سنة ثمان وسبعين وخمس مائة
٢٦٦ - أحمد بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة، الزاهد الكبير، سلطان العارفين في زمانه أبو العباس الرفاعي المغربي ﵁.
قدم أبوه العراق وسكن البطائح بقرية اسمها أم عبيدة، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها أولادا منهم الشيخ أحمد ابن الرفاعي ﵀.
وكان أبو الحسن مقرئًا يؤمّ بالشيخ منصور، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد، فربّاه وأدبه خاله منصور، فقيل: إنه ولد في أول المحرم سنة خمس مائة.
ويروى عن الشيخ يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد ابن الرفاعي في المجلس، فقال لأصحابه: أي سادة، أقسمت عليكم بالعزيز سبحانه، من كان يعلم فيّ عيبًا يقوله. فقام الشيخ عمر الفاروثي وقال: أي سيدي، أنا أعلم فيك عيبًا. فقال: يا شيخ عمر، قله لي. قال: أي سيدي عيبك نحن الذين مثلنا في أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر، إن سلم المركب حمل من فيه في التّعدية.
وقيل: إن هرّةً نامت على كمّ الشيخ أحمد، وجاء وقت الصلاة، فقصّ كمّه ولم يزعجها، وعاد من الصلاة فوجدها قد فاقت، فوصل الكمّ بالثوب وخيّطه وقال: ما تغيّر شيء.
وعن يعقوب بن كراز، وكان يؤذن في المنارة ويصلّي بالشيخ، قال: دخلت على سيدي أحمد في يوم بارد، وقد توضّأ ويده ممدودة، فبقي زمانًا لا يحرك يده، فتقدّمت وجئت أقبّلها فقال: أي يعقوب، شوّشت على هذه الضعيفة. قلت: من هي؟ قال: بعوضة كانت تأكل رزقها من يدي، فهربت منك.
قال: ورأيته مرةً يتكلم ويقول: يا مباركة ما علمت بك، أبعدتك عن وطنك. فنظرت فإذا جرادة تعلّقت بثوبه، وهو يعتذر إليها رحمةً لها.
стр. 11937
وعنه قال: سلكت كل الطرق الموصلة، فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلحّ من الافتقار، والذلّ، والانكسار. فقيل له: يا سيدي، فكيف يكون؟ قال: تعظّم أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنّة سيدك رسول الله ﷺ .
وورد أنه كان فقيهًا، شافعي المذهب.
وعن الشيخ يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد إذا قدم من سفر شمّر، وجمع الحطب، ثم يحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين، فكان الفقراء يوافقونه ويحتطبون معه. وربما كان يملأ الماء للأرامل ويؤثرهم.
وعن يعقوب قال: قال لي سيدي أحمد: لما بويع الشيخ منصور ﵀. قيل له: أي منصور اطلب. فقال: أصحابي. فقال رجل لسيدي أحمد: يا سيدي وأنت أيش؟ فبكى فقال: أي فقير، ومن أنا في البين، ثبّت نسب واطلب ميراث (١). فقلت: يا سيدي أقسم عليك بالعزيز أيش أنت؟ قال: أي يعقوب، لمّا اجتمع القوم وطلب كل واحد شيئًا دارت النوبة إلى هذا اللاش أحمد وقيل: أي أحمد اطلب. قلت: أي ربّ علمك محيط بطلبي. فكرر عليّ القول، قلت: أي مولاي، أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار. فأجابني، وصار الأمر له وعليه. أي يعقوب، من يختاره العزيز يجيبه إلى هذه البقعة.
وعن يعقوب قال: مرّ سيدي على دار الطعام، فرأى الكلاب يأكلون التمر من القوصرّة، وهم يتحارشون، فوقف على الباب لئلا يدخل إليهم أحد يؤذيهم، وهو يقول: أي مباركين اصطلحوا وكلوا، ولا يدروا بكم يمنعوكم.
ورأى فقيرًا يقتل قملةً فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟
وعن يعقوب، قال لي سيدي أحمد: يا يعقوب، لو أن عن يميني خمس مائة يرّوحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إلي، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إليّ، معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه. ثم قرأ: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور. وكان
стр. 11938
سيدي أحمد إذا حضر بين يديه تمر أو رطب ينقّي الشيص والحشف لنفسه يأكله ويقول: أنا أحق بالدون من غيري، فإني مثله دون. وكان لا يجمع بين لبس قميصين لا في شتاء ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلةً. وإذا غسل ثوبه ينزل في الشطّ كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف. وإذا ورد عليه ضيف يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر.
وأحضر ابن الصيرفي وهو مريض ليدعو له الشيخ ومعه خدمه وحشمه، فبقي أيامًا لم يكلمه، فقال يعقوب بن كراز: أي سيدي ما تدعو لهذا المريض؟ فقال: أي يعقوب، وعزّة العزيز لأحمد كل يوم عليه مائة حاجة مقضيّة، وما سألتوه (١) منها حاجةً واحدة. فقلت: أي سيدي فتكون واحدة لهذا المريض المسكين. فقال: لا كرامة ولا عزازة، تريدني أكون سيئ الأدب. لي إرادة وله إرادة؟! ثم قرأ: ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين أي يعقوب، الرجل المتمكّن في أحواله، إذا سأل حاجةً وقضيت له، نقص تمكّنه درجةً. فقلت: أراك تدعو عقيب الصلوات وكل وقت. قال: ذاك الدعاء تعبّد وامتثال. ودعاء الحاجات لها شروط، وهو غير هذا الدعاء. ثم بعد يومين تعافى ذلك المريض.
وعن يعقوب أنه سأل الشيخ أحمد: أي سيدي، لو كانت جهنّم لك ما كنت تصنع تعذّب بها أحدًا؟ فقال: لا وعزّته، ما كنت أدخل إليها أحدًا. فقال: أي شيخ، فأنت تقول: إنّك أكرم ممن خلقها لينتقم بها ممن عصاه. فزعق وسقط على وجهه زمانًا، ثم أفاق وهو يقول: من هو أحمد في البين؟ يكرّرها مرات. وقال: أي يعقوب، المالك يتصرف سبحانه.
وعن يعقوب أن الشيخ أحمد كان لا يقوم لأحد من أبناء الدنيا، ويقول: النظر إلى وجوههم يقسّي القلب.
وعن الشيخ يعقوب، وسئل عن أوراد سيدي أحمد، فقال: كان يصلّي أربع ركعات بألف قل هو الله أحد. ويستغفر الله كل يوم
стр. 11939
ألف مرّة، واستغفاره أن يقول: لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، عملت سوءًا، وظلمت نفسي، وأسرفت في أمري، ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت، فاغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم. يا حيّ يا قيّوم، لا إله إلاّ أنت. وذكر غير ذلك.
وكان يترنّم بهذا البيت:
إن كان لي عند سُلَيْمى قَبُولُ … فلا أبالي بما يقول العَذُولُ
وكان يقول:
ومستخبر عَن سِرِّ ليلى تركته … بعَمْياء من ليلى بغير يقين
يقولون: خبّرْنا، فأنت أمينُها … وما أَنَا إنْ خبرتهم بأمين
ويقول:
أرى رجالًا بدون العَيش قد قنعوا … وما أراهم رضوا الدنيا على الديِن
إذا رَأَيْت ملوكَ الأرض أجمعها … بلا مراء ولا شك ولا مين
وقيل: هل فوقهم فِي الناس مرتبةً … فقُلْ: نَعَم مَلِكٌ فِي زِي مسكينِ
ذاك الَّذِي حَسُنِت فِي الناس سِيرتُهُ … وصار يصلُحُ للدنيا وللدين
ويقول:
أغارُ عليها من أبيها وأمها … ومِن كلّ من يرنو إليها وينظر
وأحذر من أخذّ المراة بكَفها … إذا نظرت منك الَّذِي أَنَا أنظرُ
ومنه:
إذا تذكرتُ من أنتم وكيف أَنَا … أجللت ذِكْركم يجري على بالي
ولو شريت بروحي ساعةً سَلَفَتْ … من عيشتي معكم ما كان بالغالي
وكان كثير التعظيم لخاله سيّدي الشيخ منصور، ويقول للفقراء: إذا قبّلتم عتبة الشيخ منصور، فإنما تقبّلون يده. ويقول: أنا ملاّح لسفينة الشيخ منصور، فاسألوا ربّنا به في حوائجكم. وكان يقول: إلى أن ينفخ في الصور لا يأتي مثل طريق الشيخ منصور (١).
وعن ابن كراز: سمعت يوسف بن صقير المحدّث يقول: كنّا في قرية
стр. 11940
الضريّة مع سيدي أحمد قدس الله روحه، وقد غنّى ابن هديّة:
لو يسمعون كما سمعت حديثَها … خروا لعزّة ركعًا وسُجُودا
فقام سيدي وتواجد، وردد البيت، ولم يَزَلْ حتى كادت قلوب الفقراء تنفطر. وكان ذلك فِي بدايته بعد موت سيدي الشَّيْخ منصور. ولما كان فِي النهاية بقي سبع سِنين لَا يسمع الحادي وهو قريب منه حتى تُوُفي.
وعنه قَالَ: ذكر الشَّيْخ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي أن سبب وفاة سيدي أَحْمَد أبيات أنشِدت بين يديه، تواجَدَ عند سماعها تواجُدًا كان سبب مرضه الَّذِي مات فِيهِ. وكان المنشد لها الشيخ عبد الغني ابن نُقْطَة (١) حين زاره، وهي:
إذا جن ليلي هام قلبي بذِكركمْ … أنوحُ كما ناح الحمامُ المطوقُ
وفوقي سَحَابٌ يمطِرُ الهم والأسى … وتحتي بحار بالدموع تتدفّق
سلوا أم عَمْروٍ كيف بات أسيرها … تُفَكُّ الأسارى دونه وهو موثّق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة … ولا هو ممنون عليه فيعتق
قال: وتوفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين.
وعن يعقوب بن كراز قال: كان سيدي أحمد والفقراء في نهر وليد فقال: لا إله إلاّ الله، قد حان أوان هذا المجلس، فليعلم الحاضر الغائب أن أحمد يقول، وأنتم تسمعون: من خلا بامرأة أجنبية، فأنا منه بريء، وسيدي الشيخ منصور منه بريء، وسيدي المصطفى ﷺ منه بريء، وربنا سبحانه منه بريء، ومن خلا بأمرد فكذلك، ومن نكث البيعة فإنما ينكث على نفسه. ثم قام من مجلسه. وبعد شهر عبر إلى الله، ودفن في قبّة الشيخ يحيى النجار.
وحكى الشيخ محمد بن أبي بكر بن أبي طالب الصوفي أنه سمع جدّه عفيف الدين أبا طالب يقول: سمعت الشيخ عبد الرحمن شملة يقول: سمعت سيدي علي يقول: لما حضرت الوفاة سيدي أحمد قبلها بأيام قلت: أي سيدي، ما نقول بعدك، وأيش تورّثنا؟ فقال: أي علي، قل عنّي: إنه ما نام ليلةً إلاّ وكل الخلق أفضل منه، ولا حرد قط، ولا رأى لنفسه قيمةً قط. وأما ما أورثه فيا ولدي تشهد أنّ لي مالا حتى أورثكم؟! إنما أورثكم قلوب الخلق.
стр. 11941
فلما سمعت من سيدي خرجت إلى الشيخ يعقوب بن كراز فأخبرته، فقال: لك حسب، أو لذريّتك معك؟ فعدت إلى سيدي فقلت له فقال: لك ولذريّتك إلى يوم القيامة، البيعة عامة، والنعمة تامة، والضمين ثقة، هي اليوم مشيخة وإلى يوم القيامة مملكة بمشيخة.
نقلت أكثر ما هنا عن يعقوب من كتاب مناقب ابن الرفاعي ﵁ جمع الشيخ محيي الدين أحمد بن سليمان الهمّامي الحسيني الرفاعي شيخ الرواق المعمور بالهلالية بظاهر القاهرة، سمعه منه الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن الشيخ أبي طالب الأنصاري الرفاعي الدمشقي، ويعرف بشيخ حطّين، بالقاهرة سنة ثمانين وست مائة. وقد كتبه عنه مناولةً وإجازةً المولى شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الجزري، وأودعه تاريخه في سنة خمس وسبع مائة، فأوّله قال: ذكر ولادته. ثم قال: قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن ابن الشيخ يعقوب بن كراز؛ وأكثر الكتاب عن الشيخ يعقوب، وهو نحو من أربعة كراريس. وهو ثمانية فصول في مقاماته وكراماته، وغير ذلك. وهي بلا إسناد، وقع الاختيار منها على هذا القدر الذي هنا.
وتوفي الشيخ ولم يعقب، وإنما المشيخة في أولاد أخيه.
قال القاضي ابن خلّكان (١): كان رجلًا صالحًا، شافعيًّا، فقيهًا، انضم إليه خلق من الفقراء، وأحسنوا فيه الاعتقاد، وهم الطائفة الرفاعية، ويقال لهم الأحمدية، ويقال لهم البطائحية، ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيّات حيّةً، والنزول إلى التنانير وهي تتضرم نارًا، والدخول إلى الأفرية وينام الواحد منهم في جانب الفرن والخبّاز يخبز في الجانب الآخر، وتوقد لهم النار العظيمة، ويقام السماع، فيرقصون عليها إلى أن تنطفئ. ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود ونحو ذلك وأشباهه. ولهم أوقات معلومة يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يحصون ويقومون بكفاية الجميع. والبطائح عدّة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة.
* أحمد بن المسلم. سيأتي (٢).
стр. 11942
٢٦٧ - الحسن بن أحمد بن محمد بن المعمّر، أبو جعفر البغدادي.
سمع أبا القاسم بن بيان. وعنه نسيبه أبو طالب علي بن جعفر.
مات في صفر؛ قاله ابن النجار (١).
٢٦٨ - الحسن بن علي بن الحسن بن شيرويه، أبو علي الدّيلمي الأصل الأزجي.
سمع أبا الغنائم محمد بن علي النرسي. روى عنه أحمد وتميم ابنا البندنيجي، ونصر ابن الحصري، وأبو الحسن ابن المقيّر، وجماعة. وتوفي في وسط السنة (٢).
٢٦٩ - الحسن بن هبة الله بن محمد بن علي بن المطّلب، فخر الدولة أبو المظّفر ابن الوزير أبي المعالي.
كان متصوّفًا متزهدًا، كثير الحج والصدقات والأوقاف، كبير الشأن، وافر الحرمة. له جامع كبير بغربي بغداد. وله مدرسة بشرقي بغداد ورباط، ولم يدخل في الولايات.
سمع أبا الحسن العلاّف، وقرأ الأدب على أبي بكر بن جوامرد. وامتنع في كبره من الرواية. وقد سمع منه أبو سعد السمعاني، وأحمد بن صالح الجيلي، والكبار. وتوفي في شوال في هذا العام (٣).
٢٧٠ - الخضر بن هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن طاوس، أبو طالب الدمشقي.
قرأ القراءات على أبي الوحش سبيع بن قيراط صاحب أبي علي الأهوازي، وهو آخر من قرأ في الدنيا عليه، وآخر من سمع من الشريف أبي القاسم النسيب، وأبي الحسن علي بن طاهر.
ومولده في سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة. وكان أبوه وجده من كبار المقرئين.
روى عنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه أبو القاسم. وقال أبو
стр. 11943
القاسم: توفي في ثامن شوال. وروى عنه أيضًا موفق الدين ابن قدامة، والشمس والضياء ابنا عبد الواحد، والبهاء عبد الرحمن، وزين الأمناء، وطائفة سواهم، وأحمد بن الحسن بن ريش، والعزّ النّسّابة، وإبراهيم ابن الخشوعي.
٢٧١ - خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال بن يوسف بن داحة، أبو القاسم الأنصاري، القرطبي، المحدّث، حافظ الأندلس في عصره ومؤرّخها ومسندها.
ولد سنة أربع وتسعين وأربع مائة. وسمع أباه، وأبا محمد بن عتّاب فأكثر، وأبا بحر بن العاص، وأبا الوليد بن رشد، وأبا الوليد بن طريف، وأبا القاسم بن بقيّ، وخلقًا. ورحل إلى إشبيلية فسمع شريح بن محمد، وأبا بكر ابن العربي. وأجاز له علي بن سكّرة، وأبو القاسم بن منظور، وطائفة. ومن العراق أبو المظفّر هبة الله ابن الشبلي بأخرة. وله معجم مفيد.
قال أبو عبد الله الأبّار (١): كان متّسع الرواية، شديد العناية بها، عارفًا بوجوهها، حجّة، مقدّمًا على أهل وقته، حافظًا، حافلًا، أخباريًا، تاريخيًا، ذاكرًا لأخبار الأندلس القديمة والحديثة. سمع العالي والنازل، وأسند عن شيوخه نيّفًا وأربع مائة كتاب بين صغير وكبير. ورحل إليه الناس وأخذوا عنه. وحدثنا عنه جماعة، ووصفوه بصلاح الدخلة، وسلامة الباطن، وصحة التواضع، وصدق الصبر للطلبة، وطول الاحتمال. وألّف خمسين تأليفًا في أنواع العلم. وولّي بإشبيلية قضاء بعض جهاتها لأبي بكر ابن العربي. وعقد الشروط، ثم اقتصر على إسماع العلم وعلى هذه الصناعة، وهي كانت بضاعته. والرواة عنه لا يحصون، منهم: أبو بكر بن خير، وأبو القاسم القنطري، وأبو بكر بن سمحون، وأبو الحسن بن الضحّاك. وكلهم مات قبله. وصنّف كتاب الصّلة في علماء الأندلس، وصل به تاريخ ابن الفرضي، وقد حمله عنه شيخه أبو العباس ابن العريف الزاهد.
قلت: وله كتاب الحكايات المستغربة مجلّد، وغوامض الأسماء المبهمة عشرة أجزاء، وكتاب معرفة العلماء الأفاضل أحد وعشرون جزءًا
стр. 11944
طرق حديث المغفر ثلاثة أجزاء، القربة إلى الله بالصلاة على نبيّه جزء كبير، من روى الموطّأ عن مالك في جزءين، اختصار تاريخ أبي بكر الفنشّي في تسعة أجزاء، أخبار سفيان بن عيينة جزء كبير، أخبار ابن المبارك جزءان، أخبار الأعمش ثلاثة أجزاء، أخبار النّسائي جزء، أخبار شبطون جزء، أخبار المحاسبي جزء، أخبار ابن القاسم جزء، أخبار إسماعيل القاضي جزء، أخبار ابن وهب جزء، أخبار أبي المطرّف عبد الرحمن بن مروان القنازعي جزء، قضاة قرطبة ثلاثة أجزاء، المسلسلات جزء، طرق من كذب عليّ جزء إلى غير ذلك.
وممن روى عنه أبو القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، وأحمد بن عبد المجيد المالقي، وأحمد بن محمد ابن الأصلع، وأبو القاسم أحمد بن يزيد بن بقي، وأحمد بن عيّاش المرسي، وأحمد بن أبي حجة القيسي، وثابت بن محمد الكلاعي، ومحمد بن إبراهيم بن صلتان، ومحمد بن عبد الله ابن الصفار القرطبي، وموسى بن عبد الرحمن الغرناطي، وأبو الخطاب عمر بن دحية، وأخوه عثمان بن دحية. وبالإجازة أبو الفضل جعفر بن علي الهمذاني، وأبو القاسم سبط السلفي، وآخرون.
قال الأبّار (١): توفي في ثامن رمضان، ودفن بقرب قبر يحيى بن يحيى الليثي، وله أربع وثمانون سنة.
٢٧٢ - خليفة بن المسلم بن رجاء، أبو طالب التنوخي الإسكندراني، ويعرف بأحمد اللخمي.
قال أبو الحسن بن المفضل الحافظ: غلب عليه أحمد. سمع أبا عبد الله الرازي، وأبا بكر الطرطوشي، وعبد المعطي بن مسافر. وكان عارفًا بالفقه والأصول، ماهرًا في علم الكلام، وفيه لين فيما يرويه، إلاّ أنّا لم نسمع منه إلاّ من أصوله. توفي في رمضان.
قلت: وروى عنه أبو القاسم بن رواحة، وعبد الوهاب بن رواج، وأبو علي الإوقي، ونبأ بن هجّام.
٢٧٣ - روزبهان العبد الصالح.
стр. 11945
توفي بالقاهرة، في ذي القعدة.
٢٧٤ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر، الخطيب أبو الفضل بن أبي نصر الطوسي ثم البغدادي، نزيل الموصل وخطيبها.
ولد في صفر سنة سبع وثمانين وأربع مائة. وسمع حضورًا من طراد الزينبي، وأبي عبد الله بن طلحة النعالي، وطائفة. وسمع من ابن البطر، والطريثيثي، وأحمد بن عبد القادر، وأبي الفضل محمد بن عبد السلام، وجعفر السراج، وأبي الخطاب بن الجرّاح، وأبي غالب الباقلاني، وأبي الحسن بن أيّوب البزّاز، ومنصور بن حيد (١)، والحسين ابن البسري وأبي منصور الخيّاط، وجماعة. وتفرّد بالرواية عن أكثرهم.
وكان في نفسه ثقة. وكان أبو بكر الحازمي إذا روى عنه قال: أخبرنا أبو الفضل من أصله العتيق؛ يقول ذلك احترازًا مما زوّر له وغيره محمد بن عبد الخالق اليوسفي. لكن لما بيّن المحدثون ذلك للخطيب أبي الفضل رجع عن روايته. ثم خرّج لنفسه المشيخة المشهورة من أصوله.
روى عنه أبو سعد السمعاني. وعبد القادر الرّهاوي، وأبو محمد بن قدامة، والبهاء عبد الرحمن، والقاضي أبو المحاسن يوسف بن شدّاد، وأبو الحسن علي بن الأثير، وأبو البقاء يعيش النحوي، وعبد الكريم بن عبد الرحمن الترابي، وأبو الخير إياس الشهرزوري، وإبراهيم بن يوسف بن ختة (٢) الكتبي الموصلي، وآخرون.
قال الشيخ الموفق: كان شيخًا حسنًا، قرأت عليه المعتقد لعبد الرحمن بن أبي حاتم، فكتب في آخره سماعي، وكتب: هذا اعتقادي وبه أدين لله تعالى. ولم نر منه إلا الخير.
وقال ابن الدّبيثي (٣): أنشدنا لنفسه كتابةً:
أقول وقد خيّمت بالخيف من منىً … وقرّبت قرباني وقضّيت أنساكي
وحرمة بيت الله ما أنا بالذي … أملّك مع طول الزمان وأنساك
стр. 11946
توفي ﵀ في رمضان في اثنتين وتسعين سنة.
وقال الحافظ ابن النجار في تاريخه (١): ولد ببغداد، وقرأ الفقه والأصول على إلكيّا أبي الحسن علي بن محمد الهرّاسي، وأبي بكر الشاشي. وقرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي، وأبي محمد الحريري. وسمع بأصبهان من أبي علي الحداد، وبنيسابور من أبي نصر ابن القشيري، وبترمذ من أبي المظفر ميمون بن محمود، وبالموصل من أبيه وعمّه، وولي خطابتها زمانًا. وتفرّد وقصده الرحالون. حدثنا عنه هبة الله بن باطيش، وعلي الطبيب، وأبو الحسن محمد ابن القطيعي.
٢٧٥ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن علي بن حمتيس، أبو محمد السرّاج البغدادي. وقيل: اسمه عبيد الله.
سمع أحمد بن المظفّر بن سوسن، وأبا القاسم بن بيان، وأبا العز محمد بن المختار، وأبا الحسن ابن العلاّف، وأبا سعد بن خشيش.
قال ابن الأخضر: كان عاميًّا لا يفهم، ولا يحسن أن يصلي، ولا يقرأ التحيات.
قلت: روى عنه تميم البندنيجي، ونصر ابن الحصري، وأبو عبد الله ابن الدّبيثي، وأبو صالح الجيلي، ومحمد بن إسماعيل الطبال، وعبد اللطيف بن المبارك النهرواني، وآخرون.
ومات في رجب عن سنّ عالية (٢).
٢٧٦ - عبد الله بن عبد الله، أبو الخير الرومي الجوهري، مولى جعفر الطيبي.
قال الدّبيثي (٣): كان خيّرًا حافظًا للقرآن. قرأ لأبي عمرو على أبي العز القلانسي سنة سبع عشرة وخمس مائة ببغداد. وأقرأ الناس، وروى عن أبي القاسم بن الحصين.
стр. 11947
٢٧٧ - عبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فتوح، أبو محمد الحضرمي، الداني النحوي، المعروف بعبدون، وبابن صاحب الصلاة.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد الداني، وقرأ عليه الأدب، وعلى والده يحيى، وأبي الحسن طاهر. وحمل عن الحافظ أبي الوليد بن خيرة.
وأقرأ النحو بشاطبة زمانًا. ثم أدّب بني صاحب بلنسية. وكان مبرّزًا في العربية، مشاركًا في الفقه وقول الشعر، متواضعًا، طيب الأخلاق.
أخذ عنه جلّة، منهم أبو جعفر الذهبي، وأبو الحسن بن حريق، وأبو محمد بن نصرون، وأبو الربيع بن سالم.
وتوفي في مستهلّ رجب ببلنسية وله إحدى وستون سنة (١).
٢٧٨ - عبد الرحيم ابن القاضي أبي خازم محمد ابن القاضي أبي يعلى ابن الفرّاء الحنبلي، أخو أبي يعلى الصغير.
سمع أباه، وابن الحصين، وابن كادش. وعنه القطيعي، وعبد الله بن أحمد الخباز.
ولد سنة عشر وخمس مائة، ومات في ذي الحجّة.
٢٧٩ - علوان بن عبد الله بن علوان، أبو عبد الله الأسدي، الحلبي المجاور بالحجاز، أخو أبي محمد ابن الأستاذ.
إمام زاهد عابد. علّق عنه أبو المواهب بن صصرى، وقال: أقام بالحجاز سنين، وكان للمجاورين به راحة. قدم علينا سنة ثمان وسبعين، ثم سأل من صلاح الدين أن يرسل معه من يخفره إلى المدينة، فأرسل معه من خفره، فوصل ومرض، فمات في شعبان منها.
٢٨٠ - علي بن أنوشتكين، أبو الحسن الجوهري.
روى عن أبي النرسي. سمع منه عمر بن علي، وغيره. وتوفي في رجب، وقد نيّف على الثمانين (٢).
стр. 11948
٢٨١ - علي بن الحسين، أبو الحسن الأندلسي، النجار، الزاهد المعروف بابن سعدوك.
من جزيرة شقر، سكن بلنسية.
قال الأبّار (١): كان من أهل الزهد والصلاح التام والعلم، يستظهر كثيرًا من صحيح مسلم. وتؤثر عنه كرامات مشهورة ومقالات عجيبة. وكان يخبر بأشياء خفيّة لا تتوانى أن تظهر جليّة. وكان أمّارًا بالمعروف، نهّاءًا عن المنكر. يجلس للناس ويعظ. وكانت العامة حزبه. ولما مات ازدحم الخلق على نعشه، ﵀.
٢٨٢ - عيسى بن عمران، أبو موسى المكناسي.
صحب أبا القاسم بن ورد واختص به. وكان يقول: لم يكن بالأندلس مثل أبي القاسم بن ورد. ولقي بأغمات أبا محمد اللخمي فسمع منه في سنة ثلاثين. وكان من الراسخين في العلم، قائمًا على الأصول والفروع، أديبًا شاعرًا، خطيبًا، مفوّهًا، مدركًا، من رجال الكمال. ولي قضاء مراكش فحمدت سيرته.
ولد سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. وتوفي في شعبان، وله ست وستون سنة (٢).
٢٨٣ - فرّوخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، الملك عز الدين أبو سعد، صاحب بعلبك، ابن أخي السلطان صلاح الدين.
كان كثير الصدقة والتواضع، ولديه فضيلة في العربية والشعر. ناب عن صلاح الدين بالشام، وكان للتاج الكندي به اختصاص. وقد مدحه هو والعماد الكاتب.
توفي بدمشق في جمادى الأولى، ودفن بقبّته. ومدرسته بالشرف الأعلى. وولي بعلبك بعده ابنه الملك الأمجد (٣).
стр. 11949
٢٨٤ - القاسم بن عمر، الأديب البارع، أبو عبد الله البغدادي، المؤدب، ويعرف بالخليع، الشاعر
مدح الخلفاء والوزراء. روى عنه أبو الحسن ابن القطيعي. وكان من فحول الشعراء. له قصيدة طنانة في المستضيء.
مات في جمادى الأولى سنة ثمان، وله إحدى وستون سنة.
٢٨٥ - محمد بن أحمد بن عبيد الله بن حسين، أبو المفضل الآمدي ثم الواسطي سبط ابن الأغلاقي.
من أهل القرآن والحديث والتصوّف. سمع من أحمد بن محمد بن حمدون المقرئ، والمبارك بن إبراهيم الخطيب، وأبي علي بن الحسن بن إبراهيم الفارقي. وتوفي في ذي الحجة بواسط، وله ثلاث وسبعون سنة.
روى عنه أبو عبد الله ابن الدّبيثي في تاريخه (١).
٢٨٦ - محمد بن عبد الملك بن علي بن محمد، أبو المحاسن الهمذاني.
كان أبوه محدّثًا مكثرًا، قدم بغداد واستوطنها. وسمع محمد من ابن الفاعوس، وابن الحصين، وأحمد بن رضوان، وزاهر بن طاهر.
وكان محمد ثقة مطبوعًا، سمع منه جماعة. وتوفي في ذي الحجة.
أجاز لابن الدّبيثي (٢)، وللشيخ الضياء. وحدّث عنه عبد الرحمن بن عمر الغزّال.
٢٨٧ - محمد بن عتيق بن عطّاف، أبو عبد الله الأنصاري اللاردي، المعروف بابن المؤذن.
سكن بلنسية. وأخذ عن أبي محمد القلني وناظر عليه في المدوّنة. ورحل إلى قرطبة فناظر على أبي عبد الله ابن الحاج. وقدم للشورى والفتيا ببلنسية. وكان عارفًا بالفقه، حافظًا إمامًا.
توفي في شعبان وقد تعدّى الثمانين (٣).
стр. 11950
٢٨٨ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، أبو عبد الرحمن بن أبي الفتح الكشمهيَنيّ، المروَزيّ، الواعظ. والد أبي المحامد محمود.
قدِم بغداد سنة ستين وخمس مائة. وحدّث بصحيح مسلم عن الفُراوي في مجلس الوزير ابن هبيرة. وسمع أيضًا من أبي بكر محمد بن منصور السمعانيّ، وأبا حنيفة النعمان بن إسماعيل، وأبا منصور محمد بن علي الكراعيّ. وقد سمع ببغداد من هبة الله بن الطّبر، وأبي غالب ابن البنّاء. وسمع بنيسابور من أحمد بن علي بن سلموَيه، والفراويّ، وعبد الغافر بن إسماعيل.
وقد قدم الشام وحدّث بها، روى عنه أبو الفتوح ابن الحصري، والأستاذ عبد الرحمن الأسَديّ بحلب، وزين الأُمناء ابن عساكر، وأبو القاسم بن صصرى بدمشق. حدّث بها هو وابنه محمود ولم يذكرهما ابن عساكر في تاريخه فإنّهما قدما دمشق بعد أن فرغ من التاريخ.
وآخر من روى عنه أبو إسحاق الكاشغَريّ. سمع منه جزء الكراعيّ أو بعضه في سنة ستين وخمس مائة.
وكان ورعًا ديّنًا، مليح الوعظ.
وروى عنه أبو الفرج ابن الجوزي، وغيره.
توفّي في المحرّم بمَرو، وله خمس وثمانون سنة إلاّ شهرًا (١).
٢٨٩ - محمد بن مالك بن أحمد بن مالك، أبو بكر وأبو عبد الله الميرتليّ نزيل إشبيلية.
أخذ القراءات عن شُريح، والعربية عن أبي العبّاس بن حاطب. وروى عن أبي بكر ابن العربي. وحجّ وحدّث.
وكان فاضلًا زاهدًا، مشارًا إليه بإجابة الدعوة.
روى عنه ثابت بن خيار. وقرأ عليه كتاب سيبويه، وأبو إسحاق الأصبحيّ، وأخذ عنه القراءات وأجاز له في شوّال من السنة (٢).
стр. 11951
٢٩٠ - مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد، أبو عبد الملك البلَنسيّ، قاضي بلَنسِية ورئيسها.
سمع من أبي الحسن بن هُذيل، وأبي عبد الله بن سعيد الدّاني، وأبي الوليد ابن الدبّاغ. وأجاز له أبو عليّ بن سكّرة، وجماعة.
ووُلي القضاء سنة تسع وثلاثين، ثم تأمّر ببلده عند انقراض الدولة اللمتونيّة في شوّال من سنة تسع، وبويع بالإمرة في صفر سنة أربعين. ثم خُلع بعد قليل، وحبسه اللمتونيّون في حصن نيف عشرة سنة. ثم خلّص وسار إلى مرّاكش وحدّث بها.
قال الأبّار (١): أخذ عنه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حوط الله، وعقيل بن عطيّة، وأبو الخطّاب بن الجميّل، وأخوه عثمان. ومات بمرّاكش وله أربع وسبعون سنة.
٢٩١ - مسعود بن محمد بن مسعود. قطب الدين النيسابوريّ أبو المعالي الطُرَيثيثيّ، الفقيه الشافعيّ، نزيل دمشق.
ولد سنة خمس وخمس مائة. ورأى: أبا نصر عبد الرحيم ابن القشيريّ. وتفقّه بنيسابور على ابن يحيى. وقرأ الأدب على والده أبي عبد الله الطُرَيثيثيّ. ثم رحل إلى مرو، فتفقّه على أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المَروَزيّ. وسمع من هبة الله السّيدّيّ، وعبد الجبّار البيهقيّ.
ودرّس بنظاميّة نيسابور نيابة، واشتغل بالوعظ. وورد بغداد ووعظ بها، وحصل له القبول التام. وكان ديّنًا، عالمًا، متفنّنًا.
ثم راح إلى دمشق سنة أربعين، وأقبلوا عليه، ودرّس بالمجاهديّة ثم بالزاوية الغزاليّة بعد موت أبي الفتح نصر الله المصّيصيّ. وكان حسن النّظَر.
ثم خرج إلى حلب، وولي بها تدريس المدرستين اللتين بناهما نور الدين وأسد الدين، ثم مضى إلى همَذان وولي بها التدريس مدّة، ثم عاد إلى دمشق، ودرّس بالغزاليّة وحدّث، وتفرّد برياسة الشافعية.
قال القاسم ابن عساكر (٢): كان حسن الأخلاق، متودّدًا، قليل التصنّع.
стр. 11952
مات في سلخ رمضان. ودفن يوم العيد.
قلت: وقد ورد بغداد رسولًا، وكتب عنه عمر بن علي القرشيّ، وأبو المواهب بن صصرى، وأجاز للبهاء عبد الرحمن، وللحافظ الضياء. وروى عنه أبو القاسم بن صصرى، وتاج الدين عبد الله بن حمويه وجماعة. وتخرّج به جماعة.
وقيل: إنّه وعظ مرّةً، فسأل نور الدين أن يحضر مجلسه، فحضر فشرع في وعظه يناديه: يا محمود، كما كان يفعل البرهان البلخيّ شيخ الحنفيّة، فقال للحاجب: اصعد إليه، وقل له: لا تخاطبني باسمي. فسُئل نور الدين عن ذلك فيما بعد. فقال: إنّ البلخيّ كان إذا قال: يا محمود قامت كلّ شعرة في جسدي هيبة له، ويرقّ قلبي، والقطب إذا قال: يا محمود يقسو قلبي ويضيق صدري. حكاها سبط ابن الجوزي، وقال (١): كان القطب غريقًا في بحار الدنيا.
قلت: وكان معروفا بالفصاحة والبلاغة وكثرة النوادر ومعرفة الفقه والخلاف. تخرّج به جماعة. ودرّس أيضًا بالجاروخيّة (٢). ودفن بتربة أنشأها بغربيّ مقابر الصّوفيّة. وبنى مسجدًا على الصخرات التي بمقبرة طاحون الميدان، ووقف كتُبه.
٢٩٢ - معَدّ بن حسن بن عبد الله، أبو نزار البغداديّ، المنادي.
سمع: أبا سعد أحمد بن عبد الجبّار الصّيرفي، وهبة الله بن الحصين. سمع منه أحمد بن أحمد البندنيجيّ.
وكان لا بأس به ينادي على السَّقط. وتوفّي في جُمادى الآخرة.
٢٩٣ - مودود (٣) الذهبيّ الزاهد.
بغداديّ كبير القدر.
стр. 11953
قال ابن النّجّار: ذكر لي شيخنا السّهرورديّ أنّه كان من أولياء الله المكاشفين. قال: وصحِبته.
قال ابن النجّار: وذكر لي أبو الحسن القطيعيّ: أُخذ مودود الذهبي في حادثة إلى باب النّوبيّ، فأمروا بضربه، فلما رفع الضارب يده لم يقدر على حطّها. فأُطلق فأُطلقت يد الضارب، فانقطع عن الناس. وكان جارنا أبو البركات الشهرزوري الخياط يذكر لنا أحواله وكراماته.
توفّي في هذا العام.
٢٩٤ - هبة الله بن محمد بن هبة الله بن مميل، أبو محمد بن أبي نصر الشيرازيّ، ثم البغداديّ.
ولد ببغداد سنة خمس مائة، وسمع بها: أبا عليّ بن نبهان، ومحمد بن الحسن بن باكير الفارسيّ، وجماعة.
وكان عدلًا فاضلًا، وصوفيًّا واعظًا. قدم دمشق سنة ثلاثين وخمس مائة فاستوطنها، وولي إمامة مشهد عليّ بالجامع. وفُوّض إليه عقد الأنكحة. وكان ديّنًا، حسن الطريقة.
ولمّا توفّي في ربيع الأوّل خلَفه في إمامة المشهد ابنه القاضي أبو نصر.
روى عنه ابنه، وابن ابنه أبو المعالي أحمد بن محمد، وأبو المواهب بن صصرى، وآخرون.
٢٩٥ - وفاء بن أسعد بن النّفيس بن البهيّ، أبو الفضل التّركيّ، ثم البغداديّ الخبّاز.
شيخ صالح من أولاد الأجناد. سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الخطّاب الكَلوَاذانيّ، وأبا طاهر عبد الرحمن اليوسفيّ، وجماعة. وولد سنة خمس مائة.
روى عنه أبو محمد ابن الأخضر، وأبو محمد بن قُدامة، والبهاء عبد الرحمن، وأبو صالح الجيليّ، وجماعة.
وقال أبو الفتوح ابن الحصري: توفّي في ربيع الآخر (١).
стр. 11954
٢٩٦ - يحيى بن أحمد بن يحيى بن سيدبونه، أبو زكريّا الخزاعيّ، الدانيّ.
روى عن أبيه، وأبي إسحاق بن جماعة. وأخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد الدّانيّ. وحجّ، وسمع بالإسكندريّة.
سمع منه في هذا العام محمد بن عمر بن عامر الدّانيّ (١).
وفيها وُلد:
بعقرباء، مكّيّ بن عبد الرزّاق.
стр. 11955
سنة تسع وسبعين وخمس مائة
٢٩٧ - أحمد بن محمد بن سليمان بن محمد، الإمام أبو جعفر الأنصاريّ، الأندلسيّ، الملقّب بالطيلسان؛ لحسن بِزّته.
أكثر عن أبي مروان بن مسَرّة، وغيره. وطال عمره.
قال حفيده أبو القاسم ابن الطّيلسان: توفّي في صفر (١).
٢٩٨ - إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان، أبو إسحاق الأنصاريّ، الغَرناطيّ.
سمع من غالب بن عطيّة، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي الوليد بن بقوة، وابن عتّاب. وقرأ بالروايات على منصور بن الخير، وابن شفيع، وابن المطرِّف ابن الورّاق. وسمع الموطّأ في يوم واحد على ابن موهب. وله إجازة من أبي بكر الطّرطوشيّ. وأوّل سماعه سنة أربع عشرة وخمس مائة.
وكان ذا تفنّن في العلوم. وُلّي القضاء بأماكن.
روى عنه أبو الخطّاب بن واجب.
مات في جُمادى الأولى، وله أربع وثمانون سنة، ﵀ (٢).
٢٩٩ - إسماعيل بن قاسم الزيّات المصريّ.
روى عن أبي صادق. مرشد بن يحيى المدينيّ، وغيره. روى عنه الحافظ عبد الغنيّ، والشيخ أبو عمر، ونبأ بن أبي المكارم الأطرابلُسيّ، وكريمة بنت عبد الحقّ القُضاعيّة، وجماعة.
قال أبو الحسن بن المفضّل: أجاز لي ولولدَيَّ. وتوفّي بمصر في شعبان.
٣٠٠ - بنجير بن عليّ بن بنجير القاضي أبو الفتح الأشتريّ، الفقيه، نزيل دمشق (٣).
стр. 11956
حدّث عن عبد الملك الكَروخيّ. روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وغيره.
وناب في القضاء عن الشهرزوريّ. ودرس بالغزاليّة (١) مدّة، وعاش نيّفًا وسبعين سنة.
توفّي في تاسع ربيع الآخر.
٣٠١ - بوري، تاج الملوك مجد الدين، أخو السلطان صلاح الدين.
صار إلى عفو اللَّه فِي الثالث والعشرين من صَفَر، وَلَهُ ثلاثٌ وعشرون سنة. وكان أصغر أولاد نجم الدين أيوب.
وكان أديبًا فاضلًا لَهُ ديوان شِعر، منه:
يا حياتي حين يرضى … ومماتيِ حين يسخط
آه من ورد على خد … يك بالمسك منقط
بين أجفانك سلطا … ن على ضعفي مُسلط
قد تصبّرت وإن بر … ح الشّوق وأفرط
فلعلّ الدّهر يومًا … بالتلاقي منك يغلط
وله:
رمضان بل مرضان إلَّا أنهم … غلطوا إذًا فِي قولهم وأساؤوا
مرضان فيه تحالفا، فنهاره … سِلّ وسائر ليله استسقاءُ
وله:
أقبل من أعشقه راكبًا … من جهة الغرب على أشهب
فقلت: سُبحانك يا ذا العُلا … أشرقت الشمس من المغرب
توفّي على حلب من طعنةٍ أصابت رُكبته يوم سادس عشر المحرم يوم نزول أخيه عليها، فمرض منها. وكان السلطان قد أعدّ للصالح عماد الدين صاحب حلب ضيافة فِي المخيم بعد الصُّلح، وهو على السِّماط إذ جاءه الحاجب فأسرَّ إليه موت بوري، فلم يتغير وأمره بتجهيزه ودفْنه سرًّا،، وأعطى الضيافة حقّها. فكان يقول: ما أخذنا حلب رخيصة.
стр. 11957
وبوري بالعربيّ: ذئب (١).
٣٠٢ - تقيّة أمّ عليّ الشاعرة بنت المحدّث غيث بن عليّ السُّلَميّ الأرمنازيّ، ثم الصّوريّ. والدة المحدّث تاج الدين عليّ بن فاضل بن صمدون الصّوري.
صحبت السِّلفي بالإسكندريّة، وأثنى عليها في تعاليقه، وقال: عثُرتُ في منزلي، فانجرح أخمصي، فشقّت وليدة في الدار خِرقةً من خمارها وعصَبته، فأنشدت تقيّة في الحال لنفسها:
لو وجدت السبيل جُدتُ بخدّي عوضًا عن خمار تلك الوليده كيف لي أن أُقبِّل اليوم رِجلًا سلكت دهرَها الطريق الحميده وذكر الحافظ زكي الدين المنذريّ أنّ تقيّة نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفّر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، فوصفت الخمر وآلة المجلس، فلمّا قرأها قال: الشيخة تعرف هذه الأحوال من صباها. فبلغها ذلك، فعملت قصيدةً أخرى حربية وأرسلتها، تقول: عِلمي بذاك كعِلمي بهذا.
وُلِدت بدمشق في أوّل سنة خمسٍ وخمس مائة. وتوفّيت في أوائل شوّال (٢).
وقد روى عنها من شِعرها أبو القاسم عبد الله بن رَواحة.
وتوفّي ابنها في سنة ثلاثٍ وست مائة.
٣٠٣ - ثعلب بن مذكور بن أرنب أبو الحسن، وقيل: أبو الحصين الأكّاف، أخو رجب.
سمع من أبي العز بن كادش، وأبي القاسم بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء.
وكان حارسًا سيئ الطريقة، ليس بأهل أن يُحمل عنه. كان مقدّم حرّاس الخلافة.
стр. 11958
مات في رمضان (١).
٣٠٤ - الحسن بن سعيد بن عبد الله بن بُندار، أبو عليّ الشّاتانيّ علم الدين الشاعر.
قدم بغداد وتفقه وتأدب. وسمع من قاضي المَرِستان، وابن الحصين، وإسماعيل ابن السّمَرقَنديّ. وأنشأ الرسائل، وسكن الموصل، ونفّذه أميرها رسولًا إلى الديوان. وخرج إلى الشام، وحدّث بها. وسمّاه ابن عساكر في تاريخه (٢).
وكان ابن هُبَيرة الوزير مقبلًا عليه.
توفّي في شعبان بالموصل (٣).
٣٠٥ - الحسَن بن عسكر، أبو محمد الواسطيّ.
سمع أبا علي الفارقيّ، وغيره. روى عنه ابن الدّبيثي قال (٤): كنت ببغداد في ليلة رجب سنة إحدى وعشرين وخمس مائة جالسًا على دكّة للفرجة بباب أبرَز، إذ جاء ثلاث نسوة فجلسن إلى جانبي، فأنشدتُ متمثّلًا:
هواءٌ ولكنّه راكدٌ … وماءٌ ولكنّه غير جاري
فقالت لي إحداهنّ: هل تحفظ لهذا البيت تماما؟ فقلت: لا. فقالت: فإن أنشَدَك أحدٌ تمامه ماذا تعطيه؟ قلت: أقبّل فاه. فأنشدتني:
وخمرٌ من الشّمس مخلوقةٌ … بدت لك في قَدَحٍ من نُضار
إذا ما تأمّلتَها وهي فيه … تأمّلتَ نورًا محيطًا بنار
هواءٌ ولكنّه راكد … وماءٌ ولكنّه غير جاري
كأنّ المدير لها باليمين … إذا دار بالشرب أو باليسار
توشّح ثوبًا من الياسمين … له فرد كمّ من الجلَّنار
٣٠٦ - الحسين ابن القاضي أبي الحسين أحمد ابن قاضي القضاة عليّ بن محمد الدّامَغانيّ.
стр. 11959
استنابه أخوه قاضي القضاة في القضاء ببغداد سنة ستٍّ وأربعين وخمس مائة.
قال ابن النجّار: ولم يُحمَد في القضاء. حدثنا عنه أحمد بن الحسن بن حنظلة الكتبي. وقد سمع من ابن الحُصَين، وأبي غالب ابن البناء. وعاش نيّفًا وستين سنة (١).
٣٠٧ - الحسين بن هبة الله بن رُطبة (٢)، أبو عبد الله السّورائيّ، شيخ الشيعة، وأبو شيخهم الفقيه العلاّمة أبي طاهر هبة الله.
كان متبحّرًا في الأصول والفروع على مذهب الرافضة. قرأ الكثير، ورحل إلى خُراسان، والريّ، ومازندَران، ولقي كبار الشيعة، وصنّف، وأشغل بسورا والحِلّة. وتوفّي في رجب (٣).
٣٠٨ - سُبَيع بن خَلَف بن محمد، أبو الوحش الأسَديّ، الأديب.
شاعر دمشقيّ معروف، مليح القول. روى عنه أبو المواهب بن صَصرى، وقال: مات في عاشر رجب. وأنشدني لنفسه:
يمّمت دار أبي فلانٍ قاصدًا … بمدائحي فيه وحسن مقاصدي
فرأيت منه ضِدّ ما عوّدتُه … من بخله المتكاثف المتزايد
فذكرت لمّا أن رجعت مُجَلببًا … بعطائه ولقيت غير عوائدي
ولربّما جاد البخيل وما به … جودٌ ولكن من نجاح القاصد (٤)
٣٠٩ - صالح بن عبد الرحمن بن عليّ بن زَرعان، أبو محمد البغداديّ، التاجر، أحد الأعيان
سمع ابن الحصين، وأبا غالب ابن البناء، وأبا غالب محمد بن الحسن الماوَرديّ وجماعة. وكتب بنفسه عنهم. سمع منه جماعة (٥).
٣١٠ - طاهر بن عطيّة، أبو منصور اللَّخميّ، الإسكندريّ.
стр. 11960
رجلٌ صالح. روى عن أبي بكر الطَّرطوشيّ. أخذ عنه أبو الحسن المقدسيّ، وغيره (١).
٣١١ - عبد الله بن أحمد بن أبي الفتح بن محمد بن أحمد، أبو الفتح القاسميّ، الخِرَقيّ، الأصبهاني.
شيخ نبيل صالح من أولاد المحدّثين، ومن بقايا المسندين. سمع أباه أبا العبّاس الراوي عن عبد الرحمن بن أبي بكر الذّكواني، وأبا مطيع محمد بن عبد الواحد الصحّاف، وأبا الفتح أحمد بن عبد الله بن أحمد السوذَرجانيّ، وأبا الفتح أحمد بن محمد الحدّاد، وبُندار بن محمد الخلقاني القاضي، وعبد الرحمن بن حمد الدّوني، وأبا أحمد حمد بن عبد الله بن حنّة، وعبد الرحمن بن أبي عثمان الصّابونيّ، وعمر بن محمد بن عمر بن علوية، وأبا علي الحدّاد، وطائفة سواهم.
وتفرّد بالرواية عن جماعة، وسماعه من ابن علويه في سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة حضورًا، فأخبرنا ابن الخلاّل، قال: حدثنا محمد بن يوسف البرزاليّ الحافظ أنّ هذا الشيخ وُلد في يوم عيد النّحر سنة تسعين وأربع مائة. وكان جدّه حيًّا، فسمّاه باسمه وكنّاه بكنيته. وعاش بعد ذلك شهرًا.
قلت: روى عنه الحافظ عبد الغني، ومحمد بن مكّي الحنبلي، وعبد الله بن أبي الفرج الجُبّائيّ، والمهذّب بن الحسين بن زينة، وأبو الفضل بن سلامة العطّار، ومحمد بن خليل الراراني، وآخرون. وبالإجازة: ابن اللّتّيّ، وكريمة، والحافظ الضياء، والرشيد إسماعيل ابن العراقيّ، وغيرهم.
وقرأت وفاته بخط زكيّ الدين البِرزاليّ في يوم الثلاثاء بعد فراغه من صلاة الصبح السابع والعشرين من رجب، ودفن بالمصلّى، وصلّى عليه الحافظ أبو موسى المدينيّ.
أخبرنا عبد الملك بن عبد الرحمن العطار بقراءتي: قال أخبرنا أبو الفضل بن سلامة بحرّان، قال: أخبرنا أبو الفتح عبد الله بن أحمد بأصبهان، قال: أخبرنا غنّام بن عبد الملك، قال: حدثنا أبو بكر بن بُندار، قال: حدثنا الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن المُعلّى الدمشقي، قال حدثنا أحمد بن أبي
стр. 11961
الحواري: سمعت محمد بن يوسف الفِريابي يقول: على الإمام أن يضرب أعناق الجهميّة والروافض، فإنّهم زنادقة.
٣١٢ - عبد الله بن فرج، أبو محمد الأنصاريّ، القرطبي، الورّاق، الزّمِن. الرجل الصالح.
أجاز له أبو محمد بن عتّاب ما رواه عن مكّيّ بن أبي طالب خاصة. وأخذ أيضًا عن أبي الوليد بن طريف، وأبي بكر ابن العربيّ. وتوفّي في رمضان (١).
٣١٣ - علي بن علي بن نما بن حمدون. الكاتب أبو الحسن الحِلّي، الرّافضي، الخبيث.
مدح ملوك الشام، وله ديوان. وقد أكفر الصحابة ﵃. وهو القائل، لعنه الله:
أيُولّى على البريّة من ليـ … ـس على حمل سورةٍ بأمين
وهذا البيت من قصيدة ينشدها أهل الرفض في المواسم.
ذكره ابن النجّار (٢).
٣١٤ - كرم بن بختيار بن علي البغداديّ، الزّاهد. أحد الصالحين.
روى عن هبة الله بن الحصين. أخذ عنه ابن مشِّق، وعبد العزيز بن الأخضر، وأحمد بن أبي بكر البزّاز، وغيرهم. وتوفّي في ذي الحجّة (٣).
٣١٥ - محمد بن أحمد بن بلال، أبو سعيد المزي، الحارثيّ، الدّهّان.
حدث عن جمال الإسلام أبي الحسن. وعنه أبو المواهب بن صصرى، وأخوه الحسين.
٣١٦ - محمد بن أحمد بن حمزة بن جيا (٤)، أبو الفرج الكاتب الحلّي، من فرسان البلاغة والشعر.
له النظم والنثر. روى عنه علي بن نصر بن هارون الحلّي، ومحمود بن
стр. 11962
مُفَرّج، وأبو بكر عبيد الله بن عليّ التّيمي.
ولم يكن بالعراق مثله في الترسّل والأدب، ولكنّه كان ناقص الحظ، له ملك يتبلّغ منه.
مات في المحرّم (١).
٣١٧ - محمد بن أحمد بن محمد. أبو عبد الله بن عرّاق الغافقيّ، القرطبيّ، المُقرئ.
أخذ القراءات، سوى قراءة الكوفيين، عن أبي القاسم ابن النّخّاس، وعون الله بن محمد. وسمع من أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر بن العاص. وتصدّر للإقراء والتسميع.
روى عنه ابن حَوط الله، وأبو الخطّاب بن دحية.
وتوفّي في رجب. ومولده في سنة تسعين وأربع مائة (٢).
٣١٨ - محمد بن بختيار، أبو عبد الله البغدادي، الأبله، الشاعر، صاحب الديوان المشهور.
كان شابًّا ظريفًا وشاعرًا محسنًا، يلبس زيّ الجند. وشعره في غاية الرقّة وحسن المخلص إلى المدح. وكان أحد الأذكياء، ولذا قيل له: الأبله بالضِّدّ. وقيل: بل كان فيه بَلَه ما.
توفّي ببغداد في جُمادى الآخرة. وقد سار له هذا البيت:
ما يعرف الشوقَ إلَّا مَن يُكابدُه … وَلَا الصبابةَ إلَّا من يُعانيها
وله:
دارك يا بدرَ الدّجى جنّةٌ … بغيرها نفسي ما تلهو
وقد أتى فِي خبرٍ أنه … أكثر أهل الجنة البلهُ
وله:
أقول للغيث لما سال واديهِ … تحدثي عَن جفوني يا غواديهِ
أعرت مُزنَكَ أجفانًا بكيت بها … فمن أعارك ضوء البرق من فيه
أعاد زورته والشُّهب ناعسةٌ … والليل قد راق أو كادت حواشيه
стр. 11963
لقد وهَى عزْمُ صبري يوم ودّعَني … أحوى ضعيف نطاق الخصر واهيه
عصيت في حبّه من بات يعذلني … ما أطعت الهوى إلا لأعصيه
بالله يا لائمي فيمن كلفتُ به … إقامةُ الغُصن أحلى، أم تثنيهِ؟
قال أبو الفرج ابن الجوزي (١): ذكر عنه أنّه خلّف ثمانية آلاف (٢) دينار، وشاع أنّه كان يُعامل بالرّبا. ثم ورّخ وفاته كما مرّ.
روى عنه أبو الحسن القطيعيّ، وعلي بن نصر الأديب (٣).
٣١٩ - محمد بن جعفر بن عقيل، أبو العلاء البصريّ، ثم البغداديّ، المقرئ.
قرأ القراءات على أبي الخير المبارك الغسّال. وسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا الغنائم النّرسيّ، وأبا غالب محمد بن عبد الواحد القزّاز.
قال ابن الدّبيثي (٤): وكان حسن المحاضرة، كثير المحفوظ من الأشعار والحكايات. وأجاز له: أبو الحسن ابن العلاّف، وأبو الفتح الحدّاد الأصبهاني.
ذكره ابن السمعاني في الذيل.
قلت: روى عنه أمين الدين سالم بن صصرى، ومحمد بن أحمد بن غنيمة ابن الخرّاط، ومحمد بن سعيد ابن الخازن، وآخرون. ولم أظفر باسم أحدٍ ممّن قرأ عليه بالروايات.
وتوفّي في جُمادى الآخرة، وله ثلاث وتسعون سنة.
٣٢٠ - محمد بن عبد العزيز بن عليّ بن عيسى، أبو الحسن الغافقي، القرطبي، المعروف بالشقوري.
سمع من أبي عبد الله بن الأحمر، وأبي بكر ابن العربي، وأبي جعفر البطروجي، وجماعة.
стр. 11964
قال الأبّار (١): وكان حافظًا لأخبار الأندلس، معنيًا بالرجال، ضابطًا، متقنًا، له مشاركة في اللغة والنحو، مع الزهد والفضل. وولي قضاء شقورة وحمدت سيرته، وأخذ الناس عنه. وتوفي في المحرم. وكان مولده في سنة عشرين وخمس مائة.
٣٢١ - محمد بن محمد بن الجنيد بن عبد الرحمن بن الجنيد، أبو مسلم الأصبهاني.
سمع أبا الفتح الحداد، وأبا سعد المطرز، والحافظ محمد بن طاهر المقدسي. وقدم بغداد حاجًا مع خاله أبي غانم محمد بن الحسين بن زينة، فكتب عنه المبارك بن كامل الخفّاف حديثين.
وكان ثقة من بيت حديث وتصوّف.
توفي في رجب، وله اثنتان وثمانون سنة (٢).
وقد روى الكثير بأصبهان.
٣٢٢ - محمد بن محمد بن حمزة بن أبي جيش، أبو طالب الأزدي، الدمشقي.
سمع هبة الله ابن الأكفاني. روى عنه المسلم بن عبد الوهاب، وأبو القاسم بن صصرى.
٣٢٣ - محمد بن أبي الأزهر علي بن أحمد بن محمد بن علي بن يوسف، أبو طالب الواسطي، الكتاني، المحتسب، المعدّل.
كان على حسبة واسط هو وأبوه. ولد سنة خمس وثمانين وأربع مائة.
قال ابن الدّبيثي (٣): سمع محمد بن علي بن أبي الصقر الشاعر، وأبا نعيم محمد بن إبراهيم الجماري، وأبا الحسن كاتب الوقف، وأبا نعيم بن زبزب، وأحمد بن أبي محمد العكبري، وأبا غالب محمد بن أحمد، والمبارك بن فاخر، وهبة الله ابن السقطي. وانفرد في الدنيا بإجازة أبي طاهر أحمد بن الحسن الباقلاني، وأبي منصور عبد المحسن الشيحي، وأبي الحسن بن أيوب
стр. 11965
البزّاز. ورحل إلى بغداد فسمع أبا الحسن ابن العلاف، وأبا القاسم بن بيان، ونور الهدى الزينبي.
وكان ثقة، صحيح السماع، متخشّعًا، يرجع إلى دين وصلاح.
رحل الناس إليه وكتبوا عنه. روى عنه أبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن أحمد الشيرازي، وعبد القادر الرهاوي، وأبو بكر بن موسى الحازمي، وأبو الفتح المندائي، وأبو طالب بن عبد السميع. وسمعنا منه الكثير ونعم الشيخ كان. سمعت منه بقراءتي في سنة أربع وسبعين.
قلت: وروى عنه المرجّى بن شقير كتاب الطّوالات للتنوخي.
قال ابن الدّبيثي (١): وأنشدنا قال: أنشدنا محمد بن علي بن زبزب سنة أربع وخمس مائة قال: أنشدنا أبو تمام علي بن محمد بن حسن قاضي واسط لبعضهم:
لمّا تكهّل مَن هَوَيْت … وقلت: رَبْعٌ قد دثر
عاينت من طلابه … بالباب أفواجًا زُمَر
وكذاك أرباب الحديث … نفاقهم عند الكبر
توفي في ثاني المحرم بواسط، وله أربع وتسعون سنة.
٣٢٤ - محمود بن نصر بن حمّاد بن صدقة ابن الشعار، أبو المجد الحراني، ثم البغدادي، والد المحدّث إبراهيم.
شيخ صالح، سمع الكثير بنفسه من هبة الله بن الحصين، وهبة الله ابن الطبر، وأبي بكر المزرفي، فمن بعدهم.
قال ابن الدّبيثي (٢): كان ثقة، صحيح النقل. توفي في رمضان وله ثمان وسبعون سنة. قرأت عليه ونعم الشيخ كان.
قلت: وروى عن العلامة أبي الوفاء بن عقيل. روى عنه القاضي أبو منصور سعيد بن محمد بن جحدر الصوفي.
وقد قرأ بالروايات على هبة الله ابن الطبر؛ وكان ثقة.
٣٢٥ - مقاتل بن عزّون الرقّي، المعروف بابن العريف.
مصري، واسع الرواية.
стр. 11966
قال الحافظ ابن المفضل في الوفيات: قرأت عليه سنن أبي داود، وأخبرنا ابن المشرّف، عن الحبّال، عن أبي محمد النحّاس، عن ابن الأعرابي مناولةً، عنه.
وقرأت عليه ستة أجزاء من أول كتاب الأسماء والكنى للنسائي، وهو عشرون جزءًا، عن ابن المشرف، عن الحبّال، عن ابن الخصيب، عن ابن النسائي، عن أبيه.
وناولني صحيح مسلم، أصل سماعه من يوسف الميورقي، اللخمي، عن الحسين بن علي الطبري، بسنده. وتوفي في رمضان، ومولده سنة إحدى وخمس مائة.
٣٢٦ - الموفق بن شوعة اليهودي المصري الطبيب، الملقّب بالقيثارة.
من أعيان الأطباء والكحّالين. وكان ظريفًا، شاعرًا، ماجنًا.
خدم السلطان صلاح الدين بالطب. وكان الشيخ نجم الدين الخبوشاني له صورة بمصر، وفيه صلاح وتمفقر، فإذا رأى ذمّيًا راكبا قصد قتله، فكانوا يتحامونه، فرأى الموفق راكبًا فضربه بشيء أصاب عينه، فقلعها وراحت هدرًا.
وله، أعني الموفق، قصيدة يهجو فيها ابن جميع اليهودي رأس الأطباء بالقاهرة ويرميه بالأبنة. فلهم اللعنة (١).
٣٢٧ - يوسف بن إبراهيم بن عثمان، أبو الحجاج العبدري، الغرناطي، المعروف بالثغري.
أخذ القراءات عن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي الحسن شريح بن محمد، وأبي بكر يحيى بن الخلوف، وأبي الحسن ابن الباذش.
وسمع منهم، ومن أبي مروان الباجي، وأبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن بن مغيث، وخلق.
وصحب أبا بكر بن مسعود النحوي مدةً، وأخذ عنه العربية. وأجاز له أبو علي بن سكّرة، وأبو بكر الطرطوشي.
قال ابن الأبّار (٢): وكان فقيهًا حافظًا، محدّثًا، راوية، مقرئًا، ضابطًا، مفسرًا، أديبًا. نزل في الفتنة قليوشة وأقرأ بها. وولي الصلاة والخطبة.
أكثر عنه أبو عبد الله التجيبي وقال: لم أر أفضل منه، ولا أزهد، ولا أحفظ لحديث
стр. 11967
وتفسير منه. ولم أر بالبلاد المشرقية أفضل من أبي محمد العثماني ولا أزهد ولا أورع.
قال: وروى عن أبي الحجاج: أبو عمر بن عياد، وأبو العباس بن عميرة، وأبو سليمان بن حوط الله.
وتوفي في شوال، وله ست وسبعون سنة.
٣٢٨ - يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد، الإمام رضي الدين أبو الفضل الموصلي الإربلي الأصل، الشافعي. والد الشيخ كمال الدين موسى وعماد الدين محمد.
ولد بإربل، وتفقه بالموصل على الحسين بن نصر بن خميس الجهني، وسمع منه كثيرًا من حديثه. ثم انحدر إلى بغداد وتفقه بها على أبي منصور سعيد بن محمد الرزاز.
ثم ردّ إلى الموصل وسكنها، وصادف بها قبولًا عند متولّيها زين الدين علي كوجك صاحب إربل. ودرّس وأفتى وناظر، وتفقه به جماعة.
توفي في المحرم وله ثمان وستون سنة. ورّخه ابن خلّكان (١).
وفيها ولد: نقيب الأشراف بهاء الدين علي بن محمد بن أبي الجن (٢)، وأبو المجد عبد الملك بن نصر ابن الفوي بالثغر. سمع من ابن المفضّل، وأبو بكر بن علي بن مكارم بن فتيان الدمشقي في شعبان.
стр. 11968
سنة ثمانين وخمس مائة
٣٢٩ - أحمد بن علي بن معمر بن رضوان، أبو بكر بن جرادة المشاهر البغدادي.
سمع إسماعيل بن ملّة، وأبا طالب بن يوسف. سمع منه عمر بن علي.
وتوفي في جمادى الآخرة، وهو ابن خمس وتسعين سنة، قاله ابن الدّبيثي (١).
٣٣٠ - أحمد بن المبارك بن درك، أبو العباس البغدادي، الضرير، المقرئ، الدارقزّي.
شيخ صالح. سمع أبا القاسم بن بيان، وأحمد بن علي بن قريش. سمع منه أحمد بن طارق، وعبد العزيز ابن الأخضر، وغيرهما.
وقال إلياس بن جامع الإربلي: قرأت عليه جزءًا تحت شجرة في داره، فقال لي: قرأت تحت هذه الشجرة عشرة آلاف ختمة.
توفي في جمادى الآخرة، وله ثمان وسبعون سنة (٢).
٣٣١ - إبراهيم بن حسين بن يوسف بن محارب، أبو إسحاق القيسي البلنسي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن سعيد. سمع من أبي بكر بن برنجال. وأخذت عنه القراءات وكتبها. وكان مشهورًا بالتجويد.
قال الأبّار (٣): أخذ عنه شيوخنا أبو عبد الله بن واجب، وأبو الحجاج بن أيوب، وأبو الحسن بن خيرة. وقرأ عليه في صغره أبو جعفر بن عون الله الحصّار.
توفي سنة ثمانين أو إحدى وثمانين.
٣٣٢ - إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق. الملك قطب الدين صاحب ماردين.
وليها مدةً طويلة بعد أبيه. وكان موصوفًا بالشجاعة والعدل.
стр. 11969
توفي في جمادى الآخرة، وخلّف ولدين صغيرين، فأقيم في الأمر أحدهما، وهو حسام الدين، وقام بتدبيره مملوكه نظام الدين ألبقش من تحت جناح خال أبيه شاه أرمن صاحب خلاط. فلما مات ولي الأخ الآخر قطب الدين، فامتدت أيامه إلى أن قتل ألبقش واستقل بالأمر (١).
٣٣٣ - بدر بن عبد الغني بن محمد، أبو النجم الطحان، الواسطي، المقرئ.
قرأ على: علي بن شيران، وأبي محمد سبط الخياط. وروى القراءات بواسط.
قال الدّبيثي (٢): سمعنا منه. وتوفي في ربيع الأول.
٣٣٤ - الحسن بن عيسى بن أصبغ، أبو الوليد الأزدي، القرطبي، المعروف بابن المناصف.
روى عن عم أمه أبي محمد بن عتّاب، سمع منه المدوّنة وكتابه الكبير في المواعظ الملقب بشفاء الصدور.
وله إجازة من أبي علي بن سكّرة.
ولي خطابة إشبيلية. وحدّث عنه أبو القاسم ابن الملجوم، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو الخطاب بن دحية.
وتوفي في المحرم. وولد ظنًّا سنة اثنتين وخمس مائة (٣).
٣٣٥ - الحسين بن علي بن عبد الواحد بن شبيب، أبو عبد الله الطيبي، ثم البغدادي، الكاتب.
كان كاتبًا منشئًا، فصيحًا، بليغًا، مفوّهًا، له النّظم والنثر.
وكان يدخل على المستنجد بالله ويجالسه، ويحب سماع كلامه. ويأمره بإطالة مقامه. قال له مرةً مصحّفًا: أين شتيت؟ فجاوبه مسرعًا: عند مولانا.
توفي في ربيع الآخر (٤).
стр. 11970
٣٣٦ - زهير بن محمد بن أحمد بن أبي سعد، أبو غالب الأصبهاني، يعرف بشعرانة. والد محمد ابن شعرانة الذي أجاز للقاضي تقي الدين الحنبلي.
سمع سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي.
قال الدّبيثي (١): وكان مقرئًا مجوّدًا، قدم بغداد، ولقيته بالحلّة وبمدينة النبي ﷺ ، وسمعت منه.
وتوفي معنا بوادي العروس في تاسع المحرم.
٣٣٧ - السّديد، أبو البيان ابن المدوّر اليهودي، طبيب السلطان صلاح الدين.
كان حاذقًا بصيرًا بالعلاج، خدم الخلفاء الباطنية، وخدم بعدهم صلاح الدين، وطال عمره وانقطع. وكان له في الشهر أربعة وعشرون دينارًا إلى أن مات إلى لعنة الله.
وكان يقرئ الطب في داره بمصر، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة. ومن تلامذته زين الحسّاب (٢).
توفي سنة ثمانين (٣).
٣٣٨ - سعد (٤) بن الحسن بن سلمان، أبو محمد الحرّاني، ثم البغدادي، ويعرف بابن التوراني. وتوران قرية على باب حرّان.
كان تاجرًا معروفًا، وأديبًا شاعرًا. جالس أبا منصور ابن الجواليقي، وغيره. روى عنه أبو سعد من شعره في الذيل. وتوفي في ذي القعدة (٥).
٣٣٩ - عبد الله بن محمد بن وقّاص، أبو محمد اللمطي، الميورقي، خطيب ميورقة ومفتيها.
استشهد في الحادثة الكائنة بقصر ميورقة في هذا العام (٦).
стр. 11971
٣٤٠ - عبد الرحيم بن أبي البركات إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد. صدر الدين أبو القاسم النيسابوري، ثم البغدادي، الصوفي. شيخ الشيوخ.
كان حسن النظم والنثر، وله رأي ودهاء وتقدّم وجاه عريض. فكان المشار إليه في حسن الرأي والتدبير، مع زهد وعبادة. ترسّل إلى الشام، وكانت الملوك تستضيء برأيه.
سمع أباه، وأبا القاسم بن الحصين، وزاهر بن طاهر، وأبا علي الفارقي، ومقرّب بن الحسين النسّاج.
وروى الكثير، وكان صدوقًا نبيلًا. سمع منه أبو سعد السمعاني مع تقدّمه، وأبو الخير القزويني، وأبو منصور حفدة العطاري. وروى عنه أبو أحمد بن سكينة، وابنه أبو الفتوح، وأبو عبد الله محمد ابن الدّبيثي (١)، وسالم بن صصرى، وآخرون.
وكان في الرسلية من قبل أمير المؤمنين، هو والطواشي شهاب الدين بشير، فمرضا بدمشق، وطلبا العود إلى بغداد. وسارا في الحر، فتوفي بشير بالسخنة. وأما الشيخ صدر الدين فإنه لم يستعمل في مرضه هذا دواءً توكّلًا على الله تعالى. كذا نقل ابن الأثير في تاريخه (٢).
وتوفي بالرحبة في رجب. وكان معه كفنه إلى أين سافر، وكان من غزل أمه، ومعه دينار لتجهيزه، من أجرة غزل أمه.
٣٤١ - عبد الرحيم بن عمر بن عبد الرحيم بن أحمد، أبو القاسم الحضرمي، الفاسي، المعروف بابن عكيس.
سمع بقرطبة وإشبيلية من أبي الحسن بن مغيث، وأبي بكر ابن العربي.
وكان حافظًا، مشاورًا، فقيهًا، مبرّزًا، له تواليف. حدّث عنه ابنه عمر، وأبو محمد بن مطروح.
توفي في شعبان وله ثمانون سنة (٣).
стр. 11972
٣٤٢ - عبد القادر بن هبة الله الغضائري، سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا الحسين ابن الفرّاء. كتب عنه ابن مشّق، وغيره (١).
٣٤٣ - عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي، رئيس أصبهان، عالم، إمام كبير القدر، بعيد الصّيت. قدم بغداد ووعظ، وحج، وعاد إلى بلده، فتوفي في ربيع الأول، وقد حدّث (٢).
٣٤٤ - عبيد الله بن علي بن محمد بن محمد بن الحسين ابن الفرّاء، أبو القاسم بن أبي الفرج بن أبي خازم ابن القاضي أبي يعلى البغدادي، الحنبلي.
سمّعه أبوه الكثير من أبي منصور عبد الرحمن القزّاز، وأبي منصور بن خيرون، وأبي عبد الله السلال، وأبي الحسن بن عبد السلام. وطلب هو بنفسه، وأكثر عن أصحاب عاصم بن الحسن، وطراد، وبالغ حتى سمع من أصحاب ابن الحصين. وكتب وحصّل الأصول.
قال ابن النجار (٣): وكانت داره مجمعًا لأهل العلم والشيوخ، وينفق عليهم ويتكرّم. وكان لطيفًا حسن الأخلاق ذا مروءة. قرأ الفقه وشهد على القضاة، ثم عزل لما ظهرت منه أشياء لا تليق بأهل الدين قبل موته بقليل، سمع منه ابن الأخضر، وكان يصفه بالسخاء والعطاء، وقال لي ابن القطيعي: كان عدلًا في روايته ضعيفًا في شهادته، مات سنة ثمانين في آخرها. مرض بالفالج أسبوعًا. ومولده سنة سبع وعشرين.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق وقال: كان آخر من بقي من ذرية القاضي أبي يعلى ممن له حشمة وجاه ومنصب. وكان له دار واسعة، وعنده أكثر كتب أبي يعلى، ثم افتقر فباع أكثرها.
٣٤٥ - عتيق بن أحمد بن سلمون، أبو بكر البلنسي، النحوي، أخذ القراءات عن ابن هذيل؛ والنحو عن أبي محمد بن عبدون.
стр. 11973
استشهد في كائنة غربالة (١).
٣٤٦ - عثمان بن محمد بن عيسى، أبو عمرو اللخمي، المرسي، البشجي، نسبةً إلى بعض الثغور.
أخذ عن أبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة. وكان فقيهًا ماهرًا، مدرّسًا، مناظرًا. تفقّه به أبو سليمان بن حوط الله، وروى عنه هو، وأبو عيسى بن أبي السداد (٢).
٣٤٧ - علي بن محمد بن عبد الوارث، أبو الحسن الغرناطي.
روى عن أبي الحسن بن ثابت، وابن العربي، وشريح بن محمد، وأبي جعفر البطروجي، قال ابن الزبير (٣): صاحب رواية ودراية وخير وتواضع. توفي سنة ثمانين أو نحوها.
٣٤٨ - علي بن محمد بن عبد الملك، أبو الحكم اللخمي الإشبيلي.
نزل به أبوه قرطبة. سمع أباه، وأبا عبد الله بن مكي، وأبا الحسن بن مغيث، وولي خطّة الكتابة بمراكش، وكان كاتبًا بليغًا مفوّهًا، من بيت رياسة، حدّث في هذا العام واختفى خبره (٤).
٣٤٩ - محمد بن أحمد بن أبي علي، أبو بكر الأصبهاني، ثم البغدادي السيدي، منسوب إلى خدمة الأمير السيد أبي الحسن العلوي.
شيخ صالح. سمع في الكهولة من ابن البطي، وأبي زرعة، ومعمّر بن الفاخر، وسمع ابنه عبد الكريم، وحفيده أبا جعفر محمدًا، وكان ثقة، روى عنه إلياس بن جامع الإربلي في مصنفاته، وتوفي في شعبان، وله سبعون سنة (٥).
٣٥٠ - محمد بن أحمد بن أبي علي محمد بن سعيد بن نبهان، أبو الفرج البغدادي، الكرّاخي.
стр. 11974
سمع من جدّه، وابن بيان الرزاز. روى عنه تميم البندنيجي، والحسين بن محمد بن عبد القاهر، وأبو بكر عبد الله بن أحمد المقرئ، وسالم بن صصرى، ومحمد بن إسماعيل الطبال، وجماعة. وكان شاعرًا يمدح الرؤساء، وله:
تركتُ القريضَ لمن قالَهُ … وجُودَ فلان وأفضالَهُ
وتبت من الشعر لما رَأَيْت … كساد القريض وإهمالَهُ
وعدتُ إلى منزلي واثقًا … بربٌ يرى الخلْق سوالَهُ
تُوُفي فِي رَمَضَان وَلَهُ أربعٌ وتسعون سنة (١).
٣٥١ - محمد بن أحمد بن طاهر، أبو بكر الأنصاري، الإشبيلي، النحوي، ويعرف بالخدب.
أخذ العربية عن أبي القاسم بن الرماك، وأبي الحسن بن مسلم، وساد أهل زمانه في العربية، ودرّس في بلاد مختلفة. وكان قائمًا على كتاب سيبويه، وله عليه تعليق سماه بالطرر، لم يسبق إلى مثله، وكان يتعانى التجارة، فدخل مدينة فاس وأقرأ أهلها مدةً، أخذ عنه أبو ذر الخشني، وأبو الحسن بن خروف.
وحج، وأقرأ بمصر، وحلب، والبصرة، ثم رجع. واختلط عقله فأقام ببجّاية وربما ثاب إليه عقل فيتكلم في مسائل أحسن ما يكون.
ذكره الأبّار (٢).
٣٥٢ - محمد بن حمزة بن محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي جميل. القرشي أبو عبد الله بن أبي يعلى الشروطي المعدّل الدمشقي، المعروف بابن أبي الصقر. أحد محدّثي دمشق الثقات.
ولد في رجب سنة تسع وتسعين وأربع مائة، وسمع من هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن أحمد بن قبيس، وجمال الإسلام أبي الحسن السلمي، وطائفة، ورحل سنة تسع وعشرين، فسمع هبة الله ابن الطبر، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة.
стр. 11975
ولم يزل مشتغلًا بالطلب والإفادة، وسمّع ولده مكرمًا من حمزة ابن الحبوبي، وطبقته. وكان شروطي البلد.
روى عنه البهاء عبد الرحمن، وعبد القادر الرهاوي، وأبو الحسن القطيعي، والضياء محمد، وآخرون.
وقرأت وفاته بخط الحافظ الضياء في يوم السبت السابع والعشرين من صفر سنة ثمانين.
قلت: وروى عنه أبو المواهب بن صصرى (١).
٣٥٣ - محمد بن خالد بن بختيار، أبو بكر الأزجي ابن الرزاز، الضرير، المقرئ.
قال الدّبيثي (٢): شيخ فاضل، عارف بالقراءات والأدب، قرأ على أبي عبد الله البارع، وسبط الخياط، ودعوان بن علي، وسمع منهم. وأقرأ الناس مدةً، وتخرج به جماعة في النحو. وكان ثقة عارفًا بوجوه القراءات ﵀.
أمّ مدةً بمسجد دعوان بباب الأزج.
وتوفي في المحرم ﵀.
٣٥٤ - محمد بن سعد بن عبيد الله، أبو المظفر المؤدب.
شيخ بغدادي، مليح الخط، علّم خلقًا.
قال الدّبيثي (٣): هو مؤدبنا علم خلقا كثيرا. وكان شيخنا ابن ناصر يقول: هو علمني الخط، حدث عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبي منصور ابن الجواليقي، وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر (٤).
٣٥٥ - محمد بن عبد الكريم بن الفضل، أبو الفضل القزويني، الرافعي، الشافعي، والد صاحب الشرح.
تفقه ببلده على ملكداد بن علي العمركي، وأبي علي بن شافعي، وأبي