٣٤٠ - عبد الرحيم بن أبي البركات إسماعيل بن أبي سعد أحمد بن محمد. صدر الدين أبو القاسم النيسابوري، ثم البغدادي، الصوفي. شيخ الشيوخ.
كان حسن النظم والنثر، وله رأي ودهاء وتقدّم وجاه عريض. فكان المشار إليه في حسن الرأي والتدبير، مع زهد وعبادة. ترسّل إلى الشام، وكانت الملوك تستضيء برأيه.
سمع أباه، وأبا القاسم بن الحصين، وزاهر بن طاهر، وأبا علي الفارقي، ومقرّب بن الحسين النسّاج.
وروى الكثير، وكان صدوقًا نبيلًا. سمع منه أبو سعد السمعاني مع تقدّمه، وأبو الخير القزويني، وأبو منصور حفدة العطاري. وروى عنه أبو أحمد بن سكينة، وابنه أبو الفتوح، وأبو عبد الله محمد ابن الدّبيثي (١)، وسالم بن صصرى، وآخرون.
وكان في الرسلية من قبل أمير المؤمنين، هو والطواشي شهاب الدين بشير، فمرضا بدمشق، وطلبا العود إلى بغداد. وسارا في الحر، فتوفي بشير بالسخنة. وأما الشيخ صدر الدين فإنه لم يستعمل في مرضه هذا دواءً توكّلًا على الله تعالى. كذا نقل ابن الأثير في تاريخه (٢).
وتوفي بالرحبة في رجب. وكان معه كفنه إلى أين سافر، وكان من غزل أمه، ومعه دينار لتجهيزه، من أجرة غزل أمه.
٣٤١ - عبد الرحيم بن عمر بن عبد الرحيم بن أحمد، أبو القاسم الحضرمي، الفاسي، المعروف بابن عكيس.
سمع بقرطبة وإشبيلية من أبي الحسن بن مغيث، وأبي بكر ابن العربي.
وكان حافظًا، مشاورًا، فقيهًا، مبرّزًا، له تواليف. حدّث عنه ابنه عمر، وأبو محمد بن مطروح.
توفي في شعبان وله ثمانون سنة (٣).
стр. 11972
٣٤٢ - عبد القادر بن هبة الله الغضائري، سمع أبا القاسم بن الحصين، وأبا الحسين ابن الفرّاء. كتب عنه ابن مشّق، وغيره (١).
٣٤٣ - عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي، رئيس أصبهان، عالم، إمام كبير القدر، بعيد الصّيت. قدم بغداد ووعظ، وحج، وعاد إلى بلده، فتوفي في ربيع الأول، وقد حدّث (٢).
٣٤٤ - عبيد الله بن علي بن محمد بن محمد بن الحسين ابن الفرّاء، أبو القاسم بن أبي الفرج بن أبي خازم ابن القاضي أبي يعلى البغدادي، الحنبلي.
سمّعه أبوه الكثير من أبي منصور عبد الرحمن القزّاز، وأبي منصور بن خيرون، وأبي عبد الله السلال، وأبي الحسن بن عبد السلام. وطلب هو بنفسه، وأكثر عن أصحاب عاصم بن الحسن، وطراد، وبالغ حتى سمع من أصحاب ابن الحصين. وكتب وحصّل الأصول.
قال ابن النجار (٣): وكانت داره مجمعًا لأهل العلم والشيوخ، وينفق عليهم ويتكرّم. وكان لطيفًا حسن الأخلاق ذا مروءة. قرأ الفقه وشهد على القضاة، ثم عزل لما ظهرت منه أشياء لا تليق بأهل الدين قبل موته بقليل، سمع منه ابن الأخضر، وكان يصفه بالسخاء والعطاء، وقال لي ابن القطيعي: كان عدلًا في روايته ضعيفًا في شهادته، مات سنة ثمانين في آخرها. مرض بالفالج أسبوعًا. ومولده سنة سبع وعشرين.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق وقال: كان آخر من بقي من ذرية القاضي أبي يعلى ممن له حشمة وجاه ومنصب. وكان له دار واسعة، وعنده أكثر كتب أبي يعلى، ثم افتقر فباع أكثرها.
٣٤٥ - عتيق بن أحمد بن سلمون، أبو بكر البلنسي، النحوي، أخذ القراءات عن ابن هذيل؛ والنحو عن أبي محمد بن عبدون.
стр. 11973
استشهد في كائنة غربالة (١).
٣٤٦ - عثمان بن محمد بن عيسى، أبو عمرو اللخمي، المرسي، البشجي، نسبةً إلى بعض الثغور.
أخذ عن أبي الحسن بن هذيل، وأبي عبد الله بن سعادة. وكان فقيهًا ماهرًا، مدرّسًا، مناظرًا. تفقّه به أبو سليمان بن حوط الله، وروى عنه هو، وأبو عيسى بن أبي السداد (٢).
٣٤٧ - علي بن محمد بن عبد الوارث، أبو الحسن الغرناطي.
روى عن أبي الحسن بن ثابت، وابن العربي، وشريح بن محمد، وأبي جعفر البطروجي، قال ابن الزبير (٣): صاحب رواية ودراية وخير وتواضع. توفي سنة ثمانين أو نحوها.
٣٤٨ - علي بن محمد بن عبد الملك، أبو الحكم اللخمي الإشبيلي.
نزل به أبوه قرطبة. سمع أباه، وأبا عبد الله بن مكي، وأبا الحسن بن مغيث، وولي خطّة الكتابة بمراكش، وكان كاتبًا بليغًا مفوّهًا، من بيت رياسة، حدّث في هذا العام واختفى خبره (٤).
٣٤٩ - محمد بن أحمد بن أبي علي، أبو بكر الأصبهاني، ثم البغدادي السيدي، منسوب إلى خدمة الأمير السيد أبي الحسن العلوي.
شيخ صالح. سمع في الكهولة من ابن البطي، وأبي زرعة، ومعمّر بن الفاخر، وسمع ابنه عبد الكريم، وحفيده أبا جعفر محمدًا، وكان ثقة، روى عنه إلياس بن جامع الإربلي في مصنفاته، وتوفي في شعبان، وله سبعون سنة (٥).
٣٥٠ - محمد بن أحمد بن أبي علي محمد بن سعيد بن نبهان، أبو الفرج البغدادي، الكرّاخي.
стр. 11974
سمع من جدّه، وابن بيان الرزاز. روى عنه تميم البندنيجي، والحسين بن محمد بن عبد القاهر، وأبو بكر عبد الله بن أحمد المقرئ، وسالم بن صصرى، ومحمد بن إسماعيل الطبال، وجماعة. وكان شاعرًا يمدح الرؤساء، وله:
تركتُ القريضَ لمن قالَهُ … وجُودَ فلان وأفضالَهُ
وتبت من الشعر لما رَأَيْت … كساد القريض وإهمالَهُ
وعدتُ إلى منزلي واثقًا … بربٌ يرى الخلْق سوالَهُ
تُوُفي فِي رَمَضَان وَلَهُ أربعٌ وتسعون سنة (١).
٣٥١ - محمد بن أحمد بن طاهر، أبو بكر الأنصاري، الإشبيلي، النحوي، ويعرف بالخدب.
أخذ العربية عن أبي القاسم بن الرماك، وأبي الحسن بن مسلم، وساد أهل زمانه في العربية، ودرّس في بلاد مختلفة. وكان قائمًا على كتاب سيبويه، وله عليه تعليق سماه بالطرر، لم يسبق إلى مثله، وكان يتعانى التجارة، فدخل مدينة فاس وأقرأ أهلها مدةً، أخذ عنه أبو ذر الخشني، وأبو الحسن بن خروف.
وحج، وأقرأ بمصر، وحلب، والبصرة، ثم رجع. واختلط عقله فأقام ببجّاية وربما ثاب إليه عقل فيتكلم في مسائل أحسن ما يكون.
ذكره الأبّار (٢).
٣٥٢ - محمد بن حمزة بن محمد بن أحمد بن سلامة بن أبي جميل. القرشي أبو عبد الله بن أبي يعلى الشروطي المعدّل الدمشقي، المعروف بابن أبي الصقر. أحد محدّثي دمشق الثقات.
ولد في رجب سنة تسع وتسعين وأربع مائة، وسمع من هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن أحمد بن قبيس، وجمال الإسلام أبي الحسن السلمي، وطائفة، ورحل سنة تسع وعشرين، فسمع هبة الله ابن الطبر، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة.
стр. 11975
ولم يزل مشتغلًا بالطلب والإفادة، وسمّع ولده مكرمًا من حمزة ابن الحبوبي، وطبقته. وكان شروطي البلد.
روى عنه البهاء عبد الرحمن، وعبد القادر الرهاوي، وأبو الحسن القطيعي، والضياء محمد، وآخرون.
وقرأت وفاته بخط الحافظ الضياء في يوم السبت السابع والعشرين من صفر سنة ثمانين.
قلت: وروى عنه أبو المواهب بن صصرى (١).
٣٥٣ - محمد بن خالد بن بختيار، أبو بكر الأزجي ابن الرزاز، الضرير، المقرئ.
قال الدّبيثي (٢): شيخ فاضل، عارف بالقراءات والأدب، قرأ على أبي عبد الله البارع، وسبط الخياط، ودعوان بن علي، وسمع منهم. وأقرأ الناس مدةً، وتخرج به جماعة في النحو. وكان ثقة عارفًا بوجوه القراءات ﵀.
أمّ مدةً بمسجد دعوان بباب الأزج.
وتوفي في المحرم ﵀.
٣٥٤ - محمد بن سعد بن عبيد الله، أبو المظفر المؤدب.
شيخ بغدادي، مليح الخط، علّم خلقًا.
قال الدّبيثي (٣): هو مؤدبنا علم خلقا كثيرا. وكان شيخنا ابن ناصر يقول: هو علمني الخط، حدث عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبي منصور ابن الجواليقي، وجماعة، وتوفي في ربيع الآخر (٤).
٣٥٥ - محمد بن عبد الكريم بن الفضل، أبو الفضل القزويني، الرافعي، الشافعي، والد صاحب الشرح.
تفقه ببلده على ملكداد بن علي العمركي، وأبي علي بن شافعي، وأبي
стр. 11976
سليمان الزبيري. وسمع منهم، ثم قدم بغداد، وتفقه على أبي منصور ابن الرزاز بالنظامية، وسمع منه، ومن سعد الخير، ومحمد بن طراد الزينبي، وغيرهم، ثم رحل إلى محمد بن يحيى فقيه نيسابور فتفقه عنده، وبرع في المذهب، وسمع من عبد الله ابن الفراوي، وعبد الخالق ابن الشحامي، ثم عاد إلى وطنه، ودرّس الفقه وروى الحديث.
أخذ عنه ابنه الإمام أبو الفضائل، وغيره.
وتوفي في رمضان وهو في عشر السبعين (١).
٣٥٦ - محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الرحمن، أبو عبد الرحمن المروزي، الكشميهني، الصوفي.
قدم دمشق سنة ثمان وخمسين، وحدّث بها عن محمد بن علي الكراعي، روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وغير واحد.
مات سنة ثمانين وخمسمائة (٢).
٣٥٧ - المبارك بن محمد بن يحيى، أبو بكر ابن الواعظ الزبيدي، قدم مع أبيه بغداد وسكنها، وتكلّم في الوعظ، وسمّع ابنيه الحسن والحسين من أبي الوقت، وحدث عن أبي غالب ابن البناء، وغيره. أخذ عنه محمد بن أحمد بن صالح الجيلي، وابن الدّبيثي، وغيرهما. وتوفي في جمادى الآخرة، وله ست وسبعون سنة (٣).
٣٥٨ - محمود بن أبي القاسم بن عمر بن حمكا، أبو الوفاء سبط محمد بن أحمد البغدادي، الأصبهاني.
شيخ معمّر، مسند، ثقة. حمل الناس عنه، وطال عمره. وتفرّد في عصره، وكانت له إجازة من النقيب طراد الزينبي، وابن طلحة النعالي، وسمع أبا الفتح أحمد بن عبد الله السوذرجاني، وحدّث ببغداد في سنة ست وخمسين وخمس مائة، وتوفي سنة ثمانين هذه في ربيع الآخر وله إحدى وتسعون سنة.
стр. 11977
روى عنه محمد بن محمد بن محمد بن واقا، وأبو الفتوح ابن الحصري، والحافظ عبد الغني.
وهو ابن أخت الحافظ أبي سعد البغدادي (١).
٣٥٩ - هبة الله بن أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد ابن البخاري، أبو المظفر، ابن عم قاضي القضاة أبي طالب.
تفقه على مذهب الشافعي، وبرع في علم الكلام. وولاه أمير المؤمنين الناصر نيابة الوزارة إلى أن مات في المحرم؛ بقي فيها بعض سنة (٢).
٣٦٠ - وشاح بن جواد بن أحمد، أبو طاهر البغدادي، الضرير.
سمع أبا طالب عبد القادر بن يوسف، أخذ عنه أبو محمد ابن الأخضر، وغيره.
توفي في شعبان (٣).
٣٦١ - يوسف بن عبد المؤمن بن علي، السلطان أبو يعقوب صاحب المغرب.
لمّا مات عبد المؤمن في سنة ثمان وخمسين كان قد جعل الأمر بعده لابنه الأكبر محمد، وكان لا يصلح للملك لإدمانه الخمور وكثرة طيشه، وقيل: كان به أيضًا جذام. فاضطرب أمره، وخلعه الموحّدون بعد شهر ونصف. ودار الأمر بين أخويه يوسف وعمر، فامتنع عمر وبايع أخاه مختارًا، وسلّم إليه الأمر، فبايعه الناس، واتّفقت عليه الكلمة بسعي أخيه عمر، وأمّهما هي زينب بنت موسى الضرير.
وكان أبو يعقوب أبيض بحمرة، أسود الشعر، مستدير الوجه، أفوَه، أعيَن، إلى الطّول ما هو، حلو الكلام، في صوته جهارة، وفي عبارته فصاحة. حلو المفاكهة، له معرفة تامّة باللغة والأخبار. قد صرف عنايته إلى ذلك لمّا ولي لأبيه إشبيلية، وأخذ عن علمائها، وبرع في أشياء من القرآن والحديث والأدب.
стр. 11978
قال عبد الواحد بن علي التّميميّ في كتاب المعجِب (١): صحّ عندي أنّه كان يحفظ أحد الصحيحين، غالب ظنّي أنّه البخاري. وكان سديد الملوكيّة، بعيد الهمّة، سخيًّا، جوادًا، استغنى الناس في أيّامه، وتموّلوا.
قال: ثم إنّه نظر في الفلسفة والطب، وحفظ أكثر الكتاب الملكيّ. وأمر بجمع كتب الفلاسفة، فأكثر منها وتطلّبها من الأقطار. وكان ممّن صحبه أبو بكر محمد بن طُفيل الفيلسوف، وكان بارعًا في علم الأوائل، أديبًا، شاعرًا، بليغًا، فكان أبو يعقوب شديد الحبّ له. بلغني أنّه كان يقيم عنده في القصر أيّامًا ليلًا ونهارًا، وكان هو الذي نبّه على قدر الحكيم أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المتفلسف، وسمعت أبا بكر بن يحيى القرطبي الفقيه يقول: سمعت الحكيم أبا الوليد يقول: لمّا دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طُفيل فقط، فأخذ أبو بكر يُثني عليّ ويُطريني، فكان أوّل ما فاتحني به أمير المؤمنين أن قال لي: ما رأيهم، يعني الفلاسفة، في السماء، أقديمة أم حادثة؟ فأدركني الخوف فتعلّلت وأنكرت اشتغالي بعلم الفلسفة، ففهم مني الرَّوع، فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلّم على المسألة، ويذكر قول أرسطو فيها، ويورد احتجاج أهل الإسلام على الفلاسفة، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنّها في أحد من المشتغلين. ولم يزل يبسطني حتّى تكلّمت، فعرف ما عندي من ذلك. فلمّا قمت أمر لي بخلعةٍ ودابّةٍ ومال.
وقد وَزَرَ لأبي يعقوب أخوه عمر أيّامًا، ثم رفع قدره عنها، وولّى أبا العلاء إدريس بن جامع إلى أن قبض عليه سنة سبع وسبعين، وأخذ أمواله، واستوزر وليّ عهده ولده يعقوب، وكتب له أبو محمد عيّاش بن عبد الملك بن عيّاش كاتب أبيه، وأبو القاسم القالميّ (٢)، وأبو الفضل جعفر بن أحمد بن محشوة البِجّائيّ. وكان على ديوان جيشه أبو عبد الرحمن الطّوسيّ. وكان حاجبه مولاه كافور الخَصيّ. وكان له من الولد ستة عشر (٣) ذَكَرًا منهم صديقي يحيى، قال: ومنه تلقّيت أكثر أخبارهم. ولم أر في الملوك ولا في السّوقة مثله.
стр. 11979
قال: وقضاته: أبو محمد المالقيّ، ثم عيسى بن عمران التّازي، وتازا من أعمال فاس. ثم الحجّاج بن إبراهيم التُجيبيّ الأغماتيّ الزاهد، فاستعفى، فولي بعده أبو جعفر أحمد بن مضاء القرطبيّ.
وفي سنة اثنتين وستين وخمس مائة نزعت قبيلة غمارة الطاعة، وكان رأسهم سُبع بن حيّان ومرزدغ (١) فدعوا إلى الفتنة. واجتمع لهم خلق، وبلاد غَمارة طولًا وعرضًا مسيرة اثنتي عشرة مرحلة، فخرج أبو يعقوب بجيوشه، فأسلمت الرجلين جموعهما فأُسِرا، وشرّدهما إلى قرطبة.
ودخل الأندلس في سنة سبع وستين مظهرا غزو الروم ومبطنا إتمام تملك جزيرة الأندلس، والتغلب على ما بيد محمد بن سعد بن مردنيش، فنزل إشبيلية، وجهّز العساكر إلى محمد، وأمّر عليهم أخاه أمير غَرناطة عثمان. فخرج محمد في جموع أكثرها من الفرنج. وكانوا أجناده، قد اتّخذهم أنصاره لمّا أحسّ باختلاف قوّاده عليه، فقتل أكثرهم، وأمّر الفرنج وأقطعهم. وأخرج الكثير من أهل مُرسِية وأسكن الفرنج دورهم. فالتقى هو والموحّدون على فرسخ من مُرسية، فانكسر وانهزم جيشه، وقُتل منهم جملة. ودخل مُرسية مستعدًّا للحصار، فضايقه الموحّدون، وما زالوا محاصرين له إلى أن مات، فسُتِرت وفاته إلى أن ورد أخوه يوسف بن سعد من بلنسية، فاتّفق رأيه ورأي القوّاد على أن يسلّموا إلى أبي يعقوب البلاد. ففعلوا ذلك، وقد قيل: إنّ محمد بن سعد لمّا احتضر أشار على بنيه بتسليم البلاد.
وسار أبو يعقوب من إشبيلية قاصدًا بلاد الأدفنش لعنه الله تعالى، فنازل مدينة وَبذة، وهي مدينة عظيمة، فحاصرها أشهرًا إلى أن اشتدّ الأمر وأرادوا تسليمها.
قال (٢): فأخبرني جماعة أنّ أهل هذه المدينة لمّا برح بهم العطش أرسلوا إلى أبي يعقوب يطلبون الأمان، فأبى، وأطمعه ما نقل إليه من شدّة عطشهم وكثرة من يموت منهم، فلمّا يئسوا مما عنده سُمِع لهم في الليل لغَط وضجيج، وذلك أنّهم اجتمعوا يدعون الله ويستسقون، فجاء مطر عظيم كأفواه القِرَب ملأ
стр. 11980
صهاريجهم وتقوّوا، فرحل عنهم أبو يعقوب بعد أن هادن الأدفنش سبع سنين، وأقام بإشبيلية سنتين ونصف، ورجع إلى مراكش في آخر سنة تسع وستّين وقد ملك الجزيرة بأسرها.
وفي سنة إحدى وسبعين خرج إلى السوس لتسكين خلاف وقع بين القبائل فسكّنهم.
وفي سنة خمس وسبعين خرج إلى بلاد إفريقية حتى أتى مدينة قفصة. وقد قام بها ابن الرّند، وتلقّب بالناصر لدين النّبيّ ﷺ ، فحاصره وأسره، وصالح ملك صقَلية وهادنه على أن يحمل إليه كل سنة مالًا، فأرسل إليه فيما بلغني ذخائر معدومة النظير، منها حجر ياقوت على قدر استدارة حافر الفرَس، فكلّلوا به المصحف، مع أحجار نفيسة. وهذا المصحف من مصاحف عثمان ﵁، من خزائن بني أميّة، يحمله الموحّدون بين أيديهم أنّى توجّهوا على ناقة عليها من الحليّ والديباج ما يعدل أموالًا طائلة. وتحته وِطاء من الديباج الأخضر، وعن يمينه وشماله لواءان أخضران مذهّبان لطيفان. وخلف الناقة بغلٌ مُحَلّى عليه مصحف آخر. قيل: إنّه بخط ابن تومَرت. هذا كلّه بين يدي أمير المؤمنين.
قال (١): وبلغني من سخاء أبي يعقوب أنّه أعطى هلال بن محمد بن سعد المذكور أبوه في يوم اثني عشر ألف دينار وقرّبه، وبالغ في رفع منزلته.
وقال الحافظ أبو بكر ابن الجدّ: كنّا عند أمير المؤمنين أبي يعقوب، فسألَنا عن سحر النبي ﷺ كم بقي مسحورًا؟ فبقي كل إنسان منّا يتزمزم، فقال: بقي به شهرًا كاملًا. صحَّ ذلك، وكان أمير المؤمنين إمامًا يتكلّم في مذاهب الفقهاء فيقول: قول فلانٍ صواب، ودليله من الكتاب والسنة كذا وكذا، فنتابعه على ذلك.
قال عبد الواحد (٢): ولمّا تجهّز لحرب الروم أمر العلماء أن يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الموحّدين ليدرسوها، ثم كان يملي بنفسه عليهم، فكان كلّ كبير من الموحّدين يجيء بلوح ويكتب.
стр. 11981
وكان يُسهل عليه بذل الأموال سعة ما يتحصّل من الخراج. كان يرتفع ما يخرج إليه من إفريقية في كل سنة مائة وخمسون حمل بغل، هذا سوى حمل بِجاية وأعمالها وتلمسان وأعمالها. وكانت أيّامه مواسم وخصبًا وأمنًا.
وفي سنة تسع وسبعين تجهّز للغزو واستنفر أهل السهل والجبل والعرب، فعبر بهم الأندلس فنزل إشبيلية، ثم قصد مدينة شَنترين أعادها إلى المسلمين، وهي بغرب الأندلس. أخذها ابن الريق لعنه الله، فنازلها أبو يعقوب وضايقها، وقطع أشجارها، وحاصرها مدّة. ثم خاف المسلمون البرد وزيادة النهر، فأشاروا على أبي يعقوب بالرجوع فوافقهم، وقال: غدًا نرحل. فكان أوّل من قوّض خباءه أبو الحسن علي ابن القاضي عبد الله المالقيّ، وكان خطيبهم. فلمّا رآه الناس قوّضوا أخبيتهم ثقةً به لمكانه، فعبر تلك العشيّة أكثر العسكر النهر، وتقدموا خوف الزحام، وبات الناس يعبرون الليل كلّه، وأبو يعقوب لا علم له بذلك. فلما رأى الروم عبور العساكر، وأخبرهم عيونهم بالأمر، انتهزوا الفرصة وخرجوا وحملوا على الناس، فانهزموا أمامهم حتى بلغوا إلى مخيّم أبي يعقوب، فقتل على باب المخيّم خلق من أعيان الجند، وخلص إلى أمير المؤمنين أبي يعقوب، فطعن تحت سُرّته طعنة مات منها بعد أيّام يسيرة. وتدارك الناس، فانهزم الروم إلى البلد، وقد قضوا ما قضوا، وعبر الموحّدون بأبي يعقوب جريحاّ في مِحَفّة، وتهدّد ابن المالقيّ فهرب بنفسه حتى دخل مدينة شنترين، فأكرمه ابن الريق. وبقي عنده إلى أن تهيّأ له أمر، فكتب إلى الموحّدين يستعطفهم ويتقرّب إليهم بضعف البلد، ويدلّهم على عورته. وقال لابن الريق: إنّي أريد أن أكتب إلى عيالي بإكرام الملك لي. فأذن له، فعثر على كتابه فأحضره وقال: ما حملك على هذا مع إكرامي لك؟ فقال: إنّ ذلك لا يمنعني من النصح لأهل ديني. فأحرقه، ولم يسيروا بأبي يعقوب إلاّ ليلتين أو ثلاثًا حتى مات، فأخبرني من كان معهم أنّه سمع في العسكر النداء الصلاة على جنازة رجل، فصلّى الناس قاطبة لا يعرفون على من صلّوا. وصبّروه وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب إلى تينملل (١)، فدفن هناك مع
стр. 11982
أبيه وابن تومرت، مات في سابع رجب، وأخذ البيعة لابنه يعقوب عند موته، فبايعوه.
وفيها وُلد:
التّقيّ عبد الرحمن بن مُرهَف الناشريّ، المقرئ، وقاضي حماة أبو طاهر إبراهيم بن هبة الله ابن البارزيّ الجُهنيّ في شعبان، وفاطمة بنت محمود ابن الملثّم العادليّ، سمعت من البوصيريّ.
وفيها وُلد:
عبد الحميد بن رضوان المصريّ، وأبو القاسم محمد بن عبد المنعم، روى عن ابن طبَرزَد، وأبو بكر محمد بن زكريا بن رحمة.
стр. 11983
المتوفّون على التخمين
٣٦٢ - إبراهيم بن محمد اللّخميّ السّبتيّ، المعروف بابن المتقن.
روى عن أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر الأسديّ، وحجّ، وسمع من السِّلفيّ.
قال الأبّار (١): توفّي بعد السبعين وخمس مائة.
٣٦٣ - إسحاق بن هبة الله، أبو طاهر العراقيّ، المقرئ.
قدم دمشق سنة اثنتين وسبعين، وحدث عن علي ابن الصّبّاغ، روى عنه أبو القاسم بن صصرى، وغيره.
٣٦٤ - إسماعيل بن غانم بن خالد، أبو رشيد الأصبهاني، البيّع.
سمع أبا الفتح أحمد بن عبد الله السّوذرجاني، وأحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه، وجماعة، وعمّر دهرًا، روى عنه الحافظ عبد الغني، ومحمد بن سعيد بن أبي أحمد الأسواريّ، ومحمد ابن النجيب أحمد بن نصر الأصبهاني، وآخرون.
وبقي إلى سنة خمس وسبعين. وهو من كبار الشيوخ الذين لحقهم عبد الغني بأصبهان.
٣٦٥ - إسماعيل بن يونس بن سلمان، القُرشيّ، الدّمشقي المعروف بابن الأفطس.
سمع هبة الله ابن الأكفاني، وعلي بن أحمد بن قبيس، وأجاز للضياء محمد.
٣٦٦ - حبيب بن إبراهيم بن عبد الله، أبو رشيد الأصبهاني، المقرئ.
سمع محمود بن إسماعيل الصيرفي، وغيره، وعنه الحافظ عبد الغني، وغيره، وأجاز للحافظ الضياء فيما أظن.
٣٦٧ - زاهر بن إسماعيل بن أبي القاسم الهمذانيّ.
стр. 11984
أجاز للضياء في سنة أربع وسبعين، وأدركه الحافظ عبد الغنيّ.
٣٦٨ - سالم بن عبد السلام بن علوان، أبو المُرجّى البوازيجي، الصوفي.
صحب أبا النّجيب السّهروَرديّ ولازمه، وسمع معه من زاهر الشّحّامي، وغيره، وعنه يوسف بن محمد الواعظ، وعمر بن محمد المقرئ، وشهاب الدين السهرورديّ، وغيرهم.
وتوفّي قبل الثمانين وخمس مائة؛ قاله ابن الدّبيثي (١).
٣٦٩ - سلامة الصيّاد المَنبِجيّ، الزاهد، رفيق الشيخ عديّ.
قال الحافظ عبد القادر الرُّهاوي: وكانا جميعًا من تلاميذ الشيخ عقيل المنبجيّ الزاهد، ساح ولقي المشايخ، ورأى منهم الكرامات، وأقام بالموصل مدّة في زمن بني الشهرزوريّ حين كان لا يقدر أحدٌ أن يتظاهر بالموصل بالحنبلية ولا السنّة. فأقام يُظهر السنة ويُحاجّ عنها. ثم رجع إلى منبج، فأقام بها إلى أن مات، وكان يتعيّش في المقاثي وعمل الحصر، وينتفق من ذلك. دخلت عليه بمنبج في داره وهو جالس على حصير يعمله، فترك العمل، وأقبل عليّ يحادثني، فرأيت منه وقارًا وعقلًا وحفظ لسان، وتعرّيًا من الدعاوى، وكان قد لزم بيته، وترك الخروج إلى الجماعة لأنّ أهل منبج كانوا قد صاروا ينتحلون مذهب الأشعريّ، ويبغضون الحنابلة بسبب واعظٍ قدِم يسمّى الدّماغ، فأقام بها مدّة، وحسّن لهم ذلك. وكان البلد خاليًا من أهل العلم، فشربت قلوبهم ذلك.
قال: وسمعت رجلًا يقول للشيخ عسكر النصيبي: أهل منبج قد صاروا يبغضون أهل حران. فقال: لا يبغض أهل حران من فيه خير، وسمعت الشيخ سلامة يقول: لما مضى الدماغ إلى دمشق ومات، جاءنا الخبر فقاموا يصلون عليه، ولم أقم أنا، فقالوا لي: ما تصلي عليه؟ فقلت: لا، قعودي أفضل. وقالوا لي: لم لا تخرج إلى الجماعة؟ فقلت: جماعتكم قد صارت فرقة، وقال لي: عبر الشيخ الزاهد أبو بكر بن إسماعيل الحراني على منبج، ولم يدخل إلي، وبعث يقول: إنه لم يدخل إلي لأجل أهل منبج. وأنا أيش ذنبي، وكان
стр. 11985
الشيخ أبو بكر يذكره كثيرًا، وينوّه باسمه، ويحث على زيارته، وهو الذي عرّفنا به، سمعت الشيخ سلامة يقول: كنت بالموصل في زمن بني الشهرزوري أذكر السنّة، وأنكر السماع، فسمعت رجلًا من أهل الموصل يقول: جئت إلى الجزيرة، فأخبرت أن الشيخ هناك، فسألت عنه فوجدته في بعض المساجد، فجئت إليه، ثم خرجنا من هناك، فمشى بين يديّ، فنظرت فإذا هو قد سبقني، فقلت في نفسي من غير أن يسمع: كذا وكذا من أخت كذا، فالتفت إلي وقال: أي أخواتي فإنهن جماعة؟ قلت: أيهن شئت.
٣٧٠ - سليمان بن محمد بن سليمان، أبو الربيع الحضرمي، الإشبيلي، المعروف بالمقوّقي.
روى عن أبي محمد بن عتّاب، وأبي بحر الأسدي، وكان يعقد الشروط، وكان أبو بكر ابن الجد يغض منه ويغص به، روى عنه ابن أخته محمد بن علي التجيبي.
قال الأبّار (١): توفي في حدود الثمانين.
٣٧١ - السموأل بن يحيى بن عياش المغربي ثم البغدادي الحاسب.
كان يهوديًا فأسلم، وبرع في العلوم الرياضية، وكان يتوقّد ذكاءً، وسكن بلاد العجم مدةً بأذربيجان ونواحيها، ومات قبل أن يتكهل بمراغة في هذا القرب.
وقال الموفق عبد اللطيف (٢): بلغ في العدديات مبلغًا لم يصله أحد في زمانه، وكان حاد الذهن جدًا؛ بلغ في الصناعة الجبرية الغاية القصوى. وله كتاب المفيد الأوسط في الطب، وكتاب إعجاز المهندسين صنفه في سنة سبعين وخمس مائة، وكتاب الرد على اليهود، وكتاب القوامي في الحساب.
٣٧٢ - صالح بن وجيه بن طاهر بن محمد الشحامي.
أجاز للشيخ الضياء مرويّاته.
стр. 11986
٣٧٣ - عباس بن أبي الرجاء بن بدر، أبو الفضل الراراني.
أجاز للضياء من أصبهان. وهو أخو خليل، سمع من الحداد.
٣٧٤ - عبد الله بن عبد الواحد بن الحسن بن المفرّج، أبو محمد الكناني، الدمشقي، المؤدب، إمام مسجد ابن لبيد بالفسقار.
سمع أبا الحسن ابن الموازيني، ومحمد بن علي بن محمد بن أبي العلاء المصّيصي.
قال أبو المواهب بن صصرى: وكانت له حلقة بالجامع يقرئ بها الصبيان، وكان شيخًا صالحًا.
وقال ابن خليل: ولد في رجب سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة.
قلت: روى عنه أبو القاسم بن صصرى، والبهاء عبد الرحمن، وجماعة، وأجاز لجماعة، وتوفي سنة نيّف وسبعين، وقد جاوز الثمانين.
٣٧٥ - عبد الجبار بن محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، أبو سعيد الأصبهاني.
من كبار مسندي بلده، سمع من القاسم بن الفضل الأصبهاني، الثقفي، وحدّث سنة سبعين. وتوفي بعد ذلك بسنة أو نحوها.
روى عنه محمد بن خليل الراراني، وعمر بن أبي بكر بن مسعود الأصبهاني. وبالإجازة كريمة.
٣٧٦ - عبد الرزاق بن إسماعيل بن محمد بن عثمان، أبو المحاسن الهمذاني القومساني.
سمع عبد الرحمن بن حمد الدوني، وناصر بن مهدي الهمذاني، وغيرهما، روى عنه الحافظ عبد الغني، وأجاز للحافظ الضياء في سنة أربع وسبعين.
٣٧٧ - عبد الملك بن محمد بن عبد الملك، أبو مروان الأنصاري، الإشبيلي، الحمامي.
سمع تاريخ ابن أبي خيثمة من أبي الحسن بن مغيث، وعنه أبو القاسم الملاّحي، وأبو سليمان حوط الله.
стр. 11987
مات قبل الثمانين وخمس مائة (١).
٣٧٨ - عبيد الله بن محمد التميمي، أبو الحسين ابن اللحياني، الإشبيلي، المقرئ.
أخذ القراءات عن شريح، وأحمد بن عيشون، وتصدّر للإقراء، قرأ عليه: أبو القاسم بن أبي هارون، وحدّث عنه مفرّج بن حسين الضرير (٢).
توفي في حدود الثمانين.
٣٧٩ - علي بن بركات، أبو الحسن المشغراني، ثم الدمشقي، المقرئ.
توفي بعد السبعين.
روى عن نصر الله بن محمد المصّيصي، روى عنه أبو القاسم بن صصرى.
٣٨٠ - علي بن الحسين اللوّاتي.
مر في سنة ثلاث وسبعين (٣).
٣٨١ - علي بن خلف بن غالب، أبو الحسن الأنصاري، الأندلسي، نزيل قرطبة.
سمع من أبي القاسم بن رضا، وأبي عبد الله بن معمر، وأبي الحسن بن وليد بن مفوّز (٤)، وتعلّم الفرائض والحساب وتصوّف. وصنّف كتاب اليقين، رواه عنه عبد الجليل بن موسى.
وقال أيوب بن عبد الله السبتي: رحلت إليه مرّات إلى قصر عبد الكريم وكان قد سكنه. وكان محدّثًا شاعرًا (٥).
٣٨٢ - علي بن محمد بن ناصر، أبو الحسن الأنصاري، القرطبي.
أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن صاف، وعبد الجليل بن عبد العزيز،
стр. 11988
وروى عن أبي القاسم بن بقي، وأبي جعفر البطروجي، وأبي القاسم بن رضا، وجماعة.
وكان مقرئًا، نحويًا، روى عنه أبو بكر محمد بن علي الشريشي (١).
٣٨٣ - علي بن هبة الله الكاملي، المصري.
سمع من أبي صادق مرشد المديني، وغيره، روى عنه الحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القادر، وابن رواحة، وعلي بن رحّال، وعبد الرحيم بن الطفيل، ومحمود ابن الملثّم، وآخرون.
٣٨٤ - علي بن أبي القاسم بن أبي جنّون، أبو الحسن التلمساني، قاضي مراكش.
روى عن أبي عبد الله الخولاني، وأبي علي بن سكّرة، وعنه أبو عبد الله بن عبد الحق التلمساني، وعقيل بن طلحة، وأبو الخطاب ابن دحية.
قال الأبّار (٢): كان حيًا في حدود الثمانين.
٣٨٥ - القاسم بن علي بن صالح، أبو محمد الأنصاري نزيل دانية.
أخذ القراءات عن أبي العباس القصبي، وأبي العباس ابن العريف، وابن غلام الفرس فسمع منه التيسير سنة سبع وعشرين وخمس مائة (٣).
وتصدّر للإقراء بدانية، أخذ عنه أسامة بن سليمان، وغيره.
بقي إلى قريب الثمانين وخمس مائة.
٣٨٦ - محمد بن التابلان المنبجي الزاهد.
قال الحافظ عبد القادر: كان رفيق الشيخ عديّ والشيخ سلامة، من تلاميذ الشيخ عقيل. حدّثني بعض الصوفية أن الشيخ عقيل أوصى له بعد موته بالجلوس في موضعه. دخلت عليه بمنبج غير مرة فرأيت شيخًا وقورًا مهيبًا، عاش عمرًا طويلًا في طريقة حسنة ومحمود ذكر. وكان له جماعة تلاميذ، وكان حافظًا للقرآن يؤمّ بالناس. وكان له ملك يتعيّش منه ﵀.
стр. 11989
قلت: كأن هذا بقي إلى قرب الست مائة، فإن ابنه الفقيه أحمد بن محمد بن إبراهيم بن التابلان المنبجي سمع منه شيخنا الشهاب الدشتي بمنبج، وهو يروي عن التاج الكندي.
٣٨٧ - محمد بن عبد الله بن محمد الغرناطي أبو عبد الله ابن الغاسل.
سمع أبا عبد الله النميري وصحبه زمانًا، ورحل معه فلقي أبا الحسن ابن الباذش، وقرأ بالروايات على شريح، وسمع أيضًا: أبا الحسن بن مغيث، وأجاز له ابن عتّاب.
وكان مقرئًا، محدّثًا، ضابطًا.
توفي سنة نيّف وسبعين (١).
٣٨٨ - محمد بن عبد العزيز، الفقيه أبو عبد الله الإربلي، الشافعي.
قدم بغداد، وتفقه بالنظامية، وبرع في المذهب. وولي إعادة النظامية، ومن شعره، وكتبه عنه عبد السلام بن يوسف الدمشقي:
رُوَيدك فالدنيا الدَّنية كم دَنَتْ … بمكروهها من أهلها وصحابها
لقد فاق فِي الآفاق كل موفق … أفاقَ بها من سكره وصحا بها
فسَلْ جامعَ الأموالِ فِيهَا بِحِرْصه … أخَلَّفَها من بعده أمْ سَرَى بها؟
هِيَ الآل فاحذَرْها وذرها لآلها … فما الآل إلَّا لمعة من سرابها
وكم أسّد سادّ البرايا ببره … ولو نابها خَطْب إذا ما دَنَى بها
فأصبح فِيهَا عبرةً لأولي النُّهى … بمخلبها قد مزَّقَتْه ونابها (٢)
قال ابن النجار: بلغني أنْ أَبَا عَبْد اللَّه الإربلي سافر إلى الشام ومات هناك فِي حدود سنة ثمانين وخمس مائة.
٣٨٩ - محمد بن علي بن عبد الله بن علي، أبو بكر البتمّاري (٣)
стр. 11990
النهرواني، المعروف بابن العجيل.
سمع أحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا سعد بن خشيش، سمع منه عمر القرشي، وغيره، وأصابه صمم، وتوفي بعد السبعين.
ذكره ابن النجار (١).
٣٩٠ - محمد بن كشيكة الحراني، الزاهد.
قال الرهاوي: كان أحد مشايخ أهل حران، زهدًا، وورعًا واجتهادًا في أبواب الخير، وكان متواضعًا، كريمًا، حيّيًا، لا يكاد يرفع رأسه من الحياء، صبورًا على الفقر موثرًا، وكان الشيخ أبو بكر بن إسماعيل يذكره ويمدحه بكونه يعيش من كسبه، ولما مرض أبو بكر خرج محمد إلى عيادته، فوصّى له بثلث رحاه، واستخلفه في موضعه بالمشهد، وسمعت بعض أصحابنا يقول: قال أصحاب أبي بكر لأبي بكر: من تأمرنا نجالس بعدك؟ فقال: عليكم بسيد السادات الشيخ محمد.
ذكر الرهاوي هؤلاء وغيرهم، وما أراه ذكر الشيخ حياة، وسأذكره في سنة إحدى وثمانين (٢) إن شاء الله تعالى (٣).
٣٩١ - محمود بن محمد، أبو الثناء البغدادي.
حدّث بالإسكندرية عن هبة الله بن الحصين، وأبي منصور القزاز، روى عنه علي بن المفضّل، وغيره (٤).
стр. 11991
٣٩٢ - المطهّر بن عبد الكريم بن محمد بن عثمان. الهمذاني القومساني.
روى عن عبد الرحمن ابن الدوني، وناصر بن مهدي، وعنه الحافظ أبو محمد المقدسي، وغيره.
وناصر المذكور هو ابن مهدي بن نصر بن علي بن نصر بن عبدان، أبو علي المشطّب الهمذاني. بكّر به أبوه أبو الحسن المشطّب فأسمعه سنن الحلواني من علي بن شعيب بن عبد الوهاب الهمذاني، وكان علي بن شعيب مسند همذان في زمانه. روى عن أوس الخطيب، وجبريل العدل، وأبي أحمد الغطريفي، وإسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان، وطائفة، روى عنه علي بن الحسين، وابن ممان. وناصر هذا، وأحمد بن عمر البيّع، وكان ثقة، صدوقًا، صالحًا.
قال الحافظ شيرويه (١): سمعت أبا بكر الأنصاري يقول: لما رجع الشيخ محمد بن عيسى، شيخ الصوفية، إلى همذان استقبله الخاص والعام، وكان علي بن شعيب مع من استقبله، وكان راجلًا، رثّ الهيئة، فكان أبو منصور محمد بن عيسى لا ينزل لأحد، لا للأشراف ولا للوجوه، وإنما يصافحهم راكبًا. فلما رأى علي بن شعيب نزل عن دابته وعانقه وبجله، ومشى معه ساعة حتى سأله أن يركب فركب.
قلت: كان ابن شعيب باقيًا بعد الثلاثين وأربع مائة.
٣٩٣ - أبو بكر بن إسماعيل الحراني الزاهد.
ذكره الحافظ عبد القادر فقال: كان من مفاريد الزمان. اجتمعت فيه من خلال الخير أشياء لو سطرت كانت سيرة. كان زاهدًا، ورعًا، مجاهدًا، مجتهدًا، متواضعًا، ذا عزائم خالصة، بصيرًا بآفات أعمال الآخرة وعيوب الدنيا، ذا تجارب، ساح وخالط، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، منقادًا للحق، محبًا للخمول، عاريًا من تزيّ أهل الدين. ظاهرًا لا يستوطن المواضع. كان تارةً يكون معممًا، وتارةً بغير عمامة، وتارة محلوقًا وتارة بشعر. إذا وقف بين جماعة لا يعرفه الغريب، ولم يكن له في المسجد موضع يعرف به.
стр. 11992
وكان إذا قال له أحد: أريد أن أتوب على يدك. يقول: أيش تعمل بيدي، تب إلى الله.
وكان شجاعًا. وهو الذي جرّأ المسلمين على محاصرة الرّها في سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، واشتهر بين الناس أنهم يوم وقعت الثلمة بالرها التي دخل منها المسلمون رأوا رجلًا قد صعد فيها، فهزم من كان بها من الفرنج، وصعد الناس بعده، فحكي لي عن بعض الناس أنه الشيخ أبو بكر ﵁ (١).
وبلغني أن ناسًا اختلفوا فيه، فحلف بعضهم أنه الشيخ عدي بن صخر، فاختلفوا إليه في ذلك، فقال: ذاك الحرّاني. سمعته يقول: كان أبي قد أسره الفرنج إلى الرها، فقادوه، وأخذوني وأخي رهينةً، يعني وهما صغيران؛ فكان صاحب البلد يأخذني ويجيء بي عند الصليب، ويجعل يحني رأسي نحوه، فأمتنع عليه مع هيبته، ويقع في نفسي أني إن فعلت صرت نصرانيًا، وكان يأخذ أخي فيجيء به إلى الصليب، ليسجد له، فأتعلق به وأمنعه. ثم إنه خلّص من أيدي الفرنج، فسمعته يقول: كنت أمر إلى الرها في الليل فأصعد إلى السور، وأنزل إلى البلد، فإذا عرفوا بي صعدت إلى السور، فإذا صرت على السور ومعي سيفي وترسي لا أبالي بأحد. وصعدت مرةً إلى السور، فلقيت اثنين، قتلت الواحد ودخل الآخر إلى البرج، فدخلت خلفه فقتلته.
سمعته غير مرة يقول: رأيت قائلًا يقول لي: كن تبعًا إلا في ثلاثة: في الزهد، والورع، والجهاد.
وحج نحوًا من ثلاثين حجة ماشيًا. وبلغني عنه أنه حج في بعضها، ولم ينم في تلك المدّة حتى خرج من الحج. ثم إنه ترك الحج، وسكن مشهدًا قريبًا من حرّان، واشتغل بعمارة رحى هناك. ورتّب الضيافة لكل وارد خبزًا ولحمًا وشهوات، وكان سبب ذلك كما حكى لي، قال: كنت أنا وآخر في الشام، فجعنا جوعًا شديدًا، ثم جئنا إلى قرية، فصنع لنا إنسان طعامًا وقدّمه إلينا، فجعلنا نأكله وهو حار، فلما رأى شرهنا في الأكل مع حرارته قال:
стр. 11993
أرفقوا فهو لكم. فأعتقد أنه لو كان لذلك الرجل ذنوب مثل الجبال لغفرت لما صادف من إشباع جوعنا. فرأيت أن حجي ليس فيه منفعة لغيري، وأني لو عملت موضعًا يستظل به إنسان كان أفضل من حجي، وكان مع ذلك يكره كثرة العلائق ويقول: لو قيل لي في المنام: إنك تصير إلى هذا الحال ما صدّقت.
وبنى عند المشهد خانًا للسبيل، وكان يعمل عامّة نهاره في الحر والغبار، ويقول: لو أن لي من يعمل معي في الليل لعملت، وعمل لنفسه رحىً، وكان يتقوّت منه باليسير، ويخرج الباقي في البرّ.
دخلت عليه في بيته مرارًا وهو يتعشّى، فما رأيته جالسًا في سراج قط، ولا كان تحته حصير جيّد قط ولا فراش، بل حصير عتيق، تحته قش الرز، وحضرت يومًا معه في مكان، فلما حضر وقت الغداء جلسنا نتغدّى، وأخرج رغيفًا كان معه، فأكل نصفه، وناولني باقيه، وقال: ما بقي يصلح لي أن آكل شيئًا ولا أعمل شيئًا، وقال لي: وددت أني لآتي مكانًا لا أخرج منه حتى أموت.
وسمعته يقول: وذكر لي إنسان أن بعض الرؤساء عرض عليه ملكًا يقفه عليه، فقال له أبو بكر: وأيش نعمل به، لو لم يكن في مالهم شبهة إلا الجاه لكفى.
سمعت فتيان بن نيّاح الحرّاني، وكان عالم أهل حران وقد جرى بيننا ذكر الكرامات فقال: أنا لا أحكي عن الأموات ولكن عن الأحياء. هذا أبو بكر بن إسماعيل حج في بعض السنين، فلما قرب مجيء الحاج جاء الخبر أن أبا بكر قد مات. فجلست محزونًا فجاءتني والدته وأنا في مكاني هذا، فسلّمت، فرددت عليها متحزّنًا، فقالت: أيش هو؟ فقلت: هو الذي يحكى، فقالت: ما هو صحيح، قلت: من أين لك؟ قالت: هو قال لي قبل أن يخرج إنه سيبلّغك أني قد متّ، فلا تصدقي، فإني لا بد أجيء وأتزوّج، وأرزق ابنًا وأموت، قال: فأول من جاء هو، وتزوّج ورزق ابنًا، ومات، هذا مع كراهيته إظهار الكرامات والدعاوى.
стр. 11994
وكان عاقلًا فطنًا، يتكلّم بالحكمة في أمر الدين، حدّثني من حضر موته قال: كنّا أنا وفلان وفلان، فتوضّأ ثم صار يسأل عن وقت الظهر، فقال بعضنا: جرت عادة الناس يأخذون من آثار مشايخهم للتبرّك. فقال: إن قبلتم مني لا تريدون شيئًا من الدنيا، قال: فبينما أنا جالس أغفيت، فرأيت كأن البيت الذي نحن فيه يخرج منه مثل ألسن الشمع، يعني النور. ورأيت كأن شيخًا قد جاء إلى عند الشيخ أبي بكر، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا الشيخ حمد، فانتبهت فجعلت أسأل الجماعة عن الشيخ حمد، ففطن لي الشيخ فقال: أيش تقول؟ فقصصت عليه الرؤيا، فقال: نعم، هذا الشيخ حمد بن سرور قد جاء إلينا. وكان الشيخ حمد من مشايخ حران، قال: ثم إنه ما زال يسأل عن وقت الظهر، حتى بقي من الوقت قدر قراءة جزء، ثم إنه تفل مثل النّفخة، فخرجت معها نفسه وحمل إلى حران فدفن بها ﵁.
٣٩٤ - أبو جعفر بن هارون الترجالي، الأندلسي، من كبار أهل إشبيلية.
وكان رأسًا في الفلسفة، والطب، والكحالة، ذا عناية بكتب أرسطوطاليس، خدم أبا يعقوب بن عبد المؤمن، وقد أخذ عن الفقيه أبي بكر ابن العربي، ولازمه مدّة، وعنه أخذ أبو الوليد بن رشد الحفيد، علم الأوائل (١).
وترجالة: من ثغور الأندلس (٢).
٣٩٥ - أبو الفتح الموصلي العابد، ويعرف بابن الرئيس.
قال الحافظ الرهاوي: كان زاهدًا، ورعًا، قنوعًا، صائم الدهر، نوراني الوجه، حسن الأخلاق، رزين العقل، متواضعًا، شديدًا في السنّة، داعيًا إليها، حافظًا للقرآن، لقّن خلقًا. وكان خياطًا يتقوّت باليسير والباقي ينفقه على أخيه وأولاد أخيه، وكان يلبس قميص خام ومئزر خام خشنًا، ولم يكن بالموصل في آخر زمانه مثله. مات وشيّعه خلق لا يحصون رحمه الله تعالى.
٣٩٦ - أبو الوفاء شيخ أهل آمد في زمانه.
стр. 11995
قال الحافظ الرهاوي: تكررت إليه مدّة مقامي بآمد، فرأيت منه عقلًا وافرًا، وحلمًا وتواضعًا، وسخاءً، وتألّفًا للناس على مذهب أحمد، وكان كثير الاحتمال للأذى في تألّف الناس، مفيدًا بكلامه، حافظًا للسانه، ذكيًّا، فهمًا. لم أر في تردادي إليه سقطةً، ولا بلغتني عنه، ولقد فرحت برؤيتي له فرحًا شديدًا، وأحببته كأشد ما أحببت أحدًا من المشايخ، وكان له شيء من الدنيا يتعيّش منه، ويواسي منه الفقراء، رحمه الله تعالى.
آخر الطبقة
стр. 11996
الطبقة التاسعة والخمسون
(٥٨١ - ٥٩٠ هـ)
стр. 11997
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحوادث
سنة إحدى وثمانين وخمس مائة
في المحرَّم وقع بناحية نهر الملك بَرَدٌ أهلك الزَّرْع وقتل المواشي، وُزِنت منه بَرَدة فكانت رِطْلين بالعراقيّ.
وفي صَفَر انفصل رضيّ الدّين أبو الخير القزْوينيّ عن تدريس النظّامية، وولي أبو طالب المبارك بن المبارك الكرْخيّ، وخُلِع عليه من الدّيوان العزيز بطرحة.
وفي رجب أمر الخليفة بمنْع الوعّاظ كلَّهم إلاّ ابن الجوزي.
ووُلِد بالعلث (١) ولدٌ طول وجهه شبر وأربع أصابع، وله أُذُنٌ واحدة.
وفيها وردت الأخبار بأنَّ عليّ بن إسحاق الملثَّم خطب للناصر لدين اللَّه بمعظم بلاد المغرب، وخالف بني عبد المؤمن.
وفيها سار السّلطان الملك النّاصر قاصدًا الموصِل، فلمّا قاربَ حلبَ تلقّاه صاحبها الملك العادل أخوه، ثمّ عَدَّى من الفراتَ إلى حَرّان، وكانت إذ ذاك لمظفّر الدّين ابن صاحب إربِل، وقد بذل خطّه بخمسين ألف دينار يوم وصول السّلطان إلى حَرّان برسم النَّفَقَة، فأقام السّلطان أيامًا لم يَرَ للمال أثرًا، فغضب على مظفّر الدّين واعتقله، ثم عفا عنه، وكتب له تشريفًا بعد أن تسلَّمَ منه حرَّان، والرُّها، ثم أعادهما إليه في آخر العام ثم سار إلى الموصل فحاصرها وضايقها، وبذلت العامَّةُ نفوسهم في القتال بكلّ ممكنٍ لكون بنت السّلطان نور الدين زوجة صاحب الموصل عزّ الدّين سارت إلى صلاح الدّين قبل أن ينازل البلد، وخضعت له تطلب الصُّلْح والإحسان، فردّها خائبة، ثم إنه ندِم، ورأى أنّه عاجز عن أخذ البلد عَنْوةً، وأتته الأخبار بوفاة شاه أرمن صاحب خِلاط،
стр. 11998
وبوفاة نور الدّين محمد صاحب حصن كيفا وآمِد، فتقسّم فِكْرُه، واختلفت آراء أمرائه، فلم يلبث أن جاءته رُسُل أمراء خِلاط بتعجيل المسير إليهم، فأسرع إليهم، وجعل على مقدِّمته ابنَ عمّه ناصر الدّين محمد بن شِيرَكُوه ومظفَّر الدّين كوكبري ابن صاحب إربل إلى خِلاط، فوجد الأمير بكتمر مملوك شاه أرمن قد تملَّك، فنزلا بقربها، ووصل الملك شمس الدّين البهلوان محمد بن إلْدِكِز بجيش أذرْبَيْجان ليأخذ خِلاط فنزل أيضًا بقربها. وكان الوزير بها مجد الدّين عبد اللَّه بن الموفَّق بن رشيق، فكاتب البهلوان مرة وصلاح الدّين أخرى.
ووصل صلاح الدّين ميّافارقين فنازلها وحاصرها، وكتب إلى مقدّمته يأمرهم بالعَود إليه فعادوا، وتسلّمها بالأمان، وسلّمها إلى مملوكه سُنْقُر في جُمادى الأولى. ورحل فأتته رُسُلُ البهلوان بما فيه المصلحة وأن يرجع عن خلاط، فأجاب: على أن ترحل أنت صلاح الدين أيضًا إلى بلادك.
ثم عاد صلاح الدّين فنازل الموصل وضايقها، فخرج إليه جماعة من النّساء الأتابكيّات فخضعْن له، فأكرمهن وقبِلَ شفاعتهنّ. واستقرّ الأمر على أن يكون عماد الدّين زنكي بن مودود بن زنكي صاحب سنْجار هو المتكلّم، فتوسّط بأن تكون بلاد شهرزُور وحصونها للسّلطان، وتُضْرب السّكّة باسمه والخطْبة له بالموصل، وأن تكون الموصل لصاحبها، وأن يكون طَوْعه.
ثم رجع السّلطان فتمرّض بحَرّان مُدَيْدَة، واستدام مرضه، وتناثر شَعْر رأسه ولحيته، وأرجفوا بموته، ثم عُوفي.
وتُوُفّي ناصر الدّين محمد ابن أسد الدّين صاحب حمص، فأنعم بها السّلطان على ولده الملك المجاهد أسد الدّين شِيركُوه بن محمد. وسِنُّه يومئذٍ ثلاث عشرة سنة، وامتدَّت أيّامه.
وأمّا أهل خِلاط فإنّهم اصطلحوا مع البهلوان محمد، وصاروا من حزبه وخطبوا له.
قال ابن الأثير (١): وفيها ابتداء الفتنة بين التُّرْكمان والأكراد بالموصل، والجزيرة، وشهرزور، وأَذَرْبَيْجان، والشّام. وقُتِلَ فيها من الخلْق ما لا يُحصى،
стр. 11999
ودامت عدّة سنين، وتقطّعت الطُّرُق، وأُرِيقت الدّماء، ونُهبت الأموال، وسببها أن تُرْكمانيّة تزوَّجت بتُركمانيّ، فاجتازوا بأكرادٍ، فطلبوا منهم وليمة العُرْس، فامتنعوا وجرى بينهم خصام آلَ إلى القتال، فقُتِل الزَّوج، فهاجت الفِتنة، وقامت التّرْكُمان على ساقٍ، وقتلوا جمْعًا كثيرا من الأكراد، فتناخت الأكراد وقتلوا في التُّرْكُمان. وتفاقم الشَّرّ ودام، إلى أن جمع الأمير مجاهد الدّين قايماز عنده جَمعًا من رؤوس التُّرْكُمان والأكراد وأصلح بينهم، وأعطاهم الخِلَع والثياب، وأخرج عليهم مالًا جمًّا، فانقطعت الفتنة.
وفيها استولى ابن غانية الملثّم على أكثر بلاد إفريقية كما ذكرناه في سنة ثمانين استطرادًا (١).
سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة
في أولها صح مزاج السّلطان بحرّان فرحل منها، ومعه ولداه الظاهر، والعزيز، وأخوه العادل، وقدِم دمشق، فبذل العادل بلاد حلب لأولاد أخيه، فشكره السّلطان على ذلك، وملّكها للسلطان الملك الظاهر غازي ولده، وسيَّر أخاه العادل إلى مصر، ونزل على نواحي البلقاء.
وقيل: إن الملك الظاهر لمّا تزوَّج بابنة العادل نزل له العادل عن حلب، وقال: أنا ألزم خدمة أخي وأقنع بما أعطاني. وسمح بهذا لأن السّلطان أخاه كان في مرضه قد أوصى إليه على أولاده وممالكه، فأعجبه ذلك.
قال العماد الكاتب: أجمع المنجّمون في سنة اثنتين وثمانين في جميع البلاد بخراب العالم في شعبان عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلدان، وخوّفوا بذلك من لا توثُّق له باليقين، ولا إحكام له في الدّين من ملوك الأعاجم والروم، وأشعروهم من تأثيرات النجوم، فشرعوا في حفر مغارات في التُّخُوم، وتعميق بيوت في الأسراب وتوثيقها، وشدّ منافسها على الريح، ونقلوا إليها الماء والأزواد وانتقلوا إليها، وانتظروا الميعاد وسلطاننا متنمّر من أباطيل المنجّمين، مُوقنٌ أنّ قولهم مبنيّ على الكذب
стр. 12000
والتخمين. فلمّا كانت الليلة التي عيَّنها المنجمون لمثل ريح عاد، ونحن جلوسٌ عند السّلطان، والشُّموع توقد، وما يتحرك لنا نسيم، ولم نرَ ليلةً مثلها في ركودها، وعمل في ذلك جماعةٌ من الشعراء. فممّا عمل أبو الغنائم محمد ابن المعلّم فيما ورَّخه أبو المظفَّر السبط في المرآة (١):
قُلْ لأبي الفضْل قَولَ معترفٍ … مضى جُمادى وجاءنا رَجَبُ
وما جرت زعزعا كَمَا حكموا … ولا بَدَا كوكبٌ لَهُ ذَنَبُ
كلاَّ، ولا أظلمت ذُكاء ولا … أبدت أذىً في قرانها الشُّهُبُ
يقضي عليها من لَيْسَ يعلم ما … يُقضى عليه هَذَا هُوَ العَجبُ
قَدْ بان كذِبُ المنجّمين وفي … أي مقال قالوا وماكذبوا؟
قال ابن البُزُوريّ: وفي يوم عاشوراء سنة اثنتين قال محمد بن القادسيّ: فُرِش الرَّماد في الأسواق ببغداد، وعلقت المسوح، وناح أهل الكَرخ والمختارة، وخرج النساء حاسراتٍ يلطمن وينحن من باب البدريّة إلى باب حجرة الخليفة، والخِلَع تُفاض عليهنّ وعلى المنشدين من الرجال، وتعدى الأمر إلى سبِّ الصحابة. وكان أهل الكرخ يصيحون: ما بقي كتمان. وأقاموا ابنة قرايا، وكان الظّهير ابن العطار قد كبس دار أبيها، وأخرج منها كُتبًا في سبّ الصحابة، فقطع يديه ورجليه، ورجمته العوّام حتى مات، فقامت هذه المرأة تحت منظرة الخليفة وحولها خلائق وهي تنشد أشعار العوْني وتقول: العنوا راكبةَ الجمل. وتذكر حديث الإفك، قال: وكلّ ذلك منسوبٌ إلى أستاذ الدّار، وهو مجد الدّين ابن الصّاحب، ثم قُتِل بعد.
وفيها وقع الخلاف بين الفرنج - لعنهم اللَّه - وتفرَّقت كلمتهم، وكان في ذلك سعادة الإسلام.
وفيها غدر اللعين أرناط صاحب الكرك فقطع الطريق على قافلةٍ كبيرة جاءت من مصر، فقتل وأسر، ثم شن الغارات على المسلمين، ونبذ العهد. فتجهز السّلطان صلاح الدّين لحربه، وطلب العساكر من البلاد، ونذر إن ظَفَرَ به ليقتلنّه، فأظفره اللَّه به كما يأتي.
стр. 12001
أنبأنا ابن البُزُوري في الذيل قال: وقدِم الحاجّ بغداد، وأخبروا أنّ سيف الإسلام طُغتِكين أخا صلاح الدّين خرج عن الطاعة، وترك مراضي الديوان وأتباعه، واستولى على مكّة وأهلها، وخطب لأخيه، وأخبروا أنّ قِفل الكعبة عَسُر عليهم فتحُه، وازدحم الناس، فمات منهم أربعةٌ وثلاثون نفسًا.
قال: وفي هذه السنة كان المنجّمون يزعمون أنّ في تاسع جُمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان، وهو القِران الخامس، ويدلّ ذلك على رياحٍ شديدة، وهلاك مدنٍ كثيرة، فلم يُرَ إلاّ الخير. وأُخبرتُ أنّ الهواء توقَّف في الشهر المذكور على أهل السواد، فلم يكن لهم ما يذرّون به الغلَّة.
قال ابن البزوري: وكان الخليفة أمر بأخذ خطوط المنجمّين بذلك، فكتبوا سوى قيماز، وكان حاذقًا بالنّجوم، فإنّه كتب: لا يتم من ذلك شيء. وخرج. فقال له منجّم: ما هذا؟ قال: إن كان كما تزعمون من هلاك العالم مَن يوافقني؟ وإن كان ما قلته حظيت عندهم.
وفيها عقد أمير المؤمنين الناصر على الجهة سلجوق خاتون بنت قَلِج أرسلان بن مسعود صاحب بلاد الروم بوكالةٍ من أخيها كيخسْرُو، وسار لإحضارها الحافظ يوسف بن أحمد شيخ الرّباط الأرجواني.
وفيها جَرت فتنة عظيمة بين الرافضة والسُّنة قُتل فيها خلقٌ كثير، وغلبوا أهل الكرخ.
وفيها وردت الأخبار بالفتن بأصبهان، والقتال والنهب، وإحراق المساجد والمدارس، وقتل الأطفال، فقُتِل أربعة آلاف نفس. وسببه اختلاف المذاهب بعد وفاة زعيم أصبهان البهلوان. ثم ملك بعده أخوه فهذَّب البلاد.
وأمير الركب العراقي في هذه الأعوام طاشتكين المستنجديّ.
وفي هذه الأيام كَثُر الخُلْف بديار بكر والجزيرة بين الأكراد والتركمان، وبين الفرنج والروم والأرمن، وبين الإسماعيلية والنبوية. وقتلت الإسماعيلية ابن نيسان والد الذي أخذ منه صلاح الدّين آمِد.
ووقع بين الكراكيّ واللقالق والإوزّ، وصارت تصطدم بالجو وتتساقط جرحى وكَسْرَى، وامْتار الناس منها بأرض حرّان؛ قاله عبد اللطيف.
стр. 12002
سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة
قال لنا ابن البزوري: أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع، وأول السنة الشمسية وأول سِنيّ الفُرس، والشمس والقمر في أول البروج. وكان ذلك من الاتفاقات العجيبة.
قال: وفي صَفَر عُزل نقيب النُّقباء ابن الروال بأبي القاسم قُثَم بن طلحة الزَّينبيَ.
وفي ربيع الأول استدعيَ مجد الدّين هبة اللَّه ابن الصاحب أستاذ الدّار إلى باطن دار الخلافة، فقُتِل بها. وكان قد ارتفعت رُتْبته وعلا شأنه وتولّى قتلَه ياقوت الناصريّ، وعلَّق رأسه على باب داره. وولي أستاذيّة الدار قِوام الدّين أبو طالب يحيى بن زبادة (١)، نقلًا من حجابة الباب النُّوبيّ وأمر بكشف تركة ابن الصّاحب، فكانت ألف ألف دينار وخمسة وثلاثين ألف دينار، سوى الأقمشة والآلات والأملاك. وتقدَّم أن لا يتعرض إلى ما يخصّ أولاده من أملاكهم التي باسمهم.
وقال سبط ابن الجوزيّ (٢): قرَّبه الناصر تقريبًا زائدًا، فبسط يده في الأموال، وسفك الدّماء، وسبّ الصحابة ظاهرًا، وبَطَر بطَرًا شديدًا، وعزم على تغيير الدولة، إلى أن قال: وثب عليه في الدِّهليز ياقوت شِحنة بغداد فقتله، ووُجد له ما لم يوجد في دُور الخلفاء.
قلت: وتُوفّي النقيب عبد الملك بن عليّ بالسجن، وكان خاصًا بابن الصاحب والمنفّذ لمراسمه، وأُخرج، فلمّا رأت العامّة تابوته رَمَوه، وشدّوا في رجله حبلًا وسحبوه، وأحرقوه بباب المراتب.
وفي شوال عُزل ابن الداريج عن نيابة الوزارة، ثم نُفِّذ إلى جلال الدّين أبي المظفّر عُبيد اللَّه بن يونس فولي الأمر. ثم استُدْعيَ يوم الجمعة إلى باب الحجرة، وخُلعَ عليه خِلعة الوزارة الكاملة، ولُقِّب يومئذٍ جلال الدّين، وقبَّل يد الخليفة وقال له: قلَّدتك أمور الرعية فقدِّم تقوى اللَّه أمامك.
стр. 12003
وقد كان ابن يونس يشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن ابن الدّامغانيّ، وتوقَّف مرة في سماع قوله. فلمّا كان هذا اليوم كان قاضي القضاة ممّن يمشي بين يديه. فقيل إنّه قال: لعن اللَّه طول العمر. ثم مات بعد أيام في ذي الحجّة، فوُلّي قضاءَ القضاة بالعراق أبو طالب عليّ بن عليّ ابن البخاري.
وفيها أرسل السّلطان طُغْرُل بن أرسلان بن طُغْرُل بن محمد السلجوقي إلى الديوان يطلب أن تُعمر دار المملكة ليجيء وينزلها، وأن يُسمى في الخطبة. فأمر الخليفة فَهُدمت دار المملكة وأُعيد رسوله بغير جواب. وكان مُستضعف المُلك مع البهلوان ليس له غير الاسم. فلما مات البهلوان قويت نفسه وعسكر، وانضمَّ إليه أمراء.
وحجَّ بالركب العراقي مُجِير الدّين طاشتكين على عادته، وحجَّ من الشام الأمير شمس الدّين محمد بن عبد الملك، المعروف بابن المقدَّم، فضرب كوساته، وتقدَّم من عرفات قبل أصحاب الخليفة، فأرسل طاشتِكين يلومه، فلم يفكّر فيه، فركب طاشتكين في أجناده، إلى قتاله، وتبعه خلق من ركب العراق. ووقع الحرب، وقُتِل من رَكب الشام خلق، ثم أُسِرَ ابن المقدَّم، وجيء به إلى خيمة طاشتكين، وخيطت جراحاته، ثم مات بمِنى ودُفن بها.
قلت: وقد كان من كبار الأمراء النُّوريّة وولي نيابة دمشق للسلطان صلاح الدّين وهو واقف المدرسة المقدّميَّة.
سنة الفتوحات
وفيها كتب السّلطان صلاح الدّين إلى الأقطار يستدعي الأجناد إلى الجهاد. وبرز في أول السنة، ونزل على أرض بُصرى مرتقبًا مجيء الحاجّ ليخفرَهم من الفرنج. وسار إلى الكرك والشَّوبك، فأحرق ضياعهما، وأقام هناك شهرين، واجتمعت الجيوش برأس الماء عند ولده الأفضل، فجهَّز بعثًا فأغاروا على طبرية، وقدِم من الشرق مظفَّر الدّين صاحب إربل بالعساكر، وقدِم بدر الدّين دلدرم على عسكر حلب، وقايماز النَّجْميّ على عسكر دمشق، فساروا مُدلجين حتى صبَّحوا صفورية، فخرجت الفرنج فنصر اللَّه المسلمين،
стр. 12004
وقُتِل من الفرنج خلقٌ من الإسبِتار، وأسروا خلقًا.
وأسرع السّلطان حتى نزل بعشترا، وعرض العساكر وأنفق فيهم، وسار بهم وقد ملأوا الفضاء فنزل الأرْدُنّ، ونزل معظم العساكر. وسار إلى طبرية فأخذها عنوةً، فتأهَّبت الفرنج وحشدوا، وجاءوا من كل فجّ وأقبلوا، فرتَّب عساكره في مقابلتهم وصابَحهم وبايتَهم.
وكان المسلمون اثني عشر ألف فارس وخلقٍ من الرجَّالة. وقيل: كان الفرنج ثمانين ألفًا ما بين فارسٍ وراجلٍ. والتجؤوا إلى جبل حطين، فأحاط المسلمون به من كل جانب، فهرب القومُّص لعَنه اللَّه، ووقع القتال، فكانت الدائرة على الفرنج، وأُسِر خلقٌ منهم الملك كي، وأخوه جفري، وصاحب جُبيل، وهنفري بن هَنفري، والإبرِنْس أرناط صاحب الكرك، وابن صاحب إسكندرونة، وصاحب مرقيّة.
وما أحلى قول العماد الكاتب (١): فَمَن شاهد القتلى يومئذٍ قال: ما هناك أسير، ومَنْ عاين الأسرى قال: ما هناك قتيل.
قلت: ولا عَهْد للإسلام بالشام بمثل هذه الوقعة من زمن الصحابة. فقتل السّلطان صاحب الكرك بيده لأنه تكلَّم بما أغضب صلاح الدّين، فتنمّر وقام إليه فطيَّر رأسه، فأُرعب الباقون.
وقال ابن شداد: بل كان السّلطان نذر أن يقتله لأنه سار ليملك الحجاز، وغَدَرَ وأخذ قفلًا كبيرًا، وهو الذي كان مقدَّم الفرنج نوبةَ الرملة لمّا كبسوا السلطان صلاح الدّين وكسروه سنة ثلاثٍ وسبعين، وكان أرناط فارس الفِرنج في زمانه، وقد وقع في أسر الملك نور الدين، وحبسه مدّةً بقلعة حلب. فلما مات نور الدّين وذهب ابنه إلى حلب وقصده صلاح الدّين غير مرةٍ ليأخذ منه حلب أطلق أرناط وجماعةً من كبار الفرنج ليُعِينوه على صلاح الدين، ثم قيَّد جميع الأسارى وحُملوا إلى الحصون، وأخذ السّلطان يومئذٍ منهم صليب الصَّلَبُوت، وكانت وقعة حطّين هذه في نصف ربيع الآخر، ولم ينْجُ فيها من الفرنج إلاّ القليل، وهي من أعظم الفتح في الإسلام، وقيل: كان الفرنج أربعين ألفًا، وأبيع فيها الأسير بدمشق بدينار فللَّه المنة.
стр. 12005
قال أبو المظفَّر ابن الجوزي (١): خيَّم السّلطان على ساحل البحيرة في اثني عشر ألفًا من الفُرسان سوى الرّجّالة، وخرج الفرنج من عكّا، فلم يدعوا بها محتلِمًا. فنزلوا صفورية، وتقدَّم السّلطان إلى طبرية، فنصب عليها المجانيق، وافتتحها في ربيع الآخر، وتقدمت الفرنج فنزلوا لوبية من الغد، وملك المسلمون عليهم الماء، وكان يومًا حارًّا. والتهب الغور عليهم، وأضرم مظفَّر الدّين النّارَ في الزُّروع، وأحاط بهم المسلمون طول الليل، فلمّا طلع الفجر قاتلوا إلى الظُّهر، وصعدوا إلى تل حطين والنار تُضرَم حولهم، وساق القومُّص على حمِيَّة وحرق، وصعد إلى صفد، وعملت السيوف في الفرنج، وأسر من الملوك جماعة، وجيء بصليب الصَّلَبُوت إلى السّلطان، وهو مرصَّع بالجواهر واليواقيت في غلافٍ من ذهب. فأُسرَ ملك الفرنج درباسُ الكُرديّ، وأسر إبرنس الكرك إبراهيم غلام المهرانيّ.
قال: واستدعاهم السّلطان، فجلس الملك عن يمينه، ويليه إبرنس الكرك، فنظر السّلطان إلى الملك وهو يَلهَث عطشًا، فأمر له بماءٍ وثلج، فشرب وسقى البرنس، فقال السّلطان: ما أذِنتُ لك في سقيه. والتفت إلى البرنس فقال: يا ملعون يا غدّار، حَلَفت ونكثت. وجعل يعدد عليه غدراته، ثم قام إليه فضربه حلَّ كتفه، وتمَّمه المماليك، فطار عقل الملك، فأمنه السّلطان وقال: هذا كلب غَدَر غير مرَّة.
إلى أن قال: وأبيعت الأسارى بثمنٍ بخسٍ، حتى باع فقيرٌ أسيرًا بنَعل، فقيل له في ذلك فقال: أردتُ إهانتهم، ودخل القاضي ابن أبي عصرون دمشقَ وصليب الصَّلَب وت منكّسًا بين يديه، وعاد السّلطان إلى طبرية، وآمن صاحبتها، فخرجت بأموالها إلى عكّا. وأمّا القومُّص فسار من صفد إلى طرابُلسَ فمات بها، فقيل: مات من جراحاتٍ أصابته. وقيل: إنّ امرأته سمّته.
قال القاضي جمال الدّين ابن واصل (٢): اجتمعت الجحافل على رأس الماء عند الملك الأفضل ابن السّلطان، وتأخرت العساكر الحلبيّة لانشغالها
стр. 12006
بفرنج أنطاكية وبالأرمن، فدخل الملك المظفر صاحب حماة فأخمد ثائرتهم، ثم رد إلى حماة ومعه فخر الدّين مسعود ابن الزعفرانيّ على عسكر الموصل وعسكر ماردين، فلحقوا السّلطان بعشترا، ثم ساروا، وأحاطت جيوشه ببُحيرة طبرية عند قرية الصّنبرة (١)، ثم نازل طبريّة فافتتحها في ساعةٍ من نهار.
وحكى ابن الأثير (٢) عمّن أخبره عن الملك الأفضل قال: كنت إلى جانب والدي السّلطان في مُصافّ حطِّين، وهو أول مُصافٍّ شاهدته، فلما صار ملك الفرنج على التل حملوا حملةً منكرةً علينا، حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، فنظرت إليه وقد اربدَّ لونه، وأمسك بلحيته، وتقدم وهو يصيح: كذب الشيطان. فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا إلى التل. فلمّا رأيت ذلك صُحت: هزمناهم، هزمناهم، فعاد الفرنج وحملوا حملةً ثانيةً حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، وفعَل مثل ما فعل أولًا، وعطف المسلمون عليهم وألحقوهم بالتل، فصحت أنا: هزمناهم. فقال والدي: اسكُت، ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة، يعني خيمة الملك، قال: فهو يقول لي وإذا الخيمة قد سقطت، فنزل أبي وسجد وشكر الله، وبكى من فرحه، وكان سبب سقوطها أنهم عطشوا، وكانوا يرجون بالحملات الخلاص، فلما لم يجدوه نزلوا عن خيلهم وجلسوا، فصعد المسلمون إليهم، وألقوا خيمة ملكهم، وأسروهم كلّهم.
قال القاضي بهاء الدّين ابن شدّاد (٣): حدَّثني من أثَق به أنهّ لقي بحَوران شخصًا واحدًا ومعه طنب خَيمة، وفيه نيّفٌ وثلاثون أسيرًا يجرهم وحده لخذلانٍ وقع عليهم.
ومن إنشاءٍ عمادي إلى الخليفة: الحمد لله الذي أعاد الإسلام جديدًا .. إلى أن قال: ونورد البُشرى بما أنعم اللَّه من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى الخميس الآخر، تلك سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسُوما، فيوم الخميس فُتحت طبرية، ويوم الجمعة والسبت نُوزل الفرنج فكُسِروا كسرةً ما
стр. 12007
لهم بعدها قائمة، وفي يوم الخميس سلخ الشهر فُتحت عكا بالأمان، ورُفعت بها أعلام الإيمان، وهي أمُّ البلاد، وأخت إرمَ ذات العماد، إلى أن قال: فأمّا القتلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفًا، يعني في وقعة حطّين وما حولها في هذا الأسبوع.
وقد ذكر العماد أيضًا أنّه خُلّص من هذه السنة من أسر الكُفر أكثر من عشرين ألف أسير، ووقع في الأسر من الكفار مائة ألف أسير. هكذا قال.
ثم سار السّلطان إلى عكا فوصلها بعد خمسة أيامٍ من الوقعة، فأخذها بالأمان، وملَكها بلا مشقة. وبلغ السّلطان الملك العادل هذا النصرُ العظيمُ، فخرج من مصر بالجيوش، فمرّ بيافا ومجدل فافتتحهما عنوةً، وغنم من الأموال ما لا يوصف. ثم فتح الله الناصرة وصفورية على يد مظفر الدّين صاحب إربل عنوةً، وفُتحت قيسارية على يد دلدرم وغرس الدّين قليج عَنوة، ونابلس على يد حسام الدّين لاجين بالأمان بعد قتالٍ شديد، ثم حصن الفولة بالأمان.
ثم نازل السّلطان تبنين فافتتحها، ثم صيدا فافتتحها، ثم بيروت ثم جُبَيل، ثم سار إلى عسقلان فحاصرها وضيّق عليها بالقتال والمجانيق، ثم أخذها بالأمان. وأخذ الرملة، والدّاروم، وغزّة، وبيت جبريل، والنَّطرُون بالأمان.
ثم سار مؤيدًا منصورًا إلى البيت المقدس، فنزل عليه من غربيه في نصف رجب، وكان بها يومئذٍ ستون ألف مقاتل. فقاتلهم المسلمون أشد قتال، ثم انتقل السّلطان بعد خمسٍ إلى الجانب الشمالي من البلد ونصب المجانيق ووقع الجدّ، فطلب الفِرنج الأمان، فأمَّنهم بعد تمنُّع، وقرر على كل رجلٍ عشرة دنانير، وعلى كل امرأةٍ خمسة دنانير، وعلى كل صغير أو صغيرةٍ دينارين، وإن من عجز أُمهل أربعين يومًا، ثم يُسترقّ، فأجابوا إلى ذلك وجمع المال فكان سبعمائة ألف دينار، فقسّمه في الجيش. وبقي ثلاثون ألفًا ليس لهم فكاك، فاستعبدهم وفرَّقهم. وخلّص من أسارى المسلمين عشرين ألفًا، وخرج منها البترَك بأموالٍ لا تُحصى، فأراد الأمراء الغدر به فمنعهم وخَفَره، وقال: الوفاء خير من الغدر، وهذا البترك عندهم أعظم رُتبةً من ملك الفرنج.
وكان هرب إلى بيت المقدس من الكبار صاحب الرملة ياليان بن
стр. 12008
بادران (١)، وهو دون ملك الفرنج في الرُّتبة بقليل، وخلق كثير من كبار فرسانهم، ورأوا أن الموت أهون عليهم من أخذ المسلمين القدس من أيديهم إذ هو بيت عباداتهم الأعظم، ومحلّ تجسُّد الناسوت فيما زعموا باللاهوت - تعالى اللَّه وتقدَّس عما يقولون عُلوًا كبيرًا - وبه قُمامة التي تُدعى القيامة محلّ ضلالتهم وقبلة جهالتهم، زعموا أنّ المسيح دُفن بعد الصَّلب بها ثلاثة أيام، ثم قام من القبر، وصعد إلى السماء، فبالغوا في تحصينه بكل طريق. فنازله السّلطان، وما وجد عليه موضعًا أقرب إلا من جهة الشمال فنزل عليه، واشتد الحرب، وبقيت الفرسان تخرج من المدينة وتحمل وتقاتل أشد القتال وأقواه، ثم إن المسلمين حملوا عليهم يومًا حتّى أدخلوهم القدس، ولصقوا بالخندق، ثمّ أخذوا في النُّقوب، وتتابع الرمي بالمجانيق من الفريقين ووقع الجدّ، واجتمعت الفرنج، فاتفقوا على طلب الأمان، فامتنع السّلطان - أيده اللَّه - من إجابتهم فقال: لا أفعل فيه إلاّ كما فعلتم بأهله حين ملكتموه من نحو تسعين سنة. فرجعت رُسُلهم خائبين. فخرج صاحب الرملة ياليان بنفسه فطلب الأمان فلم يعط، فاستعطف السّلطان فامتنع، فلما أيس قال: نحن خلقٌ كثير وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ورغبةً في الحياة، فإذا رأينا أن الموت لا بد منه لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا، ولا ندع لكم شيئًا، فإذا فرغنا أخربنا الصَّخرة والأقصى، وقتلنا الأسرى، وهم خمسة آلاف مسلم، وقتلنا الدّوابّ، ثمّ خرجنا إليكم وقاتلنا قتال الموت، فلا يُقتل مّنا رجل حتّى يقتل رجلًا ونموت أعزاء، فاستشار حينئذٍ السّلطان أمراءه فقالوا: المصلحة الأمان. وقالوا: نحسب أنهم أسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم. فأمنهم بشرط أن يزن كل رجلٍ عشرة دنانير، وكل امرأةٍ خمسة دنانير، والطفل دينارين.
ثم رفعت أعلام الإسلام على السُّور، ورتّب السّلطان أمناءه على أبواب القدس ليأخذوا المال ممّن يخرج، وكان بها ستّون ألفًا سوى النساء والولدان. ووزن ياليان من عنده عن ثمانية عشر ألف رجل. ثم بعد ذلك أُسر منها عشرة آلاف نفس فقراء لم يقدروا على شراء أنفسهم.
ثم إن جماعةً من الأمراء ادعوا أنّ لهم في القدس رعيَّة، فكان يطلقهم
стр. 12009
كمظفّر الدّين ابن صاحب إربل ادَّعى أنّ جماعة من أهل الرُّها بالقدس وعدّتهم ألف نفس. وكذلك صاحب البيرة ادّعى أنّ فيها خمسمائة نفس من أهل البيرة.
وكان على رأس قبة الصخرة صليبٌ كبيرٌ مذهّب، فطلع المسلمون ورموه، وضجّ الخلق ضجَّةً عظيمةً إلى الغاية.
وكان المسجد الأقصى مشغولًا بالخنازير والخبَث والأبنية، بنَت الدّاويةُ في غربيه مساكن وفيها المراحيض، وسدوا المحراب، فبادر المسلمون إلى تنظيفه وتطهيره، وبسطوا فيه البُسط الفاخرة، وعلقت القناديل، وخطب به الناس يوم الجمعة، وهو رابع شعبان، القاضي محيي الدّين ابن الزّكيّ، وتسامع الناس، وتسارعوا من كل فجٍّ وقُربٍ وبُعدٍ للزيارة، وازدحموا يوم هذه الجمعة حتى فاتوا الإحصاء، وحضر السّلطان فصّلى بقرب الصخرة، وفرح إذ جعله اللَّه تعالى في هذا الفتح ثانيًا لعمر ﵁، فاستفتح القاضي خطبته بقوله تعالى: (فقُطعَ دابِرُ القومِ الذين ظلمُوا والحمد للَّه ربِّ العالمينَ)، ثمّ أوّل الأنعام، وآخر سُبحان، وأول الكهف، وحمدَلة النَّمل، وأول سبأ، وفاطر، ثم قال: الحمد للَّه مُعز الإسلام بنصره. . إلى آخرها. ثم خطب ثلاث جُمعٍ بعدها من إنشائه.
وقد كان الملك نور الدّين أنشأ منبرًا برسم الأقصى قبل فتح بيت المقدس طمعًا في أن يفتتحه، ولم تزل نفسه تحدثه بفتحه، وكان بحلب نجّار فائق الصَّنعة، فعمل لنور الدّين هذا المنبر على أحسن نعتٍ وأجمله وأبدعه، فاحترق جامع حلب، فنُصب فيه لما جُدّد المنبر المذكور، ثم عمل النّجّار المذكور ويُعرف بالأخترينيّ، نسبةً إلى قرية أخترين، محرابًا من نسبة ذلك المنبر، فلما افتتح السّلطان بيت المقدس أمر بنقل المنبر فنصب إلى جانب محراب الأقصى، فلله الحمد على هذه النعم التي لا تُحصى.
وقد كانت الفرنج بنوا على الصخرة كنيسةً، وغيّروا أوضاعها وصوروها، ونصبوا مذبحًا، وعملوا على موضع القدم قُبةً لطيفةً مذهَّبةً بأعمدة رخام، فخربت تلك الأبنية عن الصخرة وأُبرزت. وكانت الفرنج قد قطعوا منها قطعًا، وحملوها إلى القسطنطينية وإلى صقلية، حتى قيل: كانوا يبيعونها بوزنها ذهبًا.
стр. 12010
وحضر الملك المظفَّر تقيّ الدّين فحمل إليها أحمالًا من ماء الورد فغسلها بها، وكنس ساحاتها بيده، وغسل جدرانها، ثم بخَّرها بالطِّيب، وحضر الملك الأفضل ابن السّلطان ففرش فيها بُسطًا نفيسة، ورتب الأئمة والمؤذنين والقُوَّام. ثم عين السّلطان كنيسة صندجية وصيَّرها مدرسةً للشافعية ووقف عليها وقوفًا جليلة. وقرَّر دار البترك الأعظم رباطًا للفقراء، ومحا آثار النصرانية، وأمر بإغلاق كنيسة قُمامة، ومنع النصارى من ريادتها. ثم تقرر بعدُ على من زارها ضريبة تؤخذ منه.
ولما افتتح عمر بيت المقدس أقرَّ هذه الكنيسة ولم يهدمها، ولهذا أبقاها السّلطان.
وللنَّسَّابة محمد بن أسعد الجواني نقيب الأشراف بمصر:
أتُرى منامًا ما بعيني أُبصرُ … القدسُ يُفتح والنَّصارى تكسرُ؟
وقمامة قمت منَ الرجس الَّذِي … بزواله وزوالها يتطهَّرُ
ومليكهم فِي القيد مصفودٌ ولم … يُرَ قبل ذاك لهم مليك يؤسَرُ
قَدْ جاء نصر اللَّه والفتحُ الَّذِي … وعد الرسولُ فسبّحوا واستغفروا
يا يوسف الصِّدِّيق أنت بفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهرُ
قال أبو المظفر ابن الجوزي (١): ولمّا افتتح السّلطان عكّا راح إلى تِبنين فتسلمها بالأمان، وتسلَّم صيدا، وبيروت، وجُبيل، وغزة، والداروم، والرملة، وبينا، وبيت جبريل، وبلد الخليل، ونازل عسقلان فقُتل عليها حسام الدّين ابن المهراني ثم تسلمها. فكان مدة استيلاء الفرنج عليها خمسًا وثلاثين سنة، إلى أن قال: ملك السّلطان هذه الأماكن في أربعين يومًا أولها ثامن عشر جمادى الأولى، ثم نازل القدس، إلى أن قال: وخلّص من الأسر بعكا أربعة آلاف، ومن القدس ثلاثة آلاف، فلله الحمد.
وقال ابن الأثير (٢): سار السّلطان عن بيروت نحو عسقلان، واجتمع بأخيه العادل سيف الدين، ونازلوها في سادس جُمادى الآخرة، وزحفوا عليها مرةً بعد أخرى، وأُخذت بالأمان في سلخ الشهر وسار أهلها إلى بيت