ذكره العماد الكاتب، فقال (١): أحد الفضلاء المبرزين، بل واحدهم فضلًا، وماجدهم نبلًا. وبالغ في وصفه بالعلم والرياسة والكرم والإفضال.
وقال ابن خلكان (٢): له مصنفات في الفقه والأصلين والنحو. وله ديوان شعر، فمن شعره:
سَلَوْتُ بحمدِ اللَّهِ عَنْهَا فأصبحت … دواعي الهوى من نحوها لا أجيبها
عَلَى أنني لا شامت إن أصابها … بلاء ولا راضٍ بواشٍ يعيبها
وروى عَنْهُ جماعة منهم القاضي شمس الدّين ابن الشّيرازيّ. وتُوُفّي في تاسع شوال، ورئي فِي النّوم فقال: غفر لي ربّي بأبياتٍ قلتها، وهي:
يا ربِّ ها قد أتيتُ معترفًا … بما جَنَتْه يدايَ من زَلَلِ
ملآنَ كَفٍّ بكلّ مَأْثَمَةٍ … صِفْرَ يدٍ من محاسنِ العَمَلِ
وكيف أخشى نارًا مُسَعَّرةً … وأنت يا رب في القيامة لي
قال الصاحب في تاريخ حلب: ذكر لي شمس الدين محمد بن يوسف بن الخضر أن ملك النحاة خلع عليه نور الدين خلعة فلبسها، ومر بطرقي قد علم تيسًا إخراج الخبية بإشارات علمها التيس، فوقف ملك النحاة على الحلقة وهو راكب، فقال الطرقي: في حلقتي رجل رجل عظيم القدر، ملك في زي عالم، أعلم الناس، وأكرم الناس، فأرني إياه. فشق التيس الحلقة، وخرج حتى وضع يده على ملك النحاة فما تمالك أن نزع الخلعة ووهبها للطرقي. فبلغ ذلك نور الدين، فعاتبه على فعله، فقال: يا مولانا عذري واضح، لأن في بلدك مائة ألف تيس، ما فيهم من عرف قدري غير ذلك التيس! فضحك نور الدين منه (٣).
٢٩٢ - الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر، أبو علي البطليوسي، الأنصاري، المعروف في بلده بابن الفراء.
سمع بالإسكندرية من أبي بكر الطرطوشي، وغيره. ودخل خراسان فسمع من أبي نصر عبد الرحيم ابن القشيري، وسهل بن إبراهيم السبعي،
стр. 11727
والأديب أحمد بن محمد الميداني، وأبي عبد الله الفراوي، ثم قدم في أواخر عمره بغداد فسمع منه عمر بن علي القرشي، وابنه عبد الله بن عمر، ثم سافر إلى الشام بعد أن حج، فسكن حلب. وكان قد قرأ علم الكلام على أبي نصر ابن القشيري.
وكان صالحًا، بكاء، خائفًا. وهم أبو سعد السمعاني في قوله: توفي سنة ثمان أو تسع وأربعين، فقد قال أبو المواهب بن صصرى، وهو أحد من أخذ عنه، توفي بحلب سنة ثمان وستين، وقد بلغ الثمانين.
قلت: حدث بـ صحيح مسلم ببغداد في سنة ست وستين، فسمعه منه: الموفق عبد اللطيف بن يوسف، ومحمد بن إسماعيل بن أبي الضيف، وعبد الله بن عمر بن علي القرشي، بقراءة أبيه، وروى عنه بدمشق: الفخر الإربلي، وأبو نصر ابن الشيرازي، وغيرهما (١).
٢٩٣ - سعد بن علي بن القاسم، أبو المعالي الحظيري، الكتبي، الوراق، الأديب، المعروف بدلال الكتب ببغداد.
كانت لديه فضائل، وله مجاميع مفيدة، منها كتاب زينة الدهر الذي ذيله على دمية القصر للباخرزي، وله كتاب لمح الملح.
وشعره مليح فمنه:
ومعذر في خده … ورد وفي فمه مُدَام
ما لان لي حتّى تغشَّى … صُبْحَ سالِفِهِ ظلام
وله:
شكوتُ هَوَى من شفّ قلبيَ بُعْدُهُ … توقّد نار لَيْسَ يطفى سعيرها
فقال بِعادي عنكَ أكثر راحةً … ولولا بِعادُ الشّمس أطرق نورها
توفي فِي صفر ببغداد.
والحَظيرة: موضع فوق بغداد من عمل دجيل (٢).
٢٩٤ - صالح بن إسماعيل بن سند. العلامة أبو طالب الإسكندراني المالكي الفقيه، المعروف بابن بنت معافى.
стр. 11728
من أصحاب أبي بكر الطرطوشي، تفقه عليه الحافظ أبو الحسن علي ابن المفضل، وغيره. وسمع منه الموطأ أبو القاسم الصفراوي.
٢٩٥ - عبد الله بن المبارك بن علي بن الحسين، أبو الفتح ابن البقلي، الحريمي، القزاز.
روى عن ثابت بن بندار. سمعه: أبو بكر الباقداري، وعمر بن علي القرشي، وغيرهما.
وتوفي في صفر (١).
٢٩٦ - عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى، أبو الخير الأصبهاني.
سمع أبا القاسم غانمًا البرجي، وأبا علي الحداد، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانية، وأبا القاسم بن الحصين، وأبا العز بن كادش. وأملى بأصبهان مجالس.
ثم حج سنة اثنتين وستين. وحدث ببغداد. روى عنه أحمد بن طارق، وابن الأخضر، وأبو طالب بن عبد السميع، والحافظ عبد الغني، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون.
وتوفي في شوال. وله تسع وستون سنة.
قال ابن النجار (٢): كان من حفاظ الحديث، موصوفًا بالفضل ومعرفة الحديث. وقال ابن الأخضر: كانوا يفضلونه بالحفظ على معمر بن الفاخر.
ثم طول ابن النجار في ترجمته بأنهم رموه بالوهن، واتهموه في نقل إجازة مسعود الثقفي، من الخطيب، وابن المأمون، وهؤلاء (٣).
٢٩٧ - عبد الملك بن عياش، أبو الحسن الأزدي القرطبي.
أخذ عن أبيه عياش بن فرج. دخل في الدنيا بعد الزهد، وكتب للدولة، وحصل ثروة، فقال:
عصيت هوى نفسي صغيرًا … فعندما رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضية ليتني … خلقت كبيرًا وانتقلت إلى الصغر
стр. 11729
فزاد ابنه أبو الحسن علي:
هنيئًا له إن لم يكن كابنه الذي … أطاع الهوى في حالتيه وما اعتذر
وكان عبد الملك بن عياش مع فنونه وفضائله من أبرع الناس خطًا (١).
٢٩٨ - علي بن حمزة بن فارس، أبو الحسن ابن القبيطي، الحراني، والد حمزة ومحمد.
قدم بغداد فاستوطنها، وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي. وسمع من أبي بكر المزرفي، وغيره. سمع منه ولداه، وأبو المحاسن القرشي. وتوفي في جمادى الآخرة.
قال ابن النجار: قرأ لأبي عمرو على القلانسي؛ تلا عليه ابنه حمزة. صالح، خير، دين، عاش ثلاثًا وثمانين سنة (٢).
٢٩٩ - علي بن المبارك بن الحسين بن عبد الوهاب بن نغوبا، أبو الحسن الواسطي المعدل.
من بيت حديث وميزة. سمع أبا نعيم محمد بن إبراهيم الجمازي، وأبا نعيم بن زبزب، وأبا الأزهر علي بن أحمد الكتاني، وخميسًا الحوزي. وببغداد من عبد الوهاب الأنماطي، وجماعة.
وروى الكثير؛ سمع منه صدقة بن الحسين مع تقدمه، وأحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، والشيخ الموفق، وآخرون.
وغرق في دجلة منحدرًا إلى واسط في ذي القعدة وله اثنتان وثمانون سنة (٣). وروى عنه أيضًا سليمان بن داود الحربي النساج، قاله ابن النجار.
٣٠٠ - محمد بن الحسن بن الحسين، أبو جعفر الأصبهاني، الصيدلاني.
شيخ معمر، عالي الإسناد، معدوم النظير. له إجازة من الهرويين في سنة أربع وسبعين وأربعمائة. أجاز له عبد الرحمن بن محمد بن عفيف كلار البوشنجي، وبيبى الهرثمية، وهو آخر من روى في الدنيا عنهما، وأبو عامر
стр. 11730
محمود بن القاسم الأزدي، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل، ونجيب بن ميمون الواسطي، ومحمد بن علي العميري، وجماعة. وسمع سنة أربع وثمانين ببلده من سليمان بن إبراهيم الحافظ، ورزق الله التميمي، والقاسم بن الفضل الرئيس، وأبي نصر أحمد بن عبد الله بن سمير، ومحمد بن علي بن محمد بن فضلويه الأبهري، ومحمد بن علي بن أحمد السكري، والثلاثة يروون عن محمد بن إبراهيم بن جعفر اليزدي. وسمع أيضًا من مكي السلار، وعمر بن أحمد بن عمر السمسار، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني، وجماعة.
خرج له الحافظ أحمد بن عمر الناييني جزءًا سماه لآلئ القلائد.
روى عنه عبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي، والحافظ عبد القادر بن عبد الله الرهاوي، وعبد الكريم بن محمد بن محمد المؤدب، والعماد أحمد بن أحمد بن أميركا الأصبهاني؛ وبقي العماد إلى بعد الثلاثين وستمائة. وأجاز أبو جعفر لكريمة، ولعلم الدين علي ابن الصابوني، وجماعة.
وتوفي في السادس والعشرين من ذي القعدة؛ ورخه أحمد ابن الجوهري الحافظ.
٣٠١ - محمد بن خمارتكين، أبو عبد الله التبريزي، البغدادي، الفقيه.
سمع من مولاه أبي زكريا التبريزي البغدادي، وأبي الخطاب الكلوذاني، وأبي الخير المبارك ابن الغسال. روى عنه ابنه إسماعيل، وأحمد بن أحمد البندنيجي، والموفق عبد اللطيف بن يوسف، وعبد اللطيف ابن القبيطي. وتوفي في العشرين من ربيع الأول وله تسعون سنة. وكان فقيهًا بالنظامية (١).
٣٠٢ - محمد بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي، أخو عبد الحق، وعبد الرحيم، وهو أصغر الإخوة وأدبرهم.
سمع بيزد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن. وببغداد: قاضي المرستان، وأبا منصور الشيباني القزاز. واستوطن الموصل. وله ذكر في تزوير السماعات، أفسد بها أحوال شيوخ، واختلط سماعهم بتزويره، فترك الناس حديثهم.
стр. 11731
قال ابن الدبيثي (١): سمعت تميم ابن البندنيجي يقول: أبو الفضل خطيب الموصل ثقة صحيح السماع، أدخل عليه محمد بن عبد الخالق في حديثه أشياء لم يسمعها، وكان قد دخل عليه ولاطفه بأجزاء ذكر أنه نقل سماعه فيها من مثل طراد، والنعالي، وابن البطر، وهؤلاء قد سمع منهم أبو الفضل، فقبلها منه، وحدث بها اعتمادًا على نقل محمد له، وإحسان الظن به، فلما علم كذب محمد طلبت أصول الأجزاء التي حملها إليه، فلم توجد، واشتهر أمره، فلم يعبأ الناس بنقله، وترك خطيب الموصل كل ما شك فيه، وحذر من رواية ما شك فيه.
قلت: وبعد ذلك جمع خطيب الموصل المشيخة المشهورة وخرجها من أصوله.
توفي محمد في سنة ثمان وستين في جمادى الآخرة بالموصل، وله ست وأربعون سنة.
٣٠٣ - محمد بن علي بن عمر بن زيد، أبو بكر ابن اللتي، الحريمي.
قرأ بالروايات على أبي منصور بن خيرون، وغيره. وسمع من القاضي أبي بكر، وأبي منصور القزاز، وجماعة. وكان له فهم وعناية، وبإفادته سمع ابن أخيه أبو المنجى عبد الله بن عمر.
قال ابن النجار: كان صدوقًا، سمع منه محمد بن مشق. وتوفي في رمضان، وله تسع وأربعون سنة (٢).
٣٠٤ - المبارك بن نصر الله بن سلمان. الإمام أبو الفتح ابن الدبي، الفقيه الحنفي.
أحد الكبار ببغداد. درس المذهب، وتوفي في آخر السنة. وكان عامل ديوان المقاطعات، وكتب جميع ماله لامرأة له يهودية، وحرم ابن أخيه (٣).
٣٠٥ - محمود بن محمد بن العباس، الفقيه أبو محمد الخوارزمي، الشافعي.
стр. 11732
سمع أباه، وجده عباس بن رسلان، وإسماعيل بن أحمد البيهقي، ومحمد بن عبد الله الحفصوي سمع منه بمرو، وأحمد بن عبد الواحد الفارسي بسمرقند، ومحمد بن علي المطهري ببخارى، وابن الطلاية ببغداد، ووعظ بها بالنظامية. سمع منه يوسف بن مقلد، وأحمد بن طارق.
قال أبو سعد السمعاني: كان فقيهًا، عارفًا بالمتفق والمختلف، صوفيًا، حسن الظاهر والباطن. سمع الكثير على كبر السن، وعلق المذهب عن الحسن بن مسعود البغوي. وأفاد الناس بخوارزم، وألف تاريخ خوارزم. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
قلت: توفي في رمضان سنة ثمان ﵀، وكان يعرف بالعباسي، وله ترجمة في تاريخ ابن النجار.
وقال السمعاني: سمعت منه بجرجانية خوارزم.
قلت: طالعت الأول من تاريخ خوارزم له.
٣٠٦ - مسعود بن محمد بن سعيد بن مسعود، الإمام أبو الفتح المسعودي، المروزي. خطيب مرو.
كثير العبادة، ملازم التلاوة، وكان ينظم الشعر وينشئ الخطب.
ولد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وسمع من والده، ومن أبي بكر ابن السمعاني، ووالده الإمام أبي المظفر منصور ابن السمعاني، وأبي منصور البيع، وأبي عبد الله الدقاق، وغيرهم. وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي، وأبو بكر بن سوسن البغدادي، وأبو بكر حفيد ابن مردويه. وخرج له أبو سعد السمعاني مشيخة.
وسمع منه أبو المظفر عبد الرحيم ابن السمعاني، وأخوه أبو زيد، ورقية بنت المنيعي، وغيرهم.
وطال عمره وتفرد في وقته.
توفي سنة ثمان وستين وخمسمائة (١).
стр. 11733
٣٠٧ - الموفق بن أحمد بن محمد، أبو المؤيد المكي العلامة، خطيب خوارزم.
كان أديبًا، فصيحًا، مفوهًا، خطب بخوارزم دهرًا، وأنشأ الخطب، وأقرأ الناس، وتخرج به جماعة. وهو الذي يقال له: خطيب خوارزم.
توفي بخوارزم في صفر.
قال ابن الدبيثي (١): أخبرنا ناصر بن عبد السيد الأديب، قال: أخبرنا الموفق، قال: أخبرنا أبو الغنائم النرسي، الكوفي … فذكر حديثًا.
وله كتاب في فضائل علي، رأيته؛ وفيه واهيات كثيرة.
ولخطيب خوارزم شعر جيد، معجرف اللغة، كقوله:
لقد شقّ قلبي سهْمُ النَّوَى … عَلَى أنّ موتي فِي خَدْشِهِ
أموتُ بتأفيف هجْر الحبيبِ … فقِسْ كيفَ حالي لدى بطْشِهِ
إذا لم تَنَلْ لَظَى الصَّدْر من … شآبيبِ وصْلٍ فمِنْ رَشِهِ
ألا فأنعش ذا هَوًى قد هَوَى … ففي بطْشة المنْعِ من نعشِهِ
٣٠٨ - يزدن التركي.
من كبار أمراء الدولة، وكان شيعيًا غاليًا، متعصبًا. فانتشر بسببه الرفض، وتأذى أهل السنة إلى أن هلك في ذي الحجة (٢).
стр. 11734
سنة تسع وستين وخمسمائة
٣٠٩ - أحمد بن جعفر بن أحمد بن إدريس، أبو القاسم الغافقي، المقرئ، الخطيب. نزيل الإسكندرية.
توفي فيها، ومولده سنة خمسمائة. أخذ عنه الحافظ ابن المفضل، وأبو القاسم الصفراوي، وغيرهما.
٣١٠ - أحمد بن عبد الله، أبو طالب العلوي، القصري. من ولد محمد ابن الحنفية.
روى عن يوسف اللخمي بالمغرب.
٣١١ - أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الصقر، أبو العباس الأنصاري، الأندلسي. قاضي إشبيلية.
سمع من أبي الحسن بن الباذش، وأبي القاسم بن الأبرش، ودرس عليهما العربية. وكان بصيرًا بالفقه، معروفًا بالذكاء، بارع الخط. روى عنه ابنه، وأبو خالد بن رفاعة.
توفي بمراكش في جمادى الأولى، وقد قارب الثمانين (١).
٣١٢ - أحمد بن عبيد الله بن العباس. أبو العباس البغدادي، المؤدب.
صحب أبا الخطاب الكلوذاني الفقيه، وسمع منه. روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز. وكان يؤم بمسجد.
توفي في رمضان (٢).
٣١٣ - أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر. النقيب أبو عبد الله العلوي الحسيني.
شريف، نبيل، عريق في السيادة، له شعر وترسل. تولى نقابة الطالبيين بعد والده سنة ثلاثين. وسمع أبا الحسين ابن الطيوري، وأبا الحسن ابن العلاف، وأبيًا النرسي، وغيرهم. وولد في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة.
стр. 11735
روى عنه أحمد بن طارق، والشيخ الموفق، وأبو إسحاق الكاشغري، ومحمد بن عبد العزيز ابن الخزاز، وطائفة.
قال ابن النجار (١): كان يحب الرواية ويكرم أهل الحديث. وله شعر فائق، وحدث بالكثير. وتوفي في جمادى الأولى (٢).
وللرشيد بن مسلمة إجازة منه (٣).
٣١٤ - إبراهيم بن يحيى، أبو عمرو الشاطبي، الأديب.
روى عن أبي علي بن سكرة، وأبي عمران بن أبي تليد. كتب عنه أبو عمر بن عات، وغيره. وكان أخباريًا (٤).
٣١٥ - إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد، أبو إسحاق بن قرقول الوهراني، الحمزي. وحمزة: موضع من عمل بجاية.
ولد بالمرية. وسمع من جده لأمه أبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن نافع. وروى عن خلق منهم: أبو عبد الله بن زغيبة، وأبو الحسن بن معدان ابن اللوان، وأبو عبد الله بن الحاج، وأبو العباس بن العريف. وأخذ عن أبي إسحاق الخفاجي ديوانه.
قال الأبار (٥): وكان رحالًا في العلم فقيهًا نظارًا، أديبًا، حافظًا، يبصر الحديث ورجاله.
صنف وكتب الخط الأنيق، وأخذ الناس عنه. وانتقل من مالقة إلى سبتة، ثم إلى سلا، ثم إلى فاس، وبها توفي في شعبان. وكان مولده في سنة خمس وخمسمائة ﵀.
وكان رفقيًا للسهيلي، فلما تحول إلى سلا نظم فيه السهيلي:
سلا عَنْ سَلا إنّ المعارف والنُّهَى … بها ودَّعا أمّ الَّرباب ومَأْسلا
بكيتُ أسى أيّامَ كان بسبتة … فكيف التأسي حين منزله سلا
стр. 11736
وقال أناس: إن في البعد سلوة … وقد طال هذا البعد والقلب ما سلا
فليت أبا إسحاق إذ شطت النوى … تحيته الحسنى من الرّيح أرسلا
فعادت دَبُورُ الرّيح عندي كالصِّبَا … بذي غُمَرٍ إذْ أمرُ زيدٍ تبسَّلا
فقد كَانَ يُهْديني الحديثَ مُوَصَّلًا … فأصبحَ موصولُ الأحاديث مُرْسلا
وقد كَانَ يُحْيى العِلْمَ والذِّكّرْ عندنا … أَوانَ دنا، فالآنَ بالنَّأْي كسلا
فلله أمٌّ بالمَريَّةِ أنجبَتْ … بِهِ وأبٌ ماذا من الخير أنْسَلا
٣١٦ - أسعد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو المنيع الهمذاني، المزكي.
أنفق مالًا صالحًا على العلماء. وروى الكثير بالإجازة عن أبي الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس. وورد دمشق مرة. روى عنه أبو المواهب بن صصرى.
توفي في جمادى الأولى.
٣١٧ - جامع السمك بن محمد بن جامع الحربي الصياد.
سمع ابن الحصين. وحدث عنه أحمد بن أحمد ابن البندنيجي (١).
٣١٨ - الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل، الحافظ، أبو العلاء الهمذاني، العطار، المقرئ، المحدث، شيخ مدينة همذان.
رحل إلى أصبهان، وقرأ القراءات على أبي علي الحداد، وسمع منه الكثير. وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي بواسط. وعلى أبي عبد الله البارع، وأبي بكر المزرفي، وجماعة ببغداد، وسمع بها من أبي القاسم بن بيان، وأبي علي ابن المهدي، وخلق. ومن أبي عبد الله الفراوي، وطبقته بخراسان. ثم رحل ثانية سنة نيف وعشرين وخمسمائة إلى بغداد، فقرأ بها لولده الكثير، ثم قدمها بعد الثلاثين. ثم قدمها بعد الأربعين، فقرأ بها لولده أحمد الكثير على أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وابن الزاغوني، وحدث إذ ذاك بها.
وقرأ عليه القراءات أبو أحمد عبد الوهاب ابن سكينة. روى عنه هو، والمبارك بن الأزهر، وأبو المواهب بن صصرى، وعبد القادر بن عبد الله
стр. 11737
الرهاوي، ويوسف بن أحمد الشيرازي، ومحمد بن محمود بن إبراهيم الحمامي، وأولاده أحمد، وعبد البر، وفاطمة، وعتيق بن بدل المكي بمكة، وسبطه محمد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان، وأخو هذا القاضي علي بن عبد الرشيد وماتا في سنة إحدى وعشرين، وأخوهما القاضي عبد الحميد، وبقي إلى سنة سبع وثلاثين، وسماعه في الرابعة. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن المقير، وهو آخر من روى عنه فيما أعلم.
ذكره أبو سعد السمعاني فقال: حافظ، متقن، ومقرئ فاضل، حسن السيرة، جميل الأمر، مرضي الطريقة، عزيز النفس، سخي بما يملكه، مكرم للغرباء، يعرف الحديث والقراءات والأدب معرفة حسنة. سمعت منه بهمذان.
وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: شيخنا الإمام أبو العلاء أشهر من أن يعرف، بل تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة، على ما بلغنا من سيرة العلماء والمشايخ. أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات، مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتبه بخطه. فإنه ما كان يكتب شيئًا إلا منقوطًا معربًا. وأول سماعه من عبد الرحمن بن حمد الدوني في سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب، والتواريخ، والأسماء، والكنى، والقصص، والسير. ولقد كان يومًا في مجلسه، وجاءته فتوى في أمر عثمان ﵁، فأخذها وكتب فيها من حفظه، ونحن جلوس، درجًا طويلًا، ذكر فيه نسبه، ومولده، ووفاته، وأولاده، وما قيل فيه، إلى غير ذلك. وله التصانيف في الحديث، والزهد والرقائق، وصنف زاد المسافر في نحو خمسين مجلدًا. وكان إمامًا في القرآن وعلومه، وحصل من القراءات المسندة، ما إنه صنف العشرة والمفردات، وصنف في الوقف والابتداء، وفي التجويد، والماءات، والعدد ومعرفة القراء وهو نحو من عشرين مجلدًا. واستحسنت تصانيفه في القرآن، وكتبت، ونقلت إلى خوارزم والشام. وبرع عليه جماعة كثيرة في علوم القرآن. وكان إذا جرى ذكر القراء يقول: فلان مات في سنة كذا، وفلان مات في سنة كذا، وفلان يعلو إسناده على فلان بكذا.
وكان إمامًا في النحو واللغة، سمعت أن من جملة ما حفظ في اللغة كتاب الجمهرة، وخرج له تلامذة في العربية أئمة يقرئون بهمذان. وفي بعض من رأيت من أصحابه من جملة محفوظاته كتاب الغريبين للهروي.
стр. 11738
وكان عتيقًا من حب المال، مهينًا له، باع جميع ما ورثه، وكان من أبناء التجار، وأخرجه في طلب العلم، حتى سافر إلى بغداد، وأصبهان مرات كثيرة ماشيًا، وكان يحمل كتبه على ظهره. وسمعته يقول: كنت أبيت ببغداد في المساجد، وآكل خبز الدخن.
وسمعت (١) شيخنا أبا الفضل بن بنيمان الأديب بهمذان يقول: رأيت الحافظ أبا العلاء في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه، لأن السراج كان عاليًا. ثم نشر الله ذكره في الآفاق، وعظم شأنه في قلوب الملوك وأرباب المناصب العوام، حتى إنه كان يمر في همذان فلا يبقى أحد رآه إلا قام ودعا له، حتى الصبيان واليهود. وحتى أنه كان في بعض الأحايين يمضي إلى مشكان بلدة في ناحية همذان، ليصلي بها الجمعة، فكان يتلقاه أهلها خارج البلد، المسلمون على حدة، واليهود على حدة، يدعون له إلى أن يدخل البلد. وكان يفتح عليه من الدنيا جمل، فلم يدخرها، بل كان ينفقها على تلامذته، حتى أنه ما كان يكون عنده متعلم إلا رتب له رفقًا يصل إليه، وإذا قصده أحد يطلب بره وصله بما يجد إليه من السبيل من ماله وجاهه، ويتدين له. وكانت عليه رسوم لأقوام في كل سنة يبعثها إلى مكة، وبغداد، وغيرهما. وما كان يبرح عليه ألف دينار همذانية أو أكثر من الدين، مع كثرة ما كان يفتح عليه. وكان يطلب لأصحابه من الناس، ويعز أصحابه ومن يلوذ به، ولا يحضر دعوة حتى تحضر جماعة أصحابه. وكان لا يأكل من أموال الظلمة، ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطًا، وإنما كان يقرئ في داره، ونحن في مسجده، فكان يقرئ نصف نهاره الحديث، ونصفه القرآن والعلم. وكان لا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمكن أحدًا أن يعمل في محلته منكرًا ولا سماعًا. وكان ينزل كل إنسان منزلته، حتى تألفت القلوب على محبته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة. حتى أهل خوارزم، الذين هم من أشد الناس في الاعتزال كتبوا تصانيفه، وصار له عندهم من الصيت لعل قريبًا من همذان، مع مباينتهم له في الاعتقاد، ومعرفتهم شدته في الحنبلية. وكان حسن الصلاة، لم أر أحدًا من مشايخنا أحسن صلاة منه. وكان متشددًا في أمر
стр. 11739
الطهارات، حتى أنه ما كان يثق بكل أحد. وكان لا يدع أحدًا يمس مداسه. وقد حضرته يومًا وأخذ منطرًا وجبة برد قد أهديا له، وكانا جديدين بطراوتهما، فجاء بهما إلى بركة فيها ماء وطين وورق الشجر، فغمسهما في الماء وسمعته يقول: قليلًا قليلًا ثقة بالله. فغسلهما، وانطفأت نضارتهما. وكان لا يبالي ما لبس. ولا يلبس الكتان بل القطن، ثياب قصار، وأكمام قصار، وعمامة نحو سبعة أذرع. وكان لا يتشهى المواكيل، ولا يكاد يأمر بصنعة طعام. وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلًا. كان لا يكاد يبدأ في أمر إلا ابتدأ فيه بسنة إما دعاء وإما غير ذلك. وكان معظما للسنة بحيث إنه كان إذا دخل مجلسه أحد، فقدم رجله اليسرى كلف أن يرجع فيقدم اليمنى.
وكان لا يمس أحاديث النبي ﷺ إلا وهو على وضوء، ولا يدع شيئًا قط إلا مستقبل القبلة تعظيمًا لها.
ورآني يومًا وعلى رأسي قلنسوة سوداء مكشوفة فقال لي: لا تلبسها مكشوفة، فإن أول من أظهر لبس هذه القلانس أبو مسلم الخراساني. ثم شرع في ذكر أبي مسلم، فذكر أحواله من أولها إلى آخرها.
قال: وسمعت من أثق به يحكي أن السلفي رأى طبقة بخط أبي العلاء فقال: هذا خط أهل الإتقان. وسمعته يحكي عنه أنه ذكر له فقال: قدمه دينه. وسمعت من أثق به يحكي عن أبي الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي أنه قال للحافظ أبي العلاء لما دخل نيسابور: ما دخل نيسابور مثلك. وسمعت الحافظ أبا القاسم علي بن الحسن يقول، وذكر رجلًا من أصحابه رحل: إن رجع ولم يلق الحافظ أبا العلاء ضاعت سفرته. قال: وقد روى عنه الحافظ أبو القاسم.
وقال الحافظ محمد بن محمود الحمامي الهمذاني: ولد شيخنا أبو العلاء في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
قال: وتوفي في تاسع عشر جمادى الأولى.
وذكره ابن النجار فقال (١): إمام في علوم القراءات، والحديث، والأدب، والزهد، والتمسك بالسنن (٢).
стр. 11740
٣١٩ - الحسن بن عبد الله بن حسين، أبو علي ابن الأشيري الكاتب، نزيل تلمسان.
قال الأبار (١): كان عالمًا بالقراءات، واللغة، والشعر. صنف في غريب الموطأ، وغير ذلك.
٣٢٠ - الحسين بن محمد بن الحسين بن حما. الشيخ أبو عبد الله البغدادي.
من وكلاء القضاة. سمع من جده لأمه أبي سعد محمد بن عبد الملك الأسدي، وأبي سعد بن خشيش.
قال ابن النجار: حدثنا عنه ابن الأخضر. ولد سنة تسعين وأربعمائة، ومات في شوال سنة تسع (٢).
٣٢١ - دلف بن كرم، أبو الفرج العكبري المقرئ، الخباز.
أحد طلبة الحديث ببغداد.
سمع أبا بكر الأنصاري، وأبا القاسم ابن السمرقندي فمن بعدهما. سمع منه علي بن أحمد الزيدي، ومكي الغراد.
توفي في عشر السبعين (٣).
٣٢٢ - دهبل بن علي بن منصور بن إبراهيم. المعروف بابن كاره، أبو الحسن الحريمي، والد عبد الله.
كان فقيهًا حنبليًا. سمع الحسين بن علي ابن البسري، وأبا القاسم بن بيان، وابن نبهان. وكان زاهدًا، ثقة. سمع منه أبو سعد ابن السمعاني، وعلي بن أحمد الزيدي، وأبو محمد بن الأخضر، وابن قدامة، وأبو المنجى ابن اللتي، ولبابة بنت الثلاجي، وآخرون.
وتوفي في ثاني المحرم، وكان قد أضر (٤).
٣٢٣ - سعد الله بن مصعب بن محمد، أبو القاسم البغدادي
стр. 11741
المقرئ، المعروف بابن ساقي الماء.
قال ابن الدبيثي (١): بقي أكثر من سبعين سنة مقيمًا بمسجد بالجانب الغربي. قرأ القراءات على أبي عبد الله البارع. وسمع من أبي القاسم بن بيان. كتب عنه عمر القرشي، وتوفي في المحرم.
٣٢٤ - سعيد بن المبارك بن علي، أبو محمد ابن الدهان البغدادي، النحوي، صاحب المصنفات.
سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وغيرهما.
كتب عنه أبو سعد السمعاني وقال: قال لي: ولدت سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وهو شاب فاضل له معرفة بالنحو ويد باسطة في الشعر. شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي في ثلاثة وأربعين مجلدًا، وشرح اللمع لابن جني في ثلاثة مجلدات.
وقال ابن الدبيثي (٢): سكن في آخر عمره بالموصل، وأخذ عنه أهلها.
وقال جمال الدين القفطي (٣): رحل إلى أصبهان، وسمع بها، واستفاد من خزائن وقوفها، وكتب الكثير من الأدب بخطه. وأخذ الناس عنه. وخرج عن بغداد قاصدًا إلى دمشق، فاجتاز بالموصل وبها وزيرها جمال الدين محمد الأصبهاني الجواد فارتبطه عنده وأكرمه وصدره بالموصل للإفادة. وغرقت كتبه ببغداد في غيبته، ثم حملت إليه، فشرع في تبخيرها باللاذن ليقطع الرائحة الردية، إلى أن بخرها بنحو من ثلاثين رطل لاذن (٤)، فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه، فأحدث له العمى.
ومن شعره:
بادِرْ إلى العَيْش والأيّام راقدةٌ … ولا تكُنْ لصُرُوف الدَّهْرِ تنتظر
فالعمر كالكأس يبدو فِي أوائله … صفْوٌ وآخره فِي قعره الكَدَرُ
стр. 11742
وقال الحافظ ابن عساكر: سمعت سعيد ابن الدّهّان ببغداد يَقُولُ: رَأَيْت فِي النّوم منشدًا يُنشد محبوبه:
أيُّها الماطِلُ دَيْني … أَمَلِيٌّ وتماطلْ؟
عَلِّلِ القلبَ فإنّي … قانعٌ منك بباطِلْ
ولَهُ " سرقات المتنبّي " فِي مجلَّد، وكتاب " التّذكرة " سبْع مجلدات.
قال العماد الكاتب: هُوَ سِيبَوَيْه عصره، ووحيد دهره. لقيته ببغداد، وكان يقال حينئذٍ: النَّحْويّون فِي بغداد أربعة: ابن الجواليقيّ، وابن الشّجَريّ، وابن الخشّاب، وابن الدّهّان.
وقال ابن خَلِّكان: لَقَبُه: ناصح الدِّين، رحمه اللَّه تعالى (١).
٣٢٥ - سلمان بن علي بن عبد الرحمن، أبو تميم الرحبي، الدمشقي، الخباز.
سمع جزءًا من عبد الرحمن بن الحسين الحنائي، وهو آخر من حدث عنه. روى عنه الحافظان أبو المواهب، وعبد الغني، والشيخ الموفق، وأبو القاسم بن صصرى، وعبد الرحمن بن عمر النساج، والقاضي عمر بن المنجى.
قال أبو المواهب: توفي في ربيع الآخر، وكان مقرئًا صالحًا. ما حدثنا عن ابن الحنائي سواه.
٣٢٦ - عبد الله بن أحمد بن الحسين، أبو محمد ابن النقار الطرابلسي، الشامي، الحميري، الكاتب، المعدل.
ولد بأطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وعاش تسعين سنة. قدم دمشق شابًا عند استيلاء العدو على أطرابلس، وتقدم في كتابة الإنشاء، وكتب لصاحب الشام.
وكان جيد النظم والنثر، كبير القدر. روى عنه ابن عساكر في تاريخه قصيدتين (٢).
стр. 11743
٣٢٧ - عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون، أبو محمد بن أبي نصر بن أبي طاهر بن أبي الحسين ابن النرسي البغدادي.
من بيت العدالة والرواية. سمع أبا الفضل محمد بن عبد السلام، وأبا غالب الباقلاني، وأبا بكر الطريثيثي، وأبا الحسين ابن الطيوري، وابن العلاف.
سمع منه علي بن أحمد الزيدي، وأبو بكر الباقداري. وحدث عنه جماعة وأثنوا عليه منهم الحافظ عبد الغني، وأبو محمد بن قدامة، وعبد العزيز ابن الأخضر، وحفيداه أحمد وإسماعيل ابنا إسماعيل ابن النرسي. وكان يلقب بالحمامة. توفي في رمضان وله ثلاث وثمانون سنة (١).
٣٢٨ - عبد الواحد بن عبد الماجد بن عبد الواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري، أبو محمد النيسابوري، الصوفي.
حدث بدمشق وبغداد عن أبيه وعبد الغفار الشيرويي، ومحمد بن أحمد بن صاعد. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصرى، والجماعة. وتوفي في المحرم بأصبهان (٢).
٣٢٩ - عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد، أبو نصر الفضلوسي الكرجي، الصوفي، الزاهد.
له عبادة ومجاهدات، وسافر الكثير ولقي المشايخ. وحج مرات. وربما حج منفردًا متوكلًا. وسمع بأصبهان، وبغداد، ومصر. وسمع من أبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبي القاسم بن الحصين. وكان أبو الفرج ابن النقور قد كتب عنه عجائب، وأنه قد رأى الخضر ورأى الجن، ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وروى عنه جماعة منهم أبو سعد السمعاني.
стр. 11744
وقال ابن الدبيثي (١): بلغنا أنه توفي بالكرج في سنة تسع هذه.
٣٣٠ - عبد النبي بن المهدي، اليمني الخارجي، الملقب بالمهدي.
كان أبوه المهدي قد استولى على اليمن، وظلم وعسف، وشق أجواف الحبالى، وذبح الأطفال، وتمرد على الله. وكان يرى رأي القرامطة والباطنية، وكان يظهر أنه داعية للمصريين، فهلك سنة تسع أو سبع وستين وخمسمائة.
وولي الأمر بعده عبد النبي هذا، ففعل أنحس من فعل الوالد، وسبى النساء، وبنى على قبر أبيه قبة عظيمة لم يعمل في الإسلام مثلها، فإنه صفح حيطانها بالذهب والجواهر، ظاهرًا وباطنًا، وعمل لها ستور الحرير، وقناديل الذهب، فيقال: إنه أمر الناس بالحج إلى قبر أبيه، كما تحج الكعبة، وأن يحمل كل واحد إليها مالًا، ومن لم يحمل مالًا قتله، ومنعهم من الحج، فكانوا يقصدونها من السحر، واجتمع فيها أموال لا تحصى، وانهمك في اللذات والفواحش إلى أن قصمه الله واستأصله على يد شمس الدولة ابن أيوب، واستولى على جميع خزائنه وعذبه، ثم قتله، وهدم القبة، وأحرق ما فيها. هذا معنى ما قاله صاحب مرآة الزمان (٢).
٣٣١ - علي بن أحمد بن أبي بكر، أبو الحسن الكناني القرطبي ابن حنين، نزيل مدينة فاس.
سمع الموطأ بقراءة أبيه من أبي عبد الله محمد بن الفرج مولى الطلاع. وسمع من أبي الحسن العبسي، وأخذ عنه القراءات، وخازم بن محمد، وأبي القاسم بن مدير، وأبي الوليد بن خشرم. وأخذ عنه الكبار. وأخذ أيضًا عن أبي الحسن بن شفيع، وأبي عمران الإلبيري. وقرأ بجيان على أبي عامر محمد بن حبيب. ثم حج سنة خمسمائة، ولقي أبا حامد الغزالي وصحبه. كذا قال أبو عبد الله الأبار (٣). وفي هذا نظر، إلا أن يكون دخل خراسان، وهو محتمل على بعد.
стр. 11745
قال: وأقام ببيت المقدس يعلم القرآن تسعة أشهر، ثم انصرف واستوطن مدينة فاس سنة ثلاث (١) وخمسمائة، وتصدر للإقراء، وطال عمره. وروى عنه من شيوخنا أبو القاسم بن بقي، وأبو زكريا التادلي. وقرأت على التادلي كتاب الشهاب للقضاعي، بسماعه منه، عن العبسي، عن مؤلفه. وكان مولده في سنة ست وسبعين وأربعمائة.
قلت: عاش ثلاثًا وتسعين سنة. وكان من أسند أهل وقته. وقد روى عنه بالإجازة أبو الحسن بن المفضل، وبالسماع عبد العزيز بن علي بن زيدان النحوي السماني، نزيل فاس.
٣٣٢ - علي بن إبراهيم بن المسلم، أبو الحسن الأنصاري، الزاهد، المعروف بابن بنت أبي سعد.
توفي بمصر في رجب. وقد حدث قبل موته بيسير. وكان محدثًا، عارفًا بشيوخ المصريين. أخذ عنه الحافظ عبد الغني، والمصريون.
٣٣٣ - علي بن الحسن بن علي بن أبي الأسود، أبو الحسين بن البل البغدادي، عم هبة الله بن البل.
روى عن أبي القاسم الربعي، وابن بيان الرزاز. سمع منه علي بن أحمد الزيدي، وغير واحد. وروى عنه علي بن محمد العلوي، وابن الأخضر، وموفق الدين المقدسي، وآخرون.
وتوفي في ذي الحجة (٢).
٣٣٤ - علي بن الحسن بن علي، أبو الحسن ابن الرميلي، الفقيه الشافعي.
كان من أئمة الشافعية، ورشح ببغداد لتدريس النظامية. وروى القليل عن الأرموي، وأبي الوقت. وله تعليقة في الخلاف. وكتب على طريقة ابن البواب، وأعاد بالنظامية (٣).
стр. 11746
٣٣٥ - عمارة بن علي بن زيدان، الفقيه أبو محمد الحكمي، المذحجي، اليمني، نجم الدين الشافعي الفرضي الشاعر المشهور.
تفقه بزبيد مدة أربع سنين في المدرسة، وحج سنة تسع وأربعين وخمسمائة. ومولده سنة خمس عشرة.
وسيره صاحب مكة قاسم بن هاشم بن فليتة رسولًا إلى الفائز خليفة مصر، فامتدحه بقصيدته الميمية، وهي:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدا يقوم بما أولت من النعم
لا أجحد الحق، عندي للركاب يد … تمنت اللجم فيها رتبة الخطم
قربن بعد مزار العز من نظري … حتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحن من كعبة البطحاء والحرم … وفدا إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت أني بعد فرقته … ما سرت من حرم إلا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقها … بين النقيضين من عفو ومن نقم
وللإمامة أنوار مقدسة … تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوة آيات تنص لنا … على الخفيين من حكم ومن حكم
وللمكارم أعلام تعلمنا … مدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلا ألسن تثني محامدها … على الحميدين من فعل ومن شيم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا … فوز النجاة وأجر البر في القسم
لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما … وزيره الصالح الفراج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائله … إلا يد الصنعتين السيف والقلم
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها … عقود مدح فما أرضى لكم كلمي (١)
فوصلوه. ثم رد إلى مكة، وعاد إلى زبيد. ثم حج، فأعاده صاحب مكة في الرسلية، فاستوطن مصر.
قال ابن خلكان (٢): وكان شافعيا شديد التعصب للسنة، أديبا، ماهرا، ولم يزل ماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين، فمدحه ومدح جماعة. ثم إنه شرع في أمور، وأخذ في اتفاق مع رؤساء البلد في
стр. 11747
التعصب للعبيديين وإعادة أمرهم، فنقل أمرهم، وكانوا ثمانية من الأعيان، فأمر صلاح الدين بشنقهم في رمضان بالقاهرة، وكفى الله شرهم. ولعمارة كتاب أخبار اليمن، وله شيء في أخبار خلفاء مصر ووزرائها. وكان هؤلاء المخذولون قد هموا بإقامة ولد العاضد، وقيل: إنهم كاتبوا الفرنج لينجدوهم، فنم عليهم رجل جندي، وقد نسب إلى عمارة بيت شعر، وهو:
قد كان أول هذا الأمر من رجل … سعى إلى أن دعوه سيد الأمم
فأفتى الفقهاء بقتله.
وله ديوان مشهور.
وللفقيه عمارة مجلد فيه النكت العصرية في الدولة المصرية ترجم نفسه في أوله، فقال (١): والحديث كما قيل شجون، والجد قد يخلط بالمجون، وعسى أن يقول من وقع في يده هذا المجموع: خبرتنا عن غيرك، فمن تكون؟ وإلى أي عش ترجع من الوكون؟ وأنا أقتصر وأختصر: فأما جرثومة النسب فقحطان، ثم الحكم بعد سعد العشيرة المذحجي. وأما الوطن فمن تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع، بعدها من مكة أحد عشر يومًا، وبها المولد والمربى، وأهلها بقية العرب في تهامة، لأنهم لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه، ولا يجيزون شهادته، ولا يرضون بقتله قودًا بأحد منهم؛ ولذلك سلمت لغتهم من الفساد، وكانت رياستهم تنتهي إلى المثيب بن سليمان، وهو جدي من جهة الأم، وإلى زيدان بن أحمد، وهو جدي لأبي، وهما أبناء عم، وكان زيدان يقول: أنا أعد من أسلافي أحد عشر جدًا، ما منهم إلا عالم مصنف في عدة علوم. ولقد أدركت عمي علي بن زيدان وخالي محمد بن المثيب، ورياسة حكم بن سعد تقف عليهما. وما أعرف فيمن رأيته أحدًا يشبه عمي عليًا في السؤدد. وحدثني أخي يحيى بن أبي الحسن، وكان عالمًا بأيام الناس، قال: لو كان عمك علي بن زيدان في زمن نبي لكان حواريًا أو صديقا له لفرط سؤدده. وحدثني الفقيه محمد بن حسين الأوقص، وكان صالحًا، قال: والله لو كان علي بن زيدان قرشيًا ودعانا إلى بيعته لمتنا تحت رايته لاجتماع شروط الخلافة فيه. قال لي أخي يحيى: كان
стр. 11748
علي لا يغضب، ولا يقذع في القول، ولا يجبن، ولا يبخل، ولا يضرب مملوكا أبدا، ولا يرد سائلا، ولا عصى الله بقول ولا فعل، وهذه همة الملوك، وأخلاق الصديقين. وحسبك أنه حج أربعين حجة، وزار النبي ﷺ عشر مرات، ورآه في النوم خمس مرات، وأخبره بأمور لم يخرم منها شيء. فقلت لأخي: من القائل:
إذا طرقتك أحداث الليالي … ولم يوجد لعلتها طبيب
وأعوز من يجيرك من سطاها … فزيدان يجيرك والمثيب
هما ردا علي شتيت ملكي … ووجه الدهر من رغم قطوب
وقاما عند خذلاني بنصري … قياما تستكين له الخطوب
فقال: هو السلطان علي بن حبابة، كان قومه قد أخرجوه من ملكه، وأفقروه من ملكه، وولوا عليهم أخاه سلامة، فنزل بهما، فسارا معه في جموع من قومهما حتى عزلا سلامة وردا عليا وأصلحا له قومه، وكان الذي وصل إليه من برهما وأنفقاه على الجيش في نصرته ما ينيف على خمسين ألفا.
حدثني أبي قال: مرض عمك علي بن زيدان مرضا أشرف منه على الموت ثم أبل منه، فأنشدته لرجل من بني الحارث يدعى سالم بن شافع، كان وفد عليه يستعينه في دية قتيل لزمته، فلما شغلنا بمرضه رجع الحارثي إلى قومه:
إذا أودى ابن زيدان علي … فلا طلعت نجومك يا سماء
ولا اشتمل النساء على جنين … ولا روى الثرى للسحب ماء
على الدنيا وساكنها جميعا … إذا أودى أبو الحسن العفاء
قال: فبكى عمك وأمرني بإحضار الحارثي، ودفع إليه ألف دينار، وبعد ستة أشهر ساق عنه الدية.
وحدثني خالي محمد بن المثيب قال: أجدب الناس سنة، ففرق علي بن زيدان على المقلين أربعمائة بقرة لبون، ومائتي ناقة لبون.
وأذكر وأنا طفل أن معلمي عطية بن محمد بعثني إلى عمي بكتابة كتبها في لوحي. فضمني إليه وأجلسني في حجره، وقال: كم يعطى الأديب؟ قلت: بقرة لبونا، فضحك، ثم أمر له بمائة بقرة لبون معها أولادها، ووهب له غلة
стр. 11749
أرض حصل له منها ألفا إردب من السمسم خاصة.
وأما سعة أمواله، فلم تكن تدخل تحت حصر، بل كان الفارس يمشي من صلاة الصبح إلى آخر الساعة الثانية في فرقانات من الإبل والبقر والغنم كلها له، وكان يسكن في مدينة منفردة عن البلد الكبير.
وأما حماسته وشدة بأسه فيضرب بها المثل، وهو شيء يزيد على العادة بنوع من التأييد، فلم يكن أحد يقدر أن يجر قوسه، وكان سهمه ينفذ من الدرقة ومن الإنسان الذي تحتها، وكان الناس يسرحون أموالهم إلى واد معشب مخصب مسبع بعيد من البلد، وفيه عبيد متغلبة نحو من ثلاثة آلاف راجل، قد حموا ذلك الوادي بالسيف، يقطعون الطريق، ويعتصمون بشعفات الجبال وصياصيها. وكان العدد الذي يسرح مع المال في كل يوم خمسمائة قوس ومائة فارس، فشكى الناس إلى علي بن زيدان أن فيهم من قد طال شعره، وانقطع حذاؤه ووتره، وسألوه أن ينظر لهم من ينوب عنهم يومًا ليصلحوا أحوالهم، فنادى مناديه بالليل: من أراد أن يقعد فليقعد، فقد كفي. ثم أمر الرعاء فسرحوا، وركب وحده فرسًا له نجديًا من أكرم الخيل سبقًا وأدبًا وجنب حجرة، فما هو إلا أن وردت الأنعام ذلك الوادي حتى خرجت عليها العبيد، فاستاقوها وقتلوا من الرعاء تسعة. فركب ابن زيدان فأدرك العبيد، وهم سبعمائة رجل أبطالا، فقال لهم: ردوا المال وإلا فأنا علي بن زيدان. فتسرعوا إليه فكان لا يضع سهمًا إلا بقتيل، حتى إذا ضايقوه اندفع عنهم غير بعيد، فإذا ولوا كر عليهم، ولم يزل ذلك دأبه ودأبهم حتى قتل منهم خمسة وتسعين رجلًا، فطلب الباقون أمانه ففعل، وأمرهم أن يدير بعضهم بكتاف بعض، ففعلوا، وأخذ جميع أسلحتهم فحملها بعمائمهم على ظهور الإبل، وعاد والعبيد بين يديه أسارى. وقد كان بعض الرعاء هرب فنعاه إلى الناس، فخرج الناس أرسالًا حتى لقوه العصر خارجًا من الوادي، والمواشي سالمة، والعبيد أسارى. قال لي أبي: أذكر أنا لم نصل تلك الليلة صحبته إلى المدينة حتى كسرت العرب على باب داري ألف سيف، حتى قيل: إن عليًا قتل وامتد الخبر إلى بني الحارث، وكانوا حلفاء، فأصبح في منازلهم سبعون فرسًا معقورة وثلاثمائة قوس مكسورة حزنًا عليه. ثم اصطنع العبيد وأعتقهم، ورد عليهم أسلحتهم، فتكفلوا له أمان البلاد من عشائرهم. وكان السفهاء والشباب منا لا
стр. 11750
يزال يجني بعضهم على بعض، ويكثر الجراح والقتل، فأذكر عشية أن القوم هزمونا حتى أدخلونا البيوت، فقيل لهم: هذا علي أقبل. فانهزموا حتى مات تحت أرجل الناس ثلاثة رجال، ثم أصلح بين الناس.
توفي علي بن زيدان سنة ست وعشرين وخمسمائة، وتبعه خالي محمد بن المثيب سنة ثمان، فكان أبي يتمثل بعدهما بقول الشاعر:
ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وتماسكت أحوال الناس بوالدي سنة تسع وعشرين، وفيها أدركت الحلم، ثم منعنا الغيث لسنة وبعض أخرى، حتى هلك الحرث، ومات الناس في بيوتهم، فلم يجدوا من يدفنهم.
وفي سنة إحدى وثلاثين دفعت لي والدتي مصوغًا لها بألف مثقال، ودفع لي أبي أربعمائة دينار وسبعين، وقالا لي: تمضي إلى زبيد إلى الوزير مسلم بن سخت، وتنفق هذا المال عليك وتنفقه، ولا ترجع حتى تفلح، وزبيد عنا تسعة أيام.
فأنزلني الوزير في داره مع أولاده، ولازمت الطلب، فأقمت أربع سنين لا أخرج من المدرسة إلا لصلاة الجمعة. ثم زرت أبوي في السنة الخامسة ورددت ذلك المصاغ، ولم أحتج إليه. وتفقهت، وقرأ علي جماعة في مذهب الشافعي والفرائض، ولي فيها مصنف يقرأ باليمن.
وقد زارني والدي بزبيد سنة تسع وثلاثين، فأنشدته من شعري، فاستحسنه واستحلفني أن لا أهجو مسلمًا. فحلفت له، ولطف الله بي، فلم أهج أحدًا، سوى إنسان هجاني ببيتين بحضرة الملك الصالح، يعني ابن رزيك، فأقسم علي أن أجيبه.
وحججت مع الحرة أم فاتك ملك زبيد، وربما حج معها أهل اليمن في أربعة آلاف بعير. ويسافر الرجل منهم بحريمه وأولاده.
إلى أن قال: فأذكر ليلة، وقد سئمت ركوب المحمل، أني ركبت نجيبًا، وحين تهور الليل آنست حسًا، فوجدت هودجًا مفردًا، والبعير يرتعي، فناديت مرارًا: يا أهل الجمل. فلم يكلمني أحد، فدنوت فإذا امرأتان نائمتان في الهودج، أرجلهما خارجة ولكل واحد زوج خلخال من الذهب. فسلبت الزوجين من أرجلهما وهما لا تعقلان، وأخذت بخطام الجمل حتى أبركته في
стр. 11751
المحجة العظمى وعقلته، وبعدت عنه بحيث أشاهده، حتى مرت قافلة، فأقاموا البعير وساقوه. فلما أصبح الناس إذا صائح ينشد الضالة، ويبذل لمن ردها مائة دينار. وإذا هما امرأتان لبعض أكابر أهل زبيد. وكانت عادة الحرة أن تمشي في الساقة، فمن نام أيقظته، وكان لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين. وحين تنصفت الليلة الثانية تأخرت حتى مر بي محملها، فبادر الغلمان إلي وقالوا: لك حاجة؟ فقلت: الحديث مع الحرة. ففعلوا ذلك، فأخرجت رأسها من سجف الهودج. قال: فناولتها الزوجين، وبلغني أن وزنهما ألف مثقال، فقالت: ما اسمك؟ ومن تكون؟ فقد وجب حقك. فأعلمتها، وحصل لي منها جانب قوي وصورة وتقدم، وتسهيل الوصول إليها في كل وقت. وبذلك حصلت معرفة بالوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي. وكسبت بمعرفتها مالًا جزيلًا. وتجرت لهما بألوف من المال، ورددت إلى عدن، وحصلت لي صحبة أهل عدن وامتد هذا من سنة تسع وثلاثين إلى سنة ثمان وأربعين وقضى ذلك باتساع الحال وذهاب الصيت، حتى كان القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة الحفائلي رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي: أنت خارجي هذا الوقت وسعيده، لأنك أصحبت تعد من جملة أكابر التجار وأهل الثروة، ومن أعيان الفقهاء الذين أفتوا، ومن أفضل أهل الأدب. فأما الوجاهة عند أهل الدول، ونعمة خدك بالطيب واللباس وكثرة السراري، فوالله ما أعرف من يعشرك فيه، فهنيئًا لك.
فكأنه والله بهذا القول نعى إلي حالي وذهاب مالي، وذلك أن كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن جاءني من ذي جبلة يستدعي وصولي إليه، فاستأذنت أهل زبيد، فأذنوا لي على غش. وكانت للداعي بيدي خمسة آلاف دينار سيرها معي أتباع له، بها أمتعة من مكة وزبيد، فلما قدمت إلى ذي جبلة وجدته قد دخل عروسًا على ابنة السلطان عبد الله. وكان جماعة من أكابر التجار والأعيان، مثل بركات ابن المقرئ، وحسن ابن الخمار، ومرجى الحراني، وعلي بن محمد النيلي، والفقيه أبي الحسن بن مهدي القائم الذي قام باليمن، وأزال دولة أهل زبيد، وكانوا قد سبقوني ولم يصلوا إلى الداعي. فلما وصلت إلى ذي جبلة كتبت إليه قول أبي الطيب:
كن حيث شئت تصل إليك ركابنا … فالأرض واحدة وأنت الأوحد
стр. 11752
ثم أتبعت ذلك برقعة أطلب الإذن بالاجتماع به، فكتب بخطه على ظهرها:
مرحبا مرحبا قدومك بالسعد … فقد أشرقت بك الآفاق
لو فرشنا الأحداق حتى تطأهن … لقلت في حقك الأحداق
وكان هذان البيتان مما حفظه عن جارية مغنية كنت أهديتها إليه، واتفق أن الرقعة وصلت مفتوحة بيد غلام جاهل، فلم تقع في يدي حتى وقف عليها الجماعة كلهم، وركبت إليه فأقمت عنده في المستنزه أربعة أيام، فما من الجماعة إلا من كتب إلى أهل زبيد بما يوجب سفك دمي، ولا علم لي، حسدا منهم وبغيا. وكان مما تمموا به المكيدة علي ونسبوه إلي، أن علي بن مهدي صاحب الدولة اليوم باليمن التمس من الداعي محمد بن سبأ أن ينصره على أهل زبيد، فسألني الداعي أن اعتذر عنه إلى علي بن مهدي لما كان بيني وبين ابن مهدي من أكيد الصحبة في مبادئ أمره، لأني لم أفارقه إلا بعيد أن استفحل أمره، وكشف القناع في عداوة أهل زبيد، فتركته خوفا على مالي وأولادي لأني مقيم بينهم. وحين رجعت إلى زبيد من تلك السفرة وجدت القوم قد كتبوا إلى أهل زبيد في حقي كتبا مضمونها: إن فلانا كان الواسطة بين الداعي وبين ابن مهدي على حربكم وزوال ملككم فاقتلوه. فحدثني الشيخ جياش قال: أجمع رأيهم على قتلك في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين. فجاءهم في الليل خبر محمد بن أبي الأعز (١) ونفاقه وزحفه على تهامة، فانزعجوا واشتغلوا، وخرجت حاجا بل هاجا إلى مكة سنة تسع. فمات أمير مكة هاشم بن فليتة، وولي الحرمين ابنه قاسم، فألزمني السفارة عنه إلى الدولة المصرية، فقدمتها في ربيع الأول سنة خمسين، والخليفة بها الفائز، والوزير الملك الصالح طلائع بن رزيك. فلما أحضرت للسلام عليهما في قاعة الذهب أنشدتهما:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم … حمدا يقوم بما أولت من النعم
إلى آخرها.
وعهدي بالصالح يستعيدها في حال النشيد، والأستاذون وأعيان الأمراء
стр. 11753
والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب، ثم أفيضت علي خلع من ثياب الخلافة مذهبة، ودفع لي الصالح خمسمائة دينار، وإذا ببعض الأستاذين خرج لي من عند السيدة بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى. وأطلقت لي رسوم لم تطلق لأحد قبلي. وتهادتني أمراء الدولة إلى منازلهم، واستحضرني الصالح للمجالسة، وانثالت علي صلاته، ووجدت بحضرته أعيان أهل الأدب الجليس أبا المعالي بن الجباب، والموفق ابن الخلال صاحب ديوان الإنشاء، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب حسن بن الزبير. وما من هذه الجلة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانية والرياسة الإنسانية بأوفر نصيب. وأما جلساؤه من أهل السيوف فولده مجد الإسلام، وصهره سيف الدين حسين، وأخوه فارس الإسلام بدر، وعز الدين حسام، وعلي بن الرند (١)، ويحيى بن الخياط، ورضوان، وعلي هوشات، ومحمد ابن شمس الخلافة.
قلت: وعمل عمارة في الصالح عدة قصائد، وتوجه إلى مكة مع الحجاج، ثم ذكر أنه قدم في الرسلية أيضًا من أمير مكة. وذكر أنه حضر مجلس الصالح طلائع، قال (٢): فكانت تجري بحضرته مسائل ومذاكرات ويأمرني بالخوض فيها، وأنا بمعزل عن ذلك لا أنطق، حتى جرى من بعض الأمراء ذكر بعض السلف، فاعتمدت قوله تعالى: فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، ونهضت، فأدركني الغلمان، فقلت: حصاة يعتادني وجعها. وانقطعت ثلاثة أيام، ورسوله في كل يوم والطبيب معه. ثم ركبت بالنهار، فوجدته في بستان وقلت: إني لم يكن بي وجع، وإنما كرهت ما جرى في حق السلف، فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت، وإلا فلا، وكان لي في الأرض سعة، وفي الملوك كثرة، فتعجب من هذا وقال: سألتك ما الذي تعتقد في أبي بكر وعمر؟ قلت: أعتقد أنه لولاهما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم، وأن محبتهما واجبة، فضحك، وكان مرتاضًا حصيفًا قد لقي في ولايته فقهاء السنة وسمع كلامهم، وقد جاءتني منه مرة أبيات معها ثلاثة أكياس ذهب، وهي قوله:
стр. 11754
قل للفقيه عمارة يا خير من … أضحى يؤلف خطبة وخطابا
اقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى … قل حطة وادخل إلينا البابا
تلق الأئمة شافعين ولا تجد … إلا لدينا سنة وكتابا
وعلي إن يعلو محلك في الورى … وإذا شفعت إلي كنت مجابا
وتعجل الآلاف وحي ثلاثة … صلة وحقك لا تعد ثوابا
فأجبته مع رسوله:
حاشاك من هذا الخطاب خطابا … يا خير أملاك الزمان نصابا
فاشدد يديك على صفاء محبتي … وامنن علي وسد هذا البابا
ومن مليح قول عمارة اليمني من قصيدة:
ولو لم يكن يدري بما جهل الورى … من الفضل لم تنفق عليه الفضائل
لئن كان منا قاب قوس فبيننا … فراسخ من إجلاله ومراحل
وله يرثي الصالح ابن رزيك لما قتل:
أفي أهل ذا النادي عليم أسائله … فإني لما بي ذاهب اللب ذاهله
سمعت حديثا أحسد الصم عنده … ويذهل واعيه ويخرس قائله
وقد رابني من شاهد الحال أنني … أرى الدست منصوبا وما فيه كافله
وإني أرى فوق الوجوه كآبة … تدل على أن الوجوه ثواكله
دعوني فما هذا بوقت بكائه … سيأتيكم ظل البكاء ووابله
وله من قصيدة يمدحهم فذكر ما بينه لهم في المذهب:
أفاعيلهم في الجود أفعال سنة … وإن خالفوني في اعتقاد التشيع
ومن شعره الفائق:
لي في هوى الرشأ العذري أعذار … لم يبق مذ أقر الدمع إنكار
لي في القدود وفي لثم الخدود وفي … ضم النهود لبانات وأوطار
هذا اختياري فوافق إن رضيت به … أو لا فدعني وما أهوى وأختار
لمني جزافا وسامحني مصارفة … فالناس في درجات الحب أطوار
وغر غيري ففي أسري ودائرتي … في المها درة قلبي لها دار
ومن كتاب فاضلي إلى نور الدين عن صلاح الدين في أمر المصلبين،
стр. 11755
وفي جملتهم عمارة اليمني: قصر هذه الخدمة على متجدد سار في الإسلام، والمملوك لم يزل يتوسم من جند مصر وأهل القصر أنهم أعداء وإن قعدت بهم الأيام، ولم تزل عيونه بمقاصدهم موكلة، وخطراته في التحرز منهم مستعملة، لا يخلو شهر من مكر يجتمعون عليه، وحيلة يبرمونها. وكان أكثر ما يستروحون إليه المكاتبات إلى الفرنج، فسير ملك الفرنج كاتبه جرج رسولًا إلينا ظاهرًا، وإليهم باطنًا. والمولى عالم أن عادة أوليائه المستفادة من أدبه أن لا يبسطوا عقابًا مؤلمًا، وإذا طال لهم الاعتقال خلى سبيلهم. ولا يزيدهم العفو إلا ضراوة، ولا الرقة عليهم إلا قساوة. وعند وصول جرج ورد إلينا كتاب ممن لا نرتاب به من قومه يذكرون أنه رسول مخاتلة لا رسول مجاملة، حامل بلية، لا حامل هدية. فأوهمناه الإغفال، فتوصل مرة بالخروج إلى الكنيسة إلى الاجتماع بحاشية القصر وأعوانهم، فنقلت إلينا أحوالهم فأمسكنا جماعة متمردة قد اشتملت على الاعتقادات المارقة، وكلا أخذ الله بذنبه، فمنهم من أقر طائعًا، ومنهم من أقر بعد الضرب، وانكشفت المكتومات، وعينوا خليفة ووزيرًا، وكانوا فيما تقدم، والمملوك بالعسكر على الكرك والشوبك، قد كاتبوهم، وقالوا لهم إنه بعيد، والفرصة قد أمكنت. وكاتبوا سنانًا صاحب الحشيشية بأن الدعوة واحدة، والكلمة جامعة، واستدعوا منه من يغتال المملوك. وكان الرسول خال ابن قرجلة، فقتل الله بسيف الشرع والفتاوى جماعة من الغواة الدعاة إلى النار، وشنقوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على الجذوع المواجهة لدورهم، ووقع التتبع لأتباعهم، وشردت الإسماعيلية، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد وحاشية القصر إلى أقصى الصعيد، وثغر الإسكندرية، فظهر به داعية يسمى قديدا القفاص، ومع خموله بمصر، قد فشت بالشام دعوته، وطبقت مصر فتنته، وإن أرباب المعايش يحملون إليه جزءًا من كسبهم. ووجدت في منزله بالإسكندرية عند القبض عليه كتب فيها خلع العذار، وصريح الكفر الذي ما عنه اعتذار. وكان يدعي النسب إلى أهل القصر، وأنه خرج منه صغيرًا، ونشأ على الضلالة كبيرًا، فقد صرعه كفره، وحاق به مكره. والحمد لله وحده.
٣٣٦ - فوارس بن موهوب بن عبد الله، ابن الشباكية الخفاف أبو الهيجاء.
стр. 11756
روى عن إسماعيل بن ملة. روى عنه مكي الغراد، وأبو محمد بن قدامة، وجماعة (١).
٣٣٧ - محمد بن أحمد بن محرز بن عبد الله، أبو بكر البطليوسي، عرف بالمنتانجشي، نزيل إشبيلية.
سمع من أبيه، ومن أبي الوليد العتبي، وأبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم ابن النخاس. وأخذ عن ابن النخاس القراءات، وعن أبي عبد الله بن مزاحم، وابن طريف. وأخذ العربية والأدب عن أبي عبد الله بن أبي العافية.
قال الأبار (٢): كان فقيهًا، مشاورًا، حافظًا، أديبًا، حافلًا، كاتبًا. روى عنه أبو بكر بن خير، وأبو عمر بن عياد، وأبو الخطاب بن واجب شيخنا، وغيرهم. توفي في آخر السنة. قال: وفي هذه السنة كانت غزوة السبطاط وفتح قنطرة السيف عنوة.
٣٣٨ - محمد بن الحسين بن أحمد بن عمر، أبو شجاع المادرائي.
أحد الحجاب الأعيان بالديوان العزيز. سمع من طراد الزينبي، وأبي عبد الله بن طلحة النعالي، وغيرهما. سمع منه المبارك بن كامل مع تقدمه، وعمر بن علي القرشي. وحدث عنه أحمد بن أحمد الأزجي، وعبد اللطيف ابن القبيطي، وموفق الدين بن قدامة، وغيرهم.
وكان مولده في سنة ثمانين وأربعمائة، وتوفي في صفر (٣).
أخبرنا عبد الحافظ بنابلس، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن الحسين المادرائي بقراءتي: قال: أخبرنا طراد بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون النرسي، قال: حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، قال: حدثنا بكر بن بكار، قال: حدثنا شعبة قال: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: إن من الشعر حكمًا، وإن من البيان سحرًا (٤).
стр. 11757
٣٣٩ - محمد بن عبد الملك بن مسعود، أبو بكر الدينوري.
أحد العدول ببغداد، كان متساهلًا في الشهادة فعزل، وكان غير محمود الطريقة، ثم أعيد إلى العدالة في أواخر أيامه.
سمع من أبي سعد ابن الطيوري، وعبد القادر بن يوسف. روى عنه أبو سعد السمعاني، ومات قبله.
توفي سنة تسع في شعبان (١).
٣٤٠ - محمود ابن قسيم الدولة أبي سعيد زنكي بن آقسنقر التركي، الملك العادل نور الدين، ناصر أمير المؤمنين، أبو القاسم.
قال ابن عساكر (٢): كان آقسنقر قد ولي نيابة حلب للسلطان ملك شاه بن ألب رسلان، وولي غيرها من بلاد الشام. ونشأ قسيم الدولة زنكي بالعراق، وندبه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب رسلان برأي الخليفة المسترشد بالله لولاية الموصل، وديار بكر، والبلاد الشامية، بعد قتل آقسنقر البرسقي، وموت ابنه مسعود. وظهرت كفاية زنكي، وعرفت شهامته وثباته عند ظهور ملك الروم، ونزوله على شيزر، حتى رجع إلى بلاده خائبًا. وقد حاصر ابن قسيم الدولة زنكي دمشق مرتين، فلم يفتحها، وافتتح الرها، والمعرة، وكفرطاب وغيرها من أيدي الكفار، وتوفي. وقام مقامه في ولاية الشام ابنه الملك نور الدين. ولد في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة، ودخل قلعة حلب بعد قتل والده على جعبر في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين، فخلع على الأمراء.
قلت: تملك وله ثلاثون سنة. وكان أعدل ملوك زمانه بالإجماع، وأكثرهم جهادًا، وأحرصهم على الخير، وأدينهم وأتقاهم لله.
قال ابن عساكر (٣): ظهر منه بذل الاجتهاد في قيام الجهاد، وخرج من
стр. 11758
حلب غازيًا في أعمال تل باشر، فافتتح حصونًا كثيرة، وقلعة أفامية، وحصن البارة، وقلعة الراوندان، وقلعة تل خالد، وحصن كفرلاثا، وحصن بسرفوت بجبل بني عليم، وقلعة عزاز، وتل باشر، ودلوك، ومرعش، وقلعة عين تاب، ونهر الجوز. وغزا حصن إنب، فقصده الإبرنس صاحب أنطاكية، فواقعه، فكسره نور الدين وقتله، وقتل ثلاثة آلاف إفرنجي، وبقي له ولد صغير مع أمه بأنطاكية، فتزوجت بإبرنس آخر، فخرج نور الدين في بعض غزواته فأسر الإبرنس الآخر، وتملك أنطاكية ابنه، وباعه نور الدين نفسه بمال عظيم.
قال: وأظهر السنة بحلب، وغير البدعة التي كانت لهم في التأذين، وقمع الرافضة، وبنى بها المدارس، وأقام العدل. وحاصر دمشق مرتين، ثم قصدها الثالثة. وقد كان صالح معين الدين أنر نائب صاحبها، وصاهره، واجتمعت كلمتهما على العدو، فسلم أهل دمشق إليه البلد لغلاء الأسعار، وللخوف من العدو، فتملكها وسكنها، وحصن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد، ووسع أسواقها، ورفع عن الناس الأثقال، ومنع من أخذ ما كان يؤخذ منهم من المغارم بدار بطيخ وسوق الغنم. وضمان النهر والكيالة، وأبطل الخمر. وأخذ من الفرنج ثغر بانياس، والمنيطرة. وكان ي الحرب رابط الجأش، ثابت القدم، حسن الرمي. وكان يتعرض بنفسه للشهادة، فلقد حكى عنه كاتبه أبو اليسر شاكر بن عبد الله أنه سمعه يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، فالله يقي مهجته من الأسواء. فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم، وبنى دور العدل، وحضرها بنفسه أكثر الأوقات، ووقف على المرضى، وأدر على الضعفاء والأيتام وعلى المجاورين، وأمر بإكمال سور مدينة النبي ﷺ ، واستخراج العين التي بأحد، وكانت قد دفنتها السيول. وفتح سبيل الحج من الشام، وعمر الربط والخوانق، والبيمارستانات في بلاده، وبنى الجسور والطرق والخانات، ونصب مؤدبين للأيتام. وكذلك صنع لما ملك سنجار، وحران، والرقة، والرها، ومنبج، وشيزر، وحماة، وحمص، وصرخد، وبعلبك، وتدمر. ووقف كتبًا كثيرة على أهل العلم، وكسر الفرنج والأرمن على حارم هو وأخوه قطب الدين في عسكر الموصل، وكان العدو ثلاثين ألفا، فلم يفلت منهم إلا القليل. وقبلها كسر الفرنج على بانياس.
стр. 11759
قال سبط الجوزي (١): سبب أخذ نور الدين دمشق ما ظهر من صاحبها مجير الدين من الظلم ومصادرات أهلها، وقبضه على جماعة من الأعيان، واستدعى زين الدولة ابن الصوفي الذي ولاه رياسة دمشق لما أخرج أخاه وجيه الدولة منها، فقتله في القلعة، ونهب داره، وأحرق دور بني الصوفي، ونهب أموالهم. وتواترت مكاتباته للفرنج يستنجد بهم ويطمعهم في البلاد، وأعطاهم بانياس، فكانوا يشنون الغارات إلى باب دمشق، فيقتلون ويأسرون. وجعل للفرنج على أهل دمشق قطيعة، فكاتب أهل دولته نور الدين، فأخذ نور الدين معه في الملاطفة والود، وخاف إن شدد عليه أن يستعين بالفرنج، ولم يزل إلى أن تسلم دمشق.
قال ابن عساكر (٢): وقد كان شاور السعدي أمير الجيوش بمصر وصل إلى جنابه مستجيرًا به لما عاين الذعر، فأكرمه وأكرم مورده واحترمه، وبعث معه جيشًا ليرده إلى درجته، فوصلوا معه، وقتلوا خصمه، ولم يقع منه الوفاء بما ورد من جهته، واستجاش بجيش الفرنج طلبا لبقائه في مرتبته ثم وجه إليه بعد ذلك جيشا آخر فأصر على المشاققة وكابر، واستنجد بالعدو المخذول، فأنجدوه، وضمن لهم الأموال العظيمة، فرجع عسكر نور الدين إلى الشام، فحدث صاحب الفرنج نفسه بأخذ مصر، فتوجه إليها بعد سنتين لينتهز الفرصة، فأخذ بلبيس، وخيم بعرصة مصر، فلما بلغ نور الدين ذلك، بذل جهده في توجيه الجيش إليها، فلما سمع العدو بمجيء جيشه رجعوا، وأمن أهل مصر بقدوم الجيش وانتعشوا، واطلع من شاور على المخامرة، وأنه أنفذ يراسل العدو ليردهم إلى مصر، ويدفع بهم الجيش، فلما عرف غدره تمارض أسد الدين، فجاء شاور يعوده، فوثب جورديك وبزغش النوريان فقتلاه، وأراح الله منه، وصفى الأمر لأسد الدين، وتملك وحمدت سيرته، وظهرت السنة بمصر.
وكان حسن الخط، حريصًا على تحصيل الكتب الصحاح والسنن، كثير المطالعة للفقه، والحديث، مواظبًا على الصلوات في جماعة، كثير التلاوة،
стр. 11760
والصيام، والتسبيح، عفيفًا، متحريًا في المطعم والمشرب، عريًا عن التكبر. وكان ذا عقل متين ورأي رصين، مقتديًا بسيرة السلف، متشبهًا بالعلماء والصلحاء، روى الحديث وأسمعه بالإجازة، وكان من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره، ولقد حكى عنه من صحبه في حضره وسفره أنه لم يسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وإن أشهى ما إليه كلمة حق يسمعها، أو إرشاد إلى سنة يتبعها، يؤاخي الصالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوج ذكرانهم بإناثهم ورزقهم. ومتى تكررت الشكاية من ولاته عزلهم. وأكثر ما أخذه من البلدان تسلمه بالأمان. وكان كلما فتح الله عليه فتحًا، وزاده ولاية، أسقط عن رعيته قسطًا، حتى ارتفعت عنهم الظلامات والمكوس، واتضعت في جميع ولايته الغرامات والنحوس.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي (١): نور الدين ولي الشام سنين، وجاهد الثغور، وانتزع من أيدي الكفار نيفًا وخمسين مدينة وحصنًا، وبنى مارستانًا في الشام، فأنفق عليه مالًا، وبنى بالموصل جامعًا غرم عليه سبعين ألف دينار؛ ثم أثنى عليه. وقال: كان يتدين بطاعة الخلافة، وترك المكوس قبل موته؛ وبعث جنودًا فتحوا مصر. وكان يميل إلى التواضع، ومحبة العلماء والصلحاء، وكاتبني مرارًا. وأحلف الأمراء على طاعة ولده بعده، وعاهد ملك الفرنج، صاحب طرابلس، وقد كان في قبضته أسيرًا، على أن يطلقه بثلاثمائة ألف دينار وخمسمائة حصان، وخمسمائة زردية، ومثلها تراس إفرنجية، ومثلها قنطوريات، وخمسمائة أسير مسلمين، وبأنه لا يغير على بلاد المسلمين سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك مائة من كبار أولاد الفرنج وبطارقتهم، فإن نكث أراق دماءهم. وعزم على فتح بيت المقدس، فتوفي في شوال. وكانت ولايته ثمانيًا وعشرين سنة.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أغلافًا تارة، ويلبس الصوف،
стр. 11761
ويلازم السجادة والمصحف، وعمر المدارس، وعمر المارستان بدمشق للمهذب ابن النقاش تلميذ أوحد الزمان. وكان حنفيًا، ويراعي مذهب الشافعي ومالك. وكان ولده الصالح أحسن أهل زمانه صورة. ونزل نور الدين على حارم، فكبستهم الفرنج، وهرب جيشه على الخيل عريًا، وقام هو حافيًا، فركب فرس النوبة، وأخذت الفرنج الخيم بما حوت، فلما دخل حلب غرم لجميع الجند ما ذهب، حتى المخلاة والمقود، وخرج بعد شهر بأتم عدة، وكسرهم كسرة مبيدة.
ونقل الحسن بن محمد القليوبي في تاريخه قال: لما جاءت الزلزلة بنى نور الدين في القلعة بيتًا من خشب كان يبيت فيه، فدفن في ذلك البيت، ورثاه جماعة من الشعراء، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثياب، مجزوز الشعر، وأجلسوه على التخت الباقي من عهد الملك تتش، والناس حوله يبكون، ثم حلف له الأمراء.
وقال القاضي ابن خلكان (١): وسير نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه إلى مصر ثلاث دفعات، ثم ملكها صلاح الدين نيابة له، وضرب باسمه السكة والخطبة.
قال (٢): وكان زاهدًا، عابدًا، متمسكًا بالشريعة، مجاهدًا، كثير البر والأوقاف. وبنى بالموصل الجامع النوري. وله من المناقب ما يستغرق الوصف. توفي في حادي عشر شوال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عليه بالفصد فامتنع، وكان مهيبًا، فما روجع، وكان أسمر طويلًا، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى حنكه. وعهد بالملك إلى ولده الملك الصالح إسماعيل، وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وقال ابن الأثير (٣): حكى لي الطبيب قال: استدعاني نور الدين مع غيري، فدخلنا عليه، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، ولا يكاد يسمع صوته، فقلت: ينبغي أن ينتقل إلى موضع فسيح مضيء، فله أثر في هذا
стр. 11762
المرض. وأشرنا بالفصد، فقال: ابن ستين سنة لا يفتصد. وامتنع منه، فعالجناه بغيره، فلم ينجع.
وقال ابن الأثير (١): كان أسمر طويلًا، ليس له لحية إلا في حنكه. وكان واسع الجبهة، حسن الصورة، حلو العينين، قد طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريًا منه للعدل. وكان لا يأكل، ولا يلبس، ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين. ولقد طلبت منه زوجته فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كراؤها نحو عشرين دينارًا في السنة، فاستقلتها فقال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين. وكان ﵀ يصلي كثيرًا بالليل. وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ولم يترك في بلاده على سعتها مكسًا. إلى أن قال في أوقافه على أنواع البر: سمعت أن حاصل وقفه في الشهر تسعة آلاف دينار صوري. قال له القطب النيسابوري مرة: بالله لا تخاطر بنفسك، فإن أصبت في معركة لا يبقى للمسلمين أحد إلا أخذه السيف. فقال: ومن محمود حتى يقال هذا؟ من حفظ البلاد قبلي؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو.
وقال يحيى بن محمد الوهراني، وذكر نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمير زاهد، وملك مجاهد، تساعده الأفلاك، وتعضده الجيوش والأملاك، غير أنه عرف بالمرعى الوكيل لابن السبيل، وبالمحل الجديب للشاعر الأديب، فما يرزى ولا يعزى، ولا لشاعر عنده نعمة تجزى. وإياه عنى أسامة بن منقذ بقوله:
سلطانُنا زاهدٌ والنّاس قد زَهِدُوا … لَهُ فكلٌّ عَن الخيراتِ مُنْكمِش
أيَّامُه مثلُ شهر الصَّوم طاهرةٌ … من المعاصي وفيها الجوعُ والعَطَشُ
قلت: وفي كتاب البرق الشامي وغيره من مصنفات العماد الكاتب كثير من سيرة نور الدين وأخباره. وقد عني الإمام أبو شامة في كتاب الروضتين له بأخبار الدولتين النورية والصلاحية.
стр. 11763
ودفن نور الدين بتربته على باب الخواصين ﵀، وعاش ابنه عشرين سنة، ومات بالقولنج في حلب.
وقال مجد الدين ابن الأثير الجزري، في تاريخ الموصل على ما حكاه أبو المظفر ابن الجوزي عنه، قال (١): لم يلبس حريرًا قط، ولا ذهبًا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر في بلاده.
قلت: قد لبس خلعة الخليفة وهي من حرير وطوق ذهب، فلعله أراد أنه لا بد من لبس ذلك.
قال (٢): وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، كثير اللعب بالكرة، فكتب إليه بعض الصالحين ينكر عليه، ويقول: تتعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه بخطه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن في ثغر، فربما وقع الصوت، فتكون الخيل قد أدمنت على سرعة الانعطاف بالكر والفر. وأهديت له عمامة مذهبة من مصر، فوهبها لشيخ الصوفية ابن حمويه، فبعث بها إلى العجم، فأبيعت بألف دينار.
قال: وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصب، والمذاهب عنده سواء.
قال: وكان يلعب يومًا في ديوان دمشق، وجاءه رجل فطلبه إلى الشرع، فجاء معه إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك لا تنزعج، واسلك معه ما تسلك مع آحاد الناس. فلما حضر سوى بينه وبين خصمه وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان يدعي ملكًا في يد نور الدين، فقال نور الدين: هل ثبت له حق؟ قالوا: لا. قال: فاشهدوا أني قد وهبت له الملك، وإنما حضرت معه لئلا يقال عني أني دعيت إلى مجلس الشرع فأبيت.
قال: ودخل يومًا فرأى مالًا كثيرًا، فقالوا: بعث بهذا القاضي كمال الدين من قابض الأوقاف. فقال: ردوه، وقولوا له: أنا رقبتي رقيقة، لا أقدر على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة تقدر على حمله. ولما قدم أمراؤه دمشق
стр. 11764
اقتنوا الأملاك، واستطالوا على الناس، خصوصًا أسد الدين شيركوه، ولم يقدر القاضي على الانتصاف من شيركوه، فأمر نور الدين ببناء دار العدل، فقال شيركوه: إن نور الدين ما بنى هذه الدار إلا بسببي، وإلا فمن يمتنع على كمال الدين؟. وقال لديوانه: والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه بمهما أمكن، ولو أتى على جميع مالي.
وكان نور الدين يقعد في دار العدل في الأسبوع أربع مرات، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبوابين.
قال: وكان إذا حضرت الحرب حمل قوسين وتركشين (١)، وكان لا يتكل الجند على الأمراء، بل يتولاهم بنفسه، ويباشر خيولهم وسلاحهم.
قال: وأنفق على عمارة جامع الموصل ستين ألف دينار، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر الملا الزاهد. قال: ويقال: أنفق عليه ثلاثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين. وبنى جامع حماة على العاصي.
قال: ووقع في أسره ملك إفرنجي، فأشار الأمراء ببقائه في أسره خوفًا من شره، وبذل هو في نفسه مالًا. فبعث إليه نور الدين سرًا يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئًا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحسنيين: الفداء، وموت اللعين، وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال المارستان، والمدرسة بدمشق، ودار الحديث.
قال: وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا.
وقال العماد الكاتب في البرق الشامي: أكثر نور الدين في السنة التي توفي فيها من الصدقات، والأوقاف، وعمارة المساجد، وأسقط كل ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج، وما يحصل من قسمة الغلات على قويم المنهاج، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف
стр. 11765
منشور، وحسبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان ثلاثين ألف دينار. وكان له برسم نفقته الخاصة في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس، يصرفها في كسوته ومأكوله، وأجرة خياطه، وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. وقيل إن قيمة كل ستين قرطاسًا بدينار. وذكر العماد جملة من فضائله.
وقال في ترجمته القاضي ابن واصل (١): حكى معين الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد ابن القيسراني قال: انكسر على ضامن الزكاة مال، وهو ابن شمام، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صورية وحملها، فحبس على ما بقي عليه، وكان جدي خالد هو الوزير والمشير، فقال لنور الدين: رأيت البارحة كأن المولى قد نزع ثيابه ودفعها إلي، وقال: اغسلها. فأخذتها وغسلتها. فأطرق وسكت، فندمت وخفت أن يكون تطير مني، فخرجت وأنا ضيق الصدر، فبقيت ثمانية أيام لم يطلبني، فساء ظني، فدخل على نور الدين الشيخ إسماعيل المكبس، وكان يحبه، فقال: يا مولانا قد حضر من زاد في دار الزكاة خمسة آلاف دينار في السنة، فانتهره وقال: قد أصبحت على سجادتي بعد أداء فريضتي أذكر الله، واستفتحت أنت تبشرني بمكس. فوجم الشيخ إسماعيل، ثم قال: اطلبوا خالدًا. قال: فحضرت، فتبسم وقال: قد تفسر منامك. فقلت: بخير إن شاء الله. فقال: لا تظن أن تركي لك لموجدة، بل كنت مفكرًا في المنام حتى فتح الله بتأويله. اعلم أن غسل الثياب غسل أوساخ الذنوب، ولا ذنب أوسخ من تناول أموال المكوس. فلا تترك من يومنا هذا في بلد من بلادي مكسًا، ولا درهمًا حرامًا، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلدة في البلاد. والتفت إلى إسماعيل فقال: مر أطلق ابن شمام، ورد عليه ما أخذ منه. فلما عرف ابن شمام بذلك، اقترح بأن يجعل الذهب في أطباق، وتزف بالطبول والبوقات في الأسواق. فأمر نور الدين بإجابته، وأن يخلع عليه.
وكتب جدي خالد بذلك تواقيع ونسختها كلها: الحمد لله فاتح أبواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سبل النجاة لطلابها وطراقها، وفارج الكربات بعد إرتاجها