وخمسمائة. وسألت عنه خالي الموفق، فقال: كان رجلًا كاملًا حسن الخلق، كان يمازحني وأنا صغير، وكنت أحبه لحسن خلقه. سمعت أن عمي إبراهيم سافر إلى مصر في تجارة، ومضى إلى إسكندرية فسمع من السلفي. وكان مقدّم الفرنج قد حبسه وأراد صلبه لأنهم وجدوه ومعه متاع من الذي للكنيسة قد اشتراه من سارق، فهرب هو وغيره من الحبس بالليل.
١٠٦ - أسعد بن يلدرك بن أبي اللقاء، أبو أحمد الجبريلي، البواب بدار الخلافة.
شيخ بغدادي، معمر؛ قال عمر بن علي القرشي: سألته عن مولده فقال: في ربيع الأول سنة سبعين وأربعمائة.
قلت: كان يمكن أن يجيز له أبو الحسين ابن النقّور، وأن يسمع من أبي نصر الزينبي فيبقى مسند الدنيا.
قال الدّبيثي (١): كان أبوه صاحبًا للرئيس أبي الخطاب ابن الجرّاح، فأسمعه منه، ومن أبي الحسن ابن العلاف. روى عنه ابن الأخضر، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن أبي البدر مقبل بن فتيان بن المنّي، وطائفة سواهم. توفي في سلخ ربيع الأول.
١٠٧ - بنيمان بن أبي الفوارس بن أبي بكر، أبو بكر الأصبهاني، السباك.
سمع أبا مطيع محمد بن عبد الواحد. وحدّث في رجب من السنة. ولا أعلم وفاته. روى عنه الحافظ عبد الغني.
١٠٨ - الحسن بن علي بن محمد بن فرح (٢) الكلبي، المعروف بابن الجميّل الداني، والد عمر وعثمان المحدّثين النازلين بديار مصر.
نزل أبو علي (٣) سبتة، وبها توفي عن ثمانين سنة.
стр. 11867
قال الأبّار (١): لا أعلم له رواية.
١٠٩ - زيد بن نصر بن تميم، الحموي، الفقيه الشافعي.
كذا سمّاه أبو المواهب بن صصرى، وهذا هو أبو زيد أحمد بن نصر المذكور آنفًا (٢). وقال: توفي في شعبان بدمشق وقد جاوز السبعين، وكان ذا فنون وذا خبرة بمقالة الأشعري.
روى عن عبد الكريم بن حمزة، وجمال الإسلام وتفقه عليه مدة.
قال البهاء ابن عساكر: كان شديد التعصّب في مذهب الحق، وهو زيد أبو القاسم الحموي، ثم تسمّى بأحمد، وتكنّى بأبي زيد.
قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
١١٠ - سعد بن محمد بن سعد بن صيفي، شهاب الدين، أبو الفوارس، التميمي الشاعر المشهور، الملقّب بالحيص بيص، ومعناهما: الشدّة والاختلاط.
قيل: إنه رأى الناس في شدّة وحركة، فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فلزمه ذلك.
وكان من فضلاء العالم، تفقه في مذهب الشافعي بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزّان، وتكلم في مسائل الخلاف.
وذكره ابن السمعاني في ذيله فقال: كان فصيحًا، حسن الشعر.
وذكره ابن أبي طيئ في تاريخ الشيعة فقال: شاعر فاضل، بليغ، وافر الأدب، عظيم المنزلة في الدولتين العباسية والسلجوقية، وكان ذا معرفة تامة بالأدب، ونفاذ في اللغة، وحفظ كثير للشعر، وكان إمامًا في الرأي، حسن العقيدة. حدّثني عبد الباقي بن زريق الحلبي الزاهد قال: رأيته واجتمعت به فكان صدرًا في كل علم، عظيم النفس، حسن الشارة، يركب الخيل العربية الأصيلة ويتقلّد بسيفين، ويحمل خلفة الرمح، ويأخذ بنفسه بمآخذ الأمراء، ويتبادى في لفظه، ويعقد القاف، وكان أفصح من رأيت. وكان يناظر على رأي الجمهور.
стр. 11868
وقال الدبيثي: سمع من أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي، وبواسط من أبي المجد محمد بن جهور.
وله ديوان شعر مشهور وترسّل، وكان بارعًا في الشعر، محسنًا، بديع المعاني، بليغ الرسائل ذا خبرة تامة باللغة.
ومن شعره:
ما أنصفت بغداد ناشئها الذيِ … كثُر الثناء به على بغداد
سَل ذا إذا مد الجدال رِواقَهُ … بصوارم غير السيوف حدادِ
وجرت بأنواع العلوم مقالتي … كالسيل مَدَّ إلى قرار الوادي
وذعرت ألباب الخصوم بخاطر … يقظان في الإصدار والإيراد
فتصدعوا متفرقين كأنهم … مالٌ تفرقه يد ابْن طِراد (١)
وله يستعفي من حضور سِماط ابْن هُبَيرة، ويسمون السماط: الطَّبَق، لِما كان يناله من تألمه بقعود بعض الأعيان فوقه، فقال:
يا باذلَ المال فِي عَدمٍ وفي سَعَة … ومُطْعمَ الزاد فِي صُبْحِ وفيِ غَسَقِ
فِي كل بيت خِوانٌ من فَوَاضله … يَمِيرُهُم وَهْوَ يدعوهم إلى الطبَقِ
فاض النوال، فلولا خوفُ مفعمة … من بأس عدلك نادى الناسُ بالغرقِ
فكل أرض بها صوب وساكبة … حتى الوَغَى من نجيع الخيل والعَرَقِ
صُنْ مَنكِبي عن زِحامٍ إنْ غضبتُ لَهُ … تمكَّنَ الطَّعْنُ من عقلي ومن خُلُقي
وإن رضيتُ به فالذُلُ منقصة … وكم تكلّفته حملا فلم أطقِ
وإنْ تَوَهَّم قومٌ أنه حُمُقُ … فربما اشتبه التوقير بالحمق (٢)
وقد مدح الخلفاء والوزراءَ، واكتسب بالشُعْر.
وكان لَا يخاطب أحدًا إلَّا بالكلام العربي، ويلبس زي العرب، ويتقلد سيفًا. فعمل فِيهِ أَبُو القاسم بْن الفضل:
كم تَبَادَى وكم تُطَوِّلُ طرطو … رك؟ ما فيك شَعْرهٌ من تميم
فَكُلِ الضَّبَّ واقرط الحنظل اليا … بس واشرب ما شئت بَوْل الظليم
ليس ذا وجه من يضيف ولا يقـ … ـري وَلَا يدفع الأذى عَن حريم
стр. 11869
فعمل أَبُو الفوارس لما بلغته الأبيات:
لا تضع من عظيم قدر وإن كن … ت مشارًا إليه بالتعظيم
فالشريف الكريم يصغر قدرًا … بالتعدي على الشريف الكريم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم … ر بتنجيسها وبالتحريم
رواها عَنْهُ القاضي بهاء الدين بْن شداد سماعًا (١).
وقد روى عنه محمد بن أبي البدر ابن المنّي، وغيره. وتوفي ﵀ في سادس شعبان.
١١١ - سعد الله بن نجا بن محمد بن فهد، أبو صالح ابن الوادي الدلال في الدور.
سمع الكثير من زاهر، وهبة الله بن عبد الله الشروطي، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله ابن الطبر، وطبقتهم. وبورك له في مسموعاته، وروى الكثير، وسمع منه خلق.
قال ابن الدّبيثي (٢): كان ثقة، مضى على الصحة، وأجاز لي مرويّاته.
قلت: روى عنه ابن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة من البغداديين. وتوفي في ذي الحجة.
١١٢ - شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج بن عمر الدينوري، ثم البغدادي، الإبري، الكاتبة، فخر النساء، مسندة العراق.
قال ابن الدّبيثي (٣): امرأة جليلة صالحة، ذات دين، وورع، وعبادة. سمعت الكثير وعمّرت، وصارت أسند أهل زمانها، وعني بها أبوها. وسمعت من طراد بن محمد الزينبي، وابن طلحة النعالي، وأبي الحسن بن أيوب، وأبي الخطّاب ابن البطر، وأحمد بن عبد القادر بن يوسف، والحسن بن أحمد بن سلمان الدقّاق، وثابت بن بندار، وأخيه أبي ياسر أحمد، وعبد الواحد بن علوان الشيباني، وجعفر السرّاج، وأبي منصور محمد بن هريسة، ومنصور بن
стр. 11870
حيد النيسابوري، وأبي البركات محمد بن عبد الله الوكيل، وأبي غالب الباقلاني، وجماعة.
روى عنها الحفّاظ الكبار أبو القاسم ابن عساكر، وأبو سعد السمعاني، وأبو محمد عبد الغني، وعبد القادر الرهاوي، وعبد العزيز ابن الأخضر، وأبو الفرج ابن الجوزي، وأبو محمد بن قدامة، والعماد إبراهيم بن عبد الواحد، والبهاء عبد الرحمن، والشهاب بن راجح، والقاضي أبو صالح الجيلي، والناصح ابن الحنبلي، والفخر الإربلي، وعبد الرزاق بن سكينة، وشيخ الشيوخ أبو محمد بن حمويه، والأعز ابن العلّيق، وإبراهيم بن الخير، وأبو الحسن ابن الجمّيزي، وأبو القاسم بن قمّيرة، ومحمد بن مقبل ابن المنّي، وخلق كثير.
وكانت تكتب خطًا مليحًا.
قال أبو الفرج ابن الجوزي (١): قرأت عليها كثيرًا من حديثها. وكان لها خطّ حسن. وتزوجت ببعض وكلاء الخليفة، وعاشت مخالطةً للدار ولأهل العلم. وكان لها برّ وخير. وقرئ عليها الحديث سنين، وعمّرت حتى قاربت المائة. وتوفّيت ليلة الاثنين رابع عشر المحرم، وصلّي عليها بجامع القصر، وأزيل شبّاك المقصورة لأجلها، وحضرها خلق كثير وعامة العلماء.
وقال الشيخ الموفّق، وقد سئل عنها انتهى إليها إسناد بغداد، وعمّرت حتى ألحقت الصغار بالكبار. وكان لها دار واسعة، وقلّ ما كانت تردّ أحدًا يريد السماع. وكانت تكتب خطًّا جيّدًا، لكنه تغير لكبرها.
وقال أبو سعد السمعاني في الذيل وذكرها، فقال: امرأة من أولاد المحدّثين، متميّزة فصيحة، حسنة الخط، تكتب على طريقة الكاتبة بنت الأقرع. وما كان ببغداد في زمانها من يكتب مثل خطّها. وكانت مختصّة بأمير المؤمنين المقتفي. سمّعها أبوها الكثير، وعمّرت حتى حدّثت. قرأت عليها جزء الحفّار (٢).
١١٣ - صالح بن عبد الملك بن سعيد، أبو الحسن الأوسي، المالقي.
стр. 11871
أخذ القراءات عن أبيه، وأبي المطرّف بن زيد الورّاق (١)، ومنصور ابن الخير. وروى عن أبي بحر الأسدي، وأبي القاسم بن رشد، وغالب بن عطيّة، وشريح، وخلق سواهم. وكان من أهل العلم والزهد. وكان يشارك في الأصول.
قال الأبّار (٢): لم يكن بالضابط. أخذ عنه أبو بكر بن أبي زمنين، وأبو الصبر السبتي، وابن عيشون وأجاز له في صفر من هذه السنة.
ولا نعلم وفاته.
١١٤ - ظفر بن محمد بن مسعود بن السدنك، أبو الفتح الحريمي.
سمع أبا الحسن العلاّف، وأبا علي بن نبهان، وغيرهما. سمع منه أبو سعد السمعاني، وذكره في الذيل. وروى عنه أحمد بن منصور الكازروني، وغيره، وابن الأخضر، وأبو المعالي بن شافع. وتوفي في رمضان (٣).
١١٥ - عبد الله بن الخضر بن الحسين، الفقيه أبو البركات ابن الشيرجي، الموصلي، الشافعي، أحد الأئمة.
انتفع به جماعة، وحصّل المذهب وناظر. وسمع أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور الشيباني، وجماعة. روى عنه غير واحد بالموصل، منهم: محمد بن علوان الفقيه، والقاضي بهاء الدين ابن شدّاد.
وكان زاهدًا إمامًا، متقشّفًا (٤).
١١٦ - عبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر، أبو رشيد الأصبهاني.
سمع الرئيس أبا عبد الله الثقفي، وأحمد بن عبد الغفار بن أشتة، وهو آخر من روى عنهما بأصبهان. وتوفي في ربيع الآخر عن نيّف وتسعين سنة.
روى عنه طائفة بأصبهان. وبالإجازة ابن اللتيّ، وكريمة.
١١٧ - عبد الله بن محمد بن علي بن خلف، أبو محمد الشاطبي.
أخذ القراءات عن أبيه. وسمع من أبي الوليد ابن الدبّاغ، وأبي إسحاق
стр. 11872
ابن جماعة، وأبي بكر بن أسد وتفقّه به. وأخذ الأدب عن جماعة. وعاش ستين سنة؛ ذكره الأبّار (١).
١١٨ - عبد الله بن محمد بن عيسى، أبو محمد ابن المالقي، الأنصاري، نزيل مرّاكش.
أخذ عن أبي الحكم بن برجان، واختلف إليه. وبرع في علمه. وكان فقيهًا، نظّارًا، خطيبًا، مفوّهًا متيقّظًا. وكان ذا دنيا واسعة وجاه (٢).
١١٩ - عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أبو نصر ابن الحافظ أبي الفرج، أخو أبي الحسين عبد الحق البغدادي.
من بيت حديث وصلاح. حدث عن أبي القاسم بن بيان، وابن نبهان، وأبي الحسن محمد بن مرزوق، وأبي طالب بن يوسف.
قال أبو المحاسن عمر بن علي القرشي: كتبت عنه، وكان خيّاطًا، خيّرًا، ذا مروءة تامة. ولد سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمكّة (٣).
قلت: حدّث ببغداد ودمشق؛ روى عنه ابن الأخضر، والشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، وعبد الحق الفيالي، والشمس أحمد بن عبد الواحد، وكتائب بن مهدي، وآخرون آخرهم عبد الحق بن خلف.
١٢٠ - عبيد الله بن عبد الله بن خلف بن عيّاش، أبو مروان الأنصاري، القرطبي، نزيل مالقة.
سمع الموطّأ من أبي محمد بن عتّاب سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وكان رجلًا صالحًا. حدّث عنه أبو العباس بن الجنان (٤) المالقي (٥).
١٢١ - علي بن عيسى بن هبة الله، الشيخ مهذّب الدين ابن النقّاش البغدادي، الطبيب، الأديب، صاحب أمين الدولة ابن التلميذ.
سمع من ابن الحصين، وحدّث. وكان بزّازًا، وكان أبوه أديبًا. توفي سنة
стр. 11873
أربع وأربعين، وهو من شيوخ ابن السمعاني.
قدم المهذّب دمشق وطبّ بها، ورأس واشتغل وأشغل، واشتهر ذكره. وخدم نور الدين بالطب والإنشاء، وخدم في زمانه في مارستانه. ثم طبّ صلاح الدين. وتوفي في المحرم بدمشق (١).
١٢٢ - علي بن محمد بن علي، الأصبهاني، الوزير، جلال الدين ابن الوزير جمال الدين الجواد، وزير صاحب الموصل.
وزر هذا للملك سيف الدين غازي بن مودود في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فظهرت منه فضيلة وخبرة بالديوان، وله خمس وعشرون سنة. ثم قبض عليه بعد سنتين فشفع فيه حموه كمال الدين وزير صاحب آمد، فأطلق له، فسار إلى آمد مريضًا، وتعلل ثم مات بدنيسر سنة أربع وسبعين، ثم حمل إلى المدينة النبوية، فدفن عند والده رحمهما الله تعالى (٢).
١٢٣ - علي بن مهدي بن علي بن قلنبا، أبو القاسم اللخمي، الفقيه الإسكندري.
وبنو قلنبا من أقدم بيت في الإسلام. يقال: إن أسلافهم حضروا فتح الإسكندرية.
ذكر هذا الحافظ ابن المفضّل، وقال: كان ثقة، وله أدب وشعر. حدّثنا عن أبي عبد الله الرازي، وأبي بكر الطرطوشي، وأبي الحسن التونسي.
قلت: وإليه ينسب جزء ابن قلنبا الذي للسلفي.
١٢٤ - علي بن خلف بن العريف، أبو القاسم الإسكندراني.
قال ابن المفضّل: توفي في صفر، وحدثنا عن أبي عبد الله الرازي.
١٢٥ - عمر بن محمد بن عبد الله بن الخضر بن مسافر، أبو الخطّاب العليمي، ثم الدمشقي، التاجر، ويعرف بابن حوائج كاش.
سافر للتجارة إلى مصر، والعراقين، وخراسان، وما وراء النهر. وكان يطلب الحديث ويسمع ويكتب حتى أكثر من ذلك. سمع نصر الله بن محمد المصّيصي، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وناصر بن عبد الرحمن النجار، وأبا القاسم بن البنّ بدمشق، والشريف ناصر بن إسماعيل الحسيني الخطيب، وعبد الله بن
стр. 11874
رفاعة بمصر؛ والسّلفي بالثغر؛ والحسين بن خميس بالموصل، ونصر بن المظفّر الشخص (١) بهمذان؛ وأبا الأسعد هبة الرحمن ابن القشيري، وأبا البركات عبد الله ابن الفراوي، وعمر بن أحمد الصفّار، وعبد الخالق بن زاهر بنيسابور، وهبة الله الدقّاق، ومحمد بن عبد الله الحرّاني، وابن البطيّ ببغداد. وبالغ حتى سمع من أقرانه ومن دونهم. وكان يفهم ويدري.
قال ابن النجار: كان صدوقًا محمود السيرة، روى اليسير ببغداد، ودمشق. حدثنا عنه ابن الأخضر وأثنى عليه، وسمع منه شيخه أبو سعد السمعاني.
وروى عنه زين الأمناء وقال: سمعته يقول: مولدي سنة عشرين وخمسمائة. قال: وتوفي بدمشق في شوال. وكان فاضلًا، حسن الأخلاق، طيب المعاشرة (٢).
١٢٦ - فتح بن محمد بن فتح، أبو نصر الإشبيلي، الأنصاري.
أخذ القراءات عن منصور بن الخيّر، وأبي العباس ابن القصبي، وأبي الأصبغ عيسى بن حزم، وغيرهم. وتصدّر بقرطبة مدةً، ثم أقرأ بشلب، ثم تحول إلى فاس، فأخذ عنه أبو القاسم ابن الملجوم، ومفرّج الضرير، وعبد الجليل بن موسى، وعقيل بن عطيّة.
توفي في شهر رجب (٣).
١٢٧ - كرم بن أحمد بن عبد الرحمن بن قنية (٤) الدارقزّي.
سمع الكثير بنفسه من أبي غالب ابن البنّاء، وأبي المواهب بن ملوك، والقاضي أبي بكر، وطائفة. وروى عنه صفيّة بنت عبد الجبار. وأضرّ بأخرة (٥).
стр. 11875
١٢٨ - محمد بن أحمد بن عبيد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، الإشبيلي أبو عبد الله ابن المجاهد الزاهد. وقيل لأبيه المجاهد لأنه كان كثير الغزو.
ولد أبو عبد الله في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، وقد سمع من أبي مروان الباجي؛ ولازم أبا بكر ابن العربي. وأخذ النحو عن أبي الحسن ابن الأخضر.
قال الأبّار (١): كان المشار إليه في وقته بالصلاح والورع والعبادة وإجابة الدعاء. كان أحد أولياء الله الذين تذكّر به رؤيتهم. آثاره مشهورة وكراماته معروفة ﵁، مع الحظ الوافر من الفقه والقراءات. وعمّر وأسنّ. وأخذ عنه أبو بكر بن خير، وأبو عمران الميرتلي (٢) وهو الذي سلك طريقته من بعده، وأبو عبد الله بن قسّوم الفهمي، وأبو الخطاب بن الجميّل. وتوفي في شوال.
وكان قد انقطع من مجلس أبي بكر ابن العربي، فقيل له في ذلك، فقال: كان يدرّس وبغلته عند الباب ينتظر الركوب إلى السلطان.
١٢٩ - محمد بن عبد الرحمن بن أحمد، أبو عبد الرحمن القيسي، المرسي، الفقيه.
أخذ بقرطبة عن أبي مروان بن مسرة وطبقته. ثم أقبل على مطالعة كتب الأوائل، فصار إمامًا فيها، والله أعلم بما يعتقده منها. توفي بمرّاكش (٣).
١٣٠ - محمد بن علي بن أحمد بن واصل، أبو المظفّر ابن الموازيني، المصري، ثم البغدادي سبط ابن الإخوة.
روى عن ابن بيان الرزّاز. وعنه ابن الأخضر وابن الحصري (٤).
١٣١ - محمد بن نسيم بن عبد الله العيشوني، أبو عبد الله، كان نسيم مولى أبي الفضل بن عيشون.
стр. 11876
سمع محمد من أبي الحسن ابن العلاف، وأبي القاسم بن بيان. روى عنه ابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، والمأمون بن أحمد الرشيدي، وعبد القادر الرهاوي، والحسين بن باز الموصلي، وأبو الحسن علي ابن الجمّيزي، وآخرون.
ومات شهيدًا، فإنه وقع من سلّم بيته فمات لوقته في جمادى الآخرة (١).
١٣٢ - محمد بن هبة الله بن عبد الله، السديد، السلماسي، الفقيه الشافعي.
قال ابن خلّكان (٢): هو الذي شهر طريقة الشريف بالعراق، قصده الناس واشتغلوا عليه، وخرج من تلامذته علماء ومدرّسون منهم العماد محمد والكمال موسى ابنا يونس، والشرف محمد بن علوان بن مهاجر. وكان مسددًا في الفتوى. أعاد ببغداد بالنظامية، وأتقن عدة فنون. وتوفي في شعبان.
١٣٣ - المبارك بن محمد بن مكارم بن سكّينة (٣)، أبو المظفّر.
بغدادي محتشم، روى عن أبي القاسم بن بيان. وعنه ابن الأخضر.
توفي في رجب بأرض السواد.
ذمّه ابن النجار بأكل الربا.
١٣٤ - المشرّف بن علي بن مشرّف بن المسلم، أبو الفضل الأنماطي.
توفي بالإسكندرية، ومولده سنة ست وخمسمائة. قاله ابن المفضّل الحافظ.
*المهذّب ابن النقّاش الطبيب.
هو علي بن عيسى البغدادي، مرّ (٤).
١٣٥ - نفيس بن دينار الرزّاز.
стр. 11877
روى عن ابن الحصين. وعنه تميم البندنيجي.
١٣٦ - ياقوت النقّاش.
عن ابن الحصين. وعنه ابن الأخضر، وجماعة (١).
وفيها ولد:
الصدر البكري، وإبراهيم بن نجيب بن بشارة بالقاهرة، والحسن بن علي بن منتصر الكتبي، وأحمد بن حامد بن أحمد الأرتاحي.
стр. 11878
سنة خمس وسبعين وخمسمائة
١٣٧ - أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن، أبو بكر الفارسي. شيخ رباط الزوزني ببغداد.
قال ابن الدّبيثي (١): كان كثير العبادة دائم الصوم والصلاة والتلاوة، وهو أصغر من أخيه الحسن. وقد سمع هبة الله بن الطبر، وأبا بكر الأنصاري، وابن زريق الشيباني، وغيرهم. سمع منه محمد بن سعد الله الدجاجي، ومحمد بن علي ابن الرأس. توفي كهلًا في ذي القعدة.
١٣٨ - أحمد بن عبد الرحمن بن سلمان بن حمزة بن الخضر السّلمي، الدمشقي، أبو الحسين.
سمع عم أبيه عبد الكريم بن حمزة. روى عنه أبو المواهب، وأبو القاسم ابنا صصرى. وتوفي في ذي القعدة وقد جاوز السبعين.
١٣٩ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ابن الدينوري، أبو العباس البغدادي
شيخ مقلّ. سمع أبا علي ابن المهدي، وابن الحصين. وعنه أبو المحاسن القرشي، وابنه عبد الله بن عمر.
توفي في رمضان (٢).
١٤٠ - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو العباس اليافعي، السبتي.
روى عن شريح، والقاضي عياض. وعنه أبو الخطاب بن دحية، وغيره (٣).
١٤١ - أحمد بن مسعود بن عبد الواحد بن مطر، أبو العباس الهاشمي، البغدادي.
سمع أبا الغنائم النرسي، وأبا الحسن بن محمد بن مرزوق. سمع منه
стр. 11879
ابناه، وعمر بن علي، وغير واحد. وروى عنه الشيخ موفق الدين، والبهاء عبد الرحمن، وآخرون.
توفي في شعبان وله ثمان وسبعون سنة (١).
١٤٢ - أحمد بن أبي الوفاء بن عبد الرحمن بن عبد الصمد، أبو الفتح، البغدادي، الحنبلي، ابن الصائغ. ويعرف بغلام أبي الخطاب لخدمته له.
روى عن أبي القاسم بن بيان. وحدّث بحلب، وحرّان. روى عنه الحافظ أبو محمد عبد الغني، والحافظ يوسف بن أحمد الشيرازي، وأبو القاسم بن صصرى، وإبراهيم بن أبي الحسن الزيّات، وأخواه محمد وبركات، وعلي بن سلامة الخياط، وعمار بن عبد المنعم بن منيع، وعبد الحق بن خلف، وسليمان بن أحمد المقدسي الفقيه، وابنه عبد الرزاق بن أحمد.
وتوفي بحرّان (٢).
قال ابن النجار: درّس بحرّان وأفتى. مولده سنة تسعين وأربعمائة، وتوفي سنة ستّ (٣). كذا قال في موته.
١٤٣ - إبراهيم بن علي، أبو إسحاق السّلمي، الآمدي، ظهير الدين ابن الفرّاء.
قرأ ببعض الروايات على أبي عبد الله البارع. وسمع من ابن الحصين، والفراوي. وتفقّه على أسعد الميهني. وعلّق الخلاف بنيسابور عن الإمام محمد بن يحيى. وحدّث بصحيح مسلم. ومولده سنة إحدى وخمسمائة. وكان فقيهًا، مهيبًا، عارفًا بمذهب الشافعي (٤).
ومن شعره:
تَحَامَتْهُ غزْلان الحِمَى ومها النَّقا … كما تَتَحَامى العَيْنُ سهْمًا مُفَوقا
وبات يرجّي من مزار مزور … وِصالًا مُحالًا واعتِذارًا منمقا
وكم جمعت بين الشتيتين غفوةٌ … فما التَقَتِ الأجفانُ حتى تفرّقا
стр. 11880
١٤٤ - إبراهيم بن علي بن مواهب، أبو إسحاق ابن الزّرّاد الأزجيّ.
سمع أبا الغنائم محمد بن علي النّرسيّ، وابن الحصين. روى عنه أبو سعد السّمعانيّ وهو أقدم منه، وأبو الحسن القطيعيّ في تاريخه.
توفّي ﵀ في تاسع رجب (١).
١٤٥ - إسحاق بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضِر، أبو طاهر بن أبي منصور ابن الجواليقيّ.
سمع زاهر بن طاهر، وابن الحصين، وجماعة. وولد سنة سبع عشرة (٢).
١٤٦ - إسماعيل بن موهوب ابن الجواليقيّ، أبو محمد.
توفّي في شوّال بعد أخيه إسحاق بشهرين. وكان إسماعيل أديبًا لغويًّا.
قرأ على والده. وسمع من ابن الحصين، وأبي العزّ بن كادش. وأقرأ الناس العربية بعد أبيه. وروى عنه ابن الأخضر، وغيره. وولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
قال ابن النجّار: كان من أعيان العلماء بالأدب، صحيح النّقل، كثير المحفوظ، ثقة، نبيلًا، مليح الخط. تأدّب على أبيه، وله حلقة بجامع القصر. وقد كتّب أولاد الخلفاء كأبيه، مع النزاهة والدّيانة والرّزانة.
قال ابن الجوزي: ما رأينا ولدًا أشبه أباه مثل إسماعيل ابن الجواليقيّ (٣).
١٤٧ - إسماعيل بن أبي القاسم نصر بن نصر، العُكبَريّ، أبو محمد الواعظ.
سمع أبا طالب بن يوسف، وأبا سعد أحمد ابن الطيوري. وتوفّي في شوّال، وولد سنة خمسمائة.
стр. 11881
قال ابن النّجار: كان فقيهًا شافعيًّا، حسن الوعظ (١).
١٤٨ - اليسَع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليَسَع، أبو يحيى الغافقيّ، الجيّانيّ، المقرئ.
سكن أبوه المَريّة. أخذ القراءات عن أبيه، وأبي العبّاس القصبي، وأبي القاسم بن أبي رجاء، وأبي الحسن شُريح. وسمع منهم، ومن أبي عبد الله بن زُغيبة، وابن موهَب الجذاميّ، وأبي الفضل بن شرّف، وابن أخت غانم. ولقي ببلنسية: أبا حفص بن واجب، وأبا إسحاق بن خفاجة الشاعر. وأجاز له أبو محمد بن عتّاب، وأبو عمران بن أبي تليد، وجماعة.
ورحل واستوطن الإسكندريّة، وأقرأ بها القراءات. ثم رحل إلى القاهرة واشتمل عليه الملك صلاح الدين، ورسم له جاريًا يقوم به. وكان يكرمه ويحترمه ويقبل شفاعته. وكان من أوّل من خطب بالدعوة العباسيّة.
وكان فقيهًا، مشاوَرًا، مقرئًا، محدّثًا، حافظًا، نسّابة، بديع الخط، بليغ الإنشاء، رائق النظم. وله تصنيف سمّاه المُغرب في محاسن المغرب. وقيل: هو متّهم في هذا التصنيف.
روى عنه أبو عبد الله التُجيبيّ، والحافظ أبو الحسن بن المفضّل، وأبو القاسم ابن الصفراويّ، وآخرون. وقرأ عليه بالروايات ابن الصفراويّ، وغيره.
وتوفّي في رجب وقد جاوز السبعين (٢).
١٤٩ - تجنّي أم عِتب الوهبانيّة، عتيقة أبي المكارم بن وهبان.
شيخة مسندة معمّرة. وهي من آخر من سمع في الدنيا من طراد الزَّينبيّ، وابن طلحة النّعالي. روى عنها أبو سعد السّمعانيّ، والشيخ الموفّق، والبهاء عبد الرحمن، والناصح بن نجم الحنبليّ، وعبد الرحيم بن عمر بن علي القرشيّ، وعمر بن عبد العزيز ابن النّاقد، وعبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، وأبو الفتوح نصر ابن الحصري، وهبة الله بن الحسن الدّوامي، وسيّدة بنت عبد الرحيم ابن السّهرورديّ، ومحمد بن عبد الكريم السّيّديّ، وزُهرة بنت
стр. 11882
حاضر، وفخر النساء بنت الوزير محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء، ويوسف بن يحيى البزّاز، وأبو البدر بن منصور بن عبد الله بن عفيجة، وإبراهيم بن الخيّر، ويحيى بن القُميرة، وآخرون.
قال ابن الدّبيثي (١): أجازت لنا، وتوفّيت في شوّال.
١٥٠ - الحجّاج بن عليّ بن حجّاج، أبو القاسم ابن الدّبيثي، الواسطيّ.
قال ابن الدّبيثي (٢): هو جدّي لأمّي. سمع بواسط من القاضي الجلابي. وسمع ببغداد من أبي السعادات أحمد بن أحمد، وابن الحصين. سألته عن مولده فقال: سنة خمس وخمسمائة يوم عاشوراء وتوفّي ﵀ في صفر. سمعته يتمثّل بشِعر.
١٥١ - الحسن المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين أبو محمد ابن المستنجد بالله يوسف ابن المقتفي محمد ابن المستظهر أحمد ابن المقتدي الهاشميّ العبّاسيّ.
بويع بالخلافة بعد موت أبيه في ربيع الآخر سنة ستّ وستّين وخمسمائة. وكان القائم بأخذ البيعة له الوزير عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن رئيس الرؤساء واستوزره يومئذ.
ولد المستضيء في سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وكان ذا حلم وأناة، وفيه رأفة. وكان كثير الصّدقة والمعروف. وأمه أرمنية تدعى غضة، وكان له من الولد أحمد، وهو الإمام الناصر، وهاشم أبو منصور.
قال ابن الجوزي في المنتظم (٣): بايعه الناس ونودي برفع المكوس، وردّ مظالم كثيرة، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا. وفرّق مالًا عظيمًا على الهاشميّين، والعلويين، والعلماء، والمدارس، والرُبط. وكان دائم البذل للمال ليس له عنده وقع. ولمّا استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم، فحكى خيّاط المخزن أنّه فصّل ألفًا وثلاثمائة قباء إبريسم. وخُطب له على
стр. 11883
منابر بغداد، ونُثرت له الدنانير كما جرت العادة. ووُلّى رَوح ابن الحديثيّ قضاء القضاة، ثم أمّر سبعة عشر مملوكًا.
وللحيص بيص فيه:
يا إمامُ الهُدَى علوتَ عن الجو … د بمالٍ وفضّةٍ ونضارٍ
فوهبتُ الأعمارَ والأمن والبل … دان فِي ساعةٍ مَضَتْ من نَهَارِ
فبماذا نُثْني عليك وقد جا … وزت فضلَ البُحُورِ والأمطارِ
إنما أنت مُعجِزٌ مستقلٌّ … خارقٌ للعقول والأفكار
جمعَت نفسُك الشريفة بالبأ … س وبالجود بين ماءٍ ونارِ
قال ابن الجوزي (١): واحتجب المستضيء عن أكثر الناس، فلم يركب إلاّ مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قَيماز.
وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد المصريين، وخُطب له بمصر، وضُربت السكّة باسمه، وجاء البشير بذلك إلى بغداد، فغلّقت الأسواق ببغداد وعُملت القباب. وصنّفتُ كتابًا سمّيته النصر على مصر وعرضته على الإمام المستضيء. توفّي في شوّال.
قلت: رُزق سعادة عظيمة في خلافته، وخطب له باليمن، وبرقة، وتَوزر، ومصر إلى أسوان. ودانت الملوك بطاعته. وكان يطلب ابن الجوزي، ويأمر بعقد مجلس الوعظ، ويجلس بحيث يُسمَع، ويميل إلى الحنابلة. وفي أيّامه ضعُف الرفض ببغداد ووهى، وأمِن الناس.
وقال ابن النجار: بويع المستضيء وله إحدى وعشرون سنة، وهذا وهم، قال: وكان حليمًا، رحيمًا، شفيقًا، ليّنًا، كريمًا. نقلت من خط أبي طالب بن عبد السميع أنّه كان من الأئمة الموفّقين كثير السخاء، حسن السيرة، إلى أن قال: اتصل بي أنّه وهب في يوم لجهات وحظايا زيادةً على خمسين ألف دينار.
وقال عبد العزيز بن دلف: حدثنا مسعود بن النادر قال: كنت أنادم المستضيء، وكان صاحب المخزن ابن العطّار قد عمل تور شمعة من ألف
стр. 11884
دينار. قال: فحضر وفيه الشمعة، فلمّا قمت قام الخادم بها بين يديّ، فأطلق لي التور.
مات في سلخ شوّال (١).
١٥٢ - سالم بن عليّ بن سلامة الدلاّل ابن البيطار.
بغداديّ، سمع بنفسه من القاضي أبي بكر الأنصاريّ، وعليّ ابن الصبّاغ، وجماعة. وحدّث (٢).
١٥٣ - سعيد بن عبد الله بن أحمد بن مفضّل، أبو القاسم الأزَجيّ.
سمع أبيًا النرسيّ، ومحمد بن عبد الباقي الدُّوريّ. وكان كاتبًا مذموم السيرة. سمع منه أبو محمد ابن الخشاب، والقدماء. وتوفّي في شعبان (٣).
١٥٤ - شافع بن صالح بن شافع بن حاتم الجيليّ ثم البغداديّ، أخو الحافظ أحمد بن صالح، وشافع الأكبر.
وكان من عدول بغداد. سمع أبا سعد ابن الطيوري، وهبة الله بن الحصين، وهبة الله الشروطيّ. روى عنه إلياس بن جامع الإربليّ، وجماعة.
قال ابن الدّبيثي (٤): أجاز لنا، وتوفّي في آخر السنة.
١٥٥ - الضحاك بن أبي الفوارس محمد بن هبة الله، أبو شجاع البوّاب.
أسمعه خاله علي بن أبي سعد الخبّاز من أبي نصر بن رضوان، وهبة الله ابن الحصين. روى عنه غير واحد (٥).
١٥٦ - عبد الله بن أحمد بن بكران، أبو محمد الداهريّ الضرير المقرئ، والد عبد السلام الخفّاف. والداهرية من قرى السّواد.
قرأ على سبط الخيّاط. وسمع من أبي غالب ابن البنّاء. وتوفّي راجعًا من الحج (٦).
стр. 11885
١٥٧ - عبد الله بن أحمد بن عليّ بن قرشيّ، أبو الوليد الحجريّ القرطبي.
سمع من أبي الوليد ابن الدباغ، وأبي الحسن بن النعمة، وجدّه لأمه أبي الحسن بن فيد. وصحِب أبا بكر عتيق ابن الخصم وتأدّب به، وبأبي الحسن بن سعد الخير. ومهر في صناعة العربية واللغة، وجلس لإقرائهما. وله النظم والنثر؛ أخذ عنه أبو عبد الله بن سعادة النحويّ، وغيره (١).
١٥٨ - عبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أبو الحسين.
الشيخ، الثقة، من بيت الحديث والفضل. ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وسمّعه أبوه الكثير من أبي الحسين ابن الطيوري، وجعفر السرّاج، وأبي القاسم الربعي، وأبي سعد بن خشيش، وأبي الحسن العلاّف، وابن بيان، وخلق سواهم.
وكان أبو الفضل بن شافع يقول: هو أثبت أقرانه.
وقال عبد العزيز بن الأخضر: كان عبد الحق لا يحدّث بما سمعه حضورًا، ترك ذلك تورّعًا.
روى عنه ابن السمعاني، وذكره في تاريخه، وأبو الفرج ابن الجوزي (٢)، وقال: كان حافظًا لكتاب الله، ديّنًا، ثقة، سمع الكثير وحدّث. وهو من بيت المحدّثين.
وقال البهاء عبد الرحمن: سمعنا كثيرًا على عبد الحق، وكان من بيت الحديث فإنّه روى لنا عن أبيه عن أبيه عن أبيه.
قال: وكان صالحًا فقيرًا، وكان عسِرًا في السماع جدًا. ورزقت منه حظًّا، لأنّه كان يراني منكسرًا مواظبًا، وكان يعيرني الأجزاء فأكتبها. وأُلهم في آخر عمره القرآن، فكان يقرأ كل يوم عشرين جزءًا أو أكثر.
قلت: وروى عنه الحافظان عبد العزيز ابن الأخضر، وعبد القادر الرُهاوي، والشيخ موفق الدين، والحافظ عبد الغنيّ، والشّهاب ابن راجح، وحمد بن
стр. 11886
صدّيق الحرّانيّ، وأبو الحسن القطيعيّ، وعبد الرحمن بن بختيار، وقيصر البوّاب، وإبراهيم ابن الخيّر، ويحيى ابن القميرة، وعليّ بن هبة الله ابن الجمّيزيّ، والأعز ابن العلّيق، ومحمد بن عبد الكريم السِيديّ، وخلق سواهم.
وقال ابن مشِّق: توفّي في السادس والعشرين من جمادى الأولى (١).
١٥٩ - عبد المحسّن بن تُريك بن عبد المحسّن بن تريك، أبو الفضل الأزَجيّ البيّع.
سمع أبا الغنائم النّرسيّ، وأبا القاسم بن بيان، وأبا عبد الله الدّوري. سمع منه أحمد وتميم ابنا أحمد البندنيجيّ، وعبد العزيز ابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، ونصر بن عبد الرزاق، وآخرون.
توفّي يوم عرفة (٢).
١٦٠ - عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، أخو الشيخ أبي عمر، والشيخ الموفّق.
ولد في أوّل سنة خمسين، وعاش خمسًا وعشرين سنة. ومات في طريق الحج. وقد سافر إلى بغداد، وسمع من شُهدة، وعبد الحق، وجماعة. وكان ذا مروءة وكرم. رمي بسهم بين مكّة وعرفات فبقي منه مريضًا حتى مات بين تيماء والمدينة.
قال الضّياء: وسمعت أنّ ابنه الشّرف كان طفلًا نائمًا، فانتبه فقال: الساعة يدفنون أبي، فزجرته أمّه. فلمّا قدم الحاج تبيّن أنهم دفنوه تلك الليلة. خلّف من الولد: أحمد، وسارة، وزينب.
١٦١ - علم زوجة الشيخ محمد بن يحيى الزّبيدي.
امرأة زاهدة، صالحة، واعظة. قدمت بغداد مع زوجها، وهي أم المبارك وجدّة الحسين. تزوّج بها بدمشق، وعُمّرت دهرًا (٣).
стр. 11887
١٦٢ - عليّ بن أحمد بن محمد بن عمر بن حسن، أبو الحسن العَلويّ الحسينيّ الزيديّ البغداديّ القدوة السيّد الفقيه الشافعي المحدّث.
قال ابن الدّبيثي (١): أحد الأعيان والزّهّاد والنسّاك. حفظ القرآن وحصّل الفقه، وكتب الكثير من الحديث وجمعه. وكان نبيلًا، جامعًا لصفات الخير. سمعت شيخنا ابن الأخضر يعظّم شأنه ويثني عليه ويصف زهده ودينه. وقال: أوّل سماعه سنة سبع وأربعين وإلى آخر عمره. سمع الحافظ ابن ناصر، وابن الزاغونيّ، ونصر ابن العكبريّ. وانتخب لنفسه أجزاء، وحدّث بها وسمع منه شيوخه وأقرانه تبرّكًا به، منهم عمر القرشيّ، وعمر العُليميّ، وأبو المواهب بن صصرى. وكان ثقة صدوقًا. ولد سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وتوفّي في شوّال وأبواه في الحياة، ودفن بداره. ووقف كتبه، وانتفع بها الناس.
وقيل: إنّ الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء لمّا عاد إلى الوزارة بعث إليه بألف دينار، وكان نذَرها إن عاد إلى الوزارة، فلمّا سمع المستضيء بذلك بعث إلى الشريف بألف دينار أخرى، وبعثت إليه بنفشه أمّ الخليفة بألف دينار، فلم يتصرّف فيها بل بنى مسجدًا واشترى كتبًا كثيرة وقفها فيه وانتفع بها الناس (٢).
١٦٣ - عليّ بن حُميد بن عمّار، أبو الحسن الأنصاريّ الأطرابلسيّ ثم المكيّ النحويّ المقرئ.
حدّث في هذا العام بصحيح البخاريّ، عن أبي مكتوم عيسى بن أبي ذرّ الهرويّ سماعًا، وهو آخر من سمع منه. روى عنه محمد بن عبد الرحمن التُجيبيّ الأندلسيّ، وعبد الرحمن بن أبي حرَميّ فتّوح بن بنين المكّي العطّار، وناصر بن عبد الله المصريّ العطّار نزيل مكة ستين عامًا، وأبو الربيع سليمان بن أحمد السّعديّ المغربل الشارعيّ، وآخرون. حدّث في سنة خمس وسبعين (٣).
стр. 11888
١٦٤ - عليّ بن هبة الله بن عليّ بن خلدون، أبو المعالي الواعظ.
ولد ببغداد، ونشأ بالكوفة، وحج، ودخل مصر فتعلّم الوعظ، ثم قدم دمشق وسمع بها من أبي الحسين علي ابن الموازيني. وسكنها حتى مات.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى وقال: توفي في ربيع الآخر عن ثلاث وتسعين سنة ممتّعًا بحواسه (١).
قلت: وروى عنه عتيق السلماني، ومكي بن علان.
١٦٥ - عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي، أبو المحاسن القرشي الزبيري الدمشقي القاضي الحافظ.
قال ابن الدّبيثي (٢): حافظ، ثقة، عالم. عني بطلب الحديث وبسماعه، وكتابته. وسمع بدمشق، وحلب، وحرّان، والموصل، وبغداد، والكوفة، والحجاز، ورزق الفهم في الحديث. سمع أبا الدر ياقوت، وأبا القاسم بن البنّ، وأبا طالب عبد الرحمن ابن العجمي، وحامد بن محمود الحرّاني. وقدم بغداد في سنة ثلاث وخمسين، وسكنها. وسمع أبا الوقت، وأبا جعفر العباسي، وأبا المظفر ابن التريكي، وأبا محمد ابن المادح، فمن بعدهم. حتى سمع من أصحاب قاضي المرستان. وصحب أبا النجيب السهروردي. وولاّه قاضي القضاة روح ابن الحديثي قضاء الحريم. ونفّذ رسولًا إلى نور الدين وما كان بلغ الثلاثين سنة. سمع منه أبو بكر الباقداري، وأحمد بن أحمد البندنيجي، وأبو الفتوح ابن الحصري، وابنه أبو بكر عبد الله بن عمر. وأجاز لي. ولد بدمشق في شعبان سنة ست وعشرين. وتوفي في ذي الحجة.
١٦٦ - عمر بن المبارك بن أحمد بن سهلان، أبو حفص النعالي.
سمع الحديث، وطلب بنفسه؛ سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا العز بن كادش، وجماعة.
كتب عنه أبو سعد السمعاني وذكره في الذيل فقال: كان صالحا صدوقا خيرا، قنوعا، كتب لي جزءا وحدثني به، وقال لي: ولدت سنة خمسمائة.
стр. 11889
قلت: وعاش بعد أبي سعد دهرا، وحمل الناس عنه، وتوفي في ذي القعدة (١).
١٦٧ - عيسى بن أحمد بن محمد بن عبيد الله، أبو هاشم الدوشابي، الهاشمي، العباسي، البغدادي، الهرّاس. وهو منسوب إلى دوشاب (٢) بن علي العباسي.
سمع من أبي عبد الله الحسين بن علي ابن البسري.
قال أبو سعد السمعاني: كان هرّاسًا، كتبت عنه حديثين.
قلت: وروى عنه البهاء عبد الرحمن، وأبو بكر عبد الله بن نصر قاضي حرّان، وحمد بن صديق، وابن المقيّر، وجماعة. وتوفي في رجب (٣).
١٦٨ - عيسى ابن الإمام المسترشد بالله.
توفي كهلًا في المحرم.
١٦٩ - القاسم بن عبد الرحمن بن دحمان، أبو محمد الأنصاري، المالقي، المقرئ.
قال الأبّار (٤): أخذ القراءات عن أبي منصور ابن الخير، وأبي عبد الله ابن أخت غانم، وأبي الحسين ابن الطراوة، وأبي الفتح سعدون المرادي أخذ عنه كتب النحو. وناظر في المدونة على: أبي محمد ابن الوحيدي، وأبي عبد الله ابن الأديب. وسمع منهما صحيح البخاري. وأجاز له أبو بحر الأسدي، وأبو عبد الله بن الحاج، وجماعة. وكان مقرئًا جليلًا، نحويًا ماهرًا، عالمًا بالقراءات والعربية، متصدّرًا لإقرائها. حدّث عنه جماعة من شيوخنا. وقد أخذ عنه أبو زيد السهيلي مع تقدّمه، وأبو الحسن بن خروف. توفي بمالقة وقد نيّف على الثمانين.
стр. 11890
١٧٠ - محمد بن أحمد بن الفرج، أبو منصور الدقّاق، البغدادي الوكيل بباب القاضي. وهو أحد الإخوة الأربعة.
سمّعه خاله الحافظ محمد بن ناصر من أحمد بن محمد ابن المحاملي، وعبد الله بن أحمد ابن السمرقندي، وأبي طالب اليوسفي، وأبي العز القلانسي. وحدّث عنهم. وكان ثقة. روى عنه الحافظ أبو بكر الحازمي، وأبو محمد ابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، وطائفة سواهم.
وتوفي في ذي الحجة. وكان مولده في سنة أربع وخمسمائة (١). وأول سماعه سنة إحدى عشرة من ابن يوسف.
١٧١ - محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل، أبو الفرج الأديب الهيتي.
سمع أبا القاسم بن الطبر، وعبد الوهاب الأنماطي. وقرأ العربية على ابن الشجري. كتب عنه ابن السمعاني مع تقدّمه. وتوفي في ربيع الآخر (٢).
١٧٢ - محمد بن خير بن عمر بن خليفة، المقرئ، الأستاذ، الحافظ، أبو بكر اللمتوني، الإشبيلي.
أخذ القراءات عن شريح، واختص به حتى برع وفاق. وسمع من أبي مروان الباجي، وأبي بكر ابن العربي. ورحل إلى قرطبة فسمع من أبي جعفر بن عبد العزيز، وابن عمه أبي بكر، وأبي القاسم بن بقي، وابن مغيث، وابن أبي الخصال، وطائفة.
قال الأبّار (٣): وكان مكثرًا إلى الغاية بحيث إنه سمع من رفاقه، وسمع أكثر من مائة نفر. ولا نعلم أحدًا من طبقته مثله. وتصدّر بإشبيلية للإقراء والإسماع. وأخذ الناس عنه. وكان مقرئًا مجوّدًا، ومحدّثًا متقنًا، أديبًا، نحويًا، لغويًا، واسع المعرفة، رضًا، مأمونًا. ولما مات بيعت كتبه بأغلى ثمن لصحّتها. ولم يكن له نظير في هذا الشأن مع الحظ الأوفر من علم اللسان.
стр. 11891
توفي في ربيع الأول، وكان له جنازة مشهودة. وولد سنة اثنتين وخمسمائة. أكثر عنه شيخنا ابن واجب.
١٧٣ - محمد ابن قاضي القضاة أبي الحسن علي بن أحمد بن علي بن محمد بن علي. القاضي أبو الفتح ابن الدامغاني.
كان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وناب في الحكم عن والده. وتوفي شابًا عن سبع وعشرين سنة (١).
١٧٤ - محمد بن علي بن حمزة بن محمد، أبو يعلى ابن الأقساسي، العلوي، الشريف، الكوفي، أخو النقيب أبي محمد الحسن بن علي.
كان كاتبا أديبًا، شاعرًا. سمع من أبي النرسي، وأبي البركات عمر بن إبراهيم العلوي. وتوفي في ذي الحجة وقد قارب الثمانين (٢).
١٧٥ - محمد ابن القاضي عياض بن موسى بن عياض. اليحصبي السبتي أبو عبد الله قاضي دانية.
قيل: توفي في هذه السنة، أو سنة اثنتين وسبعين (٣).
١٧٦ - محمد بن أبي غالب بن أحمد بن مرزوق، الحافظ أبو بكر الباقداري، الضرير.
قدم بغداد في صباه من باقدار، وقرأ على جماعة. وسمع الحديث من خلق كثير.
وقال ابن الدّبيثي (٤): وانتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه، وعليه كان المعتمد فيه.
وقال أبو الفتوح ابن الحصري: هو آخر من بقي من حفّاظ الحديث الأئمة.
وقال ابن الدّبيثي (٥): سمعت غير واحد من شيوخنا يذكرون أبا بكر الباقداري، ويصفونه بالحفظ ومعرفة الرجال، والمتون، والإتقان، مع كونه
стр. 11892
ضريرًا مقصورًا، إلاّ أنه كان حفظة، حسن الفهم. سمع أبا محمد سبط الخيّاط، وابن ناصر، وابن الزاغوني، والفضل بن سهل الإسفراييني، والناس بعدهم. وبلغني أن ابن ناصر كان يراجع الباقداري في أشياء، ويرجع إلى قوله.
وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم، وذكر ابن الباقداري فقال (١): كان أبوه أحد حفاظ بغداد المشهورين بمعرفة الرجال، والتقدّم مع ضرره.
قلت: وسمع منه إبراهيم الشعار، وعمر بن علي القرشي، ونصر ابن الحصري.
وقال ابن الدّبيثي (٢): أخبرنا عبد الله بن عمر الوكيل، قال: أخبرنا الحافظ أبو بكر، قال: أخبرنا ابن الزاغوني، وسعيد ابن البنّاء، وابن المادح قالوا: أخبرنا أبو نصر الزينبي، فذكر من البعث أن النبي ﷺ توفيت بنته زينب، فخرج لجنازتها. . الحديث (٣).
توفي الحافظ أبو بكر في ذي الحجة كهلًا. وكانت بنته عجيبة من أسند شيوخ بغداد. سمّعها واستجاز لها الكبار.
١٧٧ - محمد بن محمد ابن الأنباري، أبو الفرج. صاحب ديوان الإنشاء ببغداد.
ناب في الوزارة. وقد كتب الإنشاء سبعة عشر عامًا وأشهرًا. وحدث عن عبد الله بن أحمد ابن السمرقندي.
توفي في ذي القعدة وله ثمان وستون سنة.
روى عنه أحمد بن طارق الكركي.
وكان ناقص الفضيلة، ظاهر القصور في الترسّل. وإنما روعي لأجل
стр. 11893
والده سديد الدولة محمد بن عبد الكريم (١).
١٧٨ - محمد بن محرز، أبو عبد الله الوهراني المغربي، ركن الدين. وقيل: جمال الدين. أحد ظرفاء العالم وأدبائهم.
قدم من بلاده إلى ديار مصر وهو يدّعي أنه يعرف صناعة الإنشاء، فرأى بها القاضي الفاضل والعماد الكاتب وتلك الحلبة، فعلم من نفسه أنه ليس من طبقتهم، فسلك سبيل الهزل، وعمل المنامات المشهورة، والرسائل المعروفة. ولو لم يكن في ذلك إلاّ المنام الكبير لكفاه، فإنه ما سبق إلى مثله.
قدم دمشق وأقام بها مديدة، وبها توفي في رجب.
وأما وهران فمدينة كبيرة على أرض القيروان بينها وبين تلمسان يومان. بنيت سنة تسعين ومائتين (٢).
فمن كلامه، مما كتب به إلى القاضي الأثير: فالخادم كلما ذكر تلك المائدة الخصيبة، وما يجري عليها من الخواطر المصيبة علم أن التخلف عنها هو المصيبة. لكنه إذا ذكر ما يأتي بعدها من القيام والقعود، والركوع والسجود، علم أن هذا أجرة ما يأكله من تلك الوليمة، نحو من عشرين تسليمة، كل لقمة بنقمة، فما تحصل الشبعة إلا بأربعين ركعة، فيكون الدعوة عليه لا له، والحضور في الشرطة أحب إليه منها له. فزهدت حينئذ في الوصول، إذ ليس للخادم من الدين، ولا قوة اليقين، ما يهجر لأجله مؤاكلة الوجوه القمرية، بمشاهدة السنة العمرية. فموعد الإتمام انقضاء شهر الصيام، والسلام.
وكتب رقعة إلى أبي القاسم العوني الأعور: يا مولانا الشيخ الزاهد، دبّوس الإسلام، لتّ الفقهاء، قنطارية العلماء، تافروت الأئمة، طبل باز السنة، نصر الله خاطرك، وستر ناظرك. أنت تعلم أن الله ما خلقك إلاّ تلعة، فكن في رقاب الرافضة واليهود، وما صوّرك إلاّ لالكة في رؤوس المبتدعة، وأراذل الشهود. وأنت بلا مرية جعموس عظيم، ولكن في ذقون الزائغين، فالله
стр. 11894
ينفعك بالإسلام، ولا يوقعك يوم القيامة في يد علي ﵇، وأن ينقذك من الهاوية، بشفاعة معاوية.
وله: وصل كتاب الأمير المولى تقي الدين مصطفى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، حتى يتوب المخلص من القيادة، وينقطع المعيدي إلى العبادة، بألفاظ أحسن من فتور الألحاظ، ومعاني كترجيع المغاني. وكان ذلك أجمل في عيني من الروض غبّ السحاب، وألذ من الصفع بخفاف القحاب، لا بل أحلى من مطابقة الزامر للعوّاد، وأشهى إلى النفس من مواعيد القوّاد، فطرب المملوك ولا طرب فلان الفلاني لما اجتمع بفلانة في دعوة فلان في المحرم من هذه السنة، وغنّت له:
ما غيَّر البُعْد ودا كنت تعرفه … وَلَا تبدَّل بعد الذكْر نسيانا
ولا ذكرت صديقًا كنت آلفه … إلَّا جعلتك فوق الذكر عنوانا
فإنه لما سمع ذلك قام وقعد، وصاح ولطم، وفتل شَعْر عنْفُقَته، وأدار شربوشه على رأسه، وشق غلالته، وجَرَى إلى الشمعة ليحرق ذقنه فيها فلم يزل يحلف بحياة الجماعة، لَيَسْكِبَن قدحه فِي سرّتها، ويتلقّاه بهمز من بين أشفارها، بحيث أن تكون لحيته ستارة على ثُقبها، فمنعه عشيقها، فحلف برأس الملك العظيم ليشْرِبَن بخُفها، فقال: هذا هيّن، فلو أردت أن أسقيك بالخف ثلاثمائة فَعَلْت. فَعَبَّ فِي الخُف إلى أن وقع. إلى أن قال: لَا وَاللَّه وَلَا طَرَب الصوفية ليلة العيد، إذ حضر عندهم مرتضى المغني، معشوق العماد الكاتب، وقد أسبل شَعْره على كتفيه، وأمسك أَبُو شعيب الشمعة بين يديه، وهو يغني لابن رشيق القيرواني:
فتور عينيك ينهاني ويأمرني … وورد خديك يغري بي ويغريني
أما لئن بِعْت ديني واشتريت به … دنيا فما بِعت فيك الدين بالدُّونِ
سُبحانَ من خَلَق الأشياء قاطبةً … تُراه صور ذاك الجسم من طينِ
أستغفر اللَّه لَا وَاللَّه ما نَفَعَتْ … من سِحْرِ مُقْلته آياتُ ياسين
فإنهم لما سمعوا هاجوا وماجوا، وصاحوا وناحوا، وزعقوا وقفزوا إلى السماء، وجلخوا حتى انخسف ببعضهم الموضع، فنبشوا وكفّنوا ودفنوا، والباقون يرقصون ولا يدرون.
стр. 11895
وبعد هذا فالذي فعله مولانا تقي الدين من التقاء الجمع الكثير بالعدد القليل عين الخطأ، لأنه ما المغرور بمحمود وإن سلم. فالله الله لا يكون لها مثنوية، ولا يرجع المولى يلتقي ألفًا وستمائة فارس إلاّ أن يكون في ثلاثين ألفًا، بشرط أن يكون العدو مثل حمزة الزامر، وعثمان الجنكي، وأبي علي القوّاد، وحميدة المخنّث، وأمثال هؤلاء الفرسان، ويكون جندك مثل فلان وفلان الذين ما اجتمع المملوك بواحد منهم إلاّ تجشّأ في وجهي سيوف وسكاكين، ويزعم أنه يقرقش الحديد. والرأي عندي غير هذا كله. وهو أن تستقيل من الخدمة، وتنقطع في بستان القابون، وتنكث التوبة، وتجمع علوق دمشق، وقحاب الموصل، وقوّادين (١) حلب، ومغاني العراق، وتقطع بقية العمر على القصف، وتتكل على عفو الغفور الرحيم. فيوم من أيامك في دمياط مكفّر لهذا كله. فإن قبلت مني فأنت صحيح المزاج، وإن أبيت ولعنت كل من جاء من وهران، فأنت منحرف محتاج إلى العلاج.
وله، جواب كتاب إلى الكندي (٢): فأما تعريضه لخادمه بالقيادة، وعتبه علي بالتزويج بالنساء العواهر، فسيّدي معذور، لأنه لم يذق حلاوة هذه الصنعة، ولو أنه أدام الله عزّه خرج يومًا من البيت، ولم يترك إلا ثمن الخبز والجبن، ورجع بعد ساعة، وجد السنبوسك الموّرد، والدجاج المسمّن، والفاكهة المنوّعة، والخضرة النضرة، فتربّع في الصدر، فأكل وشرب وطرب، ولم يخرج في هذا كله إلا إلى التغافل وحسن الظن، وقلة الفضول وسأل الله أن يحييه قوّادًا، وأن يميته قوّادًا، وأن يحشره مع القوّادين.
ويظن الخادم أنه في هذا القول كجالب التمر إلى هجر، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ومهما جهل من فضل نكاح الملاح النهمات، فلا يجهل أن أكل الحلاوة مع الناس أحسن من أكل الخرا منفردًا.
١٧٩ - محمد بن محمد بن محمد بن عثمان، أبو الفضل ابن الدباب البابصري، الدبّاس.
стр. 11896
عن هبة الله بن الحصين، وأحمد بن المجلي.
وعنه محمد بن أحمد بن صالح الجيلي.
وكان شيخًا صالحًا، كثير الصدق، مات في شعبان.
١٨٠ - المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد، أبو محمد بن الطباخ البغدادي، الحنبلي. نزيل مكة.
كان إمام الحنابلة بمكة ويكتب العمر ويبيعها.
سمع أبا السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وهبة الله بن الحصين، وابن كادش، وإسماعيل بن أبي صالح المؤذّن، وجماعة، ونسخ بخطه.
سمع منه أبو سعد السمعاني مع تقدّمه.
وروى عنه أبو محمد بن قدامة، وابن الأخضر، وغير واحد. وتوفي في شوال (١).
أخبرني عبد الحافظ، قال: أخبرنا ابن قدامة، قال: أخبرنا ابن الطباخ، قال: أخبرنا زاهر، وإسماعيل ابن المؤذّن بالمسلسل بالأوليّة.
١٨١ - المبارك بن محمد بن أحمد بن محمد بن قيداس، أبو المعالي الحريمي.
سمع ابن بيان، وأبيًا النرسي. وعنه عبد الله بن أحمد الخباز.
وكان ظريفًا مطبوعًا. بقي إلى هذه السنة، وتوفي في الغربة.
١٨٢ - المبارك بن محمد بن عبد الكريم بن أبي الفوارس، أبو الفتوح الهاشمي، البغدادي.
سمع ابن بيان، وابن نبهان. وقرأ القرآن على: أبي بكر المزرفي.
سمع منه عمر القرشي، وابن الأخضر. وتوفي في ذي القعدة (٢).
١٨٣ - محمود بن تكش، الأمير شهاب الدين الحارمي صاحب حماة. خال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.
مات في هذه السنة كهلًا (٣).
١٨٤ - مكّي بن محمد بن عبد الملك. الهمذاني، أبو محمد الشعّار.
стр. 11897
من بيت الحديث، ذكره ابن النجار فقال: كان حافظًا ذا فهم ثاقب وإدراك صائب. وكان من أصحاب الحافظ أبي العلاء العطار، خصّيصًا به، مقدّمًا عنده.
قدم بغداد، وحدّث عن محمد بن علي بن كاكويه الكاتب، وأبي الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي، وأبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ، وهبة الله ابن أخت الطويل.
روى عنه محمد بن محمود الحرّاني، وأبو الحسن القطيعي.
وتوفي في المحرم عن اثنتين وخمسين سنة.
١٨٥ - منصور بن نصر بن منصور بن الحسين، أبو بكر ابن العطار الحرّاني، ثم البغدادي، الكاتب الوزير.
كان أبوه من كبار التجار.
قال ابن النجار: نشأ أبو بكر، وسمع الكثير وقرأ العلم.
وقال ابن الدّبيثي (١): لقبه ظهير الدين.
سمع من ابن ناصر، وأبي بكر الزاغوني، وأبي الوقت.
سمع منه مكّي الغرّاد. فلما مات أبوه بسط يده في المال وخالط الدولة.
قال ابن النجار: ورث نعمةً طائلة، وخالط الكبراء وأرباب المناصب، وبذل معروفه، وتوصّل حتى صار له اختصاص بالإمام المستضيء قبل أن يلي الخلافة. فلما استخلف قرّبه وولاّه مشارفة المخزن، ثم ولاّه نظر المخزن والوكالة المطلقة، وارتفع أمره. فلما قتل الوزير أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء ردّ المستضيء جميع أمور دواوينه إليه، وناب في الوزارة. وكان كل الدولة يحضرون عنده. وكان يولّي ويعزل. وكان شهمًا مقدامًا، له هيبة عظيمة، وشدّة وطأة، ولم يزل على ذلك حتى مات المستضيء، فأقرّه الناصر على نظر المخزن فقط، ثم خلاّه أيامًا وقبض عليه وسجنه أيامًا، ومات.
وبلغني أن مولده سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
وأنبأنا ابن الجوزي قال: منصور ابن العطار كان مقدامًا على القطع والصلب، ولما مات حمل إلى بيت أخته، فأخرج بعد الصبح، فعلم به الناس فضربوا التابوت بالآجر، ثم رمي فطرح التابوت في النار، وخرّق الكفن، وأخذ القطن، فأخرج عريانًا، وشدّ في رجله
стр. 11898
حبل، وسحب إلى المدبغة. ورموه فيها. ثم سحب إلى قراح أبي الشحم، والصبيان يصيحون بين يديه: يا مولانا وقّع لنا. إلى أن جاء جماعة من الأتراك فاستخلصوه منهم، ولفّوه في شقّه، ومضوا به فألقوه في قبر والده (١).
توفي في ذي القعدة وأراح الله منه، إلاّ أنه كان نقمة وعذابًا على الشيعة.
١٨٦ - منوجهر بن محمد بن تركانشاه، أبو الفضل الكاتب، كاتب الأمير قطب الدين قايماز المستنجدي.
قال ابن النجار (٢): كان أديبًا فاضلًا، حاذقا، حسن الطريقة، صدوقًا.
سمع أباه أبا الوفاء، وهبة الله بن أحمد الموصلي، وأبا القاسم بن بيان، والقاسم بن علي الحريري روى عنه المقامات مرارًا. وهو آخر من رواها عنه ببغداد. روى عنه أبو سعد السمعاني. وحدثنا عنه ابن الأخضر، وأبو الفتوح ابن الحصري، وأحمد ابن البندنيجي، وسعيد بن المبارك الحمامي. وقرأت مولده بخطه في شوال سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وحدّث بكتاب إصلاح المنطق عن أبي عبد الله البارع.
قلت: وأصله من بروجرد، وهو بغدادي. وروى عنه البهاء عبد الرحمن، ونصر بن عبد الرزاق الجيلي، ويوسف بن عمر بن صقير، وطائفة سواهم. وتوفي في جمادى الآخرة.
١٨٧ - نصر الله بن عبد الرحمن بن عبد السلام، أبو الفتوح اللمغانيّ، الفقيه، الحنفيّ.
كان مفتيًا، مناظرًا ببغداد، كثير العبادة، ديّنًا خيّرًا ﵀ (٣).
١٨٨ - يوسف بن أحمد بن الحسين، أبو طالب اللبّان.
له دكّان ببغداد لبيع الّلبن. سمع أبا المعالي أحمد ابن البخاريّ، وأخاه هبة الله، وأبا العزّ بن كادش.
وعنه أحمد ابن البندنيجيّ، وعبد الرحمن بن عمر بن الغزّال.
стр. 11899
مات في شعبان عن خمس وسبعين سنة.
١٨٩ - يوسف بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن أبي زيد الأندلسيّ اللُّرييّ الأستاذ أبو عمر بن عيّاد.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن أبي إسحاق. وقدم بلنسية سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ولقي بها أعلام المقرئين: أبا مروان بن الصّيقل، وابن هذيل، وأبا الحسن بن النعمة، فأخذ عنهم. وسمع من أبي الوليد ابن الدبّاغ، وطارق بن يعيش، وخلق. وكتب إليه أبو القاسم بن ورد، وأبو محمد بن عطيّة.
وكان معنيًّا بصناعة الحديث، جمّاعة للدفاتر والدواوين، معدودًا في الأثبات المكثرين. سمع العالي والنازل، ولقي خلقًا، ولو اعتنى بذلك من أوّل أمره اعتناءه به في الآخر لبذّ أقرانه وفات أصحابه. وكان يحفظ أخبار المشايخ وينقب عليهم ويعتني بهم، ويؤرّخ وفياتهم ويدوّن قصصهم، وفي ذلك أنفق عمره.
وكان قد شرع في تذييل كتاب ابن بشكُوال، وله كتاب الكفاية في مراتب الرواية والمرتضى في شرح المنتقى لابن الجارود، وبهجة الألباب في شرح الشّهاب، والأربعون حديثًا في النشر وأهوال الحشر، وأربعون حديثًا في وظائف العبادة، والمنهج الرائق في الوثائق، وبهجة الحقائق في الزهد والرّقائق، وكتاب طبقات الفقهاء من عصر ابن عبد البرّ إلى عصره.
حدّث عنه ابنه أبو عبد الله محمد، وأبو الحجّاج بن عَبدَة، وأبو محمد بن غلبون، وغيرهم.
وصفه بعض أصحابه بالمشاركة في الآداب والفقه وفهم القراءات. وكان من أهل التواضع والخلق السّهل.
واستشهد ببلده عند كبسة العدوّ، فقاتل حتّى أُثخن جراحًا، ثم أجهزوا عليه، وذلك يوم العيد. وعاش سبعين سنة.
ترجمه الأبّار (١).
стр. 11900
١٩٠ - يوسف بن عمر بن الحسن، أبو الحجّاج ابن البستنبان البغدادي، المقرئ.
سمع أبا طالب بن يوسف، وحدّث. وتوفي في المحرم وقد شاخ (١).
وفيها ولد:
ابن عبد الدائم، والإمام مجد الدين إسماعيل بن باطيش الفقيه، ومحمد بن الأنجب النعّال، وعبد الغني بن بنين، والعماد أبو بكر بن هلال بن عبّاد الحنفي.
стр. 11901
سنة ست وسبعين وخمسمائة
١٩١ - أحمد بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام، أبو الغنائم الكاتب.
سمّعه أبوه أبو الفتح من جدّه، وأبي الغنائم ابن المهتدي بالله، وأبي علي بن المهدي، وابن الحصين. روى عنه أحمد بن طارق الكركي، وغيره.
ذبح غيلةً في جمادى الأولى ولم يعلم قاتله (١).
١٩٢ - أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حمدي، أبو المظفر البغدادي، المقرئ، الشاهد.
قرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط، وقبله على أبي بكر المزرفي، وأبي عبد الله البارع. وأقام بعد بمسجد ابن جردة. وكان طيب الصوت مجوّدًا. سمع أبا سعد ابن الطيوري، وأبا العز بن كادش، وزاهر بن طاهر، وابن الحصين، وخلقًا سواهم. وحدّث بالكثير.
وولد سنة عشر وخمسمائة، وتوفي في جمادى الأولى.
روى عنه أبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن مقبل بن المنّي (٢).
١٩٣ - أحمد بن عبد الله ابن الإمام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، ثم البغدادي، العلاّمة أبو نصر مدرّس النظامية، وأحد المصنّفين في المذهب.
تفقّه على أبيه، وعلى أبي الحسن بن الخل. وسمع من أبي الوقت. ومات شابًا ﵀ (٣).
١٩٤ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم. الحافظ الكبير أبو طاهر بن أبي أحمد بن سلفة الأصبهاني، الجروآني، وجروآن: محلّة بأصبهان. وسلفة لقب أحمد وإليه ينسب.
стр. 11902
قال الحافظ عبد الغني: سمعت السّلفي يقول: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين، وكان عمري نحو عشر سنين. وقد كتبوا عني في أول سنة اثنتين وتسعين وأنا ابن سبع عشرة سنة أكثر أو أقل، وليس في وجهي شعرة كالبخاري؛ يعني لمّا كتبوا عنه.
وأول سماع السّلفي سنة ثمان وثمانين. سمع من القاسم بن الفضل الثقفي، وسمع من عبد الرحمن بن محمد بن يوسف السمسار، وسعيد بن محمد الجوهري، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني، والفضل بن علي الحنفي، وأحمد بن عبد الغفار بن أشتة، وأحمد ومحمد ابني عبد الله ابن السوذرجاني، ومكي بن منصور بن علاّن الكرجي، ومعمر بن أحمد اللنباني، وخلق كثير.
وعمل معجمًا حافلًا لشيوخه الأصبهانيين. ثم رحل في رمضان إلى بغداد، من سنة ثلاث وتسعين وأدرك أبا الخطاب نصر بن البطر، فقال حمّاد الحرّاني: سمعت السّلفي يقول: دخلت بغداد في رابع شوال سنة ثلاث، فساعة دخولي لم يكن لي همّة إلى أن مضيت إلى ابن البطر فدخلت عليه، وكان شيخًا عسرًا، فقلت: قد وصلت من أصبهان لأجلك. فقال: اقرأ. جعل بدل الراء غينًا. فقرأت عليه وأنا متّكئ لأجل دمامل بي، فقال: ابصر ذا الكلب. فاعتذرت بالدماميل، وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة عشر حديثًا، وخرجت، ثم قرأت عليه نحوًا من خمسة وعشرين جزءًا، ولم يكن بذاك.
قلت: فسمع منه، ومن أبي بكر الطريثيثي، وأبي عبد الله ابن البسري، وثابت بن بندار، والموجودين بها.
وعمل معجمًا لشيوخ بغداد، ثم حج وسمع في طريقه بالكوفة من أبي البقاء المعمر بن محمد الحبال وغيره، وبمكة من الحسين بن علي الطبري، وبالمدينة: أبا الفرج القزويني.
وقدم بغداد، وأقبل على الفقه، والعربية، حتى برع فيهما، وأتقن مذهب الشافعيّ.
ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة، فسمع من محمد بن جعفر العسكريّ، وجماعة. وبزَنجان: أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الفقيه، الراوي عن أبي عليّ بن شاذان. وبهمذان: أبا غالب أحمد بن محمد المزكّي،
стр. 11903
وطائفة.
وجال في الجبال ومدنها. وسمع بالريّ، والدينَوَر، وقزوين، وساوة، ونهاوند. وكذا طاف بلاد أذربيجان إلى درَبند، فسمع بأماكن، وعاد إلى الجزيرة من ثغر آمد وسمع بخِلاط ونصيبين والرحبة.
وقدم دمشق سنة تسع وخمسمائة بعلم جمّ، فأقام بها عامين. وسمع بها من أبي طاهر الحنّائي، وأبي الحسين ابن الموازينيّ، وخلق. ثم مضى إلى صور، وركب منها البحر الأخضر إلى الإسكندريّة، فاستوطنها إلى الموت، لم يخرج منه إلاّ مرّة في سنة سبع عشرة إلى مصر، فسمع من أبي صادق المدينيّ، والموجودين. وعاد.
وكان إمامًا، مُقرئًا، مجودًا، ومحدّثًا، حافظًا، جهبذًا، وفقيهًا متقنًا، ونحويًّا ماهرًا، ولغويًّا محققًا، ثقة فيما ينقله، حجّة، ثبتًا، انتهى إليه علوّ الإسناد في البلاد. وقد جمع معجمًا ثالثًا لباقي البلدان التي سمع بها، سوى أصبهان، وبغداد، فإنّ لكلّ واحدة معجمًا.
سمع منه ببغداد من شيوخه ورفاقه: أبو علي البرَدانيّ، وهزارسب بن عوض، وأبو عامر العبدريّ، وعبد الملك بن يوسف، وسعد الخير الأندلسيّ. وروى عنه الحافظ محمد بن طاهر شيخه، وسبطُه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكّي، وبينهما في الموت مائة وأربع وأربعون سنة. وروى عنه الحافظ سعد الخير، وعليّ بن إبراهيم السرَقسطيّ، وأبو العزّ محمد بن علي المُلقاباذيّ، والطيب بن محمد المروزيّ، وقد روى عن هؤلاء الثلاثة عنه أبو سعد السمعاني. ومات ابن السمعاني قبله بأربع عشرة سنة. وروى عنه أيضًا: الصائن هبة الله ابن عساكر، ويحيى بن سعدون القرطبيّ. وروى عنه بالإجازة جماعة ماتوا قبله، منهم القاضي عِياض.
وروى عنه أمم منهم: حمّاد الحرّاني، والحافظ علي بن المفضل، والحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القاهر الرُّهاويّ، وابن راجح، وعبد القوي بن الجبّاب، وفرقد الكنانيّ، وعبد الغفّار المحلي، ونصر بن جرو، والفخر الفارسي، والشيخ حسن الإوقي (١)، وعيسى بن الوجيه اللخميّ، ومحمد بن
стр. 11904
عمّاد، ومحمد بن عبد الوهّاب ابن الشيرجيّ، وعبد الخالق بن إسماعيل التنيسيّ، وعلي بن رحّال (١)، ومحمد بن محمد بن سعيد المأموني، ومرتضى بن أبي الجود، وأبو القاسم عبد الرحمن ابن الصفراوي، وأبو الفضل جعفر الهمذاني، وإبراهيم ومحمد ابنا عبد الرحمن ابن الجبّاب، وأحمد بن محمد ابن الجبّاب، وعبد الرحيم بن الطفيل، والحسن بن دينار (٢)، وعلي بن مختار، ويوسف ابن المخيلي، وظافر بن شحم، وعلي بن زيد التسارَسيّ، ومحمد بن علي بن تاجر عينة، وحمزة بن أوس الغزّال، وعلي بن جبارة، ويحيى بن عبد العزيز الأغماتيّ، وحسين بن يوسف الشاطبي، وعبد العزيز ابن النقّار، ومظفّر ابن الفوّيّ، ومنصور ابن الدماغ، وعلي بن محمد السخاويّ، وعلي بن عبد الجليل الرازي، وأبو الوفاء عبد الملك ابن الحنبليّ، وشعيب الزعفراني، والعَلم ابن الصابوني، والعز بن رواحة، وعبد الوهاب بن رَواج، ويوسف بن محمود الساويّ، وبهاء الدين ابن الجميزيّ، وهبة الله بن محمد ابن الواعظ. وتوفّي سنة خمسين وستمائة، والسِّبط.
وبقي أبو بكر محمد بن الحسن السّفاقُسيّ إلى سنة أربع وخمسين، فروى عن السِلَفيّ المسلسل بأوّل حديث، رواه حضورًا، ولم يكن عنده سواه. وهو ابن أخت الحافظ علي بن المفضّل.
أنبأني أحمد بن سلامة، عن فاطمة بنت سعد الخير (ح). وقال ابن النجار: قرأت على محمد بن عبد الله المخزوميّ، عن فاطمة بنت سعد الخير، قالت: أخبرنا أبي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة قال: حدّثني أبو طاهر بن سِلَفة سنة سبع وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا القاسم بن الفضل الثّقفي، فذكر حديث البلد الرابع، وهو أصبهان، متنه: إنكم اليوم على دين وإني مُكاثر بكم الأمم (٣).
ولا أعلم أحدًا في الدنيا حدّث نيّفًا وثمانين سنة سوى السلفيّ. وقد
стр. 11905
أملى المجالس الخمسة بسلَماس، وعمره ثلاثون سنة. وعمل الأربعين البلديّة التي لم يُسبق إلى مثلها.
وقد انتخب على غير واحد من شيوخه.
قال الزاهد أبو علي الإوقيّ: سمعت السِلَفيّ يقول: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية إلاّ من هذه الطاقة. رواها ابن النجّار (١) عن الإوقي.
وقال ابن المفضّل في معجمه: عدّة شيوخ شيخنا السلفي تزيد على ستمائة نفس بأصبهان. وخرج إلى بغداد وله نحو من عشرين سنة أقلّ أو أكثر، ومشيخته البغدادية خمسة وثلاثون جزءًا. وله تصانيف كثيرة. وكان يستحسن الشعر وينظمه، ويثيب من يمدحه. وأخذ الفقه عن إلكِيا أبي الحسن علي بن محمد الطبريّ، وأبي بكر محمد بن أحمد الشّاشيّ، وأبي القاسم يوسف بن علي الزَنجاني. والأدب عن أبي زكريا التبريزيّ، وأبي الكرم بن فاخر، وعلي بن محمد الفصيحيّ. وسمعته يقول: متى لم يكن الأصل بخطّي لم أفرح به. وكان جيّد الضبط، كثير البحث عمّا يشكل عليه. وكان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث. جمع بين علوّ الإسناد، وغلوّ الانتقاد، وبذلك كان ينفرد عن أبناء جنسه.
وقال ابن السمعاني في الذيل: هو ثقة ورع، متقن، متثبت، حافظ، فهم، له حفظ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه. روى عنه الحافظ ابن طاهر فسمعت أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ يقول: سمعت محمد بن طاهر المقدسي يقول: سمعت أبا طاهر الأصبهاني، وكان من أهل الصنعة، يقول: كان أبو حازم العبدوييّ: إذا روى عن أبي سعد المالينيّ يقول: أخبرنا أحمد بن حفص الحديثيّ هذا أو نحوه.
وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر أنّه قال عن السلفي: كان ببغداد كأنّه شعلة نار في تحصيل الحديث.
قال عبد القادر: وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب. وكان لا يبدو منه جفوة لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماء، ولا يبزق، ولا يتورّك، ولا يبدو له قدم، وقد جاز المائة. بلغني أنّ سلطان مصر حضر عنده للسماع، فجعل يتحدّث مع أخيه فزَبَرهما وقال: أيش