ويلازم السجادة والمصحف، وعمر المدارس، وعمر المارستان بدمشق للمهذب ابن النقاش تلميذ أوحد الزمان. وكان حنفيًا، ويراعي مذهب الشافعي ومالك. وكان ولده الصالح أحسن أهل زمانه صورة. ونزل نور الدين على حارم، فكبستهم الفرنج، وهرب جيشه على الخيل عريًا، وقام هو حافيًا، فركب فرس النوبة، وأخذت الفرنج الخيم بما حوت، فلما دخل حلب غرم لجميع الجند ما ذهب، حتى المخلاة والمقود، وخرج بعد شهر بأتم عدة، وكسرهم كسرة مبيدة.
ونقل الحسن بن محمد القليوبي في تاريخه قال: لما جاءت الزلزلة بنى نور الدين في القلعة بيتًا من خشب كان يبيت فيه، فدفن في ذلك البيت، ورثاه جماعة من الشعراء، وأخرجت الأمراء ولده مشقوق الثياب، مجزوز الشعر، وأجلسوه على التخت الباقي من عهد الملك تتش، والناس حوله يبكون، ثم حلف له الأمراء.
وقال القاضي ابن خلكان (١): وسير نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه إلى مصر ثلاث دفعات، ثم ملكها صلاح الدين نيابة له، وضرب باسمه السكة والخطبة.
قال (٢): وكان زاهدًا، عابدًا، متمسكًا بالشريعة، مجاهدًا، كثير البر والأوقاف. وبنى بالموصل الجامع النوري. وله من المناقب ما يستغرق الوصف. توفي في حادي عشر شوال بقلعة دمشق بالخوانيق، وأشاروا عليه بالفصد فامتنع، وكان مهيبًا، فما روجع، وكان أسمر طويلًا، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى حنكه. وعهد بالملك إلى ولده الملك الصالح إسماعيل، وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وقال ابن الأثير (٣): حكى لي الطبيب قال: استدعاني نور الدين مع غيري، فدخلنا عليه، وقد تمكنت الخوانيق منه، وقارب الهلاك، ولا يكاد يسمع صوته، فقلت: ينبغي أن ينتقل إلى موضع فسيح مضيء، فله أثر في هذا
стр. 11762
المرض. وأشرنا بالفصد، فقال: ابن ستين سنة لا يفتصد. وامتنع منه، فعالجناه بغيره، فلم ينجع.
وقال ابن الأثير (١): كان أسمر طويلًا، ليس له لحية إلا في حنكه. وكان واسع الجبهة، حسن الصورة، حلو العينين، قد طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريًا منه للعدل. وكان لا يأكل، ولا يلبس، ولا يتصرف في الذي يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين. ولقد طلبت منه زوجته فأعطاها ثلاثة دكاكين بحمص كراؤها نحو عشرين دينارًا في السنة، فاستقلتها فقال: ليس لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين. وكان ﵀ يصلي كثيرًا بالليل. وكان عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، ولم يترك في بلاده على سعتها مكسًا. إلى أن قال في أوقافه على أنواع البر: سمعت أن حاصل وقفه في الشهر تسعة آلاف دينار صوري. قال له القطب النيسابوري مرة: بالله لا تخاطر بنفسك، فإن أصبت في معركة لا يبقى للمسلمين أحد إلا أخذه السيف. فقال: ومن محمود حتى يقال هذا؟ من حفظ البلاد قبلي؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو.
وقال يحيى بن محمد الوهراني، وذكر نور الدين: هو سهم للدولة سديد، وركن للخلافة شديد، وأمير زاهد، وملك مجاهد، تساعده الأفلاك، وتعضده الجيوش والأملاك، غير أنه عرف بالمرعى الوكيل لابن السبيل، وبالمحل الجديب للشاعر الأديب، فما يرزى ولا يعزى، ولا لشاعر عنده نعمة تجزى. وإياه عنى أسامة بن منقذ بقوله:
سلطانُنا زاهدٌ والنّاس قد زَهِدُوا … لَهُ فكلٌّ عَن الخيراتِ مُنْكمِش
أيَّامُه مثلُ شهر الصَّوم طاهرةٌ … من المعاصي وفيها الجوعُ والعَطَشُ
قلت: وفي كتاب البرق الشامي وغيره من مصنفات العماد الكاتب كثير من سيرة نور الدين وأخباره. وقد عني الإمام أبو شامة في كتاب الروضتين له بأخبار الدولتين النورية والصلاحية.
стр. 11763
ودفن نور الدين بتربته على باب الخواصين ﵀، وعاش ابنه عشرين سنة، ومات بالقولنج في حلب.
وقال مجد الدين ابن الأثير الجزري، في تاريخ الموصل على ما حكاه أبو المظفر ابن الجوزي عنه، قال (١): لم يلبس حريرًا قط، ولا ذهبًا ولا فضة، ومنع من بيع الخمر في بلاده.
قلت: قد لبس خلعة الخليفة وهي من حرير وطوق ذهب، فلعله أراد أنه لا بد من لبس ذلك.
قال (٢): وكان كثير الصيام، وله أوراد في الليل والنهار، كثير اللعب بالكرة، فكتب إليه بعض الصالحين ينكر عليه، ويقول: تتعب الخيل في غير فائدة، فكتب إليه بخطه: والله ما أقصد اللعب، وإنما نحن في ثغر، فربما وقع الصوت، فتكون الخيل قد أدمنت على سرعة الانعطاف بالكر والفر. وأهديت له عمامة مذهبة من مصر، فوهبها لشيخ الصوفية ابن حمويه، فبعث بها إلى العجم، فأبيعت بألف دينار.
قال: وكان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وليس عنده تعصب، والمذاهب عنده سواء.
قال: وكان يلعب يومًا في ديوان دمشق، وجاءه رجل فطلبه إلى الشرع، فجاء معه إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزوري، وتقدمه الحاجب يقول للقاضي: قد قال لك لا تنزعج، واسلك معه ما تسلك مع آحاد الناس. فلما حضر سوى بينه وبين خصمه وتحاكما، فلم يثبت للرجل عليه حق، وكان يدعي ملكًا في يد نور الدين، فقال نور الدين: هل ثبت له حق؟ قالوا: لا. قال: فاشهدوا أني قد وهبت له الملك، وإنما حضرت معه لئلا يقال عني أني دعيت إلى مجلس الشرع فأبيت.
قال: ودخل يومًا فرأى مالًا كثيرًا، فقالوا: بعث بهذا القاضي كمال الدين من قابض الأوقاف. فقال: ردوه، وقولوا له: أنا رقبتي رقيقة، لا أقدر على حمله غدًا، وأنت رقبتك غليظة تقدر على حمله. ولما قدم أمراؤه دمشق
стр. 11764
اقتنوا الأملاك، واستطالوا على الناس، خصوصًا أسد الدين شيركوه، ولم يقدر القاضي على الانتصاف من شيركوه، فأمر نور الدين ببناء دار العدل، فقال شيركوه: إن نور الدين ما بنى هذه الدار إلا بسببي، وإلا فمن يمتنع على كمال الدين؟. وقال لديوانه: والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه، فإن كان بينكم وبين أحد منازعة فأرضوه بمهما أمكن، ولو أتى على جميع مالي.
وكان نور الدين يقعد في دار العدل في الأسبوع أربع مرات، ويحضر عنده الفقهاء والعلماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبوابين.
قال: وكان إذا حضرت الحرب حمل قوسين وتركشين (١)، وكان لا يتكل الجند على الأمراء، بل يتولاهم بنفسه، ويباشر خيولهم وسلاحهم.
قال: وأنفق على عمارة جامع الموصل ستين ألف دينار، وفوض عمارته إلى الشيخ عمر الملا الزاهد. قال: ويقال: أنفق عليه ثلاثمائة ألف دينار، فتم في ثلاث سنين. وبنى جامع حماة على العاصي.
قال: ووقع في أسره ملك إفرنجي، فأشار الأمراء ببقائه في أسره خوفًا من شره، وبذل هو في نفسه مالًا. فبعث إليه نور الدين سرًا يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه، فعند وصوله إلى مأمنه مات، فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئًا؛ لأنكم نهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحسنيين: الفداء، وموت اللعين، وخلاص المسلمين منه. فبنى بذلك المال المارستان، والمدرسة بدمشق، ودار الحديث.
قال: وما كان أحد من الأمراء يتجاسر أن يجلس عنده من هيبته، فإذا دخل عليه فقير أو عالم أو رب خرقة قام ومشى إليه وأجلسه إلى جانبه، ويعطيهم الأموال، فإذا قيل له في ذلك يقول: هؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا.
وقال العماد الكاتب في البرق الشامي: أكثر نور الدين في السنة التي توفي فيها من الصدقات، والأوقاف، وعمارة المساجد، وأسقط كل ما فيه حرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج، وما يحصل من قسمة الغلات على قويم المنهاج، وأمرني بكتابة مناشير لجميع أهل البلاد، فكتبت أكثر من ألف
стр. 11765
منشور، وحسبنا ما تصدق به في تلك الشهور، فكان ثلاثين ألف دينار. وكان له برسم نفقته الخاصة في كل شهر من الجزية ما يبلغ ألفي قرطاس، يصرفها في كسوته ومأكوله، وأجرة خياطه، وجامكية طباخه، ويستفضل منها ما يتصدق به في آخر الشهر. وقيل إن قيمة كل ستين قرطاسًا بدينار. وذكر العماد جملة من فضائله.
وقال في ترجمته القاضي ابن واصل (١): حكى معين الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد ابن القيسراني قال: انكسر على ضامن الزكاة مال، وهو ابن شمام، فباع أملاكه بثمانية آلاف دينار صورية وحملها، فحبس على ما بقي عليه، وكان جدي خالد هو الوزير والمشير، فقال لنور الدين: رأيت البارحة كأن المولى قد نزع ثيابه ودفعها إلي، وقال: اغسلها. فأخذتها وغسلتها. فأطرق وسكت، فندمت وخفت أن يكون تطير مني، فخرجت وأنا ضيق الصدر، فبقيت ثمانية أيام لم يطلبني، فساء ظني، فدخل على نور الدين الشيخ إسماعيل المكبس، وكان يحبه، فقال: يا مولانا قد حضر من زاد في دار الزكاة خمسة آلاف دينار في السنة، فانتهره وقال: قد أصبحت على سجادتي بعد أداء فريضتي أذكر الله، واستفتحت أنت تبشرني بمكس. فوجم الشيخ إسماعيل، ثم قال: اطلبوا خالدًا. قال: فحضرت، فتبسم وقال: قد تفسر منامك. فقلت: بخير إن شاء الله. فقال: لا تظن أن تركي لك لموجدة، بل كنت مفكرًا في المنام حتى فتح الله بتأويله. اعلم أن غسل الثياب غسل أوساخ الذنوب، ولا ذنب أوسخ من تناول أموال المكوس. فلا تترك من يومنا هذا في بلد من بلادي مكسًا، ولا درهمًا حرامًا، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلدة في البلاد. والتفت إلى إسماعيل فقال: مر أطلق ابن شمام، ورد عليه ما أخذ منه. فلما عرف ابن شمام بذلك، اقترح بأن يجعل الذهب في أطباق، وتزف بالطبول والبوقات في الأسواق. فأمر نور الدين بإجابته، وأن يخلع عليه.
وكتب جدي خالد بذلك تواقيع ونسختها كلها: الحمد لله فاتح أبواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سبل النجاة لطلابها وطراقها، وفارج الكربات بعد إرتاجها
стр. 11766
وإطباقها، الذي منح أولياءه التوفيق، وأوضح لهم دليله، ونصر أهل الحق، وأعان قبيله، نحمده على جزيل مواهبه، وجليل رغائبه، ونسأله أن يصلي على محمد الذي أوضح الطريق والمحجة، وأوجب الحجة، وعلى آله، إلى أن قال: وبعد، فقد اتضح على الأفهام، ووضح عند الخاص والعام، ما نغاديه ونراوحه، ونماسيه ونصابحه، ونشتغل به عامة أوقاتنا، ونعمل فيه رؤيتنا وأفكارنا من الاجتهاد في إحياء سنة حسنة، وإماتة سنة سيئة، وإزالة مظلمة، ومحو سيرة مؤلمة، إلى أن قال: وقد علمتم معاشر الرعايا وفقكم الله، ما كان مرتبًا من المظالم المجحفة بأحوالكم، والمكوس المستولية على شطر أموالكم، والرسوم المضيقة عليكم في أرزاقكم، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولًا فأولًا، ولا نتبع في إقراره على وجوهه شبهة ولا تأولًا، وقد كان بقي من رسم الظلم ومعالم الجور في سائر ولايتنا ما أقررنا بإزالته رأفة بكم ولطفًا، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمكوس أولًا وآخرًا من سائر أعمال ولايتنا - عمرها الدهر - في هذا السجل من الديوان.
قال: ثم كتب بقلم دقيق ما صورته: ذكر ما أطلق من الرسوم والمكوس والضرائب في هذا التاريخ، ورسم إطلاق ذلك وتعفية آثاره، وإخماد ناره، ومبلغ ما يتحصل من ذلك في كل سنة خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفًا وأربعمائة وسبعون دينارًا نقد الشام. فمن ذلك دمشق بتواريخ متقدمة: مائتا ألف وعشرون ألفًا وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارًا. دمشق في تاريخ هذا الكتاب: خمسون ألفًا وسبعمائة وثلاثون دينارًا، تدمر: خمسمائة دينار، صرخد: سبعمائة، القريتين والسخنة: خمسمائة دينار، بانياس: ألف ومائتا دينار، بعلبك وأعمالها: ستة آلاف وتسعمائة وعشرون دينارًا، حمص وأعمالها: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، حماة وأعمالها: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، حلب: ستة وتسعون ألف دينار ونيف، سرمين: ألفان وثلاثمائة وستون دينارًا، المعرة: سبعة آلاف دينار، كفرطاب: ألف دينار، عزاز: ستة آلاف وخمسمائة دينار، تل باشر: ألف وخمسمائة دينار، عين تاب: تسعة وثمانون دينارًا، بالس: أربعة آلاف دينار، منبج وأعمالها: ثمانية عشر ألفًا وخمسمائة وستة وستون دينارًا، الباب وبزاعة: ثلاثة آلاف دينار، قلعة نجم: ثلاثمائة دينار، قلعة جعبر: سبعة آلاف
стр. 11767
وستمائة دينار ونيف، الرقة: ستة وعشرون ألف دينار ونيف، والرها: ثمانية آلاف وخمسمائة دينار، حران: ستة عشر ألفا وستمائة ونيف دينارًا، سنجار: سبعة آلاف دينار، الموصل: ثمانية وثلاثون ألف دينار، نصيبين: عشرة آلاف وأربعمائة دينار، عرابان: خمسة آلاف وسبعمائة دينار، بطامان من أعمال الخابور: مائتان وخمسون دينارًا، الأرسل: سبعمائة وخمسون دينارًا، السمسمانية: ألف دينار، قرقيسيا: ألف دينار، السلين: مائتا دينار، ماكسين: خمسة آلاف دينار، المجدل: ثلاثة آلاف دينار، الحصين: ستمائة دينار ونيف، الجحيشة هي وما قبلها من الخابور: مائتا دينار، المحولية: مائة وثلاثة وستون دينارًا، الرحبة: ستة عشر ألفًا وسبعمائة وأربعون دينارًا.
ثم كتب بعد ذلك بالقلم الجافي: تحقيقًا للحق، وتمحيقًا للباطل، ونشرًا للعدل، وتقديمًا للصلاح الشامل، وإيثارًا للثواب الآجل على الحطام العاجل، إلى أن قال: وأيقنوا أن ذلك إنعام مستمر على الدهور، باق إلى يوم النشور، فـ كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور، وسبيل كل واقف على هذا المثال من الولاة والعمال حذف ذلك كله، وتعفية رسومه، ومحو آثاره وأوزاره، وإطلاقه على الإطلاق، فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم، والتوقيع الأعلى حجة لمضمونه ومقتضاه، وكتب بالمشافهة الكريمة شرفها الله، في مستهل رجب سنة سبع وستين وخمسمائة.
ومن شجاعته، نقل ابن واصل وغيره أنه كان من أقوى الناس بدنًا وقلبًا، وأنه لم ير على ظهر فرس أشد منه، كأنما خلق عليه لا يتحرك. وكان من أحسن الناس لعبًا بالكرة، تجري الفرس ويتناولها من الهواء بيده، ويرميها إلى آخر الميدان، وكان يمسك الجوكان بكم قبائه استهانة باللعب، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركاشين، وباشر القتال بنفسه، وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها.
قلت: قد أدركتها على فراشك، وبقي ذلك في أفواه المسلمين تراهم يقولون: نور الدين الشهيد، وما شهادته إلا بالخوانيق، ﵀.
стр. 11768
ومن فضائله، قال سبط ابن الجوزي (١): إنه كان له عجائز بدمشق وحلب، وكان يخيط الكوافر (٢) ويعمل السكاكر (٣) وتبيعها له العجائز سرًا، فكان يوم يصوم يفطر على أثمانها. حكى لي شرف الدين يعقوب بن المعتمد أن في دارهم سكرة على حرستان (٤) من عمل نور الدين يتبركون بها، وهي باقية إلى سنة خمسين وستمائة. ومنها ما حكاه لي الشيخ أبو عمر قال: كان نور الدين يزور والدي في المدرسة الصغيرة المجاورة للدير، ونور الدين بنى هذه المدرسة، والمصنع، والفرن؛ فجاء لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبة مكسورة، فقال له بعض الجماعة: لو جددت السقف، فنظر إلى الخشبة وسكت، فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة، فزرقها موضع المكسورة ومضى. فقال له بعض الحاضرين: فاكرتنا (٥) في كشف سقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردت أن أزخرف له المسجد. ومنها ما حكاه لي نجم الدين الحسن بن سلام قال: لما ملك الأشرف دمشق، وعمر في القلعة مسجد أبي الدرداء، قال لي: يا نجم الدين، كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمرته وأفردته عن الدور، وما صلى فيه أحد من زمان أبي الدرداء. فقلت: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدين منذ ملك دمشق يصلي فيه الصلوات الخمس.
حدثني والدي، وكان من أكابر عدول دمشق، أن الفرنج لما نزلت على دمياط بعد موت أسد الدين، وضايقوها، أشرفت على الأخذ، فأقام نور الدين عشرين يومًا صائمًا، لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف، وكان مهيبًا لا يتجاسر أحد أن يخاطبه في ذلك، وكان له إمام ضرير اسمه يحيى، وكان يقرأ عليه القرآن، فاجتمع إليه خواص نور الدين، فكلموه في ذلك، فلما كان تلك الليلة رأى الشيخ يحيى النبي ﷺ في المنام يقول له: يا يحيى بشر نور الدين برحيل الفرنج عن دمياط. فقلت: يا رسول الله، ربما لا يصدقني! فقال:
стр. 11769
قل له: بعلامة يوم حارم. قال: وانتبه يحيى، فلما صلى نور الدين خلفه الفجر، وشرع يدعو، هابه أن يكلمه، فقال له نور الدين: يا يحيى. قال: لبيك. قال: تحدثني أو أحدثك؟ فارتعد يحيى وخرس، فقال: أنا أحدثك، رأيت النبي ﷺ في هذه الليلة، وقال لك: كذا وكذا. قال: نعم، فبالله يا مولانا، ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم؟ قال: لما التقينا خفت على الإسلام، فانفردت ونزلت، ومرغت وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي، مَن محمود في البين، الدين دينك، والجند جندك، وهذا اليوم هو، فافعل ما يليق بكرمك. قال: فنصرنا الله عليهم.
وحكى لنا شيخنا تاج الدين الكندي قال: ما تبسم نور الدين إلا نادرًا. حكى لي جماعة من المحدثين أنهم قرؤوا عنده حديث التبسم، وكان يرويه، فقالوا له: تبسم. فقال: لا والله لا أتبسم من غير عجب.
وللعماد الكاتب في نور الدين يرثيه:
يا ملكًا أيامه لم تزل … بفضله فاضلة فاخِرَة
ملكتَ دنياك وخلّفتها … وسِرْتَ حَتَّى تملك الآخرة
٣٤١ - مظفر بن القاسم، أبو الأزهر الصيدلاني، المقرئ، المجود.
قرأ القراءات على أبي العز القلانسي، وسمع من أبي القاسم بن الحصين، وأقرأ ببغداد في آخر أيامه (١).
٣٤٢ - هبة الله بن كامل، أبو القاسم المصري، قاضي القضاة وداعي الدعاة.
كان عالمًا، فاضلًا، أديبًا، شاعرًا، متفننًا، من كبار علماء الدولة المصرية، وكان عندهم في الرتبة العليا. وكان أحد الجماعة الذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد، فظفر بهم السلطان صلاح الدين، فأول ما صلب داعي الدعاة هذا، وعمارة اليمني نسأل الله الستر والسلامة، وصلب في رمضان وهو صائم.
٣٤٣ - الهيثم بن هلال بن الهيثم بن محمد، أبو جعفر بن أبي سعد البغدادي.
стр. 11770
من أبناء الرؤساء، سمع من أبي القاسم الربعي، والحسن بن محمد التككي، وأبي الحسن ابن العلاف. روى عنه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو محمد بن قدامة، وآخرون. وتوفي في جمادى الآخرة (١).
٣٤٤ - يحيى بن سعد الله بن عبد الباقي، أبو منصور البجلي، الكوفي.
قدم بغداد وحدث بها عن عمه محمد بن عبد الباقي بن مجالد، وأبي الغنائم النرسي. روى عنه ابن أخيه سعد الله، وابن الأخضر. وتوفي في ربيع الآخر عن أربع وسبعين سنة (٢).
٣٤٥ - يحيى بن نجاح البغدادي، المؤدب.
محدث، نحوي، لغوي، شاعر، كان يؤدب (٣).
٣٤٦ - يوسف بن آدم.
توفي سنة تسع بحران. وقد مر مجملًا (٤).
стр. 11771
سنة سبعين وخمسمائة
٣٤٧ - أحمد بن محمد بن أحمد ابن البسري، أبو الفرج البغدادي، سبط أبي منصور بن النقور.
شيخ بزاز، سمع من جده، أخذ عنه عمر القرشي، وعلي الزيدي. وسمع أيضًا من أبي الحسين ابن الطيوري. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي، وغيره (١).
٣٤٨ - أحمد بن المبارك بن سعد، أبو العباس البغدادي، المقرئ، المعروف بالمرقعاتي.
روى عن ثابت بن بندار، وهو جده لأمه. روى عنه ابنه عبد الرحمن، وأبو محمد ابن الأخضر، وابن قدامة، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، وجماعة.
وسئل الشيخ الموفق عنه، فقال: أظنه نسب إلى المرقعاتي لكونه يبسط المرقعة للشيخ عبد القادر على الكرسي.
وقال ابن الدبيثي (٢): كان عسرًا في الرواية، توفي في صفر.
قلت: وأجاز للرشيد بن مسلمة (٣)، وغيره. وكان ملازمًا لخدمة عبد القادر.
٣٤٩ - أحمد بن موهوب بن المبارك بن محمد بن أحمد السدنك أبو شجاع.
كان أمين القضاة بالحريم الطاهري. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان. وكان ثقة. روى عنه ابن مشق، وابن الأخضر، وابن قدامة، وآخرون.
توفي في ذي القعدة (٤).
стр. 11772
٣٥٠ - إبراهيم بن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، ثم الإسكندراني.
سمع من أبيه، وأبي صادق المديني، وكاتب الفارقي.
قال أبو الحسن بن المفضل: توفي في صفر ولم يكن أهلًا أن يروى عنه.
٣٥١ - أرسلان شاه السلجوقي. صاحب همذان.
قال سبط الجوزي (١): توفي سنة سبعين.
قلت: سيأتي في سنة ثلاث وسبعين.
٣٥٢ - أسعد بن هبة الله، أبو المظفر الربعي، المؤدب، المعروف بابن الخيزراني، البغدادي.
تفقه على مذهب أبي حنيفة، وتأدب على ابن الجواليقي. وسمع ابن الحصين، وأبا غالب ابن البناء. روى عنه علي بن أحمد الزيدي، وأحمد بن أحمد البندنيجي (٢).
٣٥٣ - حامد بن محمود بن حامد، أبو الفضل الحنبلي.
قدم بغداد، وتفقه. وسمع من عبد الوهاب الأنماطي، وعاد إلى حران، ودرس، وأفتى. وكان ورعًا به وسواس في الطهارة. ذكره ابن الجوزي في المنتظم (٣).
ويقال له: حامد بن أبي الحجر (٤).
قرأت بخط ابن الحاجب قال: ذكر لي شيخنا عمر بن منجى أنه قدم دمشق في دولة نور الدين، فأخذ والدي إلى حران.
قال ابن الحاجب: وذكر لي عدل حراني أن ابن حامد هذا كان من أعيان البلد، ووجد من الجاه في أيام نور الدين ما لا يجده غيره، واستنابه في جميع أمور البلد، وأمرهم أن يكتبوا له توقيعًا بذلك. فلما حضر عند الديوان ورأوا بزته وسمته وأنه ابن أبي الحجر قال بعضهم لبعض: ما ذا يوم معاش ذا يوم
стр. 11773
صخرة. ففهم وتلا: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وتبسم، فاستحيوا.
٣٥٤ - خديجة بنت أحمد بن الحسن بن عبد الكريم، فخر النساء بنت النهرواني، البغدادية، ويعرف أبوها بابن العنبري.
امرأة صالحة مسندة. روت عن أبي عبد الله النعالي. روى عنها ابن أخيها علي بن روح، والموفق المقدسي، ونصر بن عبد الرزاق، والشيخ العماد المقدسي؛ وأظن ابن راجح.
توفيت في رمضان (١).
٣٥٥ - روح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح، قاضي القضاة أبو طالب الحديثي، ثم البغدادي.
سمع إسماعيل بن الفضل الجرجاني، ومحمد بن عبد الباقي البجلي، وابن الحصين. سمع منه صدقة بن الحسين، وعمر بن علي القرشي. وحدث عنه إسفنديار بن الموفق. ولم يزل على قضاء القضاة إلى حين وفاته.
قال ابن النجار: كان متدينًا، حسن الطريقة، عفيفًا، نزهًا، ولاه المستضيء سنة ست وستين وخمسمائة بعد امتناع منه شديد. توفي في المحرم، وله ثمان وستون سنة (٢).
وآخر من روى عنه بالإجازة الرشيد بن مسلمة (٣).
٣٥٦ - سعيد بن صافي، أبو شجاع البغدادي، الحاجب، الجمالي. مولى أبي عبد الله بن جردة.
قرأ القرآن على جماعة، وسمع حضورًا من أبي الحسن ابن العلاف، ثم من ابن بيان، وابن ملة، وكتب الكثير بخطه، روى عنه ابن الأخضر، وأبو محمد ابن قدامة. وتوفي في رجب (٤).
стр. 11774
٣٥٧ - سليمان بن عبد الواحد، أبو الربيع الهمذاني، الغرناطي، قاضي غرناطة.
له مصنف في الفقه. حدث عنه أبو القاسم الملاحي. وأجاز في هذه السنة لأبي عبد الله الأندرشي، شيخ الأبار (١).
٣٥٨ - شملة التركماني.
كان قد تغلب على بلاد فارس، واستحدث قلاعًا، ونهب الأكراد والتركمان، وبدع، وقوي على السلجوقية، وكان يظهر طاعة الإمام مكرًا منه، وتم له الأمر أكثر من عشرين سنة إلى أن نهض على قتال بعض التركمان، فتهيؤوا له، واستعانوا بالبهلوان ابن إلدكز، فساعدهم بجيشه، وعملوا مصافًا، فأصاب شملة سهم، وانكسر جيشه وأخذ أسيرًا هو وولده وابن أخيه، ومات بعد يومين (٢)، لا ﵀، فما كان أظلمه وأغشمه.
٣٥٩ - عبد الله بن عبد الصمد بن عبد الرزاق، أبو محمد السلمي، البغدادي.
ذكر أنه من ولد أبي عبد الرحمن السلمي قارئ الكوفة. سمع أبا القاسم الربعي، وأبا الغنائم النرسي، وابن بيان، وجماعة.
روى عنه ابن الأخضر، والموفق بن قدامة، وابنه الشمس أحمد بن عبد الله السلمي العطار، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، والخليل بن أحمد الجوسقي، وعثمان بن أبي نصر ابن الوتار، وجماعة.
وتوفي في المحرم (٣).
٣٦٠ - عبد الرحمن بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الباقي، أبو طالب التميمي، الدمشقي.
سمعه أبوه من هبة الله ابن الأكفاني، وطبقته. ثم سمع هو بنفسه واشتغل وحصل، وشهد عند القضاة. وتوفي في شوال.
كتب عنه أبو المواهب بن صصرى.
стр. 11775
٣٦١ - عبد الصمد بن محمد بن علي بن أبي الغنائم عبد الصمد بن علي ابن المأمون، أبو الغنائم الهاشمي، العباسي.
شيخ صالح عابد، من بيت الحديث والشرف. روى عن أبي علي بن نبهان، وأبي النرسي. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي، وغيره (١).
٣٦٢ - عبد الملك ابن قاضي القضاة أبي طالب روح بن أحمد الحديثي.
استنابه أبوه في القضاء بدار الخلافة، وعين بعد موت والده للقضاء، فبغته الموت وهو شاب. سمع من أبي عبد الله السلال، والأرموي. روى عنه عبد الملك بن أبي محمد البرداني. وكان دينًا حسن الطريقة، يكنى أبا المعالي.
قال ابن النجار (٢): سمعت جارنا أبا الحسن بن ملاعب يقول: كان القاضي عبد الملك يخرج من دار والده بالطيلسان والوكلاء والركابية بين يديه وهو راكب، فإذا نزل ودخل ذهب الجماعة. ثم خرج هو في ثياب قصيرة وعمامة لطيفة، والسجاد على كتفه، فيأتي مسجده بالسوق، فيؤذن ويقيم. وكان يسحر في رمضان، وله معرفة بالوقت (٣).
٣٦٣ - عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي، أخو خطيب الموصل.
روى عن جعفر السراج، وتوفي في شوال. كتب عنه أبو سعد السمعاني مع تقدمه. وروى عنه عبد الكريم السيدي، ومحمد بن ياقوت (٤).
٣٦٤ - عثمان بن فرج بن خلف، أبو عمرو العبدري، السرقسطي.
حج فسمع من أبي عبد الله الرازي، وعبد الله بن طلحة اليابري، وأبي الحجاج بن زياد الميورقي، وأبي الحسن علي البيهقي الزاهد، وسكن القاهرة. روى عنه عوض بن محمود، وأبو عبد الله الأندرشي، وغيرهما.
стр. 11776
حدث في هذا العام ولا أعلم وفاته بعد (١).
٣٦٥ - علي بن خلف بن عمر بن هلال، أبو الحسن الغرناطي.
روى عن أبي الحسن بن الباذش، وأبي بكر بن الخلوف، وأبي القاسم ابن النخاس، ومنصور بن الخير، وأخذ عنه القراءات. سكن ميورقة وغيرها، وأقرأ القراءات، وكان عارفًا بها، سخيًا، جوادًا. روى عنه أبو عمر بن عياد، وأجاز لأبي الخطاب بن واجب، وأبي بكر عتيق بن علي، وكف بصره بأخرة.
قال الأبار (٢): توفي بميورقة في نحو سنة سبعين.
٣٦٦ - فاطمة بنت علي بن عبد الله الوقاياتي، أم علي البغدادية.
سمعت أبا عبد الله ابن البسري، وأبا القاسم الرزاز. روى عنها ابن الأخضر، وموفق الدين بن قدامة، وجماعة.
ماتت في آخر السنة (٣).
٣٦٧ - فاطمة بنت المحدث أبي غالب محمد بن الحسن الماوردي، أم الخير.
سمعها أبوها من أبي عبد الله البسري، وأبي النرسي. وعنها أحمد البندنيجي.
ماتت في ربيع الآخر.
٣٦٨ - قايماز، قطب الدين، مملوك المستنجد بالله.
ارتفع أمره وعلا قدره في أيام مولاه، فلما استخلف المستضيء بالله عظم وصار مقدمًا على الكل. ولم يكن على يده يد، وقد أراد المستضيء تولية وزير فمنعه قايماز من ذلك، وأغلق باب النوبي، وهم بأمر سوء، ثم خرج من بغداد في جيش، فمات بناحية الموصل في ذي الحجة، وكفى الله شره.
وكان كريمًا، طلق الوجه، قليل الظلم (٤).
٣٦٩ - محمد بن حسين بن عبد الله بن حيوس، أبو عبد الله الفاسي.
стр. 11777
شاعر مفلق، بديع النظم، سائر القول مدح الأمراء. وله ديوان. روى عنه عبد العزيز بن زيدان، وغيره. وعاش سبعين سنة (١).
٣٧٠ - محمد بن حمزة بن علي بن طلحة الرازي ثم البغدادي.
من أبناء المحتشمين. سمع هبة الله بن الحصين، وتوفي في رمضان. كتب عنه عمر بن علي، وغيره (٢).
٣٧١ - محمد بن عبد الله بن محمد بن خليل، أبو عبد الله القيسي، اللبلي.
صحب مالك بن وهيب ولازمه مدة، وسمع صحيح مسلم من أبي علي الغساني. وروى عنه، وعن ابن الطلاع، وخازم بن محمد، وأبي الحسين بن سراج، وأبي علي الصدفي، وجماعة.
وذكر ابن الزبير أن روايته للموطأ عن ابن الطلاع إجازة إن لم يكن سماعًا.
قال الأبار (٣): كان من أهل الرواية والدراية. نزل فارس، ثم مراكش. أخذ عنه شيخنا أبو عبد الله الأندرشي، وأبو عبد الله بن عبد الحق، قاضي تلمسان.
٣٧٢ - محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم، أبو بكر الطوسي الملقب ناصح المسلمين.
فقيه، إمام، مسند. حدث في رجب من السنة عن علي بن أحمد المديني، ونصر الله بن أحمد الخشنامي، والفضل بن عبد الواحد التاجر أصحاب الحيري، ونحوهم.
روى عنه زينب الشعرية، وولداها المؤيد وبيبى ولدي نجيب الدين محمد بن علي بن عمر الطوسي، وعثمان بن أبي بكر الخبوشاني، ومحمد ابن أبي طاهر العطاري، وأبو حامد محمد بن محمد بن أبي بكر السمناني، ثم الجويني، وجماعة.
وكان أسند من بقي بنيسابور في هذا الوقت، وله أربعون سمعناها،
стр. 11778
خرجها له علي بن عمر الطوسي. وممن روى عنه الحسن بن عبيد الله بن عبد الرحمن القشيري.
٣٧٣ - محمد بن المبارك بن محمد بن جابر، أبو نصر البغدادي.
روى عن أبي علي بن نبهان، ونور الهدى الزينبي. روى عنه تميم بن أحمد، ونصر بن عبد الرزاق، وغيرهما. وتوفي في أواخر السنة وقد أضر، وعاش نيفًا وسبعين سنة (١).
٣٧٤ - محمد بن محمد بن فارس، أبو بكر بن الشاروق، الحريمي، المقرئ.
أحد القراء الموصوفين بجودة الأداء وملاحة الصوت. سمع أبا الحسين ابن الطيوري. روى عنه محمد بن مشق، وابن الأخضر، وتوفي في رجب (٢).
٣٧٥ - معالي بن أبي بكر بن معالي البغدادي الكيال.
سمع أبا الغنائم النرسي. روى عنه أبو محمد بن قدامة، والشهاب بن راجح، والعماد إبراهيم بن عبد الواحد.
٣٧٦ - هبة الله بن بكر بن طاهر الفزاري، البغدادي، القزاز.
روى عن جده أبي ياسر أحمد بن بندار البقال. وعنه ابن الأخضر. توفي في صفر (٣).
٣٧٧ - هبة الله بن عبد الله بن منصور الأنطاكي ثم الدمشقي، أبو القاسم الخطيب.
روى عن عبد الكريم بن حمزة. وعنه أبو القاسم بن صصرى.
٣٧٨ - ورع بنت أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد الخلال، بدر التمام.
روت عن أبيها عن جده الحافظ أبي محمد. وعنها أبو الفتوح ابن الحصري، وغيره (٤).
стр. 11779
٣٧٩ - يحيى بن عبد الله بن محمد بن المعمر بن جعفر الثقفي، أبو الفضل، صاحب مخزن المقتفي، والمستنجد.
ناب في الوزارة للمستضيء، وبقي في المناصب ثمانيًا وعشرين سنة. وكان حافظًا لكتاب الله. وحج مرات كثيرة، وخلف ولدين ماتا شابين (١).
٣٨٠ - يوسف بن المبارك بن أبي شيبة، أبو القاسم الخياط، المقرئ.
صار في آخر أيامه وكيلًا بباب القاضي. وقد قرأ بالروايات على: أبي العز القلانسي، وجماعة. وسمع ابن ملة. وادعى أنه قرأ على أبي طاهر بن سوار، وبان كذبه في ذلك. قرأ عليه جماعة. وروى عنه ابن الأخضر حديثًا.
وتوفي في رجب (٢).
وفيها ولد: سبط السلفي. والشرف المرسي، والبدر عمر بن محمد الكرماني الواعظ.
стр. 11780
المتوفون في هذه الحدود ما بين الستين إلى السبعين
٣٨١ - أحمد بن زهير بن محمد بن الفضل، أبو العباس المعروف بملة الأصبهاني.
سمع أبا نهشل عبد الصمد العنبري، ومحمد بن طاهر المقدسي. وعنه عمر بن علي القرشي، وأبو محمد بن قدامة. حدث ببغداد سنة أربع وستين (١).
٣٨٢ - أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن أبي العاص، أبو جعفر النفزي، الشاطبي، المعروف بابن اللايه المقرئ.
أخذ القراءات عن أبيه الأستاذ أبي عبد الله. ورحل إلى دانية فأخذ عن أبي عبد الله محمد بن سعيد. وخلف أباه في الإقراء؛ أخذ عنه جماعة منهم ابن فيره الشاطبي.
قال ابن الأبار (٢): كان معروفًا بالضبط والتجويد كأبيه.
قلت: ذكر قبله من توفي سنة ثلاث وستين، وبعده من توفي سنة تسع وستين وخمسمائة.
٣٨٣ - رجاء بن حامد بن رجاء بن عمر، أبو القاسم المعداني الأصبهاني.
سمع رزق الله التميمي، وسليمان بن إبراهيم الحافظ، ومكي بن منصور بن علان الكرجي، وهذه الطبقة.
روى عنه الحافظ عبد القادر الرهاوي، وأبو نزار ربيعة اليمني، وسليمان بن داود بن ماشاذة، وسبطه محمد بن عمر بن أبي الفضائل، ومحمود بن محمد بن أبي المعالي الوثابي. وبالإجازة كريمة، وغيرها.
أخبرنا سليمان بن قدامة، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن أبي المعالي الوثابي، قال: حدثنا رجاء بن حامد قراءة، فذكر حديثًا.
стр. 11781
٣٨٤ - عبد الله بن أسد بن عمار الدقاق، أبو محمد ابن السويدي، الدمشقي.
شيخ معمر، روى بالإجازة المطلقة عن عبد العزيز الكتاني. روى عنه أبو القاسم بن صصرى في معجمه، وقال: توفي بعد الستين.
٣٨٥ - عبد الله بن محمد بن أبي العباس، أبو بكر النوقاني.
قدم دمشق في سنة سبع وستين، وحدث بها بحضرة الحافظ ابن عساكر. ونزل بقبة الطواويس، وروى عن أبيه، عن أبي بكر بن خلف الشيرازي، وغيره. روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وعبد الكريم خطيب زملكا، وآخرون.
مولده في سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
٣٨٦ - عبد الله بن محمد بن سهل العبدري، إمام جامع ميورقة.
سمع بشاطبة من أبي عمران بن أبي تليد. وأقرأ بإشبيلية القراءات على شريح.
مات بعد الستين وخمسمائة (١).
٣٨٧ - عبد الملك بن عمر بن سليخ (٢)، أبو محمد البصري.
حدث بمربد البصرة، كان منزله بها. سمع من جعفر بن محمد بن الفضل العباداني، ولعله آخر من سمع منه. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وأبو السعود محمد بن محمد بن جعفر البصري، وغيرهم. وحدث في سنة ثمان وستين (٣).
وآخر من روى عنه أبو السعود عبد الله بن عبد الودود البصري الدباس.
٣٨٨ - عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو الفتوح الجوهري، الأصبهاني.
سمع أبا نصر عبد الرحمن بن محمد السمسار، وأبا بكر أحمد بن محمد
стр. 11782
ابن أحمد بن مردويه، وإسماعيل بن أبي عثمان الصابوني، وأحمد بن أبي الفتح الخرقي. أجاز لابن اللتي، ولكريمة.
٣٨٩ - عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر، أبو محمد الطوسي، الخطيب.
كان بالموصل مع إخوته. وولد ببغداد في سنة ثمانين وأربعمائة. وسمع من طراد، وابن طلحة النعالي. وسمع كتاب شريعة المقارئ لأبي بكر بن أبي داود على أبي الحسين ابن الطيوري في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
سمع منه أبو المحاسن علي القرشي، وأبو الحسن الزيدي، وأبو محمد ابن الأخضر، وابن أخيه عبد المحسن ابن خطيب الموصل. وأجاز لأبي منصور بن عفيجة، ولكريمة.
وبقي إلى بعد الستين (١).
٣٩٠ - عبد الرحمن بن محمد بن مسعود بن أحمد، أبو حامد المسعودي، البنجديهي، الخمقري (٢)، المروزي.
ذكره أبو سعد السمعاني في التحبير فقال (٣): من أهل بنج ديه، شيخ صالح، عفيف، معمر. تفرد برواية الجامع للترمذي، عن القاضي أبي سعيد محمد بن علي ابن الدباس. سمعت منه بعض الكتاب، ونشأ له ولد اسمه محمد، فهم الحديث، وبالغ في طلبه، ورحل إلى العراق، والشام، ومصر، والإسكندرية.
قلت: هو تاج الدين محمد بن عبد الرحمن المسعودي المتوفى بعد الثمانين وخمسمائة.
وأما أبوه عبد الرحمن صاحب الترجمة فروى عنه جامع الترمذي بالإجازة القاضي أبو نصر ابن الشيرازي.
٣٩١ - عبد الرحيم بن عبد الجبار بن يوسف، أبو محمد التجيبي، الأندلسي، الشمنتي، وشمنت حصن.
стр. 11783
أخذ القراءات بالمرية عن أبي القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن رضا. وتصدر للإقراء بمرسية. وتوفي في حدود السبعين. مولده سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (١).
٣٩٢ - عبد الرحيم بن محمد بن أبي العيش، أبو بكر الأنصاري.
روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي علي الصدفي، وأبي عمران بن أبي تليد، وجماعة. وسكن مراكش وحدث بها. وتوفي في رأس السبعين تقريبًا.
روى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن الزهري، وأبوه القاضي أبو الحسن الزهري (٢).
٣٩٣ - عبد الصمد بن ظفر بن سعيد بن ملاعب، أبو نصر الربعي، الحلبي، المعروف بالقباني.
سمع من طاهر بن عبد الرحمن ابن العجمي جزءًا من رواية علي بن عمر الحربي السكري. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم. لقياه بحلب في حدود الستين وخمسمائة.
٣٩٤ - عبد العزيز بن علي بن محمد بن سلمة، أبو الأصبغ، ويقال: أبو حميد السماتي، الإشبيلي، الطحان، ويعرف بابن الحاج أيضًا.
من جلة المقرئين. قرأ على أبي الحسن شريح بن محمد، وأبي العباس ابن عيشون.
وقد مر في سنة إحدى وستين على التقريب (٣).
٣٩٥ - عبد الكريم بن عمر بن أحمد بن عبد الواحد، أبو إبراهيم الأصبهاني العطار، المعروف بالجنيد.
سمع القاسم بن الفضل الثقفي. وأجاز لكريمة.
٣٩٦ - عسكر بن أسامة بن جامع بن مسلم، أبو عبد الرحمن العدوي النصيبي، إمام مسجد كندة.
ذكره ابن السمعاني في الذيل، فقال: شاب عالم، صالح، دين، كثير
стр. 11784
الصلاة والذكر، دائم التلاوة. سمع بقراءتي الكثير، ورأيته بمكة في الحجتين.
رحل قبلي وسمع أبا القاسم بن الحصين وأبا العز بن كادش. وطبقتهما. وكنت أراقبه مدة صحبتنا فوجدته مأمونا، صدوقا، متمسكا بالسنة، ونشر العلم، وترغيب الناس في كتابته وطلبه. ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بنصيبين.
وقال الحافظ عبد القادر: هو شيخ أهل نصيبين في العلم والحديث والورع، ورأيت أبا بكر بن إسماعيل الحراني قد جاءه زائرا. وكان عاقلا وقورا، ورعا، نزه المجلس، طويل الصمت، لازما لبيته، محبا للخمول. حضرت عنده في مسجده ﵀.
قلت: بقي إلى سنة اثنتين وستين أو بعدها ﵀.
٣٩٧ - علي بن أبي منصور عبد الصمد بن أبي بكر أحمد بن محمد بن الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه بن فورك، أبو المحاسن الأصبهاني.
من بيت الحديث والعلم، سمع القاسم بن الفضل، ومكي بن منصور السلار، وغيرهما. روى عنه عبد القادر الرهاوي. وبالإجازة: ابن اللتي، وكريمة.
٣٩٨ - عمر بن محمد بن أحمد بن علي بن عديس، أبو حفص القضاعي، البلنسي اللغوي، صاحب أبي محمد البطليوسي.
حمل عنه الكثير، ورحل إلى باجة، فأخذ عن أبي العباس بن حاطب، وقرأ عليه الكامل للمبرد وغيره في سنة ست وعشرين. وصنف كتابًا حافلًا في المثلث في عشرة أجزاء ضخام، دل على تبحره وسعة اطلاعه وحفظه للغة. وشرح الفصيح شرحًا مفيدًا. وسكن تونس، وبها توفي في حدود السبعين، قاله الأبار (١).
٣٩٩ - محمد بن أحمد بن عسكر، الأزدي، المرسي.
سمع الشهاب من أبي القاسم ابن الفحام لما حج، وحدث به قبل السبعين. سمع منه عبد الكبير بن بقي، وغيره (٢).
стр. 11785
٤٠٠ - محمد بن الحسن بن هبة الله، أبو عبد الله ابن عساكر الدمشقي، أخو الحافظ أبي القاسم، والصائن.
ولد بعد الخمسمائة بقليل.
قال القاسم ابن عساكر: هو عمي الأوسط. سمع الكثير من عبد الكريم بن حمزة، وأبي الحسن بن قبيس المالكي. وتفقه على أبي الفتح نصر الله المصيصي. وسمعت بقراءته كثيرًا. وما أظنه حدث. وكان شيخًا كريمًا، حسن الأخلاق، كثير التلاوة.
قلت: هو والد العلامة فخر الدين الفقيه وزين الأمناء، وتاج الأمناء أبي نصر عبد الرحيم.
توفي سنة بضع وستين.
٤٠١ - محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد بن أحمد بن مدرك، أبو عبد الله وأبو بكر الغساني المالقي.
روى عن أبي الحسن بن مغيث، وأبي جعفر بن عبد العزيز، وأبي بكر ابن العربي، وجماعة.
قال الأبار (١): وكان مؤرخًا، نسابة، فصيحًا، جمع ما لا يوصف من الكتب. وحدث عنه أبو الحجاج ابن الشيخ، وأبو علي الرندي، وأبو محمد بن غلبون شيخنا.
٤٠٢ - محمد بن عبيد الله بن أبي علي الحسن بن أحمد بن الحسن، الأصبهاني، الحداد.
روى عن جده، وأبي العباس أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وغيرهما. وأجاز لكريمة وحدث. وكان خطيبًا نبيلًا، حريصًا على الرواية، له فهم ومعرفة. وقد سمع أيضًا من أبي مطيع محمد بن عبد الواحد المصري، وأبي سعد المطرز. وولد بنيسابور إذ أبوه بها، وحضر عند أبي سعد بن أبي صادق، وغيره.
٤٠٣ - محمد بن أبي الحكم عبيد الله بن مظفر، الباهلي الأندلسي، ثم
стр. 11786
الدمشقي، أبو المجد الطبيب، رئيس الأطباء بدمشق، ويلقب بأفضل الدولة.
كان مع براعته في الطب بصيرًا بالهندسة، لعابًا بالعود، مجودًا للموسيقى، وله يد في عمل الآلات. قد صنع أرغنًا، وبالغ في تحريره.
اشتغل على والده أبي الحكم المتوفى سنة تسع وأربعين. وكان السلطان نور الدين يقدمه ويرى له، ورد إليه أمر الطب بمارستانه الذي أنشأه، فكان يدور على المرضى، ثم يجلس في الإيوان يشغل الطلبة، ويبحثون نحو ثلاث ساعات.
وكان حيا في هذا الوقت، لم يذكر ابن أبي أصيبعة وفاته (١).
٤٠٤ - محمد بن علي بن عبد الله، أبو بكر البتماري، الحريمي، المعروف بابن العجيل، وبتمارى من قرى النهروان.
سمع أحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه أحمد بن طارق الكركي.
قال ابن النجار: بلغني أنه توفي بعد السبعين (٢).
٤٠٥ - محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن حمدان بن الحسين، أبو الغنائم الجصاني، الهيتي، الأديب، اللغوي. نزيل الأنبار.
وينسب إلى جصين، أحد ملوك الفرس، كان صاحب قلعة عند الأنبار في الزمن القديم.
سمع أبو الغنائم من يحيى بن علي بن محمد بن الأخضر الأنباري، وقرأ القراءات ببغداد على أبي بكر المزرفي، وسبط الخياط. وسمع من ابن الحصين، وجماعة. وحدث بهيت والأنبار سنة اثنتين وستين. وصنف كتاب روضة الآداب في اللغة، والمثلث الحمداني، والحماسة، وغير ذلك.
وولد بهيت في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولم تضبط وفاته.
سمع منه أبو أحمد ابن سكينة، ويوسف بن أحمد الشيرازي (٣).
стр. 11787
٤٠٦ - محمد بن عريب بن عبد الرحمن بن عريب، أبو الوليد العبسي، السرقسطي، نزيل شاطبة.
روى عن أبي علي الصدفي، وابن عتاب. وتصدر للإقراء بشاطبة. وولي خطابتها. أخذ عنه أبو عبد الله بن سعادة حرف نافع (١).
٤٠٧ - محمد بن محمود بن علي بن أبي علي الحسن بن يوسف بن حجر بن عمرو، العلامة أبو الرضا الأسدي، الطرازي، البخاري.
قال عبد الرحيم ابن السمعاني: كان إمامًا فاضلًا، مبرزًا، ورعًا، تقيًا، كثير الذكر والتهجد والتلاوة. تفقه على الإمام الحسين بن مسعود ابن الفراء بمرو الروذ، وعلى الإمام عبد العزيز بن عمر ببخارى.
وسمع أبا الفضل بكر بن محمد الزرنجري، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، ومحمد بن علي بن حفص، وهو أول أستاذ لي في الفقه. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ببخارى.
٤٠٨ - محمد بن أبي الرجاء أحمد بن محمد بن أحمد، أبو عبد الله الأصبهاني المعروف بالكسائي.
سمع أبا مطيع محمد بن عبد الواحد المصري، وغيره. روى عنه بالإجازة ابن اللتي، وكريمة.
وتوفي بعد الستين.
٤٠٩ - محمد بن المرجى بن الحسن بن محمد بن الفضل بن علي، أبو جعفر التيمي، الأصبهاني.
سمع أبا العباس أحمد بن أبي الفتح الخرقي، وأبا مطيع المصري. وعنه بالإجازة: ابن اللتي، وكريمة.
٤١٠ - محمود بن إسماعيل بن عمر بن علي، الإمام العلامة أبو القاسم الطريثيثي، النيسابوري، الفقيه.
تخرج بأبي بكر محمد بن منصور السمعاني في الفقه. وبرع في الأصول، والنظر والمذهب. وكان حسن السيرة متواضعًا مطرحًا للتكلف. سمع عبد الغفار الشيرويي، وصاعد بن سيار. سمع منه عبد الرحيم ابن السمعاني، وغيره.
стр. 11788
٤١١ - مسعود بن عبد الله بن أحمد بن أبي يعلى، أبو علي الشيرازي، ثم البغدادي.
سمع أبا الحسين المبارك ابن الطيوري، وأبا سعد بن خشيش. روى عنه محمد بن أحمد الصوفي، وعبد السلام الداهري الخفاف (١).
٤١٢ - يوسف بن إسماعيل، أبو الحجاج المخزومي، القرطبي، المعروف بالمرادي اللغوي.
أخذ عن أبي الحسين بن سراج فأكثر، وعن أبي عبيدة جراح بن موسى، وأبي جعفر بن عبد العزيز. وجلس لإقراء العربية واللغة. وكان حافظًا للغريب، معتنيًا باللغات. لازمه أبو جعفر بن يحيى مدة وأكثر عنه (٢).
آخر الطبقة والحمد لله
стр. 11789
الطبقة الثامنة والخمسون
(٥٧١ - ٥٨٠ هـ)
стр. 11790
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الأحداث)
سنة إحدى وسبعون وخمسمائة
قال ابن الجوزي (١): تقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة، فتكلمت في ثالث المحرم والخليفة حاضر، وكان يومًا مشهودًا. ثم تقدم إلي بالجلوس يوم عاشوراء، فكان الزحام شديدًا زائدًا على الحد، وحضر أمير المؤمنين.
وفي صفر قبض (٢) على أستاذ الدار صندل الذي جاء في الرسلية إلى نور الدين، وعلى خادمين أرجف الناس على أنهم تحالفوا على سوء. وولي أبو الفضل ابن الصاحب أستاذدارية الدار، وولي مكانه في الحجابة ابن الناقد (٣).
قال ابن الجوزي (٤): وكانت بنتي رابعة قد خطبت، فسأل الزوج أن يكون العقد بباب الحجرة، فحضرنا يوم الجمعة، وحضر قاضي القضاة ونقيب النقباء والأكابر. فزوجتها بأبي الفرج ابن الرشيد الطبري، وتزوج حينئذ ولدي أبو القاسم بابنة الوزير عون الدين بن هبيرة.
قلت: رابعة هي والدة الواعظ شمس الدين ابن الجوزي، لم يطل عمر ابن رشيد معها، ثم تزوجها أبو شمس الدين.
وأما ابنه أبو القاسم فإنه تحارف (٥) وصار ينسخ بالأجرة، وهو ممن أجاز للقاضي تقي الدين الحنبلي.
قال (٦): وتكلمت في رجب تحت المنظرة وازدحم الخلق، وحضر أمير
стр. 11791
المؤمنين. وكنت إذا تكلمت أصعد المنبر، ثم أضع الطرحة إلى جانبي، فإذا فرغت أعدتها.
وكان المستضيء بالله كثيرًا ما يحضر مجلس ابن الجوزي في مكان من وراء الستر، وقال مرةً: ما على كلام ابن الجوزي مزيد. يعني في الحسن.
قال (١): وكان الرفض قد كثر، فكتب صاحب المخزن إلى أمير المؤمنين: إن لم تقوِّ يد ابن الجوزي لم يطق دفع البدع! فكتب بتقوية يدي، فأخبرت الناس بذلك على المنبر، فقلت: إن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قد بلغه كثرة الرفض، وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في إزالة البدع، فمن سمعتموه يسب فأخبروني حتى أخرّب داره وأسجنه. فانكف الناس.
وأمر بمنع الوعاظ إلا ثلاثة: أنا، وأبو الخير القزويني من الشافعية، وصهر العبادي من الحنفية. ثم سئل في ابن الشيخ عبد القادر، فأطلق.
وفي ذي القعدة خرج المستضيء إلى الكشك الذي جدده راكبًا، والدولة مشاة، ورآه الناس، ودعوا له.
وفيها خلع على الظهير ابن العطار بولاية المخزن.
وفيها عمل الوزير ابن رئيس الرؤساء دعوةً جمع فيها أرباب المناصب، وخلع عليّ (٢)، ونصب لي منبرا في الدار، وحضر الخليفة الدعوة. فلما أكلوا تكلمت، وحضر السلطان والدولة، وجميع علماء بغداد ووعاظها إلا النادر.
وفيها أرسل إلى صاحب المدينة تقليد بمكة، فجرت فتنة لذلك بمكة، وقتل جماعة. ثم صعد أمير مكة المعزول، وهو مكثر بن عيسى بن فليتة، إلى القلعة التي على أبي قبيس، ثم نزل وخرج عن مكة. ووقع النهب بمكة، وأحرقت دور كثيرة.
وحكى القليوبي في تاريخه أن الركب خرجوا عن عرفات، ولم يبيتوا بمزدلفة، ومروا بها، ولم يقدروا على رمي الجمار. وخرجوا إلى الأبطح، فبكروا يوم العيد، وقد خرج إليهم من يحاربهم من مكة، فتطاردوا وقتل
стр. 11792
جماعة بين الفريقين. ثم آل الأمر إلى أن صيح في الناس: الغزاة الغزاة إلى مكة.
قال ابن الجوزي (١): فحدثني بعض الحاج أن زرّاقًا ضرب بالنفط دارًا فاشتعلت، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكانت تلك الدار لأيتام. ثم سوى قارورة نفط ليضرب بها، فجاءه حجر فكسرها، فعادت إليه وأحرقته. وبقي ثلاثة أيام منتفخ الجسد (٢)، ورأى بنفسه العجائب، ثم مات.
قال (٣): ثم إن ذلك الأمير الجديد قال: لا أجسر أن أقيم بعد الحاج بمكة. فأمروا غيره.
وفيها كانت وقعة تل السلطان، وحديث ذلك أن عسكر الموصل نكثوا وحنثوا ووافوا تل السلطان بنواحي حلب في جموع كثيرة، وعلى الكل السلطان سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، فالتقاهم السلطان صلاح الدين في جمع قليل، فهزمهم وأسر فيهم، ونهب، وحقن دماءهم. ثم أحضر الأمراء الذين أسرهم فأطلقهم ومنّ عليهم.
قال ابن الأثير (٤): لم يقتل من الفريقين - على كثرتهم - إلا رجل واحد. ووقفت على جريدة العرض، فكان عسكر سيف الدين غازي في هذه الوقعة يزيدون على ستة آلاف فارس، والرجالة أقل من خمسمائة.
قلت: ثم سار صلاح الدين إلى منبج فأخذها، ثم سار إلى عزاز، فنازل القلعة ثمانيةً وثلاثين يومًا، ثم قفز عليه وهو محاصرها قوم من الفداوية، وجرح في فخذه، وأخذوا فقتلوا. ثم افتتح عزاز.
ومن كتاب فاضلي عن صلاح الدين إلى الخليفة يطالع بأن الحلبيين والموصليين لما وضعوا السلاح، وخفضوا الجناح - اقتصرنا بعد أن كانت البلاد في أيدينا على استخدام عسكر الحلبيين في البيكارات (٥) إلى الكفر،
стр. 11793
وعرضنا عليهم الأمانة فحملوها، والأيمان فبذلوها.
وسار رسولنا، وحلف صاحب الموصل يمينًا جعل الله فيها حكمً. وعاد رسوله ليسمع منا اليمين، فلما حضر وأحضر نسختها أومأ بيده ليخرجها، فأخرج نسخة يمين كانت بين الموصليين والحلبيين على حربنا، والتداعي إلى حربنا. وقد حلف بها كمشتكين الخادم بحلب، وجماعة معه يمينًا نقضت الأولى، فرددنا اليمين إلى يمين الرسول، وقلنا: هذه يمين عن الأيمان خارجة، وأردت عمرًا وأراد الله خارجة.
وانصرف الرسول، وعلمنا أن الناقد بصير، والمواقف الشريفة مستخرجة الأوامر إلى الموصلي؛ إما بكتاب مؤكد بأن لا ينقض العهد، وإما الفسحة لنا في حربه (١).
وقال ابن أبي طيئ: لما ملك صلاح الدين منبج في شوال صعد الحصن، وجلس يستعرض أموال ابن حسان وذخائره، فكانت ثلاثمائة ألف دينار، ومن أواني الذهب والفضة والذخائر والأسلحة ما يناهز ألفي ألف دينار، فرأى على بعض الأكياس والآنية مكتوبًا يوسف، فسأل عن هذا الاسم، فقيل: له ولد يحبه اسمه يوسف، كان يدخر هذه الأموال له. فقال السلطان: أنا يوسف، وقد أخذت ما خبئ لي.
ومن كتاب السلطان إلى أخيه العادل يقول: ولم ينلني من الحشيشي الملعون إلا خدش قطرت منه قطرات دم خفيفة، انقطعت لوقتها، واندملت لساعتها.
وأما صلاح الدين فسار من عزاز، فنازل حلب في نصف ذي الحجة، وقامت العامة في حفظها بكل ممكن، وصابرها صلاح الدين شهرًا، ثم ترددت الرسل في الصلح، فترحل عنهم، وأطلق لابنة نور الدين قلعة عزاز.
قال ابن الأثير (٢): وفي رمضان انكسفت الشمس ضحوة نهار، وظهرت الكواكب، حتى بقي الوقت كأنه ليل مظلم، وكنت صبيًا حينئذٍ.
стр. 11794
سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
في المحرم وعظ ابن الجوزي، وحضر الخليفة في المنظرة، وازدحمت الأمم.
قال (١): وكان عرس ابنتي رابعة، وحضرت الجهة المعظّمة، وجهزتها من عندها بمال كثير.
وفي صفر نقصت دجلة واخترقت حتى ظهرت جزائر كثيرة، وكانوا يجرون السفن في أماكن.
وجاء في آب برد شديد ببغداد، فنزلوا من الأسطحة، ثم عاد الحر وطلعوا.
وفي جمادى الآخرة وعظت بجامع القصر، واجتمع خلائق، فحزر الجمع بمائة ألف، وكان يومًا مشهودًا.
وفيها قارب بغداد بعض السلجوقية ممن يروم السلطنة، وجاء رسوله ليؤذن له في المجيء، فلم يلتفت إليه، فجمع جمعًا، ونهب قرى. فخرج إليه عسكر فتواقعوا، وخرج جماعة. ورجع العسكر فعاد هو إلى النهب، فرد إليه العسكر وعليهم شكر الخادم، فترحل إلى ناحية خراسان (٢).
وفيها كانت بالري وقزوين زلزلة عظيمة.
وفيها قال رجل لطحان: أعطني كارة دقيق. فقال: لا. فقال: والله ما أبرح حتى آخذ! فقال الطحان: وحق علي الذي هو خير من الله ما أعطيك! فشهد عليه جماعة، فسجن أيامًا. ثم ضرب مائة سوط، وسوّد وجهه وصفع والناس يرجمونه، وأعيد إلى الحبس (٣).
وجلس ابن الجوزي في السنة غير مرة، يحضر فيها الخليفة.
وفيها كانت وقعة الكنز مقدّم السودان بالصعيد، جمع خلقًا كبيرا، وسار إلى القاهرة في مائة ألف ليعيد دولة العبيديين، فخرج إليه العادل سيف الدين
стр. 11795
وأبو الهيجا الهكّاري، وعز الدين موسك، فالتقوا، فقتل الكنز، وما انتطح فيها عنزان، وقتل خلق كثير من جموعه، حتى قيل: إنه قتل منهم ثمانون ألفًا. كذا قال أبو المظفّر بن قزغلي (١)، فالله أعلم بذلك (٢).
وفيها أخذ صلاح الدين منبج من صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وكان قد ولاّه إياها الملك نور الدين لمّا انتزعها نور الدين من أخيه غازي بن حسان (٣).
وفيها حاصر صلاح الدين حلب مدة، ثم وقع الصلح، وأبقى حلب على الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين ورد عليه عزاز. وعاد إلى مصياب (٤) بلد الباطنية، فنصب عليها المجانيق، وأباح قتلهم، وخرّب بلادهم، فضرعوا إلى شهاب الدين صاحب حماة خال السلطان، فسأل فيهم، فترحل عنهم. وتوجه إلى مصر وأمر ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير قراقوش.
قال ابن الأثير (٥): دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمي (٦)، ولم يزل العمل فيها إلى أن مات صلاح الدين.
وقال أبو المظفر ابن الجوزي (٧): ضيّع فيه أموالًا عظيمة، ولم ينتفع به أحد.
وأمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم وهي التي صارت دار السلطنة.
قال ابن واصل (٨): شرع بهاء الدين قراقوش الأسدي فيها (٩)، وقطع
стр. 11796
الخندق وتعميقه، وحفر واديه، وهناك مسجد سعد الدولة، فدخل في القلعة. وحفر فيها بئرًا كبيرًا في الصخر. ولم يتأت هذا بتمامه إلا بعد موت السلطان بمدة. وبعد ذلك كمل السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين العمارات بالقلعة وسكنها، وهو أول من سكنها، وإنما كان سكناه وسكنى من قبله بدار الوزارة بالقاهرة.
ثم سافر إلى الإسكندرية، وسمع فيها من السلفي، وتردد إليه مرات عديدة، وأسمع منه ولديه: الملك العزيز، والملك الأفضل. ثم عاد إلى مصر وبنى تربة الشافعي.
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
في أولها دخل بغداد تتامش الأمير الذي خرج مع قيماز، ونزل تحت التاج، وقبّل الأرض مرارًا، فعفي عنه، وأعطي إمرية (١).
وحضر ابن الجوزي مرتين فوعظ، وأمير المؤمنين يسمع، واجتمع خلق لا يحصون.
وجرت ببغداد همرجة، وقبض على حاجب الحجاب وعلى جماعة.
قال ابن الجوزي (٢): وجاءتني فتوى في عبد وأمة، أعتقهما مولاهما، وزوّج أحدهما بالآخر، فبقيت معه عشرين سنة، وجاءت منه بأربعة أولاد، ثم بان الآن أنها أخته لأبويه، وقد وقعا في البكاء والنحيب. فعجبت من وقوع هذا، وأعلمتهما أنه لا إثم عليهما، وبوجوب العدة، وأنه يجوز له النظر إليها نظره إلى أخته، إلا أن يخاف على نفسه.
وفي ليلة رجب تكلمت (٣) تحت المنظرة الشريفة، والخليفة حاضر، ومن الغد حضرنا دعوة الخليفة التي يعملها كل رجب، وحضر الدولة والعلماء والصوفية، وختمت ختمة. وخلع على جماعة كثيرة، وانصرف من عادته الانصراف، وبات الباقون على عادتهم لسماع الأبيات، وفرق عليهم المال.
стр. 11797
وفيها عمل الخليفة مسجدًا عظيمًا ببغداد، وجعل إمامه حنبليًا، وزخرفه، وتقدم إليّ فصليت فيه التراويح.
وتكلمت في رمضان في دار صاحب المخزن وازدحموا، وكان الخليفة حاضرًا.
وفي شوال هبت ريح عظيمة ببغداد، فزلزلت الدنيا بتراب عظيم، حتى خيف أن تكون القيامة. وجاء برد ودام ساعة، ووقعت مواضع على أقوام، ومات بعضهم.
وتهيّأ الوزير ابن رئيس الرؤساء للحج، فقيل: إنه اشترى ستمائة جمل، منها مائة للمنقطعين. ورحل في ثالث أو رابع ذي القعدة، فلما وصل في الموكب إلى باب قطفتا قال رجل: يا مولانا، أنا مظلوم. وتقرّب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه. فتقدم إليه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني. ووقع وانكشف رأسه، فغطى رأسه بكمه على الطريق، وضرب ذلك الباطني بسيف. فعاد وضرب الوزير، فهبروه بالسيوف.
وقيل: كانوا اثنين، وخرج منهم شاب بيده سكين فقتل، ولم يعمل شيئًا، وأحرق الثلاثة. وحمل الوزير إلى دار، وجرح الحاجب. وكان الوزير قد رأى أنه معانق عثمان ﵁، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام؛ فإني مقتول بلا شك. ثم مات بعد الظهر، ومات حاجبه بالليل.
وعمل عزاء الوزير، فلم يحضره إلا عدد يسير، فتعجب من هذه الحال؛ فإنه قد يكون عزاء تاجر أحسن من ذلك. وكان انقطاع الدولة إرضاءً لصاحب المخزن. ولما كان في اليوم الثاني لم يقعد أولاده، فلما علم السلطان بالحال أمر أرباب الدولة بالحضور فحضروا، وتكلمت على كرسي (١).
ثم ولي ابن طلحة حجابة الباب، وبعث صاحب المخزن بعلامة بعد ثلاث إلى الأمير تتامش فحضر، فوكل به في حجرة من داره، ونفذ إلى بيته، فأخذت الخيل والكوسات، وكل ما في الدار. واختلفت الأراجيف في نيته، وقيل: إنه اتهم بالوزير، وخيف أن تكون نيته رديئة للخليفة، فقيل إنه كاتب
стр. 11798
أمراء خراسان، وما صح ذلك. وناب صاحب المخزن في الوزارة (١).
وجاء أهل المدائن فشكوا من يهود المدائن، وأنهم قالوا لهم: قد آذيتمونا بكثرة الأذان. فقال المؤذّن: لا نبالي تأذّيتم أم لا. فتناوشوا وجرت بينهم خصومة استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون مستصرخين إلى صاحب المخزن، فأمر بحبس بعضهم، ثم أطلقهم.
فاستغاثوا يوم الجمعة بجامع الخليفة، فخفف الخطيب. فلما فرغت الصلاة استغاثوا، فخرج إليهم الجند فضربوهم ومنعوهم، فانهزموا. وغضب العوام نصرة للإسلام، فضجوا وشتموا، وقلعوا طوابيق الجامع، وضربوا بها الجند وبالآجر، وخرجوا فنهبوا المخلّطين؛ لأن أكثرهم يهود.
فوقف حاحب الباب بيده السيف مجذوبًا، وحمل على الناس ثانيةً فرجموه، وانقلب البلد، ونهبوا الكنيسة، وقلعوا شبابيكها، وقطّعوا التوراة، واختفى اليهود. فتقدّم الخليفة بإخراب كنيسة المدائن، وأن تجعل مسجدًا (٢).
وبعد أيام أخرج لصوص قطعوا الطريق، فصلبوا بالرحبة، وكان منهم شاب هاشمي.
وفيها وقعة الرملة، فسار السلطان صلاح الدين من القاهرة إلى عسقلان فسبى وغنم. وسار إلى الرملة، فخرج عليه الفرنج مطلبين وعليهم البرنس أرناط صاحب الكرك، وحملوا على المسلمين، فانهزموا، وثبت السلطان وابن أخيه المظفر تقي الدين عمر.
ودخل الليل، واحتوت الملاعين على أثقال المسلمين، فلم يبق لهم قدرة على ماء ولا زاد، وتعسفوا تلك الرمال راجعين إلى مصر، وتمزقوا وهلكت خيلهم.
ومن خبر هذه الوقعة أن الفقيه عيسى أسر، فافتداه السلطان بستين ألف دينار، وكان موصوفًا بالشجاعة والفضيلة، أسر هو وأخوه ظهير الدين، وكانا قد ضلاّ عن الطريق بعد الوقعة. ووصل صلاح الدين إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة.
стр. 11799
قال ابن الأثير (١): رأيت كتابًا بخط يده كتبه إلى شمس الدولة تورانشاه، وهو بدمشق، يذكر الوقعة، وفي أوله:
ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا … وقد نهلت منا المثقّفة السمر
ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما نجانا الله إلا لأمر يريده.
وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر.
وقال غيره: انهزم السلطان والناس، ولم يكن لهم بلد يلجؤون إليه إلا مصر، فسلكوا البرية، ورأوا مشاقًا، وقل عليهم القوت والماء، وهلكت خيلهم، وفقد منهم خلق.
ودخل السلطان القاهرة بعد ثلاثة عشر يومًا، وتواصل العسكر، وأسر الفرنج منهم. واستشهد جماعة منهم: أحمد ولد تقي الدين عمر المذكور، وكان شابًا حسنًا له عشرون سنة. وكان أشد الناس قتالًا يومئذ الفقيه عيسى الهكّاري. وحملت الفرنج على صلاح الدين، وتكاثروا عليه، فانهزم يسير قليلًا قليلًا. وكانت نوبةً صعبة.
وفيها نزلت الفرنج على حماة، وهي لشهاب الدين محمود بن تكش خال السلطان، وكان مريضا، وكان الأمير سيف الدين المشطوب قريبا من حماة، فدخلها وجمع الرجال. فزحفت الفرنج على البلد، وقاتلهم المسلمون قتالا شديدا مدة أربعة أشهر، ثم ترحلوا عنها. وأما السلطان فإنه أقام بالرملة أياما بمن سلم معه، ثم خرج من مصر. وعيّد بالبركة، ثم كمل عدة جيشه، فبلغه أمر حماة، فأسرع إليها، فلما دخل دمشق تحقق رحيل الفرنج عن حماة.
وعصى الأمير شمس الدين محمد بن المقدم ببعلبك، فكاتبه السلطان وترفق به، فلم يجب، ودام إلى سنة أربع.
وجاء كتاب ابن المشطوب أن الذي قتل من الفرنج على حماة أكثر من ألف نفس.
ووردت مطالعة القاضي الفاضل إلى صلاح الدين تتضمن التوجع لقتل الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وفيها: وما ربّك بظلاّم للعبيد فقد كان -عفا الله عنه- قتل ولدي الوزير ابن هبيرة، وأزهق أنفسهما
стр. 11800
وجماعة لا تحصى.
وهذا البيت، بيت ابن المسلمة، عريق في القتل. وجدّه هو المقتول بيد البساسيري. ثم قال: وقد ختمت له السعادة بما حتمت له به الشهادة، لاسيما وهو خارج من بيته إلى بيت الله، ووقع أجره على الله:
إنّ المساءة قد تسرّ وربما … كان السرور بما كرهت جديرا
إن الوزير وزير آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا
وهما في أبي سلمة الخلاّل وزير بني العباس قبل أن يستخلفوا (١).
سنة أربع وسبعين وخمسمائة
قال ابن الجوزي (٢): تكلمت في أول السنة وفي عاشوراء تحت المنظرة، وحضر الخليفة، وقلت: لو أني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت: يا أمير المؤمنين، كن لله سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك. إنه لم يجعل أحدا فوقك، فلا ترض أن يكون أحد أشكر له منك. فتصدّق أمير المؤمنين يومئذ بصدقات، وأطلق محبوسين.
وانكسف القمر في ربيع الأول، وكسفت الشمس في التاسع والعشرين منه أيضا. وولدت امرأة من جيراننا ابنا وبنتين في بطن، فعاشوا بعض يوم.
وفيها جدّد المستضيء قبر أحمد بن حنبل ﵀، وعمل له لوح فيه: هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين. هذا في رأس اللوح. وفي وسطه: هذا قبر تاج السنّة، ووحيد الأمة، العالي الهمة، العالم، العابد، الفقيه، الزاهد، الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانيّ ﵀، توفّي في تاريخ كذا وكذا. وكتب حول ذلك آية الكرسي (٣).
وتكلمت (٤) في جامع المنصور، فاجتمع خلائق، وحزر الجمع بمائة ألف