← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.

стр. 12006

بفرنج أنطاكية وبالأرمن، فدخل الملك المظفر صاحب حماة فأخمد ثائرتهم، ثم رد إلى حماة ومعه فخر الدّين مسعود ابن الزعفرانيّ على عسكر الموصل وعسكر ماردين، فلحقوا السّلطان بعشترا، ثم ساروا، وأحاطت جيوشه ببُحيرة طبرية عند قرية الصّنبرة (١)، ثم نازل طبريّة فافتتحها في ساعةٍ من نهار. وحكى ابن الأثير (٢) عمّن أخبره عن الملك الأفضل قال: كنت إلى جانب والدي السّلطان في مُصافّ حطِّين، وهو أول مُصافٍّ شاهدته، فلما صار ملك الفرنج على التل حملوا حملةً منكرةً علينا، حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، فنظرت إليه وقد اربدَّ لونه، وأمسك بلحيته، وتقدم وهو يصيح: كذب الشيطان. فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا إلى التل. فلمّا رأيت ذلك صُحت: هزمناهم، هزمناهم، فعاد الفرنج وحملوا حملةً ثانيةً حتى ألحقوا المسلمين بوالدي، وفعَل مثل ما فعل أولًا، وعطف المسلمون عليهم وألحقوهم بالتل، فصحت أنا: هزمناهم. فقال والدي: اسكُت، ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة، يعني خيمة الملك، قال: فهو يقول لي وإذا الخيمة قد سقطت، فنزل أبي وسجد وشكر الله، وبكى من فرحه، وكان سبب سقوطها أنهم عطشوا، وكانوا يرجون بالحملات الخلاص، فلما لم يجدوه نزلوا عن خيلهم وجلسوا، فصعد المسلمون إليهم، وألقوا خيمة ملكهم، وأسروهم كلّهم. قال القاضي بهاء الدّين ابن شدّاد (٣): حدَّثني من أثَق به أنهّ لقي بحَوران شخصًا واحدًا ومعه طنب خَيمة، وفيه نيّفٌ وثلاثون أسيرًا يجرهم وحده لخذلانٍ وقع عليهم. ومن إنشاءٍ عمادي إلى الخليفة: الحمد لله الذي أعاد الإسلام جديدًا .. إلى أن قال: ونورد البُشرى بما أنعم اللَّه من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى الخميس الآخر، تلك سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسُوما، فيوم الخميس فُتحت طبرية، ويوم الجمعة والسبت نُوزل الفرنج فكُسِروا كسرةً ما

стр. 12007

لهم بعدها قائمة، وفي يوم الخميس سلخ الشهر فُتحت عكا بالأمان، ورُفعت بها أعلام الإيمان، وهي أمُّ البلاد، وأخت إرمَ ذات العماد، إلى أن قال: فأمّا القتلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفًا، يعني في وقعة حطّين وما حولها في هذا الأسبوع. وقد ذكر العماد أيضًا أنّه خُلّص من هذه السنة من أسر الكُفر أكثر من عشرين ألف أسير، ووقع في الأسر من الكفار مائة ألف أسير. هكذا قال. ثم سار السّلطان إلى عكا فوصلها بعد خمسة أيامٍ من الوقعة، فأخذها بالأمان، وملَكها بلا مشقة. وبلغ السّلطان الملك العادل هذا النصرُ العظيمُ، فخرج من مصر بالجيوش، فمرّ بيافا ومجدل فافتتحهما عنوةً، وغنم من الأموال ما لا يوصف. ثم فتح الله الناصرة وصفورية على يد مظفر الدّين صاحب إربل عنوةً، وفُتحت قيسارية على يد دلدرم وغرس الدّين قليج عَنوة، ونابلس على يد حسام الدّين لاجين بالأمان بعد قتالٍ شديد، ثم حصن الفولة بالأمان. ثم نازل السّلطان تبنين فافتتحها، ثم صيدا فافتتحها، ثم بيروت ثم جُبَيل، ثم سار إلى عسقلان فحاصرها وضيّق عليها بالقتال والمجانيق، ثم أخذها بالأمان. وأخذ الرملة، والدّاروم، وغزّة، وبيت جبريل، والنَّطرُون بالأمان. ثم سار مؤيدًا منصورًا إلى البيت المقدس، فنزل عليه من غربيه في نصف رجب، وكان بها يومئذٍ ستون ألف مقاتل. فقاتلهم المسلمون أشد قتال، ثم انتقل السّلطان بعد خمسٍ إلى الجانب الشمالي من البلد ونصب المجانيق ووقع الجدّ، فطلب الفِرنج الأمان، فأمَّنهم بعد تمنُّع، وقرر على كل رجلٍ عشرة دنانير، وعلى كل امرأةٍ خمسة دنانير، وعلى كل صغير أو صغيرةٍ دينارين، وإن من عجز أُمهل أربعين يومًا، ثم يُسترقّ، فأجابوا إلى ذلك وجمع المال فكان سبعمائة ألف دينار، فقسّمه في الجيش. وبقي ثلاثون ألفًا ليس لهم فكاك، فاستعبدهم وفرَّقهم. وخلّص من أسارى المسلمين عشرين ألفًا، وخرج منها البترَك بأموالٍ لا تُحصى، فأراد الأمراء الغدر به فمنعهم وخَفَره، وقال: الوفاء خير من الغدر، وهذا البترك عندهم أعظم رُتبةً من ملك الفرنج. وكان هرب إلى بيت المقدس من الكبار صاحب الرملة ياليان بن

стр. 12008

بادران (١)، وهو دون ملك الفرنج في الرُّتبة بقليل، وخلق كثير من كبار فرسانهم، ورأوا أن الموت أهون عليهم من أخذ المسلمين القدس من أيديهم إذ هو بيت عباداتهم الأعظم، ومحلّ تجسُّد الناسوت فيما زعموا باللاهوت - تعالى اللَّه وتقدَّس عما يقولون عُلوًا كبيرًا - وبه قُمامة التي تُدعى القيامة محلّ ضلالتهم وقبلة جهالتهم، زعموا أنّ المسيح دُفن بعد الصَّلب بها ثلاثة أيام، ثم قام من القبر، وصعد إلى السماء، فبالغوا في تحصينه بكل طريق. فنازله السّلطان، وما وجد عليه موضعًا أقرب إلا من جهة الشمال فنزل عليه، واشتد الحرب، وبقيت الفرسان تخرج من المدينة وتحمل وتقاتل أشد القتال وأقواه، ثم إن المسلمين حملوا عليهم يومًا حتّى أدخلوهم القدس، ولصقوا بالخندق، ثمّ أخذوا في النُّقوب، وتتابع الرمي بالمجانيق من الفريقين ووقع الجدّ، واجتمعت الفرنج، فاتفقوا على طلب الأمان، فامتنع السّلطان - أيده اللَّه - من إجابتهم فقال: لا أفعل فيه إلاّ كما فعلتم بأهله حين ملكتموه من نحو تسعين سنة. فرجعت رُسُلهم خائبين. فخرج صاحب الرملة ياليان بنفسه فطلب الأمان فلم يعط، فاستعطف السّلطان فامتنع، فلما أيس قال: نحن خلقٌ كثير وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ورغبةً في الحياة، فإذا رأينا أن الموت لا بد منه لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا، ولا ندع لكم شيئًا، فإذا فرغنا أخربنا الصَّخرة والأقصى، وقتلنا الأسرى، وهم خمسة آلاف مسلم، وقتلنا الدّوابّ، ثمّ خرجنا إليكم وقاتلنا قتال الموت، فلا يُقتل مّنا رجل حتّى يقتل رجلًا ونموت أعزاء، فاستشار حينئذٍ السّلطان أمراءه فقالوا: المصلحة الأمان. وقالوا: نحسب أنهم أسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم. فأمنهم بشرط أن يزن كل رجلٍ عشرة دنانير، وكل امرأةٍ خمسة دنانير، والطفل دينارين. ثم رفعت أعلام الإسلام على السُّور، ورتّب السّلطان أمناءه على أبواب القدس ليأخذوا المال ممّن يخرج، وكان بها ستّون ألفًا سوى النساء والولدان. ووزن ياليان من عنده عن ثمانية عشر ألف رجل. ثم بعد ذلك أُسر منها عشرة آلاف نفس فقراء لم يقدروا على شراء أنفسهم. ثم إن جماعةً من الأمراء ادعوا أنّ لهم في القدس رعيَّة، فكان يطلقهم

стр. 12009

كمظفّر الدّين ابن صاحب إربل ادَّعى أنّ جماعة من أهل الرُّها بالقدس وعدّتهم ألف نفس. وكذلك صاحب البيرة ادّعى أنّ فيها خمسمائة نفس من أهل البيرة. وكان على رأس قبة الصخرة صليبٌ كبيرٌ مذهّب، فطلع المسلمون ورموه، وضجّ الخلق ضجَّةً عظيمةً إلى الغاية. وكان المسجد الأقصى مشغولًا بالخنازير والخبَث والأبنية، بنَت الدّاويةُ في غربيه مساكن وفيها المراحيض، وسدوا المحراب، فبادر المسلمون إلى تنظيفه وتطهيره، وبسطوا فيه البُسط الفاخرة، وعلقت القناديل، وخطب به الناس يوم الجمعة، وهو رابع شعبان، القاضي محيي الدّين ابن الزّكيّ، وتسامع الناس، وتسارعوا من كل فجٍّ وقُربٍ وبُعدٍ للزيارة، وازدحموا يوم هذه الجمعة حتى فاتوا الإحصاء، وحضر السّلطان فصّلى بقرب الصخرة، وفرح إذ جعله اللَّه تعالى في هذا الفتح ثانيًا لعمر ﵁، فاستفتح القاضي خطبته بقوله تعالى: (فقُطعَ دابِرُ القومِ الذين ظلمُوا والحمد للَّه ربِّ العالمينَ)، ثمّ أوّل الأنعام، وآخر سُبحان، وأول الكهف، وحمدَلة النَّمل، وأول سبأ، وفاطر، ثم قال: الحمد للَّه مُعز الإسلام بنصره. . إلى آخرها. ثم خطب ثلاث جُمعٍ بعدها من إنشائه. وقد كان الملك نور الدّين أنشأ منبرًا برسم الأقصى قبل فتح بيت المقدس طمعًا في أن يفتتحه، ولم تزل نفسه تحدثه بفتحه، وكان بحلب نجّار فائق الصَّنعة، فعمل لنور الدّين هذا المنبر على أحسن نعتٍ وأجمله وأبدعه، فاحترق جامع حلب، فنُصب فيه لما جُدّد المنبر المذكور، ثم عمل النّجّار المذكور ويُعرف بالأخترينيّ، نسبةً إلى قرية أخترين، محرابًا من نسبة ذلك المنبر، فلما افتتح السّلطان بيت المقدس أمر بنقل المنبر فنصب إلى جانب محراب الأقصى، فلله الحمد على هذه النعم التي لا تُحصى. وقد كانت الفرنج بنوا على الصخرة كنيسةً، وغيّروا أوضاعها وصوروها، ونصبوا مذبحًا، وعملوا على موضع القدم قُبةً لطيفةً مذهَّبةً بأعمدة رخام، فخربت تلك الأبنية عن الصخرة وأُبرزت. وكانت الفرنج قد قطعوا منها قطعًا، وحملوها إلى القسطنطينية وإلى صقلية، حتى قيل: كانوا يبيعونها بوزنها ذهبًا.

стр. 12010

وحضر الملك المظفَّر تقيّ الدّين فحمل إليها أحمالًا من ماء الورد فغسلها بها، وكنس ساحاتها بيده، وغسل جدرانها، ثم بخَّرها بالطِّيب، وحضر الملك الأفضل ابن السّلطان ففرش فيها بُسطًا نفيسة، ورتب الأئمة والمؤذنين والقُوَّام. ثم عين السّلطان كنيسة صندجية وصيَّرها مدرسةً للشافعية ووقف عليها وقوفًا جليلة. وقرَّر دار البترك الأعظم رباطًا للفقراء، ومحا آثار النصرانية، وأمر بإغلاق كنيسة قُمامة، ومنع النصارى من ريادتها. ثم تقرر بعدُ على من زارها ضريبة تؤخذ منه. ولما افتتح عمر بيت المقدس أقرَّ هذه الكنيسة ولم يهدمها، ولهذا أبقاها السّلطان. وللنَّسَّابة محمد بن أسعد الجواني نقيب الأشراف بمصر: أتُرى منامًا ما بعيني أُبصرُ … القدسُ يُفتح والنَّصارى تكسرُ؟ وقمامة قمت منَ الرجس الَّذِي … بزواله وزوالها يتطهَّرُ ومليكهم فِي القيد مصفودٌ ولم … يُرَ قبل ذاك لهم مليك يؤسَرُ قَدْ جاء نصر اللَّه والفتحُ الَّذِي … وعد الرسولُ فسبّحوا واستغفروا يا يوسف الصِّدِّيق أنت بفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهرُ قال أبو المظفر ابن الجوزي (١): ولمّا افتتح السّلطان عكّا راح إلى تِبنين فتسلمها بالأمان، وتسلَّم صيدا، وبيروت، وجُبيل، وغزة، والداروم، والرملة، وبينا، وبيت جبريل، وبلد الخليل، ونازل عسقلان فقُتل عليها حسام الدّين ابن المهراني ثم تسلمها. فكان مدة استيلاء الفرنج عليها خمسًا وثلاثين سنة، إلى أن قال: ملك السّلطان هذه الأماكن في أربعين يومًا أولها ثامن عشر جمادى الأولى، ثم نازل القدس، إلى أن قال: وخلّص من الأسر بعكا أربعة آلاف، ومن القدس ثلاثة آلاف، فلله الحمد. وقال ابن الأثير (٢): سار السّلطان عن بيروت نحو عسقلان، واجتمع بأخيه العادل سيف الدين، ونازلوها في سادس جُمادى الآخرة، وزحفوا عليها مرةً بعد أخرى، وأُخذت بالأمان في سلخ الشهر وسار أهلها إلى بيت

стр. 12011

المقدس، وتسلّم البلد لثلاثٍ بقين من رجب. وأنقذه اللَّه من النصارى الأنجاس بعد إحدى وتسعين سنة، فلما كان يوم الجمعة رابع شعبان أقيمت الجمعة بالمسجد الأقصى، وخطب للناس قاضي القضاة محيي الدّين ابن الزَّكيّ خطبة مونقة بليغة، وابتدأ السّلطان في إصلاح المسجد الأقصى والصخرة، ومحو آثار الفرنج وشعارهم. وتنافس الملوك معه في عمل المآثر الحسنة والآثار الجميلة، فرزقنا اللَّه شُكر هذه النعم، ورحم اللَّه صلاح الدّين وأسكنه الجنّة. وللعماد الكاتب يصف وقعة حطين (١): حتى إذا أسفر الصباح خرج الجاليشية تحرق نيران النصال أهل النار، ورنَّت القسيّ، وغنَّت الأوتار، واليوم ذاكٍ، والحرب شاكٍ، والقيظ عليهم فيض، وماء للغيظ منهم غيض، وقد وَقَدَ الحرّ، واستشرى الشرّ، ووقع الكر والفرّ، والجو محرق، والجوى مقلق، وأصبح الجيش على تعبيته، والنصر على تلبيته. قال: وبرَّح بالفرنج العطش، وأبت عثرتها تنتعش، فرمى بعض مطوِّعة المجاهدين النار في الحشيش، فتأجج عليهم استعارها، فرجا الفرنج فرجًا، وطلب طلبهم المحرج مخرجًا. وكلما خرجوا جُرحوا، وبرح بهم حرّ الحرب فما برحوا، فشوتهم نار السهام وأشوتهم، وصممت عليهم قلوب القسي القاسية وأصمتهُم. وقال: وفتحوا عكا يوم الجمعة مستهل جُمادى الأولى، فجئنا إلى كنيستها العظمى، فأزحنا عنها البؤسى بالنُّعمى، وحضر الأجل الفاضل فرتَّب بها المنبر والقبلة، وأول من خطب بها جمال الدّين عبد اللطيف بن أبي النّجيب السهرُورديّ، وولاّه السّلطان بها القضاء والخطابة والأوقاف. وقال في حصار القدس: أقامت المنجنيقات على حصانته حدّ الرجم، وواقعت ثنايا شرفاته بالهتم، وتطايرت الصخور في نُصرة الصخرة المباركة، وحَجَرت على حكم السور بسَفَه الأحجار المتداركة، وحسرت النقوب عن عروس البلد نقب الأسوار، وانكشفت للعيون انكشاف الأسرار. وفي رمضان توجه السلطان صلاح الدّين فنازل صور ونصب عليها

стр. 12012

المجانيق، وكان قد اجتمع بها خلقٌ لا يُحصون من الفرنج، فقاتلهم قتالًا شديدًا، وحاصرها إلى آخر السنة وترحَّل عنها، وكان قد خرج أصطول صور في الليل فكبس أصطول المسلمين، وأسروا المقدَّم والرئيس وخمس قطع، وقتلوا خلقًا من المسلمين في أواخر شوال، فعظُم ذلك على السّلطان وتألم، وهجم الشتاء والأمطار، فرحل في ثاني ذي القعدة، وأقام بمدينة عكا شهرين في خواصه. سنة أربع وثمانين وخمس مائة ترحَّل السّلطان صلاح الدّين عن صور لأنه تعذَّر عليه فتحها لكثرة من فيها وقوَّة شوكتهم. ونزل على حصن كوكب في وسط المحرَّم، فوجده حصنا لا يُرام، فرتب عليه قايماز النجمي في خمس مائة فارس، ثم قدِم دمشق وأقام بها مُديدَة. ورحل إلى بعلبك فرتَّب أمورها، ثم اجتمع هو والملك عماد الدّين زنكي بن مودود صاحب سنجار على بحيرة قَدَس، وكان قد جاء إلى السّلطان لأجل الغزاة، فجعله على ميمنته، وجعل مظفر الدّين ابن صاحب إربل على الميسرة. ثم سار السّلطان فنزل بأرض حصن الأكراد في ربيع الآخر، وبث العساكر في تخريب ضياع الفرنج، وقطّع أشجارهم ونهبهم، ثم رحل إلى أنطرَطُوس، فافتتحها عَنوةً، وسار إلى جَبَلَة فتسلمها عنوة في ساعتين، ثم تسلَّم بكّاس والشُّغر وسلمها إلى الأمير غرس الدّين قليج والد الأميرين سيف الدّين وعماد الدين، ثم سيَّر ولده الملك الظاهر إلى سرمانية فهدمها. قال العماد الكاتب: فهذه ستّ مدن وقلاع فُتحت في ست جُمَع تباع جَبَلَة، واللاذقية، وصهيون، والشغر، وبَكّاس، وسرمانية. ثم نازل السّلطان حصن بَرزَيَة في جمادى الآخرة، وضربه بالمجانيق وأخذه بالأمان، وسلمه إلى الأمير عز الدّين ابن شمس الدّين ابن المقدّم، ثم رحل إلى دربساك فتسلمها، ثم رحل إلى بغراس فتسلّمها. ثم عزم على قصد أنطاكية، فرغب صاحبها البرنس في الهدنة، فهادنه السّلطان. ثم رحل، وودعه عماد الدّين زنكي، وعاد إلى سنجار. وأقام السّلطان بحلب أيامًا، ثم قدَم حماة وضيفه تقي الدّين عمر،

стр. 12013

فأعطاه الجبلة واللاذقية، وسار على طريق بعلبك في شعبان، ودخل دمشق وخرج منها في أوائل رمضان طالبًا للغزاة. وأما الملك العادل أخوه فكان نازلًا على تبنين بعساكر مصر متحرّزًا على البلاد من غائلة العدو. وكان صهره سعد الدّين كمشتية الأسدي مُوَكلًا بحصار الكرك، فضاقت الميرة عليهم، ويئسوا من نجدةٍ تأتيهم، فتضرعوا إلى الملك العادل، وترددت الرسل منهم، وهو يشدد حتى دخلوا تحت حكمه، وسلّموا الحصن إلى المسلمين في رمضان لفرط ما نالهم من الجوع والقحط. ثم تسلّم السّلطان الشوبك بالأمان. وسار السّلطان إلى صفد فنازلها، ووصل إليه أخوه العادل، ودام الحصار عليها إلى ثامن شوال وأُخذت بالأمان، وكان أهلها قد قاربت ذخائرهم وأقواتهم أن تنفد، فلهذا سلّموها، ولو اتكل أخذُها وأخذ الكرك إلى فتحها بأسباب الحصار والنقوب لطال الأمر جدًا. ثم سار إلى حصن كوكب ونازلها وحاصرها، وأخذها بالأمان في نصف ذي القعدة. ثم قصد بيت المقدس فدخلها في ثامن ذي الحجة هو وأخوه فعيَّد. وسار إلى عسقلان فرتب أمورها، وجهَّز أخاه إلى مصر. ثم رحل صوب عكا ووصلها في آخر السنة. قال صاحب مرآة الزمان (١): وكل صلاح الدّين بحصار كوكب قايماز النجمي، ووكّل بصفد طغريل، وبعث إلى الكرك والشوبك كوخيا وهو صهر السّلطان. وسار في الساحل ففتح أنطرسوس، وكان بها برجان عظيمان، فخربهما، وقتل من كان فيهما. وأما جَبَلَة فأرسل قاضيها منصور بن نبيل يشير على السّلطان بقصدهما، وأخذ أمانًا لأهل جَبَلَة. وكان إبرنس أنطاكية قد سلَّمها إلى القاضي منصور ووثق به في حفظها، فنازلها صلاح الدّين وأخذها. وامتنع عليه الحصن يومًا، وتسلّمه بالأمان. وسار إلى اللاذقية، وهي بلد كبير على الساحل، بها قلعتان على تلّ،

стр. 12014

ولها ميناء من أحسن المواضع، وهي من أطيب البلاد، فحصرها أيامًا، وافتتحها، وأخذ منها غنائم كثيرة، ثم نازل القلعتين، وغلّقت النّقوب، فصاحوا الأمان، وساروا إلى أنطاكية. قال العماد: ولقد كثر تأسُّفي على تلك العمارات كيف زالت، وعلى تلك الحالات كيف حالت. وسار فنازل صهيون، وهي حصينة في طرف الجبل، ليس لها خندق محفور إلاّ من ناحية واحدة، طوله ستون ذراعًا، نُقر في حجر، ولها ثلاثة أسوار. وكان على قُلّتها عَلَمٌ طويل عليه صليب، فلما شارفها المسلمون وقع الصليب، فاستبشروا ونصبوا عليها المناجيق، وأخذوها بالأمان في ثلاثة أيام، ثم سلّمها إلى الأمير ناصر الدّين منكورس ابن الأمير خُمارتكين، فسكنها وحصَّنها. وكان من سادة الأمراء وعقلائهم. توفي وهو مالك صهيون. وولي بعده ولده مظفر الدّين عثمان، ثم وليها بعده سيف الدّين محمد بن عثمان إلى بعد السبعين وست مائة. وبثَّ السّلطان عسكره وأولاده فأخذوا حصون تلك الناحية مثل بلاطُنس، وقلعة الجماهريين، وبكّاس، والشُّغر، وسرمانية، ودربساك، وبغراس، وبرزية، قال: وعُلُوّ قلعة برزية خمسمائة ونيفٌ وسبعون ذراعًا، لأنها على سنِّ جبلٍ شاهقٍ، ومن جوانبها أودية، فسلم دربساك إلى علم الدّين سليمان بن جندر، وهي قلعة قريبة من أنطاكية. ثم سار يقصد أنطاكية، فراسله صاحبها وقدَّم له. وكانت العساكر المشرقيّة قد ضجرت وخصوصًا عماد الدّين صاحب سنجار، فطال عليه المُقام. فهادن السّلطان صاحب أنطاكية ثمانية أشهر على أن يُطلق الأسارى. ودخل إلى حلب فبات بها ليلة وعاد إلى دمشق. وأعطى تقي الدّين عمر صاحب حماة جَبَلَة واللاذقية. وقال ابن الأثير (١): نزل صلاح الدّين تحت حصن الأكراد، وكنت معهم، فأتاه قاضي جَبَلَة منصور بن نبيل، وكان مسموع القول عند بيمند صاحب أنطاكية وجَبَلَة، وله الحُرمة الوافرة، ويحكم على جميع المسلمين

стр. 12015

بجبَلَة ونواحيها، فحملته غيرة الدّين على قصد السّلطان، وتكفَّل له بفتح جبلَة واللاذقية والبلاد الشمالية، فسار صلاح الدّين معه فأخذ أًنطرطُوس، وسار إلى المرقب، وهو من حصونهم التي لا تُرام، ولا يحدّث أحد نفسه بملكه لعُلُوّه وامتناعه، ولا طريق إلى جبلَة إلاّ من تحته. ثم ساق عز الدّين ابن الأثير فتوحات الحصون المذكورة بعبارةٍ طويلة واضحة، لأن عز الدّين حضر هذه الفتوحات الشمالية. ثم ذكر بعدها فتح الكرك، والشوبك وما جاور تلك الناحية من الحصون الصغار. ثم ذكر فتح صفد، وكوكب، إلى أن قال (١): فتسلّم حصن كوكب في نصف ذي القعدة، وأمنهم وسيَّرهم إلى صور، فاجتمع بها شياطين الفرنج وشجعانهم، واشتدت شوكتهم، وتابعوا الرُّسل إلى جزائر البحر يستغيثون، والأمداد كلّ قليل تأتيهم. وكان ذلك بتفريط صلاح الدّين في إطلاق كل من حضره، حتى عضّ بنانه ندمًا وأسفًا حيث لم ينفعه ذلك. وتمّ للمسلمين بفتح كوكب من حد أيلة إلى بيروت، لا يفصل بين ذلك غير مدينة صور. أنبأني ابن البُزُوريّ قال: وفي المحرّم خرج الوزير جلال الدّين ابن يونس للقاء السّلطان طُغرل بن رسلان شاه في العساكر الديوانية، واستنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ ابن البخاري. وفي ربيع الأول كان المُصافّ بين الوزير ابن يونس وطُغرل، وحرَّض الوزير أصحابه وكان فيما يقول: مَن هاب خاب، ومَن أقدم أصاب، ولكل أجلٍ كتاب. فلما ظهر له تقاعس عساكره عن الإقدام، وزلت بهم الأقدام، تأسَّف على فوت المُرام، وثبت في نفرٍ يسير كالأسير، وبيده سيف مشهور، ومُصحف منشور، لا يقدم لهيبته أحدٌ عليه، بل ينظرون إليه فأقدم بعض خواص طُغرل وجاء فأخذ بعنان دابته، وقادها إلى خيمته، ثم أنزله وأجلسه، فجاء إليه السّلطان في خواصه ووزيره، فلزم معهم الأدب وقانون الوزارة، ولم يقم إليهم، فعجبوا من فِعله، وكلَّمهم بكلام خشن، فلم يزل السّلطان طُغرل له مُكرِمًا، ولمنزلته محترمًا، إلى حين عوده.

стр. 12016

وأما أبو المظفر فقال في المرآة (١): أخذ ابن يونس وكان محلوق الرأس، فأُحضر بين يدي السّلطان طُغرل، فألبسه طرطورًا أحمر فيه خلاخل، وجعل يضحك عليه، ولم يرجع إلى بغداد من العسكر إلاّ القليل، تقطعوا في الجبال، وماتوا جوعًا وعطشًا، وعمل الناس الأشعار فيها. قال: ثم كتب الخليفة إلى بكتمر صاحب خِلاط ليطلب ابن يونس من طُغرُل، وكان قزل أخو البهلوان قد حشد وجمع، والتقى طغرل على هَمذان، فانهزم طغرل إلى خلاط ومعه ابن يونس، فأنكر عليه بكتمر ما فعله بالوزير وعسكر الخليفة، فقال له: هم بدؤوني وبغوا عليَّ، فقال له: أطلق الوزير. فلم يُمكنه مخالفته فأطلقه، فبعث إليه بكتمر الخيل والمماليك، فردّ الجميع، وأخذ بغلين ببرذعتين، وركب هو بغلًا وغلامه بغلا، وسار في زيّ صوفي، وقدم الموصل، فانحدر في سفينة متنكرًا. وفي ربيع الأول عُزل قاضي القضاة أبو طالب عن نيابة الوزارة. وفي شعبان وُلّي الوزارةَ ببغداد شهاب الدّين أبو المعالي سعيد بن حديدة. وفي رمضان عُزل أبو طالب عليّ بن عليّ عن قضاء القضاة، وقُلده فخر الدّين أبو الحسن محمد بن جعفر العباسي. وفيه وصل الوزير جلال الدّين في سفينةٍ من الموصل، وصعد إلى داره مختفيًا. وبلغ الخليفة فكتب إلى ابن حديدة يقول: أين هو ابن يونس؟ فقال: يكون اليوم بتكريت. فقال له الخليفة: بهذه المعرفة تدبِّر دولتي؟ ابن يونس في بيته، وكان ابن حديدة بقوانين التجارة أعرف منه بقوانين الوزارة. وفي شوال عزل عن الأستاذ دارية أبو طالب بن زبادة ووُلّي عليّ بن بختيار. وفيها ثار بالقاهرة اثنا عشر من بقايا شيعة الباطنية في الليل، ونادوا: يا آلَ عليّ يا آلَ عليّ. وصاحوا في الدّروب ليلبي أحدٌ دعوتهم، فما التفت إليهم أحد، فاختفوا.

стр. 12017

وفيها وهب السّلطان أخاه العادل سيف الدّين الكرك، واستعاد منه عسقلان. سنة خمس وثمانين وخمس مائة في أوّلها قدِم فرج الخادم شحنة أصبهان رسولًا من السّلطان طُغرُل، فقدم تُحفًا وهدايا، ومضمون الرسالة الاستغفار والاعتذار، لاجئًا إلى الديوان لتقال عثرَتُه. وفي صَفَر أمر الخليفة بالدعاء بالخُطبة لولي عهده أبي نصر محمد، ونقش اسمه على الدينار والدرهم، وأن يُكتب بذلك إلى سائر البلاد. وفي صفر أيضًا وُلي أبو المظفر عُبيد اللَّه بن يونس الذي كان وزيرًا وكسره طغرُل صدرًا بالمخزن المعمور. وفيه عُزل الوزير ابن حديدة. وكانت ولايته أقل من شهر. وفي ربيع الأول وصل القاسم ابن الشهرَزُوريّ رسولًا من السّلطان صلاح الدّين وصحبته صليب الصَّلبُوت التي تزعم النصارى أن عيسى ﵇ صُلب عليه. فأُلقي بين يدي عتبة باب النُّوبيّ، فبقي أيامًا. وفي جمادى توجه مُجير الدّين طاشتكين الحاج في جيش فنزل على قلعة الحديثة وحاصرها. وفي رجب قُلِّد مؤيد الدّين محمد ابن القصاب نيابة الوزارة. وفي شوال قُتل زعيم قلعة تكريت، وتسلمها نواب الخليفة. وفي ذي القعدة عُزل صدر المخزن أبو المظفَّر عُبيد اللَّه بن يونس. وفيها وصل جماعة من الفرنج شباب مِلاح مُرد في القيود من جهة صلاح الدّين إلى الديوان العزيز، فقال فيهم قوام الدّين يحيى بن زبادة: أفدي بُدُورًا عَلَى غصونٍ … أسْرَى يُقادون فِي القيود قَدْ نُظموا فِي الحِبال حَسرى … نظْم الجُمانات فِي العقود إنْ سكنوا هَؤُلَاءِ نارًا … فهي إذًا جنّة الخلود وفيها سار السّلطان صلاح الدّين من عكا إلى دمشق فدخلها في صفر، ثم توجَّه إلى شَقِيف أرنُون فأقام بمرج برغوث أيامًا، ثم أتى مرج عيون، فنزل

стр. 12018

أرناط صاحب الشقيف صيدا إلى خدمة السّلطان فخلع عليه واحترمه، وكان من أكبر الفرنج وكان يعرف العربية، وله معرفة بالتواريخ، فسلم الحصن من غير تعب وقال: لا أقدر أُساكن الفرنج، والتمس المُقام بدمشق، ثم بدا منه غدر فقبض عليه وحبسه بدمشق، ووكل بالحصن من يحاصره، ثم بلغ السّلطان أن الفرنج قد جمعوا وحشدوا وجيشوا من مدينة صور، وساروا لحصار صيدا وعكا ليستردوها، فسار إليهم فالتقاهم، فظهر الفرنج وقُتل في سبيل الله طائفة. ثم كرّ المسلمون عليهم فردوهم حتى ازدحموا على جسرٍ هناك، فغرق مائتا نفس. ثم سار السّلطان إلى تبنين فرتب أمورها، وسار إلى عكا فأشرف عليها، وقرر بها أميرين: سيف الدّين عليّ المشطوب الكردي، وبهاء الدّين قراقوش الخادم الأبيض، وعاد فلم يلبث أن نازلت الفرنج عكا، وجاءت من البرّ والبحر، فسار السّلطان حتى نزل قبالتهم وحاربهم مراتٍ عديدة، وطال القتال عليهم، واشتد البلاء، وقتل خلقٌ من الفرنج والمسلمين إلى أن دخلت السنة الآتية والأمر كذلك. وفيها وُلي نيابة دمشق الأمير بدر الدّين مودود أخو الملك العادل لأمه. وقال ابن الأثير (١): اجتمع بصور عالم لا يُعد ولا يُحصى، ومن الأموال ما لا يَفنى. ثم إن الرهبان والقُسوس وجماعة من المشهورين لبسوا السواد، وأظهروا الحزن على بيت المقدس، فأخذهم بترك القدس، ودخل بهم بلاد الفرنج يطوف بهم ويستنفرون الفرنج، وصوروا صورة المسيح وصورة النبي ﷺ وهو يضرب المسيح وقد جرحه، فعظم ذلك على الفرنج، وحشدوا وجمعوا حتى تهيأ لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء، فحدثني رجلٌ من حصن الأكراد من أجناد أصحابه الذين سلموه إلى الفرنج قديماُ، وكان قد تاب وندم على ما كان منه في الغارة مع الفرنج على الإسلام، قال: دخلت مع جماعة من الفرنج من أهل حصن الأكراد إلى البلاد البحرية في أربعة شواني يستنجدون. قال: فانتهى بنا الطّواف إلى رومية الكبرى، فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني نُقْرة.

стр. 12019

قال ابن الأثير (١): فخرجوا على الصعب والذلول برًا وبحرًا من كل فجٍّ عميق، ولولا أن اللَّه لطف بالمسلمين وأهلك ملك الألمان لما خرج إلى الشام، وإلاّ كان يقال: إن الشام ومصر كانتا للمسلمين إلى أن قال (٢): ونازلوا عكا في منتصف رجب، ولم يبق للمسلمين إليها طريق، فنزل صلاح الدّين على تل كيسان، وسيّر الكُتب إلى ملوك الأطراف بطلب العساكر، فأتاه عسكر الموصل وديار بكر والجزيرة، وأتاه تقي الدّين ابن أخيه، إلى أن قال ابن الأثير (٣): فكان بين الفريقين حروب كثيرة، فقاتلهم صلاح الدّين في أول شعبان، فلم ينل منهم غرضًا، وبات الناس على تعبئة، وباكروا القتال من الغد، وصبر الفريقان صبرًا حار له مَن رآه إلى الظهر، فحمل عليهم تقي الدّين حملة منكرة من الميمنة على من يليه فأزاحهم عن مواقفهم، والتجؤوا إلى من يليهم، وملك تقي الدّين مكانهم والتصق بعكا. ودخل المسلمون البلد، وخرجوا منه، وزال الحصار. وأدخل إليهم صلاح الدّين ما أراد من الرجال والذخائر، ولو أن المسلمين لزموا القتال إلى الليل لبلغوا ما أرادوا. وأدخل إليهم صلاح الدّين الأمير حسام الدّين السّمين. ذكر الوقعة الكبرى قال (٤): وبقي المسلمون إلى العشرين من شعبان، كل يوم يعاودون القتال ويراوحونه، والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يفارقونه حتى تجمعوا للمشورة، فقالوا: عساكر مصر لم تحضر، والحال مع صلاح الدّين هكذا. والرأي أننا نلقى المسلمين غدًا لعلنا نظفر بهم. وكان كثير من عساكر السّلطان غائبًا، بعضها في مقابل أنطاكية تخوفًا من صاحب أنطاكية، وبعضها في حمص مقابل طرابُلس، وعسكر في مقابل صور، وعسكر مصر بالإسكندرية ودمياط، وأصبح صلاح الدّين وعسكره على غير أُهبة، فخرجت الفرنج من الغد كأنهم الجراد المنتشر، قد ملأوا الطُّول والعرض، وطلبوا ميمنة الإسلام وعليها تقي

стр. 12020

الدّين عمر، فردفه السّلطان برجال، فعطفت الفرنج نحو القلب، وحملوا حملة رجلٍ واحد، فانهزم المسلمون، وثبت بعضهم، فاستشهد جماعة، منهم الأمير مجلي، والظهير أخو الفقيه عيسى الهكاريّ، وكان متولّي بيت المقدس، والحاجب خليل الهكاري. ثم ساقوا إلى التل الذي عليه خيمة صلاح الدّين فقتلوا ونهبوا، وقتلوا شيخنا جمال الدّين ابن رواحة، وانحدروا إلى الجانب الآخر من التل، فوضعوا السيف فيمن لقوه، ثم رجعوا خوفًا أن ينقطعوا عن أصحابهم، فحملت ميسرة الإسلام عليهم فقاتلوهم، وتراجع كثيرٌ من القلب، فحمل بهم السّلطان في أقفية الفرنج وهم مشغولون بالميسرة، فأخذتهم سيوف الله من كل جانب، فلم يفلت منهم أحدٌ، بل قُتل أكثرهم، وأُسر الباقون، فيهم مقدَّم الداوية الذي كان السّلطان قد أسره وأطلقه، فقتله الآن. وكان عدة القتلى عشرة آلاف، فأمر بهم فأُلقوا في النهر الذي يشرب منه الفرنج. وكان أكثرهم من فرسان الفرنج. قال القاضي ابن شداد: لقد رأيتهم يُلقون في النهر فحزرتُهم بدون سبعة آلاف. قال غيره: وقُتل من المسلمين مائة وخمسون نفرًا، وكان من جملة الأسرى ثلاث نسوة إفرنجيات كنَّ يقاتلن على الخيل، وأما المنهزمون فبلغ بعضهم إلى دمشق، ومنهم من رجع إلى طبرية. قال العماد الكاتب: العجب أن الذين ثبتوا نحو ألف ردّوا مائة ألف، وكان الواحد يقول: قتلت من الفرنج ثلاثين، قتلت أربعين، وجافت الأرض من نتن القتلى، وانحرفت الأمزجة وتمرّض صلاح الدّين، وحصل له قولنج كان يعتاده. فأشار الأمراء عليه بالانتقال من المنزلة، وترك مضايقة الفرنج، وأن يبعد عنهم، فإن رحلوا فقد كُفينا شرهم، وإن أقاموا عُدنا، وأيضًا فلو وقع إرجاف، يعني بوفاتك، لهلك الناس، فرحل إلى الخرُّوبة في رابع عشر رمضان. وأخذت الفرنج في محاصرة عكا، وعملوا عليهم الخندق، وعملوا سورًا من تراب الخندق وجاءوا بما لم يكن في الحساب، واشتغل صلاح الدّين بمرضه، وتمكن الفرنج وعملوا ما أرادوا. وكان مَن بعكا يخرجون إليهم كل

стр. 12021

يوم ويقاتلونهم، وفي نصف شوال وصل العادل بالمصريين، فقويت النفوس، وأحضر معه من آلات الحصار شيئًا كثيرًا. وجمع صلاح الدّين من الرجالة خلائق، وعزم على الزحف، وجاءه الأصطول المصري عليه الأمير لؤلؤ، وكان شهمًا، شجاعًا، خبيرًا بالبحر ميمون النقيبة، فوقع على بطسةٍ للفرنج فأخذها، وحوَّل ما فيها إلى عكا فسكنت نفوس أهلها وقوي جَنانهم (١). قال: ودخل صفر من سنة ست وثمانين، فسمع الفرنج أن صلاح الدّين قد سار يتصيد، ورأوا اليزَك الذي عليهم قليلًا، فخرجوا من خندقهم على اليزك العصر، فحمي القتال إلى الليل وقُتل خلقٌ من الفريقين، وعاد الفرنج إلى سورهم، وجاءت السّلطان الأمدادُ، وذهب الشتاء فتقدم من الخروبة نحو عكا، فنزل بتل كيسان وقاتل الفرنج كل يوم وهم لا يسأمون، إلى أن قال: وافترقوا فرقتين، فرقة تقابله، وفرقة تقاتل عكا. ودام القتال ثمانية أيام متتابعة، ثم ساق قصة الأبراج الخشب التي يأتي خبرها، وقال: فكان يومًا مشهودًا لم ير الناس مثله، والمسلمون ينظرون ويفرحون، وقد أسفرت وجوههم بنصر الله. إلى أن قال (٢): ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام والألمان نوع من أكثر الفرنج عددًا وأشدهم بأسًا. وكان قد أزعجه أخذ بيت المقدس، فجمع العساكر وسار، فلما وصل إلى القسطنطينية عجز ملكها عن منعهم من العبور في بلاده، فساروا وعبروا خليج قسطنطينية، ومروا بمملكة قلج أرسلان، فثار بهم التركمان، فما زالوا يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقونهم. وكان الثلج كثيرًا فأهلكهم البرد والجوع، وماتت خيلهم لعدم العلف وشدة البرد، وتم عليهم شيء ما سمع بمثله. فلمّا قاربوا قونية خرج قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ليمنعهم، فلم يقو بهم، وكان قد حجر على والده، وتفرق أولاده، وغلب كل واحد على ناحية من بلاده. فنازلوا قونية وأرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا: ما قصدُنا بلادك، وإنما قصدنا

стр. 12022

بيت المقدس وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج سوق، وشبعوا وتزوَّدوا. وطلبوا من صاحب الروم جماعة تخفرهم من لصوص التركمان، فنفذ معهم خمسة وعشرين أميرًا، فما قدروا على منع الحرامية لكثرتهم، فغضب ملك الألمان، وقبض على أولئك الأمراء، وقيدهم ونهب متاعهم، ثم منهم من خلص، ومنهم من مات في الأسر. وقال ابن واصل (١): جمع قطب الدّين صاحب قونية العساكر والتقاهم فكسروه كسرةً عظيمةً، وهجموا قونية بالسيف، وقتلوا منها عالمًا عظيمًا. ووصل إلى السّلطان مناصحة من ملك الأرمن صاحب قلعة الروم: كتاب المخلص الداعي الكاغيكوس أن ملك الألمان خرج من دياره، ودخل بلاد الهنكر، ثم أرض مقدم الروم، فقهره وأخذ رهائنه وولده وأخاه في جماعة، وأخذ منه أموالًا عظيمة إلى الغاية، وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن، فأمدهم صاحبها بالأقوات وخضع لهم، ثم ساروا نحو أنطاكية فنزل ملكهم يغتسل في نهر هناك، فغرق في مكانٍ منه لا يبلغ الماء وسط الرجل، وكفى اللَّه شره، وقيل: بل غرق في مخاضةٍ، أخذ فرسه التّيَار. وقيل: بل سبح فمرض أيامًا ومات، وصار في الملك بعده ولده، وسار إلى أنطاكية فاختلف أصحابه عليه، وأحب بعضهم العود إلى بلاده، ومال بعضهم إلى تمليك أخ له فرجعوا، فسار من ثبت معه فوصلوا إلى أنطاكية، فكانوا نيفا وأربعين ألفا، فوقع فيهم الوباء وتبرم بهم صاحب أنطاكية، وحسن لهم المسير إلى الفرنج الذين على عكا، فساروا على جبلة واللاذقية، وتخطف المسلمون منهم فبلغوا طرابلس، وأقاموا بها أيامًا، فكثر فيهم الموت، ولم يبق منهم إلاّ نحو ألف رجل، وركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا، فلما وصلوا ورأوا ما نالهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم، فغرق بهم المراكب، ولم ينج منهم أحدٌ. وردّ اللَّه كيدهم في نحرهم. قال ابن واصل (٢): ورد كتاب الملك الظاهر من حلب إلى والده يخبره أنه قد صحَّ أن ملك الألمان قد خرج من جهة القسطنطينية في عدةٍ عظيمةٍ،

стр. 12023

قيل: إنّهم مائتا ألف وستّون ألفًا تريد الإسلام والبلاد. قلت: كان هلاك هذه الأمة من الآيات العظيمة المشهورة. وكان الحامل لخروجهم من أقصى البحار أخذ بيت المقدس من أيديهم. قال ابن واصل (١): وصل إلى السّلطان كتاب كاغيكوس الأرمنيّ صاحب قلعة الروم، وهو للأرمن كالخليفة عندنا، نسخة الكتاب: كتاب الداعي المخلص الكاغيكوس: فما أطالع به مولانا ومالكنا السّلطان الملك النّاصر، جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، من أمر ملك الألمان، وما جرى له، فإنه خرج من دياره، ودخل بلاد الهنكر غصبًا ثمّ دخل أرض مقدَّم الروم، وفتح البلاد ونهبها، وأخذ رهائن ملكها، ولده وأخاه، وأربعين نفرًا من جلسائه، وأخذ منه خمسين قنطارًا ذهبًا، وخمسين قنطارًا فضة، وثياب أطلس مبلغًا عظيمًا، واغتصب المراكب، وعدى بها إلى هذا الجانب، يعني في خليج قسطنطينية، قال: إلى أن دخل إلى حدود بلاد قلج أرسلان، وردّ الرهائن، وبقي سائرًا ثلاثة أيام، وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فتداخلهم الطمع وتجمعوا له من جميع البلاد، ووقع القتال بين التركمان وبينهم، وضايقوه ثلاثة وثلاثين يومًا وهو سائر. ولما قرب من قونية جمع ابن قلج أرسلان العساكر، فضرب معه المصاف، فكسره ملك الألمان كسرة عظيمة، وسار حتى أشرف على قونية، فخرج إليه جموع عظيمة، فردّهم مكسورين، وهجم قونية بالسيف، وقتل منهم عالمًا عظيمًا من المسلمين، وأقام بها خمسة أيام، فطلب قلج أرسلان منه الأمان فأمنه، وأخذ منه رهائن عشرين من أكابر دولته، وأشار على الملك أن يمروا على طرسوس ففعل، وقبل وصوله بعث إليّ رسولًا، فأنفذ المملوك خاتمًا، وصحبته ما سأل، وجماعة إليه، فكثرت عليه العساكر ونزل على نهرٍ فأكل خبزًا ونام، ثم تاقت نفسه إلى الاستحمام ففعل، فتحرك عليه مرضٌ عظيم ومات بعد أيام قلائل، وأما لافون فسار لتلقيه، فلما علم بهذا احتمى بحصنٍ له. وأما ابن ملك الألمان فكان أبوه منذ خرج نصب ولده هذا عوضه، وتأطدت قواعده، فلما بلغه هرب رسل لافون نفذ يستعطفهم فأحضرهم

стр. 12024

وقال: إن أبي كان شيخًا كبيرًا، وإنما قصد هذه الديار لأجل حج بيت المقدس وأنا الذي دبرت المُلك، فمن أطاعني وإلاّ قصدت بلاده. واستعطف لافون، واقتضى الحال الاجتماع به ضرورة. وبالجملة قد عرض عسكره، فكانوا اثنين وأربعين ألف فارس، وأما الرّجّالة فلا يُحصون، وهم أجناس متفاوتة، وهم على سياسةٍ عظيمة، حتى أن من جنى منهم جناية قُتِل. ولقد جنى كبير منهم على غلامه فجاوز الحدَّ في ضربه، فاجتمعت القسوس للحكم فأمروا بذبحه، فشفع إلى الملك منهم خلقٌ، فلم يلتفت إلى ذلك وذبحه. وقد حرّموا الملاذَّ على أنفسهم، ولم يلبسوا إلا الحديد، وهم من الصبر على الذل والتعب والشقاء على حالٍ عظيم. انتهى الكتاب. فلما هلك ملكهم سار بهم ولده إلى أنطاكية، وعمهم المرض، وصار معظمهم حملة عصي وركاب حمير. فتبرَّم بهم صاحب أنطاكية، وحسن لهم قصد حلب، فأبوا وطلبوا منه قلعته ليودعوا فيها الخزائن، فأخلاها لهم، ففاز بما وضعوه بها وجاءت فرقة من الألمانية إلى بغراس، وظنوا أنها للنصارى، ففتح واليها الباب، وخرج أصحابه فتسلموا صناديق أموال، وقتلوا كثيرًا منهم، ثم خرج جُند حلب وتلقطوهم. وكان الواحد يأسر جماعة، فهانوا في النفوس بعد الهيبة والرعب منهم، وبيعوا في الأسواق بأبخس ثمن. قال ابن شداد (١): مرض ابن ملك الألمان مرضًا عظيمًا في بلاد ابن لاون، وأقام معه خمسة وعشرون فارسًا وأربعون داويًا، ونفذ عسكره نحو أنطاكية، حتى يقطعوا الطريق، ورتبهم ثلاث فرق لكثرتهم. فاجتازت فرقة تحت بغراس، فأخذ عسكر بغراس مع قلته مائتي رجلٍ منهم. وسار بعض عسكر البلاد لكشف أخبارهم، فوقعوا على فرقة منهم، فقتلوا وأسروا زُهاء خمس مائة. وقال ابن شداد (٢): حضرت من يخبر السّلطان عنهم ويقول: هم ضعفاء قليلو الخيل والعدة، وأكثر ثقلهم على حمير وخيل ضعيفة، ولم أر مع كثير منهم طارقة ولا رُمحًا، فسألتهم عن ذلك فقالوا: أقمنا بمرجٍ وخمٍ أيامًا،

стр. 12025

وقلَّت أزوادنا وأحطابنا، فأوقدنا معظم عُدَدنا، وذبحنا الخيل وأكلناها، ومات الكُند الذي على الفرقة الواحدة، وطمع ابن لاون حتى عزم على أخذ مال الملك لمرضه وضعفه، وقلّة من أقام معه، فشاور السّلطان الأمراء، فوقع الاتفاق على تسيير بعض العساكر إلى طريقهم. فكان أول من سار الملك المنصور محمد بن المظفر، ثم سار عز الدّين ابن المقدم صاحب بَعرين وفامية، ثم الأمجد صاحب بعلبك، ثم سابق الدّين عثمان ابن الداية صاحب شيزر، ثم عسكر حماة، ثم سار الملك الظاهر إلى حفظ حلب، فخفت الميمنة، فانتقل إليها الملك العادل، ووقع في العسكر مرضٌ كثير، وكذلك في العدو، وتقدَّم السّلطان يهدم سور طبرية، ويافا، وأرسُوف، وقيسارية، وصيدا، وجُبيل، وانتقل أهلها إلى بيروت. وفي رجب سار ملك الألمانيين من أنطاكية إلى اللاذقية ثم إلى طرابلس، وكان قد سار إليه المركيس صاحب صور، فقوّى قلبه، وسلك به الساحل، فكانت عدة من معه لمّا وصل إلى طرابلس خمسة آلاف بعد ذلك الجيش العظيم. ثم إنه نزل في البحر، وسار معظم أصحابه في الساحل، فثارت عليه ريح، فأهلكت من أصحابه ثلاثة مراكب، فوصل إلى عكا في جمع قليل في رمضان، فلم يظهر له وقع، ثم هلك على عكا في ثاني عشر ذي الحجّة سنة ستٍّ وثمانين، فسبحان من أبادهم ومحقهم. ويوم وصول ملك الألمان إلى عكا ركبت الفرنج وأظهروا قوة وأرجفوا، وحملوا على يزك المسلمين، فركب السّلطان، ووقع الحرب، ودام إلى الليل فكانت الدائرة على الكفار، ولم يزل السيف يعمل فيهم حتى دخلوا خيامهم. ولم يُقتل يومئذ من المسلمين إلاّ رجلان، لكن جُرح جماعة كثيرة. ولما مات طاغية الألمان حزنت عليه الفرنج، وأشعلوا نيرانًا هائلة بحيث لم يبق خيمة إلاّ أوقد فيها النار. ومات لهم كند عظيم، ووقع الوباء فيهم والمرض، ومرض كندهري، وصار يموت في اليوم المائة وأكثر في معسكرهم. واستأمن منهم خلق عظيم، أخرجهم الجوع، وقالوا للسلطان: نحن نركب البحر في مراكب صغار، ونكسب من النصارى، ويكون الكسب لنا ولكم. فأعطاهم السّلطان مركبًا فركبوا فيه، وظفروا بمراكب التجار النصارى، وأتوا بالغنائم إلى السّلطان فأعطاهم الجميع، فلما رأوا هذا أسلم جماعة

стр. 12026

منهم، واستشهد في هذه السنة سبعة أمراء على عكا، والتقى شواني المسلمين وشواني الفرنج في البحر، فأحرقت للفرنج شواني برجالها، وأحاطت مراكب العدو بشينّي مقدمه الأمير جمال الدّين محمد بن إلدكز، فترامى ملاحو الشيني إلى الميناء، فقاتل جمال الدين، فعرضوا عليه الأمان فقال: ما أضع يدي إلاّ في يد مقدمكم الكبير. فجاء مقدمهم إليه، فعانقه جمال الدّين وماسكه وشحطه، فوقعا في البحر وغرقا معًا. سنة ست وثمانين وخمس مائة استهلت والفرنج مُحدقون بعكا محاصرون لها، والسّلطان بعساكره في مقابلتهم، والقتال عمَّال، فتارةً يظهر هؤلاء، وتارة يظهر هؤلاء، وقدمت العساكر البعيدة مَدَدا للسلطان صلاح الدّين، فقدم صاحب حمص أسد الدين، وصاحب شيزر سابق الدّين عثمان ابن الداية، وعز الدّين ابن المقدم، وغيرهم، ثم قدمت عساكر الشرق مع مظفر الدّين صاحب إربل، ومع عماد الدين ابن صاحب سنجار، ومعز الدّين سنجرشاه بن غازي. واشتد الأمر، وجدَّت الفرنج في الحصار، وأتتهم الأمداد في البحر من الجزائر البعيدة حتى ملأوا البر والبحر فتوفي صاحب إربل زين الدّين يوسف ابن زين الدّين عليّ كوجك، ففوض السّلطان مملكة إربل من حينئذٍ إلى أخيه مظفر الدّين كوكبرى بن علي، ودام الحصار والنزال على عكا حتى فرغت السنَّة.؟ ومن كتاب فاضلي إلى بغداد (١): ومن خبر الفرنج أنهم الآن على عكا يمدهم البحر بمراكب أكثر عدة من أمواجه، ويخرج للمسلمين أمر من أجاجه، وقد تعاضدت ملوك الكفر على أن ينهضوا إليهم من كل فرقة طائفة، ويرسلوا إليهم من كل سلاحٍ شوكة، فإذا قتل المسلمون واحدًا في البر بعثوا ألفًا عوضه في البحر، فالزرع أكثر من الحصاد، والثمرة أنمى من الجذاذ. وهذا العدو قد زرَّ عليه من الخنادق دروعًا متينة، واستجنّ من الجنونات بحصونٍ حصينة، فصار مستحجزًا، وممتنعًا حاسرًا، ومدرعًا، مواصلًا ومنقطعًا، وعددهم الجم قد كاثر القتل، ورقابهم الغلب، قد قطعت النصل لشدة ما قطعها النصل.

стр. 12027

وأصحابنا قد أثرت فيهم المدة الطويلة، والكلف الثقيلة في استطاعتهم لا في طاعتهم، وفي أحوالهم لا في شجاعتهم، وكل من يعرفهم يُناشد اللَّه فيهم المناشدة النبوية في الصحابة البدرية، اللهم إن تهلك هذه العصابة، ويخلص الدعاء ويرجو على يد مولانا أمير المؤمنين الإجابة. وقد حرم باباهم، لعنه اللَّه، كل مباح واستخرج منهم كلّ مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبس وألبس الحداد، وحكم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة. فيا عُصبة محمد ﷺ اخلفه في أمته بما تطمئن به مضاجعه، ووفَّه الحق فينا، فإنا والمسلمون عندك ودائعه، ولولا أن في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح، لقال الخادم ما يبكي العيون وينكي القلوب، لكنه صابر محتسب، منتظر للنصر مرتقب. ربِّ إني لا أملك إلا نفسي، وها هي في سبيلك مبذولة، وأخي وقد هاجر هجرة يرجوها مقبولة، وولدي وقد بذلت للعدوّ صفحات وجوههم، وهان على محبوبك بمكروههم. ونقف عند هذا الحد، وللَّه الأمر من قبل ومن بعد. وقال الموفق عبد اللطيف: إن الفرنج عاثوا في سوق العسكر وفي الخيم، فرجع عليهم السّلطان فطحنهم طحنًا، وأحصى قتلاهم بأن غرزوا في كل قتيل سهمًا، ثم جمعوا السهام، فكانت اثني عشر ألفًا وخمس مائة. والذين لحقوا بأصحابهم هلك منهم تمام أربعين ألفًا. وبلغت الغرارة عندهم مائةً وعشرين دينارًا. قال: وخرجوا مرةً أخرى، فقُتل منهم ستة آلاف ونيف، ومع هذا فصبرهم صبرهم. وعمروا على عكا برجين من خشب كل برج سبع طبقات، بأخشاب عاتية، ومسامير هائلة، يبلغ المسمار نصف قنطار، وضبات على هذا القياس، وصُفِّح كل برج منها بالحديد، ولُبس الجلود، ثم اللُّبود المُشربة بالخلّ، وجلل ذلك بشباك من حبال القنب لترد حدة المنجنيق، وكل واحد يعلو سور عكا بثلاث طبقات. وزحفوا بهما إلى السور، وفي كل طبقة مقاتلة، فيئس المسلمون بعكا، فقال دمشقي يقال له ابن النحاس: دعوني أضربها بالمجانيق. فسخروا منه، فطلب من قراقوش أن يمكنه من الآلات، ورمى البرج بحجارة حتى خلخله، ثم رماه بقدر نفط، ثم صاح: اللَّه أكبر، فعلا الدُّخان، فضج المسلمون، وبرزوا من عكا وعملت النار في أرجائه، والفرنج

стр. 12028

ترمي أنفسها من الطبقات، واشتعلوا، فأحرق المسلمون الستائر والعُدَد، فانكسرت صولتهم، ثم اجتمعت همتهم نوبةً، وعملوا كبشًا هائلا، رأسه قناطير من الحديد لينطحوا به السور فينهدم، فلما سحبوه وقربوا من السور ساخ في الرمل لثقله، وعجزوا عن تخليصه، وكان المسلمون في عكا في مرض شديد وجوع قد ملوا من القتال، ما يحملهم سوى الإيمان بالله تعالى. وقد هدمت الفرنج برجًا ومئذنة، ثم سد المسلمون ذلك في الليل ووثقوه، وكان السّلطان يكون أول راكب وآخر نازل. قلت: ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين. ذكر العماد الكاتب أنه حزر ما قُتل من الفرنج في مدة الحرب على عكا، فكان أكثر من مائة ألف. ومن كتاب إلى بغداد: قد بُلي الإسلام منهم بقومٍ استطابوا الموت، واستجابوا الصوت، وفارقوا الأوطان والأوطار، والأهل والديار، طاعة لقسِّيسهم وغيرة لمعبدهم وحمية لمعتقدهم، وتهالكًا على مقبرتهم، وتحرّقًا على قمامتهم، حتى خرجت النساء من بلادهن متبرزات، وسرّن في البحر متجهزات، وكانت منهن ملكة استتبعت خمس مائة مقاتل، والتزمت بمؤونتهم، فأخذت برجالها بقرب الإسكندرية. ومنهن ملكة وصلت مع ملك الألمان، وذوات المقانع من الفرنج مقنعات دارعات، يحملن الطوارق والقنطاريات. وقد وُجدت في الوقعات التي جرت عدة منهن بين القتلى. وما عُرفن حتى سُلبن. والبابا الذي برومية قد حرّم عليهم لذاتهم وكل مَن لا يتوجه إلى القدس فهو محرم، لا منكح له ولا مطعم، فلهذا يتهافتون على الورود، ويتهالكون على يومهم الموعود. وقال لهم: إني واصل في الربيع، جامع على الاستنفار شمل الجميع، وإذا نهض هذا اللعين فلا يقعد عنه أحد، ويصل معه كل من يقول للَّه تعالى ولد. ومن كتاب فاضلي إلى السّلطان (١): فليس إلاّ الدعاء والتجلد للقضاء، فلا بد من قدر مفعول، ودعاء مقبول. نحن الذين إذا علوا لم يبطروا … يوم الهياج وإن عُلوا لم يضجروا

стр. 12029

ومَعاذ الله أن يفتح علينا البلاد ثم يغلقها، وأن يسلم على يدينا القدس، ثم ينصره، ثم معاذ اللَّه أن نغلب عن النصر، ثم معاذ اللَّه أن نغلب على الصبر. وإذا كان ما يُقدمنا اللَّه إليه لا بدَّ منه وهو لقاؤه، فلأن نلقاه والحجة لنا خير من أن نلقاه والحجة علينا. ولا تعظم هذه الفتوق على مولانا فتبهر صبره، وتملأ صدره، ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ وهذا دين ما غُلب بكثرة وإنما اختار اللَّه له أرباب نيات، وذوي قلوب وحالات، فليكن المولى نِعم الخلف لذلك السلَف، واشتدي أزمة تنفرجي، والغمرات تذهب ثم لا تجيء، واللَّه يُسمعنا ما يسر القلب، ويصرف عن الإسلام غاشية هذا الكرب. ونستغفر اللَّه فإنه ما ابتلى إلاّ بذنب. ومن كتاب آخر يقول: ولست بملكٍ هازم لنظيره، ولكنّك الإسلام للشِّرك هازم. يشير ﵀ إلى أنه وحده بعسكره في مقابلة جميع دين النصرانية، لأن نفيرهم إلى عكا لم يكن بعده بعد، ولا وراءه حدّ. ثم قال: هذا وليس لك من المسلمين مساعد إلا بدعوة، ولا خارج بين يديك إلا بأجرة، نشتري منهم الخطوات شبرًا بذراع، تدعوهم إلى الفريضة، وكأنك تكلفهم النافلة، وتعرض عليهم الجنة، وكأنك تريد أن تستأثر بها دونهم، والآراء تختلف بحضرتك، فقائل يقول: لم لا يتباعد عن المنزلة؟ وآخر: لم لا يميل إلى المصالحة؟ ومشير بالتخلي عن عكا، حتى كأن تركها تعليق المعاملة، ولا كأنها طليعة الجيش، ولا قفل الدار، ولا خرزة السِّلك إن وهت تداعى السِّلك. فألهمك اللَّه قتل الكافر، وخلاف المخذل، فكما لم يُحدث استمرارُ النعم لك بطرًا، فلا تُحدث له ساعات الامتحان ضجرًا، وما أحسن قول حاتم: شربنا بكأس الفقر يومًا وبالغنى … وما منهما إلا سقانا به الدهرُ فما زادنا بغيًا على ذي قرابةٍ … غِنانا ولا أزرى بأحسابِنا الفقر وقال الآخر: لا بطر إن تتابعت نِعَمٌ … وصابر في البلاء محتسب وقيل للمهلَّب: أيسرك ظفرٌ ليس فيه تعب؟ فقال: أكره عادة العجز، ونحن في ضر قد مسَّنا، ولا نرجو لكشفه إلاّ من ابتلى. وفي طوفان فتنة،

стр. 12030

ولَا عاصِمَ اليومَ من أمرِ اللَّه إلاّ من رَحِمَ، ولنا ذنوب قد سدَّت طريق دعائنا، فنحن أولى أن نلوم أنفسنا، والله قدر لا سلاح لنا في دفعه إلاّ: لا حول ولا قوة إلاّ بالله. وقد أشرفنا على أهوال: قُل اللَّه ينجيكم منها ومن كل كرب. وقد جمع لنا العدو، وقيل لنا: اخشوه فنقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. وليس إلاّ الاستعانة بالله، فما دلنا في الشدائد إلاّ على طروق بابه، وعلى التضرع له ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نعوذ بالله من القسوة، ومن القنوط من الرحمة، وما شرَّد الكرى، وطوَّل على الأفكار السَّرى، إلاّ ضائقة القوت بعكا. وهذه الغمرات هي نعم اللَّه عليه، وهي درجات الرضوان، فاشكر اللَّه كما تشكره على الفتوحات، واعلم أن مثوبة الصبر فوق مثوبة الشكر. ومن ربط جأش عمر ﵁ قوله: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت. وبهذه العزائم سبقونا فلا نطمع بالغبار، وامتدت خُطاهم، ونعوذ باللَّه من العثار. ومن وصايا الفرس: إن نزل بك ما فيه حيلة فلا تعجز، وإن نزل بك ما ليس فيه حيلة فلا تجزع. ولما اشتد الأمر بعكا وطال أرسل السّلطان كتابًا إلى شمس الدين ابن منقذ يأمره بالمسير إلى صاحب المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن يستنصر به، ليقطع عنه مادتهم من جهة البحر. ويأمر ابن منقذ أن يستقرئ في الطريق والبلاد ما يُحيي به الملك يعقوب وكيف عاداتهم. وأن يقصّ عليه: من أول وصولنا إلى مصر، وما أزلنا بها من الإلحاد، وما فتحنا من بلاد الفرنج وغيرها وتفصيل ذلك كله، وأمر عكا، وأنه لا يمضي يوم إلا عن قوة تتجدد وميرة في البحر تصل، وأن ثغرنا حصروه، ونحن حصرناهم، فما تمكنوا من قتال الثغر، ولا تمكنوا من قتالنا وخندقوا على نفوسهم عدة خنادق، فما تمكنا من قتالهم. وقدموا إلى الثغر أبرجة من خشب أحرقها أهله. وخرجوا مرتين إلينا يبغون غرتنا، ينصرنا اللَّه عليهم، ونقتلهم قتلًا ذريعًا، أجلت إحدى النوبتين عن عشرين ألف قتيل منهم. والعدو وإن حصر الثغر فإنه محصور، ولو أبرز صفحته لكان بإذن اللَّه هو المكسور، ويذكر ما دخل الثغر من أساطيلنا ثلاث مرات وإحراقها مراكبهم، وهي الأكثر، ودخولها بالسيف الأظهر تنقل إلى البلد الميرة. وإن أمر العدو قد تطاول ونجدته تتواصل،

стр. 12031

ومنهم ملك الألمان في جموع جماهيرها مجمهرة وأموالها مقنطرة. وإن اللَّه قد قصم طاغية الألمان، وأخذه أخذ فرعون بالإغراق في نهر الدنيا، وإنهم لو أرسل اللَّه عليهم أسطولًا قويًا مستعدًا يقطع بحره، ويمنع ملكه، لأخذنا العدو بالجوع والحصر، أو القتال والنصر. فإن كانت بالجانب الغربي الأساطيل ميسرة، والرجال في اللقاء فارهة غير كارهة، فالبدار البدار، وأنت أيها الأمير أول من استخار اللَّه وسار، وما رأينا أهلًا لخطابنا، ولا كفؤًا لإنجادنا، إلاّ ذلك الجناب، فلم ندعه إلا لواجب عليه. فقد كانت تتوقع منه همة تقدُ في الغرب نارها، ويستطير في الشرق سناؤها، ويغرس في العُدوة القصوى شجرتها، فينال من في العُدْوة الدنيا جناها، فلا ترضى همته أن يعين الكفر الكفر، ولا يعين الإسلام الإسلام. واختص بالاستعانة لأن العدو جاره، والجار أقدر على الجار، وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار. ولأنه بحر والنجدة بحرية، ولا غرو أن تجيش البحار، وإن ذكر ما فعل بوزبا وقراقوش في أطراف المغرب، فيعرفه أنهما ليسا من وجوه الأمراء، ولا من المعدودين في الطواشية والأولياء، وإنما كسدت سوقهما، وتبعتهما ألفافٌ أمثالهما. والعادة جارية أنّ العساكر إذ طالت ذيولها وكثرت جُموعها، خرج منها وانضاف إليها، فلا يظهر مزيدها ولا نقصها. ولا كان هذان المملوكان ممن إذا غاب أحضر ولا إذا فقد افتقد، ولا يُقدر في مثلهما أنهما ممن يستطيع نكايةً، ولا يأتي بما يوجب شكوى من جناية. ومعاذ اللَّه أن نأمر مفسدًا يفسد في الأرض. والله يوفق الأمير، ويهدي دليله، ويسهل سبيله. وكتب في شعبان سنة ست وثمانين (١). وأما الكتاب إلى صاحب المغرب فعنوانه: بلاغ إلى محل التقوى الطاهر من الذَّنب، ومستقر حزب اللَّه الظاهر من الغرب، أعلا اللَّه به كلمة الإيمان، ورفع به منار الإحسان، وأوّله: بسم الله الرحمن الرحيم، الفقير إلى رحمة ربه يوسف بن أيوب، أما بعد، فالحمد لله الماضي المشيّة المُمضي القضية، البرُّ بالبرية، الحفي بالحنيفية، الذي استعمل عليها من استعمر به الأرض، وأغنى من أهلها من سأله القرض، وآجر من أجرى على يده النافلة

стр. 12032

والفرض، وصلى اللَّه على محمد الذي أنزل عليه كتابًا فيه الشفاء والتبيان، إلى أن قال: وهذه التحية الطيبة وفادة على دار الملك، ومدار النُّسك، ومحل الجلالة، وأصل الأصالة، ورأس الرياسة، ونفس النفاسة، وعلم العلم، وقائم الدّين وقيمه، ومقدم الإسلام ومقدمه، ومثبت المتقين على اليقين، ومُعلي الموحدين على الملحدين، أدام اللَّه له النصرة، وجهَّز به العُسرة وبسط له باع القدرة. تحية أستنير منها الكتاب، وأستنيب عنها الجواب، وحفز لها حافزان، أحدهما شوق قديم كان مطل غريمه ممكنًا إلى أن تتيسر الأسباب، والآخر مُرام عظيم ما كرّه إذا استفتحت به الأبواب. وكان وقت المواصلة وموسم المكاتبة هناؤه بفتح بيت المقدس وعدة من الثغور، ولم تتأخر المكاتبة إلاّ ليتم الله ما بدا من فضله، والمفتتح بيد اللَّه مُدن وأمصار، وبلاد كبار وصغار، والباقي بيد الكُفر منها أطرابلس، وصور، وأنطاكية، يسّر اللَّه أمرها بعد أن كسر اللَّه العدو الكسرة التي لم يجبر بعدها، ولم يؤخر فتح هذه المدن الثلاثة، إلاّ أن فرع الكفار بالشام استصرخ بأصله، فأجابوهم رجالًا وفرسانًا، وزرافات ووحدانا، وبرًا وبحرًا، ومركبًا وظهرًا، وسهلًا ووعرًا. وخرج كل يلبي دعوة بطركه، ولا يحتاج إلى عزمة ملكه. ونزلوا على عكا يمدهم البحر بأمداده، ويصل إلى المقاتل ما يحتاجه من سلاحه وأزواده، وعدتهم مائة ألف أو يزيدون، كلما أفناهم القتل أخلفتهم النجدة. قال: واستمر العدو يحاصر الثغر محصورًا منّا أشد الحصر، لا يستطيع قتال الثغر لأنا من خلفه، ولا يستطيع الخروج إلينا خوفًا من حتفه، ولا نستطيع الدخول إليه لأنه قد سور وخندق، وحاجز من وراء الحجرات وأغلق. ولما خرج ملك الألمان بجيشه وعاد على رسم قديم إلى الشام، فكان العود لأُمة أحمد أحمد. فظنوا أنه يزعجنا فبعثنا إليه من تلقاه بعسكرنا الشمالي، فسلك ذات الشمال متوعرًا، وأظهر أنه مريض. وكان أبوه الطاغية قد هلك في طريقه غرقًا، وبقي ابنه المقدم المؤخر، وقائد الجمع المكسر، وربما وصلهم إلى ظاهر عكا في البحر، تهيبًا أن يسلك البر، ولو سبق عساكرنا إلى عساكر الألمان قبل دخولها إلى أنطاكية لأخذوهم، ولكن لله المشيئة، ولما كانت حضرة سلطان الإسلام، وقائد المجاهدين إلى دار السلام، أولى من توجه إليه الإسلام بشكواه وبثه، واستعان به على حماية نسله وحرثه، وكانت مساعيه

стр. 12033

ومساعي سلفه في الجهاد الغُرّ المحجلة، الكاشفة لكل معضلة، والأخبار بذلك سائرة، والآثار ظاهرة. إلى أن قال: وكان المتوقع من تلك الدولة العالية، والعزمة الغادية مع القدرة الوافية، والهمة المهدية الهادية، أن يمد غرب الإسلام المسلمين بأكثر مما أمد به غرب الكفار الكافرين. فيملأها عليهم جواري كالأعلام، ومدنًا في اللجج كأنها الليالي مقلعة بالأيام، تطلع علينا آمالًا، وعلى الكفر آجالًا، وتردنا إما جملة وإما أرسالًا ولما استبطئت ظُنَّ أنها قد توقفت على الاستدعاء، فصرحنا به في هذه التحية، وسُير لحصون مجلسه الأطهر، ومحله الأنور، الأمير الأجل المجاهد شمس الدّين أبو الحرم عبد الرحمن بن منقذ، الهدية إليه ختمة في ربعة، وثلاثمائة مثقال مسك، وستمائة حبة عنبر، وعشرة أمنان عود دهن بلسان مائة درهم، مائة قوس بأوتارها، عشرون سرجًا، عشرون سيفًا، سبع مائة سهم. وكان دخوله على يعقوب في العشرين من ذي الحجة بمراكش، فأقام سنة وعشرين يومًا، وخرج وقدم الإسكندرية في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وثمانين، ولم يحصل الغرض، لأنه عزَّ على يعقوب كونه لم يُخاطب بأمير المؤمنين. وقد مدحه ابن منقذ بقصيدةٍ منها: سأشكر بحرًا ذا عُبابٍ قطعته … إلى بحر جود ما لنعماه ساحلُ إلى معدن التقوى إلى كعبة الهدى … إلى مَن سَمَت بالذِّكر منه الأوائِلُ وكان السّلطان صلاح الدّين قد هم بأن يكتب إليه بأمير المؤمنين، فكتب إلى السّلطان القاضي الفاضل يقول: والمملوك ليس عند المولى من أهل الاتهام، والهدية المغربية نجزت كما أمر به. وكتب الكتاب على ما مثّل، وفخَّم الوصف فوق العادة، وعند وصول الأمير نجم الدّين فاوضته في أنه لا يمكن إلا التعريض لا التصريح بما وقع له أنه لا تنجح الحاجة إلا به من لفظة أمير المؤمنين، وأن الذين أشاروا بهذا ما قالوا نقلًا، ولا عرفوا مكاتبة المصريين قديمًا. وآخر ما كتب في أيام الصالح بن رزيك، فخوطب به أكبر أولاد عبد المؤمن وولي عهده بالأمير الأصيل النجار، الجسيم الفخار. وعادت

стр. 12034

الأجوبة إلى ابن رُزيك الذي في أتباع مولانا مائة مثله، مترجمة بمعظم أمره، وملتزم شكره. هذا والصالح يتوقع أن يأخذ ابن عبد المؤمن البلاد من يديه، ما هو أن يهرب مملوكان طريدان منا فيستوليان على أطراف بلاده، ويصل المشار إليه بالأمر من مراكش إلى القيروان، فيلقاهم فيُكسر مرة ويتماسك أخرى وأُعلم نجم الدّين بذلك فأمسك مقدار عشرة أيام. ثم أنفذ نجم الدّين إليه على يد ابن الجليس بأن الهدية أشير عليه بأن لا يستصحبها، وإن استصحبها تكون هدية برسم من حواليه، وأنَّ الكتاب لا يأخذه إلا بتصريح أمير المؤمنين، وأن السّلطان - عزّ نصرُه - رسم بذلك، والملك العادل بأن لا يشير إلا بذلك، وأنه إذا لقي القوم خاطبهم بهذه التحية عن السّلطان من لسانه، فأجابه المملوك بأن الخطاب وحده يكفي، وطريق جحدنا له ممكن، وأن الكتابة حجة تقيد اللسان عن الإنكار، فلا ينبغي. ومتى قُرئت على منبر الغرب جُعلنا خالعين شاقين عصا المسلمين، مطيعين من لا تجوز طاعته ويفتح باب يعجز موارده عن الإصدار، بل تمضي وتكشف الأحوال، فإن رأيت للقوم شوكة، ولنا زبدة، فعدهم بهذه المخاطبة، واجعل كلما نأخذه ثمنًا للوعد بها خاصة فامتنع وقال: أنا أقضي أشغالي، وأتوجه للإسكندرية، وأنتظر جواب السّلطان، وإلى أن أنجز أمر الموكب وأمر الركاب، فسيَّر المملوك النسخة فإن وافقت فيتصدق المولى بترجمة يلصقها على ما كتبه المملوك، ويأمر نجم الدّين بتسلم الكتاب، مع أن ابن الجليس حدثه عنه أنه ممتنع من السفر إلا بالمكاتبة بها. فأمّا الذي يترجم به مولانا فيكون مثل الذي يُدعى به على المنبر لمولانا، وهو الفقير إلى اللَّه تعالى يوسف بن أيوب. وإذا كتب إليهم ابن رزيك من السيد الأجل، الملك الصالح، قُبح أن يكتب إليه مولانا الخادم. وهذا مبلغ رأي المملوك وقد كتبت النسخة، ولم يبق إلا تلك اللفظة، وليست كتابة المملوك لها شرطًا، والمملوك وعقبه مستجيرون بالله، ثم بالسّلطان من تعريضهم لكدر الحياة، ومعاداة من لا يُخفى عنه خبر، ولا تُقال به عثرة. والكتاب الذين يشتغلون بتبييض النسخة موجودون، فينوبون عن المملوك (١).

стр. 12035

ومن كتاب له إلى السّلطان: تبرَّم مولانا بكثرة المطالبات، لا أخلاه اللَّه من القدرة عليها، وهنيئًا له. فاللَّه تعالى يطالبه بحفظ دينه، ورسول الله ﷺ يطالبه بحفظ حسن الخلافة في أمته، والسلف يطالبونه بمباشرة ما لو حضروه لما زادوا على ما يفعله المولى، وأهل الحزب يطالبونه بالذهب والفضة والحديد، والرعية تطالبه بالأمن في سربهم، والاستقامة في كسبهم، والسلامة في سُبُلهم، ونفسه الكريمة تطالبه بالجنة، فهل عدم من اللَّه نصرة؟ أم هل استمرت به عُسرة؟ أم هل تمت عليه لعدوه كرَّة؟ هل بات إلا راجيًا؟ هل أصبح إلا راضيًا؟ إلى أن قال: والمشهور أن ملك الألمان خرج في مائتي ألف، وأنه الآن في دون خمسة آلاف. قلت: وأنبئت عن العماد الكاتب قال: ووصلت في مراكب ثلاثمائة إفرنجية من ملاحهم الزواني قد سبلن أنفسهن لعسكر الفرنج تغرية لإسعاف الشباب من كل تائقةٍ شائقة، مائقةٍ رائقة، رامقة مارقة، تميس كأنها قضيب، وتزينت وعلى لبها صليب، فتحنَ أبواب الملاذ، وسَبَلنَ ما بين الأفخاذ. وفيها في المحرم خرجت جيوش بغداد، ومقدمها نجاح الشرابي إلى دقُوقًا لقتال الملك طُغرل، فوجدوه بعد أيام أدخل ولده ابن سبع سنين، يطلب العفو لأبيه، فعفا عنه. وأنبأنا ابن البُزُوري قال: في ربيع الأول وُلدت امرأة ابنين وبنتين في جوف واحد. وفي (١) جمادى الآخرة في العشرين منه خرجت جيوش الفرنج من وراء خنادقهم، وحملوا على الملك العادل والمصريين فالتقوهم، واشتد القتال، فتقهقر المصريون، ودخل الفرنج خيامهم ونهبوها، فكرَّ المصريون عليهم فقاتلوهم بين الخيام، وذهبت فرقة من المسلمين، فوقفت على فم الخندق تمنع من يخرج مددًا، وأخذت الفرنج السيوف من كل ناحية، فقتل منهم مقتلة عظيمة فوق العشرة آلاف؛ وقيل (٢): ثمانية آلاف؛ وأقل ما قيل خمسة آلاف.

стр. 12036

وقُتل من المسلمين نحو عشرة أنفس فقط. وكان يومًا مشهودًا حاز فضله المصريون. وجاءت الأخبار من الغد بموت ملك الألمان، وبالوباء في أصحابه، وتباشر المسلمون، وفرحوا بنصر اللَّه، فجاءت الفرنج نجدة كبيرة لم تكن في حسبانهم مع ملكهم كندهري، وجاءتهم أموال كثيرة وميرة وأسلحة، فقويت نفوسهم. وأنتنت منزلة المسلمين بريح القتلى، فانتقل صلاح الدين، إلى الخرُّوبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، كما انتقل عام أول. وقلَّت الأقوات بعكا، فبعث السّلطان إلى متولي بيروت فجهز بطسة عظيمة، وألبس الرجال لبس الفرنج، ورفعوا الصُّلبان بالبطسة، فوصلت إلى عكا، فلم يشك الفرنج أنها لهم، ولم يتعرضوا لها، فلما حاذت ميناء عكا ودخلت ندمت الفرنج، وانتعش المسلمون. وفي شوال خرجت الفرنج من وراء خنادقهم في أكمل أُهبة وأكثر عدد، فالتقاهم السّلطان في تعبئةٍ حسنةٍ، فكان أولاده في القلب، وأخوه الملك العادل في الميمنة، وابن أخيه تقي الدّين عمر، وصاحب سنجار عماد الدّين في الميسرة. واتفق للسلطان قولنج كان يعتريه، فنُصبت له خيمة على تل، فرأى الفرنج ما لا قبل لهم به فتقهقروا. قال ابن الأثير (١): لولا الألم الذي حدث لصلاح الدّين لكانت هي الفيصل، وإنما للَّه أمر هو بالغه. فلما دخل الفرنج خنادقهم، ولم يكن لهم بعدها ظهور منه، عاد المسلمون إلى خيامهم وقد قتلوا من الفرنج خلقًا يومئذ. إلا أن في الثالث والعشرين من شوال تعرض عسكر من المسلمين للفرنج، فخرج إليهم أربعمائة فارس فناوشوهم القتال وتطاردوا، فتبعهم الفرنج، فخرج كمين للمسلمين عليهم فلم يفلت منهم أحد. واشتد الغلاء على الفرنج، وجاء الشتاء، وانقطعت مادة البحر لهيجه، ولولا أن بعض الجهال كانوا يجلبون إليهم الغلات لأن الغرارة بلغت عندهم ألف درهم، لكانوا هلكوا جوعًا. وأرسل أهل عكا يشكون الضجر والسآمة، فأمر السّلطان بإخراجهم،

стр. 12037

وإقامة البدل، وكان ذلك من أسباب أخذها. فأشار الجماعة عليه بأن يرسل إليهم النفقات الواسعة والذخائر، فإنهم قد تدربوا، واطمأنت نفوسهم، فلم يفعل وتوهم فيهم الضجر، وأن ذلك يحملهم على العجز. وكان بها أبو الهيجاء السمين، فنزل الملك العادل تحت جبل حيفا، وجمع المراكب والشواني، فكان يبعث فيها عسكرًا، ويرد عوضهم من عكا في المراكب، لكن كان بها ستون أميرًا، فخرج أولئك، ودخل بدلهم عشرون أميرًا، فكان ذلك من التفريط أيضًا. وتوانى أيضا صلاح الدين، واتكل على غيره. وكان رأس الذين دخلوا سيف الدّين علي المشطوب، وكان دخولهم في أول سنة سبع وكان بها زهاء عشرين ألفًا. ولم يخرج قراقوش. وجهز السّلطان لعكا إقامةً كبيرةً وقُوتَ سنة، ولكن كان البحر في هيجه، فتكسرت عامّة المراكب. سنة سبع وثمانين وخمسمائة دخلت وقد اشتدت مضايقة الفرنج لعكا، والقتال بينهم وبين السّلطان مستمر، وكل وقتٍ يأتيهم مددٌ من البحر، فوصل ملك الإنكلتير في جمادى الأولى، وكان قد دخل قبرس وغَدر بصاحبها وتملكها جميعا، ثمّ سار إلى عكا في خمسٍ وعشرين قطعة مملوءة رجالًا وأموالًا، وكان رجل وقته مكرًا ودهاءً وشجاعة، ورُمي المسلمون منه بحجر ثقيل، وعظم الخطب، وعملت الفرنج تلا عظيمًا من التراب لا تؤثر فيه النار ولا غيرها، فنفعهم في القتال؛ وأوهى المسلمين خروج أميرين في الليل ركبوا في شيني ولحقوا بالمسلمين، فضعفت الهمم ووجلت القلوب، وراسلوا صلاح الدين، فبعث إليهم أن اخرجوا من البلد كلكم على حميّة، وسيروا مع البحر، واحملوا عليهم، وأنا أجيء من الجهة الأخرى فأكشف عنكم، وذروا البلد بما فيه. فشرعوا في هذا، فلم يتهيأ لهم، ولا تمكنوا منه، فلما اشتد البلاء على أهل عكا وضعُفت قلوبهم، وقلت منعتهم، ونُقبت بدنة من الباشورة، خرج الأمير سيف الدّين علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى ملك الفرنج وطلب الأمان، فأبى عليه إلا أن ينزل على حكمه، فقال: نحن لا نُسلّم البلد إلا أن نُقتل بأجمعنا، ورجع مغاضبًا. فلما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة زحف الفرنج

стр. 12038

زحفًا شديدًا، وأشرفوا على أخذ البلد، فطلب المسلمون منهم الأمان على أن يُسلموا إليهم عكا، ومائتي ألف دينار، وألفًا وخمسمائة أسير، ومائة أسير من الأعيان، وصليب الصَّلبوت. فوقع الأمان على ذلك، وأخذوا رهائن على تمام القطيعة، وملكوا عكا. فلما كان في ثامن رجب جاءت رُسلهم لذلك، فأحضر السّلطان مائة ألف دينار، وصليب الصَّلبوت، والأسارى، فأبوا إلا جميع المال، واختلف الأمر نحو شهر، ثمّ كمل لهم المال، وأحضر إليهم صليبهم، وكانوا قد ظنُّوا أن السّلطان فرَّط فيه، فلما عاينوه خروا له سُجَّدًا. ثمّ ظهر للسلطان غدرهم ومكرهم، فتوقَّف في إمضاء المقرر. قال ابن شداد في سيرة صلاح الدّين (١): إن الذين بعكا بذلوا للفرنج البلد بما فيه من السلاح والآلات والمراكب، ومائتي ألف دينار، وخمسمائة أسير، ومائة أسير يقترحونهم معروفين، وصليب الصلبوت، على أن يخرجوا بأموالهم وأهلهم، ويعطوا للمركيس الذي توسط بينهم أربعة آلاف دينار (٢)، فلما وقف السّلطان على هذا أنكره وعظم عليه، وجمع أهل الرأي، واضطربت آراؤهم، وتقسم فكره، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة ينكر عليهم المصالحة، وبقي مترددًا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت صلبان الكفر على البلد، ونارهم وشعارهم على السور، وذلك ظهر يوم الجمعة سابع عشر من جمادى الآخرة، وصاح الفرنج صيحةً واحدةً، وعظمت المصيبة على المسلمين، ووقع فيهم البكاء والنحيب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وخيم ملك الأنكتير بيافا، وشرعوا في عمارتها. ثمّ راسل ملك الأنكتير السّلطان في طلب الهدنة، فكانت الرسل تتردد إلى الملك العادل، فتقررت القاعدة أن ملك الأنكتير يزوج أخته بالملك العادل، ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل، وتكون عكا لأخت ملك الأنكتير مضافًا إلى مملكةٍ كانت لها داخل البحر قد ورثتها من زوجها. وأجاب صلاح الدّين إلى ذلك، فاجتمع الرهبان والقسيسون، وأنكروا على الملكة، ومنعوها من الإجابة. ثمّ إن الفرنج نوهوا بقصد بيت المقدس، فساق صلاح الدّين إلى

стр. 12039

الرملة جريدة، وجرت بين المسلمين وبين الفرنج عدة وقعات صغار في هذه الأيام، في سائرها يكون الظفر للمسلمين. ثمّ دخل صلاح الدّين القدس لكثرة الأمطار، وتقدمت الفرنج إلى النطرون على قصد بيت المقدس. واشتد الأمر، وجرى بينهم وبين يزك المسلمين عدة وقعات. وجد صلاح الدّين في تحصين القدس بكل ممكن، حتى كان ينقل الحجارة على فرسه بنفسه. ومما جرى أن ملك الأنكتير ركب بالفرنج في البحر، فركب السّلطان في البر لقتالهم. فأحضر الفرنج جماعة من أسارى المسلمين، فقتلوهم صبرًا، فحمل المسلمون عليهم وأزالوهم عن مواقفهم، وقتلوا منهم جماعة، واستشهد من المسلمين جماعة. ثمّ تصرف السّلطان في المال المقرر، فلما دخل شعبان رحلت الفرنج بخيلهم ورجلهم، فعرف السّلطان أن قصدهم عسقلان، فرحل بالجيش في قبالتهم، وبقي يزك المسلمين يقاتلونهم في كل مرحلة. ثم كانت بينهم وبين السّلطان وقعة نهر القصب، استشهد فيها إياز الطويل وكان أحد الأبطال. ثمّ كانت وقعة أرسوف، فكانت الدبرة على الفرنج خذلهم اللَّه. ووصل السّلطان إلى عسقلان فأخلاها، وشرع في هدمها في أثناء شعبان. ثمّ رحل إلى الرملة، فأمر بتخريب حصنها، وتخريب لُدّ، ثمّ مضى جريدةً إلى القدس زائرا وعاد. أنبأنا ابن البزوري، ق ل: في ربيع الأول حضر عبد الوهاب الكردي السارق قلعة الماهكي مصفدًا بالحديد، فرحمه الخليفة وخلع عليه وأعطي كوسات وأعلامًا، وأقطع الدينور. وفي جمادى الأولى عُزل عن أستاذ دارية الخلافة علي بن بختيار، وولي جلال الدّين عبيد اللَّه بن يونس. وفي جُمادى الآخرة عدا بركة الساعي من تكريت إلى بغداد في يومٍ ولم يسبق إلى هذا، وحصل له خلع ومال طائل. وفيه رُتب الموصلي النصراني جاثليق النصارى، وخُلع عليه بدار الوزارة، وقرئ عهده في كنيسة درب دينار. وفي شوال خرج العسكر الخليفتي مع مؤيد الدّين ابن القصاب نائب

стр. 12040

الوزارة، وعز الدّين نجاح الشرابي إلى بلاد خوزستان، ورجعوا في ذي الحجة. وفيها ظهر بحلب الشهاب السهروردي الفيلسوف الساحر. وكان فقيهًا واعظًا، ملعون الاعتقاد، بارعًا في علوم الأوائل، خبيرًا بالسيمياء، فعقد صاحب حلب الملك الظاهر له مجلسًا، فأفتوا بكفره، فحبس في هذه السنة ثمّ أحرق بعد أن ميت جوعًا. وفيها، في آخرها، تأخر الفرنج إلى الرملة لقلة الميرة عليهم. وقال ملك الأنكتير لمن معه: إني ما رأيت القدس، فصوروها لي. فرأى الوادي يحيط بها ما عدا موضع يسير من جهة الشمال. فقال: هذه مدينة لا يمكن حصرها مع وجود صلاح الدّين، ومع اجتماع كلمة المسلمين. وفيها، قال لنا ابن البزوري في مذيَّله: قدم بغداد تاجر حلبي بمال طائل، فعشق واحدة فأنفق عليها ماله حتى أفلس، ولم يبق يقدر عليها، ولا له صبر عنها، فدخل عليها فضربها بسكين، وضرب نفسه فمات. وأما هي فخيط جرحها وعاشت. وحج بالناس من بغداد طاشتكين على عادته. وفيها أخذ داود أمير مكة ما في الكعبة من الأموال وطوقًا كان يمسك الحجر الأسود لتشعثه، إذ ضربه ذاك الباطني بعد الأربعمائة بالدبوس. فلما قدم الركب عزل أمير الحاج داود، وولى أخاه مكثرًا، وهما ابنا عيسى بن فُليتة بن قاسم بن محمد بن أبي هاشم الحسني، فأقام داود بنخلة إلى أن توفي في رجب سنة تسع وثمانين، وهو وآباؤه الخمسة أمراء مكة (١). سنة ثمان وثمانين وخمسمائة قال ابن البزوري: في صفر كُفَّت يد عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر عن وقف الجهة الأخلاطية سلجق خاتون. ووجد عند ابنه عبد السلام كُتُب بخط والده عبد الوهاب فيها يتخيَّر الكواكب، فسُئل: هل هي بخطك؟ فأقر، فأفتوا بقلة دينه، وأن الكاتب لها والقارئ لها مخطئ، ومُعتقدها كافر. وعُرضت

стр. 12041

الفتاوى على الخليفة فاستُتيب، وأُحرقت الكتب في محفل. وكان فيها أن لا مدبر للعالم سوى الكواكب، وأنها هي الرازقة. ووهت حًرمة بني عبد القادر، وأخرجوا عن مدرستهم، وسُلمت إلى ابن الجوزي. وفيها عُزل قاضي القُضاة العباسي لأنه حكم في كتابٍ زوّره حاجبه أبو جعفر وابن الحراني. وفيها نفذ شهاب الدّين السهروردي رسولًا إلى زعيم خلاط بكتمر. وفي رجب عُقد مجلس بدار أستاذدار الخليفة، وأحضر أمير الحاج مجير الدّين طاشتكين متولي الحلَّة، ثمّ أخرج مكتوب فيه الخادم طاشتكين يخدم السّلطان ويقول: أنا مشدود الوسط في خدمتكم، وهذا وقتكم، والبلاد خالية، فإذا هادنت الفرنج وعدت إلى الشام فأنا أتولى الخدمة. وقد توج المكتوب بالقلم الشريف: إنا ما أسأنا إلى طاشتكين قط وله حقوق، غير أن باطنه رديء ما يحبنا. فأنكر طاشتكين، وزعم أن هذا الخط لايعرفه. فشهد عليه جماعة ممن يختص به وكذبوه. فحُبس، وكان له إلى هذه السنة تسع عشرة حجة. ووُلي أيلبا إمرة الحاج. وبنى الخليفة دارًا هائلة مزخرفة في بستانها من الطير والوحش ما يبهت الرائي. فلما انتهت وهبها لولده أبي نصر محمد. وفيها في المحرم، أعني سنة ثمانٍ، نزل الفرنج بعسقلان وهي خراب، فأخذوا في عمارتها. وفي ربيع الآخر قُتل المركيس صاحب صور، وكان من شياطين الفرنج، قدم من البحر في مركبٍ بمالٍ وتجارة أيام فتح بيت المقدس، فدخل صور وأهلها في هَرج ومرج، وليس لهم رأس، فملكوه عليهم، فقام بأمرهم أتم قيام، وضبط البلد وحصَّنها، وحاصرهم صلاح الدّين مدة بعد فتح بيت المقدس فلم يقدر عليهم، فجرّد على البلد من يضيّق عليهم ورحل. وكان المركيس أحد من بالغ في حصار عكا. وكان سبب قتله أن سنانًا مقدم الإسماعيلية بعث إليه صلاح الدّين أن يرسل من يقتل ملك الإنكلتار، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار. فأرسل رجلين في زي الرهبان، فاتصلا بصاحب صيدا، فأظهرا العبادة، فأنس بهما المركيس، ووثق لهما

стр. 12042

فقتلاه، وقُتلا معه. وتملَّك صور بعده كندهري ابن أخت ملك الأنكلتار، فبقي إلى سنة أربع وتسعين، فسقط من سطح ومات. وكان لما رحل خاله إلى بلاده أرسل يستعطف صلاح الدّين ويطلب منه خلعةً وقال: أنت تعلم أن لبس القباء والشربُوش عندنا عيب، وأنا ألبسهما منك محبة فيك. فنفذ إليه خلعة سنية بشربوش، فلبسها بعكا. وفيها في صفر نهبت بنو عامر البصرة. تجمعوا مع أميرهم عُميرة، وكان بها أمير فحاربهم، فلم يقو بهم، وقتل جماعة، ودخلوها وفعلوا كل قبيح، وذهبت أمتعة الناس. وفيها في جمادى الأولى استولت الفرنج على حصن الداروم، ثمّ ساروا حتى بقوا على فرسخين من القدس، فصب المسلمون عليهم البلاء، وتابعوا إرسال السرايا، وبُلي الفرنج منهم بداهيةٍ، فرجعوا وتخطفهم المسلمون. وكان شهاب الدّين الغُوري غزا الهند في سنة ثلاث وثمانين فانهزم، فلما كان في هذه السنة خرج من غزنَة بجيوشه، وقصد عدوه، فتجهز الكافر ملك الهند وسار نحوه، فلما قاربه تقهقر شهاب الدين، وتبعه ملك الهند إلى أن قارب بلاد المسلمين، فندب شهاب الدّين شطر جيشه، فداروا في الليل حتى صاروا من وراء الهنود، وحمل من الغد هو من بين أيديهم وأولئك من خلفهم، وكثر القتل في الهنود، وأُسر ملكهم في خلقٍ من جنده، وغنم المسلمون ما لا يوصف. ومن ذلك أربعة عشر فيلًا، فقال ملك الهند: إن كنت طالبًا بلادنا فما بقي فيها من يحفظها، وإن كنت طالب مالٍ فعندي أموال تحمل منها جمالك كلها. فسار شهاب الدين، وهو معه، إلى قلعته واسمها أجمير، فتملكها شهاب الدّين وتملك جميع نواحيها، وأقطع الجميع لمملوكه قُطب الدّين أيبك. وقتل ملك الهند، ورجع إلى غزنة مؤيدًا منصورًا. وكان عسكر مصر قد خرجوا للغزاة فأقاموا ببلبيس حتى اجتمعت إليهم القوافل، وساروا في الرمل، فتهيأت الفرنج لكبسهم وكمنوا لهم، ثمّ بيتوهم بأرض الحسا. فطاف الإنكلتير حول القفل في صورة بدوي، فرآهم ساكنين، فكبسهم في السَّحر بخيله ورجله، فكان الشجاع من نجا بنفسه. وكانت وقعة شنعاء لم يُصب الناس بمثلها في هذه السنين. وتبدد الناس في البرية وهلكوا،

стр. 12043

وحازت الفرنج أموالًا وأمتعة لا تحصى، وأسروا خمسمائة نفس، ونحو ثلاثة آلاف جمل محملة، فقويت نفوس الملاعين بالظفر والغنائم، وعزموا على قصد القدس. وسار كندهري إلى صور، وطرابلس، وعكا، يستنفر الناس، فهيأ السّلطان القدس وحصنها للحصار، وأفسد المياه التي بظاهر القدس كلها، وجمع الأمراء للمشورة (١)، قال القاضي بهاء الدّين بن شداد (٢): فأمرني أن أحثهم على الجهاد، فذكرت ما يسر اللَّه، وقلت: إن النبي ﷺ لما اشتد به الأمر بايع الصحابة على الموت، ونحن أول من تأسى به، فنجتمع عند الصخرة، ونتحالف على الموت. فوافقوا على ذلك. وسكت السّلطان طويلا، والناس كأن على رؤوسهم الطير، ثمّ قال: الحمد لله والصلاة على رسول اللَّه. اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذمتكم. وأن هذا العدو ليس له من يلقاه غيركم، فلو لويتم أعنتكم، والعياذ بالله، طوى البلاد، وكان ذلك في ذمتكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا، وأكلتم بيت مال المسلمين. فانتدب لجوابه سيف الدّين المشطوب وقال: نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الذي أنعمت علينا وعظمتنا، وليس لنا إلا رقابنا، وهي بين يديك؛ والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، فانبسطت نفس السّلطان وأطعمهم، ثمّ انصرفوا. فلما كان عشاء الآخرة اجتمعنا في خدمته على العادة وسمرنا وهو غير منبسط. ثمّ صلينا العشاء الآخرة، وكانت الصلاة هي الدستور العام، فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني وقال: أعلمت ما تجدد؟ قلت: لا. قال: إن أبا الهيجاء السمين نفذ إلي اليوم وقال: اجتمع اليوم عنده الأمراء، وأنكروا موافقتنا على الحصار، وقالوا: لا مصلحة في ذلك، فإنَّا نُحصر ويجري علينا ما جرى على أهل عكا، وعند ذلك تؤخذ بلاد الإسلام أجمع. والرأي أن نعمل مصافًا، فإن هزمناهم ملكنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر وذهب القدس. وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير القدس. وكان السّلطان ﵀ عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فشقت عليه هذه الرسالة. وبت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح،

стр. 12044

وهي من الليالي التي أحياها في سبيل اللَّه. وكان مما قالوه في الرسالة: إنك إن أردتنا نقيم بالقدس فتكون أنت معنا أو بعض أهلك، وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك، ولا الأتراك يدينون للأكراد. فانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك مجد الدين صاحب بعلبك. وكان ﵀ يحدِّث نفسه بالمقام، ثمّ امتنع من ذلك لما فيه من خطر الإسلام، فلما صلينا الصبح قلت له: ينبغي أن ترجع إلى الله تعالى، وهذا يوم جمعة، وفيه دعوة مُستجابة، ونحن في أبرك موضع. فالسّلطان يغتسل الجمعة ويتصدق بشيء سرًا، وتصلي بين الأذان والإقامة ركعتين تناجي فيهما ربك، وتفوض مقاليد أمورك إليه، وتعترف بعجزك عما تصديت له، فلعله يرحمك ويستجيب لك. وكان ﵀ حسن الاعتقاد، تام الإيمان، يتلقى الأمور الشرعية بأحسن انقياد. فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، وصلى ركعتين، ورأيته ساجدًا ودموعه تتقاطر. ثم انقضت الجمعة. فلما كان العشي وصلت رقعة من عز الدّين جرديك، وكان في اليزك، يقول فيها: إن القوم قد ركبوا بأسرهم، ووقفوا في البر على ظهر، ثمّ عادوا إلى خيامهم، وقد سيرنا جواسيس تكشف (١). ولما كان من الغد يوم السبت، وهو الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وصلت رقعة أخرى تخبر أن الجواسيس رجعوا، وأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس أو الرحيل إلى بلادهم، فذهب الفرنسيسة إلى الصعود إلى القدس وقالوا: إنما جئنا بسببه ولا نرجع. وقال الإنكلتير: إن هذا الموضع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء، فمن أين نشرب؟ قالوا: نشرب من نهر نقوع، وهو على فرسخ من القدس؛ فقال: كيف نذهب إليه؟ قالوا: نتقسم، فقسم يذهب إلى السقي، وقسم يبقى على البلد، فقال: إذًا يأخذ العسكر البراني الذي لهم من يذهب مع الدواب، ويخرج عسكر البلد على الباقين. فانفصل الحال على أنهم حكموا ثلاثمائة من أعيانهم، وحكم الثلاثمائة اثني عشر منهم، وحكم الاثنا عشر ثلاثة منهم، وقد باتوا على حكم

стр. 12045

الثلاثة. فلما أصبحوا حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم المخالفة، فرحلوا ليومهم، وهو يوم السبت المذكور، نحو الرملة، ناكصين على أعقابهم. ثم نزلوا الرملة، وتواتر الخبر بذلك إلى السّلطان، وكان يوم فرح وسرور. ثم ورد رسول الإنكلتير في الصلح يقول: قد هلكنا نحن وأنتم، والأصلح حقن الدماء، ولا تغتر بتأخيري عن منزلتي، فالكبش يتأخر لينطح. وهذا ابن أختي كندهري قد ملكته هذه الديار، وسلمته إليك يكون بحكمك. وإن جماعة من الرهبان قد طلبوا منك كنائس، فما بخلت بها عليهم، وأنا أطلب منك كنيسة في القدس، وما راسلتك به مع الملك العادل قد تركته، يعني من طلبه القدس وغيرها، ولو أعطيتني قرية أو مقرعة لقبلتها. فاستشار السّلطان الأمراء، فأشاروا بالصلح لما بهم من الضجر والتعب وعلاهم من الديون. فاستقر الحال على أن الجواب ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وابن أختك يكون كبعض أولادي، وسيبلغك ما أفعل معه، وأنا أعطيك أكبر الكنائس، وهي القمامة، والبلاد التي بيدك بيدك، وما بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا، وما بين العملين يكون مناصفة، وعسقلان وما وراءها يكون خرابًا. فانفصل الرسول طيب القلب. ثم ورد رسوله يقول: أن يكون لنا في القدس عشرون نفرًا، وإن من سكن من النصارى والفرنج في القدس لا يُتعرض لهم، وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة، والبلاد الجبلية لكم (١). فأجابه السّلطان بأن القدس ليس لكم فيه سوى الزيارة. فقال الرسول: وليس على الزوار شيء؟ فقال السّلطان: نعم. وأطلق لهم بلاد عسقلان يزرعونها، وأن تكون قرى الداروم مناصفة. وفيها قسم السّلطان صلاح الدّين عمارة سور بيت المقدس على أخيه وأولاد أخيه. ولم يزل مُجدًا في عمارتها حتى ارتفعت. وفيها كان خلاص سيف الدّين علي المشطوب أمير عكا من الأسر على مال قرره. ثمّ مات في آخر شوال. فعين السّلطان ثلث نابلس لمصالح بيت المقدس وباقيها للأمير عماد الدّين أحمد ابن المرحوم سيف الدّين المشطوب.
следующие страницы →