← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

طالب ﵁، الشيخ أبو محمد الجيلي الحنبلي الزاهد، صاحب الكرامات والمقامات، وشيخ الحنابلة، رحمة الله عليه. ولد بجيلان في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وقدم بغداد شابا فتفقه على القاضي أبي سعد المخرمي. وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار، وأبي غالب الباقلاني، وأبي القاسم بن بيان الرزاز، وأبي محمد جعفر السراج، وأبي سعد بن خشيش، وأبي طالب بن يوسف، وجماعة. روى عنه أبو سعد السمعاني، وعمر بن علي القرشي، وولداه عبد الرزاق وموسى ابنا عبد القادر، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، ويحيى بن سعد الله التكريتي، والشيخ علي بن إدريس البعقوبي، وأحمد بن مطيع الباجسرائي، وأبو هريرة محمد بن ليث ابن الوسطاني، وأكمل بن مسعود الهاشمي، وطائفة آخرهم وفاة أبو طالب عبد اللطيف بن محمد ابن القبيطي. وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد أحمد بن مسلمة (١). وكان إمام زمانه، وقطب عصره، وشيخ شيوخ الوقت بلا مدافعة. أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن عبد السلام ببعلبك قال: أخبرنا أبو محمد بن قدامة سنة إحدى عشرة وستمائة قال: أخبرنا شيخ الإسلام محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن المظفر التمار قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس بن نجيح قال: أخبرنا يعقوب بن يوسف القزويني قال: حدثنا محمد بن سعيد قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: «إن بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد موسى، فقام يصلي في القمر فوق بيت المقدس، فذكر أمورا كان صنعها، فخرج فتدلى بسبب، فأصبح السبب معلقا في المسجد وقد ذهب، فانطلق حتى أتى قوما على شط البحر، فوجدهم يصنعون لبنا، فسألهم: كيف تأخذون هذا اللبن؟ قال: فأخبروه فلبن معهم، وكان يأكل من عمل يده، فإذا كان حين الصلاة تطهر فصلى، فرفع ذلك العمال إلى قهرمانهم: إن

стр. 11587

فينا رجلا يفعل كذا وكذا. فأرسل إليه فأبى أن يأتيه؛ ثلاث مرات، ثم إنه جاءه بنفسه يسير على دابته، فلما رآه فر واتبعه فسبقه، فقال: أنظرني أكلمك. قال: فقام حتى كلمه، فأخبره خبره، فلما أخبره خبره، وأنه كان ملكا، وأنه فر من رهبة الله ربه ، قال: إني لا أظن أني لاحق بك. قال: فلحقه، فعبد الله حتى ماتا برملة مصر. قال عبد الله: لو كنت ثم لاهتديت إلى قبريهما من صفة رسول الله ﷺ التي وصف» (١). قال ابن السمعاني: أبو محمد عبد القادر من أهل جيلان، إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح دين خير، كثير الذكر دائم الفكر، سريع الدمعة. تفقه على المخرمي، وصحب الشيخ حمادا الدباس. قال: وكان يسكن باب الأزج في المدرسة التي بنوا له، مضيت يوما لأودع رفيقا لي، فلما انصرفنا قال لي بعض من كان معي: ترغب في زيارة عبد القادر والتبرك به؟ فمضينا ودخلت مدرسته، وكانت بكرة، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فلما فرغنا أردت أن أقوم، فأجلسني وقال: حتى نفرغ من الدرس. فألقى درسا على أصحابه ما فهمت منه شيئا، وأعجب من هذا أن أصحابه قاموا وأعادوا ما درس لهم، فلعلهم فهموا لإلفهم بكلامه وعبارته. وقال أبو الفرج ابن الجوزي (٢): كان أبو سعد المخرمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس. وكان يجلس عند سور بغداد مستندا إلى الرباط، ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعمرت المدرسة ووسعت. وتعصب في ذلك العوام، وأقام فيها يدرس ويعظ إلى أن توفي.

стр. 11588

قلت: لم تسع مرارة ابن الجوزي بأن يترجمه بأكثر من هذا لما في قلبه له من البغض، نعوذ بالله من الهوى. أنبأنا أبو بكر بن طرخان أن الشيخ الموفق أخبرهم قال - وقد سئل عن الشيخ عبد القادر ﵁: أدركناه في آخر عمره، فأسكننا في مدرسته، وكان يعنى بنا، وربما أرسل إلينا ابنه يحيى فيسرج لنا السراج، وربما يرسل إلينا طعاما من منزله، وكان يصلي الفريضة بنا إماما، وكنت أقرأ عليه من حفظي من كتاب الخرقي غدوة، ويقرأ عليه الحافظ عبد الغني من كتاب الهداية، في الكتاب وما كان أحد يقرأ عليه ذلك الوقت سوانا، فأقمنا عنده شهرا وتسعة أيام ثم مات، وصلينا عليه ليلا في مدرسته. ولم أسمع عن أحد يحكى عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه، ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل الدين أكثر منه، وسمعنا عليه أجزاء يسيرة. قرأت بخط السيف ابن المجد الحافظ: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمود المراتبي يقول: سمعت الشيخ أبا بكر العماد ﵀ قال: كنت قد قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكا، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر. فمضيت إلى مجلسه وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقا. فتكلم ثم التفت إلى الناحية التي أنا فيها فأعاد القول، فقلت: الواعظ يلتفت مرة هكذا، ومرة هكذا. فالتفت إلي ثالثة وقال: يا أبا بكر - فأعاد القول - قم فقد جاء أبوك، وكان غائبا. فقمت مبادرا إلى بيتنا، وإذا أبي قد جاء. قلت: ونظير هذه الحكاية ما حدثنا الفقيه أبو القاسم بن محمد بن خالد قال: حدثني شيخنا جمال الدين يحيى ابن الصيرفي قال: سمعت أبا البقاء النحوي قال: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: ترى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟ فقال الشيخ: يجيء واحد قد قرأ أبوابا من الفقه ينكر. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري. فقال: إياك نعني بالقول. فتبت في نفسي من اعتراضي على الشيخ. فقال: قد قبل الله توبتك.

стр. 11589

وسمعت شيخنا ابن تيمية يقول: سمعت الشيخ عز الدين أحمد الفاروثي يقول: سمعت شيخنا شهاب الدين السهروردي يقول: عزمت على الاشتغال بالكلام وأصول الدين، فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر. فأتيته فقال قبل أن أنطق: يا عمر ما هو من عدة القبر، يا عمر ما هو من عدة القبر. قال: فتركته. وقال أبو عبد الله محمد بن محمود المراتبي: قلت للشيخ الموفق: هل رأيتم من الشيخ عبد القادر كرامة لما أقمتم عنده؟ فقال: لا أظن، لكن كان يجلس يوم الجمعة فكنا نتركه ونمضي لسماع الحديث عند ابن شافع، فكل ما سمعناه لم ننتفع به. قال السيف: يعني لنزول ذلك، وذلك أنهم سمعوا منه المسند والبخاري. وقال شيخنا أبو الحسين اليونيني: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر؛ فقيل له: هذا مع اعتقاده، فكيف هذا؟! قال: لازم المذهب ليس بمذهب. وقال ابن النجار في ترجمة الشيخ عبد القادر (١): دخل بغداد سنة ثمان وثمانين وله ثمان عشرة سنة، فقرأ الفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي الخطاب، وأبي سعد المبارك المخرمي، وأبي الحسين ابن الفراء - حتى أحكم الأصول والفروع والخلاف. وسمع الحديث. فذكر شيوخه. قال: وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، واشتغل بالوعظ إلى أن برز فيه، ثم لازم الخلوة والرياضة والسياحة والمجاهدة والسهر والمقام في الخراب والصحراء. وصحب الشيخ حمادا الدباس، وأخذ عنه علم الطريق. ثم إن الله أظهره للخلق، وأوقع له القبول العظيم، فعقد مجلس الوعظ في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وأظهر الله الحكمة على لسانه، ثم جلس في مدرسة شيخه أبي سعد للتدريس والفتوى في سنة ثمان وعشرين، وصار يقصد بالزيارة والنذور. وصنف في الأصول والفروع، وله كلام على لسان أهل

стр. 11590

الطريقة عال، روى لنا عنه ولده عبد الرزاق، وأحمد ابن البندنيجي، وابن القبيطي، وغيرهم. كتب إلي (١) عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بخطه قال: قال لي الشيخ عبد القادر: طالبتني نفسي يوما بشهوة، فكنت أضاجرها، وأدخل في درب وأخرج إلى درب أطلب الصحراء، فبينما أنا أمشي إذ رأيت رقعة ملقاة، فإذا فيها: ما للأقوياء والشهوات، إنما خلقت الشهوات للضعفاء ليتقووا بها على طاعتي، فلما قرأتها خرجت تلك الشهوة من قلبي، قال: وقال لي: كنت أقتات بخرنوب الشوك، وورق الخس من جانب النهر. قرأت (٢) بخط أبي بكر عبد الله بن نصر بن حمزة التيمي: سمعت عبد القادر الجيلي قال: بلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد، إلى أن بقيت أياما لا آكل فيها طعاما بل أتبع المنبوذات، فخرجت يوما إلى الشط لعلي أجد ورق الخس والبقل، فما ذهبت إلى موضع إلا وجدت غيري قد سبقني إليه، فرجعت أمشي في البلد، فلا أدرك موضعا قد كان فيه شيء منبوذ إلا وقد سبقت إليه، فأجهدني الضعف، وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجدا، وقعدت، وكدت أصافح الموت، إذ دخل شاب أعجمي ومعه خبز وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع يده باللقمة أن أفتح فمي من شدة الجوع، حتى أنكرت ذلك على نفسي، إذ التفت فرآني، فقال: بسم الله؛ فأبيت، فأقسم علي، فبادرت نفسي إلى إجابته، فأبيت مخالفا لها ولهواها، فأقسم علي، فأجبته، فأكلت مقصرا، وأخذ يسألني: ما شغلك، ومن أين أنت؟ فقلت: أما شغلي فمتفقه، وأما من أين، فمن جيلان، فقال: وأنا والله من جيلان، فهل تعرف لي شابا جيلانيا اسمه عبد القادر، يعرف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد؟ فقلت: أنا هو، فاضطرب لذلك، وتغير وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد، ومعي بقية نفقة لي فسألت عنك، فلم يرشدني أحد، إلى أن نفدت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك معي، فلما كان هذا اليوم الرابع قلت: قد تجاوزتني ثلاثة أيام لم آكل فيها

стр. 11591

طعاما، وقد أحلت لي الميتة، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء، فكل طيبا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن، فقلت: وما ذاك؟ قال: أمك وجهت معي ثمانية دنانير، والله ما خنتك فيها إلى اليوم، فسكنته وطيبت نفسه، ودفعت إليه شيئا منها. كتب إلي (١) عبد الله بن أبي الحسن الجبائي، قال: قال لي الشيخ عبد القادر: كنت في الصحراء أكرر الفقه وأنا في مشقة من الفقر، فقال لي قائل لم أر شخصه: اقترض ما تستعين به على طلب الفقه، فقلت: كيف أقترض وأنا فقير، ولا وفاء لي؟ قال: اقترض وعلينا الوفاء، قال: فجئت إلى بقال فقلت له: تعاملني بشرط إذا سهل الله لي شيئا أعطيك، وإن مت تجعلني في حل، تعطيني كل يوم رغيفا ورشادا، قال: فبكى وقال: يا سيدي أنا بحكمك، فأخذت منه مدة، فضاق صدري، فأظن أنه قال: فقيل لي: امض إلى موضع كذا، فأي شيء رأيت على الدكة فخذه وادفعه إلى البقلي، فلما جئت رأيت على دكة هناك قطعة ذهب كبيرة، فأخذتها وأعطيتها للبقلي. قال: ولحقني الجنون مرة، وحملت إلى المارستان، وطرقتني الأحوال حتى مت، وجاؤوا بالكفن، وجعلوني على المغتسل، ثم سري عني وقمت، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن التي بها، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أين تمشي؟ ودفعني دفعة حتى خررت منها، وقال: ارجع، فإن للناس فيك منفعة، قلت: أريد سلامة ديني، قال: لك ذاك، ولم أر شخصه، ثم بعد ذلك طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاجتزت بالظفرية، ففتح رجل داره، وقال لي: يا عبد القادر، أيش طلبت البارحة؟ فنسيت وسكت، فاغتاظ مني، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة، فلما مشيت ذكرت الذي سألت الله، فرجعت أطلب الباب، فلم أعرفه، وكان حمادا الدباس، ثم عرفته بعد

стр. 11592

ذلك، وكشف لي جميع ما كان يشكل علي، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم ورجعت إليه يقول: أيش جاء بك إلينا؟ أنت فقيه، مر إلى الفقهاء، وأنا أسكت، فلما كان يوم جمعة، خرجت مع الجماعة معه إلى الصلاة في شدة البرد، فلما وصلنا إلى قنطرة النهر، فدفعني ألقاني في الماء، فقلت: غسل الجمعة، بسم الله، وكان علي جبة صوف، وفي كمي أجزاء، فرفعت كمي لئلا تهلك الأجزاء، وخلوني ومشوا، فعصرت الجبة، وتبعتهم، وتأذيت من البرد كثيرا، وكان الشيخ يؤذيني ويضربني، وإذا غبت وجئت يقول: قد جاءنا اليوم الخبز الكثير والفالوذج، وأكلنا وما خبأنا لك وحشة عليك، فطمع في أصحابه وقالوا: أنت فقيه، أيش تعمل معنا؟ فلما رآهم الشيخ يؤذونني غار لي، وقال لهم: يا كلاب، لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنما أؤذيه لأمتحنه، فأراه جبلا لا يتحرك، ثم بعد مدة قدم رجل من همذان يقال له يوسف الهمذاني، وكان يقال إنه القطب، ونزل في رباط؛ فلما سمعت به مشيت إلى الرباط، فلم أره، فسألت عنه، فقيل: هو في السرداب، فنزلت إليه، فلما رآني قام وأجلسني ففرشني، وذكر لي جميع أحوالي، وحل لي المشكل علي، ثم قال لي: تكلم على الناس، فقلت: يا سيدي أنا رجل أعجمي قح أخرس، أيش أتكلم على فصحاء بغداد؟ فقال لي: أنت حفظت الفقه وأصوله، والخلاف والنحو واللغة وتفسير القرآن، لا يصلح لك أن تتكلم؟ اصعد على الكرسي، وتكلم على الناس، فإني أرى فيك عذقا سيصير نخلة. قال: وقال لي الشيخ عبد القادر: كنت أؤمر وأنهى في النوم واليقظة، وكان يغلب علي الكلام، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم حتى أكاد أختنق، ولا أقدر أن أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي، ثم تسامع الناس بي، وازدحم علي الخلق، حتى صار يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا. وقال لي: فتشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع.

стр. 11593

وقال لي: كفي مثقوبة لا تضبط شيئا، لو جاءني ألف دينار لم أبيتها، وكان إذا جاءه أحد بذهب يقول له: ضعه تحت السجادة. وقال لي: أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري، كما كنت في الأول لا أرى الخلق ولا يروني. ثم قال: أراد الله مني منفعة الخلق، فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة، وتاب على يدي من العيارين والمشالحة أكثر من مائة ألف، وهذا خير كثير. وقال لي: ترد علي الأثقال الكثيرة، ولو وضعت على الجبال تفسخت، فأضع جنبي على الأرض، وأقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني. وقال لي: إذا ولد لي ولد أخذته على يدي، وأقول هذا ميت، فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثر عندي موته شيئا. وقال ابن النجار: سمعت عبد الرزاق بن عبد القادر يقول: ولد لوالدي تسع وأربعون ولدا، سبعة وعشرون ذكرا، والباقي إناث. وقال: كتب إلي عبد الله بن أبي الحسن الجبائي، قال: كنت أسمع كتاب الحلية على ابن ناصر، فرق قلبي، وقلت في نفسي: اشتهيت أن أنقطع عن الخلق وأشتغل بالعبادة، ومضيت فصليت خلف الشيخ عبد القادر، فلما صلى جلسنا، فنظر إلي وقال: إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدب، وإلا فتنقطع وأنت فريخ ما ريشت. قال ابن النجار: أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الشاهد، عن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر قال: سمعت أبا الثناء بن أبي البركات النهرملكي يقول: قال لي صديق لي: قد سمعت أن الشيخ عبد القادر لا يقع على ثيابه الذباب، فقلت: ما لي علم بهذا، ثم بكرنا يوم الجمعة، وحضرنا مجلسه، فالتفت إلي وإليه وقال: أيش يعمل الذباب عندي، لا دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة. قال: وأنبأنا أبو البقاء عبد الله بن الحسين الحنبلي، قال: سمعت يحيى بن نجاح الأديب يقول: قلت في نفسي: أريد أحصي كم يقص الشيخ

стр. 11594

عبد القادر شعرا من التواب، فحضرت المجلس ومعي خيط، فكلما قص شعرا عقدت عقدة تحت ثيابي من الخيط، وأنا في آخر الناس، وإذا به يقول: أنا أحل وأنت تعقد؟!. قال: وسمعت شيخ الصوفية عمر بن محمد السهروردي يقول: كنت أتفقه في صباي، فخطر لي أن أقرأ شيئا من علم الكلام، وعزمت على ذلك من غير أن أتكلم به، فاتفق أني صليت مع عمي الشيخ أبي النجيب، فحضر عنده الشيخ عبد القادر مسلما، فسأله عمي الدعاء لي، وذكر له أني مشتغل بالفقه، وقمت فقبلت يده، فأخذ يدي وقال لي: تب مما عزمت على الاشتغال به، فإنك تفلح، ثم سكت وترك يدي، ولم يتغير عزمي عن الاشتغال بالكلام، حتى شوشت علي جميع أحوالي، وتكدر وقتي، فعلمت أن ذلك بمخالفة الشيخ. قال: وسمعت أبا محمد ابن الأخضر يقول: كنت أدخل على الشيخ عبد القادر في وسط الشتاء وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، وحوله من يروحه بالمروحة، والعرق يخرج من جسده كما يكون في شدة الحر. قال: وسمعت عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني يقول: سمعت الحافظ عبد الغني يقول: سمعت أبا محمد ابن الخشاب النحوي يقول: كنت وأنا شاب أقرأ النحو، وأسمع الناس يصفون حسن كلام الشيخ عبد القادر، فكنت أريد أن أسمعه، ولا يتسع وقتي لذلك، فاتفق أن حضرت يوما مجلسه، فلما تكلم لم أستحسن كلامه، ولم أفهمه، وقلت في نفسي: ضاع اليوم مني، فالتفت إلى الجهة التي كنت فيها وقال: ويلك تفضل النحو على مجالس الذكر، وتختار ذلك؟! اصحبنا نصيرك سيبويه. وقال: حكى شيخنا أحمد بن ظفر ابن الوزير ابن هبيرة قال: سألت جدي أن يأذن لي إلى الشيخ عبد القادر، فأذن لي، وأعطاني مبلغا من الذهب، وأمرني أن أدفعه إليه، وتقدم إلي بالسلام عليه، فحضرت، فلما انقضى المجلس ونزل عن المنبر، سلمت عليه، وتحرجت من دفع الذهب إليه في ذلك الجمع، فبادرني الشيخ مستأنفا لفكرتي وقال: هات ما معك، ولا عليك

стр. 11595

من الناس، وسلِّم على الوزير، قال: ففعلت وانصرفت مَدهوشًا. وقال أبو بكر عبد الله بن نصر الهاشمي: حدثني أبو العباس أحمد بن المبارك المُرَقَّعاتي، قال: صحبت الشيخ عبد القادر. وقال صاحب مرآة الزمان (١): كان سكوت الشيخ عبد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلم على الخواطر، فظهر له صيت عظيم، وقبول تام، وما كان يخرج من مدرسته إلا يوم الجمعة، أو إلى الرباط، وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم معظم اليهود والنصارى، وما كان أحد يراه إلا في أوقات الصلاة، وكان يصدع بالحق على المنبر، وينكر على من يولي الظلمة على الناس، ولما ولَّى المقتفي القاضي ابن المرخم الظالم، قال على المنبر: وليت على المسلمين أظلم الظالمين، ما جوابك غدا عند رب العالمين؟ وكان له كرامات ظاهرة، لقد أدركت جماعة من مشايخنا يحكون منها جملة؛ حكى لي خالي لأمي خاصبك، قال: كان الشيخ عبد القادر يجلس يوم الأحد، فبت مهتما بحضور مجلسه، فاتفق أنني احتلمت، وكانت ليلة باردة، فقلت: ما أفوت مجلسه، وإذا انقضى المجلس اغتسلت، وجئت إلى المدرسة والشيخ على المنبر، فساعة وقعت عينه علي قال: يا زبير، تحضر مجلسنا وأنت جنب وتحتج بالبرد! وحكى لي (٢) مظفر الحربي، رجل صالح، قال: كنت أنام في مدرسة الشيخ عبد القادر لأجل المجلس، فمضيت ليلة وصعدت على سطوح المدرسة، وكان الحر شديدا، فاشتهيت الرطب وقلت: يا إلهي وسيدي، ولو أنها خمس رطبات، قال: وكان للشيخ باب صغير في السطح، ففتح الباب وخرج، وبيده خمس رطبات، وصاح: يا مظفر، وما يعرفني، تعال خذ ما طلبت، قال: ومن هذا شيء كثير، قال: وكان ابن يونس وزير الإمام الناصر قد قصد أولاد الشيخ عبد القادر، وبدد شملهم، وفعل في حقهم كل قبيح، ونفاهم إلى واسط، فبدد الله شمل ابن يونس ومزقه، ومات أقبح موتة.

стр. 11596

قلت: كان الشيخ ﵁ عديم النظير، بعيد الصيت، رأسا في العلم والعمل، جمع الشيخ نور الدين الشطنوفي المقرئ كتابا حافلا في سيرته وأخباره في ثلاث مجلدات، أتى فيه بالبرة وأذن الجرة، وبالصحيح والواهي والمكذوب، فإنه كتب فيه حكايات عن قوم لا صدق لهم، كما حكوا أن الشيخ مشى في الهواء من منبره ثلاث عشرة خطوة في المجلس، ومنها أن الشيخ وعظ، فلم يتحرك أحد فقال: أنتم لا تتحركون ولا تطربون، يا قناديل اطربي. قال: فتحركت القناديل، ورقصت الأطباق. وفي الجملة فكراماته متواترة جمة، ولم يخلف بعده مثله. توفي في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وله تسعون سنة، وشيعه خلق لا يحصون. قال الجبائي: كان الشيخ عبد القادر يقول: الخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك. ٢٤ - عبد العزيز بن علي بن محمد بن سلمة، أبو الأصبغ ابن الطحان الأندلسي السماني الإشبيلي المقرئ المجود، ويكنى أبا حميد أيضا. ولد سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بإشبيلية، وأخذ القراءات عن أبي العباس بن عيشون، وأبي الحسن شريح، وروى عنهما، وعن أبي عبد الله بن عبد الرزاق الكلبي، ويحيى بن سعادة، وأحمد بن بقاء صاحب أبي علي بن سكرة، وروى مصنف النسائي، عن أبي مروان بن مسرة، وروى أيضا عن جعفر ابن مكي. وانتقل بأخرة إلى مدينة فاس، ثم حج ودخل إلى العراق، ثم إلى الشام. وقرأ بواسط القراءات أيضا، وأقرأها، وكان بارعا في معرفتها وتعليلها وله مصنف في الوقف والابتداء. قال أبو عبد الله ابن الأبار (١): حج، وسمع منه، وجل قدره، وصنف تصانيف، وكان أستاذا ماهرا في القراءات، روى عنه عبد الحق الإشبيلي، وعلي بن يونس، وأجاز لشيخنا أبي القاسم بن بقي، وكانت رحلته سنة أربع وخمسين.

стр. 11597

وقال ابن الدبيثي (١): سمعت غير واحد يقول: ليس بالمغرب أعلم بالقراءات من ابن الطحان، قرأ عليه الأثير أبو الحسن محمد بن الحسن بن أبي العلاء، وأبو طالب بن عبد السميع، ونعمة الله بن أحمد بن أبي الهندباء، وغيرهم، وتوفي بحلب بعد الستين. قلت: كتبته في هذه السنة ظنا لا يقينا. ٢٥ - عبد الكريم بن محمد بن أبي الفضل بن محمد بن عبد الواحد، الفقيه أبو الفضائل الأنصاري الحرستاني الدمشقي الشافعي. قال الحافظ ابن عساكر (٢): ولد سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع جمال الإسلام السلمي، وأبا الحسن بن قبيس، ورحل فسمع ببغداد درس أبي منصور ابن الرزاز، وبخراسان درس محمد بن يحيى، وناب في التدريس عن ابن عصرون بالأمينية، وتوفي في رمضان. قلت: هو أخو قاضي القضاة جمال الدين عبد الصمد. ٢٦ - عبد الواحد بن علي بن عبد الواحد الدينوري، أخو شعيب. توفي قبل شعيب بأيام في صفر، وله أربع وثمانون سنة. روى عن أبيه، روى عنه أيضا عمر القرشي (٣). ٢٧ - علي بن أحمد بن علي بن أحمد بن جعفر، أبو الحسن القرشي الحرستاني الدمشقي. سمع جزء الرافقي بحرستا من أبي عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد في سنة ثمانين وأربعمائة، وكان ذاكرا لسماعه، وهو الذي عرف الطلبة بنفسه لما رآهم يسمعون بحرستا، وقال: ما أنسى ابن أبي الحديد وقد طلع إلى هنا، وسمعنا عليه، وطلعت إلى هذا الأصل الجوز، وفرطت لهم منه وأنا صبي، فدخل الطلبة ونبشوا سماعه وسمعوا منه. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابنه القاسم، ومحمود بن شتي، وأبو القاسم بن صصرى، وسيف الدولة محمد بن غسان، ومكرم، وكريمة، ولم

стр. 11598

يخبرني أحد أنه رأى أصل سماع كريمة منه. توفي في شوال. وآخر من روى لنا الجزء المذكور سنقر القضائي بحلب، عن مكرم عنه (١). ٢٨ - علي بن أحمد بن محمد ابن الكرخي، أبو المظفر. روى عن الحسين بن علي ابن البسري، وتوفي في المحرم وله أربع وثمانون سنة (٢). ٢٩ - عمر بن ثابت بن علي، أبو القاسم البغدادي، ويعرف بابن الشمحل. سمع أبا منصور الخياط، وأبا الحسن ابن العلاف، وتوفي في ذي الحجة، وعنه عمر القرشي، وأحمد بن طارق الكركي. وعاش خمسا وسبعين سنة، وكان ديوانيا متمولا، فعمل مدرسة للحنابلة درس بها أبو حكيم النهرواني، ثم ابن الجوزي، ثم قبض عليه وصودر وبيعت المدرسة ولم تثبت وقفيتها، وصارت دار أمير (٣). ٣٠ - محمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن مفرج، أبو القاسم الأندلسي الشلبي، المعروف بالقنطري. سمع أبا بكر بن غالب، وأبا الحسين بن صاعد، وجماعة، وبإشبيلية أبا الحكم بن برجان، وأبا بكر ابن العربي، وبقرطبة ابن مغيث، وابن أبي الخصال، وطائفة. قال الأبار (٤): كان من أهل المعرفة الكاملة بصناعة الحديث، بعيد الصيت في الحفظ والإتقان، جماعة للكتب، وقد شوور في الأحكام، روى عنه يعيش بن القديم الشلبي، وغيره، وتوفي بمراكش في ذي الحجة. ٣١ - محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن فرج بن سليمان، أبو

стр. 11599

عبد الله القيسي المكناسي الشاطبي، المعروف بابن تريس المقرئ. سمع من أبى علي بن سكرة، وأبي زيد ابن الوراق، وأبي محمد بن أبي جعفر، وأبي عمران بن أبي تليد، وطائفة، وله معجم شيوخه، وأخذ القراءات عن أبي بكر إبراهيم بن خلف، والشيخ أبي عبد الله ابن الفراء الزاهد، وجماعة. قال الأبار (١): تصدر بشاطبة للإقراء، سالكا طريقة جده محمد بن فرج، فأخذ عنه الناس، وكان قديم الطلب، مشاركا في الحديث والأدب، يتحقق في القراءات، مع براعة في الخط، وكتب علما كثيرا، حدث عنه أبو الحجاج بن أيوب، وأبو عمر بن عياد، وأثنى عليه ووصفه بالتقلل من الدنيا، وقال: توفي في جمادى الآخرة وله سبع وستون سنة، وروى عنه ابن سفيان ووصفه بالمشاركة في حفظ التاريخ والبصر بالنحو. ٣٢ - محمد بن علي بن محمد بن محمد بن أبان، الحاجب أبو الفضل ابن الوكيل البغدادي. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا محمد الحسن ابن رئيس الرؤساء، وتوفي في جمادى الآخرة، كتب عنه أبو المحاسن عمر القرشي (٢). ٣٣ - محمد بن علي ابن الوزير أبي نصر أحمد ابن الوزير نظام الملك أبي علي الطوسي. صدر، إمام، معظم، تفقه على أسعد الميهني، ودرس بمدرسة جدهم ببغداد ستة أعوام، ثم صرف، ثم أعيد سنة سبع وأربعين، وفوض إليه نظر أوقافها، كان ذا جاه عريض، وحرمة تامة، ثم عزل سنة سبع وخمسين، واعتقل مديدة ثم أطلق، فحج سنة تسع وخمسين، ثم سافر إلى دمشق، فأكرم مورده، وولي تدريس الغزالية إلى أن توفي. وقد سمع من أبي منصور بن خيرون، وأبي الوقت، ولم يرو لأنه مات شابا.

стр. 11600

توفي في أوائل صفر (١). ٣٤ - محمد بن علي بن محمد بن عمر، أبو رشيد الباغبان الأصبهاني. توفي في أواخر ربيع الأول، وله ثمانون سنة أو نحوها. ٣٥ - محمد بن علي، الأديب أبو الفتح سبط النطنزي. توفي في المحرم، وكان من الأدباء البلغاء، له النظم والنثر، سافر البلاد ولقي الأكابر، وسمع من أبي علي الحداد، وغانم البرجي، وببغداد من أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، كتب عنه أبو سعد السمعاني، والمبارك بن كامل. وكان محتشما، نديما للملوك، يرجع إلى دين وخير. ونطنز: بليدة بنواحي أصبهان (٢). ومن شعره: يا طالبا للعلم كي تحظى به … دينا ودنيا حظوة تعليه اسمعه ثم احفظه ثم اعمل به … لله ثم انشره في أهليه ٣٦ - محمد بن محمد بن أحمد، أبو الأزهر بن غزال، الواسطي، الكاتب. ولد سنة خمس وثمانين، وسمع من خميس الحوزي، وأبي نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وكان من كبار الكتاب المتصرفين، روى عنه أحمد بن طارق الكركي، وتوفي في وسط السنة (٣). ٣٧ - محمد بن محمد بن هبة الله، أبو بكر القادسي، البغدادي، المغسل. روى عن أبي سعد بن خشيش، روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي، وتوفي في ربيع الآخر (٤).

стр. 11601

٣٨ - محمد بن يحيى بن محمد بن هبيرة، الرئيس عز الدين ابن الوزير عون الدين. ناب في الوزارة عن أبيه مدة، فلما توفي أبوه حبس فهرب من الحبس، وواعد بدويا حتى يهرب به، فنم به وذهب إلى أستاذ الدار، فأخبره به، فأخذه وضربه ضربا مبرحا وألقي في مطمورة، ثم خنق ﵀، وأخرج من دار الخلافة ميتا (١)، ثم خنق أخوه شرف الدين ظفر في السنة الآتية. ٣٩ - محمد بن أبي القاسم بن بابجوك، الأستاذ أبو الفضل الخوارزمي، البقالي، النحوي، صاحب التصانيف. ويعرف أيضا بالأدمي، لحفظه في النحو مقدمة الأدمي تلميذ الزمخشري؛ وجلس بعده في حلقته، واشتهر اسمه وبعد صيته، وأقبل الطلبة على تصانيفه. مات في سلخ جمادى الآخرة، وقد نيف على السبعين (٢). ٤٠ - مسعود بن محمد بن أحمد، القاضي أبو الفضائل المديني، الخطيب. توفي في الخامس والعشرين من ذي الحجة رحمه الله تعالى، قاله عبد الرحيم الحاجي (٣). ٤١ - مشرف بن أبي سعد محمد بن إبراهيم الخباز، والد ثابت. شيخ بغدادي، سمع بإفادة أخيه المفيد علي من أبي الغنائم ابن المهتدي بالله، ومحمد بن عبد الباقي الدوري، وجماعة، روى عنه ابنه، وعبد الرزاق الجيلي، ومات في صفر (٤). ٤٢ - معمر بن عسكر بن قاسم، أبو الحسن المخرمي المؤدب. سمع أبا بكر أحمد بن سوسن التمار، وأبا القاسم بن بيان، وأبا محمد الحريري البصري. روى عنه داود بن معمر بن الفاخر في معجمه.

стр. 11602

وكان صالحا يؤدب، وهو والد عبد اللطيف الذي روى عنه الأبرقوهي جزء أبي الجهم، توفي في رجب. ٤٣ - مكي بن محمد بن هبيرة. كان أسن من أخيه الوزير عون الدين، كنيته أبو جعفر، وكان فاضلا، شاعرا فقيها، نظم الخرقي في الفقه وقرئ عليه مرارا؛ وولد قبل السبعين. وخاف عندما سقي أخوه، فنزح عن بغداد، فأدركه الموت بنواحي الموصل في ذي الحجة، وله نحو من تسعين سنة أو أكثر، ولم يسمع إلا من المتأخرين، ولو سمع على مقدار عمره لسمع من أصحاب المخلص. ٤٤ - هبة الله بن عبد العزيز بن علي، أبو القاسم الجزري، المعدل. سمع أبا عثمان بن ملة، روى عنه نصر ابن الحصري بمكة، وتوفي في ذي القعدة ببغداد فيما أرى (١). ٤٥ - يوسف بن فتوح، أبو الحجاج الأندلسي، المريي، العشاب. سمع أبا علي بن سكرة، وخلف ابن الإمام، وكان ذكيا فاضلا، ولي الشورى ببلده، ثم حج، ونزل بمدينة فاس، وكان له حظ من الفقه، والتفسير، ومعرفة النبات؛ كان يجلبه ويتجر فيه، روى عنه أبو الحسن بن النقرات، وأبو عبد الله بن العقار، ويحيى بن أحمد الجذامي، ويوسف بن أحمد، توفي سنة إحدى أو اثنتين وستين، قاله الأبار (٢). وقد ذكره ابن فرتون فقال: أخذ بقرطبة عن أبي علي الجياني، وأبي القاسم خلف ابن الإمام الإشبيلي، وتحمل عنه الموطِأ وكان بصيرا بالنبات، وركب من المرية إلى بجاية، فغرقت كتبه بمرسى بجاية، فأتى فاس، وأخفى نفسه عن الرواية، ثم روى الموطأ. ٤٦ - يوسف بن المبارك، أبو الفرج ابن البيني (٣) الدلال. سمع أبا القاسم الربعي، وجعفر السراج، وعنه ابن عساكر، وابن الأخضر، وابن الحصري.

стр. 11603

مات في ذي القعدة. ٤٧ - يوسف بن محمد بن سماجة، أبو الحجاج الداني. سمع من أبي علي الصدفي ابن سكرة، وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر، وناظر وبرع في الفقه، وكان مائلا إلى علم الكلام وأصول الفقه، مشاركا في الحديث، ولي قضاء دانية، ثم بلنسية، وتوفي على قضائها يوم عيد الفطر، وله ثمان وسبعون سنة (١). ٤٨ - أبو عاصم بن الحسين بن زينة (٢)، الأصبهاني المحدث. أجاز لكريمة، وغيرها، واسمه أحمد، يروي عن أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وغير واحد. توفي في أواخر (٣) ربيع الأول. ٤٩ - أبو الفضائل بن شقران البغدادي. قال ابن الجوزي (٤): كان في مبدأ أمره يتتلمذ لأبي العز الواعظ، ثم صار فقيها، ثم صار معيدا بالنظامية، ووعظ، وأخذ ينصر مذهب أبي الحسن الأشعري ويبالغ، فتقدم الوزير ابن هبيرة بمنعه، فأنزل عن المنبر يوم جلوسه، ثم ترك الوعظ، وأقام برباط بهروز مدة. وتوفي في صفر. وهو أحمد المذكور في أول السنة (٥).

стр. 11604

سنة اثنتين وستين وخمسمائة ٥٠ - أحمد بن عبد الملك بن محمد، أبو البركات البزوغائي (١) ثم البغدادي. سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا الحسين ابن الطيوري، وابن العلاف، سمع منه أبو سعد السمعاني، وحدث عنه ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وأحمد بن أحمد البندنيجي. ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، ومات في شعبان (٢). ٥١ - أحمد بن علي بن الخليل، أبو العباس الجوسقي، المقرئ، الخطيب، خطيب صرصر. سمع محمد بن عبد الباقي الدوري، وعبد القادر اليوسفي، وابن الحصين، روى عنه ابنه خليل، وابن الأخضر، وأحمد ابن البندنيجي، ووصفاه بالصلاح. مات في رمضان عن أربع وسبعين سنة (٣). ٥٢ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، أبو عبد الله الأصبهاني، المعدل، المعروف بقلا. قدم بغداد، وحدث عن غانم البرجي، والحداد، وأبي منصور بن مندويه الشروطي، وجماعة، روى عنه ابن الأخضر، ونصر ابن الحصري. توفي في سادس شوال بأصبهان (٤). ٥٣ - أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد، أبو العابس الأنصاري الأندلسي.

стр. 11605

روى عن أبي بكر بن غالب بن عطية، وأبي علي الصدفي، وأبي الحسن ابن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، وأبي محمد بن عتاب، وغيرهم. وكان متقنا للقراءات، والتفسير، والكلام، يغلب عليه علم اللغة. حدث عنه أبو ذر الخشني، وأبو الخطاب بن واجب، وأبو عبد الله الأندرشي. ورخه الأبار (١). ٥٤ - أحمد بن موهوب بن أحمد النرسي. عن ابن بيان الرزاز، وابن العلاف، وعنه عمر القرشي، وأبو الفتوح ابن الحصري. توفي في شعبان (٢). ٥٥ - الخضر بن شبل بن عبد، الفقيه أبو البركات الحارثي، الدمشقي، الشافعي، خطيب دمشق ومدرس الغزالية، والمجاهدية. كان فقيها، إماما كبير القدر، بعيد الصيت، بنى نور الدين مدرسته التي عند باب الفرج، وجعله مدرسها، وقد قرأ على أبي الوحش سبيع، وسمع منه، ومن ابن الموازيني، وجماعة، روى عنه ابن عساكر، وابنه، وزين الأمناء، وأبو نصر بن الشيرازي، وآخرون. وذكر له ابن عساكر ترجمة حسنة، فقال (٣): سمع النسيب وأبا طاهر الحنائي، وأبا الحسن ابن الموازيني، وأبا الوحش المقرئ، وجماعة كثيرة. وصحب أبا الحسن بن قبيس، وتفقه على جمال الإسلام، وأبي الفتح نصر الله المصيصي، وكتب كثيرا من الحديث والفقه، ودرس سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وكان سديد الفتوى، واسع المحفوظ، ثبتا في الرواية، ذا مروءة ظاهرة، لزمت درسه مدة، وعلقت عنه من مسائل الخلاف، وكان عالما بالمذهب، يتكلم في الأصول والخلاف، ولد في شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة، وتوفي في ذي القعدة، ودفن بمقبرة باب الفراديس. وقد قال السلفي: سمعت أبا البركات الخضر بن شبل صاحبنا بدمشق

стр. 11606

يقول: سمعت الشريف النسيب أبا القاسم يقول: أبو علي الأهوازي المقرئ، ثقة ثقة. ٥٦ - الحسن بن محمد بن هبة الله بن محمد بن علي بن المطلب، أبو علي ناظر بعقوبا. سيئ السيرة، سمع ابن العلاف، وابن نبهان، وعنه أحمد بن طارق، مات في ذي الحجة (١). ٥٧ - عبد الجليل بن أبي سعد منصور بن إسماعيل بن أبي سعد بن أبي بشر بن محمد، أبو محمد الهروي، الفامي، المعدل. قال ابن السمعاني: كان من أهل الخير والصدق، سمع أبا منصور عبد الرحمن بن محمد البوشنجي كلار، وأم الفضل بيبى، وتفرد عنهما، وأبا إسماعيل شيخ الإسلام، وغيرهم. قلت: روى عنه هو، وابنه عبد الرحيم، وقال: ولد في سادس شعبان سنة سبعين، وروى عنه عبد القادر الرهاوي وهو أعلى شيخ له رواية، وعبد الباقي بن عبد الواسع الأزدي، وآخرون. ولم يكن بقي في الدنيا أعلى إسنادا منه، وبموته ختم حديث البغوي بعلو، ﵀. ٥٨ - عبد الرحمن بن يحيى بن عبد الباقي بن محمد، أبو محمد الزهري، البغدادي. قال ابن مشق: توفي في ثامن عشر ذي الحجة، ودفن عند أخيه، ومولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ويعرف بابن شقران، وهم جماعة إخوة. سمع هذا من أبي الفضل أحمد بن خيرون، والحسين بن محمد السراج، وهبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري، وعبد المحسن الشيحي، سمع منه أبو الحسن الزيدي، وأبو المحاسن القرشي، وأحمد بن طارق الكركي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وغيرهم. قال ابن الدبيثي (٢): ولأبي الفضل بن شافع فيه كلام يغمزه به.

стр. 11607

قلت: آخر من روى عنه بالإجازة ابن مسلمة (١). قال ابن النجار: روى لنا عنه ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وابن الحصري، وعلي بن مظفر العكبري. قال عمر بن علي: بان لنا تزوير هذا الشيخ، وعلمنا منه أشياء تبطل روايته. وقال أحمد بن شافع: كان ذا هنة، قد صحب العلماء لو لم يفسد نفسه بنفسه، ولم يكن من أهل هذا الشأن. ٥٩ - عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن جعفر، الحافظ الكبير أبو سعد، الملقب بتاج الإسلام، ابن الإمام الأوحد تاج الإسلام معين الدين أبي بكر ابن الإمام المجتهد أبي المظفر التميمي السمعاني المروزي، محدث المشرق، وصاحب التصانيف. ولد في الحادي والعشرين من شعبان سنة ست وخمسمائة بمرو، وحمله والده أبو بكر إلى نيسابور سنة تسع، وأحضره السماع من عبد الغفار الشيرويي، وأبي العلاء عبيد بن محمد القشيري، وجماعة وأحضره بمرو علي أبي منصور محمد بن علي الكراعي، وغيره. ومات أبوه سنة عشر في أولها، وتربى أبو سعد بين أعمامه وأهله، فلما راهق أقبل على القرآن والفقه والاشتغال؛ وكبر وأحب الحديث والسماع، وعني بهذا الشأن، ورحل قبل الثلاثين وبعدها إلى خراسان، وأصبهان، والعراق، والحجاز، والشام، وطبرستان، وما وراء النهر، فسمع بنفسه من الفراوي، وزاهر الشحامي، وهبة الله السيدي، وتميم الجرجاني، وعبد الجبار الخواري، والحسين بن عبد الملك الخلال، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وإسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ، وإسماعيل بن أبي القاسم القارئ، وأبي سعد أحمد ابن الإمام أبي بكر محمد بن ثابت الخجندي، وأبي نصر أحمد بن عمر الغازي، وعبد المنعم ابن القشيري، وعبد الواحد بن حمد الشرابي، ومحمد بن محمد الكبريتي، وفاطمة بنت زعبل، وأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وعلي بن علي الأمين، وعبد الرحمن بن محمد الشيباني

стр. 11608

القزاز، وعمر بن إبراهيم العلوي الكوفي. وسمع بمدن كثيرة، وألف معجم البلدان التي سمع بها، وصنف كتاب الأنساب، وكتاب ذيل تاريخ بغداد، وكتاب تاريخ مرو، وعاد إلى وطنه سنة ثمان وثلاثين، فتزوج وولد له أبو المظفر عبد الرحيم، فاعتنى به، وأسمعه الكثير، ورحل به إلى نيسابور ونواحيها، وهراة ونواحيها، وبلخ، وسمرقند، وبخارى، وصنف له معجما، ثم عاد به إلى مرو، وألقى بها عصى الترحال، وأقبل على التصنيف والإملاء والوعظ والتدريس؛ درس بالمدرسة العميدية، وكان عالي الهمة في الطلب، سريع الكتابة جدا، مجتهدا، مضبوط الأوقات، كتب عمن دب ودرج، وجمع معجمه في عشر مجلدات كبار. قال أبو عبد الله ابن النجار (١): سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ، وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد، لطيف المزاج، ظريفا، حافظا، واسع الرحلة، ثقة، صدوقا، دينا، جميل السيرة، سمع منه مشايخه وأقرانه، وحدثنا عنه جماعة من أهل خراسان، وبغداد. قلت: روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو أحمد ابن سكينة، وعبد العزيز بن منينا، وأبو روح عبد المعز الهروي، وأبو الضوء شهاب الشذياني، والافتخار عبد المطلب الهاشمي، وابنه أبو المظفر عبد الرحيم بن السمعاني، ويوسف بن المبارك الخفاف، وأبو الفتح محمد ابن محمد بن عمر الصائغ، وآخرون. ذكر مصنفاته في تاريخ ابن النجار، وذكر أنه نقلها من خطه: الذيل على تاريخ الخطيب أربعمائة طاقة، تاريخ مرو خمسمائة طاقة، طراز الذهب في أدب الطلب مائة وخمسون طاقة، الإسفار عن الأسفار خمس وعشرون طاقة، الإملاء والاستملاء خمس عشرة طاقة، معجم البلدان خمسون طاقة، معجم الشيوخ ثمانون طاقة، تحفة المسافر مائة وخمسون طاقة، التحف والهدايا خمس وعشرون طاقة، عز العزلة سبعون طاقة، والأدب في استعمال الحسب خمس طاقات، المناسك ستون

стр. 11609

طاقة، الدعوات أربعون طاقة، الدعوات النبوية خمس عشرة طاقة، الحث على غسل اليد خمس طاقات، أفانين البساتين خمس عشرة طاقة، دخول الحمام خمس عشرة طاقة، فضل صلاة التسبيح عشر طاقات، التحايا والهدايا ست طاقات، تحفة العيدين ثلاثون طاقة، فضل الديك خمس طاقات، الرسائل والوسائل خمس عشرة طاقة، صوم الأيام البيض خمس عشرة طاقة، سلوة الأحباب ورحمة الأصحاب خمس طاقات، التحبير في المعجم الكبير ثلاث مائة طاقة، فرط الغرام إلى ساكني الشام خمس عشرة طاقة، مقام العلماء بين يدي الأمراء إحدى عشرة طاقة، المساواة والمصافحة ثلاث عشرة طاقة، ذكرى حبيب رحل وبشرى مشيب نزل عشرون طاقة، الأمالي الخمسمائة مئتا طاقة، فوائد الموائد مائة طاقة، وفضل الهر ثلاث طاقات، الأخطار في ركوب البحار سبع طاقات، الهريسة ثلاث طاقات، تاريخ الوفاة للمتأخرين من الرواة خمس عشرة طاقة، الأنساب ثلاث مائة وخمسون طاقة، الأمالي ستون طاقة، بخار بخور البخاري عشرون طاقة، تقديم الجفان إلى الضيفان سبعون طاقة، صلاة الضحى عشر طاقات، الصدق في الصداقة، الربح في التجارة، رفع الارتياب عن كتابة الكتاب أربع طاقات، النزوع إلى الأوطان خمس وثلاثون طاقة، حث الإمام على تخفيف الصلاة في طاقتين، لفتة المشتاق إلى ساكني العراق أربع طاقات، السد لمن اكتنى بأبي سعد ثلاثون طاقة، فضائل الشام في طاقتين، فضل يس في طاقتين. توفي - وأبو المظفر ابنه هو الذي ورخه -، في غرة ربيع الأول، وله ست وخسمون سنة (١). ٦٠ - عبد الواحد بن الحسين بن عبد الواحد، أبو محمد البغدادي، البزاز، ويعرف بابن البارزي. سمع أبا عبد الله النعالي، وابن البطر، ويحيى بن ثابت، روى عنه الحافظ عبد الغني، وأبو الحسن بن رشيد، وأبو طالب بن عبد السميع، وأبو محمد بن

стр. 11610

قدامة، وآخرون، وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد أحمد بن مسلمة (١)، وتوفي في شوال، وله اثنتان وثمانون سنة. أخبرنا عبد الحافظ، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الواحد، قال: أخبرنا الحسين بن طلحة، قال: حدثنا الحسن بن الحسين ابن المنذر، قال: حدثنا عمر بن دينار إملاء، قال: حدثنا أبو يزيد يوسف بن يزيد بن كامل، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا عثمان بن مكتل، وأنس بن عياض؛ قالا: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (٢). قال ابن النجار (٣): كان عبد الواحد شيخا صالحا على طريقة السلف. ٦١ - عبد الهادي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مأمون، أبو عروبة السجستاني الزاهد شيخ الصوفية وإمام سجستان. يحول من الماضية إلى هنا (٤)، فإن فيها ورخه الحافظ يوسف بن أحمد الشيرازي، وقال: كان للمذهب ركنا وثيقا، ولأهل الحديث حصنا منيعا، وكان صلب الدين، خلف جده وخاله في الرد على المبتدعين، وكانت أوراده تستغرق ليله ونهاره، ومناقبه لا تنتهي حتى ينتهى عنها. وقد سمع عنه الحفاظ لما حج كأبي مسعود كوتاه، وأبي العلاء العطار، وابن ناصر. رحل (٥) إليه الحافظ عبد القادر (٦)، فأكثر عنه، وقال: سمع الحديث من

стр. 11611

جده عبد الله سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وحج، وسمع المسند من ابن الحصين، وبلغني أنه لما حج قرأ عليه ابن ناصر مسلسلات أبى حاتم ابن حبان، وكان زاهدا، ورعا متواضعا، كثير النوافل، سريع الدمعة، حسن الأخلاق، عاش تسعا وثمانين سنة ما عرفت له زلة، وكان منتشر الذكر في البلاد القاصية بحسن السيرة، وكان له رباط ينزل فيه كل من أراد من القادمين، ووقف عليه نصف قرية، فكان لا يتناول من ذلك شيئا، بل يجعله في نفقة الرباط، ويتعيش بغليلة له يسيرة، ومات وعليه دين؛ هذا مع سعة جاهه بسجستان، حتى عند بعض مخالفيه، بلغنا موته وأنا بهراة بعد مفارقتي له بقليل، فأغلقت أسوار هراة، ومنع الوعاظ من الوعظ، وجلس كبراء هراة من العلماء والرؤساء، والعمال في الجامع عليهم ثياب العزاء، وجلس واعظ وذكر مناقبه، وبكى الناس عليه، كنت يوما عنده، فجاء إنسان فجعل يحدثنا بدخل بغداد، فتعجب وقال: سبحان الله، إنسان يعيش حتى يشيخ، ولا يرى في يد أحد عشرة دنانير! قلت: ولا رأيت في يدك عشرة دنانير؟ قال: ولا خمسة، وكان يعظ في رباطه، فلما جئت إلى عنده قال: الآن أريد أن أشتغل بالحديث، فلم يعظ مدة مقامي، وكان قد ولي سجستان أمير معتزلي، فقصد الشيخ، فخرج من سجستان إلى هراة، وتلقوه ملتقى حسنا، ونزل في رباط شيخ الإسلام، وكان له ابن يقال له عبد المعز، سمع مع أبيه من أبي نصر هبة الله بن عبد الجبار بن فاخر، وكان أعلم من أبيه، وقريبا منه في السيرة والعقل والوقار والحرمة عند الناس، فلم يعش بعد أبيه طائلا، سمعت رجلا بسجستان يقول: خبرت أهل سجستان ليس فيهم أدين من عبد الهادي وأولاده، وكان لديانته قد فوض إليه الوقف وإمامة الجامع، وكان لا يقدر أحد من المخالفين يصلي في الصف الأول من الجامع من غلبة أصحابه، مع قلتهم وكثرة المخالفين، ومساعدة السلطان لمخالفيه. قلت: توفي في هذه السنة إن شاء الله (١)، فإن فيها كان عبد القادر بهراة، وقد شهد عزاءه. وأجاز لنا أبو زكريا يحيى ابن الصيرفي الفقيه وغيره، قالوا: أخبرنا

стр. 11612

عبد القادر، قال: أخبرنا أبو عروبة عبد الهادي … فذكر أحاديث (١). ٦٢ - عبيد الله بن سعيد بن حسن ابن الخوزي، أبو منصور، وكيل الوزير أبي المظفر بن هبيرة. سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا القاسم بن بيان، روى عنه عبد العزيز ابن الأخضر، وتوفي في ذي الحجة (٢). أخبرنا ابن الفراء، قال: أخبرنا أبو محمد بن قدامة، قال: حدثنا أبو منصور ابن الخوزي، قال: أخبرنا ابن خشيش، فذكر حديثا. ٦٣ - علي بن أحمد بن محمد ابن الكرخي، أبو المظفر الأزجي، أخو محمد والحسن. شيخ حسن نظيف، منزو في منزله، مشتغل بالخير، سمع أبا الفضل بن خيرون، ومحمد بن عبد السلام الأنصاري، وأبا بكر الطريثيثي، ومحمد بن أبي نصر الحميدي، وعنه ابن الأخضر، وعبد الرزاق الجيلي، وغيرهما. مولده في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ومات في المحرم سنة اثنتين وستين وخمسمائة (٣). ٦٤ - علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد، أبو القاسم بن أبي الفضائل الكلابي الدمشقي الفقيه الشافعي الفرضي النحوي، المعروف بجمال الأئمة ابن الماسح. من علماء دمشق الكبار، ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقرأ لابن عامر وغيره من القراء على أبي الوحش سبيع بن قيراط، وغيره، وسمع أباه، وسبيعا، وأبا تراب حيدرة، وعبد المنعم بن الغمر، وغيرهم، وتفقه على: جمال الإسلام السلمي، ونصر الله المصيصي، وكانت له حلقة كبيرة بالجامع يقرئ فيها القرآن والفقه والنحو، وكان معيدا لجمال الإسلام أبي الحسن بالأمينية،

стр. 11613

ودرس بالمجاهدية، وكان حريصا على الإفادة، وعليه كان الاعتماد في الفتوى وقسمة الأرضين. قلت: روى عنه أبو المواهب وأبو القاسم ابنا صصرى، وجماعة، ومات في ذي الحجة، وقد حدث بكتاب الوجيز للأهوازي في القراءات، عن أبي الوحش سبيع، عنه (١). ٦٥ - علي بن أبي سعد محمد بن إبراهيم بن شستان (٢)، أبو الحسن الأزجي، الخباز، وقيل: اسم أبيه ثابت. كان علي أحد طلبة الحديث ببغداد، وكان يلقب بالمفيد، وهو خال يحيى من بوش، فلذلك سمعه الكثير، سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وأبا الغنائم ابن المهتدي، والفقيه أبا الخطاب فمن بعدهم، وحدث بالكثير، وكان ثقة، فاضلا، ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة. روى عنه يحيى بن بوش، والحافظ عبد الغني، وابن الأخضر، والشيخ الموفق، وأبو طالب بن عبد السميع، وعبد العزيز بن باقا، وآخرون، وتوفي في عاشر شعبان (٣). ٦٦ - علي بن مهدي بن مفرج، أبو الحسن الهلالي الدمشقي، الطبيب. سمع أبا الفضل ابن الكريدي، وأبا القاسم النسيب، وأبا طاهر الحنائي، وجماعة، ورحل في الكهولة إلى بغداد، فسمع من القاضي أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور بن خيرون، ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان يطب في المارستان، ونسخ الكثير، روى عنه الحافظ ابن عساكر، وأبو نصر ابن الشيرازي، ومكرم التاجر، وكريمة، وآخرون، ومات في ذي الحجة (٤). ٦٧ - علي بن يوسف بن خلف بن غالب، أبو الحسن العبدري، الداني.

стр. 11614

أخذ القراءات عن عمر بن أبي الفتح (١)، وعتيق بن محمد، وروى عن أبي بكر ابن الخياط، وأبي العباس بن عيسى، وأبي بكر بن برنجال، وتفقه بهم، وأخذ الآداب واللغة عن جماعة. وكان فقيها، إماما، مفتيا، مشاورا، كبير القدر، بليغا، مفوها، متضلعا من العلوم، عاش ثمانين سنة. ويقال إنه مات في سنة تسع وخمسين (٢). ٦٨ - عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن نصر - بالتحريك -، العلامة أبو شجاع البسطامي، ثم البلخي، إمام مسجد راغوم. ذكره ابن السمعاني فقال: مجموع حسن وجملة مليحة، مفت، مناظر، محدث، مفسر، واعظ، أديب، شاعر، حاسب. قال: وكان مع هذه الفضائل حسن السيرة، جميل الأمر، مليح الأخلاق، مأمون الصحبة، نظيف الظاهر والباطن، لطيف العشرة، فصيح العبارة، مليح الإشارة في وعظه، كثير النكت والفوائد، وكان على كبر السن حريصا على طلب الحديث والعلم، مقتبسا من كل أحد، قال لي: ولدت في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، سمع ببلخ أباه، وأبا القاسم أحمد بن محمد الخليلي، وإبراهيم بن محمد الأصبهاني، وأبا جعفر محمد بن الحسين السمنجاني وعليه تفقه، وجماعة كبيرة، كتبت عنه الكثير بمرو وهراة وبخارى، وبسمرقند، وكتب عني الكثير، وحصل نسخة بهذا الكتاب، يعني ذيل تاريخ الخطيب، وكتب إلي من بلخ أبياتا، وهي: يا آل سمعان ما أسنى فضائلكم … قد صرن في صحف الأيام عنوانا معاهد ألفتها النازلون بها … فما وهت بمرور الدهر أركانا حتى أتاها أبو سعد فشيدها … وزادها بعلو الشأن بنيانا كانوا ملاذ بني الآمال فانقرضوا … مخلفين به مثل الذي كانا كانوا رياضا فأهدوا من خلائقه … إلى طبائعنا روحا وريحانا

стр. 11615

لولا مكان أبي سعد لما وجدوا … على مفاخرهم للناس برهانا كأن مآثرها عين الزمان وقد … صارت مناقبه للعين إنسانا زان التواريخ بالتذييل مخترعا … أعجب بذيل به أضحى جريانا وقاه ربي من عين الكمال فما … أبقت علاه لرد العين نقصانا قلت: سمع من الخليلي مسند الهيثم بن كليب، وغريب الحديث لابن قتيبة، والشمائل للترمذي، وصنف كتابا في أدب المريض والعائد. وقال ابن السمعاني في موضع آخر: لا يعرف أجمع للفضائل منه مع الورع التام، وسمع الإمام أبا حامد أحمد بن محمد الشجاعي، وأبا نصر محمد بن محمد الماهاني، وعبد الرحمن بن عبد الرحيم القاضي، وجماعة كثيرة. قلت: روى عنه أبو سعد السمعاني، وابنه عبد الرحيم، وابن الجوزي، والافتخار عبد المطلب الهاشمي، والتاج الكندي، وعبد الوهاب ابن سكينة، وأبو الفتح المندائي، وأبو روح عبد المعز الهروي، وآخرون. توفي سنة اثنتين ببلخ (١). ٦٩ - قرا رسلان بن داود بن سقمان بن أرتق بن أكسب، الأمير فخر الدين صاحب حصن كيفا وأكثر ديار بكر. لما احتضر بعث إلى الملك نور الدين يقول: بيننا صحبة في الجهاد وأريد أن ترعى ولدي، ولما توفي تملك بعده ولده نور الدين محمد، فحماة الملك نور الدين وذب عنه، ومنع أخاه قطب الدين من قصده، قاله ابن الأثير (٢). ٧٠ - قيس بن محمد بن إسماعيل، أبو عاصم السويقي، المؤذن. شيخ أصبهاني فاضل، صوفي، مؤذن بجامع أصبهان. ذكره ابن السمعاني فقال: كان حسن السيرة والطريقة، وكان رفيقا لأبي نصر اليونارتي إلى بغداد، فسمع بقراءته بها من أبي الحسين ابن الطيوري، وغيره. قلت: وسمع من أبي الحسن ابن العلاف، والحسن بن محمد بن

стр. 11616

عبد العزيز التككي، وأبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وابن بيان، وابن نبهان، وعبد الله بن علي ابن الآبنوسي، وغيرهم، وانتقى له اليونارتي جزءا، وسمع منه الفضلاء. قال أبو سعد السمعاني: لحقته وما اتفق لي السماع منه، وحدثني عنه جماعة. قال الحافظ الضياء، ومن خطه نقلت: سمعت أبا الضوء شهاب بن محمود يقول: سمعت أبا سعد عبد الكريم بن محمد يقول: سمعت محمد بن أبي نصر بن الحسن الخونجاني بأصبهان يقول: سمعت أبا عاصم قيس بن محمد الصوفي يقول: سمعت المبارك بن عبد الجبار بن أحمد يقول: سمعت محمد بن علي الصوري الحافظ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن علي الأنطاكي يقول: سمعت ابن الشعشاع المصري يقول: رأيت أبا بكر ابن النابلسي بعدما قتل في المنام وهو في أحسن هيئة، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: حباني مالِكِي بدوامِ عِزٍّ … وواعَدَني بقُربِ الانتصارِ وقرَّبني وأَدْناني إِلَيْهِ … وقال: أنعم بعَيْشٍ فِي جِواري قلت: أنبأنا بذلك أحمد بن سلامة عن يحيى بن بوش، عن أحمد بن عبد الجبار، عن الصوري كتابة. وقد روى عنه بالإجازة أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة القرشية، وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة وهو في عشر التسعين. ٧١ - محمد بن إبراهيم بن ثابت، أبو عبد الله المصري الكيزاني الواعظ المقرئ. من شيوخ المصريين الفضلاء، توفي في المحرم، وله كلام في السنة، وشعر جيد كثير في الزهد، وكان زاهدا ورعا، له أصحاب ينتمون إليه. وقيل: توفي في ربيع الأول. قال أبو المظفر سبط الجوزي (١): إنه توفي في سنة ستين، فيحرر هذا. وقال (٢): كان يقول بأن أفعال العباد قديمة، وبينه وبين المصريين خلاف

стр. 11617

وكان قد دفن عند الشافعي، فتعصب عليه الخبوشاني الشافعي ونبشه وقال: هذا حشوي لا يكون عند الشافعي، ودفن في مكان آخر. من شعره: يا من يتيه على الزمان بحسنه … اعطف على الصب المشوق التائه أضحى يخاف على احتراق فؤاده … أسفا لأنك منه في سودائه ٧٢ - محمد بن أبي سعد الحسن بن محمد بن علي بن حمدون، أبو المعالي الكاتب المعدل، كافي الكفاة، بهاء الدين البغدادي. من بيت فضل ورئاسة هو وأبوه، وكان ذا معرفة تامة بالأدب والكتابة، وله أخوان: أبو نصر، وأبو المظفر. سمع في سنة عشر وخمسمائة من إسماعيل بن الفضل الجرجاني، روى عنه ابنه أبو سعد الحسن، وأحمد بن طارق الكركي، وأحمد بن أبي البقاء العاقولي، وصنف كتاب التذكرة في الآداب والنوادر والتواريخ، وهو كبير مشهور (١). وكان عارض الجيش المقتفوي، ثم صار صاحب الزمام المستنجدي. قال العماد في الخريدة (٢): وقف الإمام المستنجد على حكايات رواها ابن حمدون في التذكرة توهم غضاضة على الدولة، فأخذ من دست منصبه وحبس، ولم يزل في نصبه إلى أن رمس. توفي في ذي القعدة محبوسا وله سبع وستون سنة. وتوفي أخوه أبو نصر في سنة خمس وأربعين (٣). ٧٣ - محمد بن عبد العزيز بن بادار القزويني ثم الطوسي، أبو جعفر زوج كهر بنت زاهر الشحامي. قال أبو سعد السمعاني: سمعت منها، ومات هو في المحرم سنة اثنتين عن أربع وتسعين سنة، سمع من شيخنا عبد الغفار الشيرويي. ٧٤ - محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد، أبو المعالي

стр. 11618

ابن الجبان الحريمي، المعروف بابن اللحاس العطار. سمع من جده أبي الحسن محمد، وعبد الله بن عطاء الهروي الإبراهيمي، وطراد الزينبي، والحسين بن محمد بن الحسين السراج، وغيرهم، وأجاز له أبو القاسم ابن البسري، وهو آخر من روى عن أكثر هؤلاء المسمين. وقد سمع من جده سنة ثمان وسبعين عن أحمد بن علي البادي في حياة أبي نصر الزينبي، وقد روى الكثير عن ابن البسري بالإجازة، وكان يمكنه أيضا السماع منه، فإنه ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة، وتوفي في تاسع عشر ربيع الآخر وله أربع وتسعون سنة. روى عنه أبو سعد السمعاني، ويوسف بن المبارك البيع، وعبد الرحمن بن إسماعيل ابن السمذي، وعمر بن عيسى البزوري، وعبد الغني بن عبد العزيز ابن البندار، وأبو بكر محمد بن المبارك المستعمل، وأفضل بن المبارك الشنكاتي، ومحمد بن أبي البركات بن صعنين، وأبو بكر محمد بن الحسن ابن البواب الأمين، وأبو المنجى ابن اللتي، والأنجب بن أبي السعادات الحمامي، ومحمد بن محمد بن الحسن السباك، وأحمد بن يعقوب المارستاني، وغيرهم. قال ابن الدبيثي (١): ثقة، صحيح السماع. وقال ابن النجار: كان شيخا صالحا، عفيفا، صدوقا، ظريفا، حسن الأخلاق، لطيفا، حدث بالكثير. ٧٥ - محمد بن أبي القاسم بن بابجوك (٢)، زين المشايخ أبو الفضل الخوارزمي، البقالي النحوي، الملقب بالأدمي لحفظه كتاب الأدمي في النحو. قال لنا أبو العلاء الفرضي: ذكره الحافظ محمود بن محمد بن أرسلان الخوارزمي في تاريخ خوارزم فقال: كان إماما حجة في العربية، أخذ عن الزمخشري، وخلفه في حلقته، وصنف كتاب شرح الأسماء الحسنى،

стр. 11619

وكتاب أسرار الأدب وافتخار العرب، وكتاب مفتاح التنزيل، وكتاب الترغيب في العلم، وكتاب كافي التراجم بلسان الأعاجم، وكتاب الأسمى في سرد الأسماء، وكتاب أذكار الصلاة والهداية في المعاني والبيان، وكتاب إعجاز القرآن، وكتاب مياه العرب، وكتاب تفسير القرآن، وغير ذلك، وقد سمع في الكهولة من عمر بن محمد بن حسن الفرغولي (١)، وغيره، توفي بجرجانية خوارزم في شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين، وله نيف وسبعون سنة (٢). ٧٦ - المبارك بن علي بن محمد بن علي بن خضير، أبو طالب الصيرفي البغدادي. قال أبو سعد في الذيل: سمع الكثير بنفسه ونسخ، وله جد في السماع والطلب على كبر السن، وهو جميل الأمر، سديد السيرة، سمع أبا سعد بن خشيش، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبا الغنائم ابن النرسي، وأبا القاسم الرزاز، وأبا الحسن بن مرزوق، وأبا طالب اليوسفي، وخلقا يطول ذكرهم، ورحل إلى دمشق وسمع بها أبا الحسن بن المسلم، وهبة الله بن الأكفاني، وغيرهما، وخرج له أبو القاسم الدمشقي جزءا عن شيوخه، سمعت منه، وسمع مني، وسألته عن مولده فقال: سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة بالكرخ. وقال ابن الدبيثي (٣): حدث بالكثير، وحدثنا عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وابن الأخضر، وأبو طالب الهاشمي، وغيرهم، وكان ثقة. قلت: روى عنه أيضا الحافظ عبد الغني، وابن قدامة، ومنصور ابن المعوج، وأحمد بن أبي الفتح بن المعز الحراني، وعدة، وأجاز لابن مسلمة (٤). توفي في ثالث عشر ذي الحجة (٥).

стр. 11620

٧٧ - المبارك بن المبارك بن صدقة، أبو الفضل البغدادي السمسار الخباز. سمع أبا عبد الله بن طلحة النعالي، وطراد بن محمد الزينبي، روى عنه عمر بن علي، وعلي بن أحمد الزيدي، وأحمد بن أحمد البزاز، وعمر بن جابر، والحافظ عبد الغني، وابن قدامة، وأجاز للرشيد بن مسلمة (١)، وتوفي في تاسع عشر ربيع الآخر، وله إحدى وثمانون سنة (٢). ٧٨ - محمود بن محمد بن هبيرة، الخطيب أبو غالب، أخو الوزير عون الدين. روى عن ابن الحصين، وكان زاهدا عابدا، يخطب بقريته، توفي في شعبان، وقد حدث (٣). ٧٩ - مسعود بن الحسن بن القاسم بن الفضل بن أحمد بن أحمد بن محمود بن عبد الله بن إبراهيم، الرئيس المعمر، أبو الفرج بن أبي محمد ابن الرئيس المعتمد أبي عبد الله الثقفي الأصبهاني، مسند الوقت ورحلة الدينا. كان شيخا حسنا، رئيسا، جليلا، ولد سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وأجاز له الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب، وأبو الغنائم عبد الصمد ابن المأمون، وأبو الحسين ابن المهتدي بالله، وغيرهم في سنة ثلاث وستين من بغداد على ما نقله أبو الخير عبد الرحيم بن محمد بن موسى، واتهم أبو الخير، وكذبه في ذلك الحافظ أبو موسى المديني، نقله ابن النجار. وسمع من جده، وأبي عمرو بن منده، وأبي عيسى بن زياد، والمطهر بن عبد الواحد البزاني، ومحمد بن أحمد السمسار، وإبراهيم بن محمد الطيان، وسهل بن عبد لله بن علي العلوي، وأبي نصر محمد بن عمر تانة (٤)، وأبي الخير محمد بن أحمد بن ررا، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، وغانم بن عبد الواحد، وأحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد، وطائفة سواهم.

стр. 11621

وخرجت له الفوائد في تسعة أجزاء، وطال عمره حتى ألحق الصغار بالكبار، وتفرد في الدنيا عن كثير من شيوخه. روى عنه خلق، منهم محمد بن يوسف الآملي، وعبد الله بن أبي الفرج الجبائي، والحسين بن محمد الجرباذقاني، وعبد الأول بن ثابت المديني، وعبد القادر الرهاوي، وعبد الملك بن محمد المديني، ومحمد بن إبراهيم الأصبهاني، ومحمد بن مكي الحنبلي الحافظ، ومحمود بن محمد الحداد، وأبو الوفاء محمود بن منده، وبالإجازة أبو المنجى ابن اللتي، وكريمة وأختها صفية، ولو عاش أحد من أصحابه من نسبة ما عاش هو بعد شيوخه لبقي إلى بعد الخمسين وستمائة. توفي يوم الاثنين غرة رجب، وله مائة سنة، وآخر من روى عنه بالإجازة عجيبة بنت أبي بكر الباقداري. قال السمعاني (١): لم يتفق أن أسمع منه شيئا لاشتغالي بغيره، وما كانوا يحسنون الثناء عليه، والله يرحمه، وقد حدثني محمد بن عبد الرحمن الفيج أنه قرأ على الرئيس أبي الفرج جميع تاريخ الخطيب في سنة ستين وخمسمائة، وكتب إلي بالإجازة. ٨٠ - هبة الله بن الحسن بن هلال، أبو القاسم الدقاق. أسند من بقي ببغداد، كان يسكن الظفرية، سمع عاصم بن الحسن العاصمي، والبانياسي، والخطيب أبا الحسن الأنباري، وغيرهما، ولد سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. روى عنه أبو سعد السمعاني، وقال: كان شيخا لا بأس به، ظاهره الخير والصلاح. وروى عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق وقال: هو فيما أظن أقدم مشايخنا سماعا، ومحمد بن عمر ابن الذهبي، وإسماعيل بن باتكين الجوهري، وعبد اللطيف بن محمد القبيطي، وآخرون، وآخر من روى عنه بالإجازة: الرشيد بن مسلمة (٢).

стр. 11622

قال ابن مشق: توفي في تاسع عشر المحرم. ٨١ - يزيد بن عبد الجبار بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ، أبو خالد الأموي، المرواني، القرطبي، من أولاد أصحاب الأندلس. روى عن أبيه، وأبي محمد بن عتاب، وعبد الجليل بن عبد العزيز المقرئ، وابن مغيث، وطائفة، وكان بصيرا بالقراءات والعربية، أخذ عنه أبو جعفر بن يحيى، وأبو القاسم بن بقي، وجلس للإقراء، وله مصنف في قراءة نافع (١).

стр. 11623

سنة ثلاث وستين وخمسمائة ٨٢ - أحمد بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس، أبو العباس التجيبي، المرسي. أجاز له أبو داود سليمان بن أبي القاسم، وسمع من والده، وأبي علي بن سكرة، وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر. قال الأبار (١): وكان فقيها حافظا، مدرسا، ولي قضاء بلده، وحدثنا عنه أبو عمر بن عباد، وابنه محمد، وأبو محمد بن سفيان، توفي في حادي عشر ذي الحجة. ٨٣ - أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة الباجسرائي، أبو المعالي التاني. سكن بغداد، وسمع من نصر بن البطر، والحسين ابن البسري، وجعفر ابن السراج، وأبي منصور الخياط، وثابت بن بندار، وجماعة، وحدث بالكثير، روى عنه الحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو طالب علي بن محمد الحاجب، ومحمد بن عماد الحراني، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وأبو إسحاق الكاشغري، وآخرون، روى عنه بالإجازة الرشيد بن مسلمة (٢). قال ابن الجوزي (٣): كان ثقة. وقال ابن الدبيثي (٤): خرج إلى همذان لدين عجز عن وفائه، فأقام بها يسيرا، ومات في رمضان، ولم يحدث بها. ٨٤ - أحمد بن علي ابن الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن الزبير، القاضي الرشيد أبو الحسين الغساني الأسواني، الكاتب الشاعر. من بيت رياسة وتقدم بالديار المصرية، ذكره السلفي فقال (٥): ولي

стр. 11624

النظر بالإسكندرية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، ثم قتل ظلما وعدوانا في المحرم سنة ثلاث. وأما العماد الكاتب فقال فيه (١): الخضم الزاخر، والبحر العباب، قتله شاور ظلما لميله إلى أسد الدين شيركوه، كان أسود الجلدة، سيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة، والرياضيات، والعلوم الشرعية، والآداب، والشعريات، فمن شعره: جلت لدي الرزايا بل جلت هممي … وهل يضر جلاء الصارم الذكر غيري يغيره عن حسن شيمته … صرف الزمان وما يلقى من الغير لو كانت النار للياقوت محرقة … لكان يشتبه الياقوت بالحجر لا تغررن بأطماري وقيمتها … فإنما هي أصداف على درر وسافر رسولا من مصر إلى اليمن، فمدح جماعة من ملوكها، منهم علي بن حاتم بقوله: لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا فلست أنال القحط في أرض قحطان ومذ كفلت لي مأرب بمآربي فلست على أسوان يوما بأسوان وإن جهلت حقي زعانف خندف فقد عرفت فضلي غطارف همدان فحسده الداعي لبني عبيد في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى بني عبيد، فكان سبب الغضب عليه، ثم أمسكه وقيده، وأنفذه إلى مصر، فقتله شاور. وهو أخو المهذب الشاعر المذكور في سنة إحدى (٢). ٨٥ - أحمد بن عمر بن حسين بن خلف، الإمام المفتي الواعظ أبو العباس القطيعي، قطيعة باب الأزج. قال ابن الدبيثي (٣): هو والد شيخينا محمد وعليّ، صحب القاضي أبا يعلى محمد بن محمد ابن القاضي أبي يعلى، وتفقه عليه، وتكلم في الوعظ.

стр. 11625

وسمع أبا الفرج بن يوسف، والفضل بن سهل الإسفراييني، وابن الزاغوني، سمع منه ابنه محمد، وتوفي ﵀ في رمضان وله إحدى وخمسون سنة. قال ابن النجار: تكلم في مسائل الخلاف، وكان حسن المناظرة، لازم أبا يعلى الصغير حتى برع في الفقه، وسمع أبا منصور القزاز. ٨٦ - أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، الإمام أبو القاسم قاضي قرطبة. تفقه على والده، ولازمه طويلا، وسمع من أبي محمد بن عتاب، وأجاز له: أبو عبد الله ابن الطلاعي، وأبو علي الغساني. قال ابن بشكوال (١): كان خيرا، فاضلا، عاقلا، ظهر بنفسه وأبوته، محببا إلى الناس، طالبا السلامة منهم، بارا بهم، توفي في رابع عشر رمضان، وولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة. ٨٧ - أحمد بن محمد بن علي بن صالح، أبو المظفر الكاغدي الوراق. بغدادي مشهور، سمع أبا بكر الطريثيثي، وأبا القاسم بن بيان، وأبا الخطاب بن الجراح، وأبا الحسين ابن الطيوري، وأحمد بن قريش، روى عنه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وإبراهيم بن عثمان الكاشغري، وآخرون. توفي في رجب، وهو راوي مشيخة الفسوي (٢). ٨٨ - أحمد بن المقرب بن الحسين بن الحسن، أبو بكر بن أبي منصور الكرخي البغدادي. سمع طراد بن محمد الزينبي، ونصر بن البطر، وأبا طاهر بن سوار، وجعفر السراج، وابن طلحة النعالي، وجماعة. قال أبو سعد السمعاني: شيخ كيس سيد متودد، سمعت منه أحاديث، قال لي: ولدت ليلة عرفة سنة تسع وسبعين وأربعمائة.
следующие страницы →