون يخبره أنه لما أتاه كتاب الملك الصالح تجهز للجهاد وخرج، وسار أربع مراحل، فجاءه الخبر بالهدنة المؤذنة بذل الإسلام، من رفع القطيعة، وإطلاق الأسارى، وسيدنا المسيح أول من جرد لسانه الذي تغمد له السيوف وتجرد. وكتب في ذي الحجة من السنة.
مصرع الذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد
كانت دولة العاضد وذويه لذيذة لأناس، وهم يتقلبون في نعيمها، فأخروا وأبعدوا، فذكر جمال الدين بن واصل (٢) وغيره أن في سنة تسع وستين أراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى العاضد، فكان منهم عمارة اليمني وعبد الصمد الكاتب والقاضي هبة الله ابن كامل وداعي الدعاة ابن عبد القوي وغيرهم من الجند والأعيان والحاشية، ووافقهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدين، وعينوا الخليفة والوزير، وتقاسموا الدور؛ واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية والشام يقصدون مصر ليشغلوا صلاح الدين بهم ويحلو لهم الوقت، ليتم أمرهم ومكرهم،
стр. 11569
وقال لهم عمارة اليمني: أنا قد أبعدت أخاه تورانشاه إلى اليمن خوفا من أن يسد مسده، وقرروا الأمور، وكاد أمرهم أن يتم، وأبى الله إلا أن يتم نوره، فأدخلوا في الشورى الواعظ زين الدين علي بن نجا، فأظهر لهم أنه معهم، ثم جاء إلى صلاح الدين فأخبره، وطلب من صلاح الدين ما لابن كامل من الحواصل والعقار، فبذل له، وأمره بمخالطتهم وتعريف شأنهم، فصار يعلمه بكل متجدد. فجاء رسول ملك الفرنج بالساحل إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، وفي الباطن إليهم. وأتى الخبر إلى صلاح الدين من أرض الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق إليه من النصارى، فداخل الرسول فأخبره بحقيقة الأمر.
وقيل: إن عبد الصمد الكاتب كان يلقى القاضي الفاضل بخضوع زائد، فلقيه يوما فلم يلتفت إليه، فقال القاضي الفاضل: ما هذا إلا لسبب. فأحضر ابن نجا الواعظ وأخبره الحال، وطلب منه كشف الأمر، فأخبره بأمرهم، فبعثه إلى صلاح الدين فأوضح له الأمر، فطلب صلاح الدين الجماعة، وقررهم فأقروا؛ وكان بين عمارة وبين الفاضل عداوة، فلما أراد صلاح الدين صلبه تقدم الفاضل وشفع فيه، فظن عمارة أنه يحثه على هلاكه، فنادى: يا مولانا، لا تسمع منه في حقي. فغضب القاضي الفاضل وخرج، فقال صلاح الدين: إنما كان يشفع فيك. فندم، وأخرج ليصلب، فطلب أن يمروا به على مجلس القاضي الفاضل، فاجتازوا به عليه فأغلق بابه، فقال عمارة:
عبد الرحيم قد احتجب … إن الخلاص من العجب
ثم صلب هو والجماعة بين القصرين، وذلك في ثاني رمضان، وأفنى بعد ذلك من بقي منهم.
قال العماد الكاتب (١): وكان منهم داعي الدعاة ابن عبد القوي، وكان عارفا بخبايا القصر وكنوزه، فباد ولم يسمح بإبدائها. وأما الذين نافقوا على صلاح الدين من جنده فلم يعرض لهم، ولا أعلمهم بأنه علم بهم. وكان ممن صلب القاضي العوريس (٢)؛ فحكى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز أن قاضي
стр. 11570
القضاة عوريس رأى عيسى ابن مريم كأنه أخرج له رأسه من السماء، فقال له العوريس: الصلب حق؟ فقال له ابن مريم: نعم. فعبرها العابر وقال: صاحب هذه الرؤيا يصلب لأن المسيح معصوم، ولا يمكن أن يكون ذلك راجعا إليه، لأن الله تعالى نص لنا أنه لم يصلب، فبقي أن يكون راجعا للرائي. وجاء الكتاب إلى دمشق بقصة هؤلاء يوم موت نور الدين ﵀، وكانوا أيضا قد كاتبوا سنانا وأهل الحصون يستعينون بهم (١).
فلما كان في السادس والعشرين من ذي الحجة وصل أصطول الفرنج من صقلية، فنازلوا الإسكندرية بغتة، فجاءوا بناء على مراسلة الذين صلبوا، وكان معهم ألف وخمسمائة فرس، وعدتهم ثلاثون ألف مقاتل من بين فارس وراجل، وكان معهم مائتا شيني (٢) وست سفن كبار وأربعون مركبا، وبرز لحربهم أهل الثغر، فحملوا على المسلمين حملة أوصلتهم إلى السور، ففقد من المسلمين فوق المائتين، فلما أصبحوا زحفوا على الإسكندرية، ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وهي كالأبراج، وثلاثة مجانيق تضرب بحجارة سود، استصحبوها من صقلية، فزحفوا إلى أن قاربوا السور، فرأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية ما راعهم. وبعثت بطاقة إلى الملك صلاح الدين وهو نازل على فاقوس، فاستنهض الجيش وبادروا، واستمر القتال.
وفي اليوم الثالث فتح المسلمون باب البلد، وكبسوا الفرنج على غفلة، وحرقوا الدبابات، وصدقوا اللقاء، ودام القتال إلى العصر، ونزل من الله النصر، واستحر بالفرنج القتل. ورد المسلمون إلى البلد لأجل الصلاة، ثم كبروا عند المغرب، وهاجموا الفرنج في خيامهم، فتسلموها بما حوت، وقتلوا من الرجالة ما لا يوصف. واقتحم المسلمون البحر، فغرقوا المراكب وحرقوها، وهربت باقي المراكب، وصار العدو بين أسير وقتيل وغريق، واحتمى ثلاثمائة فارس في رأس تل فأخذوا أسرى، وغنم المسلمون غنيمة عظيمة، فلله الحمد كثيرا.
стр. 11571
وفي آخر السنة هلك مري ملك الفرنج لا ﵀، وهو الذي حاصر القاهرة وأشرف على أخذها.
ولما بلغ صلاح الدين سوء تدبير الأمراء في دولة ابن نور الدين كتب إليهم ونهاهم عن ذلك. فكتب إليه ابن المقدم يردعه عن هذه العزيمة، ويقول له:
لا يقال عنك إنك طمعت في بيت من غرسك، ورباك وأسسك، وأصفى مشربك، وأضوى ملبسك، وفي دست ملك مصر أجلسك، فما يليق بحالك غير فضلك وإفضالك. فكتب إليه صلاح الدين: إنه لا يؤثر للإسلام وأهله إلا ما جمع شملهم، وألف كلمتهم، وللبيت الأتابكي، أعلاه الله تعالى، إلا ما حفظ أصله وفرعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، ونحن في واد، والظانون بنا ظن السوء في واد.
وفيها وعظ الطوسي بالتاجية من بغداد، فقال: ابن ملجم لم يكفر بقتله عليا ﵁، فجاءه الآجر من كل ناحية، وثارت عليه الشيعة، ولولا الغلمان الذين حوله لقتل. ولما هم الميعاد الآخر بالجلوس، تجمعوا ومعهم قوارير النفط ليحرقوه، فلم يحضر، فأحرقوا منبره، وأحضره نقيب النقباء وسبه، فقال: أنت نائب الديوان، وأنا نائب الرحمن. فقال: بل أنت نائب الشيطان. وأمر به فسحب ونفي، فذهب إلى مصر وعظم بها، ولقبه: الشهاب الطوسي.
سنة سبعين وخمسمائة
فيها أعيد أبو الحسن ابن الدامغاني إلى قضاء القضاة ببغداد بعد أن بقي معزولا خمسة عشر عاما.
وفيها أراد المستضيء بالله إعادة ابن المظفر إلى الوزارة، فغضب من ذلك قايماز، وأغلق باب النوبي، وبات العامة وهم بأمر سوء، وقال: لا أقيم ببغداد حتى يخرج منها ابن المظفر هو وأولاده، فإنه عدوي، ومتى عاد إلى الوزارة قتلني، فقيل لابن المظفر: تخرج من البلد. فقال: لا أفعل. فلما شدد عليه قال: إن خرجت قتلت، فاقتلوني في بيتي. فتلطفوا به، فجاء فخر
стр. 11572
الدولة ابن المطلب وشيخ الشيوخ، وحلف له قايماز أن لا يؤذيه ولا يتبعه. وأصبح العسكر في السلاح، والدروب تحفظ، ثم خرج بالليل الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده، وسكن البلد. ثم دخل قايماز إلى الخليفة فاعتذر، ثم خرج طيب النفس. ثم بقيت الرسل تتردد، واستقر الأمر أن ابن رئيس الرؤساء يعبر إلى الجانب الغربي.
وفي رجب تكلم ابن الجوزي، قال (١): تقدم إلي بالجلوس تحت منظرة أمير المؤمنين، فتكلمت بعد العصر، وحضر السلطان، واكترى الناس الدكاكين، وكان موضع كل رجل بقيراط، حتى إنه اكتريت دكان بثمانية عشر قيراطا، ثم جاء رجل فأعطاهم ستة قراريط حتى جلس معهم. ودرست بالمدرسة التي وقفتها أم الخليفة، وحضر قاضي القضاة، وخلعت علي خلعة، وألقيت يومئذ دروسا كثيرة من الأصول والفروع. ووقف أهل بغداد من باب النوبي إلى باب هذه المدرسة كما يكون العيد وأكثر، وعلى باب المدرسة ألوف، وكان يوما مشهودا لم ير مثله. ودخل على قلوب أرباب المذاهب غم عظيم، وتقدم ببناء دكة لنا في جامع القصر فانزعجوا، وقالوا: ما جرت عادة الحنابلة بدكة؛ فبنيت وجلست فيها.
وكان الأمير تتامش قد بعث إلى بلد الغراف من نهبهم وآذاهم، ونجا منهم جماعة، فاستغاثوا، ومنعوا الخطيب أن يخطب، وفاتت الصلاة أكثر الناس، فأنكر أمير المؤمنين ما جرى، وأمر تتامش وزوج أخته قايماز، فلم يحفلا بالإنكار، وأصرا على الخلاف، وجرت بينهما وبين ابن العطار منابذات، ثم أصلح بينهم. فلما كان الغد، أظهروا الخلاف، وضربوا النار في دار ابن العطار، وطلبوه فاختفى. فطلب الخليفة قايماز، فأبى وبارز بالعناد.
وكان قد حلف الأمراء، وخرج هو وتتامش وجماعة من الأمراء من بغداد، فنهبت العوام دورهم، وأخذوا أموالا زائدة عن الحد.
قال ابن الأثير (٢): ودخل بعض الصعاليك فأخذ أكياس دنانير، وفزع لا يؤخذ منه، فدخل إلى مطبخ الدار، فأخذ قدرة مملوءة طبيخا، فألقى فيها
стр. 11573
الدنانير وحملها على رأسه، فضحك الناس منه، فقال: دعوني أطعمه عيالي ثم أستغني بعد ذلك، ولم يبق من نعمة قطب الدين في ساعة واحدة لا قليل ولا كثير. وأما العامة فثاروا بأعوان قطب الدين، وأحرقوا من دورهم مواضع كثيرة، وبقي أهلها في جزع وحيرة، وقصدوا الحلة، ثم طلبوا الشام وقد تقلل جمعهم، وبقي مع قايماز عدد يسير.
ثم خلع على الوزير ابن رئيس الرؤساء، وأعيد إلى الوزارة، وكتب الفقهاء فتاويهم أن قايماز مارق، وذلك في ذي القعدة. ثم جاء الخبر في ذي الحجة أن قايماز توفي، وأن أكثر أصحابه مرضى، فسبحان مزيل النعم عن المتمردين.
وفيها ملك صلاح الدين دمشق بلا قتال، وكتب إلى مصر رجل من بصرى في الرابع والعشرين من ربيع الأول، وقد توجه صاحبها في الخدمة: ثم لقينا ناصر الدين ابن المولى أسد الدين والأمير سعد الدين بن أنر، ونزلنا في الثامن والعشرين بجسر الخشب، والأجناد إلينا متوافية من دمشق. وأصبحنا ركبنا على خيرة الله، فعرض دون الدخول عدد من الرجال، فدعستهم عساكرنا المنصورة وصدمتهم، ودخلنا البلد، واستقرت بنا دار ولدنا، وأذعنا في أرجاء البلد النداء بإطابة النفوس وإزالة المكوس، وكانت الولاية فيهم قد ساءت وأسرفت وأجحفت، فشرعنا في امتثال أمر الشرع.
ثم نازل صلاح الدين حمص، ونصبت المجانيق على قلعتها حتى دكتها. وسار إلى حماة فملكها في جمادى الآخرة، ثم سار إلى حلب وحاصرها إلى آخر الشهر، واشتد على الصالح إسماعيل ابن نور الدين بها الحصار، وأساء صلاح الدين العشرة في حقه، واستغاث الصالح بالباطنية ووعدهم بالأموال، فقتلوا الأمير ناصح الدين خمارتكين وجماعة، ثم قتلوا عن آخرهم. ورجع الناصر صلاح الدين إلى حمص فحاصرها بقية رجب، وتسلمها بالأمان في شعبان. ثم عطف على بعلبك فتسلمها، ثم رد إلى حمص وقد اجتمع عسكر حلب، وكتبوا إلى صاحب الموصل فجهز جيشه، وأمدهم بأخيه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي، فأقبل الكل إلى حماة فحاصروا البلد، فسار صلاح الدين فالتقاهم على قرون حماة، فانكسروا أقبح كسرة، ثم سار إلى جهة حلب.
ثم وقع الصلح بينه وبين ابن زنكي على أن يكون له إلى آخر بلد حماة
стр. 11574
والمعرة، وأن يكون لابن نور الدين حلب وجميع أعمالها. وتحالفوا ورد إلى حماة، فجاءه رسل المستضيء بالهدايا والتشريفات والتهنئة بالملك.
ثم سار إلى حصن بارين، فحاصره ثم أخذه.
وأنعم بحمص على ابن عمه الملك ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه، واستناب بقلعة دمشق أخاه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين. ورجع من حمص فسار إلى بعلبك، فأخذها من الخادم يمن الريحاني ثم أعطاها للأمير شمس الدين محمد ابن المقدم، فعصى عليه في سنة أربع وسبعين فسار إليه، ثم حاصره أشهرا.
ومن كتاب فاضلي إلى العادل نائب مصر عن أخيه صلاح الدين: قد أعلمنا المجلس أن العدو المخذول كان الحلبيون قد استنجدوا بصلبانهم واستطالوا على الإسلام بعدوانهم، وأنه خرج إلى حمص، فوردنا حماة وترتبنا للقاء، فسار العدو إلى حصن الأكراد متعلقا بحبله مفتضحا بحيله، وهذا فتح تفتح له القلوب، قد كفى الله فيه القتال المحسوب.
ومن كتاب فاضلي إلى الديوان العزيز من السلطان مضمونه تعداد ما للسلطان من الفتوحات، ومن جهاد الفرنج مع نور الدين، ثم فتح مصر واليمن وأطراف المغرب، وإقامة الخطبة العباسية بها، ويقول في كتابه: ومنها قلعة بثغر أيلة بناها العدو في البحر، ومنه المسلك إلى الحرمين، فغزوا ساحل الحرم، وقتلوا وسبوا، وكادت القبلة أن يستولى على أصلها، والمشاعر أن يسكنها غير أهلها، ومضجع الرسول ﷺ أن يتطرق إليه الكفار. وكان باليمن ما علم من الخارج ابن مهدي الملحد، الذي سبى الشرائف الصالحات وباعهن بالثمن البخس واستباحهن، ودعا إلى قبر أبيه وسماه كعبة، وأخذ الأموال، فأنهضنا إليه أخانا بعسكرنا فأخذه، والكلمة هناك بمشيئة الله إلى الهند سامية. ولنا في المغرب أثر أغرب، وفي أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كما المهلك دون المطلب، وذلك أن بني عبد المؤمن قد اشتهر أن أمرهم قد أمر، وملكهم قد عمر، وجيوشهم لا تطاق، وأمرهم لا يشاق، ونحن فتملكنا ما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرنا إليه عسكرا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن ذلك: برقة، قفصة، قسطيلة، توزر؛ كل هذه تقام فيها الخطبة لأمير المؤمنين، ولا عهد لإقامتها من دهر.
стр. 11575
وفي هذه السنة كان عندنا وفد نحو سبعين راكبا، كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا، وسيرنا الخلع والمناشير والألوية. فأما الأعداء الذين يقاتلوننا، فمنهم صاحب قسطنطينة؛ وهو الطاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، جرت لنا معه غزوات بحرية، ولم نخرج من مصر إلى أن وصلتنا رسالة في جمعة واحدة نوبتين بكتابين، يظهر خفض الجناح والانتقال من معاداة إلى مهاداة، ومن مفاضحة إلى مناصحة، حتى أندر بصاحب صقلية وأساطيله، وهو من الأعداء، فكان حين علم بأن صاحب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط فكسروا، أراد أن يظهر قوته المستقلة، فعمر أسطولا استوعب فيه ماله وزمانه، فله الآن خمس سنين يكثر عدته وينتخب عدته، إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الإسكندرية أمر رائع، وخطب هائل، ما أثقل ظهر البحر مثل حمله، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله، وما هو إلا إقليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره، لولا أن الله خذله.
ثم عدد أشياء، إلى أن قال: والمراد الآن تقليد جامع بمصر واليمن والمغرب والشام، وكل ما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله للدولة العباسية بسيوفنا، ولمن يقيم من أخ وولد من بعدنا تقليدا، يضمن للنعمة تخليدا، وللدعوة تجديدا، مع ما تنعم عليه من السمات التي فيها الملك، والفرنج فهم يعرفون منا خصما لا يمل حتى يملوا، وقرنا لا يزال يحرم السيف حتى يحلوا، وإذا شد رأينا حسن الرأي ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله، ويد كل مؤمن تحت برده، واستعدنا أسيرا من المسجد الأقصى الذي أسرى الله إليه بعبده.
وفيها ملك البهلوان بن إلدكز مدينة توريز بالأمان، واستعمل عليها أخاه قرا رسلان، وتسلم مراغة.
قال ابن الأثير (١) في فتنة قطب الدين قايماز: ولما أقام قايماز بالحلة امتنع الحاج من السفر، فتأخروا إلى أن رحل، فبادروا ورحلوا من الكوفة إلى عرفات في ثمانية عشر يوما، وهذا ما لم يسمع بمثله، ومات كثير منهم.
стр. 11576
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنة إحدى وستين وخمسمائة
(الوفيات)
١ - أحمد بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن زينة، أبو عاصم الأصبهاني، أخو أبي غانم محمد.
عدل زاهد فاضل، من أولاد المحدثين. سمع أبا مطيع، وأبا الفتح الحداد، وأبا العباس أحمد بن الحسن بن نجوكة، وأبا سعد المطرز، وطائفة. وعنه جماعة من الأصبهانيين.
توفي في ربيع الأول وله تسع وستون سنة (١).
٢ - أحمد بن يحيى بن عبد الباقي بن عبد الواحد، أبو الفضائل الزهري، البغدادي الفقيه، ويعرف بابن شقران.
كان إماما واعظا صوفيا، معيدا بالنظامية. سمع أبا الحسن ابن العلاف، وأبا الغنائم ابن المهتدي بالله. روى عنه إبراهيم الشعار، وأحمد بن منصور الكازروني. وتوفي في المحرم (٢).
وأخوه:
٣ - أحمد أسن منه، ولا أعلم متى توفي. سمع من ثابت بن بندار، روى عنه عمر بن علي القرشي (٣).
ولهما أخ آخر.
٤ - إبراهيم بن الحسن بن طاهر، الفقيه أبو طاهر ابن الحصني، الحموي الشافعي.
стр. 11577
من فقهاء دمشق. روى عن أبي علي بن نبهان، ومحمد بن محمد ابن المهدي، وأبي طالب الزينبي، وأبي طالب اليوسفي، وأبي طاهر الحنائي، وابن الموازيني. روى عنه ابن السمعاني، وابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو القاسم بن صصرى، وأبو نصر ابن الشيرازي.
وتوفي بدمشق في صفر، وولد بحماة في سنة خمس وثمانين.
٥ - إسماعيل بن سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، شرف الدولة أبو الفضل، الكناني الشيزري الأمير.
أديب فاضل، وشاعر كامل، كان أبوه صاحب شيزر وابن صاحبها، فلما مات أبوه وليها أخوه تاج الدولة، وأقام هو تحت كنف أخيه إلى أن خربتها الزلزلة، ومات أخوه وطائفة تحت الردم، وتوجه نور الدين فتسلمها، وكان إسماعيل غائبا عنها، فانتقل إلى دمشق وسكنها، وكانت الزلزلة في سنة اثنتين وخمسين. ولما سقطت القلعة على أخيه وأولاده وزوجة أخيه خاتون بنت بوري أخت شمس الملوك، سلمت خاتون وحدها وأخرجت من تحت الردم، وجاء نور الدين فطلب منها أن تعلمه بالمال، وهددها، فذكرت له أن الردم سقط عليها وعليهم ولا تعلم بشيء، وإن كان شيء فهو تحت الردم.
فلما حضر إسماعيل وشاهد ما جرى عمل:
نزلت على رغم الزمان ولو حوت … يمناك قائم سيفها لم تنزل
فتبدلت عن كبرها بتواضع … وتعوضت عن عزها بتذلل
ومن شعره:
ومهفهف كتب الجمال بخده … سطرا يدله ناظر المتأمل
بالغت في استخراجه فوجدته … لا رأي إلا رأي أهل الموصل (١)
٦ - إسماعيل بن علي بن زيد بن علي بن شهريار، أبو المحاسن الأصبهاني.
سمع رزق الله التميمي وغيره، وأجاز في هذا العام لأبي المنجى ابن اللتي. وسمع منه الحافظ عبد القادر، وأبو شجاع الديلمي، ومحمد بن محفوظ المعدل، وأبو النجم زاهر بن محمد، وغيرهم.
стр. 11578
٧ - جياش بن عبد الله الحبشي، عبد ابن عفان الواعظ.
روى عن أبي الحسن ابن العلاف. وعنه ابن سكينة، والحسن بن المبارك ابن الزبيدي (١).
لعله مات أول العام، فإن ابن الحصري سمع منه في شوال سنة ستين.
٨ - الحسن بن سهل بن المؤمل، أبو المظفر البغدادي الكاتب.
سمع بواسط من أبي نعيم محمد بن إبراهيم الجماري. وحدث ببغداد بمسند مسدد؛ سمع منه إبراهيم الشعار، وعلي بن أحمد الزيدي، وعمر بن علي، وأحمد بن طارق في هذه السنة. ثم رجع ومات بعدها بيسير، وكان مولده في شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة (٢).
٩ - الحسن بن العباس بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن محمد بن الحسن بن علي بن رستم، العلامة أبو عبد الله بن أبي الطيب الرستمي الأصبهاني، الفقيه الشافعي.
ولد في صفر سنة ثمان وستين وأربعمائة. وسمع أبا عمرو بن مندة، ومحمود بن جعفر الكوسج، والمطهر بن عبد الواحد البزاني، وإبراهيم بن محمد القفال الطيان، وأبا بكر محمد بن أحمد السمسار، والفضل بن عبد الواحد بن سهلان، وعبد الكريم بن عبد الواحد الصحاف، وأبا عيسى عبد الرحمن بن محمد بن زياد، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وأبا منصور محمد بن أحمد بن شكروية، وأحمد بن عبد الرحمن الذكواني، وسهل بن عبد الله الغازي، وأبا الخير محمد بن أحمد بن ررا، والقاسم بن الفضل الثقفي، ورزق الله التميمي، وطرادا الزينبي، وطائفة سواهم.
روى عنه ابن السمعاني، وابن عساكر، وشرف بن أبي هاشم البغدادي، وأحمد بن سعيد الخرقي، وأبو موسى المديني وقال فيه: أستاذي الإمام أبو عبد الله. ثم ساق نسبه كما تقدم.
وروى عنه جماعة كبيرة؛ منهم الحافظ عبد القادر الرهاوي، وقال: كان
стр. 11579
فقيها زاهدا ورعا بكاء، عاش نيفا وتسعين سنة، ومات سنة ستين. كذا قال.
قال: وحضرته يوم موته، وخرج الناس إلى قبره أفواجا، وأملى شيخنا الحافظ أبو موسى عند قبره مجلسا في مناقبه، وكان عامة فقهاء أصبهان تلاميذه، حتى شيخنا أبو موسى عليه تفقه، وروى عنه أبو موسى الحديث، وكان أهل أصبهان لا يثقون إلا بفتواه، وسألني شيخنا السلفي عن شيوخ أصبهان، فذكرته له فقال: أعرفه فقيها متنسكا.
قال أبو سعد السمعاني: إمام متدين ورع، يزجي أكثر أوقاته في نشر العلم والفتيا، وهو متواضع على طريقة السلف، وكان مفتي الشافعية.
قال عبد القادر: سمعت أبا موسى شيخنا يقول: أقرأ المذهب كذا وكذا سنة، وكان من الشداد في السنة، وسعمت بعض أصحابنا الأصبهانيين يحكي عنه أنه كان في كل جمعة ينفرد في موضع يبكي فيه، فبكى حتى ذهبت عيناه. وكنا نسمع عليه وهو في رثاثة من الملبس والمفرش، لا يساوي طائلا، وكذلك الدار التي كان فيها، وكانت الفرق مجتمعة على محبته.
قلت: وروى عنه أبو الوفا محمود بن منده؛ وبالإجازة أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة وأختها صفية، وعاشت إلى سنة ست وأربعين وستمائة؛ وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة بنت الباقداري.
قال أبو موسى: توفي مساء يوم الأربعاء ثاني صفر سنة إحدى وستين.
وقال أبو مسعود الحاجي (١): توفي عشية يوم الأربعاء غرة صفر سنة إحدى وستين.
وقال أبو سعد السمعاني: إمام فاضل، مفتي الشافعية، وهو على طريقة السلف، له زاوية بجامع أصبهان أكثر أوقاته يلازمها، ورد بغداد حاجا بعد العشرين وحدث بها.
وقال ابن الجوزي في المنتظم (٢): قال الشيخ عبد الله الجبائي: ما رأيت أحدا أكثر بكاء منه. قال الجبائي: وسمعت محمد بن سالار أحد أصحابه
стр. 11580
يقول: سمعت شيخي أبا عبد الله الرستمي يقول: وقفت على ابن ماشاذه وهو يتكلم على الناس، فلما كان في الليل رأيت رب العزة في المنام وهو يقول لي: يا حسن، وقفت على مبتدع ونظرت إليه وسمعت كلامه، لأحرمنك النظر في الدنيا، فاستيقظت كما ترى. قال الجبائي: وكانت عيناه مفتوحتين وهو لا ينظر بهما.
١٠ - الحسن بن علي ابن الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير، القاضي مهذب الدين، أبو محمد الغساني الأسواني، أخو القاضي الرشيد أبي الحسين أحمد، وسيأتي في سنة ثلاث (١).
ولأبي محمد ديوان شعر، وهو أشعر من أخيه.
توفي بالقاهرة في رجب، وأول شعر قاله في سنة ست وعشرين وخمسمائة.
وله في العاضد خليفة مصر:
وإن أمير المؤمنين وذكره … قريبان للآي المنزل في الذكر
لقول رسول الله: تلقون عترتي … معا وكتاب الله في مورد الحشر
إذا ما إمام العصر لاح لناظر … فوا العصر إن الجاحدين لفي خسر
ويكفي الورى منه يتيمة تاجه … وما قد حوته من بهاء ومن فخر
ولم تر عيني قبلها قط كوكبا … يلوح مع الشمس المنيرة في الظهر
وما هو إلا البحر ليس بمنكر … إذا ما تحلى بالجواهر والدر
على أنه لا يقتنيها لحاجة … وشمس الضحى تغني عن الأنجم الزهر
وقد قابلتها للمظلة هالة … به أبدا تسمو على هالة البدر
وما هي إلا بعض سحب يمينه … وما زال منشأ السحب من لجة البحر
ومن شعره:
لا تغررني بمرأى أو بمستمع … فما أصدق لا سمعي ولا بصري
وكيف آمن غيري عند نائبة … يوما إذا كنت من نفسي على غرر
وهو القائل:
стр. 11581
وما لي إلى ماء سوى النيل غلة … ولو أنه - أستغفر الله - زمزم (١)
١١ - الحسين بن عبد الرحمن بن محبوب، أبو عبد الله البغدادي.
توفي في شعبان عن ست وسبعين سنة.
أصله من غزة، من كبار الشافعية. سمع من أبي الحسين ابن الطيوري، وأبي الحسن ابن العلاف، وأبي غالب الباقلاني. وعنه ابن الأخضر، وداود بن معمر، وابن الحصري، وآخرون.
١٢ - الحسين بن علي بن محمد بن علي، أبو علي ابن قاضي القضاة أبي الحسن ابن قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني.
سمع أبيا النرسي، روى عنه عمر بن علي القرشي، وتوفي في رجب (٢).
١٣ - زيد بن علي بن زيد بن علي، أبو الحسين السلمي الدمشقي الدواجي (٣) الفقيه.
سمع أباه، وأبا محمد ابن الأكفاني، وجماعة. وتفقه على جمال الإسلام، ورحل إلى بغداد فلقي أبا الفضل الأرموي وطبقته، ومات كهلا في المحرم (٤).
١٤ - سعيدة بنت أبي غالب أحمد بن الحسن ابن البناء.
امرأة صالحة، سمعت عبد الواحد بن فهد العلاف. وعنها السمعاني، وابن الحصري.
ماتت في صفر.
١٥ - شعيب بن أبي الحسن علي بن عبد الواحد، الدينوري ثم البغدادي، أبو الفتوح الخياط.
سمع من أبيه، روى عنه عمر القرشي.
توفي في ربيع الأول (٥).
стр. 11582
١٦ - عبد الله بن جابر بن عبد الله بن محمد بن علي، أبو إسماعيل ابن أبي عطية ابن شيخ الإسلام الأنصاري الهروي.
انتهت إليه رئاسة الصوفية بهراة وتقدمهم، وكان ذا قعدد في النسب.
قال أبو سعد السمعاني: كان فيه سلامة، وحج بعد الأربعين وخمسمائة، فسافر لا على سمت الصوفية وأهل العلم. كتبت عنه، وكان يعقد المجالس في الأشهر الثلاثة. سمع أبا الفتح نصر بن أحمد بن محمد الحنفي وطبقته، وكان يحضر مجلسه عالم لا يحصون اعتقادا إلى جده وتبركا بمكانه. ولد سنة خمس وخمسمائة، وتوفي في جمادى الآخرة بهراة (١).
١٧ - عبد الله بن الحسين بن رواحة بن إبراهيم بن رواحة، أبو محمد الأنصاري الحموي.
ولد بحماة سنة ست وثمانين وأربعمائة، وكان شاعرا مجودا.
قال ابن عساكر (٢): له يد في القراءات وتهجد في الخلوات، دخل بغداد، ومدح المقتفي لأمر الله مرارا، وخلع عليه ثياب الخطابة، وقلده إياها بحماة. وقد أسر ولده في البحر فمات قبل أن يراه، وولد لابنه الحسين بالبحر ولده أبو القاسم عبد الله، ثم خلصه الله، وأتى بابنه إلى الإسكندرية وسمعا الكثير من السلفي، وتوفي هذا الخطيب في المحرم بحماة.
وآخر ما قال:
إلهي لَيْسَ لي مَوْلًى سِواكا … فَهَبْ من فضل فَضْلك لي رضاكا
وإن لا ترض عني فاعف عني … لعلي أن أجوز بِهِ حِماكا
فَقد يَهَبُ الكريمُ وليس يرضى … وأنتِ مُحَكّمٌ في ذا وذاكا
١٨ - عبد الله بن رفاعة بن غدير بن علي بن أبي عمر بن الذيال بن ثابت بن نعيم، أبو محمد السعدي المصري، الفقيه الشافعي الفرضي.
كان فقيها دينا، بارعا في الفرائض والحساب، ولي القضاء بمصر بالجيزة مدة، ثم استعفى فأعفي، واشتغل بالعبادة. وكان مولده في ذي القعدة سنة سبع وستين وأربعمائة، ولزم القاضي الخلعي، وسمع منه الكثير وقدمه،
стр. 11583
وتفقه عليه، وسمع منه السيرة والسنن لأبي داود، والأجزاء العشرين، وغير ذلك. وهو آخر من حدث عنه.
روى عنه محمد بن عبد الرحمن المسعودي، وأبو الجود المقرئ، ومحمد بن يحيى بن أبي الرداد، ويحيى بن عقيل بن شريف بن رفاعة، والقاضي عبد الله بن محمد بن مجلي، والحسن بن عقيل بن شريف، وعبد القوي ابن الجباب، وصنيعة الملك بن هبة الله بن حيدرة، ومحمد بن عماد، وابن صباح، وآخرون.
وتوفي في ذي القعدة.
أخبرنا يحيى بن أحمد ومحمد بن الحسين، قالا: أخبرنا محمد بن عماد قال: أخبرنا ابن رفاعة قال: أخبرنا أبو الحسن الخلعي قال: أخبرنا أبو سعد الماليني قال: أخبرنا عبد الله بن عدي قال: حدثنا الحسن بن الفرج الغزي قال: حدثني يحيى بن بكير قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر «أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله ﷺ وانتفى من ولدها، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وألحق الولد بالمرأة» (١).
١٩ - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي، أبو محمد الأشيري المغربي، الفقيه الحافظ.
رحل في كبره إلى العراق وإلى الشام، وحدث عن أبي الحسن علي بن عبد الله بن موهب الجذامي، والقاضي عياض. سمع منه عمر بن علي القرشي، ومحمد بن المبارك بن مشق، وأحمد بن أحمد، وأبو الفتوح نصر ابن الحصري، وأبو محمد ابن الأستاذ الحلبي، وآخرون.
وكان عالما بالحديث والإسناد واللغة والنسب والنحو، مجموع الفضائل. حضر أجله باللبوة بين حمص وبعلبك، فحمل ودفن بظاهر بعلبك. وزار قبره السلطان نور الدين، وبر عياله، وأجرى عليهم رزقا.
وقال جمال الدين علي القفطي في أخبار النحاة (٢): إن الأشيري كان
стр. 11584
يخدم في بعض الأمور بدولة عبد المؤمن، ولما حصل مع القوم بالأندلس جرى له أمر خشي عاقبته، فانهزم بأهله وكتبه، وقصد الشام، فخرج من البحر إلى اللاذقية وبها الفرنج، فسلمه الله حتى قدم حلب، فنزل على العلاء الغزنوي مدرس الحلاوية، وأقام عنده مدة، وروى لهم عن أبي بكر ابن العربي والقاضي عياض، وأقام إلى سنة تسع وخمسين. واتفق أن الوزير يحيى بن هبيرة صنف كتاب الإفصاح وجمع له علماء المذاهب، فطلب فقيها مالكيا، فذكروا له الأشيري، فطلبه من نور الدين فسيره إليه، فأكرمه، ثم حج من بغداد بعياله سنة ستين، فضاق بهم الحال، فأقام بالمدينة، ثم جاء بمفرده في وسط السنة إلى الشام، فاجتمع بنور الدين بظاهر حمص، فوعده بخير، فاتفق أنه مرض ومات في رمضان باللبوة. وله كتاب تهذيب الاشتقاق الذي للمبرد. ثم إن نور الدين أحضر عائلته مع متولي السبيل، وقرر لهم كفايتهم بحلب، وصار ابنه جنديا.
وقال الأبار (١): عبد الله بن محمد الصنهاجي الأشيري، سمع أبا جعفر ابن غزلون وغيره. وكان شاعرا، كتب لصاحب المغرب، فلما توفي مخدومه استؤسر ونهبت كتبه، فتوجه إلى الشام. وذكره ابن عساكر، وقال (٢): سمع مني وسمعت منه، وتوفي في شوال. وقال ابن نقطة (٣): سمع من شريح بن محمد وابن العربي، وكان ثقة صالحا حافظا، توفي في رمضان.
قلت: أشير قلعة بالمغرب لبني حماد.
قال ابن النجار: حدثنا عنه ابن الحصري، وقال لي: كان إماما في الحديث، ذا معرفة بفقهه ومعانيه ورجاله ولغته. ثم حكى انزعاج ابن هبيرة وقوله له: ما قلت ليس بصحيح، فانقطع الأشيري، وطلبه الوزير ولاطفه، وما تركه حتى قال له مثل قوله له، ووصله بمال.
٢٠ - عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد، أبو طالب ابن العجمي، الحلبي.
стр. 11585
من بيت حشمة وتقدم وفضيلة. رحل إلى بغداد فتفقه على أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، وأسعد الميهني، وسمع من أبي القاسم بن بيان. وعاد إلى بلده، وتقدم بها. وقدم دمشق رسولا من صاحب حلب، وتولى عمارة المسجد الذي ببعلبك في أيام أتابك زنكي بن آقسنقر. ثم حج وجاور، وتولى عمارة المسجد الحرام من قبل صاحب الموصل، وبنى بحلب مدرسة مليحة ووقف عليها، وكان فيه عصبية وهمة ومحبة للعلماء.
ولد سنة ثمانين وأربعمائة؛ روى عنه أبو سعد ابن السمعاني، وعمر بن علي القرشي، وأبو محمد بن علوان الأستاذ، وأبو القاسم بن صصرى، وآخرون. وتوفي في نصف شعبان (١).
٢١ - عبد الصمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الصمد بن محمد بن تميم، أبو المعالي التميمي الدمشقي الخطيب الشاهد.
قرأ بروايات، وسمع كثيرا من أبي القاسم النسيب، وأبي طاهر الحنائي. وكان صدوقا أمينا، حدث بشيء يسير، وتوفي في رمضان وله ثمان وستون سنة (٢).
٢٢ - عبد العزيز بن الحسين، القاضي الجليس، أبو المعالي ابن الجباب، التميمي السعدي الأغلبي المصري.
كان جليسا لخليفة مصر، من أجلاء الأدباء وكبار الألباء.
توفي عن نيف وسبعين سنة، وهو والد عبد القوي راوي السيرة.
ومن شعره:
ومن عجب أن السيوف لديهم … تحيض دماء والسيوف ذكور
وأعجب من ذا أنها في أكفهم … تأجج نارا، والأكف بحور
٢٣ - عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست، وزاد بعض الناس في نسبه إلى أن وصله بالحسن بن علي ﵁؛ فقال: ابن أبي عبد الله بن عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي
стр. 11586
طالب ﵁، الشيخ أبو محمد الجيلي الحنبلي الزاهد، صاحب الكرامات والمقامات، وشيخ الحنابلة، رحمة الله عليه.
ولد بجيلان في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وقدم بغداد شابا فتفقه على القاضي أبي سعد المخرمي. وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار، وأبي غالب الباقلاني، وأبي القاسم بن بيان الرزاز، وأبي محمد جعفر السراج، وأبي سعد بن خشيش، وأبي طالب بن يوسف، وجماعة.
روى عنه أبو سعد السمعاني، وعمر بن علي القرشي، وولداه عبد الرزاق وموسى ابنا عبد القادر، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، ويحيى بن سعد الله التكريتي، والشيخ علي بن إدريس البعقوبي، وأحمد بن مطيع الباجسرائي، وأبو هريرة محمد بن ليث ابن الوسطاني، وأكمل بن مسعود الهاشمي، وطائفة آخرهم وفاة أبو طالب عبد اللطيف بن محمد ابن القبيطي. وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد أحمد بن مسلمة (١).
وكان إمام زمانه، وقطب عصره، وشيخ شيوخ الوقت بلا مدافعة.
أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام ببعلبك قال: أخبرنا أبو محمد بن قدامة سنة إحدى عشرة وستمائة قال: أخبرنا شيخ الإسلام محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن المظفر التمار قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح قال: أخبرنا يعقوب بن يوسف القزويني قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: «إن بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى، فقام يصلي في القمر فوق بيت المقدس، فذكر أمورا كان صنعها، فخرج فتدلى بسبب، فأصبح السبب معلقا في المسجد وقد ذهب، فانطلق حتى أتى قوما على شط البحر، فوجدهم يصنعون لبنا، فسألهم: كيف تأخذون هذا اللبن؟ قال: فأخبروه فلبن معهم، وكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصلاة تطهر فصلى، فرفع ذلك العمال إلى قهرمانهم: إن
стр. 11587
فينا رجلا يفعل كذا وكذا. فأرسل إليه فأبى أن يأتيه؛ ثلاث مرات، ثم إنه جاءه بنفسه يسير على دابته، فلما رآه فر واتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك. قال: فقام حتى كلمه، فأخبره خبره، فلما أخبره خبره، وأنه كان ملكا، وأنه فر من رهبة الله ربه ، قال: إني لا أظن أني لاحق بك. قال: فلحقه، فعبد الله حتى ماتا برملة مصر. قال عبد الله: لو كنت ثم لاهتديت إلى قبريهما من صفة رسول الله ﷺ التي وصف» (١).
قال ابن السمعاني: أبو محمد عبد القادر من أهل جيلان، إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح دين خير، كثير الذكر دائم الفكر، سريع الدمعة. تفقه على المخرمي، وصحب الشيخ حمادا الدباس.
قال: وكان يسكن باب الأزج في المدرسة التي بنوا له، مضيت يوما لأودع رفيقا لي، فلما انصرفنا قال لي بعض من كان معي: ترغب في زيارة عبد القادر والتبرك به؟ فمضينا ودخلت مدرسته، وكانت بكرة، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فلما فرغنا أردت أن أقوم، فأجلسني وقال: حتى نفرغ من الدرس. فألقى درسا على أصحابه ما فهمت منه شيئا، وأعجب من هذا أن أصحابه قاموا وأعادوا ما درس لهم، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعبارته.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي (٢): كان أبو سعد المخرمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس. وكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط، ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعمرت المدرسة ووسعت. وتعصب في ذلك العوام، وأقام فيها يدرس ويعظ إلى أن توفي.
стр. 11588
قلت: لم تسع مرارة ابن الجوزي بأن يترجمه بأكثر من هذا لما في قلبه له من البغض، نعوذ بالله من الهوى.
أنبأنا أبو بكر بن طرخان أن الشيخ الموفق أخبرهم قال - وقد سئل عن الشيخ عبد القادر ﵁: أدركناه في آخر عمره، فأسكننا في مدرسته، وكان يعنى بنا، وربما أرسل إلينا ابنه يحيى فيسرج لنا السراج، وربما يرسل إلينا طعاما من منزله، وكان يصلي الفريضة بنا إماما، وكنت أقرأ عليه من حفظي من كتاب الخرقي غدوة، ويقرأ عليه الحافظ عبد الغني من كتاب الهداية، في الكتاب وما كان أحد يقرأ عليه ذلك الوقت سوانا، فأقمنا عنده شهرا وتسعة أيام ثم مات، وصلينا عليه ليلا في مدرسته. ولم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل الدين أكثر منه، وسمعنا عليه أجزاء يسيرة.
قرأت بخط السيف ابن المجد الحافظ: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمود المراتبي يقول: سمعت الشيخ أبا بكر العماد ﵀ قال: كنت قد قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكا، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر. فمضيت إلى مجلسه وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقا. فتكلم ثم التفت إلى الناحية التي أنا فيها فأعاد القول، فقلت: الواعظ يلتفت مرة هكذا، ومرة هكذا. فالتفت إلي ثالثة وقال: يا أبا بكر - فأعاد القول - قم فقد جاء أبوك، وكان غائبا. فقمت مبادرا إلى بيتنا، وإذا أبي قد جاء.
قلت: ونظير هذه الحكاية ما حدثنا الفقيه أبو القاسم بن محمد بن خالد قال: حدثني شيخنا جمال الدين يحيى ابن الصيرفي قال: سمعت أبا البقاء النحوي قال: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: ترى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟ فقال الشيخ: يجيء واحد قد قرأ أبوابا من الفقه ينكر. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري. فقال: إياك نعني بالقول. فتبت في نفسي من اعتراضي على الشيخ. فقال: قد قبل الله توبتك.
стр. 11589
وسمعت شيخنا ابن تيمية يقول: سمعت الشيخ عز الدين أحمد الفاروثي يقول: سمعت شيخنا شهاب الدين السهروردي يقول: عزمت على الاشتغال بالكلام وأصول الدين، فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر. فأتيته فقال قبل أن أنطق: يا عمر ما هو من عدة القبر، يا عمر ما هو من عدة القبر. قال: فتركته.
وقال أبو عبد الله محمد بن محمود المراتبي: قلت للشيخ الموفق: هل رأيتم من الشيخ عبد القادر كرامة لما أقمتم عنده؟ فقال: لا أظن، لكن كان يجلس يوم الجمعة فكنا نتركه ونمضي لسماع الحديث عند ابن شافع، فكل ما سمعناه لم ننتفع به.
قال السيف: يعني لنزول ذلك، وذلك أنهم سمعوا منه المسند والبخاري.
وقال شيخنا أبو الحسين اليونيني: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر؛ فقيل له: هذا مع اعتقاده، فكيف هذا؟! قال: لازم المذهب ليس بمذهب.
وقال ابن النجار في ترجمة الشيخ عبد القادر (١): دخل بغداد سنة ثمان وثمانين وله ثمان عشرة سنة، فقرأ الفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الخطاب، وأبي سعد المبارك المخرمي، وأبي الحسين ابن الفراء - حتى أحكم الأصول والفروع والخلاف. وسمع الحديث. فذكر شيوخه.
قال: وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، واشتغل بالوعظ إلى أن برز فيه، ثم لازم الخلوة والرياضة والسياحة والمجاهدة والسهر والمقام في الخراب والصحراء. وصحب الشيخ حمادا الدباس، وأخذ عنه علم الطريق. ثم إن الله أظهره للخلق، وأوقع له القبول العظيم، فعقد مجلس الوعظ في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وأظهر الله الحكمة على لسانه، ثم جلس في مدرسة شيخه أبي سعد للتدريس والفتوى في سنة ثمان وعشرين، وصار يقصد بالزيارة والنذور. وصنف في الأصول والفروع، وله كلام على لسان أهل
стр. 11590
الطريقة عال، روى لنا عنه ولده عبد الرزاق، وأحمد ابن البندنيجي، وابن القبيطي، وغيرهم.
كتب إلي (١) عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بخطه قال: قال لي الشيخ عبد القادر: طالبتني نفسي يوما بشهوة، فكنت أضاجرها، وأدخل في درب وأخرج إلى درب أطلب الصحراء، فبينما أنا أمشي إذ رأيت رقعة ملقاة، فإذا فيها: ما للأقوياء والشهوات، إنما خلقت الشهوات للضعفاء ليتقووا بها على طاعتي، فلما قرأتها خرجت تلك الشهوة من قلبي، قال: وقال لي: كنت أقتات بخرنوب الشوك، وورق الخس من جانب النهر.
قرأت (٢) بخط أبي بكر عبد الله بن نصر بن حمزة التيمي: سمعت عبد القادر الجيلي قال: بلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد، إلى أن بقيت أياما لا آكل فيها طعاما بل أتبع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشط لعلي أجد ورق الخس والبقل، فما ذهبت إلى موضع إلا وجدت غيري قد سبقني إليه، فرجعت أمشي في البلد، فلا أدرك موضعا قد كان فيه شيء منبوذ إلا وقد سبقت إليه، فأجهدني الضعف، وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجدا، وقعدت، وكدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمي ومعه خبز وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح فمي من شدة الجوع، حتى أنكرت ذلك على نفسي، إذ التفت فرآني، فقال: بسم الله؛ فأبيت، فأقسم علي، فبادرت نفسي إلى إجابته، فأبيت مخالفا لها ولهواها، فأقسم علي، فأجبته، فأكلت مقصرا، وأخذ يسألني: ما شغلك، ومن أين أنت؟ فقلت: أما شغلي فمتفقه، وأما من أين، فمن جيلان، فقال: وأنا والله من جيلان، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر، يعرف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب لذلك، وتغير وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد، ومعي بقية نفقة لي فسألت عنك، فلم يرشدني أحد، إلى أن نفدت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك معي، فلما كان هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتني ثلاثة أيام لم آكل فيها