← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.

стр. 11901

سنة ست وسبعين وخمسمائة ١٩١ - أحمد بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام، أبو الغنائم الكاتب. سمّعه أبوه أبو الفتح من جدّه، وأبي الغنائم ابن المهتدي بالله، وأبي علي بن المهدي، وابن الحصين. روى عنه أحمد بن طارق الكركي، وغيره. ذبح غيلةً في جمادى الأولى ولم يعلم قاتله (١). ١٩٢ - أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن حمدي، أبو المظفر البغدادي، المقرئ، الشاهد. قرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط، وقبله على أبي بكر المزرفي، وأبي عبد الله البارع. وأقام بعد بمسجد ابن جردة. وكان طيب الصوت مجوّدًا. سمع أبا سعد ابن الطيوري، وأبا العز بن كادش، وزاهر بن طاهر، وابن الحصين، وخلقًا سواهم. وحدّث بالكثير. وولد سنة عشر وخمسمائة، وتوفي في جمادى الأولى. روى عنه أبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، ومحمد بن مقبل بن المنّي (٢). ١٩٣ - أحمد بن عبد الله ابن الإمام أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي، ثم البغدادي، العلاّمة أبو نصر مدرّس النظامية، وأحد المصنّفين في المذهب. تفقّه على أبيه، وعلى أبي الحسن بن الخل. وسمع من أبي الوقت. ومات شابًا ﵀ (٣). ١٩٤ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم. الحافظ الكبير أبو طاهر بن أبي أحمد بن سلفة الأصبهاني، الجروآني، وجروآن: محلّة بأصبهان. وسلفة لقب أحمد وإليه ينسب.

стр. 11902

قال الحافظ عبد الغني: سمعت السّلفي يقول: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين، وكان عمري نحو عشر سنين. وقد كتبوا عني في أول سنة اثنتين وتسعين وأنا ابن سبع عشرة سنة أكثر أو أقل، وليس في وجهي شعرة كالبخاري؛ يعني لمّا كتبوا عنه. وأول سماع السّلفي سنة ثمان وثمانين. سمع من القاسم بن الفضل الثقفي، وسمع من عبد الرحمن بن محمد بن يوسف السمسار، وسعيد بن محمد الجوهري، ومحمد بن محمد بن عبد الوهاب المديني، والفضل بن علي الحنفي، وأحمد بن عبد الغفار بن أشتة، وأحمد ومحمد ابني عبد الله ابن السوذرجاني، ومكي بن منصور بن علاّن الكرجي، ومعمر بن أحمد اللنباني، وخلق كثير. وعمل معجمًا حافلًا لشيوخه الأصبهانيين. ثم رحل في رمضان إلى بغداد، من سنة ثلاث وتسعين وأدرك أبا الخطاب نصر بن البطر، فقال حمّاد الحرّاني: سمعت السّلفي يقول: دخلت بغداد في رابع شوال سنة ثلاث، فساعة دخولي لم يكن لي همّة إلى أن مضيت إلى ابن البطر فدخلت عليه، وكان شيخًا عسرًا، فقلت: قد وصلت من أصبهان لأجلك. فقال: اقرأ. جعل بدل الراء غينًا. فقرأت عليه وأنا متّكئ لأجل دمامل بي، فقال: ابصر ذا الكلب. فاعتذرت بالدماميل، وبكيت من كلامه، وقرأت سبعة عشر حديثًا، وخرجت، ثم قرأت عليه نحوًا من خمسة وعشرين جزءًا، ولم يكن بذاك. قلت: فسمع منه، ومن أبي بكر الطريثيثي، وأبي عبد الله ابن البسري، وثابت بن بندار، والموجودين بها. وعمل معجمًا لشيوخ بغداد، ثم حج وسمع في طريقه بالكوفة من أبي البقاء المعمر بن محمد الحبال وغيره، وبمكة من الحسين بن علي الطبري، وبالمدينة: أبا الفرج القزويني. وقدم بغداد، وأقبل على الفقه، والعربية، حتى برع فيهما، وأتقن مذهب الشافعيّ. ثم رحل إلى البصرة سنة خمسمائة، فسمع من محمد بن جعفر العسكريّ، وجماعة. وبزَنجان: أبا بكر أحمد بن محمد بن زنجويه الفقيه، الراوي عن أبي عليّ بن شاذان. وبهمذان: أبا غالب أحمد بن محمد المزكّي،

стр. 11903

وطائفة. وجال في الجبال ومدنها. وسمع بالريّ، والدينَوَر، وقزوين، وساوة، ونهاوند. وكذا طاف بلاد أذربيجان إلى درَبند، فسمع بأماكن، وعاد إلى الجزيرة من ثغر آمد وسمع بخِلاط ونصيبين والرحبة. وقدم دمشق سنة تسع وخمسمائة بعلم جمّ، فأقام بها عامين. وسمع بها من أبي طاهر الحنّائي، وأبي الحسين ابن الموازينيّ، وخلق. ثم مضى إلى صور، وركب منها البحر الأخضر إلى الإسكندريّة، فاستوطنها إلى الموت، لم يخرج منه إلاّ مرّة في سنة سبع عشرة إلى مصر، فسمع من أبي صادق المدينيّ، والموجودين. وعاد. وكان إمامًا، مُقرئًا، مجودًا، ومحدّثًا، حافظًا، جهبذًا، وفقيهًا متقنًا، ونحويًّا ماهرًا، ولغويًّا محققًا، ثقة فيما ينقله، حجّة، ثبتًا، انتهى إليه علوّ الإسناد في البلاد. وقد جمع معجمًا ثالثًا لباقي البلدان التي سمع بها، سوى أصبهان، وبغداد، فإنّ لكلّ واحدة معجمًا. سمع منه ببغداد من شيوخه ورفاقه: أبو علي البرَدانيّ، وهزارسب بن عوض، وأبو عامر العبدريّ، وعبد الملك بن يوسف، وسعد الخير الأندلسيّ. وروى عنه الحافظ محمد بن طاهر شيخه، وسبطُه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكّي، وبينهما في الموت مائة وأربع وأربعون سنة. وروى عنه الحافظ سعد الخير، وعليّ بن إبراهيم السرَقسطيّ، وأبو العزّ محمد بن علي المُلقاباذيّ، والطيب بن محمد المروزيّ، وقد روى عن هؤلاء الثلاثة عنه أبو سعد السمعاني. ومات ابن السمعاني قبله بأربع عشرة سنة. وروى عنه أيضًا: الصائن هبة الله ابن عساكر، ويحيى بن سعدون القرطبيّ. وروى عنه بالإجازة جماعة ماتوا قبله، منهم القاضي عِياض. وروى عنه أمم منهم: حمّاد الحرّاني، والحافظ علي بن المفضل، والحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القاهر الرُّهاويّ، وابن راجح، وعبد القوي بن الجبّاب، وفرقد الكنانيّ، وعبد الغفّار المحلي، ونصر بن جرو، والفخر الفارسي، والشيخ حسن الإوقي (١)، وعيسى بن الوجيه اللخميّ، ومحمد بن

стр. 11904

عمّاد، ومحمد بن عبد الوهّاب ابن الشيرجيّ، وعبد الخالق بن إسماعيل التنيسيّ، وعلي بن رحّال (١)، ومحمد بن محمد بن سعيد المأموني، ومرتضى بن أبي الجود، وأبو القاسم عبد الرحمن ابن الصفراوي، وأبو الفضل جعفر الهمذاني، وإبراهيم ومحمد ابنا عبد الرحمن ابن الجبّاب، وأحمد بن محمد ابن الجبّاب، وعبد الرحيم بن الطفيل، والحسن بن دينار (٢)، وعلي بن مختار، ويوسف ابن المخيلي، وظافر بن شحم، وعلي بن زيد التسارَسيّ، ومحمد بن علي بن تاجر عينة، وحمزة بن أوس الغزّال، وعلي بن جبارة، ويحيى بن عبد العزيز الأغماتيّ، وحسين بن يوسف الشاطبي، وعبد العزيز ابن النقّار، ومظفّر ابن الفوّيّ، ومنصور ابن الدماغ، وعلي بن محمد السخاويّ، وعلي بن عبد الجليل الرازي، وأبو الوفاء عبد الملك ابن الحنبليّ، وشعيب الزعفراني، والعَلم ابن الصابوني، والعز بن رواحة، وعبد الوهاب بن رَواج، ويوسف بن محمود الساويّ، وبهاء الدين ابن الجميزيّ، وهبة الله بن محمد ابن الواعظ. وتوفّي سنة خمسين وستمائة، والسِّبط. وبقي أبو بكر محمد بن الحسن السّفاقُسيّ إلى سنة أربع وخمسين، فروى عن السِلَفيّ المسلسل بأوّل حديث، رواه حضورًا، ولم يكن عنده سواه. وهو ابن أخت الحافظ علي بن المفضّل. أنبأني أحمد بن سلامة، عن فاطمة بنت سعد الخير (ح). وقال ابن النجار: قرأت على محمد بن عبد الله المخزوميّ، عن فاطمة بنت سعد الخير، قالت: أخبرنا أبي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة قال: حدّثني أبو طاهر بن سِلَفة سنة سبع وتسعين وأربعمائة، قال: أخبرنا القاسم بن الفضل الثّقفي، فذكر حديث البلد الرابع، وهو أصبهان، متنه: إنكم اليوم على دين وإني مُكاثر بكم الأمم (٣). ولا أعلم أحدًا في الدنيا حدّث نيّفًا وثمانين سنة سوى السلفيّ. وقد

стр. 11905

أملى المجالس الخمسة بسلَماس، وعمره ثلاثون سنة. وعمل الأربعين البلديّة التي لم يُسبق إلى مثلها. وقد انتخب على غير واحد من شيوخه. قال الزاهد أبو علي الإوقيّ: سمعت السِلَفيّ يقول: لي ستون سنة ما رأيت منارة الإسكندرية إلاّ من هذه الطاقة. رواها ابن النجّار (١) عن الإوقي. وقال ابن المفضّل في معجمه: عدّة شيوخ شيخنا السلفي تزيد على ستمائة نفس بأصبهان. وخرج إلى بغداد وله نحو من عشرين سنة أقلّ أو أكثر، ومشيخته البغدادية خمسة وثلاثون جزءًا. وله تصانيف كثيرة. وكان يستحسن الشعر وينظمه، ويثيب من يمدحه. وأخذ الفقه عن إلكِيا أبي الحسن علي بن محمد الطبريّ، وأبي بكر محمد بن أحمد الشّاشيّ، وأبي القاسم يوسف بن علي الزَنجاني. والأدب عن أبي زكريا التبريزيّ، وأبي الكرم بن فاخر، وعلي بن محمد الفصيحيّ. وسمعته يقول: متى لم يكن الأصل بخطّي لم أفرح به. وكان جيّد الضبط، كثير البحث عمّا يشكل عليه. وكان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعرفهم بقوانين الرواية والتحديث. جمع بين علوّ الإسناد، وغلوّ الانتقاد، وبذلك كان ينفرد عن أبناء جنسه. وقال ابن السمعاني في الذيل: هو ثقة ورع، متقن، متثبت، حافظ، فهم، له حفظ من العربية، كثير الحديث، حسن الفهم والبصيرة فيه. روى عنه الحافظ ابن طاهر فسمعت أبا العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ يقول: سمعت محمد بن طاهر المقدسي يقول: سمعت أبا طاهر الأصبهاني، وكان من أهل الصنعة، يقول: كان أبو حازم العبدوييّ: إذا روى عن أبي سعد المالينيّ يقول: أخبرنا أحمد بن حفص الحديثيّ هذا أو نحوه. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: سمعت من يحكي عن الحافظ ابن ناصر أنّه قال عن السلفي: كان ببغداد كأنّه شعلة نار في تحصيل الحديث. قال عبد القادر: وكان له عند ملوك مصر الجاه والكلمة النافذة مع مخالفته لهم في المذهب. وكان لا يبدو منه جفوة لأحد، ويجلس للحديث فلا يشرب ماء، ولا يبزق، ولا يتورّك، ولا يبدو له قدم، وقد جاز المائة. بلغني أنّ سلطان مصر حضر عنده للسماع، فجعل يتحدّث مع أخيه فزَبَرهما وقال: أيش

стр. 11906

هذا، نحن نقرأ الحديث وأنتما تتحدّثان؟! قال: وبلغني أنّه في مدّة مقامه بالإسكندريّة، وهي أربع وستون سنة، ما خرج إلى بستان ولا فرجة غير مرّة واحدة. بل كان عامّة دهره لازمًا مدرسته، وما كنّا نكاد ندخل عليه إلاّ نراه مطالعًا في شيء. وكان حليمًا، متحمّلاّ لجفاء الغرباء. وقد سمعت بعض فضلاء همذان يقول: السلفيّ أحفظ الحفّاظ. وقال ابن عساكر (١): سمع السلفي ممن لا يحصى، وحدث بدمشق فسمع منه أصحابنا ولم أظفر بالسماع منه. وسمعت بقراءته من شيوخ عدّة. ثم خرج إلى مصر، واستوطن الإسكندرية، وتزوّج بها امرأة ذات يسار، وحصلت له ثروة بعد فقر وتصوّف. وصارت له بالإسكندرية وجاهة. وبنى له العادل عليّ بن إسحاق ابن السلاّر أمير مصر مدرسة بالإسكندرية. وحدّثني عنه أخي وأجاز لي. أخبرنا ابن البطر قال: أخبرنا ابن البيِّع فذكر حديثا، وهو موافقة مسلم من سادس المحامليّات. ثم قال (٢): أنشدنا أبو سعد السمعانيّ بدمشق، قال: أنشدنا أبو العزّ محمد بن عليّ البستيّ، قال: أنشدنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ لنفسه بميّافارقين: إنّ علم الحديث علم رجال … تركوا الابتداع للاتباع فإذا الليل جنّهم كتبوه … وإذا أصبحوا غدوا للسماع قلت: أنشدناهما أبو الحسين اليونينيّ وأبو عليّ ابن الخلاّل قالا: أنشدنا جعفر بن عليّ، قال: أنشدنا السلفيّ، فذكرهما. وقال الحافظ عبد القادر عنه: وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، حتّى أنّه كان قد أزال من جواره منكرات كثيرة. ورأيته يومًا وقد جاء جماعة من المقرئين بالألحان فأرادوا أن يقرؤوا، فمنعهم من ذلك وقال: هذه القراءة بدعة، بل اقرؤوا ترسُّلًا، فقرؤوا كما أمرهم. قرأت بخط الحافظ عبد الغني جزءًا فيه نقل خطوط المشايخ للسِلفيّ بالقراءات: وقد قرأ بحرف عاصم على أبي سعد المطرّز، وقرأ بحمزة

стр. 11907

والكسائيّ على محمد بن أبي نصر القصّار، وقرأ برواية قالون على نصر بن محمد الشيرازيّ، وبرواية قُنبل على عبد الله بن أحمد الخِرقيّ. وقد قرأ عليهم سنة إحدى وتسعين وبعدها. وقال ابن نقطة (١): كان حافظًا، ثقة، جوّالًا في الآفاق. سأل عن أحوال الرجال شجاعًا الذّهليّ، والمؤتمن الساجيّ، وأبا علي البرَداني، وأبا الغنائم النَرسي، وخميسًا الحوزيّ. وحدّثني عبد العظيم المنذريّ الحافظ قال: لمّا أرادوا أن يقرؤوا سنن النسائي على السلفي أتوه بنسخة سعد الخير وهي مصححة قد سمعها من الدّونيّ. فقال: اسمي فيها؟ قالوا: لا. فاجتذبها من يد القارئ بغيظ وقال: لا أحدّث إلاّ من أصل فيه اسمي. ولم يحدّث بالكتاب. وقال لي عبد العظيم: إنّ أبا الحسن المقدسيّ قال: حفظت أسماء وكنَى، وجئت إلى السِلفي فذاكرته بها، فجعل يذكرها من حفظه، وما قال لي: أحسنت. وقال: ما هذا شيء مليح، أنا شيخ كبير في هذه البلدة هذه السنين لا يذاكرني أحد وحفظي هكذا. وقال أبو سعد السمعاني: أنشدنا يحيى بن سعدون النّحوي بدمشق قال: أنشدنا السِلفيّ لنفسه: ليس حسن الحديث قرب رجال … عند أرباب علمه النقّاد بل علوُّ الحديث عند أولي الإتـ … قان والحفظ صحّة الإسناد فإذا ما تجمّعا في حديث .... فاغتنمه فذاك أقصى المراد قلت: أنشدنا اليونينيّ، وابن الخلاّل قالا: أنشدنا جعفر قال: أنشدنا السِلفيّ فذكرها. قرأت بخط السيف ابن المجد: سمعت أحمد بن سلامة النجّار يقول: إنّ الحافظَين عبد الغني وعبد القادر أرادا سماع كتاب اللاّلكائيّ، يعني شرح السنّة، على السلفيّ، فأخذ يتعلّل عليهما مرّة، ويدافعهم عنه أخرى بأصل السماع، حتى كلّمته امرأته في ذلك.

стр. 11908

قرأت بخط الحافظ عمر ابن الحاجب أنّ معجم السفَر للسلفي يشتمل على ألفي شيخ (١). وقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم: كان السلفيّ مُغرى بجمع الكتب والاستكثار منها. وما كان يصل إليه من المال يخرجه في شرائها. وكان عنده خزائن كتب، ولا يتفرّغ للنظر فيها. فلمّا مات وجدوا معظم الكتب في الخزائن قد عفّنت، والتصق بعضها في بعض، لنداوة الإسكندرية. وكانوا يستخلصونها بالفأس فتلف أكثرها. أنبأنا أحمد بن سلامة الحداد، عن الحافظ عبد الغني، أن السلفي أنشدهم لنفسه: ضل المجسم والمعطل مثله … عَن منهج الحق المبين ضلالا وأتى أماثلهم بنكر لَا رعوا … من مَعْشرٍ قد حاولوا الإشكالا وغدّوا يقيسون الأمور برأيهم … ويُدلسون على الورى الأقوالا فالأولون تعدوا الحَد الَّذِي … قد حُد فِي وصف الإله تعالى وتصوروه صورة من جنسنا … جسمًا، وليس اللَّه عز مثالا والآخرون فعطلوا ما جاء في الـ … قرآن أقبح بالمقال مقالا وأبوا حديث المصطفى أنْ يقبلوا … ورأوه حَشْوًا لَا يفيد منالا (٢) وهي بضعة وعشرون بيتًا. وله قصيدة أخرى نحو من تسعين بيتًا، سمّى فيها أئمة السنّة ورؤوس البدعة، أوردتها في ترجمته التي أفردتها. وقال الوجيه عيسى بن عبد العزيز اللخمي: توفي الحافظ السلفي صبيحة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وله مائة وست سنين. ولم يزل يقرأ عليه الحديث إلى أن غربت الشمس من ليلة وفاته، وهو يرد على القارئ

стр. 11909

اللحن الخفي، وصلى يوم الجمعة الصبح عند انفجار الفجر، وتوفي بعدها فجاءةً. قلت: قد اضطرب قول السلفي في مولده، وقد ذكرنا قوله للحافظ عبد الغني: إنه كان ابن نحو عشر سنين وقت قتل نظام الملك، فيكون مولده على هذا القول في حدود سنة خمس وسبعين. وقال الإمام شهاب الدين أبو شامة: سمعت الإمام علم الدين السخاوي يقول: سمعت أبا طاهر السلفي يومًا وهو ينشد لنفسه شعرًا قاله قديمًا، وهو: أنا من أهل الحديث … وهم خير فئة جزت تسعين وأرجو … أن أجوزن المائة فقيل له: قد حقق الله رجاءك. فعلمت أنه قد جاوز المائة. وذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة. وقال محمد بن عبد الرحمن بن علي التجيبي الأندلسي: سمعت الحديث على السلفي، ووجدت بخطّه: مولدي بأصبهان سنة اثنتين وسبعين وأربع مائة تخمينًا لا يقينًا. وقال قاضي القضاة ابن خلّكان (١): كانت ولادة السلفي سنة اثنتين وسبعين تقريبًا. قال: ووجدت العلماء بالديار المصرية من جملتهم الحافظ زكي الدين عبد العظيم يقولون في مولده هذه المقالة. قال: ثم وجدت في كتاب زهر الرياض لجمال الدين عبد الرحمن بن عبد المجيد الصفراوي يقول: إن السلفي كان يقول: مولدي -بالتخمين لا باليقين - سنة ثمان وسبعين. قلت: قد شذّ الصفراوي عن الجماعة بهذا القول، والسلفي فقد جاوز المائة بلا ريب. وقد طلب الحديث، وكتب الأجزاء، وقرأ بالروايات في سنة تسعين وبعدها، وقد حكى للحافظ عبد الغني أنه حدّث سنة اثنتين وتسعين، وما في وجهه شعرة، وأنه كان ابن سبع عشرة سنة أو نحوها، ولكنه اختلف قوله، فتارةً قال: سنة اثنتين وسبعين تقريبًا، وتارةً يقول: في سنة خمس وسبعين تقريبًا، وهذا تباين ظاهر. ١٩٥ - أحمد بن أبي الوفاء، الصائغ الحنبلي.

стр. 11910

قد ذكر في العام الماضي (١). وقيل: توفي في هذا العام. ١٩٦ - إبراهيم بن علي بن مواهب، أبو إسحاق ابن الزرّاد الأزجي البزّاز. روى عن أبي الغنائم النرسي. سمع منه أبو سعد السمعاني. وتوفي في رجب (٢). ١٩٧ - أيوب بن محمد بن وهب بن محمد بن وهب بن أيوب، أبو محمد الغافقي، المعروف بابن نوح، وهو لقب جدّهم وهب بن أيوب لقّب به لكثرة أولاده. كان أبو محمد من رؤساء سرقسطة. روى عن أبيه محمد، وأبي زيد ابن الورّاق، وأبي مروان بن الصيقل، وجماعة. وأخذت الروم سرقسطة فخرج منها سنة اثنتي عشرة إلى طرطوشة، ثم سكن غرناطة، ولقي أبا عبد الله بن أبي الخصال، وكتب عنه خطبه التي عارض بها ابن نباتة. ثم كرّ إلى بلنسية فسكنها، وولي قضاء جزيرة شقر بعد أبيه. ونسخ علمًا كثيرًا، وجمع شيئًا من التاريخ رواه عنه ابنه القاضي أبو عبد الله محمد بن نوح، وقال: توفي أبي في صفر عن تسعين سنة (٣). ١٩٨ - بدر الحبشي الخدادادي الطواشي، أبو الضياء، مولى العدل أبي عبد الله محمد بن خداداد، الإسكندري أو المصري، والثاني أقرب. سمع أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وأبا صادق المديني، وأبا الحسن الفرّاء (٤)، وعبد الرحمن بن فاتك، وأبا القاسم ابن الدوري. روى عنه أبو الحسن بن المفضّل، ويوسف بن جبريل اللواتي، وأبو القاسم سبط السلفي، وآخرون. وتوفي في شوال.

стр. 11911

١٩٩ - تورانشاه، الملك المعظّم شمس الدولة بن أيوب بن شاذي، أخو صلاح الدين والسلطان سيف الدين (١)، وكان يلقب أيضًا بفخر الدين. وكان أسنّ من صلاح الدين، فكان يحترمه ويرجّحه على نفسه. وسيّره سنة ثمان وستين إلى بلاد النوبة ليفتحها، فلما قدمها وجدها لا تساوي التعب، فرجع بغنائم كثيرة ورقيق. ثم أرسله إلى اليمن، وبها عبد النبي بن مهدي قد استولى على أكثر اليمن. فقدمها تورانشاه، وظفر بعبد النبي وقتله، وملك معظم اليمن. وكان سخيًّا جوادًا. ثم إنه قدم دمشق في آخر سنة إحدى وسبعين، وقد تمهّدت له مملكة اليمن، لكنه كره المقام بها، وحن إلى الشام وثماره. وكان قد جاءه رسول من أخيه صلاح الدين يرغّبه في المقام باليمن، فلما أدى الرسالة طلب ألف دينار، وقال لغلام له: امض إلى السوق واشتر لي بها قطعة ثلج. فقال: ومن أين هنا الثلج؟ فقال: فاشتر بها طبق مشمش، فقال: ومن أين يوجد ذلك؟ فأخذ يذكر له أنواع الفواكه، والغلام يقول ما يوجد. فقال للرسول: ليت شعري، ما أصنع بالأموال إذا لم أنتفع بها في شهوتي؟! ورجع الرسول فأذن له السلطان في القدوم. وقد كتب له بإنشاء القاضي الفاضل: لا تضجرن مما أبث فإنه … صدرٌ لأسرار الصبابة ينَفِثُ أما فِراقُكَ واللقاءُ فإن ذا … منهُ أمُوتُ وذا منه أبعَثُ حَلَف الزمان على تفرق شَمِلنا … فمتَى يرق لنا الزمان ويَحْنَثُ؟ حول المضاجع كتبُكُم فكأنني … مَلْسُوعُكُمْ وهي الرقاةُ النفثُ كم يَلْبَثُ الجسمُ الَّذِي ما نفسُهُ … فِيهِ وَلَا أنفاسُهُ كم يلبث فلما قدم دمشق استنابه صلاح الدين لما رجع إلى مِصْر. ثم انتقل تورانشاه إلى مِصْر سنة أربعٍ وسبعين. وكانت وفاته بالإسكندرية فِي صَفَر سنة ست، فنقلته شقيقته ست الشام فدفنته فِي مدرستها. وذكر المهذب محمد بن علي ابن الخيمي الحلي الأديب قَالَ: رَأَيْت

стр. 11912

فِي النوم شمس الدولة تورانشاه بعد موته، فمدحته بأبيات وهو فِي القبر، فلف كفنه ورماه إليّ، ثم قَالَ: لا تستقلن معروفًا سمحتُ به … ميتًا فأمسيت منه عاريَ البدن ولا تظننَ جودي شَانَهُ بَخَل … من بعد بذْليَ ملك الشام واليمن إني خرجتُ من الدنيا وليس معي … من كل ما ملكت كفي سوى كَفني تورانشاه: معناه ملك الشرق (١). قال ابن الأثير (٢): كان لما قدم من اليمن وعمل نيابة دمشق قد ملك بعلبك، ثم عوّضه أخوه عنها بالإسكندرية إقطاعًا، فذهب إليها. وكان له أكثر بلاد اليمن، ونوّابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد، وعدن، وما بينهما. وكان أجود الناس وأسخاهم كفًّا، يخرج كل ما يحمل إليه من البلاد، ومع هذا مات وعليه نحو مائتي ألف دينار، فوفّاها أخوه صلاح الدين عنه. وكان منهمكًا على اللهو واللعب، فيه شر وظلم. ٢٠٠ - حمّاد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إسحاق بن أحمد بن شيث بن نصر بن شيث بن الحكم بن أفلذ بن أبان بن عقبة بن يزيد، الإمام قِوام الدين أبو المحامد ابن الإمام ركن الدين أبي إسحاق ابن الإمام أبي إبراهيم الوائليّ، البخاريّ ابن الصّفّاري الحنفيّ. سمع من أبيه، وإسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقيّ. وعنه إسماعيل بن محمد البيلقيّ، وإبراهيم بن سالار الخُوارزميّ، وأبو الفضل عبيد الله بن إبراهيم المحبوبيّ، والأديب أبو عليّ الحسين بن عمر التّرمذيّ، وبرهان الإسلام عمر بن مسعود بن مازة، وآخرون آخرهم موتًا تاج الإسلام محمد بن طاهر بن محمد الخُداباذيّ البخاريّ، نقلت ذلك من خط الفرَضيّ (٣). ثم قال: وأبوه ركن الدين من كبار مشايخ بخارى. سمع على والده، وعلى عمر بن منصور البزّاز المعروف بخَنب، وعبد العزيز بن المستقر

стр. 11913

الكرمينيّ، وأجاز له جماعة سماهم الفرضي، روى عنه ابنه هذا، والأديب أبو الفتح محمد بن محمود النسفي، وشيخ الإسلام أبو نصر أحمد بن عثمان العاصميّ البلخيّ، وغيرهم. قال: وتوفّي ركن الدين بعد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة. وأبوه إسماعيل الوائليّ. روى عن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن النّضر الشُروطي، وأبي عاصم محمد بن علي البلخيّ، وأبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسيّ. وعنه ولده ركن الدين. ولم يذكر الفرَضيّ لهذا وفاة. ٢٠١ - خلف بن يحيى بن خطّاب، أبو القاسم القرطبيّ الزّاهد. من أهل التصوّف والهدي الصالح، وكان يوصف بإجابة الدعوة. أمَّ بجامع قرطبة مُدَيدَة، ثم رغب في الانقباض. وكان يعظ ويقصده الناس للبركة (١). ٢٠٢ - سالم بن إسحاق بن الحسين البزّاز، أبو المعالي التّنوخيّ. تاجر صاحب مروءة وخير. قال الشيخ الموفّق: كان ذا مروءة وكرم، حملني والحافظ عبد الغني من بغداد إلى دمشق، وكنّا نرى منه كرماُ وبذلًا. قلت: روى عن سعيد ابن البنّاء، وجماعة من البغداديين. سمع منهم بعد الأربعين وخمس مائة. وروى عنه أبو المواهب بن صصرى، والحافظ عبد القادر، والشيخ الموفّق. وكان يسافر كثيرًا للتجارة. وتوفّي في عشر الستين. ٢٠٣ - سعيد بن الحسين بن سعيد بن محمد، أبو المفاخر الهاشمي المأمونيّ النيسابوريّ الشريف. قدم مصر وحدّث بها بصحيح مسلم غير مرّة عن أبي عبد الله الفراوي. روى عنه أبو الحسن بن المفضّل المقدسيّ، وصالح بن شجاع المدلَجي، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز ابن الجبّاب، وحفيده محمد بن محمد المأمونيّ، وآخرون. ورّخه ابن المفضّل.

стр. 11914

٢٠٤ - سعيد بن عبد الله بن القاسم، فخر الدين أبو الرّضا، أخو القاضي كمال الدين محمد الشهرزوريّ. فقيه شافعيّ، سمع بالعراق من زاهر الشّحّاميّ، والقاضي أبي بكر، وجماعة. وتفقّه بخراسان عند الفقيه محمد بن يحيى. وعاد إلى الموصل، وتقدّم وساد، وصار أوجه أهل بيته، وسار في الرسليّة إلى بغداد. سمع منه هبة الله بن الحسن الفقيه، وإلياس بن جامع الإربليّ، وأحمد بن صدقة. وتوفّي في جُمادى الآخرة في العشر الأخير عن سبعين سنة (١). ٢٠٥ - سليمان بن أحمد بن سليمان، وبعض أصحابه قال فيه: سليمان بن خلف، أبو الحسين الإشبيلي، جدّ أبي العبّاس أحمد ابن سيّد الناس لأمّه. سمع من أبي بكر بن طاهر، وأبي الحسن شريح، وأخذ عنه القراءات. وسمع من ابن العربيّ، وغير واحد. وكان مقرئًا، نحويًّا، ضابطًا، مجوّدًا. أخذ عنه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حوط الله، ومفرَّج بن حسين الضرير، وغيرهم. حدّث في هذا العام وانقطع ذكره (٢). ٢٠٦ - سليمان بن محمد بن حسن، أبو طالب العُكبريّ، ثم الواسطيّ، المقرئ. قرأ القراءات على ابن شيران، وأبي بكر المزرَفيّ، وسبط الخيّاط، والشهرزوريّ. قرأ عليه ابن الدّبيثي، وعليّ بن منصور البُرسفيّ (٣). ٢٠٧ - عبد الله ابن المحدِّث عبد الرحمن بن أحمد بن عليّ بن صابر السُّلَميّ، أبو المعالي الدمشقي، ويعرف بابن سيده. ولد سنة تسع وتسعين وأربع مائة. وسمع الشريف أبا القاسم النّسيب، وأبا طاهر محمد بن الحسين الحِنّائيّ، وابن الموازينيّ، وطبقتهم.

стр. 11915

وحدّث ببغداد فسمع منه الحافظ أبو سعد السمعانيّ كتاب المروءة (١). وذكره في الذيل فقال: شابّ قدِم بغداد للتجارة. وذكره أبو المواهب بن صصرى في معجمه فقال: باع كتب أبيه وعمّه بثمن بخس، وأعرض عن الخير في وسط عمره، ثم أقلع في آخره. وسُمع منه من النُّسَخ التي بأيدي الناس. وتوفّي في رجب. قلت: وروى عنه الحافظ أبو محمد عبد الغنيّ، والشيخان أبو عمر والموفّق، والبهاء عبد الرحمن، والشمس عمر بن المنجى، وسالم بن عبد الرزاق، وأخوه يحيى، وعبد الحق بن خلف، والحافظ الضّياء، وغيرهم (٢). ٢٠٨ - عبد الله بن خلف بن محمد بن حبيب بن فَرقد، أبو محمد القرشيّ، الفهريّ، الأندلسيّ، الإشبيليّ. سمع من أخيه أبي إسحاق من أبي محمد بن عتّاب، وأبي الحسن بن بقيّ. وناظر في الرأي عن أبي عبد الله ابن الحاجّ. وأخذ القراءات عن أبي عمرو موسى بن حبيب عن مكّيّ بن أبي طالب. وقال الأبّار (٣): كان حافظًا للفقه، صادعًا بالحق. مولده بعد التسعين وأربع مائة حدّث عنه ابنه أبو القاسم. ٢٠٩ - عبد الله بن مغيث بن يونس بن محمد بن مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله بن مغيث، أبو محمد ابن الصّفّار الأنصاريّ، القرطبيّ. روى عن جدّه أبي الحسن، وأبي عبد الله ابن الحاجّ، وأبي الحسن شُرَيح، وأبي بكر ابن العربيّ، وجماعة. ووُلّي قضاء الجماعة بقرطبة ثمانية عشر عامًا. قال الأبّار (٤): روى عنه أبو القاسم ابن الملجوم، وعامر بن هاشم، وأبو

стр. 11916

محمد بن حوط الله، وأخوه أبو سليمان بن حَوط الله. وتوفّي في ربيع الأوّل وله ستون سنة. ٢١٠ - عبد الله بن يزيد بن عبد الله، القاضي أبو محمد السعديّ، الغَرناطيّ، ثم اليحصُبيّ. من قلعة يحصُب. حدّث في هذا العام عن أبي الوليد بن طريف، وأبي الحسن بن الباذش، وطائفة. وعنه الأخوان ابنا حوط الله، وابن دحية، وآخرون (١). ٢١١ - عبد الله بن يوسف بن عليّ بن محمد، القضاعيّ، المريي. سمع من أبيه. وبالثّغر من أبي عبد الله محمد بن أحمد الرّازيّ. روى عنه عليّ بن المفضّل الحافظ. بقي إلى هذا العام (٢). ٢١٢ - عبد الجبار بن يحيى بن عليّ بن هلال، أبو سعيد الأزَجيّ، الدّبّاس، المعروف بابن الأعرابي. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا ياسر البرَدانيّ، ومحمد بن عبد الباقي الدّوريّ، وابن الحصين، وجماعة. سمع منه أبو محمد ابن الخشّاب مع تقدّمه. وروى عنه ابن الدّبيثي، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة. وتوفّي في ربيع الآخر وله ستّ وسبعون سنة (٣). ٢١٣ - عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن بن عليّ بن عبد الرحمن بن سعيد بن حُميد بن أبي العجائز، أبو الفهم الأَزديّ، الدّمشقي. من بيت الحديث والرواية. سمع أبا طاهر الحِنّائيّ، وغيره. روى عنه الحافظ ابن عساكر، وابنه القاسم، وأبو المواهب بن صصرى، وإبراهيم ابن الخُشوعيّ، ومكّيّ بن علاّن، وطائفة. وكان ملازمًا لحلقة الحافظ ابن عساكر.

стр. 11917

توفّي ﵀ في جُمادى الآخرة، وله ثمانون سنة. وهو راوي حديث ابن سختام (١). ٢١٤ - عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد، أبو جعفر ابن القصير الأَزديّ، الغرناطيّ. روى عن أبيه أبي الحسن، وعمّه أبي مروان عبد الملك، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الوليد بن رشد، والقاضي عِياض. وكان وجيهًا في بلده، من بيت تقدّم، وكان كثير العناية بالرواية، وله حظّ وافر من الفقه والأدب. وصنّف تصانيف منها شيء من مناقب أهل عصره. وحجّ وسكن بإفريقية وتونس. ووُلّي القضاء. وحدّث عنه أبو عبد الله بن نافع الخطيب. غرق في البحر في آخر العام رحمه الله تعالى (٢). ٢١٥ - عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الماجد بن عبد الواحد بن أبي القاسم القُشيريّ، أبو المحاسن النيسابوريّ، الصوفيّ. توفّي في ربيع الأوّل، وله خمسون سنة. روى عن عبد المنعم ابن القُشيريّ. روى عنه أبو القاسم بن صصرى. ٢١٦ - عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن هبة الله ابن رئيس الرؤساء، أبو الفضل ابن الوزير أبي الفرج، يلقّب كمال الدين. استنابه أبوه في الأستاذداريّة ثم استقلّ بها عندما وَزَر أبوه. وكان ذا غلظة وشدّة وطأة وصرامة وقساوة وسوء سيرة. كانت الألسنة مجمعة على ذمّه. وله شعر جيّد. قال العماد الكاتب (٣): هو شهم مهيب، وله فهم مصيب. وهو غضنفر بني المظفّر، وقيل (٤): بني الرفيل. ومن شعره:

стр. 11918

وأهيَفُ معسول النكاهة واللَّمى … مليح التثني والشمائل والقدّ به ريّ عيني وهو ظام إلى دمي … وخدي لَهُ ورد ومن خَدِّه وردي توفّي في الكهولة. وقد عُزل عن أستاذيّة الدار لسوء سيرته، في أيّام أبيه. وخافه مجد الدين ابن الصاحب أستاذ دار الخليفة الناصر، فدقّق الحيلة في القبض عليه، ثم صادره وعاقبه عقوبة شديدة. وقيل إنّه رفسه برجله فمات منها (١). ٢١٧ - عليّ بن أحمد بن محمد بن بكروس، أبو الحسن. ولد سنة تسع وخمس مائة. وتوفّي في ثالث ذي الحجّة ببغداد. كذا سمّاه ابن مشِّق، وسيُعاد (٢). ٢١٨ - عليّ بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الملك، أبو الحسن ابن العصّار السُّلَميّ، المِرداسيّ، الرَقّيّ، ثم البغداديّ، اللغويّ. كان علاّمة العرب وحجّة الأدب في نقل اللغة. أخذ عن أبي منصور ابن الجواليقيّ، وكتب الكثير. وأكثر المطالعة. وكان مليح الخط، وأنيق الوِراقة والضبط، ثقة، ثبتا. سافر إلى مصر تاجرًا، وأقام بها مدّة، وقرأ بها الأدب على أبي الحجّاج يوسف بن محمد بن الحسين الكاتب ابن الخلاّل صاحب ديوان الإنشاء. ثم قدم بغداد، وتصدّر للإقراء والإفادة في داره. وكان الفضلاء يترددون إليه، ويقرؤون عليه كتب الأدب. وسمع من أبي الغنائم ابن المهتدي، وأبي العز بن كادَش، وجماعة. روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، وابن أخته أحمد بن طارق، وغيرهما. وتوفّي في المحرّم. وولد سنة ثمان وخمس مائة. قال ابن النجّار: وخلّف مالًا طائلًا، وكان بخيلًا مقتّرًا على نفسه رحمه الله تعالى. قلت: كان آية في اللغة، وهو متوسّط في النحو، وكان تاجرًا متموّلًا، سافر إلى مصر. ويحضر حلقة ابن برّيّ ويأخذ عنه النحو. وكان ابن بري

стр. 11919

يأخذ عنه اللغة، وكان يحفظ من أشعار العرب ما لا يوصف (١). ٢١٩ - علي بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس، أبو الحسن أخو أبي العبّاس البغداديّ، الحنبليّ. شيخ صالح، سمع الكثير بنفسه. روى عن أبي الغنائم محمد بن محمد ابن المهتدي بالله، وابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وهبة الله الشُروطيّ، وجماعة. روى عنه موفّق الدين ابن قُدامة، والبهاء عبد الرحمن، وإلياس الإربليّ وآخرون. توفّي في ذي الحجّة (٢). ٢٢٠ - عمر بن عبد الرحمن بن عذرة، أبو حفص الأنصاريّ، الأندلسيّ، من أهل الجزيرة الخضراء. روى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن بن مغيث، وأبي القاسم بن بقِيّ. ووُلي قضاء بلده وقضاء سبتة. وكان فقيهًا مشاورًا، له النظم والنثر. أخذ عنه أبو الوليد القسطَليّ، وعمر بن عبد المجيد النحويّ، وجماعة. توفّي في رمضان (٣). ٢٢١ - غازي، سيف الدين صاحب الموصل ابن الملك قطب الدين مودود بن أتابك زنكي بن آقسنقر التّركيّ. والد سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر. لمّا مات أبوه قطب الدين بلغ السلطان نور الدين الخبر، وهو على تل باشر، فسار في الحال إلى الموصل، وأتى الرقة في أول سنة ست وستين فملكها، ثم سار إلى نصيبين فمكلها، ثم أخذ سنجار في ربيع الآخر، ثم أتى الموصل، وقصد أن لا يقابلها، فعبر بجيشه من مخاضة بلد ثم نزل قبالة الموصل، وأرسل إلى غازي وعرّفه صحة قصده، فصالحه. ونزل الموصل ودخلها، وأقرّ صاحبها فيها، وزوجه بابنته، وعاد إلى الشام، فدخل حلب في

стр. 11920

شعبان من السنة. فلما تملك صلاح الدين وسار إلى حلب وحاصرها، سيّر إليه غازي جيشًا عليه أخوه عز الدين مسعود، فالتقوا عند قرون حماة، فانكسر عز الدين. فتجهّز غازي وسار بنفسه، فالتقوا على تل السلطان، وهي قرية بين حلب وحماة في شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسرت ميسرة صلاح الدين بمظفّر الدين ابن زين الدين صاحب إربل، فإنه كان على ميمنة غازي، فحمل السلطان صلاح الدين بنفسه، فانهزم جيش غازي فعاد إلى حلب، ثم رحل إلى الموصل. ومات بالسل في صفر. وعاش نحوًا من ثلاثين سنة. قال ابن الأثير (١): كان مليح الشباب، تام القامة، أبيض اللون، وكان عاقلًا وقورًا، قليل الالتفات. لم يذكر عنه ما ينافي العفة. وكان غيورًا شديد الغيرة، يمنع الخدّام الكبار من دخول الدور، ولا يحب الظلم، على شحّ فيه وجبن. قلت: ودار الخمر والزنا ببلاده بعد موت نور الدين، فمقته أهل الخير. وقد تاب قبل موته بيسير، وتملّك بعده أخوه مسعود، فبقي ثلاث عشرة سنة. ٢٢٢ - محمد بن حامد، أبو سعيد الأصبهاني. من حفّاظ الحديث ببلده. يروي عن أبي العلاء صاعد بن سيّار الدهّان. وغيره. توفي بأصبهان. ٢٢٣ - محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن هشام. الإمام أبو عبد الله الخشني، الرّندي، نزيل مالقة، ويعرف قديمًا باسم العويص. أخذ القراءات عن منصور ابن الخير، وعن أبي القاسم بن رضا. وسمع من ابن مغيث، وابن مكّي، وجماعة. وناظر في كتاب سيبويه على ابن الطراوة وروى عنه، وعن أبي محمد البطليوسي. قال الأبّار (٢): وكان مقرئًا ماهرًا، نحويًا، لغويًا، دأب على تعليم القرآن والعربية دهره. وحدّث. وتوفي بمالقة في شوال. حدثنا عنه ابن حوط الله، وأبو العباس العزفي.

стр. 11921

٢٢٤ - محمد بن علي بن محبوب، أبو بكر البغدادي المسدّي. سمع أبا العز محمد بن المختار، وأحمد بن الحسين بن قريش. وعنه ابن الحصري، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن جرير. وكان رجلا مباركًا. توفي في ربيع الآخر (١). ٢٢٥ - محمد بن محمد بن مواهب، أبو العز ابن الخراساني، البغدادي، الشاعر، صاحب العروض ومصنّف النوادر المنسوبة إلى حدّة الخاطر. قرأ الأديب على: أبي منصور ابن الجواليقي. وله ديوان شعر في خمسة عشر مجلدًا، قاله العماد الكاتب (٢)، ومصنفات أدبية. ومدح الخلفاء والوزراء، وتغيّر ذهنه في آخر أيامه قليلًا. وكان بارع الأدب، بصيرًا بالعروض، مقدّمًا في اللغة والنحو، صاحب مجون وخلاعة ونوادر. سمع أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار، وأبا سعد بن خشيش، وأحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا علي بن نبهان. قال ابن الدّبيثي (٣): سمعت منه وتركته لتغيّره. وأجاز لي قبل أن يتغير ذهنه. قلت: روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة. وتوفي في رمضان، وله اثنتان وثمانون سنة. قال ابن الدّبيثي (٤): أنشدنا في المسترشد بالله: قل للإمام الذي إنعامه نعم … وسحّ كفّيه منه تخجل الدّيم وعرضه وافر في كل نازلة … وماله في جميع الناس مقتسم وبحره الجمّ عذب ماؤه غدق … سهل الشرائع غمر طيّب شبم مسترشد إن بدا فالبدر غرّته … وإن يقل كلمًا فالدرّ منتظم ٢٢٦ - المبارك بن عبد الله بن محمد، أبو منصور البغدادي.

стр. 11922

قال الدّبيثي (١): كان خيّرًا متيقظًا. سمعت عليه. روى عن ابن الحصين، وزاهر بن طاهر. ولازم ابن ناصر فأكثر. وتوفي في رمضان. ٢٢٧ - المبارك بن المبارك بن محمد بن أحمد بن الحكيم، أبو بكر الخياط البغدادي. سمع أبا الحسن العلاف، وشجاعًا الذهلي، وأبا علي بن المهدي، وغيرهم. روى عنه إلياس بن جامع، وابن الأخضر، والبهاء عبد الرحمن، وآخرون. توفي أيضًا في رمضان (٢). ٢٢٨ - المبارك بن محمد بن محمد بن العرمرم، أبو جعفر ابن أبي طاهر ابن الواسطي، البغدادي. له إجازة من جعفر السرّاج، وأبي الحسين ابن الطيوري. سمع منه علي بن أحمد الزيدي، ومحمد بن سعيد ابن الدّبيثي. مات في ذي القعدة سنة ست (٣). ٢٢٩ - مسعود بن عمر الملاح. سمع أبا الحسن ابن الزاغوني، وعلي بن الفاعوس. روى عنه أبو الحسن القطيعي في تاريخه. ٢٣٠ - مسعود بن محمود بن أحمد بن عبد المنعم بن ماشاذة، الإمام أبو عبد الله الأصبهاني، المفسّر، الفقيه. قال ابن النجار: كان إمامًا حافظًا، قيّمًا بالمذهب، والخلاف، والتفسير، والوعظ. سمع غانمًا البرجي، وأبا علي الحداد، ومحمود بن إسماعيل، وعبد الكريم بن فورجة. وحج وحدّث ببغداد، وجلس للوعظ، ولقي القبول التام، واستحسن الأكابر كلامه. قلت: ولم يذكر أن أحدًا روى عنه (٤).

стр. 11923

٢٣١ - المسلم بن عبد المحسن بن أحمد، أبو الغنائم الكفرطابي، ثم الدمشقي، البزّاز. سمع من جدّه لأمه أبي طاهر محمد بن الحسين الحنائي. ودخل بغداد للتجارة، وسمع بها علي بن هبة الله بن عبد السلام. أخذ عنه عمر بن محمد بن جابر، وإلياس بن جامع، وغيرهما. وتوفي في جمادى الآخرة عن إحدى وسبعين سنة. ٢٣٢ - مطهر بن خلف بن عبد الكريم بن خلف بن طاهر بن محمد الشّحامي النيسابوري. حدّث بدمشق عن وجيه بن طاهر. وكان صوفيًا ينسخ بالأجرة. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم، ومحمد البلخي المقرئ. ٢٣٣ - المظفّر بن محمد بن عبد الباقي بن حند (١)، أبو عبد الله البناء، البغدادي، وهو ابن عم أبي المعمر بقاء بن عمر. سمع أبا طالب بن يوسف، وأبا الحسن الزاغوني، وأبا غالب ابن البناء. روى عنه أحمد بن أحمد البندنيجي وأثنى عليه. وتوفي في ربيع الآخر. ٢٣٤ - نصر الله بن أحمد بن حمزة بن أبي الجحجّاج، أبو الفتح العدوي، الحلبي، ثم الدمشقي، العطار. حدث عن هبة الله بن طاوس. وعنه أبو القاسم بن صصرى. ٢٣٥ - هبة الله بن أحمد بن محمد بن هلال، أبو الفرج ابن الأعرابي، الأزجي، الدبّاس. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الغنائم النرسي، وأبا ياسر البرداني. سمع منه أبو محمد ابن الخشّاب، وعمر بن علي القرشي. وتوفي في رجب (٢). وهو أسنّ من ابن عمّه عبد الجبار بعامين.

стр. 11924

٢٣٦ - واثق بن الحسين بن علي العطار أبو الحسين ابن السمّاك. سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا غالب ابن البناء. روى عنه عبد الله بن أحمد الخباز. وعاش ثلاثًا وستين سنة (١). ٢٣٧ - يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد الموصلي ثم البغدادي، أخو سليمان وعلي، ووالد الموفق عبد اللطيف. صحب أبا النجيب السهروردي وتفقّه عليه. وسمع أبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا منصور بن خيرون، وخلقًا. وسمّع ابنه، وحدّث. وتوفي في المحرم، وله إحدى وستون سنة (٢). ٢٣٨ - يونس بن محمد، أبو الوليد القسطلي، الأندلسي. من فحول الشعراء وأعيان البلغاء. كتب لبعض ملوك الأندلس، وصنّف في الأدب (٣). وفيها ولد: كمال الدين محمد ابن قاضي القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني في ربيع الأول.

стр. 11925

سنة سبع وسبعين وخمس مائة ٢٣٩ - أحمد بن جميل بن الحسن، أبو منصور الأزجي الكاتب، الشيباني، مصنّف المقامات العشرين. أديب بارع، وشاعر محسن. روى عنه ولده يوسف. توفي في ربيع الأول ببغداد (١). ٢٤٠ - أحمد بن عبد الملك بن عميرة، أبو جعفر الضّبّي، الأندلسي. سمع بمرسية من أبي علي الصدفي، وأبي محمد بن أبي جعفر الفقيه. وبقرطبة أبا محمد بن عتّاب، وابن رشد. ولقي بمصالة منصور بن الخير وأخذ عنه القراءات. وحجّ، وكان زاهدًا عابدًا، قانتًا لله. روى عنه سليمان بن حوط الله، وأحمد بن يحيى بن عميرة. وتوفي عن سنّ عالية (٢). ٢٤١ - أحمد بن علي بن محمد بن عبد الملك بن سليمان بن سند (٣)، أبو العباس الأندلسي، الكناني، النحوي، من أهل إشبيلية. وكان يعرف باللص؛ لإغارته على الأشعار في حداثته. روى عن أبي بحر الأسدي، وأبي محمد بن صارة. وأقرأ العربية والآداب واللغة. وكان شاعرًا محسنًا. روى عنه أبو الحسين بن زرقون، وأبو الخطّاب بن دحية. وعاش بضعًا وسبعين سنة، وتوفي سنة سبع أو سنة ثمان وسبعين (٤). ٢٤٢ - أحمد بن علي بن سعيد، أبو العباس الخوزي الصوفي. قرأ القرآن بواسط، وسمع بها من أبي علي الحسن بن إبراهيم الفارقي. وببغداد من أبي بكر الأنصاري.

стр. 11926

وكان رجلًا صالحًا. عاش سبعا وسبعين سنة (١). ٢٤٣ - أحمد بن محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام، أبو الغنائم الكاتب، أخو أبي منصور عبد الله. سمع أبا علي ابن المهدي، وأبا القاسم بن الحصين. وحدّث. قتله غلام له بداره طمعًا في شئ كان له في المحرم. وقيل: في سنة ست. وولد سنة أربع وخمس مائة (٢). ٢٤٤ - أحمد بن محمد بن أبي القاسم، الشيخ أبو الرشيد الخفيفي، الصوفي، الزاهد. قال ابن النجار: قدم بغداد شابًا من أبهر زنجان، وتفقّه مدّة. وسمع زاهر الشحّامي، وأبا بكر محمد بن عبد الباقي، وجماعة. ثم صحب أبا النجيب السهروردي؛ وانقطع، وجلس في الخلوة، وظهر له الكرامات، وفتح عليه. روى لنا عنه أبو نصر عمر بن محمد بن جابر المقرئ. وقرأت بخط عمر بن علي القرشي: جلس أبو الرشيد الأبهري في الخلوة اثنتي عشرة سنة، وفتح له خير كثير، وظهر كلامه. وقد كتب من كلامه ما يقارب ثمانين مجلدة. قال ابن النجار: بلغني أنه مات في جمادى الآخرة. وكان منسوبًا إلى ابن خفيف الشيرازي (٣). ٢٤٥ - أحمد بن مواهب بن حسن، أبو عبد الرحمن البغدادي، المعروف بغلام الزاهد ابن العلبي. شيخ صالح، سمع أبا طالب بن يوسف. سمع منه ابنه عبد الرحمن، وتميم بن أحمد البندنيجي، والحافظ عبد القادر الرّهاوي. سمعوا منه في هذه السنة، وانقطع خبره (٤).

стр. 11927

٢٤٦ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإمام رضي الدين أبو طاهر الجزري الفقيه الشافعي. تفقّه وبرع على شيخه أبي القاسم ابن البزري، ثم تفقّه ببغداد بالنظامية. وسمع من الكروخي. ودرّس ببلده وساد بعد ابن البزري. مات في المحرم عن أربع وستين سنة. ذكره الفرضي (١). ٢٤٧ - إسماعيل، الملك الصالح نور الدين، أبو الفتح ابن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي التركي. ختنه أبوه في سنة تسع وستين، وسرّ به، وزيّنوا دمشق، وكان وقتًا مشهودًا وهو يوم عيد الفطر. وزيّنت دمشق أيامًا وضربت خيمة بالميدان، وصلّى هناك بالناس شمس الدين قاضي العسكر، وخطب، ثم مدّ السماط العام، وأنهب على عادة الترك. وعاد نور الدين إلى القلعة فمد سماطه الخاص، ولعب من الغد بالكرة، فاعترضه برتقش أمير آخر وقال له: باش. فاغتاظ بخلاف عادته، وزبر برتقش، ثم ساق ودخل القلعة، فما خرج منها إلاّ ميّتًا (٢). وتوفي نور الدين بعد الختان بأيام، فحلّف أمراء دمشق لابنه أن يكون في السلطنة بعده، وهو يومئذ صبي، ووقعت البطاقة إلى حلب بموت نور الدين، ومتولّيها شاذبخت الخادم، فأمر بضرب البشائر، وأحضر الأمراء والعلماء وقال: هذا كتاب من السلطان بأنه ختن ولده وولاّه العهد بعده. ومشى بين يديه فسروا بذلك ثم قال تحلفون له كما أمر بأن حلب له؟ فحلفوا كلهم في الحال. ثم قام إلى مجلس فلبس الحداد، وخرج إليهم وقال: يحسن الله عزاكم في الملك العادل وبكى. وأما صلاح الدين فسار إلى الشام ليكون هو المدبّر لدولة هذا الصبي، ويستولي على الأمور. ووقعت الفتنة بحلب بين السنّة والرافضة. ونهبت الشيعة دار قطب

стр. 11928

الدين ابن العجمي، ودار بهاء الدين ابن أمين الملك. ونزل جماعة من القلعة وأمرهم الأمير شمس الدين علي (١) بن محمد ابن الداية والي القلعة أن يزحفوا إلى دار أبي الفضل ابن الخشّاب رئيس الشيعة، فزحفوا إليها ونهبوها، واختفى ابن الخشّاب. ثم وصل الصالح إسماعيل إلى حلب في ثاني المحرّم من سنة سبعين، ومعه سابق الدين عثمان ابن الدايّة، فقبض عليه، وصعد القلعة، وظهر ابن الخشّاب، وركب في جمع عظيم إلى القلعة، فصعد إليها، والشيعة تحت القلعة وقوف. فقتل بها ابن الخشّاب وتفرّق ذلك الجمع. وسجن شمس الدين علي ابن الدايّة وأخواه: سابق الدين عثمان، وبدر الدين حسن. ودخل السلطان صلاح الدين دمشق في سلخ ربيع الآخر، ثم سار إلى حمص فملكها. ثم نازل حلب في سلخ جمادى الأولى، فنزل الملك الصالح إلى البلد، واستنجد بأهل البلد، وذكّرهم حقوق والده، فوعدوه بالنصر، وجاءته النجدة من ابن عمه صاحب الموصل مع عز الدين مسعود بن مودود. فردّ السلطان صلاح الدين إلى حماة، وتبعه عز الدين مسعود، فالتقوا عند قرون حماة في رمضان. فانكسر عز الدين وانهزم، وردّ صلاح الدين فنازل حلب، فصالحوه وأعطوه المعرّة، وكفرطاب، وبارين. ثم جاء صاحب الموصل سيف الدين غازي في جيش كثيف، وجاء صلاح الدين بعساكره، فالتقوا في شوال سنة إحدى وسبعين، فانكسر صاحب الموصل على تل السلطان، وسار صلاح الدين، فأخذ منبج، ثم نازل عزاز ففتحها، ثم نازل حلب في ذي القعدة، وأقام عليها مدةً. وبذل أهلها المجهود في القتال، بحيث إنهم كانوا يحملون ويصلون إلى مخيم صلاح الدين، وأنه قبض على جماعة منهم، فكان يشرّح أسافل أقدامهم، ولا يمنعهم ذلك عن القتال، فلما ملّ صالحهم وسار عنها. وخرجت إليه أخت الملك الصالح، وكانت طفلة، فأطلق لها عزاز لما طلبتها منه. وكان تدبير أمر حلب إلى والدة الصالح، وإلى شاذبخت، وخالد ابن القيسراني.

стр. 11929

ثم إن الصالح مرض بالقولنج جمعتين، ومات في رجب من سنة سبع، وتأسفوا عليه، وأقاموا عليه المآتم، وفرشوا الرماد في الأسواق، وبالغوا في النوح عليه. وكان أمرًا منكرًا. وكان ديّنًا، عفيفًا، ورعًا، عادلًا، محبّبًا إلى العامة، متّبعًا للسنّة، ﵀، ولم يبلغ عشرين سنة. وذكر العفيف بن سكّرة اليهودي، لا ﵀، وكان يطبّبه، قال: قلت له: يا مولانا، والله شفاؤك في قدح خمر، وأنا أحمله إليك سرًا، ولا تعلم والدتك، ولا اللالا، ولا أحد. فقال: كنت أظنك عاقلًا، نبيّنا ﷺ يقول: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليها (١). وتقول لي أنت هذا. وما يؤمنني أن أشربه وأموت وهو في جوفي؟!. وقيل: توفي وله قريب من ثماني عشر سنة. فتملّك حلب بعده عزّ الدين مسعود ابن عمّه مودود. ٢٤٨ - أشرف بن هبة الله، أبو العباس الهاشمي البيّاضي، إمام جامع المنصور. سمع أحمد بن المجلي، وهبة الله بن الحصين. سمع منه محمد بن مشّق، وأحمد بن أحمد البندنيجي. وتوفي في أول السنة (٢). ٢٤٩ - خمرتاش، مولى أبي الفرج هبة الله ابن رئيس الرؤساء. سمع من أبي الحسين ابن العلاّف. روى عنه ابن الأخضر، وغيره، ونصر ابن الحصري. وتوفي في رمضان (٣).

стр. 11930

٢٥٠ - سليمان بن أرسلان، المعروف بشرف الدين ابن شاووش البغدادي. كان يخدم في السواد فعلا وساد، وناب في وزارة الناصر لدين الله أول ما استخلف، ثم عزل بعد شهرين لشيخوخته وضعفه. توفي في جمادى الأولى عن سنّ عالية (١). ٢٥١ - عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد، كمال الدين أبو البركات الأنباري النحوي، الرجل الصالح، صاحب التصانيف المفيدة. سكن بغداد من صباه، وتفقّه بالنظامية على أبي منصور ابن الرزاز، وقرأ النحو على أبي السعادات ابن الشجري، واللغة على أبي منصور ابن الجواليقي. وبرع في الأدب حتى صار شيخ العراق في عصره، وأقرأ الناس ودرّس النحو بالنظامية، ثم انقطع في منزله مشتغلًا بالعلم والعبادة والورع وإفادة الناس. وكان زاهدًا ناسكًا، تاركًا للدنيا، ذا صدق وإخلاص. قال الموفق عبد اللطيف: أما شيخنا كمال الدين الأنباري فلم أر في العبّاد والمنقطعين أقوى منه في طريقه، ولا أصدق منه في أسلوبه، جد محض لا يعتريه تصنّع، ولا يعرف الشرور، ولا أحوال العالم. وكان له من أبيه دار يسكنها، ودار وحانوت مقدار أجرتهما نصف دينار في الشهر ينتفع به ويشتري منه ورقًا. وسيّر إليه المستضيء خمس مائة دينار فردّها، فقالوا له: اجعلها لولدك، فقال: إن كنت خلقته فأنا أرزقه. وكان لا يوقد عليه ضوءًا. وتحته حصير قصب، وعليه ثوب وعمامة من قطن يلبسهما يوم الجمعة. وكان لا يخرج إلاّ للجمعة، ويلبس في بيته ثوبًا خلقًا. وكان ممن قعد في الخلوة عند الشيخ أبي النجيب. قرأ عليه معيد بالنظامية، فبقي يكثر الصياح والكلام، فلطمه على رأسه وقال: ويلك، إذا كنت تجترّ في المرعى متى ترعى؟ وللشيخ مائة وثلاثون مصنفًا، أكثرها نحو، وبعضها في الفقه والأصول، والتصوّف، والزهد، أتيت على أكثرها قراءةً، وسماعًا وحفظًا. قلت: من كتبه أسرار العربية، الإنصاف في مسائل الخلاف،

стр. 11931

أخبار النحاة، الداعي إلى الإسلام في علم الكلام، النور اللائح في اعتقاد السلف الصالح، الجمل في علم الجدل، كتاب ما، وغرائب إعراب القرآن، ديوان اللغة، الضاد والظاء، تفسير لغة المقامات، شرح الحماسة، شرح المتنبي، نزهة الألبّاء في طبقات الأدباء (١)، تاريخ الأنبار، نسمة العبير في علم التعبير. روى الحديث عن أبيه، وخليفة بن محفوظ الأنباري، ومحمد بن محمد بن محمد بن عطّاف، وأحمد ابن نظام الملك. روى عنه الحافظ أبو بكر الحازمي، وابن الدّبيثي (٢)، وطائفة. وتوفي في شعبان. وله أربع وستون سنة. ومن شعره: دَع الفؤاد بما فيه من الحرق … ليس التصوُّفُ بالتلبيس والخِرَقِ بل التصوف صَفْوُ القلب من كدر … ورؤية الصفو فيه أعظم الخرق وصبر نفس على أدنى مطاعمها … وعن مطامعها فِي الخلق بالخلق وترك دعوى بمعنى فِيهِ حقته … فكيف دعوى بلا معنى وَلَا خلق؟ (٣) ٢٥٢ - عبد الصمد بن علي، أبو القاسم ابن الأخرم البغدادي، الحذّاء. سمع أبا علي الباقرحي، وأبا سعد ابن الطيوري، وأبا طالب اليوسفي. سمع منه عمر القرشي، وجماعة. وتوفي فجاءة في ذي الحجة، وله سبعون سنة (٤). ٢٥٣ - عبد القادر بن علي بن نومة (٥)، أبو محمد الواسطي الشاعر. جالس أبا السعادات ابن الشجري، وأبا منصور ابن الجواليقي. ومدح الخلفاء. ومات غريبًا بمصر.

стр. 11932

ومن شعره: أصيب ببلوى الجسم أيوب فاغْتَدَى … به تضرب الأمثال إذ يذكر الصبرُ فلما انتهى بلواه من بعد جسمه … إلى القلب نادى مُعْلنًا: "مَسَّنِي الضُّرُّ" وكلُّ بلائيَ عند قلبي ولم أبحْ … بشكوى الَّذِي ألقى ولم يظهر السر (١) هذا هذيان وقول من وراء العافية، ومجرد دعوى كاذبة. كما فشر من قال: وكل بلاء أيوب بعض بليّتي ولكن الشعراء في كل واد يهيمون، ويقولون ما لا يفعلون. وكما قيل: أملح الشعر أكذبه. ٢٥٤ - عثمان بن يوسف بن أبي بكر بن عبد البرّ بن سيّدا بن ثابت، أبو عمرو الأنصاري، السرقسطي، المعروف بالبلجيطي. أخذ القراءات عن أبي زيد الورّاق، ويحيى بن محمد القلعي. وأخذ قراءة نافع عن أبي زيد بن حيوة. واختلف إلى أبي جعفر بن سراج، وأبي الحسن بن طاهر وأخذ عنه العربية. وسمع التيسير سنة إحدى وعشرين وخمس مائة من ابن هذيل. وأقرأ القراءات، وسكن بلد لريّة ثم ولّي قضاءها. وكان محققًا للقراءات، ضابطًا، إخباريًا، ذاكرًا، ماهرًا بالقضاء والشروط. توفي عن تسعين سنة في نصف ذي القعدة. أخذ عنه أبو عمر بن عيّاد، وأبو عبد الله بن عيّاد (٢)، وأبو عبد الله الشوني، وأبو الربيع بن سالم (٣). ٢٥٥ - علي بن محمد بن الحسن، أبو المفاخر المستوفي البيهقي، الواعظ، الصوفي. حدّث ببغداد وواسط عن محمد بن أحمد بن صاعد، وعبد الغافر بن إسماعيل، وأبي عبد الله الفراوي، وغيرهم. وتوفي ﵀ في شعبان (٤).

стр. 11933

٢٥٦ - عمر بن علي ابن الزاهد محمد بن علي بن حمويه، أبو الفتح الجويني الصوفي، شيخ الشيوخ بدمشق. ولد في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. وسمع من جدّه، وأبي عبد الله الفراوي، وأبي القاسم الشّحامي، وأبي الفتوح عبد الوهاب الشاذياخي، وعبد الجبار الخواري، وعبد الواحد الفارمذي. وأقام بدويرة السميساطي. وحدّث؛ وإليه انتهى التقدم في التصوّف. وكان السلطان صلاح الدين يحترمه ويعظمه، وهو أخو أبي بكر وأبي سعد عبد الواحد. روى عنه الحافظ أبو المواهب، وأخوه أبو القاسم الحسين، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، وآخرون. وتوفي في رجب، ودفن بمقابر الصوفية. وذكره العماد الكاتب فقال: كبير الشأن كثير الإحسان، لم يكن له في علم الطريقة والحقيقة مساو. وأقبل عليه نور الدين بكلّيته، وأمرني بإنشاء منشور له بمشيخة الشام، ورغّبه بالإحسان في المقام، ومن جملة ما أتحفه به عمامة ذهبية نفّذ بها صلاح الدين من مصر، فبذل له فيها ألف دينار بزنة ذهبها، فلم يجب. ٢٥٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز، أبو عبد الله الحميري، القرطبي، المعروف بالإستجي نزيل مالقة. سمع صحيح البخاري من شريح. وولي خطابة مالقة. وكان من أهل الفضل والصلاح. ورّخه الأبّار، وقال (١): حدثنا عنه أبو عبد الله الأندرشي، وأبو سليمان بن حوط الله. ٢٥٨ - محمد بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال. أخو الحافظ أبي القاسم، أبو عبد الله القرطبي. روى عن أبيه، وأبي جعفر البطروجي، وأبي الحسن بن مغيث. وكان فقيهًا شروطيًا. وأجاز له أبو علي بن سكّرة.

стр. 11934

توفي في جمادى الآخرة قبل أخيه (١). ٢٥٩ - محمد بن محمد بن شجاع بن أحمد بن علي، أبو الطيّب اللفتواني الأصبهاني. سمع أباه أبا بكر، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وفاطمة الجوزدانيّة، وجماعة. وطلب بنفسه، وكتب، وقرأ. توفي في صفر. ٢٦٠ - المبارك بن علي بن محمد بن خلف، أبو الفائز البرداني، الدلاّل في الدور. سمع أبا الغنائم النرسي، ومحمد بن الحسن ابن البنّاء، وأبا طالب بن يوسف. روى عنه أبو بكر الحازمي، وابن الأخضر، وآخرون. توفي في جمادى الآخرة وله سبع وسبعون سنة. وقيل: إحدى وثمانون سنة (٢). ٢٦١ - هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم، أبو طاهر الحلبي، الخطيب. شيخ زاهد، خيّر، بارع في العربية. كتب عنه أبو سعد ابن السمعاني، والخطيب يونس بن محمد الفارقي. وتوفي في جمادى الآخرة. وروى عنه أبو القاسم بن صصرى، وقال: كان خطيب حلب، جامعًا لفنون شتّى. وقال ابن النجار: أديب، بليغ، فصيح، له تصانيف وخطب، وله كتاب التنبيه عن اللحن الخفي. قرأه عليه حمزة ابن القبّيطي. عاش ثلاثًا وثمانين سنة. ٢٦٢ - هبة الله بن المبارك بن بكري الحريمي. من بيت رواية. سمع أبا الحسن الدينوري، وابن الحصين. أخذ عنه ابن مشّق، وغيره. وتوفي في شوال (٣).

стр. 11935

وروى عنه عبد الوهاب بن بزغش، وعبد الرحمن بن عمر الغزّال. ٢٦٣ - هبة الله بن أبي الكرم نصر الله بن محمد بن محمد بن مخلد، أبو العباس ابن الجلخت الواسطي المعدّل. ثقة، صحيح السماع، من بيت رواية وعدالة. ولد سنة أربع وثمانين وأربع مائة. وسمع أبا نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وأبا نعيم محمد بن زبزب، ومحمد بن محمد ابن السوادي. وسمع ببغداد من هبة الله ابن البخاري، وأبا بكر القاضي. وروى الكثير؛ روى عنه أبو عبد الله ابن الدّبيثي وترجمه، وقال (١): توفي في رجب. ٢٦٤ - يحيى بن علي بن يحيى بن أبي العافية. المؤذّن أبو زكريا الدمشقي، المقرئ. سمع من جمال الإسلام أبي الحسن. كتب عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: توفي في ربيع الأول. ٢٦٥ - أبو الفهم بن فتيان بن حيدرة البجلي الدمشقي ابن الكاتب. زاهد عابد ورع. روى عن جمال الإسلام. وعنه ابن صصرى. وفيها ولد: أبو البيان بن سعد الله بن راهب الحموي بحماة؛ وشمس الدين إسحاق بن بلكويه، وأبو الفتح عبد الهادي بن عبد الكريم القيسي، وعبد العزيز بن عبد الوهاب الكفرطابي، وعماد الدين ابن الحرستاني، وكمال الدين أحمد بن نعمة بنابلس.

стр. 11936

سنة ثمان وسبعين وخمس مائة ٢٦٦ - أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة، الزاهد الكبير، سلطان العارفين في زمانه أبو العباس الرفاعي المغربي ﵁. قدم أبوه العراق وسكن البطائح بقرية اسمها أم عبيدة، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها أولادا منهم الشيخ أحمد ابن الرفاعي ﵀. وكان أبو الحسن مقرئًا يؤمّ بالشيخ منصور، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد، فربّاه وأدبه خاله منصور، فقيل: إنه ولد في أول المحرم سنة خمس مائة. ويروى عن الشيخ يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد ابن الرفاعي في المجلس، فقال لأصحابه: أي سادة، أقسمت عليكم بالعزيز سبحانه، من كان يعلم فيّ عيبًا يقوله. فقام الشيخ عمر الفاروثي وقال: أي سيدي، أنا أعلم فيك عيبًا. فقال: يا شيخ عمر، قله لي. قال: أي سيدي عيبك نحن الذين مثلنا في أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر، إن سلم المركب حمل من فيه في التّعدية. وقيل: إن هرّةً نامت على كمّ الشيخ أحمد، وجاء وقت الصلاة، فقصّ كمّه ولم يزعجها، وعاد من الصلاة فوجدها قد فاقت، فوصل الكمّ بالثوب وخيّطه وقال: ما تغيّر شيء. وعن يعقوب بن كراز، وكان يؤذن في المنارة ويصلّي بالشيخ، قال: دخلت على سيدي أحمد في يوم بارد، وقد توضّأ ويده ممدودة، فبقي زمانًا لا يحرك يده، فتقدّمت وجئت أقبّلها فقال: أي يعقوب، شوّشت على هذه الضعيفة. قلت: من هي؟ قال: بعوضة كانت تأكل رزقها من يدي، فهربت منك. قال: ورأيته مرةً يتكلم ويقول: يا مباركة ما علمت بك، أبعدتك عن وطنك. فنظرت فإذا جرادة تعلّقت بثوبه، وهو يعتذر إليها رحمةً لها.

стр. 11937

وعنه قال: سلكت كل الطرق الموصلة، فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلحّ من الافتقار، والذلّ، والانكسار. فقيل له: يا سيدي، فكيف يكون؟ قال: تعظّم أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنّة سيدك رسول الله ﷺ . وورد أنه كان فقيهًا، شافعي المذهب. وعن الشيخ يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد إذا قدم من سفر شمّر، وجمع الحطب، ثم يحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين، فكان الفقراء يوافقونه ويحتطبون معه. وربما كان يملأ الماء للأرامل ويؤثرهم. وعن يعقوب قال: قال لي سيدي أحمد: لما بويع الشيخ منصور ﵀. قيل له: أي منصور اطلب. فقال: أصحابي. فقال رجل لسيدي أحمد: يا سيدي وأنت أيش؟ فبكى فقال: أي فقير، ومن أنا في البين، ثبّت نسب واطلب ميراث (١). فقلت: يا سيدي أقسم عليك بالعزيز أيش أنت؟ قال: أي يعقوب، لمّا اجتمع القوم وطلب كل واحد شيئًا دارت النوبة إلى هذا اللاش أحمد وقيل: أي أحمد اطلب. قلت: أي ربّ علمك محيط بطلبي. فكرر عليّ القول، قلت: أي مولاي، أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار. فأجابني، وصار الأمر له وعليه. أي يعقوب، من يختاره العزيز يجيبه إلى هذه البقعة. وعن يعقوب قال: مرّ سيدي على دار الطعام، فرأى الكلاب يأكلون التمر من القوصرّة، وهم يتحارشون، فوقف على الباب لئلا يدخل إليهم أحد يؤذيهم، وهو يقول: أي مباركين اصطلحوا وكلوا، ولا يدروا بكم يمنعوكم. ورأى فقيرًا يقتل قملةً فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟ وعن يعقوب، قال لي سيدي أحمد: يا يعقوب، لو أن عن يميني خمس مائة يرّوحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إلي، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إليّ، معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه. ثم قرأ: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. وكان

стр. 11938

سيدي أحمد إذا حضر بين يديه تمر أو رطب ينقّي الشيص والحشف لنفسه يأكله ويقول: أنا أحق بالدون من غيري، فإني مثله دون. وكان لا يجمع بين لبس قميصين لا في شتاء ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلةً. وإذا غسل ثوبه ينزل في الشطّ كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف. وإذا ورد عليه ضيف يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر. وأحضر ابن الصيرفي وهو مريض ليدعو له الشيخ ومعه خدمه وحشمه، فبقي أيامًا لم يكلمه، فقال يعقوب بن كراز: أي سيدي ما تدعو لهذا المريض؟ فقال: أي يعقوب، وعزّة العزيز لأحمد كل يوم عليه مائة حاجة مقضيّة، وما سألتوه (١) منها حاجةً واحدة. فقلت: أي سيدي فتكون واحدة لهذا المريض المسكين. فقال: لا كرامة ولا عزازة، تريدني أكون سيئ الأدب. لي إرادة وله إرادة؟! ثم قرأ: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين أي يعقوب، الرجل المتمكّن في أحواله، إذا سأل حاجةً وقضيت له، نقص تمكّنه درجةً. فقلت: أراك تدعو عقيب الصلوات وكل وقت. قال: ذاك الدعاء تعبّد وامتثال. ودعاء الحاجات لها شروط، وهو غير هذا الدعاء. ثم بعد يومين تعافى ذلك المريض. وعن يعقوب أنه سأل الشيخ أحمد: أي سيدي، لو كانت جهنّم لك ما كنت تصنع تعذّب بها أحدًا؟ فقال: لا وعزّته، ما كنت أدخل إليها أحدًا. فقال: أي شيخ، فأنت تقول: إنّك أكرم ممن خلقها لينتقم بها ممن عصاه. فزعق وسقط على وجهه زمانًا، ثم أفاق وهو يقول: من هو أحمد في البين؟ يكرّرها مرات. وقال: أي يعقوب، المالك يتصرف سبحانه. وعن يعقوب أن الشيخ أحمد كان لا يقوم لأحد من أبناء الدنيا، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسّي القلب. وعن الشيخ يعقوب، وسئل عن أوراد سيدي أحمد، فقال: كان يصلّي أربع ركعات بألف قل هو الله أحد. ويستغفر الله كل يوم

стр. 11939

ألف مرّة، واستغفاره أن يقول: لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، عملت سوءًا، وظلمت نفسي، وأسرفت في أمري، ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت، فاغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم. يا حيّ يا قيّوم، لا إله إلاّ أنت. وذكر غير ذلك. وكان يترنّم بهذا البيت: إن كان لي عند سُلَيْمى قَبُولُ … فلا أبالي بما يقول العَذُولُ وكان يقول: ومستخبر عَن سِرِّ ليلى تركته … بعَمْياء من ليلى بغير يقين يقولون: خبّرْنا، فأنت أمينُها … وما أَنَا إنْ خبرتهم بأمين ويقول: أرى رجالًا بدون العَيش قد قنعوا … وما أراهم رضوا الدنيا على الديِن إذا رَأَيْت ملوكَ الأرض أجمعها … بلا مراء ولا شك ولا مين وقيل: هل فوقهم فِي الناس مرتبةً … فقُلْ: نَعَم مَلِكٌ فِي زِي مسكينِ ذاك الَّذِي حَسُنِت فِي الناس سِيرتُهُ … وصار يصلُحُ للدنيا وللدين ويقول: أغارُ عليها من أبيها وأمها … ومِن كلّ من يرنو إليها وينظر وأحذر من أخذّ المراة بكَفها … إذا نظرت منك الَّذِي أَنَا أنظرُ ومنه: إذا تذكرتُ من أنتم وكيف أَنَا … أجللت ذِكْركم يجري على بالي ولو شريت بروحي ساعةً سَلَفَتْ … من عيشتي معكم ما كان بالغالي وكان كثير التعظيم لخاله سيّدي الشيخ منصور، ويقول للفقراء: إذا قبّلتم عتبة الشيخ منصور، فإنما تقبّلون يده. ويقول: أنا ملاّح لسفينة الشيخ منصور، فاسألوا ربّنا به في حوائجكم. وكان يقول: إلى أن ينفخ في الصور لا يأتي مثل طريق الشيخ منصور (١). وعن ابن كراز: سمعت يوسف بن صقير المحدّث يقول: كنّا في قرية

стр. 11940

الضريّة مع سيدي أحمد قدس الله روحه، وقد غنّى ابن هديّة: لو يسمعون كما سمعت حديثَها … خروا لعزّة ركعًا وسُجُودا فقام سيدي وتواجد، وردد البيت، ولم يَزَلْ حتى كادت قلوب الفقراء تنفطر. وكان ذلك فِي بدايته بعد موت سيدي الشَّيْخ منصور. ولما كان فِي النهاية بقي سبع سِنين لَا يسمع الحادي وهو قريب منه حتى تُوُفي. وعنه قَالَ: ذكر الشَّيْخ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي أن سبب وفاة سيدي أَحْمَد أبيات أنشِدت بين يديه، تواجَدَ عند سماعها تواجُدًا كان سبب مرضه الَّذِي مات فِيهِ. وكان المنشد لها الشيخ عبد الغني ابن نُقْطَة (١) حين زاره، وهي: إذا جن ليلي هام قلبي بذِكركمْ … أنوحُ كما ناح الحمامُ المطوقُ وفوقي سَحَابٌ يمطِرُ الهم والأسى … وتحتي بحار بالدموع تتدفّق سلوا أم عَمْروٍ كيف بات أسيرها … تُفَكُّ الأسارى دونه وهو موثّق فلا هو مقتول ففي القتل راحة … ولا هو ممنون عليه فيعتق قال: وتوفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين. وعن يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد والفقراء في نهر وليد فقال: لا إله إلاّ الله، قد حان أوان هذا المجلس، فليعلم الحاضر الغائب أن أحمد يقول، وأنتم تسمعون: من خلا بامرأة أجنبية، فأنا منه بريء، وسيدي الشيخ منصور منه بريء، وسيدي المصطفى ﷺ منه بريء، وربنا سبحانه منه بريء، ومن خلا بأمرد فكذلك، ومن نكث البيعة فإنما ينكث على نفسه. ثم قام من مجلسه. وبعد شهر عبر إلى الله، ودفن في قبّة الشيخ يحيى النجار. وحكى الشيخ محمد بن أبي بكر بن أبي طالب الصوفي أنه سمع جدّه عفيف الدين أبا طالب يقول: سمعت الشيخ عبد الرحمن شملة يقول: سمعت سيدي علي يقول: لما حضرت الوفاة سيدي أحمد قبلها بأيام قلت: أي سيدي، ما نقول بعدك، وأيش تورّثنا؟ فقال: أي علي، قل عنّي: إنه ما نام ليلةً إلاّ وكل الخلق أفضل منه، ولا حرد قط، ولا رأى لنفسه قيمةً قط. وأما ما أورثه فيا ولدي تشهد أنّ لي مالا حتى أورثكم؟! إنما أورثكم قلوب الخلق.
следующие страницы →