يصيرك يزدن رافضيًا، سيد هؤلاء الأئمة الحسين، ومات عطشان.
وقال ابن الجوزي في المرآة (١): ومن شعر المستنجد:
عيَّرتني بالشَّيْب وهو وقار … ليتها عيَّرت بما هو عار
إن تكن شابت الذّوائب منّي … فاللّيالي تزينها الأقمارُ
وله فِي بخيل:
وباخل أشعل فِي بيته … تكرُمةً منه لنا شمعه
فما جَرَت من عينها دمعةٌ … حتّى جَرَت من عينه دمعَهْ
وقال ابن الجوزي (٢): أول من بايعه عمه أبو طالب، ثم أخوه أبو جعفر وكان أسن من المستنجد، ثم الوزير عون الدين، ثم قاضي القضاة. وحدثني الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، قال: حدثني أمير المؤمنين المستنجد بالله، قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي: يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة. فكان كما قال. ورأيته ﷺ قبل موت أبي بأربعة أشهر، فدخل بي من باب كبير، ثم ارتفعنا إلى رأس جبل، وصلى بي ركعتين وألبسني قميصًا، ثم قال لي: قل اللهم اهدني فيمن هديت. وذكر دعاء القنوت. وحدثني الوزير ابن هبيرة قال: كان المستنجد قد بعث إلي مكتوبًا مع خادم في حياة أبيه، وكأنه أراد أن يسره عن أبيه، فأخذته وقبلته، وقلت للخادم: قل له: والله ما يمكنني أن أقرأه، ولا أن أجيب عنه. قال: فأخذ ذلك في نفسه علي. فلما ولي دخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين، أكبر دليل في نصحي أني ما حابيتك نصحًا لأمير المؤمنين. فقال: صدقت، أنت الوزير. فقلت: إلى متى؟ فقال: إلى الموت. فقلت: أحتاج والله، إلى اليد الشريفة. فأحلفته على ما ضمن لي.
قال ابن الجوزي (٣): وحكي أن الوزير بعد ذلك خدم بحمل الكثير من خيل، وسلاح، وغلمان، وطيب، ودنانير، فبعث أربعة عشر فرسًا عرابًا، فيها فرس يزيد ثمنه على أربعمائة دينار، وست بغلات، وعشرة غلمان ترك، وعشرة
стр. 11692
زرديات وخوذة، وعشرة تخوت من الثياب، وسفط فيه عود وكافور وعنبر، وسفط فيه دنانير، فقبل منه وطاب قلبه. وأقر المستنجد أصحاب الولايات، وأزال المكوس والضرائب.
توفي في ثامن ربيع الآخر. وكان موصوفًا بالعدل والرفق. أطلق من المكوس شيئًا كثيرًا، بحيث لم يترك بالعراق مكسًا فيما نقل صاحب الروضتين (١) وقال: كان شديدًا على المفسدين والعوانية. سجن رجلًا كان يسعى بالناس مدة، فحضر رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره.
ومن أخبار المستنجد، قال ابن الأثير (٢): كان أسمر، تام القامة، طويل اللحية. اشتد مرضه، وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قايماز المقتفوي أكبر الأمراء، فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا وواضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه، فوصف له الحمام، فامتنع لضعفه، ثم أدخلها، فأعلق عليه باب الحمام، فمات. هكذا سمعت غير واحد ممن يعلم الحال.
قال (٣): وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على قايماز وابن رئيس الرؤساء وصلبهما. فاجتمع ابن صفية بابن رئيس الرؤساء، وأعطاه خط الخليفة، فاجتمع بقايماز ويزدن، وأراهما الخط، فاتفقوا على قتل الخليفة، فدخل إليه يزدن، وقايماز العميدي، فحملاه، وهو يستغيث، إلى الحمام وأغلقاه عليه فتلف.
قال (٤): ولما مرض المستنجد أرجف بموته، فركب الوزير بالأمراء والسلاح، فأرسل إليه عضد الدين يقول: إن أمير المؤمنين قد خف، وأقبلت العافية. فعاد الوزير إلى داره. وعمد عضد الدين ابن رئيس الرؤساء وقايماز، فبايعا المستضيء بالله أبا محمد الحسن ابن المستنجد.
قال ابن النجار: كان المستنجد موصوفًا بالفهم الثاقب، والرأي
стр. 11693
الصائب، والذكاء الغالب، والفضل الباهر، له نثر بليغ، ونظم بديع، ومعرفة بعمل آلات الفلك والأسطرلاب، وغير ذلك.
٢٤٠ - ابن الخلال الكاتب، ويعرف بالقاضي، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية، واسمه أبو الحجاج يوسف بن محمد بن حسين، الأديب موفق الدين.
وكان قد شاخ وكبر، فلما مات أقام صلاح الدين مكانه القاضي الفاضل. مات في جمادى الآخرة.
قال العماد (١): هو ناظر مصر، وإنسان ناظره، وجامع مفاخره. وكان إليه الإنشاء. عطل في آخر أيامه، وعمر وأضر. ثم قال: أنشدني مرهف بن أسامة، قال أنشدني الموفق ابن الخلال لنفسه:
عذبت ليال بالعذيب حوالي … وخلت مواقف بالوصال خوالي
وَمَضْت لذاذات تَقَضَّى ذِكْرُها … تُصْبي الخَلِيّ وتستهيم السالي
وجلت مُوَرَّدة الخدود فأَوثقتْ … فِي الصَّبْوَة الخالي بحُسْن الخالِ
وله:
أمّا اللّسان فقد أخفى وقد كَتَما … لو أمكن الجفْن كفّ الدَّمْعَ حين همى
أصبتُم بسهام اللّحْظ مُهْجَتَهُ … فهل يُلامُ إذا أجرى الدُّموع دما
قد صار بالسّقم من تعذيبكم عَلَمًا … ولم يَبُحْ بالّذي من جَوْركم علما
فما على صامت أبدى لصدكم … في كل جارحة منه السقام فما
وله:
وله طرف لواحظه … نصرت شوقي على جلدي
قذفت عيني سوالفه … فتوارت منه بالزرد (٢)
стр. 11694
سنة سبع وستين وخمسمائة
٢٤١ - أحمد بن محمد بن أحمد ابن الرحبي، أبو علي الحريمي، العطار، البواب.
سمع أبا عبد الله النعالي، وأبو الحسن ابن الخل، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه ابن الأخضر، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو القاسم بن محمد بن المقير، وسعيد بن علي بن بكري، وأحمد بن يعقوب المارستاني، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وواثلة بن كراز الملاح (١).
وتوفي في صفر، وله خمس وثمانون سنة.
٢٤٢ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، أبو عبد الله الأصبهاني، يعرف بقلا المعدل.
سمع غانمًا البرجي، وأبا منصور بن مندويه، وأبا علي الحداد. وحدث ببغداد، وكان حيًا في هذا العام (٢).
٢٤٣ - جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد بن مأمون، أبو أحمد البلنسي.
روى عن أبي محمد البطليوسي، وأبي القاسم الأبرش.
قال الأبار (٣): وكان ثقة خيارًا، وهو والد القاضي أبي عبد الله بن حميد (٤).
عاش نيفًا وسبعين سنة.
٢٤٤ - الحسين بن علي بن عبد الله، أبو عبد الله ابن السماك، الحريمي.
سمع أبا علي البرداني، وأبا العز محمد بن المختار، وشجاعًا الذهلي. وسافر عن بغداد سنين كثيرة. سمع منه ابنه واثق، وأبو بكر بن مشق، وأحمد
стр. 11695
ابن أحمد البندنيجي. وتوفي في جمادى الآخرة (١).
٢٤٥ - الخضر بن نصر بن عقيل، أبو العباس الإربلي، الفقيه الشافعي، أحد الأئمة.
اشتغل ببغداد على إلكيا الهراسي، وأبي بكر الشاشي.
قال ابن خلكان (٢): وله تصانيف كثيرة في التفسير والفقه، وغير ذلك، وألف كتابًا فيه ست وعشرون خطبة نبوية كلها مسندة، وانتفع عليه خلق. وكان رجلًا صالحًا. توفي بإربل، وولي التدريس مكانه ابن أخيه عز الدين أبو القاسم نصر بن عقيل بن نصر، ثم سخط عليه مظفر الدين، فأخرجه، فقدم الموصل بعد الستمائة وبها توفي سنة تسع عشرة.
٢٤٦ - سليمان بن داود التويزي الأندلسي، ويعرف بابن حوط الله.
أخذ القراءات عن ابن هذيل. وسمع من طارق بن يعيش، وأبي الوليد ابن الدباغ. وكان حسن التلاوة، أخذ عنه ابناه أبو محمد وأبو سليمان. وتوفي في عاشر ذي الحجة (٣).
٢٤٧ - سليمان بن علي بن عبد الرحمن، أبو تميم الفراتي، الرحبي، المقرئ، الخباز.
سمع عبد الرحمن بن الحسين بن محمد الحنائي. روى عنه ابنا صصرى، وعبد الرحمن بن عمر النساج، وآخرون.
مات في ربيع الأول؛ نقلت وفاته من خط أبي عبد الله البرزالي.
٢٤٨ - عاشر بن محمد بن عاشر بن خلف، أبو محمد الأنصاري الشاطبي.
سمع من أبي علي بن سكرة، وأبي جعفر بن جحدر، وأبي عامر بن حبيب، وأبي عمران بن أبي تليد، وأبي بحر الأسدي. وتفقه بأبي محمد بن أبي جعفر. وأخذ القراءات بقرطبة عن أبي العباس بن ذروة. وأخذ بعض الروايات عن أبي القاسم ابن النخاس، وتوفي الشيخ، وسمع من ابن عتاب.
стр. 11696
وأجاز له أبو عبد الله الخولاني، وجماعة.
وعني بالفقه، وشهر بالحفظ. وولي خطة الشورى ببلنسية، ثم قضاء مرسية، فحمدت سيرته، ونال دنيا وحشمة. ثم صرف عند زوال دولة الملثمة، وانتهت إليه رياسة الفتوى.
روى عنه أبو الخطاب بن واجب، وأبو عبد الله بن سعادة، وابن أخته أبو محمد بن غلبون، وأبو عبد الله الأندرشي. وله مصنفات نافعة.
مات في نصف شعبان بعد أن كف بصره وله ثلاث وثمانون سنة (١).
٢٤٩ - عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، العلامة أبو محمد ابن الخشاب النحوي.
شيخ بغداد ونحوي البلاد يقال: إنه بلغ في النحو درجة أبي علي الفارسي. وكانت له معرفة تامة بالحديث، واللغة، والهندسة، والفلسفة، وغير ذلك.
أخذ عن أبي منصور ابن الجواليقي، وأبي بكر بن جوامرد القطان النحوي، وعلي بن أبي زيد الفصيحي، وأبي السعادات هبة الله ابن الشجري، والحسن بن علي المحولي اللغوي، حتى أحكم العربية.
وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبي القاسم الربعي، وأبي الغنائم النرسي، وأبي زكريا بن منده، وغيرهم. ثم طلب بنفسه، وقرأ الكثير. وسمع من أبي عبد الله البارع، وابن الحصين، وابن كادش، وأبي غالب ابن البناء. وقرأ العالي والنازل إلى أن قرأ على أقرانه. وكان له كتب كثيرة إلى الغاية.
وروى الكثير، وتخرج به خلق في النحو. وحدث عنه أبو سعد السمعاني، وذكره في تاريخه فقال: شاب كامل، فاضل، له معرفة تامة بالأدب، واللغة، والنحو، والحديث، يقرأ الحديث قراءة حسنة، صحيحة، سريعة، مفهومة. سمع الكثير بنفسه، وجمع الأصول الحسان من أي وجه، وكان (٢) يضن بها. سمعت بقراءته من أبي بكر محمد بن عبد الباقي، وابن السمرقندي،
стр. 11697
وسمعت بقراءته مجلدات من طبقات ابن سعد. وكان يديم القراءة طول النهار من غير فتور.
قلت: كان عمره إذ ذاك أربعين سنة.
قال: وسمعت أبا شجاع عمر البسطامي يقول: لما دخلت بغداد قرأ علي ابن الخشاب غريب الحديث لأبي محمد القتبي قراءة ما سمعت قبلها مثلها في الصحة والسرعة. وحضر جماعة من الفضلاء، وكانوا يريدون أن يأخذوا عليه فلتة لسان فما قدروا.
قال ابن السمعاني: كتبت عنه جزءًا رواه عن الربعي، وسألته عن مولده فقال: أظن أنه في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
وقال ابن النجار (١): إنه أخذ الحساب والهندسة عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأخذ الفرائض عن أبي بكر المزرفي. وكان ثقة. ولم يكن في دينه بذاك.
قلت: روى عنه أيضًا: أبو اليمن الكندي، والحافظ عبد الغني، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو أحمد ابن سكينة، وأبو محمد بن قدامة، ومحمد بن عماد الحراني، وأبو البقاء العكبري، وأبو الحسن علي بن نصر الجلي؛ وهو شيخهما في النحو وشيخ الفخر أبي عبد الله ابن تيمية الخطيب.
وقرأت بخط أبي محمد بن قدامة: كان ابن الخشاب إمام أهل عصره في علم العربية، وحضرت كثيرًا من مجالسه، لكن لم أتمكن من الإكثار عنه لكثرة الزحام عليه، وكان حسن الكلام في السنة وشرحها.
قلت: وكان ظريفًا مزاحًا على عادة الأدباء؛ قال ابن الأخضر: كنت عنده وعنده جماعة من الحنابلة، فسأله مكي الغراد فقال: عندك كتاب الجبال؟ فقال: يا أبله ما تراهم حولي؟
وقال ابن النجار: سمعت بعضهم يقول: سأل ابن الخشاب واحد من تلامذته: القفا يمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر.
قال: وبلغني أنه أتاه اثنان ليعرضا عليه شعرًا قالاه، فسمع من أحدهما، فقال للآخر: هو أردأ شعرًا منك. فقال: وكيف ولم تسمع شعري؟ قال: لأن
стр. 11698
شعره لا يمكن أن يكون أردأ منه. وسأل بعض تلامذته: ما بك؟ فقال: فؤادي. فقال: لو لم تهمزه لم يوجعك.
قال: وبلغني أن بعض المعلمين قرأ عليه قول العجاج:
أطربا وأنت فنسري … وإنما يأتي الصبا الصبي
فجعله الصبي بالياء، فقال له: هذا عندك في المكتب! فاستحيا.
وله في الشمعة:
صفراء لا من سقم مسها … كيف وكانت أمها الشافية
عريانة باطنها مكتس … فاعجب لها كاسية عارية
قال ابن النجار: وسمعت حمزة القبيطي يقول: كان ابن الخشاب يتعمم بالعمامة، وتبقى على حالها مدة حتى يسود ما يلي رأسه منها، وتتقطع من الوسخ، وترمي عليها العصافير ذرقها، فيتركه على حاله.
قال: وسمعت أبا محمد ابن الأخضر أن ابن الخشاب ما تزوج قط ولا تسرى، وكان قذرًا يستقي بجرة مكسورًة، ولما مرض أتيناه نعوده، فوجدناه في أسوأ حال من وسخ الثياب وقذر مكانه وعدم الغذاء، فأشرنا على القاضي أبي القاسم ابن الفراء بأن ينقله إلى داره، فنقله وأسكنه في بيت نظيف، وألبسه ثوبًا نظيفًا، وأحضر الأشربة والماء ورد، فوجد راحة وخفة، فأشهدنا بوقف كتبه، فاستولى عليها بيت العطار، وباعوا أكثرها، وتفرقت حتى بقي عشرها، فترك برباط المأمونية.
قال ابن النجار: كان ﵀ بخيلًا، متبذلًا في ملبسه ومطعمه، ويلبس قذرًا، ويلعب بالشطرنج على الطريق، ويقف على المشعبذ وأصحاب القرود، ويكثر المزاح.
وقد صنف الرد على الحريري في مواضع من المقامات، وشرح اللمع لابن جني ولم يتمه، وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو، وصنف الرد على أبي زكريا التبريزي في تهذيبه لإصلاح المنطق.
وقال جمال الدين القفطي (١): كان مطرحًا للتكلف، وفيه بذاذة، ويقف على الحلق، ويقعد للشطرنج أين وجده، وكلامه أجود من قلمه. وكان ضيق
стр. 11699
العطن، ما صنف تصنيفًا فكمله. شرح الجمل للجرجاني، وترك أبوابًا في وسط الكتاب وأقرأ هذا المصنف وهو على هذه الصورة، ولم يعتذر عنه.
قال ابن النجار: سمعت أبا بكر المبارك بن المبارك النحوي يقول: كان أبو محمد ابن الخشاب يحضر دائمًا سوق الكتب، فإذا نودي على الكتاب يريد أن يشتريه أخذه وطالعه، واستغفل الحاضرين، وقطع ورقة، ثم يقول إنه مقطوع ليشتريه برخص، فإذا اشتراه أعاد الورقة في بيته.
قال: وكان له إيوان كبير ملآن من الكتب والأجزاء، فكان إذا استعار شيئًا وطلب منه يقول: قد حصل بين الكتب فلا أقدر عليه.
قلت: إن صح هذا فلعله تاب والله يغفر له.
قال ابن الجوزي (١): دخلت عليه في مرضه وقد يئس من نفسه، فقال لي: عند الله أحتسب نفسي. وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان. ودفن يوم السبت. وحدثني عبد الله بن أبي الفرج الجبائي الرجل الصالح قال: رأيته في النوم بعد موته بأيام، ووجهه مضيء، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، إلا أنه أعرض عني. فقلت له: أعرض عنك؟ فقال: نعم، وعن جماعة من العلماء تركوا العمل.
٢٥٠ - عبد الله بن طاهر بن حيدرة بن مفوز، أبو محمد المعافري، الشاطبي.
أخذ القراءات عن أبي الحسن بن أبي العيش. وسمع من أبيه، وأبي إسحاق بن جماعة. وتفقه بأبي عبد الله بن مغاور، وأجاز له آخرون.
قال الأبار (٢): كان فقيهًا، إمامًا، خبيرًا بالشروط، وقورًا. ولي قضاء شاطبة، فجرى على طريقة السلف الصالح عدلًا، وزكاة، وحلمًا، وأناة. وتوفي كهلًا.
٢٥١ - عبد الله بن منصور بن هبة الله بن أحمد، أبو محمد بن أبي الفوارس ابن الموصلي، البغدادي، المعدل.
سمع من أبي البركات محمد بن عبد الله الوكيل ديوان المتنبي وتفرد
стр. 11700
به. وسمع من أبي عبد الله النعالي، وأبي الحسن ابن الطيوري، وأبي الحسن ابن العلاف، وشجاع الذهلي، وغيرهم.
سمع منه أبو محمد ابن الخشاب، وأبو سعد ابن السمعاني، وغير واحد. وحدث عنه أبو محمد ابن الأخضر، وابن قدامة، ومنصور ابن الزكي الغزال، ومحمد بن عماد الحراني، وأبو حفص السهروردي في مشيخته، وآخرون. وروى عنه بالإجازة الرشيد بن مسلمة (١)، وغيره.
قال الدبيثي (٢): فقد أيامًا ثم وجد في بيته ميتًا في ربيع الآخر، وله ثمانون سنة.
٢٥٢ - عبد الله العاضد لدين الله، أبو محمد بن يوسف ابن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد ابن المستنصر ابن الظاهر ابن الحاكم العبيدي، المصري، الرافضي، الذي يزعم هو وبيته أنهم فاطميون وهو آخر خلفاء مصر.
ولد سنة ست وخمسمائة في أولها. ولما هلك الفائز ابن عمه واستولى الملك الصالح طلائع بن رزيك على الديار المصرية بايع العاضد وأقامه صورة، وكان كالمحجور عليه لا يتصرف في كل ما يريد. ومع هذا فكان رافضيًا، سبابًا، خبيثًا.
قال ابن خلكان (٣): كان إذا رأى سنيًا استحل دمه. وسار وزيره الملك الصالح سيرة مذمومة، واحتكر الغلات، فغلت الأسعار، وقتل أمراء الدولة خيفة منهم، وأضعف أحوال دولتهم بقتل ذوي الرأي والبأس، وصادر أولي الثروة. وفي أيام العاضد ورد حسين بن نزار ابن المستنصر العبيدي من الغرب، وقد جمع وحشد، فلما قارب مصر غدر به أصحابه، وقبضوا عليه، وأتوا به إلى العاضد، فذبح صبرًا في سنة سبع وخمسين.
قلت: ثم قتل ابن رزيك، ووزر له شاور، فكان سبب خراب دياره، ودخل أسد الدين إلى ديار مصر كما ذكرنا، وقتل شاور، ومات بعده أسد
стр. 11701
الدين، وقام في الأمر ابن أخيه صلاح الدين وتمكن من المملكة.
قال القاضي جمال الدين ابن واصل (١): حكى لي الأمير حسام الدين أبي علي قال: كان جدي في خدمة صلاح الدين، فحكى أنه لما وقعت هذه الوقعة، يعني وقعة السودان، بالقاهرة التي زالت دولتهم فيها، ودولة آل عبيد، قال: شرع صلاح الدين فطلب من العاضد أشياء من الخيل والرقيق والأموال ليتقوى بذلك. قال: فسيرني يومًا إلى العاضد أطلب منه فرسًا، ولم يبق عنده إلا فرس واحد، فأتيه وهو راكب في بستانه المعروف بالكافوري الذي يلي القصر، فقلت: صلاح الدين يسلم عليك، ويطلب منك فرسًا. فقال: ما عندي إلا الفرس الذي أنا راكبه؛ ونزل عنه وشق خفيه ورمى بهما، وسلم إلي الفرس، فأتيت به صلاح الدين. ولزم العاضد بيته.
قلت: واستقل صلاح الدين بالأمر، وبقي العاضد معه صورة إلى أن خلعه، وخطب في حياته لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله العباسي، وأزال الله تلك الدولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلفًا لا مستخلفًا.
قال الإمام شهاب الدين أبو شامة (٢): اجتمعت بالأمير أبي الفتوح ابن العاضد وهو مسجون مقيد في سنة ثمان وعشرين وستمائة، فحكى لي أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال: فأحضرونا، يعني أولاده، ونحن صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا.
قال أبو شامة (٣): كان منهم ثلاثة بإفريقية وهم الملقبون بالمهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر، وهم: المعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد، يدعون الشرف، ونسبتهم إلى مجوسي أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك بين العوام، فصاروا يقولون: الدولة الفاطمية والدولة العلوية. إنما هي الدولة اليهودية، أو المجوسية الملحدة الباطنية.
قال: وقد ذكر ذلك جماعة من العلماء الأكابر أنهم لم يكونوا لذلك
стр. 11702
أهلًا، ولا نسبهم صحيحا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي.
قال: وقيل: كان والد عبيد هذا يهوديًا من أهل سلمية، وكان حدادًا. وعبيد كان اسمه سعيدا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وادعى نسبًا ليس بصحيح. وذكر ذلك جماعة من علماء الأنساب، ثم ترقت به الحال إلى أن ملك المغرب، وبنى المهدية، وتلقب بالمهدي. وكان زنديقًا خبيثًا، عدوًا للإسلام. قتل من الفقهاء، والمحدثين، والصالحين جماعة كبيرة، ونشأت ذريته على ذلك. وبقي هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم إلى آخرها، وذلك من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة.
وقد بين نسبهم جماعة مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، فإنه كشف في أول كتابه المسمى كشف أسرار الباطنية عن بطلان نسب هؤلاء إلى علي ﵁، وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد استقصى الكلام في أصولها، وبينها في آخر كتاب تثبيت النبوة، وبين بعض ما فعلوه من الكفريات والمنكرات.
قرأت في تاريخ صنف على السنين في مجلد صنفه بعض الفضلاء سنة بضع وثلاثين وستمائة، وقدمه لصاحب مصر الملك الصالح قال: في سنة سبع وستين: وفاة العاضد في يوم عاشوراء بعد إقامة الخطبة بمصر بيويمات قلائل في أول جمعة من المحرم لأمير المؤمنين المستضيء بأمر الله، وهو آخر خلفاء مصر. فلما كانت الجمعة الثانية خطب بالقاهرة أيضًا للمستضيء، ورجعت الدعوة العباسية بعد أن كانت قد قطعت بها أكثر من مائتي سنة. وتسلم الملك الناصر صلاح الدين قصر الخلافة، واستولى على ما كان به من الأموال والذخائر، وكانت عظيمة الوصف. وقبض على أولاد العاضد وأهل بيته، وحبسهم في مكان واحد بالقصر، وأجرى عليهم ما يمولهم، وعفى آثارهم، وقمع مواليهم وسائر أنسبائهم.
قال: وكانت هذه الفعلة من أشرف أفعاله، فلنعم ما فعل، فإن هؤلاء كانوا باطنية زنادقة، دعوا إلى مذهب التناسخ، واعتقاد حلول الجزء الإلهي في أشباحهم.
стр. 11703
وقد ذكرنا أن الحاكم قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفًا يعتقدون أنك الإله. وقال قائلهم وأظنه في الحاكم:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار … فاحكم فأنت الواحد القهار
فلعن الله المادح والممدوح، فليس هذا في القبح إلا كقول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾
وقال بعض شعرائهم في المهدي برقادة:
حل برقادة المسيح … حل بها آدم ونوح
حل بها الله في علاه … وما سوى الله فهو ريح
قال: وهذا أعظم كفرًا من النصارى، لأن النصارى يزعمون أن الجزء الإلهي حل بناسوت عيسى فقط، وهؤلاء يعتقدون حلوله في جسد آدم ونوح والأنبياء وجميع الأئمة. هذا اعتقادهم لعنهم الله. فأما نسبهم فأئمة النسب مجمعون على أنهم ليسوا من ولد علي رضوان الله عليه، بل ولا من قريش أصلًا.
قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن القادر بالله كتب محضرًا يتضمن القدح في نسبهم ومذهبهم، وأنه شهد في ذلك المحضر خلق، منهم: الشريفان الرضي، والمرتضى، والشيخ أبو حامد الإسفراييني، وأبو جعفر القدوري. وفي المحضر أن أصلهم من الديصانية، وأنهم خوارج أدعياء. وذلك في سنة اثنتين وأربعمائة.
وقال العماد الكاتب، يصف ما جرى على ما خلفه العاضد من ولد وخدم وأمتعة، إلى أن قال: وهم الآن محصورون محسورون، ولم يظهروا، وقد نقص عددهم، وقلص مددهم. ثم عرض من بالقصر من الجواري والعبيد فوجد أكثرهن حرائر، فأطلقهن، وفرق من بقي. وأخذ - يعني صلاح الدين - كل ما صلح له ولأهله وأمرائه من أخاير الذخائر، وزواهر الجواهر، ونفائس الملابس، ومحاسن العرائس، والدرة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة، والمصوغات التبرية، والمصنوعات العنبرية، والأواني الفضية، والصواني الصينية، والمنسوجات المغربية، والممزوجات الذهبية، والعقود والنقود، والمنظوم والمنضود، وما لا يعد إحصاءا. وأطلق البيع بعد ذلك في كل
стр. 11704
جديد وعتيق، وبال وأسمال، واستمر البيع فيها مدة عشر سنين، وانتقلت إلى البلاد بأيدي المسافرين.
وكتب السلطان صلاح الدين إلى وزير بغداد على يد شمس الدين محمد بن المحسن بن الحسين بن أبي المضاء البعلبكي الذي خطب أول شيء بمصر لبني العباس في أول السنة بإنشاء الفاضل كتابًا، فمما فيه:
وقد توالت الفتوح غربًا وشرقًا، ويمنًا وشامًا، وصارت البلاد والشهر بل الدهر حرمًا حراما، وأضحى الدين واحدًا بعدما كان أديانا. والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها إلا صمًا وعميانا. والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة. ذلك أنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء. وتقطعوا في أمرهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا. وكذبوا بالنار، فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظباء حروف رؤوسهم نثر الأقلام للحروف. ومزقوا كل ممزق، وأخذ منهم كل مخنق. وقطع دابرهم، ووعظ آتيهم غابرهم. ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، وليس السيف عمن سواهم من الفرنج بصائم، ولا الليل عن السير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبي أن من شد عقد خلافة، وحل عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح، ويقلد ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة.
إلى أن قال: وقد أنهض لإيصال ملطفاته، وتنجز تشريفاته، خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود المنبر، وقام بالأمر قيام من بر، واستفتح بلبس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السواد الأعظم.
وقال ابن أبي طيئ: لما فرغ السلطان من أمر الخطبة أمر بالقبض على القصور بما فيها، فلم يوجد فيها من المال كبير أمر، لأن شاور كان قد ضيعه في إعطائه الفرنج، بل وجد فيها ذخائر جليلة.
ومن عجيب ما وجد فيه قضيب زمرد طوله شبر وشيء في غلظ الإبهام، فأخذه السلطان، وأحضر صائغًا ليقطعه، فأبى الصائغ واستعفى، فرماه السلطان، فانقطع ثلاث قطع، وفرقه
стр. 11705
على نسائه. ووجد طبل القولنج الذي صنع للظافر، وكان من ضربه خرج منه الريح واستراح من القولنج، فوقع إلى بعض الأكراد، فلم يدر ما هو، فكسره، لأنه ضرب به فحبق (١). ووجد في الذخائر إبريق عظيم من الحجر المائع، فكان من جملة ما أرسل من التحف إلى بغداد. ثم وصل موفق الدين ابن القيسراني، واجتمع في مصر بصلاح الدين، وأبلغه رسالة السلطان نور الدين، وطالبه بحساب جميع ما حصله، فصعب ذلك عليه، وهم بشق العصا، ثم سكن، وأمر النواب بعمل الحساب، وعرضه على ابن القيسراني، وأراه جرائد الأجناد بأخبارهم، وقد ذكر في الحوادث جميع ذلك.
وكان عمارة اليمني الشاعر من العبيديين وممن يتولاهم، فرثى العاضد بهذه:
رميت يا دهر كف المجد بالشلل … وجيده بعد حسن الحلى بالعطل
سعيت في منهج الرأي العثور فإن … قدرت من عثرات الدهر فاستقل
جدعت مازنك الأعلى فأنفك لا … ينفك ما بين أمر الشين والخجل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبة … على فجيعتها في أكرم الدول
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن … كمالها أنها جاءت ولم أسل
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصرت في عذلي
بالله زر ساحة القصرين وابك معي … عليهما لا على صفين والجمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة … في نسل آل أمير المؤمنين علي
أسلت من أسف دمعي غداة خلت … رحابكم وغدت مهجورة السبل
والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب النار غير ولي
وهي طويلة.
قيل: كان موت العاضد بذرب مفرط أتلفه. وقيل: مات غمًا لما سمع بقطع خطبته؟ وقيل: بل كان له خاتم مسموم فامتصه، لما سمع بزوال دولته. والأول أقرب وأشبه.
стр. 11706
٢٥٣ - عبد الله بن أحمد بن الحسين، الرئيس أبو محمد الحميري الأطرابلسي الكاتب، ويعرف بابن النقار.
ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين، وقرأ بها الأدب، فلما أخذتها الفرنج تحول إلى دمشق. وكان شاعرًا فاضلًا، كتب لملوك دمشق، ثم كتب لنور الدين ﵀. وعمر دهرًا، وله قصيدة مشهورة يقول فيها:
من منصفي من ظالم متعتب … يزداد ظلما كلما حكمته
ملكته روحي ليحفظ ملكه … فأضاعني وأضاع ما ملكته
أحبابنا أنفقت عمري عندكم … فمتى أعوض بعض ما أنفقته؟
فلمن ألوم على الهوى وأنا الذي … قدت الفؤاد إلى الغرام وسقته (١)
٢٥٤ - عبد الرحمن بن سعد الله بن قبان بن حامد، أبو القاسم بن أبي المواهب البغدادي، ابن خال شهدة.
سمع أبا غالب الباقلاني، وأجاز له طراد الزينبي فيما قيل. سمع منه عمر القرشي وأبو بكر بن مشق (٢).
٢٥٥ - عبد الكريم بن إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد النيسابوري ثم البغدادي، الصوفي.
سمع من ابن الحصين، وزاهر الشحامي. كتب عنه عمر بن علي القرشي، وغيره (٣).
٢٥٦ - عبد الملك بن إلكيا الهراسي أبي الحسن علي بن محمد الطبري ثم البغدادي.
سمع من ابن بيان الرزاز. روى عنه ابن الأخضر، وتوفي في ربيع الآخر (٤).
٢٥٧ - عبد الملك بن محمد بن باتانة، أبو الحسن المغربي، المجود.
стр. 11707
ما ذكر ابن النجار (١) على من تلا. سمع أبا العز بن المختار. ومات في ربيع الأول.
٢٥٨ - عثمان بن يوسف بن أيوب، أبو عمرو الكاشغري الخجندي، ويعرف أبوه بابن زريق.
من أهل كاشغر، سكن بغداد. وكان أعني يوسف يخدم في إصطبل المستظهر بالله، فولد له عثمان، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث. وسمع أولاده عليًا وأبا بكر وإبراهيم من أبي الفتح ابن البطي، وأبي بكر ابن النقور، وأبي المعالي بن حنيفة، وأمثالهم، وحصل الأصول، واستنسخ، ونفذ من الديوان العزيز في مهم إلى الملك نور الدين، فسمع منه الشيخ أبو عمرو، وأخوه الشيخ الموفق، والحافظ عبد الغني في سنة خمس وستين.
قال ابنه إبراهيم: توفي في حدود سنة سبع وستين (٢).
٢٥٩ - عرقلة، الشاعر المشهور
هو أبو الندى حسان بن نمير الكلبي، الدمشقي، شاعر مجيد، ونديم خليع، وأعور مطبوع، وهو القائل في دمشق:
أما دمشق فجنات مزخرفة … للطالبين بها الولدان والحور
ما صاح فيها على أوتاره قمر … إلا وغناه قمري وشحرور
يا حبذا ودروع الماء تنسجها … أنامل الريح إلا أنها زور (٣)
وله وقد ولي صلاح الدين يوسف بن أيوب شحنكية دمشق لنور الدين في سنة ستين وخمسمائة:
رويدكم يا لصوص الشام … فإني لكم ناصح في المقال
أتاكم سمي النبي الكريم … يوسف رب الحجى والجمال
فذلك يقطع أيدي النسا … وهذا يقطع أيدي الرجال
وكان صلاح الدين وعده إن أخذ مصر أن يعطيه ألف دينار، فلما ملكها قال فيه:
стр. 11708
قل للصلاح معيني عند افتقاري … يا ألف مولاي أين الألف دينار؟
أخشى من الأسر إن حاولت أرضكم … وما تقي جنة الفردوس بالنار
فجد بها عاضديات موفرة … من بعض ما خلف الطاغي أخو العار
حمرا كأسيافكم غرا كخيلكم … عتقا ثقالا كأعدائي وأطماري
فأعطاه ألف دينار وأخذ له من إخوته مثلها، فجاءه الموت فجاءة ولم ينتفع بفجاءة الغنى.
ومن شعره:
عندي لكم من الأشواق والبرحا … ما صير الجسم من بعد الضنا شبحا
أحبابنا لا تظنوني سلوتكم … الحال ما حال والتبريح ما برحا
لو كان يسبح صب في مدامعه … لكنت أول من في دمعه سبحا
أو كنت أعلم أن البين يقتلني … ما بنت عنكم ولكن فات ما ربحا
وله:
ترى عند من أحببته لا عدمته … من الشوق ما عندي وما أنا صانع
جميعي إذا حدثت عن ذاك أعين … وكلي إذا نوجيت عنه مسامع
ولعرقلة ديوان مشهور، توفي بدمشق في حدود سنة سبع هذه (١).
٢٦٠ - علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن يعيش، أبو الحسن القرشي، الزهري، العوفي، الباجي، قاضي إشبيلية.
سمع أبا القاسم الهوزني، وشريح بن محمد، وأبا بكر ابن العربي، وناظر في المدونة عند أبي مروان الباجي، وأخذ العربية عن أبي الحسن بن الأخضر. وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب، وابن بقي، وأبي الوليد بن طريف.
قال الأبار (٢): وكان فقيهًا، مشاورًا، محدثًا، متقدمًا بنفسه وبشرفه
وله تصنيف في مناسك الحج، حدث عنه أبو بكر بن خير، وأبو عمر ابن عياد، وأبو بكر بن أبي زمنين، وأبو الخطاب بن واجب، وآخر من حدث عنه
стр. 11709
أبو القاسم عبد الرحمن ابنه.
توفي في ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة. وكانت له جنازة مشهودة.
٢٦١ - علي بن صالح بن أبي الليث، أبو الحسن ابن عز الناس العبدري، الداني الطرطوشي.
سمع أبا محمد بن الصيقل، وأبا بكر بن العربي، وأبا القاسم بن ورد.
قال الأبار (١): وكان فقيها متقنا، عالما بالأصول والفروع، دقيق النظر، جيد الاستنباط، فصيحًا لسنًا، وكان رأس الفتوى بدانية، وله مصنفات. أخذ عنه أبو عمر بن عياد، وابنه محمد، وأبو محمد بن سفيان، وأسامة بن سليمان، وأبو القاسم بن سمجون. وقتل مظلومًا بدانية سنة ست وستين. وقال محمد بن عياد: قتل لسعاية لحقته عند السلطان محمد بن سعد سنة سبع وستين، وولد سنة ثمان وخمسمائة بطرطوشة.
٢٦٢ - علي بن عبد الله بن خلف بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الملك. الإمام أبو الحسن ابن النعمة الأنصاري، الأندلسي، المريي، نزيل بلنسية.
أخذ في صغره عن أبي الحسن بن شفيع. وسمع من عباد بن سرحان.
وانتقل به أبوه إلى بلنسية سنة ست وخمسمائة فقرأ بها القرآن على موسى بن خميس الضرير، وأبي عبد الله بن باسة. وأخذ العربية عن أبي محمد البطليوسي واختص به. وروى عن أبي بحر بن العاص، وخليص بن عبد الله، وأبي عبد الله بن أبي الخير. ورحل إلى قرطبة سنة ثلاث عشرة فتفقه بأبي الوليد بن رشد، وأبي عبد الله بن الحاج. وسمع من أبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم بن بقي، وأبي الحسن بن مغيث، وجماعة. وسمع أيضًا من أبي علي بن سكرة. وأجاز له جماعة. وتصدر ببلنسية لإقراء القرآن، والفقه، والنحو، والرواية، ونشر العلوم.
قال الأبار (٢): وكان عالمًا متقنًا، حافظًا للفقه والتفاسير ومعاني الآثار، مقدمًا في علم اللسان، فصيحًا، مفوهًا، ورعًا، فاضلًا، معظما عند الخاصة والعامة، دمث الأخلاق، لين الجانب. ولي خطة الشورى وخطابة بلنسية
стр. 11710
دهرًا، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والفتوى. وصنف كتاب ري الظمآن في تفسير القرآن، وهو كبير. وصنف كتاب الإمعان في شرح مصنف النسائي أبي عبد الرحمن بلغ فيه الغاية في الاحتفال والإكثار، وانتفع به الناس، وكثر الراحلون إليه. وأخبرنا عنه جماعة من شيوخنا، وهو خاتمة العلماء بشرق الأندلس. توفي في رمضان إلى رحمة الله تعالى، وهو في عشر الثمانين. قرأ عليه بالروايات: أبو علي الحسن بن محمد ابن فاتح.
٢٦٣ - علي بن عمران بن علي بن معروف، أبو الحسن البكري التيمي الأصبهاني.
كان سالار الحاج، حج مرات. روى عن أبي مطيع، وأبي الفتح الحداد. وعنه أبو المحاسن القرشي، وابنه أبو بكر عبد الله.
ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ومات في ذي الحجة.
٢٦٤ - علي بن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن فيد، أبو الحسن الفارسي الأصل القرطبي.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن طريف، وأبي بحر الأسدي. وحج سنة ثلاثين، فسمع أبا بكر بن عشير الشرواني، وأبا علي بن العرجاء، وأبا المظفر الشيباني.
قال الأبار (١): ولقي أيضًا: أبا سعيد حيدر بن يحيى، وسلطان بن إبراهيم المقدسي؛ وأكثر عن السلفي. وانصرف إلى قرطبة بفوائد جمة، فسمعوا منه. وكان من أهل العناية الكاملة بالرواية، ثبتًا، عارفًا، موصوفًا بالذكاء والحفظ، متواضعًا. خرج من قرطبة في الفتنة بعد الأربعين وخمسمائة، فنزل كورة ألش، من أعمال مرسية، فولي خطابتها مدة. وكان الناس يقصدونه. حدث عنه ابن بشكوال؛ وأعجب من هذا أن رزين بن معاوية العبدري حدث عنه بسيرة ابن إسحاق، بروايته عن السلفي. وحدث عنه من شيوخنا: أبو الخطاب ابن واجب، وأبو عبد الله التجيبي. استشهد في خروجه من ألش مع عامة أهلها لما خافوا من الأمير سعد بن محمد، وكانوا قد خلعوا دعوته.
قتل في هذه السنة وقد قارب الثمانين.
стр. 11711
٢٦٥ - علي بن محمد بن خليد، أبو الحسن ابن الإشبيلي.
سكن المرية، وأخذ عن أبي القاسم بن ورد؛ ولازمه. وبرع في علم الأصول والكلام. وكان خطيبًا مفوهًا، وافر الحرمة. أخذ عنه أبو القاسم ابن الملجوم، وأبو عمرو عثمان بن عبد الله.
توفي بمراكش.
٢٦٦ - القاسم بن الفضل بن عبد الواحد بن الفضل، أبو المطهر بن أبي طاهر الأصبهاني، الصيدلاني.
سمع من رزق الله التميمي والقاسم بن الفضل الثقفي، ومكي بن منصور الكرجي، وغيرهم. حدث عنه بمسند الشافعي أحمد بن محمد الجنزي، ثم الأصبهاني، وروى عنه أبو نزار ربيعة بن الحسن اليمني، ومحمد بن مسعود بن أبي الفتح المديني، والحافظ عبد القادر الرهاوي، ومحمد بن أبي سعيد بن طاهر الفقيه، ومعاوية بن محمد بن الفضل، وجماعة. وروى عنه بالإجازة: موفق الدين بن قدامة، وكريمة القرشية.
وكان من آخر من روى عن رزق الله أو آخرهم. وتوفي في نصف جمادى الأولى عن نيف وتسعين سنة. ورخه ابن نقطة (١).
وروى عنه أبو سعد السمعاني وقال (٢): كان متميزًا، حريصًا على طلب الحديث، مليح الخط، سمع وأكثر وبالغ.
روى عن سليمان الحافظ، وجده لأمه أبي منصور محمد بن علي بن عبد الرزاق، وطائفة.
٢٦٧ - محمد بن أحمد بن الزبير، أبو عبد الله القيسي الشاطبي، عرف بالأغرشي، نسبة إلى بعض أعمال شاطبة.
ولي خطاب شاطبة، وكان موصوفًا بالزهد والخشوع وإلاخبات، والبكاء؛ مشارًا إليه بإجابة الدعوة (٣).
٢٦٨ - محمد بن أسعد بن محمد بن نصر. الفقيه أبو المظفر بن الحليم البغدادي، العراقي، الحنفي، الواعظ، نزيل دمشق.
стр. 11712
وكان يعظ بها، ثم درس بها بالطرخانية وبالصادرية، وبنى له الأمير معين الدين أنر مدرسة. وظهر له القبول في الوعظ. وسمع أبا علي بن نبهان، وأبا غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، ونور الهدى الزينبي، وغيرهم. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه شمس الدين أبو القاسم، والقاضي أبو نصر ابن الشيرازي، وغيرهم.
قال الحافظ ابن عساكر في ترجمته (١): وذكر أنه سمع المقامات من الحريري، وألف تفسيرًا وشرح المقامات وأنشدني بماردين أبياتًا، لقيته بها.
قلت: أخبرتنا بالمقامات الكاتبة أمة العزيز بنت يوسف بن غنيمة بمنزلها، قالت: أخبرنا أبو نصر ابن الشيرازي، قال: أخبرنا أبو المظفر الحنفي، قال: أخبرنا الحريري المصنف.
توفي عن نيف وثمانين سنة بدمشق.
وقد كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني (٢).
٢٦٩ - محمد بن سعد بن مردنيش. الأمير أبو عبد الله، صاحب الشجاعة والإقدام بمرسية ونواحيها.
ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وتنقلت به الأحوال، وتملك مرسية وبلنسية، واستعان بالفرنج على حرب الموحدين، واستفحل شأنه بعد موت عبد المؤمن، فسار إليه أبو يعقوب بن عبد المؤمن، وعبر إلى الأندلس في مائة ألف، ودخل إشبيلية، وجاء إليه أخوه عمر، وكان نائبه على الأندلس، فاستشعر ابن مردنيش العجز، والقهر، ومرض مرضًا شديدًا، واحتضر، فأمر بنيه أن يبادروا إلى أبي يعقوب، ويسلموا إليه البلاد التي بيده.
ومات هو في التاسع والعشرين من رجب، فقيل: إن أمه سقته السم لأنه كان قد أساء إلى أهله وخواصه، فكلمته وأغلظت له، فتهددها حتى خافت منه، فعملت عليه وسقته، وبادر إخوته فسلموا شرق الأندلس إلى أبي يعقوب
стр. 11713
وهي مرسية، وبلنسية، وجيان، فأكرمهم وفرح بمحبتهم، وتزوج بأختهم، وصاروا من حزبه (١).
٢٧٠ - محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس، أبو بكر العبدري، القرطبي الأديب.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن رشد، وأبي بحر الأسدي، وابن مغيث، وجماعة.
قال الأبار (٢): كان متقدمًا في علم اللسان، متصرفًا في غيره من الفنون، حافظًا، حافلًا، شاعر، مجودًا. نزل مراكش، وأقرأ بها العربية، والآداب، وشرح الجمل للزجاجي. حدث عنه يعيش بن القديم. وتوفي بمراكش عن إقلاع وإنابة.
٢٧١ - محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن الفرج بن خلف، الإمام أبو عبد الله ابن الفرس الأنصاري، الخزرجي، الغرناطي.
سمع أباه أبا القاسم وأخذ عنه القراءات، وتفقه عليه. وسمع أبا بكر بن عطية، وأبا الحسن بن الباذش. ورحل إلى قرطبة فسمع أبا محمد بن عتاب، وأبا بحر، وابن رشد، وابن مغيث، وطائفة. وتفقه ببعضهم؛ وأخذ القراءات بقرطبة. وعدد شيوخه خمسة وثمانون.
قال الأبار (٣): كان عالمًا، حافلًا، راوية، مكثرًا متحققًا بالقراءات والفقه، وله مشاركة في الحديث والأصول مع البصر بالفتوى. نزل مرسية، وولي خطة الشورى، ثم ولي قضاء بلنسية، ثم استعفى منه، وكان في وقته أحد حفاظ الأندلس في المسائل مع المعرفة بالآداب. وكانت أصوله أعلاقًا نفيسة لا نظير لها، جمع منها كثيرًا وكتب بخطه أكثرها.
قال التجيبي: ذكر لي من فضله ما أزعجني إليه، فلقيت عالمًا كبيرًا، ووجدت عنده جماعة وافرة من شرق الأندلس وغربها، يأخذون عنه الفقه، والحديث، والقراءات، أفرادًا وجمعًا. وحكى أنه قرأ عليه بها وبرواية يعقوب، واستظهر عليه التيسير
стр. 11714
وملخص القابسي. وكان يؤم بجامع مرسية لحسن صوته.
قال الأبار (١): حدثنا عنه جماعة من جلة شيوخنا. وتوفي في شوال وله ست وستون سنة.
٢٧٢ - محمد بن علي بن جعفر القيسي القلعي، من قلعة حماد بالمغرب، أبو عبد الله ابن الرمامة، نزيل مدينة فاس.
تفقه على: أبي الفضل ابن النحوي. ودخل الأندلس فسمع من أبي محمد بن عتاب، وأبي بحر الأسدي. وولي قضاء فاس فلم يحمد. وكان عاكفًا على تواليف الغزالي سيما البسيط. روى عنه أبو القاسم بن بقي، وجماعة.
مات في رجب، وله تسع وثمانون سنة، وله تصانيف (٢).
٢٧٣ - محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد. الفقيه أبو حامد الطوسي، البروي، الشافعي.
سمع محمد بن إسماعيل الفارسي، وعبد الوهاب بن شاه الشاذياخي وتفقه بأبي سعد محمد بن يحيى. وقدم دمشق سنة خمس وستين، ونزل بدويرة السميساطي، وكان واعظًا، فاضلًا، مناظرًا. توفي ببغداد في رمضان وله خمسون سنة. كذا ذكره ابن عساكر (٣).
وأما ابن الدبيثي فأطنب في وصفه، وسماه محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله البروي، وقال (٤): أحد علماء عصره، والمشار إليه بالتقدم في معرفة الفقه، والكلام، والنظر، وحسن العبارة والبلاغة. قدم من دمشق فرزق قبولًا ببغداد، ودرس بها الأصول والجدل بالمدرسة بالبهائية؛ وكان يحضر درسه خلق. ووعظ بالنظامية ثم عاجله الموت. وقد حدث بشيء يسير.
وكناه ابن الجوزي في منتظمه أبا المظفر، وقال (٥): قدم علينا بغداد،
стр. 11715
وجلس للواعظ، وأظهر مذهب الأشعري، وناظر عليه، وتعصب على الحنابلة وبالغ.
وقال ابن الأثير (١): أصابه إسهال فمات، فقيل: إن الحنابلة أهدوا له حلواء، فأكل منها فمات هو وكل من أكل منها.
وقال سبط ابن الجوزي (٢): كان شابًا، حسن الصورة، فصيحًا، مليح الإشارة والعبارة بالغ في ذم الحنابلة، وقال: لو كان لي أمر لوضعت عليهم الجزية. فيقال إنهم دسوا عليه امرأة جاءته في الليل بصحن حلوى مسموم، وقالت: هذا يا سيدي من غزلي. فأكل هو وامرأته وولد له صغير، فأصبحوا موتى.
وقال ابن خلكان في اسمه (٣): محمد بن محمد بن محمد بن سعد، أبو منصور البروي، صاحب التعليقة المشهورة في الخلاف، وكان من أكبر أصحاب محمد بن يحيى، وله جدل مليح مشهور، أكثر اشتغال الفقهاء به، وشرحه تقي الدين منصور بن عبد الله المصري المعروف بالمعتز شرحًا مشبعًا. ودخل البروي بغداد فصادف قبولًا وافرًا، وتوفي بعد أشهر.
٢٧٤ - المبارك بن محمد بن المعمر، أبو المكارم الباذرائي، الرجل الصالح.
سمع من نصر بن البطر، وأحمد بن علي الطريثيثي، ومحمد بن عبد العزيز الخياط، وعلي بن عبد الرحمن الجراح، وأبي الحسن ابن العلاف، وغيرهم (٤).
قال الشيخ الموفق: شيخ صالح ضعيف، أكثر أوقاته مستلق على قفاه، وكان يسألنا عن الصلاة قاعدًا لعجزه.
قلت: روى عنه تميم البندنيجي، والحافظ عبد الغني، وعبد القادر الرهاوي، والشيخ الموفق، وعلي بن ثابت الطالباني، وأبو طالب بن
стр. 11716
عبد السميع، والضحاك بن أبي بكر القطيعي، وعلي بن الحسين بن يوحن الباوري، وآخرون.
وتوفي في العشرين من جمادى الآخرة.
٢٧٥ - محمود بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن. الفقيه أبو المحامد الكشميهني المروزي، الصوفي.
روى عن أبي منصور محمد بن علي الكراعي. حدث بدمشق وبغداد، روى عنه عبد الكريم بن محمد السيدي، وأبو القاسم بن صصرى، وغير واحد.
وتوفي ببغداد (١).
٢٧٦ - نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن قلاقس. القاضي الأعز أبو الفتوح اللخمي، الأزهري، الإسكندري الأديب، الشاعر.
له ديوان مشهور؛ وكان شاعرًا محسنًا، له في السلفي مدائح وهي في ديوانه. وكان كثير الأسفار، سناطا. وله في كثرة أسفاره:
والناس كثر ولكن لا يقدر لي إلا مرافقة الملاح والحادي
ثم دخل اليمن، ومدح وزيرها أبا الفرج ياسر بن بلال وزير الملك محمد بن عمران بن محمد ابن الداعي سبأ بن أبي السعود اليامي صاحب اليمن. ورجع من اليمن مثريًا من جوائزه، فغرق جميع ما معه بقرب دهلك، فرد إليه وهو عريان، وأنشده قصيدته التي أولها:
صدرنا وقد نادى السماح بنا ردوا فعدنا إلى مغناك والعود أحمد
ثم أنشده قصيدة أخرى، هي:
سافر إذا حاولت قدْرا … سار الهلال فَصَار بَدْرَا
والماء يكسب ما جرى … طيبًا ويخبث ما استقرا
وينقل الدرر النفيـ … سة بُدِّلت بالبحر نَحْرا
يا راويًا عَنْ ياسرٍ … خبرًا ولم يعرفه خُبْرا
اقرأ بغُرَّة وجهه … صُحُف الْمُنَى إنْ كنتَ تَقْرا
والثُمْ بَنَانَ يمينه … وَقُلِ السّلامُ عليك بَحْرا
стр. 11717
وغلطت في تشبيهه … بالبحر فاللهم غفرا
أوليس نلْتُ بذا غِنى … جَمًّا ونلتُ بذاك فَقْرا
وعهدت هذا لم يَزَلْ … مدًّا، وذاك يعود جزرا
وله فِي القاضي الفاضل هذه:
ما ضرّ ذاك الريم أن لا يَريمْ … لو كَانَ يرثي لسليم سليم
وما على من وصله جنة … ألا أُرى من صدّه فِي جحِيم
رقيمُ خد نامَ عَنْ ساهرٍ … ما أجدر النّومَ بأهل الرقيم
ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ثالث شوال بعيذاب (١).
٢٧٧ - وجيه بن هبة الله بن المبارك بن موسى، أبو العلاء بن أبي البركات السقطي، البغدادي، الأزجي. ٥٠ من أولاد الشيوخ، سمع أباه، والحسين بن علي ابن البسري، وأبا سعد بن خشيش، وأبا القاسم الربعي، والعلاف، وغيرهم. روى عنه ابن الأخضر، وطاهر الأزجي، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون.
وقال ابن النجار: كان من دعاة المواكب الديوانية، وسكن في أواخر عمره أوانا.
وقال أبو سعد السمعاني: كتبت عنه أحاديث، وقال لي أبو القاسم الدمشقي: هو أدبر من أبيه.
قال أبو سعد: وقال لي: ولدت سنة خمس وتسعين، فإن صح قوله فسماعه من ابن البسري حضورًا.
وقال هبة الله بن وجيه: توفي أبي في ذي القعدة سنة سبع بصريفين (٢).
٢٧٨ - يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد. الإمام أبو بكر الأزدي القرطبي، المقرئ، نزيل الموصل.
قرأ القراءات بالأندلس على أبي القاسم خلف بن إبراهيم النخاس الحصار مقرئ الأندلس، وعلى أبي الحسن عون الله بن محمد بن عبد الرحمن نائب الخطيب بقرطبة، وتوفي سنة عشر، وأحمد بن عبد الحق الخزرجي
стр. 11718
بالأندلس، وما هذان بمعروفين. ورحل فقرأ بالإسكندرية على: أبي القاسم عبد الرحمن ابن الفحام. وأتى بغداد فقرأ القراءات على: أبي عبد الله الحسين بن محمد البارع، وأبي بكر المزرفي، وسبط الخياط. وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب، وبالثغر من أبي عبد الله الرازي، وبمصر من أبي صادق مرشد بن يحيى، سمع منه سنة خمس عشرة صحيح البخاري. وببغداد من البارع، وابن الحصين، وأبي العز بن كادش. ثم قدم دمشق فسكنها مدة، وأقرأ بها القرآن والنحو.
وكان ماهرًا بالعربية، بصيرًا بالقراءات، عالي الإسناد فيها، شديد العناية بها من صغره. وكان متواضعًا، حسن الأخلاق، ثقة، نبيلًا.
وحدث ابن سعدون هذا عن أبي القاسم الزمخشري بكتاب أسماء الجبال والمياه. وخرج عن دمشق حين توجه النصراني الكندي إليها، فدخل الموصل وذهب إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل فسكنها.
ولد في ربيع الأول سنة ست وثمانين وأربعمائة.
روى عنه الحافظان ابن عساكر، والسمعاني، وأبو جعفر القرطبي والد التاج، وعبد الله بن الحسن الموصلي، ومحمد بن محمد الحلي، والقاضي بهاء الدين يوسف بن شداد، وأبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي. وقرأ عليه القراءات فخر الدين محمد بن أبي المعالي الموصلي، وعز الدين محمد بن عبد الكريم بن حرمية البوازيجي، وابن شداد، والكمال عبد المجير بن محمد القبيصي بحلب.
قال ابن عساكر (١): هو ثقة، ثبت.
وقال ابن السمعاني: هو أحد أئمة اللغة، وله يد قوية في النحو. قرأ القراءات بروايات على جماعة بمصر والعراق، وهو فاضل دين، ورع، حسن الإقراء والأخذ. له وقار وسكون، واشتغال بما يعنيه. سمعت منه مشيخة أبي عبد الله الرازي، وكان ثقة، ثبتًا، صدوقًا، نبيلًا، قليل الكلام، كثير الخير، مفيدًا.
стр. 11719
وقال ابن عساكر (١): توفي يوم الجمعة يوم عيد الفطر.
وقال ابن خلكان (٢): لقبه صائن الدين (٣).
٢٧٩ - يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن عقال، أبو زكريا الفهري، البلنسي.
سمع من أبي الوليد ابن الدباغ، وأبي بكر بن برنجال. وتفقه على أبي محمد بن عاشر، وأبي بكر بن أسد. ولقي بقرطبة أبا جعفر البطروجي، فتفقه به، وناظر عليه في المدونة. وسمع من أبي بكر ابن العربي. وبغرناطة من القاضي عياض. وولي خطة الشورى ببلده.
قال الأبار (٤): وكان فقيهًا، حافظًا، مفتيا، قائمًا على المدونة والعتبية، متين المعرفة، عاكفًا على عقد الشروط. وولي قضاء أندة من كور بلنسية، وقضاء ألش، فحمدت سيرته. أخذ عنه شيخنا أبو عبد الله بن نوح وتفقه عليه. توفي في صفر وله ثلاث وستون سنة.
وتوفي أخوه محمد قبيله في المحرم.
٢٨٠ - يحيى بن محمد بن هانئ بن ذي النون، أبو بكر بن مانية (٥) التغلبي، الغرناطي.
سمع من غالب بن عطية، وأبي الوليد بن بقوة، وأبي بكر ابن العربي. وحج سنة ثلاثين.
وسمع من أبي علي بن العرجاء. وبمصر من سلطان بن إبراهيم المقدسي. وأكثر من السماع، واستوطن أوريولة وولي خطابتها، وحدث بها (٦).
стр. 11720
سنة ثمان وستين وخمسمائة
٢٨١ - أحمد بن سعيد بن حسن، أبو الحارث البغدادي الخياط، المقرئ، المعروف بالعسكري.
سمع أبا علي بن نبهان، وأبيا النرسي، روى عنه عمر بن علي القرشي، وقال: كان غير ثقة، بان لنا تزويره في غير شيء (١).
٢٨٢ - أحمد بن محمد بن شنيف بن محمد، أبو الفضل الدارقزي، المقرئ.
شيخ معمر، عالي الطبقة. قرأ بالروايات على أبي طاهر بن سوار، وأبي منصور محمد بن أحمد الخياط، وثابت بن بندار، وسمع منهم الحديث. وأقرأ القرآن. سمع منه عمر القرشي، وعلي بن أحمد الزيدي، وصالح العطار.
قال ابن الدبيثي (٢): حدثنا عنه غير واحد. وتوفي في المحرم وله ست وتسعون سنة.
قلت: هذا أسند من بقي في القراءات، في طبقة سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، والعجب من البغداديين كيف لم يزدحموا على هذا ويقرؤوا عليه؟!.
٢٨٣ - أحمد بن هبة الله بن عبد القادر بن الحسين، أبو العباس الهاشمي، المنصوري الخطيب.
توفي في جمادى الأولى ببغداد؛ ورخه ابن مشق (٣).
стр. 11721
٢٨٤ - إبراهيم بن سعود بن عياش، أبو إسحاق الوقاياتي، البغدادي، المقرئ.
قرأ القراءات على سبط الخياط، وغيره، وطلب الحديث وعني به، وكتب كثيرًا من الأجزاء عن هبة الله بن الطبر، وأبي غالب ابن البناء، وقاضي المرستان. وعنه ابن الأخضر، ويوسف بن كامل. وكان صدوقًا خيرًا (١).
٢٨٥ - إبراهيم بن محمد، أبو إسحاق الشنتمري، صاحب أبي الحسن بن هذيل المقرئ وخليفته على التعليم (٢).
استشهد في وقعة بظاهر بلنسية في رجب (٣).
٢٨٦ - أرسلان بن خوارزم شاه آتسز بن محمد بن أنوشتكين.
رجع من قتال أمة الخطا مريضًا فمات. وكان حاكمًا على خوارزم وأعمالها، وتملك بعده ابنه سلطان شاه محمود. وأما ابنه الآخر، وهو الأكبر، وهو علاء الدين تكش، فكان مقيمًا بالجند، فلما بلغه موت أبيه وتملك أخيه الصغير غضب، وقصد ملك الخطا، واستمد منه، فبعث معه جيشًا، فلما قاربوا خوارزم، خرج سلطان شاه ووالدته إلى المؤيد صاحب نيسابور، وتملك علاء الدين خوارزم وبلادها بغير قتال.
وأما المؤيد فسار مع محمود بجيوشه، وقارب خوارزم، فالتقوا وحمي الحرب، فانهزمت الخراسانية، وأسر المؤيد، وقتل بين يدي علاء الدين تكش صبرًا، وهرب محمود وأمه إلى دهستان، فحاصرهم تكش، وافتتح البلد، فهرب محمود، وأمسكت أمه، فقتلها تكش.
وقام بعد المؤيد ابنه طغان شاه أبو بكر. وسار محمود إلى عند غياث الدين ملك الغور، فأكرمه وأجله، وثبت ملك أخيه تكش (٤).
стр. 11722
٢٨٧ - إلدكز، الأتابك شمس الدين صاحب أذربيجان، وهمذان.
كان مملوكًا للكمال السميرمي وزير السلطان محمود السلجوقي، فلما قتل السميرمي صار إلدكز إلى السلطان وصار أميرًا، فلما ولي مسعود السلطنة ولاه أرانية. ثم غلب على أكثر أذربيجان وبلاد همذان وأصبهان والري، وخطب بالسلطنة لابن امرأته أرسلان شاه بن طغرل.
وكان عدد عسكر إلدكز خمسين ألفًا، وكان أرسلان شاه من تحت أمره. وكان فيه عقل، وحسن سيرة، ونظر في مصالح الرعية. وكان ملكه من باب تفليس إلى مكران. وولي بعده ولده محمد البهلوان (١).
٢٨٨ - أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، الأمير نجم الدين أبو الشكر، الكردي (٢)، الدويني. والد الملوك.
كان أبوه من أهل دوين (٣) ومن أبناء أعيانها، وبها ولد أيوب. وولي أول شيء قلعة تكريت، ثم انتقل إلى الموصل وخدم أتابك زنكي والد نور الدين، وكان وجيهًا عنده. ثم انتقل إلى الشام، وولي له نيابة بعلبك، ووليها لنور الدين أيضًا قبل أن يستولي على دمشق، فولد له بها الملك العادل أبو بكر.
مبدأ سعادة شاذي فيما بلغنا، أنه كان لشاذي صاحب، وهو جمال الدولة بهروز، وكان ظريفًا لطيفًا، خيرًا، وكان كثير الود لشاذي، فاتهم بهروز بزوجة أمير بدوين، فأخذه الأمير وخصاه، فنزح عن دوين، ثم اتصل بالطواشي الذي هو لالا أولاد السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه. فوجده لطيفًا كافيًا في جميع أموره، فنفق عليه، وجعله يركب مع أولاد السلطان. ثم توصل إلى السلطان، وصار يلعب معه بالشطرنج وأحبه. ومات اللالا، فصيره مكانه، وأرصده لمهامه، وشاع ذكره، فأرسل إلى صديقه شاذي يطلبه، فلما قدم عليه بالغ في إكرامه.
ثم إن السلطان جعل بهروز نائبه على بغداد، فاستصحب معه شاذي
стр. 11723
وأولاده، ثم أعطاه السلطان قلعة تكريت، فلم يثق في أمرها بسوى شاذي، فأرسله إليها، فأقام بها مدة إلى أن توفي بها، فولي عليها ولده نجم الدين أيوب هذا، فقام في إمرة القلعة أحسن قيام، فشكره بهروز وأحسن إليه. فاتفق أن امرأة خرجت من القلعة، فعبرت باكية على نجم الدين وأخيه أسد الدين شيركوه، فسألاها، فقالت: تعرض إلي الإسفهسلار فقام شيركوه فأخذ حربة للإسفهسلار فقتله بها، فأمسكه أخوه واعتقله، وكتب بذلك إلى بهروز، فرد جوابه: لأبيكما علي حق، وأشتهي أن تخرجا من بلدي. فخرجا إلى الموصل، فأحسن إليهما أتابك زنكي وأكرمهما.
فلما ملك زنكي بعلبك استناب بها نجم الدين، فعمر بها خانقاه للصوفية. وكان رجلًا خيرًا، دينًا، مباركًا، كثير الصدقات، سمحًا، كريمًا، وافر العقل.
ولما توجه أخوه أسد الدين إلى مصر وغلب عليها، كان نجم الدين في خدمة السلطان نور الدين بدمشق. فلما ولي الوزارة صلاح الدين ابنه بمصر سيره نور الدين إلى عند ابنه صلاح الدين، فدخل القاهرة في رجب سنة خمس وستين، وخرج العاضد للقائه، وترجل ولده في ركابه، وكان يومًا مشهودًا. وعرض عليه ولده الأمر كله فأبى وقال: يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت له أهل.
وبقي عنده، وأمر صلاح الدين - أيده الله - في ازدياد إلى أن ملك البلاد. فلما خرج لحصار الكرك خرج نجم الدين من باب النصر بالقاهرة. فشب به فرسه فرماه، فحمل إلى داره وبقي تسعة أيام، ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة. وكان يلقب بالأجل الأفضل. ومنهم من يقول: بالملك الأفضل. ودفن إلى جانب أخيه أسد الدين بالدار، ثم نقلا إلى المدينة النبوية في سنة تسع وسبعين.
وقد روى بالإجازة عن الوزير أبي المظفر بن هبيرة. سمع منه يوسف بن الطفيل، والحافظ عبد الغني، والشيح الموفق.
قال الشيخ أبو عمر: أخبرنا نجم الدين أيوب قال: أخبرنا ابن هبيرة إجازة قال: كنت أصلي على النبي ﷺ وعيناي مطبقتان، فرأيت من وراء
стр. 11724
جفني كاتبًا يكتب بمداد أسود صلاتي على النبي ﷺ ، وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس، ففتحت عيني لأنظره ببصري، فرأيته وقد توارى عني، حتى رأيت بياض ثوبه. ولقد أشرت إلى هذا في كتابنا، يعني الإفصاح.
وقال الصاحب أبو القاسم بن أبي جرادة (١): وذكر لي رجل يعتني بعلم النسب نسب أيوب بن شاذي إلى عدنان، ولا أعتمد على نقله.
قال: كان المعز إسماعيل ابن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب صاحب اليمن ادعى نسبًا في بني أمية، وادعى الخلافة، وكان شيخنا قاضي القضاة ابن شداد يحكي عن السلطان صلاح الدين إنكار ذلك.
وشاذي: اسم أعجمي معناه: فرحان. ودوين بضم الدال وكسر الواو: بلدة بآخر أذربيجان تجاور بلاد الكرج، والنسبة إليها دويني، ودويني، بفتح الواو (٢).
ولأيوب من الأولاد: السلطان صلاح الدين، والسلطان العادل سيف الدين، وشمس الدولة تورانشاه الذي دخل اليمن أولًا وتملكها، وشاهنشاه. والد صاحب بعلبك عز الدين فروخ شاه، وصاحب حماة تقي الدين عمر ابني شاهنشاه وسيف الإسلام ظغتكين صاحب اليمن، وتاج الملوك بوري وهو أصغرهم، وست الشام، وربيعة.
٢٨٩ - أي أبه بن عبد الله السنجري الملك، الملقب بالمؤيد.
استولى على نيسابور وكثير من خراسان بعد الغز، فلم شعثها، ورتب قواعدها، وكان من أمراء السلطان سنجر. قتل في مصاف بينه وبين خوارزم شاه علاء الدين أول ما ملك علاء الدين (٣).
٢٩٠ - جعفر بن عبد الله ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الدامغاني، أبو منصور.
شيخ بغدادي رئيس، سمع أبا مسلم بن عبد الرحمن السمناني، وأبا الحسين
стр. 11725
ابن الطيوري، وأبا طاهر بن سوار، وأبا زكريا بن منده، وغيرهم.
ولد سنة تسعين وأربعمائة. وحدث عنه عمر بن علي القرشي، وابن الأخضر، والموفق بن قدامة، وولده يحيى بن جعفر الذي يروي عنه شيخنا سنقر الحلبي، وسعيد بن محمد بن ياسين، وعبد السيد بن أحمد خطيب بعقوبا، وآخرون.
توفي في جمادى الآخرة.
قال ابن النجار: كان نبيلًا، جليلًا، محمود السيرة، سمع الكثير، وكان صدوقًا.
وقيل: كان على إشراف ديوان الأبنية (١).
٢٩١ - الحسن بن صافي بن عبد الله، أبو نزار، الملقب بملك النحاة البغدادي، النحوي.
ولد سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
وسمع الحديث من نور الهدى أبي طالب الزينبي. وقرأ النحو على أبي الحسن علي بن أبي زيد الفصيحي. وعلم الكلام على محمد بن أبي بكر القيرواني. والأصول على أبي الفتح أحمد بن علي بن برهان. والخلاف على أسعد الميهني. وصار أنحى أهل طبقته.
وكان فصيحًا، ذكيًا، متقعرًا، معجبًا بنفسه، فيه تيه وبأو، لكنه صحيح الاعتقاد.
ذكره ابن النجار وطول، وقال: أبوه مولى لحسين الأرموي التاجر، له كتاب الحاوي في النحو مجلدان، والعمد في النحو مجلد، والتصريف مجلد، وعلل القراءات مجلدان، وأصول الفقه مجلدان، وأصول الدين مجلد صغير، وله التذكرة السفرية عدة مجلدات.
قلت: سكن واسط مدة بعد العشرين وخمسمائة، وحملوا عنه أدبًا كثيرًا، ثم صار إلى شيراز، وكرمان، وتنقلت به الأحوال إلى أن استقر بدمشق.
وكان يقال له أيضًا حجة العرب. وكان أحد النحاة المبرزين، والشعراء المجودين. وله عدة تصانيف.
стр. 11726
ذكره العماد الكاتب، فقال (١): أحد الفضلاء المبرزين، بل واحدهم فضلًا، وماجدهم نبلًا. وبالغ في وصفه بالعلم والرياسة والكرم والإفضال.
وقال ابن خلكان (٢): له مصنفات في الفقه والأصلين والنحو. وله ديوان شعر، فمن شعره:
سَلَوْتُ بحمدِ اللَّهِ عَنْهَا فأصبحت … دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
عَلَى أنني لا شامت إن أصابها … بلاء ولا راضٍ بواشٍ يعيبها
وروى عَنْهُ جماعة منهم القاضي شمس الدّين ابن الشّيرازيّ. وتُوُفّي في تاسع شوال، ورئي فِي النّوم فقال: غفر لي ربّي بأبياتٍ قلتها، وهي:
يا ربِّ ها قد أتيتُ معترفًا … بما جَنَتْه يدايَ من زَلَلِ
ملآنَ كَفٍّ بكلّ مَأْثَمَةٍ … صِفْرَ يدٍ من محاسنِ العَمَلِ
وكيف أخشى نارًا مُسَعَّرةً … وأنت يا رب في القيامة لي
قال الصاحب في تاريخ حلب: ذكر لي شمس الدين محمد بن يوسف بن الخضر أن ملك النحاة خلع عليه نور الدين خلعة فلبسها، ومر بطرقي قد علم تيسًا إخراج الخبية بإشارات علمها التيس، فوقف ملك النحاة على الحلقة وهو راكب، فقال الطرقي: في حلقتي رجل رجل عظيم القدر، ملك في زي عالم، أعلم الناس، وأكرم الناس، فأرني إياه. فشق التيس الحلقة، وخرج حتى وضع يده على ملك النحاة فما تمالك أن نزع الخلعة ووهبها للطرقي. فبلغ ذلك نور الدين، فعاتبه على فعله، فقال: يا مولانا عذري واضح، لأن في بلدك مائة ألف تيس، ما فيهم من عرف قدري غير ذلك التيس! فضحك نور الدين منه (٣).
٢٩٢ - الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، أبو علي البطليوسي، الأنصاري، المعروف في بلده بابن الفراء.
سمع بالإسكندرية من أبي بكر الطرطوشي، وغيره. ودخل خراسان فسمع من أبي نصر عبد الرحيم ابن القشيري، وسهل بن إبراهيم السبعي،
стр. 11727
والأديب أحمد بن محمد الميداني، وأبي عبد الله الفراوي، ثم قدم في أواخر عمره بغداد فسمع منه عمر بن علي القرشي، وابنه عبد الله بن عمر، ثم سافر إلى الشام بعد أن حج، فسكن حلب. وكان قد قرأ علم الكلام على أبي نصر ابن القشيري.
وكان صالحًا، بكاء، خائفًا. وهم أبو سعد السمعاني في قوله: توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين، فقد قال أبو المواهب بن صصرى، وهو أحد من أخذ عنه، توفي بحلب سنة ثمان وستين، وقد بلغ الثمانين.
قلت: حدث بـ صحيح مسلم ببغداد في سنة ست وستين، فسمعه منه: الموفق عبد اللطيف بن يوسف، ومحمد بن إسماعيل بن أبي الضيف، وعبد الله بن عمر بن علي القرشي، بقراءة أبيه، وروى عنه بدمشق: الفخر الإربلي، وأبو نصر ابن الشيرازي، وغيرهما (١).
٢٩٣ - سعد بن علي بن القاسم، أبو المعالي الحظيري، الكتبي، الوراق، الأديب، المعروف بدلال الكتب ببغداد.
كانت لديه فضائل، وله مجاميع مفيدة، منها كتاب زينة الدهر الذي ذيله على دمية القصر للباخرزي، وله كتاب لمح الملح.
وشعره مليح فمنه:
ومعذر في خده … ورد وفي فمه مُدَام
ما لان لي حتّى تغشَّى … صُبْحَ سالِفِهِ ظلام
وله:
شكوتُ هَوَى من شفّ قلبيَ بُعْدُهُ … توقّد نار لَيْسَ يطفى سعيرها
فقال بِعادي عنكَ أكثر راحةً … ولولا بِعادُ الشّمس أطرق نورها
توفي فِي صفر ببغداد.
والحَظيرة: موضع فوق بغداد من عمل دجيل (٢).
٢٩٤ - صالح بن إسماعيل بن سند. العلامة أبو طالب الإسكندراني المالكي الفقيه، المعروف بابن بنت معافى.
стр. 11728
من أصحاب أبي بكر الطرطوشي، تفقه عليه الحافظ أبو الحسن علي ابن المفضل، وغيره. وسمع منه الموطأ أبو القاسم الصفراوي.
٢٩٥ - عبد الله بن المبارك بن علي بن الحسين، أبو الفتح ابن البقلي، الحريمي، القزاز.
روى عن ثابت بن بندار. سمعه: أبو بكر الباقداري، وعمر بن علي القرشي، وغيرهما.
وتوفي في صفر (١).
٢٩٦ - عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى، أبو الخير الأصبهاني.
سمع أبا القاسم غانمًا البرجي، وأبا علي الحداد، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانية، وأبا القاسم بن الحصين، وأبا العز بن كادش. وأملى بأصبهان مجالس.
ثم حج سنة اثنتين وستين. وحدث ببغداد. روى عنه أحمد بن طارق، وابن الأخضر، وأبو طالب بن عبد السميع، والحافظ عبد الغني، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون.
وتوفي في شوال. وله تسع وستون سنة.
قال ابن النجار (٢): كان من حفاظ الحديث، موصوفًا بالفضل ومعرفة الحديث. وقال ابن الأخضر: كانوا يفضلونه بالحفظ على معمر بن الفاخر.
ثم طول ابن النجار في ترجمته بأنهم رموه بالوهن، واتهموه في نقل إجازة مسعود الثقفي، من الخطيب، وابن المأمون، وهؤلاء (٣).
٢٩٧ - عبد الملك بن عياش، أبو الحسن الأزدي القرطبي.
أخذ عن أبيه عياش بن فرج. دخل في الدنيا بعد الزهد، وكتب للدولة، وحصل ثروة، فقال:
عصيت هوى نفسي صغيرًا … فعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني … خلقت كبيرًا وانتقلت إلى الصغر
стр. 11729
فزاد ابنه أبو الحسن علي:
هنيئًا له إن لم يكن كابنه الذي … أطاع الهوى في حالتيه وما اعتذر
وكان عبد الملك بن عياش مع فنونه وفضائله من أبرع الناس خطًا (١).
٢٩٨ - علي بن حمزة بن فارس، أبو الحسن ابن القبيطي، الحراني، والد حمزة ومحمد.
قدم بغداد فاستوطنها، وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي. وسمع من أبي بكر المزرفي، وغيره. سمع منه ولداه، وأبو المحاسن القرشي. وتوفي في جمادى الآخرة.
قال ابن النجار: قرأ لأبي عمرو على القلانسي؛ تلا عليه ابنه حمزة. صالح، خير، دين، عاش ثلاثًا وثمانين سنة (٢).
٢٩٩ - علي بن المبارك بن الحسين بن عبد الوهاب بن نغوبا، أبو الحسن الواسطي المعدل.
من بيت حديث وميزة. سمع أبا نعيم محمد بن إبراهيم الجمازي، وأبا نعيم بن زبزب، وأبا الأزهر علي بن أحمد الكتاني، وخميسًا الحوزي. وببغداد من عبد الوهاب الأنماطي، وجماعة.
وروى الكثير؛ سمع منه صدقة بن الحسين مع تقدمه، وأحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، والشيخ الموفق، وآخرون.
وغرق في دجلة منحدرًا إلى واسط في ذي القعدة وله اثنتان وثمانون سنة (٣). وروى عنه أيضًا سليمان بن داود الحربي النساج، قاله ابن النجار.
٣٠٠ - محمد بن الحسن بن الحسين، أبو جعفر الأصبهاني، الصيدلاني.
شيخ معمر، عالي الإسناد، معدوم النظير. له إجازة من الهرويين في سنة أربع وسبعين وأربعمائة. أجاز له عبد الرحمن بن محمد بن عفيف كلار البوشنجي، وبيبى الهرثمية، وهو آخر من روى في الدنيا عنهما، وأبو عامر
стр. 11730
محمود بن القاسم الأزدي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل، ونجيب بن ميمون الواسطي، ومحمد بن علي العميري، وجماعة. وسمع سنة أربع وثمانين ببلده من سليمان بن إبراهيم الحافظ، ورزق الله التميمي، والقاسم بن الفضل الرئيس، وأبي نصر أحمد بن عبد الله بن سمير، ومحمد بن علي بن محمد بن فضلويه الأبهري، ومحمد بن علي بن أحمد السكري، والثلاثة يروون عن محمد بن إبراهيم بن جعفر اليزدي. وسمع أيضًا من مكي السلار، وعمر بن أحمد بن عمر السمسار، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني، وجماعة.
خرج له الحافظ أحمد بن عمر الناييني جزءًا سماه لآلئ القلائد.
روى عنه عبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي، والحافظ عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، وعبد الكريم بن محمد بن محمد المؤدب، والعماد أحمد بن أحمد بن أميركا الأصبهاني؛ وبقي العماد إلى بعد الثلاثين وستمائة. وأجاز أبو جعفر لكريمة، ولعلم الدين علي ابن الصابوني، وجماعة.
وتوفي في السادس والعشرين من ذي القعدة؛ ورخه أحمد ابن الجوهري الحافظ.
٣٠١ - محمد بن خمارتكين، أبو عبد الله التبريزي، البغدادي، الفقيه.
سمع من مولاه أبي زكريا التبريزي البغدادي، وأبي الخطاب الكلوذاني، وأبي الخير المبارك ابن الغسال. روى عنه ابنه إسماعيل، وأحمد بن أحمد البندنيجي، والموفق عبد اللطيف بن يوسف، وعبد اللطيف ابن القبيطي. وتوفي في العشرين من ربيع الأول وله تسعون سنة. وكان فقيهًا بالنظامية (١).
٣٠٢ - محمد بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي، أخو عبد الحق، وعبد الرحيم، وهو أصغر الإخوة وأدبرهم.
سمع بيزد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن. وببغداد: قاضي المرستان، وأبا منصور الشيباني القزاز. واستوطن الموصل. وله ذكر في تزوير السماعات، أفسد بها أحوال شيوخ، واختلط سماعهم بتزويره، فترك الناس حديثهم.