← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

الخندق وتعميقه، وحفر واديه، وهناك مسجد سعد الدولة، فدخل في القلعة. وحفر فيها بئرًا كبيرًا في الصخر. ولم يتأت هذا بتمامه إلا بعد موت السلطان بمدة. وبعد ذلك كمل السلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين العمارات بالقلعة وسكنها، وهو أول من سكنها، وإنما كان سكناه وسكنى من قبله بدار الوزارة بالقاهرة. ثم سافر إلى الإسكندرية، وسمع فيها من السلفي، وتردد إليه مرات عديدة، وأسمع منه ولديه: الملك العزيز، والملك الأفضل. ثم عاد إلى مصر وبنى تربة الشافعي. سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة في أولها دخل بغداد تتامش الأمير الذي خرج مع قيماز، ونزل تحت التاج، وقبّل الأرض مرارًا، فعفي عنه، وأعطي إمرية (١). وحضر ابن الجوزي مرتين فوعظ، وأمير المؤمنين يسمع، واجتمع خلق لا يحصون. وجرت ببغداد همرجة، وقبض على حاجب الحجاب وعلى جماعة. قال ابن الجوزي (٢): وجاءتني فتوى في عبد وأمة، أعتقهما مولاهما، وزوّج أحدهما بالآخر، فبقيت معه عشرين سنة، وجاءت منه بأربعة أولاد، ثم بان الآن أنها أخته لأبويه، وقد وقعا في البكاء والنحيب. فعجبت من وقوع هذا، وأعلمتهما أنه لا إثم عليهما، وبوجوب العدة، وأنه يجوز له النظر إليها نظره إلى أخته، إلا أن يخاف على نفسه. وفي ليلة رجب تكلمت (٣) تحت المنظرة الشريفة، والخليفة حاضر، ومن الغد حضرنا دعوة الخليفة التي يعملها كل رجب، وحضر الدولة والعلماء والصوفية، وختمت ختمة. وخلع على جماعة كثيرة، وانصرف من عادته الانصراف، وبات الباقون على عادتهم لسماع الأبيات، وفرق عليهم المال.

стр. 11797

وفيها عمل الخليفة مسجدًا عظيمًا ببغداد، وجعل إمامه حنبليًا، وزخرفه، وتقدم إليّ فصليت فيه التراويح. وتكلمت في رمضان في دار صاحب المخزن وازدحموا، وكان الخليفة حاضرًا. وفي شوال هبت ريح عظيمة ببغداد، فزلزلت الدنيا بتراب عظيم، حتى خيف أن تكون القيامة. وجاء برد ودام ساعة، ووقعت مواضع على أقوام، ومات بعضهم. وتهيّأ الوزير ابن رئيس الرؤساء للحج، فقيل: إنه اشترى ستمائة جمل، منها مائة للمنقطعين. ورحل في ثالث أو رابع ذي القعدة، فلما وصل في الموكب إلى باب قطفتا قال رجل: يا مولانا، أنا مظلوم. وتقرّب، فزجره الغلمان، فقال: دعوه. فتقدم إليه، فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني. ووقع وانكشف رأسه، فغطى رأسه بكمه على الطريق، وضرب ذلك الباطني بسيف. فعاد وضرب الوزير، فهبروه بالسيوف. وقيل: كانوا اثنين، وخرج منهم شاب بيده سكين فقتل، ولم يعمل شيئًا، وأحرق الثلاثة. وحمل الوزير إلى دار، وجرح الحاجب. وكان الوزير قد رأى أنه معانق عثمان ﵁، وحكى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خروجه، وقال: هذا غسل الإسلام؛ فإني مقتول بلا شك. ثم مات بعد الظهر، ومات حاجبه بالليل. وعمل عزاء الوزير، فلم يحضره إلا عدد يسير، فتعجب من هذه الحال؛ فإنه قد يكون عزاء تاجر أحسن من ذلك. وكان انقطاع الدولة إرضاءً لصاحب المخزن. ولما كان في اليوم الثاني لم يقعد أولاده، فلما علم السلطان بالحال أمر أرباب الدولة بالحضور فحضروا، وتكلمت على كرسي (١). ثم ولي ابن طلحة حجابة الباب، وبعث صاحب المخزن بعلامة بعد ثلاث إلى الأمير تتامش فحضر، فوكل به في حجرة من داره، ونفذ إلى بيته، فأخذت الخيل والكوسات، وكل ما في الدار. واختلفت الأراجيف في نيته، وقيل: إنه اتهم بالوزير، وخيف أن تكون نيته رديئة للخليفة، فقيل إنه كاتب

стр. 11798

أمراء خراسان، وما صح ذلك. وناب صاحب المخزن في الوزارة (١). وجاء أهل المدائن فشكوا من يهود المدائن، وأنهم قالوا لهم: قد آذيتمونا بكثرة الأذان. فقال المؤذّن: لا نبالي تأذّيتم أم لا. فتناوشوا وجرت بينهم خصومة استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون مستصرخين إلى صاحب المخزن، فأمر بحبس بعضهم، ثم أطلقهم. فاستغاثوا يوم الجمعة بجامع الخليفة، فخفف الخطيب. فلما فرغت الصلاة استغاثوا، فخرج إليهم الجند فضربوهم ومنعوهم، فانهزموا. وغضب العوام نصرة للإسلام، فضجوا وشتموا، وقلعوا طوابيق الجامع، وضربوا بها الجند وبالآجر، وخرجوا فنهبوا المخلّطين؛ لأن أكثرهم يهود. فوقف حاحب الباب بيده السيف مجذوبًا، وحمل على الناس ثانيةً فرجموه، وانقلب البلد، ونهبوا الكنيسة، وقلعوا شبابيكها، وقطّعوا التوراة، واختفى اليهود. فتقدّم الخليفة بإخراب كنيسة المدائن، وأن تجعل مسجدًا (٢). وبعد أيام أخرج لصوص قطعوا الطريق، فصلبوا بالرحبة، وكان منهم شاب هاشمي. وفيها وقعة الرملة، فسار السلطان صلاح الدين من القاهرة إلى عسقلان فسبى وغنم. وسار إلى الرملة، فخرج عليه الفرنج مطلبين وعليهم البرنس أرناط صاحب الكرك، وحملوا على المسلمين، فانهزموا، وثبت السلطان وابن أخيه المظفر تقي الدين عمر. ودخل الليل، واحتوت الملاعين على أثقال المسلمين، فلم يبق لهم قدرة على ماء ولا زاد، وتعسفوا تلك الرمال راجعين إلى مصر، وتمزقوا وهلكت خيلهم. ومن خبر هذه الوقعة أن الفقيه عيسى أسر، فافتداه السلطان بستين ألف دينار، وكان موصوفًا بالشجاعة والفضيلة، أسر هو وأخوه ظهير الدين، وكانا قد ضلاّ عن الطريق بعد الوقعة. ووصل صلاح الدين إلى القاهرة في نصف جمادى الآخرة.

стр. 11799

قال ابن الأثير (١): رأيت كتابًا بخط يده كتبه إلى شمس الدولة تورانشاه، وهو بدمشق، يذكر الوقعة، وفي أوله: ذكرتك والخطيّ يخطر بيننا … وقد نهلت منا المثقّفة السمر ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، وما نجانا الله إلا لأمر يريده. وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر. وقال غيره: انهزم السلطان والناس، ولم يكن لهم بلد يلجؤون إليه إلا مصر، فسلكوا البرية، ورأوا مشاقًا، وقل عليهم القوت والماء، وهلكت خيلهم، وفقد منهم خلق. ودخل السلطان القاهرة بعد ثلاثة عشر يومًا، وتواصل العسكر، وأسر الفرنج منهم. واستشهد جماعة منهم: أحمد ولد تقي الدين عمر المذكور، وكان شابًا حسنًا له عشرون سنة. وكان أشد الناس قتالًا يومئذ الفقيه عيسى الهكّاري. وحملت الفرنج على صلاح الدين، وتكاثروا عليه، فانهزم يسير قليلًا قليلًا. وكانت نوبةً صعبة. وفيها نزلت الفرنج على حماة، وهي لشهاب الدين محمود بن تكش خال السلطان، وكان مريضا، وكان الأمير سيف الدين المشطوب قريبا من حماة، فدخلها وجمع الرجال. فزحفت الفرنج على البلد، وقاتلهم المسلمون قتالا شديدا مدة أربعة أشهر، ثم ترحلوا عنها. وأما السلطان فإنه أقام بالرملة أياما بمن سلم معه، ثم خرج من مصر. وعيّد بالبركة، ثم كمل عدة جيشه، فبلغه أمر حماة، فأسرع إليها، فلما دخل دمشق تحقق رحيل الفرنج عن حماة. وعصى الأمير شمس الدين محمد بن المقدم ببعلبك، فكاتبه السلطان وترفق به، فلم يجب، ودام إلى سنة أربع. وجاء كتاب ابن المشطوب أن الذي قتل من الفرنج على حماة أكثر من ألف نفس. ووردت مطالعة القاضي الفاضل إلى صلاح الدين تتضمن التوجع لقتل الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وفيها: وما ربّك بظلاّم للعبيد فقد كان -عفا الله عنه- قتل ولدي الوزير ابن هبيرة، وأزهق أنفسهما

стр. 11800

وجماعة لا تحصى. وهذا البيت، بيت ابن المسلمة، عريق في القتل. وجدّه هو المقتول بيد البساسيري. ثم قال: وقد ختمت له السعادة بما حتمت له به الشهادة، لاسيما وهو خارج من بيته إلى بيت الله، ووقع أجره على الله: إنّ المساءة قد تسرّ وربما … كان السرور بما كرهت جديرا إن الوزير وزير آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا وهما في أبي سلمة الخلاّل وزير بني العباس قبل أن يستخلفوا (١). سنة أربع وسبعين وخمسمائة قال ابن الجوزي (٢): تكلمت في أول السنة وفي عاشوراء تحت المنظرة، وحضر الخليفة، وقلت: لو أني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت: يا أمير المؤمنين، كن لله سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك. إنه لم يجعل أحدا فوقك، فلا ترض أن يكون أحد أشكر له منك. فتصدّق أمير المؤمنين يومئذ بصدقات، وأطلق محبوسين. وانكسف القمر في ربيع الأول، وكسفت الشمس في التاسع والعشرين منه أيضا. وولدت امرأة من جيراننا ابنا وبنتين في بطن، فعاشوا بعض يوم. وفيها جدّد المستضيء قبر أحمد بن حنبل ﵀، وعمل له لوح فيه: هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين. هذا في رأس اللوح. وفي وسطه: هذا قبر تاج السنّة، ووحيد الأمة، العالي الهمة، العالم، العابد، الفقيه، الزاهد، الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيبانيّ ﵀، توفّي في تاريخ كذا وكذا. وكتب حول ذلك آية الكرسي (٣). وتكلمت (٤) في جامع المنصور، فاجتمع خلائق، وحزر الجمع بمائة ألف

стр. 11801

وتاب خلق، وقطعت شعورهم. ثم نزلت فمضيت إلى قبر أحمد بن حنبل، فتبعني من حزر بخمسة آلاف. وفيه أطلق الأمير تتامش إلى داره. وتقدم المستضيء بعمل دكة بجامع القصر للشيخ أبي الفتح بن المني الحنبليّ، وجلس فيها، فتأثر أهل المذاهب من عمل مواضع للحنابلة. وكان الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء يقول: ما دخلت قط على الخليفة إلا أجرى ذكر فلان، يعنيني. وصار لي اليوم خمس مدارس، ومائة وخمسون مصنّفا في كل فن. وقد تاب على يدي أكثر من مائة ألف، وقطعت أكثر من عشرة آلاف طائلة، ولم ير واعظ مثل جمعي؛ فقد حضر مجلسي الخليفة والوزير وصاحب المخزن وكبار العلماء، والحمد لله. وفي رجب عمل المستضيء الدعوة، ووعظت وبالغت في وعظ أمير المؤمنين، فمما حكيته أن الرشيد قال لشيبان: عظني. قال: لأن تصحب من يخوّفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمّنك حتى يدركك الخوف. قال: فسّر لي هذا. قال: من يقول لك: أنت مسؤول عن الرعيّة؛ فاتق الله - أنصح لك ممّن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيّكم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله. وقلت له في كلامي: يا أمير المؤمنين، إن تكلمت خفت منك، وإن سكتّ خفت عليك، وأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك. وفي رمضان جاء مشعبذ، فذكر أنه يضرب بالسّيف والسّكين ولا يؤثر فيه، لكن بسيفه وسكّينه خاصة. وفيه أخذ ابن قرايا الذي ينشد على الدكاكين من شعر الرافضة، فوجدوا في بيته كتبا في سبّ الصحابة، فقطع لسانه ويده، وذهب به إلى المارستان، فرجمته العوام بالآجرّ، فهرب وسبح وهم يضربونه حتى مات. ثم أخرجوه وأحرقوه، وعملت فيه العامة كان وكان. ثم تتبّع جماعة من الروافض، وأحرقت كتب عندهم، وقد خمدت جمرتهم بمرّة، وصاروا أذلّ من اليهود (١).

стр. 11802

ولم يخرج الركب العراقي لعدم الماء والعشب، وكانت سنة مقحطة. وحجّ من حجّ على خطر. ورجع طائفة فنزلت عليهم عرب، فأخذوا أكثر الأموال، وقتل جماعة. وفي ذي القعدة هبّت ببغداد ريح شديدة نصف الليل، وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء كأنها تتصاعد من الأرض، واستغاث الناس استغاثة شديدة. وبقي الأمر على ذلك إلى السّحر. قال ابن الجوزي: وجلست يوم الجمعة بباب بدر، وأمير المؤمنين يسمع. وفيها اجتمعت الفرنج عند حصن الأكراد، وسار السلطان الملك الناصر صلاح الدين فنزل على حمص في مقابلة العدوّ. فلما أمن من غاراتهم سار إلى بعلبكّ، فنزل على رأس العين، وأقام هناك أشهرًا يراود شمس الدين ابن المقدّم على طاعته، وهو يأبى. ولم يزل الأمر كذلك إلى أن دخل رمضان، فأجاب شمس الدين إلى تسليم بعلبكّ على عوض طلبه. فتسلّمها السلطان، وأنعم بها على أخيه المعظّم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب. وسار إلى دمشق في شوّال. ثم أقطع أخاه شمس الدولة تورانشاه بمصر، واستردّ منه بعلبكّ. قال ابن الأثير (١): وفي ذي القعدة أغارت الفرنج على بلاد الإسلام وعلى أعمال دمشق، فسار لحربهم فرّخشاه ابن أخي السلطان في ألف فارس، فالتقاهم وألقى نفسه عليهم، وقتل من مقدميهم جماعةً، منهم هنفري، وما أدراك ما هنفري! به كان يضرب المثل في الشجاعة. وفيها أغار البرنس صاحب أنطاكية على شيزر. وأغار صاحب طرابلس على التركمان. وفيها أنعم السلطان على ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بحماة، والمعرة، وفامية، ومنبج، وقلعة نجم. فتسلمها وبعث نوابه إليها، وذلك عند وفاة صاحب حماة شهاب الدين محمود خال السلطان. ثم توجه إليها الملك المظفر تقي الدين، ورتب في خدمته أميران كبيران: شمس الدين ابن المقدم، وسيف الدين علي ابن المشطوب، فكانوا في مقابلة صاحب

стр. 11803

أنطاكية. ورتب بحمص ابن شيركوه في مقابلة القومص. وجاء من إنشاء الفاضل: وأما ما أمر به المولى من إنشاء سور القاهرة فقد ظهر العمل، وطلع البناء، وسلكت به الطريق المؤدية إلى الساحل بالمقسم. والله يعمر المولى إلى أن يراه نطاقًا على البلدين، وسورًا بل سوارًا يكون الإسلام به محلى اليدين، والأمير بهاء الدين قراقوش ملازم للاستحثاث بنفسه ورجاله (١). قلت: وهذه السنة هي آخر المنتظم. سنة خمس وسبعين وخمسمائة أجاز لنا شيخنا أبو بكر محفوظ بن معتوق بن أبي بكر بن عمر البغدادي بن البزوري التاجر (٢) قد ذيّل المنتظم في عدة مجلدات ذهبت في أيام التتار الغازانية سنة تسع وتسعين وستمائة من خزانة كتبه الموقوفة بتربته بسفح قاسيون، ثم ظفرنا ببعضها. فذكر في حوادث هذه السنة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أن أبا الحسن علي بن حمزة بن طلحة حاجب باب النوبي عزل بعميد الدين أبي طالب يحيى بن زيادة. وفي صفر وصل إلى بغداد ثلاثة عشر نجابًا، نفذهم صلاح الدين يبشرون بكسرة الفرنج، فضربت الطبول على باب النوبي، وخلع عليهم، وأخبروا أن صلاح الدين حارب الفرنج ونصر عليهم وأسر أعيانهم، وأسر صاحب الرملة، وصاحب طبرية. قلت: وهي وقعة مرج العيون. ومن حديثها أن صلاح الدين كان نازلًا بتل بانياس يبث سراياه، فلما استهل المحرم ركب فرأى راعيًا، فسأله عن الفرنج، فأخبر بقربهم. فعاد إلى مخيمه، وأمر الجيش بالركوب، فركبوا، وسار بهم حتى أشرف على الفرنج وهم في ألف قنطارية، وعشرة آلاف مقاتل من فارس وراجل. فحملوا على المسلمين، فثبت لهم المسلمون، وحملوا عليهم فولوا الأدبار، فقتل أكثرهم، وأسر منهم مائتان وسبعون أسيرًا، منهم: بادين

стр. 11804

مقدم الداوية وأود بن القومصة، وأخو صاحب جبيل، وابن صاحب مرقية، وصاحب طبرية. فأما بادين بن بارزان فاستفك نفسه بمبلغ وبألف أسير من المسلمين. واستفك الآخر نفسه بجملة. ومات أود في حبس قلعة دمشق. وانهزم من الوقعة ملكهم مجروحًا. وأبلى في هذه الوقعة عز الدين فرخشاه بلاءً حسنًا، واتفق أن في يوم الوقعة ظفر أسطول مصر ببطستين، وأسروا ألف نفس، فلله الحمد على نصره. وكان قليج أرسلان سلطان الروم طالب حصن رعبان، وزعم أنه من بلادهم، وإنما أخذه منه نور الدين على خلاف مراده، وأن ولده الصالح إسماعيل قد أنعم به عليهم. فلم يفعل السلطان، فأرسل قليج عشرين ألفًا لحصار الحصن، فالتقاهم تقي الدين عمر صاحب حماة ومعه سيف الدين علي المشطوب في ألف فارس، فهزمهم لأنه حمل عليهم بغتةً وهم على غير تعبئة، وضربت كوساته، وعمل عسكره كراديس. فلما سمعت الروم الضجة ظنوا أنهم قد دهمهم جيش عظيم، فركبوا خيولهم عريًا، وطلبوا النجاة وتركوا الخيام بما فيها، فأسر منهم عددًا، ثم منّ عليهم بأموالهم وسرّحهم. ولم يزل تقي الدين يدل بهذه النصرة، ولا ريب أنها عظيمة. وورد بغداد رسول صلاح الدين، وهو مبارز الدين كشطغاي، وجلس له ظهير الدين أبو بكر ابن العطار، وبين يديه أرباب الدولة، فجاؤوا بين يديه اثنا عشر أسيرًا عليهم الخوذ والزرديات. ومع كل واحد قنطارية، وعلى كتفه طارقة منها طارقة ملك الفرنج، وعلى القنطاريات سعف الفرنج. وبين يديه أيضًا من التحف والنفائس، من ذلك صنم حجر طوله ذراعان، فيه صناعة عجيبة، قد جعل سبابته على شفته كالمتبسم عجبًا. ومن ذلك صينية ملأى جواهر. وضلع آدمي نحو سبعة أشبار في عرض أربع أصابع، وضلع سمكة طوله عشرة أذرع في عرض ذراعين. وفيها رتب حاجب الحجاب أبو الفتح محمد ابن الداريج، وكان من حجاب المناطق. وفيها قدم رسول صلاح الدين، وهو القاضي أبو الفضائل القاسم ابن الشهرزوري، وبين يديه عشرة من أسرى الفرنج، وقدم جواهر مثمنة.

стр. 11805

وفيها عزل عن نقابة النقباء أبو العباس أحمد ابن الزوال بأبي الهيجا نصر بن عدنان الزينبي. وفي شوال مرض الخليفة وأرجف بموته، وهاش الغوغاء ببغداد. ووقع نهب، وركب العسكر لتسكينهم، فتفاقم الشرّ، واتسع الخرق، وركبت الأمراء بالسلاح. وصلب جماعة من المؤذين على الدكاكين. وكانت العامة قد تسوّروا على دار الخلافة، ورموا بالنشّاب فوقعت نشّابة في فرس النائب ومعه جماعة، فتأخروا من مكانهم. وفيه وقّع للأمير أبي العباس أحمد بولاية العهد. وقال الوزير لمن حضر من الدولة: اليوم الجمعة، ولا بدّ من إقامة الدعوة والجهة بنفشا، يعني امرأة الخليفة قد بالغت في كتم مرض أمير المؤمنين، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بتيقّن الأمر؛ فإن كان حيّا جرت الخطبة على العادة، وإن كان قد توفّي خطبنا لولده حيث وقّع له بولاية العهد. ثم عيّن الشيخ أبو الفضل مسعود ابن النادر ليحضر بين يدي الخليفة، فدخل صحبة سعد الشرابي، وقبل الأرض وقال: المملوك الوكيل، يشير بقوله إلى ظهير الدين ابن العطار، ينهي أنه وقّع بالخطبة للأمير أحمد بولاية العهد، وما وسع المملوك إمضاء ذلك بدون مشافهة. فقال المستضيء: يمضى ما كنّا وقّعنا به. فقبّل الأرض. وعاد فأخبر الوزير ظهير الدين، فسجد شكرا لله تعالى على عافيته، وخطب بولاية العهد لأبي العباس، ونثرت الدنانير في الجوامع عند ذكره. وفي شوّال ملك عبد الوهاب بن أحمد الكردي قلعة الماهكي، وعمل سلالم موصولة، ونصبها عليها في ليلة ذات مطر ورعد، فشعر الحارس، فذهب وعرّف المقدّم كمشتكين، فقام بيده طبر، وبين يديه المشعل، فوثبوا عليه فقتلوه، وقتلوا الحارس، ونادوا بشعار عبد الوهّاب. وفي سلخ شوّال مات الخليفة. وبويع ابنه أحمد، ولقّبوه الناصر لدين الله، فجلس للمبايعة في القبّة. فبدأ أخوه وبنو عمّه وأقاربه، ثم دخل الأعيان، فبايعه الأستاذدار مجد الدين هبة الله ابن الصاحب، ثم شيخ الشيوخ، ثم فخر الدولة أبو المظفّر بن المطلب، ثم قاضي القضاة عليّ ابن الدامغانيّ، وصاحب

стр. 11806

ديوان الإنشاء أبو الفرج محمد ابن الأنباريّ، والحاجب أبو طالب يحيى بن زبادة (١). ثم طلب الوزير ظهير الدين ابن العطار، وكان مريضا، فأركب على فرس، ثم تعضّده جماعة، وأدخل فصعد وبايع، ووقف على يمين الشبّاك الذي فيه الخليفة، فعجز عن القيام. فأدخل إلى التاج، ثم راح إلى داره. وبايع من الغد من بقي من العلماء والأكابر. وتقدّم بعزل النقيب أبي الهيجا، وبإعادة ابن الزّوال، وتوجّهت الرسل إلى النواحي بإقامة الدعوة الناصريّة. وفي اليوم الخامس من البيعة تقدم إلى عماد الدين صندل المقتفوي، وسعد الدولة نظر المستنجديّ الحبشيّ بالمضيّ إلى دار ابن العطار في عدّة من المماليك للقبض عليه، فجاؤوا ودخلوا عليه من غير إذن، وقبضوا عليه من الحريم. وترسّم بداره أستاذدار، فنهبت العامّة فيها، وعجز الأستاذدار. وفي سادس ذي القعدة خلع على طاشتكين خلعة إمرة الحاج، وتوجّه إلى الحج، وتقدّمه خروج الرّكب. وقيّد ابن العطار، وسحب وسجن في مطبّق، فهلك بعد ثلاث. وحمل إلى دار أخته، فغسّل وكفّن، وأخرج بسحر في تابوت، ومعه عدّة يحفظونه. فعرفت العامّة به عند سوق الثلاثاء، فسبّوه وهمّوا برجمه، فدافعهم الأعوان، فكثرت الغوغاء، وأجمعوا على رجمه، وشرعوا. فخاف الحمّالون من الرجم، فوضعوه عن رؤوسهم وهربوا. فأخرج من التابوت وسحب، فتعرّى من أكفانه، وبدت عورته، وجعلوا يصيحون بين يديه: بسم الله، كما يفعل الحجّاب. وطافوا به المحالّ والأسواق مسلوبا مهتوكا، نسأل الله السّتر والعافية. قال ابن البزوريّ: وحكى التيميّ (٢) قال: كنت بحضرته وقد ورد عليه

стр. 11807

شيخ يلوح عليه الخير، فجعل يعظه بكلام لطيف، ونهاه عن محرّمات، فقال: أخرجوه الكلب سحبا. وكرّره مرارًا. وقال الموفّق عبد اللطيف: صحّ عندي بعد سنين كثيرة أنّ ابن العطّار هو الذي دسّ الحشيشية على الوزير عضد الدين حتى قتلوه. ولي المخزن، وسكن في دار قطب الدين قيماز الذي هلك بنواحي الرحبة، وأخذ يجيب على الوزير، وانتصب لعداوته. قال ابن البزوريّ: ثم في آخر النهار خلّص مماليك الحاجب ابن العطار من باب الأزج بعد تغيّر حاله وتجرّد لحمه عن عظمه، فحمل على نعش مكشوف، فوارته امرأة بإزار خليع. ثم دفن. وكان الوباء والغلاء والمرض شديدا ببغداد، وكرّ القمح بمائة وعشرين دينارًا. وفي سلخ الشهر خلع على جميع الدولة، وأرسلت الخلع إلى ملوك الأطراف، وركبوا بالخلع في مستهل ذي الحجّة، وجلس الناصر لدين الله للهناء. فدخل إلى بين يدي سدّته أستاذ الدار مجد الدين ابن الصاحب، وتلاه نائب الوزارة شرف الدين سليمان بن ساروس، فقبّلا الأرض. ثم خرج نائب الوزارة فركب، وخلع على ابن الصاحب قميص أطلس أسود، وفرجيّة نسيج، وعمامة كحلية بعراقيّ، وقلّد سيفا محلّى بالذهب. وركب فرسا بمركب ذهب، وكنبوش إبريسم، وسيف ركاب، وضربت الطبول على بابه. وجاءت ببلاد الجبل زلزلة عظيمة سقطت قلاع كثيرة، وهلك خلق. سنة ست وسبعين وخمسمائة في أوّلها عزل شرف الدين سليمان بن ساروس عن نيابة الوزارة لأجل علوّ سنّه وثقل سمعه، ووليها جلال الدين هبة الله بن عليّ ابن البخاريّ. وفي المحرّم ركب الناصر لدين الله إلى الكشك، وصلّى الجمعة بجامع الرصافة. وفيه قدم رسول الملك طغرل السلجوقيّ. وفيه تقدّم إلى أستاذالدار بالقبض على كمال الدين عبيد الله ابن الوزير

стр. 11808

عضد الدين محمد ابن رئيس الرؤساء. فنفّذ للقبض عليه عزّ الدولة مسعود الشرابي في جماعة من المماليك، فحمل مسحوبًا إلى بين يديه، فأمرهم أن يرفقوا به، وقيّد وسجن. وفي صفر وصل أمير الحاج، وفي صحبته صاحب المدينة عز الدين أبو سالم القاسم بن مهنّا للمبايعة. وفيها توجّه السلطان صلاح الدين قاصدًا بلاد الأرمن وبلاد الروم ليحارب قليج رسلان بن مسعود بن قليج رسلان. والموجب لذلك أن قليج زوّج بنته لمحمد بن قرا رسلان بن داود صاحب حصن كيفا، ومكثت عنده حينًا. وأنه أحب مغنية وشغف بها، فتزوجها، وصارت تحكم في بلاده. فلما سمع بذلك حموه قصد بلاده عازمًا على أخذ ابنته منه، فأرسل محمد إلى صلاح الدين يستنجد به، وكرر إليه الرسل. ثم استقر الحال على أن يصبروا عليه سنة، ويفارق المغنية (١). ونزل صلاح الدين على حصن من بلاد الأرمن فأخذه وهده. ثم رجع إلى حمص فأتاه التقليد والخلع من الخليفة الناصر، فركب بها بحمص، وكان يومًا مشهودًا. ومن كتاب السلطان صلاح الدين إلى الخليفة: والخادم ولله الحمد يعدد سوابق في الإسلام والدولة العباسية لا يعدها أوليّة أبي مسلم؛ لأنه والى ثم وارى، ولا آخرية طغرلبك؛ لأنه نصر ثم حجر. والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر، وأعز بتأييد إبراهيمي، فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الظاهر (٢). وقال العماد الكاتب: توجه السلطان إلى الإسكندرية، وشاهد الأسوار التي جددها، وقال: نغتنم حياة الإمام أبي طاهر بن عون. فحضرنا عنده وسمعنا عليه الموطأ. وكتب إليه القاضي الفاضل يهنيه ويقول: أدام الله دولة الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين، محيي دولة أمير المؤمنين، وأسعده

стр. 11809

برحلته للعلم، وأثابه عليها. ولله وفي الله رحلتاه، وفي سبيل الله يوماه: يوم سفك دم المحابر تحت قلمه، ويوم سفك دم الكافر تحت علمه. ففي الأول يطلب حديث المصطفى ﷺ ، فيجعل أثره عينًا لا تستر. وفي الثاني يحفل لنصرة شريعة هداه على الضلال، فيجعل عينه أثرًا لا يظهر. إلى أن قال: وما يحسب المملوك أن كاتب اليمين كتب لملك رحلةً قط في طلب العلم إلا للرشيد، فرحل بولديه الأمين والمأمون لسماع هذا الموطأ الذي اتفقت الهمتان الرشيدية والناصرية على الرغبة في سماعه، والرحلة لانتجاعه. وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد على مالك في خزانة المصريين، فإن كان قد حصل بالخزانة الناصرية فهو بركة عظيمة، وإلا فليلتمس (١). وفيها أرسل شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم، وبشير المستنجدي الخادم إلى السلطان صلاح الدين بتقليد ما بيده من البلاد، وهو من إنشاء قوام الدين بن زبادة (٢)، فمنه: ولما كان الملك الأجل السيد صلاح الدين، ناصر الإسلام، عماد الدولة، جمال الملة، فخر الأمة، صفي الخلافة، تابع الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمتمردين، قاهر الخوارج والمشركين، عز المجاهدين، ألب غازي بك أبو يعقوب يوسف بن أيوب، أدام الله علوه على هذه السجايا مقبلًا. وذكر التقليد، وفيه: آمره بتقوى الله، وآمره أن يتخذ القرآن دليلًا، وآمره بمحافظة الصلاة، وحضور الجماعة ولزوم نزاهة الحرمات. وآمره بالإحسان وبإظهار العدل، وأن يأمر بالمعروف، وأن يحتاط في الثغور، وأن يجيب إلى الأمان. وآمره بكذا وآمره بكذا. وكتب في صفر سنة ست وسبعين. وفيها وصل الفقيه هبة الله بن عبد الله من عند صاحب جزيرة قيس رسولًا، وقدم هدايا. وفي جمادى الأولى يوم الجمعة ركب الخليفة في الدست تظله الشمسية،

стр. 11810

السوداء وعلى كريمه (١) الطرحة، والكل مشاة. وخرج إلى ظاهر السور، ثم رد إلى جامع المنصور وصلى، وأقام بكشك الملكية أسبوعًا. وركب الجمعة الأخرى في موكبه، وصلى بجامع الرصافة، وركب في الشبارة الطويلة، تظله القبة السوداء، وأرباب الدولة قيام في السفن والخلق يدعون له. وفيها أقطع طغرل الناصري الخاص البصرة بعد موت متوليها قسيم الدولة بهاء الدين. وفي جمادى الآخرة ركب الناصر لدين الله في موكبه، وخرج إلى الصيد، وطاف البلاد والأعمال، وغاب أسبوعًا. وفيها ولي نيابة دمشق عز الدين فرخشاه ابن أخي السلطان، وكان حازمًا، عاقلًا، شجاعًا، مقدامًا، كثير الحرمة. سنة سبع وسبعين وخمسمائة فيها قصد عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه الكرك بالعساكر وخربها، وعاد. وكان ملك الفرنج برنس لعنه الله قد سولت له نفسه قصد المدينة النبويه ليتملكها، فسار فروخشاه إلى بلد المذكور ونهبه، فآل البرنس بالخيبة. وفي رجب ركب الخليفة في موكبه إلى الكشك، فنزل به، وقدم إلى بغداد بزرافة من صاحب جزيرة قيس. وفيها أرسل من الديوان رسالة إلى السلطان صلاح الدين يأخذ عليه في أشياء، منها تسمّيه بالملك الناصر، مع علمه أن الإمام اختار هذه السمة لنفسه. وفي شعبان ساق عز الدين مسعود وأخذ حلب، وكان الصالح إسماعيل بن نور الدين قد أوصى له بها. وفي شوال تزوج بأم الصالح، ثم قايض أخاه عماد الدين بسنجار، وقدم عماد الدين فتسلم حلب.

стр. 11811

سنة ثمان وسبعين وخمسمائة فيها تراخت الأسعار بالعراق. وفيها وثب على عبد الوهاب الكردي صاحب قلعة الماهكي ابن عمه جوبان، فأخرجه منها، ونادى بشعار الدولة العباسية، فأرسلت إليه الخلعة والتقليد بولايتها. وفيها وصل قاضي الموصل ووزيرها ابن الشهرزوري إلى الديوان العزيز يطلب أن يتقدم إلى السلطان صلاح الدين بالارتحال عن الموصل، فإنه نزل محاصرًا، ذاكرًا أن الخليفة أقطعه إياها، فأجيب سؤاله، وكتب إلى السلطان بالارتحال عنها. وسار إليه في الرسلية شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم. وفيها افتتح ملك الروم قليج رسلان بن مسعود بلدًا كبيرًا بالروم كان للنصارى، وكتب إلى الديوان بالبشارة. وافتتح فيها صلاح الدين حران، وسروج، وسنجار، ونصيبين، والرقة، والبيرة. ونازل الموصل وحاصرها، فبهره ما رأى من حصانتها (١)، فرحل عنها، وقصده شاه أرمن بعساكر جمّة، واجتمع في ماردين بصاحبها، وفتح آمد. ثم رجع إلى حلب فتملكها، وعوّض صاحبها سنجار. وفيها تفتّى الناصر لدين الله إلى الشيخ عبد الجبار، ولقب بشرف الفتوة عبد الجبار، وخلع عليه. وكان النقيب لهم أبا المكارم أحمد بن محمد بن دادا بن النيلي. وفتّى الناصر لدين الله في ذلك الوقت ولد رفيقه علي بن عبد الجبار، وخلع عليه وعلى النقيب. وكان عبد الجبار هذا في مبدأ أمره شجاعًا مشهورًا، تهابه الفتيان، وتخافه الرجال. ثم ترك ذلك ولزم العبادة، وبنى لنفسه موضعًا، فأمر الخليفة بإحضاره حين تضوّع عبير أخباره، وتفتّى إليه، وجعل المعوّل في شرعها عليه. وفيها خرج صلاح الدين من مصر غازيًا، وما تهيأ له العود إليها، وعاش بعد ذلك اثنتي عشرة سنة.

стр. 11812

وفيها بعث صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغتكين على مملكة اليمن، وإخراج نوّاب أخيه تورانشاه منها، فدخل إليها، وقبض على متولّي زبيد حطان بن منقذ الكناني. فيقال: إنه قتله سرًا، وأخذ منه أموالًا لا تحصى. وهرب منه عز الدين عثمان ابن الزنجيلي. وتمكن سيف الإسلام من اليمن (١). وفيها مات عز الدين فروخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، فبعث عمه على نيابة دمشق شمس الدين محمد ابن المقدّم. سنة تسع وسبعين وخمسمائة في المحرم قدم رسول ملك مازندران، فتلقي وأكرم، ولم يكن لمرسله عادة بمراسلة الديوان، بل الله هداه من غيّ هواه، وقدم هدية. وفيه جاء رجل إلى النظامية يستفتي، فأفتي بخلاف غرضه، فسب الشافعي، فقام إليه فقيهان، لكمه أحدهما، وضربه الآخر بنعله، فمات ليومه. فحبس الفقيهان أيامًا، وأطلقا عملًا بمذهب أبي حنيفة. وفي جمادى الأولى قبض عز الدين مسعود صاحب الموصل على نائبه وأتابكه مجاهد الدين قايماز، وكان هو سلطان تلك البلاد في المعنى، وعز الدين معه صورة. ولكن انخرم عليه النظام بإمساكه وتعب، ثم إنه أخرجه وأعاده إلى رتبته. وفي رمضان جاء إلى صلاح الدين بالرسلية شيخ الشيوخ، وبشير الخادم. وفي شوال فرغ من رباط المأمونية وفتح، أنشأته والدة الناصر لدين الله، ومد به سماط، وحضره أرباب الدولة والقضاة والأئمة والأعيان، ورتب شهاب الدين السهروردي شيخًا به، ووقفت عليه الوقوف النفيسة. وقدم رئيس أصبهان صدر الدين عبد اللطيف الخجندي للحج، فتلقّي بموكب الديوان، وأقيمت له الإقامات. وزعيم الحاج في هذه السنين مجير الدين طاشتكين.

стр. 11813

ومن كتاب فاضلي إلى الديوان كان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا، واقتضوا (١) من البحر بكرا، وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز، وأثخنوا وأوغلوا في البلاد، واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهل القبلة، لما أومض إليهم من جلل (٢) العواقب. وما ظن المسلمون إلا أنها الساعة، وقد نشر مطوي أشراطها، وانتظر غضب الله لفناء بيته المحرم، ومقام خليله الأكرم، وضريح نبيّه الأعظم صلّى الله عليهما وسلّم. ورجوا أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت إذ قصده أصحاب الفيل، ووكلوا إلى الله الأمر، فكان حسبهم ونعم الوكيل. وكان للفرنج مقصدان: أحدهما قلعة أيلة، والآخر الخوض في هذا البحر الذي تجاوره بلادهم من ساحله. وانقسموا فريقين: أما الذين قصدوا أيلة فإنهم قدروا أن يمنعوا أهلها من مورد الماء، وأما الفريق القاصد سواحل الحجاز واليمن فقدروا أن يمنعوا طريق الحاج عن حجه، ويحول بينه وبين فجّه، ويأخذ تجار اليمن وكارم وعدن ويلم بسواحل الحجاز فيستبيح، والعياذ بالله، المحارم. وكان الأخ سيف الدين بمصر قد عمر مراكب، وفرقها على الفرقتين، وأمرهم بأن تطوى وراءهم الشقتين. فأما السائرة إلى قلعة أيلة فإنها انقضت على مرابطي الماء انقضاض الجوارح على بنات الماء، وقذفتها قذف شهب السماء، وكسرت (٣) أكثر مقاتلتها، إلا من تعلق بهضبة وما كاد، أو دخل في شعب وما عاد؛ فإن العربان اقتصوا آثارهم، والتزموا إحضارهم. وأما السائرة إلى بحر الحجاز فتمادت في الساحل الحجازي، فأخذت تجارًا، وأخافت رفاقا، ودلها على عورات (٤) البلاد من هو أشد كفرًا ونفاقا. وهناك وقع عليها أصحابنا، وأخذت المراكب بأسرها، وفرّ فرنجها، فسلكوا في الجبال مهاوي المهالك، ومعاطن المعاطب. وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب، يقتلون ويأسرون، حتى لم يتركوا مخبرًا، ولم يبقوا لهم

стр. 11814

أثرًا وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرًا، وقيّد منهم إلى مصر مائة وسبعون أسيرًا (١). وفي المحرم نزل صلاح الدين على حلب، ثم تسلمها صلحًا. وفيها سار شهاب الدين الغوري بعد ما ملك جبال الهند، وعظم سلطانه إلى مدينة لهاوور في جيش عظيم وبها السلطان خسروشاه بن بهرام شاه السبكتكيني الذي كان صاحب غزنة من ثلاثين سنة، فحاصره مدةً، ثم نزل بالأمان فأكرمه ووفى له. فورد رسول السلطان غياث الدين إلى أخيه يأمره بإرسال خسروشاه إليه، فقال له: أنا لي يمين في عنقك. فطيّب قلبه ومنّاه، وأرسله هو وولده، فلم يجتمع بهما غياث الدين بل رفعهما إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. وهذا آخر ملوك بني سبكتكين. وكان ابتداء دولتهم من سنة ست وستين وثلاثمائة، فتبارك الله الذي لا يزول ملكه. وفيها عاد شيخ الشيوخ وبشير من الرسلية، ومعهما رسول صلاح الدين بتقدمتين كان منها شمسة، يعني جترا، وهي مصنوعة من ريش الطواويس، لم ير في حسنها، وعليها اسم المستنصر بالله معد العبيدي. وتوفي الخلال أبو المظفر ابن البخاري نائب الوزارة، فولّي مكانه حاجب باب النوبي عز الدين أبو الفتح بن صدقة. وولي الحجابة أحمد بن هبيرة. وعاد إلى الشام شيخ الشيوخ وبشير على الفور، فمرضا، وطلبا الرجعة إلى العراق، فقال صلاح الدين: أقيما. فلم يفعلا، وسارا في الحر، فماتا في الرحبة. ونازل السلطان حلب، وحاصرها أشد حصار، ثم وقّع الصلح بين صاحبها عماد الدين وبين السلطان، على أن يعوّضه عنها سنجار ونصّيبين والرّقّة وسروج والخابور. وتسلّم حلب في ثاني عشر صفر. وفيه يقول القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين ابن المنتجب يمدحه بأبيات منها: وفتحكم حلبًا بالسيف في صفر … مبشر بفتوح القدس في رجب (٢)

стр. 11815

وقد ذكر صاحب الروضتين (١) أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الحلبيّ الشافعيّ وقع إليه تفسير القرآن لأبي الحكم بن برّجان (٢)، فوجد فيه عند قوله تعالى: الم. غلبت الروم - أنّ الرّوم يغلبون في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ويفتح بيت المقدس، ويصير دارًا للإسلام إلى آخر الأبد. واستدلّ بأشياء في كتابه. فلما فتحت حلب على يد السلطان صلاح الدين كتب إليه المجد بن جهبل ورقة يبشّره بفتح القدس على يديه، ويعيّن فيه الزمان، وأعطاها للفقيه عيسى. فلم يتجاسر أن يعرضها على السلطان، وحدّث بما فيها لمحيي الدين، وكان واثقًا بعقل المجد وأنّه لا يقول هذا حتّى يحققه، فعمل القصيدة التي فيها هذا البيت. فلما سمعه السلطان بهت وتعجّب، فلما اتفق له فتح القدس في رجب سار إليه المجد مهنّئًا، وذكر له حديث الورقة، فتعجّب وقال: قد سبق إلى ذلك محيي الدين، غير أني أجعل لك حظًّا. ثم جمع له من في العسكر من الفقهاء والصّلحاء، ثم أدخله بيت المقدس والفرنج بعد فيه لم ينظّف منهم، وأمره أن يذكر درسًا على الصّخرة. فدخل ودرّس هناك، وحظي بذلك. ثم قال أبو شامة (٣): وقفت أنا على ما فسره ابن برّجان من أن بيت المقدس استولت عليه الروم عام سبعة وثمانين وأربعمائة (٤)، وأشار إلى أنّه يبقى بأيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاث وثمانين سنة (٥). قال أبو شامة (٦): وهذا الذي ذكره أبو الحكم من عجائب ما اتّفق. وقد تكلّم عليه شيخنا السّخاويّ، فقال: وقع في تفسير أبي الحكم إخبار عن بيت المقدس، وأنّه يفتح في سنة ثلاث وثمانين. قال: فقال لي بعض الفقهاء: إنّه استخرج ذلك من فاتحة السّورة. فأخذت السّورة، وكشفت عن ذلك، فلم أره

стр. 11816

أخذ ذلك من الحروف، وإنّما أخذه فيما زعم من غلبت الرّوم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين فبنى الأمر على التاريخ كما يفعل المنجّمون، ثم ذكر أنهم يغلبون في سنة كذا، وفي سنة كذا، على ما تقتضيه دوائر التقدير. وهذه نجامة وافقت إصابة إن صحّ أنّه قال ذلك قبل وقوعه، وليس ذلك من الحروف، ولا هو من قبيل الكرامات؛ فإنّ الكرامة لاتكتسب، ولا تفتقر إلى تاريخ، ولذلك لم يوافق الصّواب لمّا أراد الحساب على القراءة الأخرى الشّاذّة وهي غلبت بالفتح، ويوضح ذلك أنه قال في سورة القدر: لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه. فهذا ما ذكره. ومن كتاب إلى الديوان: أشقى الأمراء من سمّن كيسه وأهزل الخلق، وأبعدهم من الحق من أخذ المكس وسمّاه الحق. ولمّا فتحنا الرّقّة أشرفنا على سحت يؤكل، وظلم ممّا أمر الله به أن يقطع، وأمر الظالمون أن يوصل - فأوجبنا على كافّة الولاة من قبلنا أن يضعوا هذه الرسوم بأسرها، ويلقوا الرعايا من بشائر أيام ملكنا بأسرها، وتعتق الرقّة من رقها، وتسدّ هذه الأبواب وتعطّل، وتنسخ هذه الأمور وتبطل، ويعفى خبر هذه الضرائب من الدواوين، ويسامح بها جميعها جميع الأغنياء والمساكين مسامحة ماضية الأحكام، دائمة الخلود، خالدة الدوام، تامّة البلاغ، بالغة التمام، ملعونا من يطمح إليها ناظره (١). ومنه: وإذا ولاّه أمير المؤمنين ثغرًا لم يثبت (٢) في وسطه، ولم يقم في ظل غرفه، بل يبيت السّيف له ضجيعًا، ويصبح ومعترك الحرب له ربيعًا، لا كالذين يغبون أبواب الخلافة إغباب الاستبداد، ولا يؤامرونها في تصرّفاتها مؤامرة الاستعباد، وكأن الدنيا لهم إقطاع لا إيداع، وكأن الإمارة لهم تخليد لا تقليد. وكأن السلاح عندهم زينة لحامله ولابسه، وكأن مال الله عندهم وديعة لا عذر لمانعه ولا لحابسه. وكأنهم في البيوت الدّمى في لزوم خدورها (٣)، لا في مستحسنات صورها. راضين من الدّين بالعروة اللقبية، ومن إعلاء كلمته

стр. 11817

بما يسمعونه على الدّرجات الخشبيّة، ومن جهاد الخوارج باستحسان الأخبار المهلّبيّة، ومن قتال الكفّار بأنّه فرض كفاية، تقوم به طائفة فيسقط عن الأخرى. وفيها سار السلطان بجيوشه إلى الكرك فحاصرها، ونصب عليها المجانيق. ثم جاءته الأخبار باجتماع الفرنج، فترك الكرك، وسار إليهم بعد أن كان أشرف على أخذها، فخالفوه في الطريق إلى الكرك، وأتوا إليها بجموعهم. فسار إلى نابلس، ثم إلى دمشق. وأعطى أخاه نائب مصر الملك العادل سيف الدّين حلب وأعمالها، فإنّه ألحّ عليه في طلبها. فسار إليها، وانتقل منها الملك الظاهر غازي، وقدم على والده. وبعث السلطان ابن عمّه الملك المظفّر تقي الدّين عمر صاحب حماة على نيابة الدّيار المصريّة موضع الملك العادل. سنة ثمانين وخمسمائة فيها جعل الخليفة الناصر مشهد موسى الكاظم أمنًا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد. وفي صفر راهن رجل ببغداد على خمسة دنانير أن يندفن من غدوة إلى الظّهر، فدفن وأهيل عليه التراب، ثمّ كشف عنه وقت الظّهر، فوجد ميتًا وقد عضض سواعده لهول ما رأى. وفيها كتب زين الدّين بن نجيّة الواعظ (١) كتابًا إلى صلاح الدّين يشوّقه إلى مصر ويصف محاسنها، ومواضع أنسها. فكتب إليه السلطان بإنشاء العماد فيما أظنّ: ورد كتاب الفقيه زين الدّين: لا ريب أنّ الشام أفضل، وأجر ساكنه أجزل، وأنّ القلوب إليه أميل، وأنّ زلاله البارد أغلى وأنهل، وأنّ الهواء في صيفه وشتائه أعدل، وأنّ الجمال فيه أجمل وأكمل، وأنّ القلب به أروح، وأنّ الروح به أقبل؛ فدمشق عاشقها مستهام، وما على محبّها ملام. وما في ربوتها ريبة، ولكلّ نور فيها شبيبة، وساجعاتها على منابر الورق خطباء تطرب،

стр. 11818

وهزاراتها وبلابلها تعجم وتعرب، وكم فيها من جوار ساقيات، وسواق جاريات، وأثمار بلا أثمان، وفاكهة ورمّان، وخيرات حسان. وكونه تعالى أقسم به فقال: والتين والزّيتون - يدلّ على فضله المكنون. وقال ﷺ : الشام صفوة الله من بلاده، يسوق إليها خيرته من عباده (١). وعامّة الصحابة اختاروا به المقام. وفتح دمشق بكر الإسلام. وما ينكر أنّ الله تعالى ذكر مصر، لكنّ ذلك خرج مخرج العيب له والذّمّ؛ ألا ترى أنّ يوسف ﵇ نقل منها إلى الشام؟ ثم المقام بالشام أقرب إلى الرّباط، وأوجب للنشاط. وأين قطوب المقطّم من سنا سنير؟ (٢) وأين ذرى منف (٣) من ذروة الشرف المنير؟ وأين (٤) لبانة لبنان من الهرمين؟ وهل هما إلاّ مثل السّلعتين؟ وهل للنّيل مع طول نيله وطول ذيله برد بردى في نفع العليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل. وإن فاخرنا بالجامع (٥) وفيه النّسر، ظهر بذلك قصر القصر، ولو كان لهم مثل باناس لما احتاجوا إلى قياس المقياس، ونحن لا نجفو الوطن كما جفوته، وحبّ الوطن من الإيمان. ونحن لا ننكر فضل مصر، وأنّه إقليم عظيم، ولكن نقول كما قال المجلس الفاضليّ: إنّ دمشق تصلح أن تكون بستانًا لمصر (٦). وفيها هجم السّلطان نابلس، وكان وصل لنجدته عسكر ديار بكر وعسكر آمد والحصن والعادل من حلب، وتقيّ الدين من حماة، ومظفّر الدّين صاحب إربل. هكذا ذكر أبو المظفّر في مرآته. قال (٧): نازل الكرك ونصب عليها

стр. 11819

المجانيق، فجاءتها نجدات الفرنج من كل فجّ، وأجلبوا وطلبوا. واغتنم السلطان خلوّ السواحل منهم، ورأى أنّ حصارهم يطول، فسار ونزل الغور وهجم نابلس، فقتل وسبى، وطلع على عقبة فيق، ودخل دمشق. وأما ابن الأثير فقال (١): نازل الكرك، ونصب المنجنيقات على ربضه وملكه، وبقي الحصن وهو والرّبض على سطح واحد، إلاّ أنّ بينهما خندقًا عظيمًا، عمقه نحو ستين ذراعًا. فأمر السلطان بإلقاء الأحجار والتراب فيه ليطمّه، فلم يقدروا على الدنوّ منه لكثرة النشّاب وأحجار المجانيق، فأمر أن يلقى من الأخشاب واللّبن ما يمكن الرجال يمشون تحت السقائف، فيلقون في الخندق ما يطمّه، ومجانيق المسلمين مع ذلك ترمي الحصن ليلًا ونهارًا. فاجتمعت الفرنج عن آخرها، وساروا عجلين، فوصل صلاح الدّين إلى طريقهم يتلقّاهم، فقرب منهم، ولم يمكن الدنوّ منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك. فأقام ينتظر خروجهم إليه، فلم يبرحوا منه، فتأخّر عنهم، فساروا إلى الكرك. فعلم صلاح الدّين أنّه لا يتمكّن منهم حينئذ، ولا يبلغ غرضه، فسار إلى نابلس، ونهب كل ما على طريقه من قرى الفرنج، وأحرق نابلس وأسر وسبى، واستنقذ الأسرى. وبثّ السّرايا يمينًا وشمالًا. قال (٢): وفي شعبان خرج ابن غانية الملثّم وهو علي بن إسحاق، من كبار الملثّمين الذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذ صاحب ميورقة - إلى بجاية، فملكها بقتال يسير. وذلك إثر موت يوسف بن عبد المؤمن، فقويت نفس ابن غانية وكثر جموعه، ثم التقاه متولي بجاية، وكان غائبًا عنها. وكسر علي متولي بجاية، فانهزم إلى مرّاكش، واستولى ابن غانية على أعمال بجاية سوى قسنطينية الهواء (٣)، فحصرها إلى أن جاء جيش الموحدين في صفر سنة إحدى وثمانين في البر والبحر إلى بجاية، فهرب منها أخوا ابن غانية فلحقا به. فترحّل عن قسنطينية، وسار إلى إفريقية، فحشد وجمع، والتف عليه سليم ورياح والترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش وبوزبا (٤). وصاروا في جيش عظيم، فتملّك بهم ابن غانية جميع بلاد إفريقية سوى تونس والمهديّة، حفظتهما عساكر الموحدين على شدة وضيق نالهم. وانضاف إلى ابن غانية كل

стр. 11820

مفسد وكل حرامي، وأهلكوا العباد والبلاد. ونزل على جزيرة باشو (١) وهي بقرب تونس، تشتمل على قرى كثيرة، فطلب أهلها الأمان فأمنهم. فلما دخل عسكره نهبوها وسلبوا الناس، وامتدت أيديهم إلى الحريم والصبيان، والله المستعان. وأقام ابن غانية بإفريقية الخطبة العباسية، وأرسل إلى الناصر لدين الله يطلب منه تقليدًا بالسلطنة. ونازل قفصة في سنة اثنتين وثمانين، فتسلمها من نوّاب ابن عبد المؤمن بالأمان وحصنها. فجهّز يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن جيوشه. وسار في سنة ثلاث لحربه، فوصل إلى تونس، وبعث ابن أخيه في ستة آلاف فارس، فالتقوا، فانهزم الموحدون؛ لأنهم كان معهم جماعة من الترك، فخامروا عليهم حال المصاف، وقتل جماعة من كبار الموحدين. وكانت الوقعة في ربيع الأول سنة ثلاث. فسار يعقوب بنفسه، فالتقوا في رجب بالقرب من مدينة قابس فانهزم ابن غانية، واستحر القتل بأصحابه فتمزّقوا، ورجع يعقوب إلى قابس فافتتحها، وأخذ منها أهل قراقوش، فبعثهم إلى مراكش. ونازل قفصة فحاصرها ثلاثة أشهر وبها الترك، فتسلّموها بالأمان. وبعث بالأتراك ففرقهم في الثغور لما رأى من شجاعتهم. وقتل طائفةً من الملثمين، وهدم أسوار قفصة، وقطع أشجارها. واستقامت له إفريقية بعدما كادت تخرج عن بيت عبد المؤمن. وامتدت أيام ابن غانية إلى حدود عام ثلاثين وستمائة. وفي جمادى الأولى جمع السلطان الجيوش، وسار إلى الكرك فنازلها، ونزل بواديها، ونصب عليها تسعة مجانيق قدّام الباب، فهدّمت السور، ولم يبق مانع إلاّ الخندق العميق، فلم تكن حيلة إلاّ ردمه، فضرب اللّبن، وجمعت الأخشاب، وعملوا مثل درب مسقوف يمرّون فيها، ويرمون التراب في الخندق، إلى أن امتلأ، بحيث إنّ أسيرًا رمى بنفسه من السور إليه ونجا. وكاتبت الفرنج من الكرك سائر ملوكهم وفرسانهم يستمدّون بهم، فأقبلوا من كلّ فجّ في حدّهم وحديدهم، فنزلوا بمضايق الوادي، فرحل السلطان، ونزل على البلقاء، وأقام ينتظر اللقاء. فما تغيّروا، فتقهقر عن حسبان فراسخ، فوصلوا إلى الكرك، فقصد السلطان الساحل لخلوّه، ونهب كلّ ما في طريقه، وأسر وسبى، فأكثر وبدّع بسبسطيَة وجينين، ثم قدم دمشق.

стр. 11821

ومن كتاب عماديّ في حصار الكرك يقول: لولا الخندق الذي هو وادٍ لسهل المشرع، فعملنا دبّابات قدّمناها، وبنينا إلى شفيره ثلاثة أسراب باللّبن وسقفناها، وشرعنا في الطمّ، وتسارع الناس، ولم يبق إلاّ من يستبشر بالعمل، وتجاسروا حتى ازدحموا نهارًا، كازدحامهم يوم العيد وليلًا كاجتماعهم في جامع دمشق ليلة النصف السعيد، وهم من الجراح سالمون، وبنصر الله موقنون. وإن أبطأ العدوّ عن النجدة فالنصر قريب سريع، والحصن بمن فيه صريع، قد خرقت الحجارة حجابه، وقطعت بهم أسبابه، وناولته من الأجل كتابه، وحسرت لثام سوره وحلت نقابه، فأنوف الأبراج مجدوعة، وثنايا الشرفات مقلوعة ورؤوس الأبدان محزوزة، وحروف العوامل مهموزة، وبطون السقوف مبقورة، وأعضاء الأساقف معقورة، ووجوه الجدر مسلوخة، وجلود البواشير مبشورة (١)، والنّصر أشهر من نار على علم، والحرب أقوم من ساق على قدم (٢). وقدم السلطان وبدمشق الرسولان شيخ الشيوخ صدر الدّين والطواشي بشير، فمرضا، ومات جماعة من أصحابهما. وكان الشيخ نازلًا بالمنيبع، فكان السلطان يعوده في كلّ يوم. وكان قدومهما في الصلح بين السلطان وبين عزّ الدّين صاحب الموصل، فلم ينبرم أمر. فطلبا العود إلى بغداد، وعادا، فمات بشير بالسّخنة (٣)، وشيخ الشيوخ بالرحبة. وأذن السلطان للجيوش بالرجوع إلى أوطانهم، وخلع على نور الدّين بن قرا رسلان صاحب حصن كيفا الخلعة التي جاءته هذه المرّة من الخليفة بعد أن لبسها السلطان. ثم كتب لزين الدّين يوسف ابن زين الدّين عليّ صاحب إربل منشورًا بإربل وأعمالها لمّا اعتزى إليه، وفارق صاحب الموصل. ثم وصلت رسل زين الدّين يوسف إلى السلطان بأنّ عسكر الموصل وعسكر قزل صاحب العجم نازلوا إربل مع مجاهد الدّين قيماز. وأنّهم نهبوا وأحرقوا، وأنّه نصر عليهم وكسرهم، فكان هذا ممّا حرّك عزم السلطان على قصد الموصل هذه المرّة. فسار السلطان على طريق البقاع وبعلبك، ثمّ حمص وحماة، فأقام بحماة إلى انسلاخ السّنة. وفيها مات صاحب ماردين قطب الدّين إيلغازي ابن نجم الدّين الأرّتقيّ.

стр. 11822

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ١ - أحمد بن عليّ بن محمد بن العبّاس، الشريف أبو جعفر ابن المقشوط (١)، الهاشميّ، البغداديّ. توفّي في ربيع الآخر (٢). ٢ - إسماعيل بن إبراهيم بن محمد، أبو محمد القيسيّ الدمشقيّ الواعظ. سمع من ابن الأكفاني، وغيره. وعنه أبو القاسم بن صصرى (٣). ٣ - الخضر بن محمد بن نمر، أبو الحسن الإشبيليّ الضرير الفقيه الظاهريّ. قال الأبّار (٤): كان يجتمع إليه، ويناظر عليه. أخذ عنه مفرّج بن حسين الضّرير، وغيره. ٤ - طغدي بن خمارتكين، أبو محمد التركّيّ، من شيوخ بغداد. سمع أبا القاسم الرّبعيّ، وابن بدران الحلوانيّ. روى عنه ابن الأخضر، ومنصور بن السكن، وغيره. توفيّ في ذي الحجّة (٥). ٥ - عبد الله بن حمزة بن محمد بن سماوة، أبو الفرج الكرمانيّ، ثم الجيرُفتيّ، ثم الدّمشقيّ.

стр. 11823

تفقّه على جمال الإسلام السّلميّ، وولي خطابة دومة زمانًا. روى عن جمال الإسلام. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: كان ثقة صالحًا. توفّي في ربيع الآخر، وهو في عشر الثمانين. وروى عنه أيضًا أبو القاسم بن صصرى. ٦ - عبد الله بن محمد بن سهل، أبو محمد الغرناطيّ الضرير المقرئ، ويعرف بوجه نافخ. أخذ القراءات عن أبي الحسن بن درّيّ ولازمه. وعن عبد الرحيم بن الفرس وسمع منهما، ومن غالب بن عطيّة، وجماعة. وأجاز له أبو عليّ بن سكّرة، وغيره. قال الأبّار (١): كان بارعًا في العربية. حدّث عنه ابنه أبو عبد الله، وابن عيّاد. توفّي في ذي القعدة. ٧ - عبد الحقّ بن سليمان، أبو عبد الله القيسيّ التلمسانيّ، قاضي تلمسان. سمع القاضي أبا بكر ابن العربيّ، وغيره. قال الأبّار (٢): كان جليل القدر، عظيم الوجاهة، يستظهر مقامات الحريريّ، ثم تزهّد ورفض الدنيا، وحجّ وجاور، وأجهد نفسه صلاةً وصومًا وطوافًا. وتوفّي بالمدينة النبويه كهلًا. *- عبد الرحمن بن خلف الله بن عطيّة. في المتوفّين تقريبًا (٣). ٨ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد، أبو محمد السلميّ المكناسيّ الكاتب الأديب. قال الأبّار (٤): ختمت به البلاغة بالأندلس، ورأس في الكتابة. وديوان رسائله بأيدي الناس يتنافسون فيه. وكتب لأبي عبد الله محمد بن سعد، وغيره من الأمراء. وتوفّي كهلًا، ﵀.

стр. 11824

٩ - عثمان بن عبد الملك اللّخميّ الصفّار الواعظ. سمع أبا الحسن ابن العلاّف، وابن فتحان الشّهرزوريّ، وابن بيان. روى عنه ابن الأخضر، وغيره (١). ١٠ - عليّ بن إبراهيم بن محمد بن عيسى بن سعد الخير، أبو الحسن البلنسيّ البلد الأنصاريّ النحويّ. قال الأبّار (٢): سمع من أبي محمد القلني (٣)، وأبي الوليد ابن الدبّاغ. ولازم أبا الحسن ابن النّعمة وتأدّب به، وكان عالمًا بالعربية واللغة، إمامًا في ذلك، أقرأها حياته كلّها. وكان بارع الخط، كاتبًا بليغًا، شاعرًا مجيدًا، مولّدًا. وكانت فيه غفلة معروفة، وله مصنّف على كتاب الكامل للمبرّد، وغير ذلك. توفّي بإشبيلية في ربيع الآخر. وقيل: توفّي سنة سبعين. ١١ - عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، الحافظ الكبير أبو القاسم ثقة الدّين ابن عساكر الدمشقيّ، الشّافعيّ، صاحب تاريخ دمشق، أحد أعلام الحديث. ولد في مستهلّ سنة تسع وتسعين وأربعمائة. وسمّعه أخوه الصّائن هبة الله سنة خمس وخمسمائة وبعدها من الشريف أبي القاسم النّسيب، وأبي القاسم قوام بن زيد، وأبي الوحش سبيع بن قيراط، وأبي طاهر محمد بن الحسين الحنّائيّ، وأبي الحسن ابن الموازينيّ، وأبي الفضائل الماسح، ومحمد بن علي المصّيصيّ. ثم سمع بنفسه من أبي محمد ابن الأكفاني، وأبي الحسن بن قبيس المالكي، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل، ومن بعدهم. ورحل إلى بغداد سنة عشرين، فأقام بها خمس سنين (٤). وحجّ في سنة

стр. 11825

إحدى وعشرين، فسمع بمكّة من عبد الله بن محمد بن الغزال (١) المصريّ صاحب كريمة المروزيّة. وسمع ببغداد من أبي القاسم بن الحصين، وأبي الحسن الدّينوريّ، وأبي العزّ بن كادش، وقراتكين بن أسعد، وأبي غالب ابن البنّاء، والبارع أبي عبد الله الدبّاس، وهبة الله الشّروطيّ، وخلق كثير. وعلّق مسائل الخلاف على أبي سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن. ولازم الدّرس والتفقّه بالنظاميّة، ورجع بعلم جمّ وسماعات كثيرة. وسمع بالكوفة من عمر بن إبراهيم العلويّ. ثم رحل سنة تسع وعشرين على أذربيجان إلى خراسان، وجال في بلادها، ودخل إلى أصبهان، وبقي في هذه الرحلة نحو أربع سنين، فسمع أبا عبد الله محمد بن الفضل الفراويّ، وعبد المنعم ابن القشيريّ، وهبة الله السيّديّ، وتميم بن أبي سعيد الجرجانيّ الهرويّ، ويوسف بن أيوب الزّاهد، وزاهر بن طاهر الشّحّاميّ، والحسين بن عبد الملك الأديب، وسعيد بن أبي الرّجاء، وغانم بن خالد، وإسماعيل بن محمد الحافظ، والموجودين في هذا العصر. وخرّج أربعين حديثًا في أربعين بلدًا كالسلفيّ. وعدّة شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ وثمانون امرأة ونيّف. وحدّث بخراسان، وأصبهان، وبغداد. وسمع منه الكبار كالحافظ أبي العلاء الهمذانيّ، والحافظ أبي سعد السّمعانيّ. وصنّف التصانيف المفيدة، ولم يكن في زمانه أحفظ ولا أعرف بالرجال منه. ومن تصفّح تاريخه علم قدر الرجل. وأجاز له من الكبار: أبو الحسن ابن العلاّف، وأبو القاسم بن بيان، وأبو علي بن نبهان، وأبو الفتح أحمد بن محمد الحدّاد، وغانم البرجيّ، وأبو بكر بن عبد الغفّار الشيروييّ، وأبو علي الحداد، وأبو صادق مرشد بن يحيى، وأبو عبد الله الرّازيّ، وطائفة. روى عنه ابنه القاسم، وبنو أخيه فخر الدّين أبو منصور، وتاج الأمناء، وزين الأمناء، وعبد الرحيم، وعزّ الدين النسّابة محمد ابن تاج الأمناء، والحافظ أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم الحسين، والقاضي أبو

стр. 11826

القاسم ابن الحرستانيّ، وأبو جعفر القرطبيّ، والحافظ عبد القادر، وأبو الوحش عبد الرحمن بن نسيم، والحسن بن عليّ الصّيقليّ، وصالح بن فلاح الزّاهد، وظهير الدين عبد الواحد بن عبد الرحمن بن سلطان القرشيّ، وأبو العزّ مظفّر بن عقيل الشّيبانيّ الصفار والد النجيب. والصائن نصر الله بن عبد الكريم بن الحرستانيّ، والبدر يونس بن محمد الفارقيّ الخطيب، والقاضي أبو نصر بن الشيرازي، ومحمد ابن أخي الشيخ أبي البيان، وعبد القادر بن الحسين البغدادي، ونصر الله بن فتيان، وإبراهيم وعبد العزيز ابنا الخشوعي. ويونس بن منصور السقباني، وإدريس بن الخضر السقباني، ومحمد بن رومي السقباني، وحاطب بن عبد الكريم المزّي، وذاكر بن عبد الوهاب السقباني، وذاكر الله بن أبي بكر الشعيري، ومحمد بن غسان، ومحمد بن عبد الكريم بن الهادي، والمسلم بن أحمد المازني، وعبد العزيز بن محمد ابن الدجاجية، وعبد الرحمن بن عبد المؤمن زريق العطار، وشعبان بن إبراهيم، ومحمد بن أحمد بن زهير، ومحمود بن خضير الدارانيون. وعبد الرحمن بن راشد البيت سوائي، ونجم الأمناء عبد الرحمن بن علي الأزدي، وعمر بن عبد الوهاب ابن البراذعي، وعتيق السلماني، وبهاء الدين علي ابن الجمّيزي، وعبد المنعم بن محمد بن محمد بن أبي المضاء نزيل حماة، ومات في آخر سنة أربع وأربعين، والرشيد أحمد بن مسلمة، وعبد الواحد بن هلال، وخلق آخرهم وفاةً أبو محمد مكي بن المسلم بن علان (١). وقد روى عنه الكثير أبو سعد السمعاني، ومات قبل ابن علان بتسعين سنة. فمن تصانيفه: التاريخ (٢) ثمانمائة جزء، والموافقات اثنان وسبعون جزءا، والأطراف التي للسنن ثمانية وأربعون جزءًا، وعوالي مالك أحد وثلاثون جزءًا، والتالي لحديث مالك العالي تسعة عشر جزءا، وغرائب مالك عشرة أجزاء، ومعجم القرى والأمصار جزء، ومعجم شيوخه اثنا عشر جزءًا، ومناقب الشبان خمسة عشر جزءًا، وفضل أصحاب الحديث أحد عشر جزءًا. والسباعيات سبعة أجزاء، وكتاب تبيين كذب المفتري فيما

стр. 11827

نسب إلى الأشعري مجلّد، والمسلسلات له مجلّد، وكتاب فضل الجمعة مجلّد، والأربعون الطوال ثلاثة أجزاء، وعوالي شعبة مجلّد، وكتاب الزّهادة في ترك الشهادة مجلّد، وعوالي الثوريّ مجيليد، والأربعون الجهاديّة، والأربعون البلديّة، والأربعون الأبدال. ومسند أهل داريّا مجلّد، ومن وافقت كنيته كنية زوجته مجلد صغير، وشيوخ النبل مجلد لطيف، وحديث أهل صنعاء الشام مجلد صغير، وحديث أهل قرية البلاط مجلد صغير، وفضائل عاشوراء ثلاثة أجزاء، وكتاب الزلازل ثلاثة أجزاء، وثواب المصاب بالولد جزآن، وطرق قبض العلم جزء، وكتاب فضل مكّة، وكتاب فضل المدينة، وكتاب فضل القدس، وجزء فضائل عسقلان، وجزء فيمن نزل المزّة. وجزء في فضائل الرّبوة والنيرب، وجزء في مقام إبراهيم وبرزة، وجزء في أهل قرية الحِميريين (١)، وجزء أهل كفرسوسية، وجزء أهل كفربطنا، وجزء بيت قوفا، وبيت رانس، وجزء سعد بن عبادة، والمنيحة، وجزء أهل حرستا، وجزء أهل زملكا، وجزء بيت لِهيا، وجزء جوبر، وجزء أهل حردان، وجزء أهل جدَيا، وجزء أهل برزة، وجزء أهل منين، وجزء أهل بيت سوا، وجزء أهل بعلبك، وجزء المبسوط لمنكر حديث الهبوط، والجواهر واللآلئ ثلاثة أجزاء، وغير ذلك. وأملى أربعمائة مجلس وثمانية مجالس في فنون شتّى، وخرّج لشيخه أبي غالب ابن البنّاء مشيخة، ولشيخه جمال الإسلام مشيخة، وأربعين حديثًا مصافحات لرفيقه أبي سعد السّمعانيّ، وأربعين حديثًا مساواة لشيخه الفراويّ. وخرّج في آخر عمره لنفسه كتاب الأبدال ولم يتمّه، ولو تمّ لجاء في نحو مائتي جزء. ذكره ابن السمعاني في تاريخه فقال: كثير العلم، غزير الفضل، حافظ، ثقة، متقن، ديّن، خيّر حسن السّمت، جمع بين معرفة المتون والأسانيد، صحيح القراءة، متثبّت، محتاط. رحل وتعب، وبالغ في الطلب

стр. 11828

إلى أن جمع ما لم يجمع غيره، وأربى على أقرانه. ودخل نيسابور قبلي بشهر أو نحوه في سنة تسع وعشرين، فسمع بقراءتي وسمعت بقراءته مدّة مقامنا بها، إلى أن اتّفق خروجه إلى هراة وخروجي إلى أصبهان. واجتمعت به ببغداد بعد رجوعه في سنة ثلاث وثلاثين. وسمعت منه كتاب المجالسة بدمشق، ومعجم شيوخه. وكان قد شرع في التاريخ الكبير لمدينة دمشق، وصنّف التصانيف، وخرّج التخاريج. وقرأت بخط ابن الحاجب قال: حدّثني زين الأمناء قال: حدّثني ابن القزوينيّ عن والده مدرّس النّظاميّة، يعني أبا الخير، قال: حكى لنا أبو عبد الله الفراويّ قال: قدم أبو القاسم ابن عساكر فقرأ عليّ ثلاثة أيام، فأكثر وأضجرني، وآليت على نفسي أن أغلق الغد بابي وأمتنع. فلما أصبحت قدم عليّ شخص فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليك. قلت: مرحبًا برسول رسول الله ﷺ . فقال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقال لي: امض إلى الفراويّ وقل له: قدم بلدكم رجل من الشام أسمر اللون يطلب حديثي، فلا يأخذك منه ضجر ولا ملل. قال القزوينيّ: فوالله ما كان الفراويّ يقوم من المجلس حتّى يقوم الحافظ ابتداء منه. وقال ابنه القاسم أبو محمد الحافظ: كان ﵀ مواظبًا على صلاة الجماعة وتلاوة القرآن، يختم في كلّ جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية. وكان كثير النوافل والأذكار. وكان يحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب في غير طاعة. وقال لي: لمّا حملت بي أمّي رأت في منامها قائلا يقول لها: تلدين غلامًا يكون له شأن. وحدّثني أنّ أباه رأى رؤيا معناها: يولد لك ولد يحيي الله به السنّة. حدّثني أبي ﵀ قال: كنت يوما أقرأ على أبي الفتح المختار بن عبد الحميد وهو يتحدّث مع الجماعة، فقال: قدم علينا أبو عليّ ابن الوزير، فقلنا: ما رأينا مثله. ثم قدم علينا أبو سعد ابن السمعاني، فقلنا: ما رأينا مثله، حتّى قدم علينا هذا، فلم نر مثله. وحكى لي أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الأنصاريّ الحنبليّ عن أبي الحسن سعد الخير قال: ما رأينا في سنّ الحافظ أبي القاسم مثله. وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن المسعوديّ قال: سمعت أبا العلاء الهمذانيّ يقول لرجل، وقد استأذنه أن يرحل، فقال: إن عرفت

стр. 11829

أستاذًا أعرف منّي أو في الفضل مثلي فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه، إلاّ أن تسافر إلى الحافظ ابن عساكر؛ فإنّه حافظ كما يجب. فقلت: من هذا؟ فقال: حافظ الشام أبو القاسم يسكن دمشق. وأثنى عليه. وكان يجري ذكره عند خطيب الموصل أبي الفضل، فيقول: ما نعلم من يستحقّ هذا اللقب اليوم، أعني الحافظ، ويكون به حقيقًا سواه. كذا حدّثني أبو المواهب بن صصرى، وقال: لمّا دخلت همذان أثنى عليه الحافظ أبو العلاء، وقال لي: أنا أعلم أنّه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد، فلو خالق الناس ومازجهم كما أصنع إذًا لاجتمع عليه الموافق والمخالف. وقال لي يومًا: أيّ شيء فتح له، وكيف ترى الناس له؟ قلت: هو بعيد من هذا كلّه، لم يشتغل منذ أربعين سنة إلاّ بالجمع والتصنيف والتّسميع حتى في نزهه وخلواته. فقال: الحمد لله، هذا ثمرة العلم، ألا إنّا قد حصل لنا هذا المسجد والدار والكتب، هذا يدلّ على قلّة حظوظ أهل العلم في بلادكم. ثم قال لي: ما كان يسمّى أبو القاسم ببغداد إلاّ شعلة نار من توقّده وذكائه وحسن إدراكه. وقال أبو المواهب: أمّا أنا فكنت أذاكره في خلواته عن الحفّاظ الذين لقيهم، فقال: أمّا ببغداد فأبو عامر العبدريّ، وأمّا بأصبهان فأبو نصر اليونارتيّ، لكن إسماعيل الحافظ كان أشهر منه. فقلت له: فعلى هذا ما رأى سيّدنا مثله؟ فقال: لا تقل هذا، قال الله تعالى: فلا تزكّوا أنفسكم. قلت: وقد قال تعالى: وأمّا بنعمة ربّك فحدّث. فقال: نعم، لو قال قائل: إنّ عيني لم تر مثلي - لصدق. قال أبو المواهب: وأنا أقول: لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدّة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأوّل إلاّ من عذر، والاعتكاف في رمضان وعشر ذي الحجّة، وعدم التطلّع إلى تحصيل الأملاك وبناء الدّور. وقد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه. وقلّة التفاته إلى الأمراء، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم. قال لي: لمّا عزمت على التّحديث، والله المطّلع أنّه ما حملني على ذلك حبّ الرياسة والتقدّم، بل قلت: متى أروي كلّ ما سمعت؟ وأيّ فائدة

стр. 11830

في كوني أخلّفه بعدي صحائف؟ فاستخرت الله تعالى، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكلٌّ قال: ومن أحق بهذا منك؟ فشرعت في ذلك في سنة ثلاث وثلاثين. وقال عمر بن الحاجب الحافظ: حكى لي زين الأمناء أنّ الحافظ لمّا عزم على الرحلة اشترى جملًا، وتركه بالخان. فلما رحل القفل تجهّز، وخرج فوجد الجمال قد مات. فقال له الجماعة الذين خرجوا لوداعه: ارجع؛ فما هذا فأل مبارك! وفنّدوا عزمه، فقال: والله، لو مشيت راجلًا لا أثنيت عزمي، وحمل خرجه لما شرع، وتبع الركب، واكترى منهم في القصير. وكانت طريقه مباركة. وقال أبو محمد القاسم: قال لي والدي: لمّا قدمت في سفري: قال لي جدّي القاضي أبو المفضّل يحيى بن علي: اجلس إلى سارية من هذه السواري حتّى نجلس إليك. فلمّا عزمت على الجلوس اتّفق أنّه مرض ولم يقدر له بعد ذلك خروج إلى المسجد. وكان أبي ﵀ قد سمع أشياء لم يحصّل منها نسخًا اعتمادًا على نسخ رفيقه الحافظ أبي عليّ ابن الوزير، وكان ما حصّله ابن الوزير لا يحصّله أبي وما حصله أبي لا يحصله ابن الوزير. فسمعته يقول: رحلت، وما كأني رحلت. كنت أحسب أن ابن الوزير يقدم بالكتب مثل الصحيحين، وكتب البيهقي والأجزاء، فاتفق سكناه بمرو، وكنت أؤمل وصول رفيق آخر يوسف بن فارو الجياني، ووصول رفيقنا المرادي، وما أرى أحدًا منهم قدم. فلا بد من الرحلة ثالثًا وتحصيل الكتب والمهمات. فلم يمض إلا أيام يسيرة حتى قدم أبو الحسن المرادي، فأنزله أبي عندنا، فقدم بأربعة أسفاط كتب مسموعة، ففرح أبي بذلك، وكفاه الله مؤونة السفر. وأقبل على النسخ والاستنساخ، وقابل، وبقي من مسموعاته نحو ثلاثمائة جزء، فأعانه عليها ابن السمعاني، ونقل إليه منها جملةً حتى لم يبق عليه أكثر من عشرين جزءًا. وكان كلما حصل له جزء منها كأنه قد حصل على ملك الدنيا. قلت: وله شعر جيد يملي منه عقيب مجالسه، فمنه (١):

стр. 11831

أيا نفسُ ويْحكِ جاء المَشِيب … فماذا التصابي وماذا الغزل تولّى شبابي كأنْ لم يكُنْ … وجاء مَشيبي كأنْ لم يَزَلْ فيا لَيْتَ شِعْري ممّن أكون … وما قدَّرَ اللَّه لي في الأزل سمعت أبا الحسين اليونيني يقول: سمعت أبا محمد المنذري الحافظ يقول: سألت شيخنا أبا الحسن علي بن المفضّل الحافظ عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ؟ فقال: من؟ قلت: الحافظ ابن ناصر، وابن عساكر. فقال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو موسى المديني، وابن عساكر. قال: ابن عساكر. فقلت: الحافظ أبو الطاهر السلفي، وابن عساكر. فقال: السّلفي شيخنا، السّلفي شيخنا! قلت: يعني أنه ما أحب أن يصرح بأن ابن عساكر أفضل من السلفي، ولوّح بأنه شيخه، ويكفي هذا في الإشارة. قلت: والرجل ورع ثبت. وما أطلق أنه ما رأى مثل نفسه في جواب الحافظ أبي المواهب إلا وهو بار صادق. وكذلك رأيت شيخنا أبا الحجاج المزّي يميل إلى هذا. وأنا جازم بذلك أنه ما رأى مثل نفسه. هو أحفظ من جميع الحفّاظ الذين رآهم من شيوخه وأقرانه. وقال الحافظ أبو محمد عبد القادر الرّهاوي: رأيت الحافظ السلفي، والحافظ أبا العلاء، والحافظ أبا موسى، ما رأيت فيهم مثل ابن عساكر. قرأت بخط عمر بن الحاجب: قال: حكى لي من أثق به أن الحافظ عبد الغني (١) قال: الحافظ ابن عساكر برجال الشام أعرف من البخاري لهم، وندم على ترك السماع منه ندامةً كليّة. وذكره ابن النجار في تاريخه، فقال (٢): إمام المحدّثين في وقته، ومن انتهت إليه الرياسة في الحفظ الإتقان والمعرفة التامة والثقة، وبه ختم هذا الشأن. روى عنه جماعة وهو في الحياة، وحدّثوا عنه بالإجازة في حياته. قال: وقرأت بخط الحافظ معمر بن الفاخر في معجمه: أخبرني أبو القاسم علي بن الحسن الدمشقي الحافظ من لفظه بمنى إملاء يوم النفر الأول،

стр. 11832

وكان أحفظ من رأيت من طلبة الحديث والشبان، وكان شيخنا الإمام إسماعيل بن محمد يفضله على جميع من لقيناهم من أهل أصبهان وغيرها. قدم أصبهان، وسمع ونزل في داري، وما رأيت شابًا أورع ولا أتقن ولا أحفظ منه. وكان مع ذلك فقيهًا أديبًا سنّيًا، جزاه الله خيرًا، وكثّر في الإسلام مثله. أفادني في الرحلة الأولى والثانية ببغداد كثيرًا، وسألته عن تأخره في الرحلة الأولى عن المجيء إلى أصبهان، فقال: لم تأذن لي أمي. قلت: وهو مع جلالته وحفظه يروي الأحاديث الواهية والموضوعة ولا يبينها، وكذا كان عامة الحفاظ الذين بعد القرون الثلاثة، إلاّ من شاء ربك فليسألنّهم الله تعالى عن ذلك. وأي فائدة بمعرفة الرجال ومصنفات التاريخ والجرح والتعديل إلاّ كشف الحديث المكذوب وهتكه؟ قال ابنه أبو محمد: توفي أبي في حادي عشر رجب، وحضر الصلاة عليه السلطان صلاح الدين، وصلّيت عليه في الجامع، والشيخ قطب الدين في الميدان الذي يقابل المصلى. ورأى له جماعة من الصالحين منامات حسنة، ورثي بقصائد، ودفن بمقبرة باب الصغير. قلت: قبره مشهور يزار، ﵀ (١). ١٢ - علي بن المبارك بن أحمد بن محمد بن بكري (٢)، أبو الحسن البغدادي. سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا الغنائم ابن المهتدي بالله، وابن الحصين. سمع منه عمر بن علي القرشي، وعمر العليمي الدمشقيان. توفي في جمادى الأولى (٣). ١٣ - علي بن المظفّر بن علي بن حسين الظهيري، أبو القاسم والد الأعز.

стр. 11833

سمع هبة الله بن أحمد الموصلّي، وأبا الغنائم النرسي. روى عنه تميم بن أحمد البندنيجي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري، وأبو محمد بن قدامة، وغيرهم. توفي في جمادى الآخرة في الطريق فجاءة، وله ست وسبعون سنة. وكان مهيبًا، وقورًا، صموتًا (١). ١٤ - عمر بن هدية بن سلامة، أبو حفص البغدادي الصوّاف السمسار. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الخطاب الكلوذاني. روى عنه أبو الفرج بن الجوزي (٢) ووثّقه. وعاش تسعًا وثمانين سنة (٣). ١٥ - محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان، أبو عبد الله الغافقي، المعروف بالقباعي، من أهل الجزيرة الخضراء. روى ببلده عن أبي عبد الله بن عبد الخالق، وأبي عبد الله بن أبي صوفة، وغيرهما. وأجاز له أبو علي بن سكّرة الصدفي، وولّي خطابة بلده. قال الأبّار (٤): وكان فقيهًا مشاورًا، ذا دعابة مع خشية وخشوع. حدّث عنه أبو الحسن بن القاسم، وأبو الصبر السبتي، ويعيش بن القديم، وأبو الخطاب عمر بن الجميّل. وأجاز في رجب من السنة. ولم تؤرخ وفاته. ١٦ - محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين، الإمام مجد الدين، أبو منصور الطوسي العطاري، المعروف بحفدة، الفقيه الشافعي. كان فقيهًا واعظًا أصوليًّا فاضلًا، تفقّه بمرو على أبي بكر محمد بن منصور السمعاني، ثم انتقل إلى مرو الروذ، وتفقه على القاضي أبي محمد الحسين بن مسعود الفرّاء البغوي، وسمع منه كتابيه: شرح السنّة، ومعالم التنزيل، وغير ذلك. ثم انتقل إلى بخارى، واشتغل بها على البرهان عبد العزيز بن عمر بن مازة الحنفي. ثم عاد إلى مرو، وقدم أذربيجان والجزيرة، واجتمع

стр. 11834

الناس عليه بسبب الوعظ. وكان مجلسه في الوعظ من أحسن المجالس، ولا ندري لم لقّب حفدة. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأبو أحمد بن سكينة، وعبد العزيز بن الأخضر، وأبو المجد محمد بن الحسين القزويني، والقاضي أبو المحاسن يوسف بن رافع بن شداد، وآخرون. قال ابن السمعاني (١): كتبت عنه بمرو ونيسابور. وكان فقيهًا، واعظًا، شاطرًا، جلدًا، فصيحًا. سمع من عبد الغفار الشيرويي، وأبي الفتيان الروّاسي، وناصر بن أحمد العيّاضي. أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: أخبرنا يوسف بن رافع الأسدي، قدم علينا مصر، قال: أخبرنا محمد بن أسعد، قال: أخبرنا محيي السنّة الحسين بن مسعود، قال (٢): أخبرنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الصالحي (ح)، وأخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا البطّيّ، قال: أخبرنا أبو الحسن الأنباري، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسماعيل الصفّار قال: حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال (٣): أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل - أن النبي ﷺ قال: وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلاّ حصائد ألسنتهم (٤). قال ابن خلّكان (٥): توفي في ربيع الآخر سنة إحدى بتبريز. وقال: قيل أيضًا: إنه توفي في رجب سنة ثلاث وسبعين (٦)، فالله أعلم. والثاني أصح. وكان مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة.

стр. 11835

١٧ - محمد بن الحسن بن علي بن هلال بن همصا بن نافع العجلي، أخو هبة الله الدقاق، البغدادي. روى عن علي بن محمد بن علي الأنباري الحنبلي، وسعد الله بن أيوب، وأبي الخطاب الكلواذاني. وتفقه على أسعد الميهني. وأخذ الأدب عن أبي منصور ابن الجواليقي. وكان مولده سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وله أخ آخر باسمه، كنية ذاك أبو المعالي (١). ١٨ - محمد بن الحسين بن محمد بن المعلم، القاضي أبو منصور الحنفي. ناب في القضاء عن قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي، ودرّس. وسكن همذان مدة، ثم قدم بغداد رسولًا. روى عن أبي القاسم بن بيان، وعلي بن أحمد الموحد. سمع منه أبو المواهب بن صصرى، وغيره بهمذان. وعاش ثمانين سنة (٢). ١٩ - محمد بن عبيد الله بن علي، أبو حنيفة بن أبي القاسم الأصبهاني، الخطيبي. من بيت علم وشهرة، قدم بغداد حاجًا سنة نيّف وستين. وحدث عن جدّه لأمه حمد بن صدقة، وأبي مطيع المصري، وأبي بكر بن مردويه، وأبي الفتح الحداد، وعبد الرحمن بن حمد الدوني. وأملى عدة مجالس. وكان حنفي المذهب. روى عنه أبو طالب بن عبد السميع، وموفق الدين بن قدامة، وأبو القاسم بن صصرى، لقيه بمكة، وسمع منه بقراءة أبيه. توفي أبو حنيفة في صفر بأصبهان، وله ثلاث وثمانون سنة. وروى عنه ابن الأخضر (٣). ٢٠ - محمد ابن الوزير علي بن طراد الزينبي، أبو العباس المعروف بالأمير التركي؛ لأنه ابن تركية. كان مقبلًا على العلم، قرأ الفرائض والأدب، وقرأ الحديث على هبة الله
следующие страницы →