← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12041–12080 · переход к 12046.

стр. 12041

الفتاوى على الخليفة فاستُتيب، وأُحرقت الكتب في محفل. وكان فيها أن لا مدبر للعالم سوى الكواكب، وأنها هي الرازقة. ووهت حًرمة بني عبد القادر، وأخرجوا عن مدرستهم، وسُلمت إلى ابن الجوزي. وفيها عُزل قاضي القُضاة العباسي لأنه حكم في كتابٍ زوّره حاجبه أبو جعفر وابن الحراني. وفيها نفذ شهاب الدّين السهروردي رسولًا إلى زعيم خلاط بكتمر. وفي رجب عُقد مجلس بدار أستاذدار الخليفة، وأحضر أمير الحاج مجير الدّين طاشتكين متولي الحلَّة، ثمّ أخرج مكتوب فيه الخادم طاشتكين يخدم السّلطان ويقول: أنا مشدود الوسط في خدمتكم، وهذا وقتكم، والبلاد خالية، فإذا هادنت الفرنج وعدت إلى الشام فأنا أتولى الخدمة. وقد توج المكتوب بالقلم الشريف: إنا ما أسأنا إلى طاشتكين قط وله حقوق، غير أن باطنه رديء ما يحبنا. فأنكر طاشتكين، وزعم أن هذا الخط لايعرفه. فشهد عليه جماعة ممن يختص به وكذبوه. فحُبس، وكان له إلى هذه السنة تسع عشرة حجة. ووُلي أيلبا إمرة الحاج. وبنى الخليفة دارًا هائلة مزخرفة في بستانها من الطير والوحش ما يبهت الرائي. فلما انتهت وهبها لولده أبي نصر محمد. وفيها في المحرم، أعني سنة ثمانٍ، نزل الفرنج بعسقلان وهي خراب، فأخذوا في عمارتها. وفي ربيع الآخر قُتل المركيس صاحب صور، وكان من شياطين الفرنج، قدم من البحر في مركبٍ بمالٍ وتجارة أيام فتح بيت المقدس، فدخل صور وأهلها في هَرج ومرج، وليس لهم رأس، فملكوه عليهم، فقام بأمرهم أتم قيام، وضبط البلد وحصَّنها، وحاصرهم صلاح الدّين مدة بعد فتح بيت المقدس فلم يقدر عليهم، فجرّد على البلد من يضيّق عليهم ورحل. وكان المركيس أحد من بالغ في حصار عكا. وكان سبب قتله أن سنانًا مقدم الإسماعيلية بعث إليه صلاح الدّين أن يرسل من يقتل ملك الإنكلتار، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار. فأرسل رجلين في زي الرهبان، فاتصلا بصاحب صيدا، فأظهرا العبادة، فأنس بهما المركيس، ووثق لهما

стр. 12042

فقتلاه، وقُتلا معه. وتملَّك صور بعده كندهري ابن أخت ملك الأنكلتار، فبقي إلى سنة أربع وتسعين، فسقط من سطح ومات. وكان لما رحل خاله إلى بلاده أرسل يستعطف صلاح الدّين ويطلب منه خلعةً وقال: أنت تعلم أن لبس القباء والشربُوش عندنا عيب، وأنا ألبسهما منك محبة فيك. فنفذ إليه خلعة سنية بشربوش، فلبسها بعكا. وفيها في صفر نهبت بنو عامر البصرة. تجمعوا مع أميرهم عُميرة، وكان بها أمير فحاربهم، فلم يقو بهم، وقتل جماعة، ودخلوها وفعلوا كل قبيح، وذهبت أمتعة الناس. وفيها في جمادى الأولى استولت الفرنج على حصن الداروم، ثمّ ساروا حتى بقوا على فرسخين من القدس، فصب المسلمون عليهم البلاء، وتابعوا إرسال السرايا، وبُلي الفرنج منهم بداهيةٍ، فرجعوا وتخطفهم المسلمون. وكان شهاب الدّين الغُوري غزا الهند في سنة ثلاث وثمانين فانهزم، فلما كان في هذه السنة خرج من غزنَة بجيوشه، وقصد عدوه، فتجهز الكافر ملك الهند وسار نحوه، فلما قاربه تقهقر شهاب الدين، وتبعه ملك الهند إلى أن قارب بلاد المسلمين، فندب شهاب الدّين شطر جيشه، فداروا في الليل حتى صاروا من وراء الهنود، وحمل من الغد هو من بين أيديهم وأولئك من خلفهم، وكثر القتل في الهنود، وأُسر ملكهم في خلقٍ من جنده، وغنم المسلمون ما لا يوصف. ومن ذلك أربعة عشر فيلًا، فقال ملك الهند: إن كنت طالبًا بلادنا فما بقي فيها من يحفظها، وإن كنت طالب مالٍ فعندي أموال تحمل منها جمالك كلها. فسار شهاب الدين، وهو معه، إلى قلعته واسمها أجمير، فتملكها شهاب الدّين وتملك جميع نواحيها، وأقطع الجميع لمملوكه قُطب الدّين أيبك. وقتل ملك الهند، ورجع إلى غزنة مؤيدًا منصورًا. وكان عسكر مصر قد خرجوا للغزاة فأقاموا ببلبيس حتى اجتمعت إليهم القوافل، وساروا في الرمل، فتهيأت الفرنج لكبسهم وكمنوا لهم، ثمّ بيتوهم بأرض الحسا. فطاف الإنكلتير حول القفل في صورة بدوي، فرآهم ساكنين، فكبسهم في السَّحر بخيله ورجله، فكان الشجاع من نجا بنفسه. وكانت وقعة شنعاء لم يُصب الناس بمثلها في هذه السنين. وتبدد الناس في البرية وهلكوا،

стр. 12043

وحازت الفرنج أموالًا وأمتعة لا تحصى، وأسروا خمسمائة نفس، ونحو ثلاثة آلاف جمل محملة، فقويت نفوس الملاعين بالظفر والغنائم، وعزموا على قصد القدس. وسار كندهري إلى صور، وطرابلس، وعكا، يستنفر الناس، فهيأ السّلطان القدس وحصنها للحصار، وأفسد المياه التي بظاهر القدس كلها، وجمع الأمراء للمشورة (١)، قال القاضي بهاء الدّين بن شداد (٢): فأمرني أن أحثهم على الجهاد، فذكرت ما يسر اللَّه، وقلت: إن النبي ﷺ لما اشتد به الأمر بايع الصحابة على الموت، ونحن أول من تأسى به، فنجتمع عند الصخرة، ونتحالف على الموت. فوافقوا على ذلك. وسكت السّلطان طويلا، والناس كأن على رؤوسهم الطير، ثمّ قال: الحمد لله والصلاة على رسول اللَّه. اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذمتكم. وأن هذا العدو ليس له من يلقاه غيركم، فلو لويتم أعنتكم، والعياذ بالله، طوى البلاد، وكان ذلك في ذمتكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا، وأكلتم بيت مال المسلمين. فانتدب لجوابه سيف الدّين المشطوب وقال: نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الذي أنعمت علينا وعظمتنا، وليس لنا إلا رقابنا، وهي بين يديك؛ والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، فانبسطت نفس السّلطان وأطعمهم، ثمّ انصرفوا. فلما كان عشاء الآخرة اجتمعنا في خدمته على العادة وسمرنا وهو غير منبسط. ثمّ صلينا العشاء الآخرة، وكانت الصلاة هي الدستور العام، فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني وقال: أعلمت ما تجدد؟ قلت: لا. قال: إن أبا الهيجاء السمين نفذ إلي اليوم وقال: اجتمع اليوم عنده الأمراء، وأنكروا موافقتنا على الحصار، وقالوا: لا مصلحة في ذلك، فإنَّا نُحصر ويجري علينا ما جرى على أهل عكا، وعند ذلك تؤخذ بلاد الإسلام أجمع. والرأي أن نعمل مصافًا، فإن هزمناهم ملكنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر وذهب القدس. وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير القدس. وكان السّلطان ﵀ عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فشقت عليه هذه الرسالة. وبت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح،

стр. 12044

وهي من الليالي التي أحياها في سبيل اللَّه. وكان مما قالوه في الرسالة: إنك إن أردتنا نقيم بالقدس فتكون أنت معنا أو بعض أهلك، وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك، ولا الأتراك يدينون للأكراد. فانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك مجد الدين صاحب بعلبك. وكان ﵀ يحدِّث نفسه بالمقام، ثمّ امتنع من ذلك لما فيه من خطر الإسلام، فلما صلينا الصبح قلت له: ينبغي أن ترجع إلى الله تعالى، وهذا يوم جمعة، وفيه دعوة مُستجابة، ونحن في أبرك موضع. فالسّلطان يغتسل الجمعة ويتصدق بشيء سرًا، وتصلي بين الأذان والإقامة ركعتين تناجي فيهما ربك، وتفوض مقاليد أمورك إليه، وتعترف بعجزك عما تصديت له، فلعله يرحمك ويستجيب لك. وكان ﵀ حسن الاعتقاد، تام الإيمان، يتلقى الأمور الشرعية بأحسن انقياد. فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، وصلى ركعتين، ورأيته ساجدًا ودموعه تتقاطر. ثم انقضت الجمعة. فلما كان العشي وصلت رقعة من عز الدّين جرديك، وكان في اليزك، يقول فيها: إن القوم قد ركبوا بأسرهم، ووقفوا في البر على ظهر، ثمّ عادوا إلى خيامهم، وقد سيرنا جواسيس تكشف (١). ولما كان من الغد يوم السبت، وهو الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وصلت رقعة أخرى تخبر أن الجواسيس رجعوا، وأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس أو الرحيل إلى بلادهم، فذهب الفرنسيسة إلى الصعود إلى القدس وقالوا: إنما جئنا بسببه ولا نرجع. وقال الإنكلتير: إن هذا الموضع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء، فمن أين نشرب؟ قالوا: نشرب من نهر نقوع، وهو على فرسخ من القدس؛ فقال: كيف نذهب إليه؟ قالوا: نتقسم، فقسم يذهب إلى السقي، وقسم يبقى على البلد، فقال: إذًا يأخذ العسكر البراني الذي لهم من يذهب مع الدواب، ويخرج عسكر البلد على الباقين. فانفصل الحال على أنهم حكموا ثلاثمائة من أعيانهم، وحكم الثلاثمائة اثني عشر منهم، وحكم الاثنا عشر ثلاثة منهم، وقد باتوا على حكم

стр. 12045

الثلاثة. فلما أصبحوا حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم المخالفة، فرحلوا ليومهم، وهو يوم السبت المذكور، نحو الرملة، ناكصين على أعقابهم. ثم نزلوا الرملة، وتواتر الخبر بذلك إلى السّلطان، وكان يوم فرح وسرور. ثم ورد رسول الإنكلتير في الصلح يقول: قد هلكنا نحن وأنتم، والأصلح حقن الدماء، ولا تغتر بتأخيري عن منزلتي، فالكبش يتأخر لينطح. وهذا ابن أختي كندهري قد ملكته هذه الديار، وسلمته إليك يكون بحكمك. وإن جماعة من الرهبان قد طلبوا منك كنائس، فما بخلت بها عليهم، وأنا أطلب منك كنيسة في القدس، وما راسلتك به مع الملك العادل قد تركته، يعني من طلبه القدس وغيرها، ولو أعطيتني قرية أو مقرعة لقبلتها. فاستشار السّلطان الأمراء، فأشاروا بالصلح لما بهم من الضجر والتعب وعلاهم من الديون. فاستقر الحال على أن الجواب ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وابن أختك يكون كبعض أولادي، وسيبلغك ما أفعل معه، وأنا أعطيك أكبر الكنائس، وهي القمامة، والبلاد التي بيدك بيدك، وما بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا، وما بين العملين يكون مناصفة، وعسقلان وما وراءها يكون خرابًا. فانفصل الرسول طيب القلب. ثم ورد رسوله يقول: أن يكون لنا في القدس عشرون نفرًا، وإن من سكن من النصارى والفرنج في القدس لا يُتعرض لهم، وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة، والبلاد الجبلية لكم (١). فأجابه السّلطان بأن القدس ليس لكم فيه سوى الزيارة. فقال الرسول: وليس على الزوار شيء؟ فقال السّلطان: نعم. وأطلق لهم بلاد عسقلان يزرعونها، وأن تكون قرى الداروم مناصفة. وفيها قسم السّلطان صلاح الدّين عمارة سور بيت المقدس على أخيه وأولاد أخيه. ولم يزل مُجدًا في عمارتها حتى ارتفعت. وفيها كان خلاص سيف الدّين علي المشطوب أمير عكا من الأسر على مال قرره. ثمّ مات في آخر شوال. فعين السّلطان ثلث نابلس لمصالح بيت المقدس وباقيها للأمير عماد الدّين أحمد ابن المرحوم سيف الدّين المشطوب.

стр. 12046

وفيها نازل الفرنج قلعة الداروم وافتتحوها بالسيف. ثمّ كانت وقعات بينهم وبين المسلمين، كلها للمسلمين عليهم، إلا وقعة واحدة كان العادل أخو السّلطان مقدمها، ودهمهم العدو فهزموهم. وفيها نزل السّلطان على يافا وأخذها بالسيف، وأخذ القلعة بالأمان، ثمّ طولوا ساعات الانتقال وأمهلوا وسوفوا، حتى جاءهم ملك الإنكلتير نجدة في البحر بغتة، ودخل القلعة وغدروا، فأسر السّلطان من كان خرج منهم، وسار إلى الرملة. ثم وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج مدة ثلاث سنين وثمانية أشهر، وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا، إلى صور. وأدخلوا في الصلح طرابلس، وأنطاكية، واستعاد منهم الداروم؛ ودخل في هذا الصلح وهو كاره يأكل يديه من الحنق والغيظ ولكنه عجز وكثرت عليه الفرنج. وكتب كتاب الصلح بين الملتين في الثاني والعشرين من شعبان. ووقعت الأيمان والمواثيق على ذلك من الفريقين، ونودي بذلك. وكان في جملة من حضر عند صلاح الدّين صاحب الرملة، فقال لصلاح الدّين: ما عمل أحد ما عملت، إننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة فكانوا ستمائة ألف رجل، ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد، بعضهم قتلوا، وبعضهم مات، وبعضهم غرق. وأذن صلاح الدّين في زيارة القدس للفرنج، وترددت الرسل بين السّلطان وبين الفرنج. ثم سار فنزل بالعوجاء، وبلغه أن الإنكلتير بظاهر يافا في نفر يسير، فساق ليكبسه، فأتى فوجد نحو عشر خيم، فحمل السّلطان عليهم، فثبتوا ولم يتحركوا، وكشروا عن أنياب الحرب، فارتاع عسكر السّلطان وهابوهم، وداروا حولهم حلقة. وكانت عدة الخيل سبعة عشر، والرجالة ثلاثمائة. فوجد السّلطان من ذلك وتألم، ودار على جنده ينخيهم على الحملة، فلم يجب دعاءه سوى ولده الملك الظاهر. وقال للسلطان الجناح أخو سيف الدّين المشطوب: قل لغلمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح يافا وأخذوا منهم الغنيمة يحملون. وكان في نفوس العسكر غيظ على السلطان حيث فوَّتهم الغنيمة. فغضب السّلطان وأعرض عن القتال. وذُكر أن الإنكلتير

стр. 12047

حمل يومئذٍ بُرمحه من طرف الميمنة على طرف الميسرة، وما تعرض له أحد. فرد السّلطان وسار إلى النطرون ثمّ إلى القدس. ومرض الإنكلتير، وكانت رسُله تتردد في طلب الخوخ والكمثرى، وكان السّلطان يمده بذلك وبالثلج. ثم عُقدت الهدنة وتوثّق من الفريقين، فحلف جماعة من ملوك الفرنج ومن ملوك الإسلام من آل السّلطان ومن أمرائه الأعيان، وكان يوم الصلح يومًا مشهودًا، عم الفرح هؤلاء وهؤلاء. ورجع إلى القدس فتمم أسواره ودخل دمشق في شوال. وفيها قُتل سلطان الروم قلج أرسلان. سنة تسع وثمانين وخمسمائة فيها قدم علي ابن الأمير شملة إلى الخليفة بمفاتيح قلاع أبيه، فخلع عليه. وفيها ولي إمرة الحاج قطب الدّين سنجر الناصري. وفيها أعيد إلى القضاء أبو طالب علي ابن البخاري. وفيها قُتل بكتمر المتغلب على مدينة خلاط على يد الباطنية. وكان قد تسلطن وضرب لنفسه الطبل في أوقات الصلوات الخمس. وفيها سار السّلطان طُغرل إلى الري، فقتل بها ألف نفس، وعاد إلى همذان، فمرض وبطل نصفه. وفيها خلع على قيماز شحنة أصبهان القادم في صُحبة مؤيد الدّين ابن القصاب وأُعطي ستة آلاف دينار، وتوجه إلى بلده وفي صحبته الأميران سنقر الطويل وإيلبا. وتُوفي السّلطان صلاح الدّين، فوصل إلى بغداد في رمضان الرسول وصُحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدّين وفَرسه ودينار واحد وستة وثلاثون درهمًا، لم يخلف من المال سواها. وصُحبة ذلك صليب من الذهب الأحمر كان أخذه من القدس. وفيها فُتحت المدرسة التي بُنيت ببغداد لوالدة الناصر لدين اللَّه، ودرَّس بها أبو علي النوقاني.

стр. 12048

وفيها غزا السّلطان شهاب الدّين صاحب غزنة وتقدم مملوكه أيبك بالجيوش، فافتتح ما أمكنه، وسبى وغنم شيئًا كثيرًا، ورجع سالمًا. قال ابن الأثير (١): وفيها انقض كوكبان عظيمان واضطرما (٢)، وسُمع صوت هدَّةٍ عظيمة، وذلك بعد طلوع الفجر، وغلب ضوؤهما ضوء القمر وضوء النهار. سنة تسعين وخمسمائة في ربيع الأول ولي مجاهد الدّين ياقوت الرومي شحنكية بغداد، فأقام سياسة البلد وأخلاه من المفسدين. وفيها كان الحرب بين السّلطان شهاب الدّين الغوري ملك غزنة وبين بنارس سلطان الهند. وذلك أن أيبك مملوك شهاب الدّين لما دخل عام أول الهند فأغار على الأطراف تنمر بنارس وغضب، وهو أكبر ملوك الهند. قال ابن الأثير (٣): وولايته من حد الصين إلى بلاد ملاو طولًا، ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضًا، فحشد وجمع وقصد الإسلام، فطلبه شهاب الدّين بجيوشه، فالتقى الجمعان على نهر ماجون. قال: وكان مع الهندي سبعمائة فيل - كذا قال ابن الأثير - قال: ومن العسكر على ما قيل ألف ألف نفس، ومن جملة عسكره عدة أمراء مسلمين كانوا في تلك البلاد. فصبر الفريقان، واشتد الحرب، وكان النصر لشهاب الدين، وكثر القتل في الهنود حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدّين تسعين فيلًا. وقتل بنارس ملك الهند، ولم يعرفه أحد، إلا أنه كان قد شد أسنانه بالذهب، فبذلك عُرِف. ودخل شهاب الدّين بلاد بنارس وحمل من خزائنها ألفًا وأربعمائة حمل (٤)، وعاد إلى غزنة. ومن جملة الفيلة التي أخذها فيل أبيض. حدثني بذلك من رآه، فلما عرضت الفيلة على شهاب الدّين خدمت جميعها إلا الفيل الأبيض فإنه لم يخدم. وفيها، في جمادى الأولى، وصل رسول من خوارزم شاه وصحبته ابن

стр. 12049

عبد الرشيد الذي سار في رسالة الخليفة إلى خوارزم شاه يأمره بمحاربة المارق طُغرل السلجوقي. فمرض عبد الرشيد وأحس بالموت، فأمر ولده بالمسير إلى خوارزم شاه لأداء الرسالة، فقابل الرسالة بالسمع والطاعة، وسار بجيوشه فحارب طُغرل وانتصر عليه، وهزم عساكره ونهب أمواله، وقتله، وحمل رأسه إلى بغداد صحبة رسوله، فأبرز للقيه الموكب، وأُتي بالرأس على رُمح، ودخل قاتله وهو شابٌّ تركي من أمراء خُوارزم شاه. وأول كتابه: الحمد لله الذي جعل الملوك من أخلص المماليك عقيدة ونية، وأصحَّهم ولاء وعبودية، وأصفاهم سريرة وطويّة. وفيه: ولما وردت المراسيم بردع ذلك المارق المنافق، أرسل المملوك داعيًا له إلى الطريق اللاحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، ليعود إلى طاعة الإمام، وعارضًا عليه تجديد الإسلام، أو الاستعداد للمصافّ، والرجوع إلى حكم الاستئناف. وكان بالري، فزلف المملوك إليه في كتيبةٍ شهباء من جنود الإمام، مقنّعة بالزَّرَد المحبوك، مُحتفة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألق حديدها، وتتذمر أسودها، وهي كالجبل العظيم، والليل البهيم، خلفها السباع والذئبان وفوقها النسور والعقبان، وبين أيديها شخص المنون عريان، إلى أن وافت ذلك المخذول، وهو في جيش يُعجز عن الإحصاء، ويضيق عنهم الفضاء، فصب اللَّه عليهم الخذلان، لمّا تراءى الجمعان، وبرز الكفر إلى الإيمان، فتلا المملوك: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ إلى أن قال: وأنفذ اللَّه حكمه في الطاغية، وعجل بروحه إلى الهاوية، وملك المملوك بلادهم. قال ابن الأثير (١): وكان الخليفة قد سير نجدة لخوارزم شاه، وسير له مع وزيره ابن القصاب خلع السلطنة، فنزل على فرسخ من همذان، فأرسل إليه خوارزم شاه بعد الوقعة يطلبه إليه، فقال مؤيد الدّين ابن القصاب: ينبغي أن تحضر أنت وتلبس خلعة أمير المؤمنين من خيمتي. وترددت الرسل بينهما، فقيل لخوارزم شاه: إنها حيلة على القبض عليك. فرحل خوارزم شاه ليأخذه، فاندفع بين يديه، والتجأ إلى بعض الجبال. فامتنع به.

стр. 12050

وفيها عزل أبو المظفر عبيد اللَّه بن يونس من الأستاذ دارية، وحبس إلى أن مات، وولي مكانه تاج الدّين أبو الفتح بن رزين. وفيها قبض على ألب غازي متولي الحلة وأخذت أمواله، وقتل جزاء بما كذب على الأمير طاشتكين. وفي رمضان أحضر مؤيد الدّين ابن القصاب وشافهه الخليفة بالوزارة، وقال له: يا محمد قد قلدتك ما وراء بابي، وجعلته في ذمتك، فاعمل فيما تراه برأيك. وخلع عليه، وضُربت النوبة على بابه على قاعدة الوزراء، ثمّ توجه إلى تستر، فافتتح بلاد خوزستان. وفي شوال وقع الرضا عن أولاد الشيخ عبد القادر وأخذ ابن الجوزي إلى واسط، فحُبس بها مدة خمس سنين. وكان سلطان مصر في هذه السنة: الملك العزيز عماد الدّين عثمان ابن صلاح الدّين، وسلطان دمشق: الملك الأفضل نور الدّين علي ابن صلاح الدين، وسلطان حلب: الملك الظاهر غياث الدّين غازي ابن صلاح الدين، والكرك وناحيتها، حرَّان، والرُّها، وتلك الناحية بيد الملك العادل سيف الدّين أبي بكر، وحماة، والمعرة، وسلمية، ومنبج بيد الملك المنصور محمد ابن تقي الدّين عمر بن شاهنشاه، وبعلبك بيد الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه، وحمص بيد المجاهد أسد الدّين شيركوه. وكان الملك العادل بالكرك عند موت أخيه وهي مستقره وحصنه، فتوجه نحو دمشق لما بلغه مجيء الملك العزيز يحاصر أخاه الأفضل، ووافقه الظاهر غازي، فأصلح بينهم عمهم، ورجع العزيز إلى مصر في رمضان من السنة الماضية. ثم إن العزيز قصد دمشق في هذه السنة في شعبان. وقال الإمام أبو شامة (١): وفيها استعادت الفرنج حصن جبيل بمعاملة من شخص كردي. قلت: ثمّ افتتحها الملك الأشرف بعد مائة سنة. قال (٢): وفيها قدم العادل من الشرق وطلع إلى قلعة حلب وبات بها

стр. 12051

واستخلص دلدمر (١) وبني عمه كبراء الباروقية من اعتقال ابن أخيه الملك الظاهر، ثمّ قدم دمشق فأصلح بين الأخوين الأفضل والعزيز، على أن للعزيز من بيسان إلى أسوان. وقدم الظاهر من حلب إلى دمشق، ثمّ عاد كلّ إلى بلاده. وتزوج العزيز بابنة عمه العادل. قلت: وذلك من دهاء الملك العادل، فإنه بقي يلعب بأولاد أخيه لعبًا، فإنه قدم من حلب بصاحبها، وبصاحب حماة ناصر الدّين محمد بن عمر، وبصاحب حمص، وغيرهم، واتفقوا على حفظ دمشق. وأوضح لهم العادل بأن الملك العزيز إن ملك دمشق أخذ منكم بلادكم. فلما رأى العزيز اجتماعهم فتر وراسل في الصلح، فاستقرت القاعدة على أن يكون له مملكة فلسطين، وهي البيت المقدس وبلادها مع مصر، على أن للعادل إقطاعه الأول بمصر، وأن يكون نائبًا للسلطنة بمصر. وأن للملك الأفضل دمشق والأردن، وأن للظاهر مملكة حلب مع جبلة واللاذقية. وتفرقوا على ذلك. وخرج الأفضل فودع أخاه الملك العزيز. قال العماد الكاتب (٢): قال لي الأفضل: كنت قد فارقت أخي منذ تسع سنين، وما التقينا إلا في هذه السنة. قال: وأنشدني لنفسه في المعنى: نظرتُكَ نظرةً من بَعْد تِسعٍ … تقضَّت بالتفرُّق من سِنين وغضّ الطَّرف عَنْهَا طرفٌ غدرٍ … مسافة قرب طرفٍ من جبين فَويح الدَّهْر لَمْ يسمحْ بقربٍ … يعيدُ بِهِ الهجوعَ إلى الجُفُون فراقٌا ثُمَّ يُعقبه بّينٌ … يعيدُ إلى الحشا عَدَم السُّكون ولا يُبدي جيوشَ القُربِ حَتَّى … يرتبَ جيشَ بُعدٍ في الكمين ولا يُدني محلّي منك إلا … إذا دارتْ رَحى الحربِ الزَّبُون فليتَ الدهرُ يسمحُ لي بأُخرى … ولو أمضى بها حُكمَ المنون فقلت: للَّه درُّك ما أبدع هَذَا المعنى، فكاتِبْ أخاك بما فيه استعطاف واستلطاف. قَالَ العماد: فلو تُرِك الأفضلُ وفِطْنته الذكية، لجرت الأمور عَلَى

стр. 12052

السداد، ولكن أصحابه وجلساءه أفسدوا أحواله، ورموا أكابر أمرائه بالمكاتبة والخيانة، فوقعت الوحشة، وقالوا له: أنت أحق بالسلطنة، وأنت أكبر الإخوة، وأنت ولي عهد أبيك. فتفرق عنه كبراء دولته، وتوجهوا إلى العزيز. فكان إذا قدم منهم أمير بالغ في إكرامه، فأخذوا يحرضون العزيز على قصد دمشق. وأقبل الأفضل مع هذا على الشرب والأغاني ليله ونهاره، وأشاع ندماؤه أن عمه العادل حضر عنده ليلة، وحسن له ذلك واستحسن المجلس، وقال: أي حاجةٍ لك إلى التكتم، ولا خير في اللذات دونها ستر. فقبل وصية عمه وتظاهر. ودبر وزيره الأمور برأيه الفاسد. ثم إن الأفضل أصبح يومًا تائبا ًمن غير سبب، وأراق الخمور، وأقبل على الزهد، ولبس الخشن وأكثر التعبد. وواظب على صيام أكثر الأوقات، وشرع في نسخ مصحف، وضرب أواني الشرب دراهم ودنانير، واتخذ لنفسه مجلسا مسجدًا وجالس الفقراء. قال ابن واصل (١)، وغيره: ولكنه كان قليل السعادة، ضعيف الآراء.

стр. 12053

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) الموتى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ١ - أحمد بن سالم بن نبهان، أبو سعيد الأسدي، المطَّوعي، القاضي. حدث في هذا العام بالإجازة ببغداد عن أحمد بن محمد الزمخشري. روى عنه أحمد بن محمود الواسطي. ومولده سنة خمسمائة. ٢ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو العباس ابن اليتيم الأنصاري، البلنسي، الأندرشي المقرئ. أخذ القراءات عن أبي الحسن بن موهب الجذامي، وأبي علي بن عُريب (١)، وأبي إسحاق بن صالح، وأبي العباس ابن العريف، وجماعة لقيهم بالمرية وسمع منهم. ومن ابن ورد، وابن عطية، وابن اللوّاز. وأجاز له أبو علي بن سُكرة. وتصدَّر للإقراء بمالقة، وأخذ الناس عنهم. قال الأبّار (٢): حدثنا عنه ابنه أبو عبد الله، وأبو القاسم بن بقي، وأبو الخطاب الكلبي. وتُوفي في رمضان بالمريَّة. ٣ - أحمد بن محمد بن أحمد بن علي ابن الطيبي، أبو العباس المعدل، والد الوزير أبي المظفر عُبيد اللَّه. سمع من المعمر بن محمد البيع، وقاضي المرستان. وحدَّث (٣). ٤ - إبراهيم بن محمد بن المنذر بن أحمد بن سعيد بن ملكون. الأستاذ أبو إسحاق الحضرمي، النحوي، الإشبيلي.

стр. 12054

سمع من أبي مروان الباجي، وشُريح بن محمد، وعبّاد بن سرحان، وأبي الوليد بن حجَّاج، وأبي القاسم ابن الرماك، وعنهما أخذ علم العربية والأدب فرأسَ فيهما وبرع. وأجاز له أبو الحسن بن مغيث، وجماعة. واشتهر اسمه وصنف ايضاح المنهج جمع فيه بين كتابي ابن جنّي على الحماسة: التنبيه والمبهج، وصنَّف غير ذلك. أخذ عنه جماعة من الجلة، وأجاز لأبي سليمان بن حوط اللَّه. وتُوفي بإشبيلية، ودُفن بداره. حَمل عنه أبو علي الشلوبين، والقاضي أبو مروان الباجي (١). ٥ - إسماعيل بن مكي بن إسماعيل بن عيسى بن عوف. من ولد حُميد بن عبد الرحمن بن عوف. صدر الإسلام أبو الطاهر القرشي الزُّهري الإسكندري، الفقيه المالكي. ولد سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وتفقه على أبي بكر الطرطوشي، وبرع في المذهب وأقرأ الناس، وتخرج به جماعة. وسمع من الطرطوشي، وأبي عبد اللَّه محمد بن أحمد الرازي. كتب عنه الحافظ أبو طاهر بن سِلفة وهو من شيوخه. وحدَّث عنه الحافظ عبد الغني المقدسي، وعبد القادر الرُّهاوي، وعلي بن المفضل، وآخرون، وأحفاده الحسن وعبد اللَّه وعبد العزيز بنو الفقيه عبد الوهاب ولده. ورحل إليه السّلطان صلاح الدّين يوسف، وسمع منه الموطأ. تُوفي في الخامس والعشرين من شعبان (٢). ٦ - بهلوان بن إلدِكز. الأتابَك شمس الدّين صاحب أذربيجان وعراق العجم أصبهان، والرّي، وبلاد أرّان. كان أبوه الأتابك إلدكز كبير القدر، وكان أتابك السّلطان رسلان شاه بن طُغريل بن محمد بن ملكشاه، فمات هو وسلطانه في سنة سبعين وخمسمائة، فتملك البهلوان إلى أن مات في آخر هذا العام، وقام بعده الملك قزل أخوه من

стр. 12055

أمه، فبقي إلى أن مات سنة سبعٍ وثمانين وخمسمائة. وكان البهلوان قد أقام في الملك طغريل بن أرسلان شاه آخر ملوك بني سلجوق، فكان من تحت حكم البهلوان. وخلف البهلوان فيما قيل خمسة آلاف مملوك وثلاثين ألف دابّة، ومن الأموال ما لا يُحصى. ثم قوي طُغريل وتحارب هو وقزل، وجرت أمور طويلة (١). ٧ - ثعلب بن علي بن حسن، أبو الوحش الأنصاري، المصري، الكاتب. روى عن عبد اللَّه بن رفاعة، وأحمد بن الحُطيئة. وعنه الحافظ ابن المفضل (٢). ٨ - الحسن بن سعيد بن أحمد ابن البنّاء، أبو محمد. من بيت الحديث والإسناد. قد ذكرناه في سنة اثنتين وسبعين (٣). وبعض الناس ذكر أنه مات في هذا العام في شعبان، فالله أعلم. ٩ - الحسن بن محمد بن عبيد الله، أبو علي المقدسي ثم المصري، عرف بابن القطان، والد القاضي أبي عبد الله محمد، ويعرف برضي الدولة. لا رواية له (٤). ١٠ - حياة بن قيس بن رحّال بن سلطان الأنصاري، الحراني، الزاهد، شيخ حران وصالحها، قُدوة الزهاد بها. كان عبدًا لله صالحًا، ناسكًا، قانتًا لله، صاحب أحوال وكرامات، وصدق وإخلاص، وجدٌّ واجتهاد، وتعفُّف وانقباض. كانت الملوك والأعيان يزورونه ويتبرَّكون بلقائه. وكان كلمة إجماع بين أهل بلده. وقيل: إن السّلطان نور الدّين بن زنكي زاره واستشاره في جهاد الفرنج،

стр. 12056

فقوّى عَزمه ودعا له، ولما توجَّه السّلطان صلاح الدّين إلى حرب صاحب الموصل دخل على الشيخ حياة وطلب منه الدُّعاء، فأشار عليه بترك المسير إلى الموصل، فلم يقبل، وسار إليها فلم يظفر بها. ومن شيوخه: أبو عبد الله الحُسين البواري الرجل الصالح تلميذ الشيخ مُجلّي بن ياسين. وللشيخ حياة سيرةٌ في نحو مجلَّد كانت عند ذريته، فلما استولت التتار الغازانية على الشام نهبت فيما نُهب بالصالحية. وقد بَلَغَنا عنه أنه كان ملازمًا لزاويته بحرّان نحوًا من خمسين سنة لم تَفُته الجماعة إلا من عُذرٍ شرعي. وكان بشوش الوجه، لين الجانب، رحيم القلب، سخيًا كريمًا، محبًا لله، راجيًا عفوه وكرمه، صاحبَ ليلٍ وتهجُّد. انتقل إلى اللَّه في ليلة الأربعاء سلخ جُمادى الأولى سنة إحدى وثمانين هذه، وله ثمانون سنة، ﵀، ولم يخلف بحران بعده مثله. نقلتُ كثيرًا من ترجمته من تاريخ صاحبنا العدل الجليل شمس الدّين أبي المجد محمد بن ابراهيم ابن الجزري، وهو تاريخ مفيد استفدت منه أشياء مطبوعة لا تكاد توجد إلا فيه. وقد كنت انتخبتُ منه مجلدًا هو الآن ملك الفقيه المحدّث الأوحد صاحبنا صلاح الدّين خليل بن كيكلدي الشافعي، حفظه اللَّه وأصلحه (١). ١١ - سعد الدين، ولد الأمير مقدم الجيوش معين الدّين أنر، اسمه مسعود. كان من أكابر الأمراء النورية والصلاحية لأبوته ولمكان أخته الخاتون زوجة نور الدّين وصلاح الدّين. توفي في هذه السنة بعد أخته بيسير. وكان زوج ربيعة خاتون أخت السّلطان صلاح الدّين، فتزوج بعده بها ابن صاحب إربل (٢).

стр. 12057

١٢ - سعيد بن أبي البقاء الموفق بن علي بن جعفر، أبو محمد النيسابوري، ثمّ البغدادي، الصوفي، الخازن. صحب شيخ الشيوخ إسماعيل بن أبي سعد، وكان برباطه. وُلد سنة خمس وخمسمائة، وسمع هبة اللَّه بن الحصين، والحسين بن الفرخان السمناني. روى عنه ابنه محمد، وعبد العزيز بن دلف، وجماعة (١). ١٣ - شاكر بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه، الرئيس أبو اليسر التنوخي، المعري، ثمّ الدمشقي، كاتب الإنشاء. كان أديبًا فاضلًا، جليلًا، ذكيًا، شاعرًا. قرأ الأدب على جده القاضي أبي المجد محمد بن عبد اللَّه بحماة. وسمع من أبي عبد اللَّه الحسين ابن العجمي، وغيره. وحدث. وولد بشيزر في سنة ست وتسعين وأربعمائة. روى عنه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر مع تقدمه، وهو جد المحدث تقي الدّين إسماعيل. وكان كاتب إنشاء ديوان الملك نور الدين. وروى عنه أيضا: ابنه إبراهيم، وأبو القاسم بن صصرى (٢). ١٤ - شاه أرمن، صاحب مملكة خلاط. توفي بها في تاسع ربيع الآخر، وتملك بعده مملوكه بكتمر (٣). ١٥ - عبد اللَّه، أبو طالب ابن النقيب الطاهر أبي عبد اللَّه أحمد بن علي بن المعمر العلوي، الحسيني، البغدادي، النقيب. ولي النقابة بعد أبيه، وله شعر جيد (٤). ١٦ - عبد اللَّه بن أسعد بن علي بن عيسى، مهذب الدّين أبو الفرج ابن الدهان، الموصلي، الفقيه، الشافعي، الأديب، الشاعر. ويعرف أيضًا بالحمصي.

стр. 12058

لَهُ ديوان صغير؛ كَانَ مجموع الفضائل. لما ضاقت بِهِ الحال بالموصل وعزم عَلَى قصد الملك الصالح طلائع بْن رُزّيك وزير مصر، كتب إلى الشريف ضياء الدّين زَيْد بْن مُحَمَّد نقيب المَوْصِل (١): وذات شجوٍ أسالَ البَيْنُ عَبْرَتَها … باتت تُؤمِّلُ بالتّقييد إمساكي لجَّت فَلَمَّا رأتْني لا أُصيخُ لها … بكتْ فأقرحَ قلبي جفنها الباكي قالت وقد رأت الأجمال مخدجة … والبَيْنُ قَدْ جمع المشكُوَّ والشّاكي: منْ لي إذا غبتَ فِي ذا المحْلِ قُلْتُ لها … اللَّه وابنُ عُبَيْد اللَّه مولاكِ فَقَام النقيب بواجب حقها مدة غيبته بمصر. ومدح ابن رزيك بالقصيدة الكافية التي يقول فيها (٢): أأمدحُ التُّرْكَ أبغي الفضلَ عندهُمُ … والشِّعرُ ما زال عِنْد التُّركِ متروكا؟ لا نِلتُ وصْلَكِ إنْ كَانَ الَّذِي زعموا … ولا شفا ظَمَأي جودُ ابنِ رُزِّيكا ثُمَّ تقلّبت بِهِ الأحوال، وتولى التدريس بحمص. ثُمَّ قدِم عَلَى السّلطان صلاح الدّين، فأحسن إِلَيْهِ، وله فِيهِ مدائح جيدة. ومن شعره (٣): يُضْحِي يُجَانُبني مُجانَبَةَ العِدَى … ويَبيتُ وَهُوَ إلى الصّباح نديمُ ويمرُّ بي يخشى الرقيبَ فلفظُه … شتمٌ، وغنجُ لحاظِه تسليم وله (٤): قالوا: سلا، صدقوا، عن السلـ … ـوان ليس عن الحبيب قالوا: فلم ترك الزيا … رة؟ قلت: من خوف الرقيب قالوا: فكيف تعيش … مَعَ هَذَا؟ فقلتُ: منَ العجيبِ

стр. 12059

ومن شعره (١): تُردي الكتائبَ كُتْبُهُ فإذا انبرت … لَمْ تدرِ أنفَذ أَسطرًا أم عسكرا لَمْ يُحسِن الإتْرابَ فوق سُطورها … إلا لأنّ الجيش يَعقدُ عِثْيَرا (٢) وقَالَ جمال الدّين القفطي (٣): ابن الدهان نَحْويّ، أديب، شاعر، قدِم الشام صُحبة أَبِي سعد بْن عصرُون، وكان يلزم درسَه؛ ثُمَّ إنَّه ولي التدريس بحمص. تُوفي فِي شعبان بحمص (٤). ١٧ - عبد اللَّه بن سماقة، قِوام الدّين أبو محمد، وزير ابن قُرا رسلان. دخل عليه في ثامن رمضان مماليك مخدومه فطلبوه إلى الخدمة فجاء ودخل في الدهليز، فأغلقوا الباب الذي دخل منه، والباب الذي من جهة الأمير وقتلوه، وأخرجوه. ١٨ - عبد اللَّه بن محمد بن أبي عُبيد البكري، القرطبي، أبو عُبيد. روى عن جعفر بن مكي، وأبي جعفر البطروجي، وغيرهما. وكان من أهل المعرفة باللغة والأدب. وكان جده أبو عُبيد عبد اللَّه بن عبد العزيز من مفاخر الأندلس. وهذا أخذ عنه أبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم الملاحي، وابنا حوط الله. وتُوفي بقرطبة عن أربع وسبعين سنة في جمادى الأولى، قاله الأبّار (٥). ١٩ - عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن حسين بن سعيد، أبو محمد الحافظ الأزدي، الإشبيلي، ويُعرف أيضًا بابن الخرّاط. روى عن شريح بن محمد، وأبي الحكم بن برجان، وعمر بن أيوب، وأبي بكر بن مدير، وأبي الحسن طارق، وطاهر بن عطية. وأجاز له محدث الشام أبو القاسم ابن عساكر، وغيره. ونزل بجاية وقت فتنة الأندلس بانقراض

стр. 12060

الدولة اللمتونية، فبث بها علمه وصنف التصانيف، وولي الخطبة والصلاة بها. قال الأبار (١): وكان فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح، والزهد، والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب وقول الشعر. وقد صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى. سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مروان الشهيد بلبلة، فحظي عبد الحق دونه؛ وله الجمع بين الصحيحين مصنف. وله مصنف كبير في الجمع بين الكتب الستة. وله كتاب في المعتل من الحديث، وكتاب في الرقائق، ومصنفات أخر. وله في اللغة كتاب حافل ضاهى به كتاب الغريبين للهروي. حدثنا عنه جماعة من شيوخنا. ولد سنة عشرٍ وخمسمائة. وتوفي ببجاية بعد محنةٍ نالته من قبل الولاة في ربيع الآخر. ومن شعره: واهًا لدنيا ولمغرورها … كم شابت الصفو بتكديرها أي امرئ أمن في سربه … ولم ينله سوء مقدورها وكان ذا عافيةٍ جسمه … مَن مس بلواها وتغييرها وعنده بلغة يومٍ فقد … حيزت إليه بحذافيرها سمع من ابن عطية صحيح مسلم عن محمد بن بشر، عن الصدفي، عن العذري، نازلًا. وذكر ابن فرتون أن وفاته كانت سنة اثنتين وثمانين. وقال: حدثني عنه أبو ذر، وأبو الحجاج ابن الشيخ، وأبو عبد اللَّه بن نقيمش. وحدثني أبو العباس العزفي (٢) بسبتة: كتب إلي عبد الحق قال: حدثنا عبد العزيز بن خلف بن مدير، قال: حدثنا أبو العباس العذري، قال: حدثنا محمد بن روح بمكة، قال: حدثنا الطبراني، فذكر حديثًا. ومن شعره رحمه الله تعالى:

стр. 12061

إن في الموت والمعاد لشغلًا … وادكارًا لذي النهى وبلاغا فاغتنم خطتين قبل المنايا … صحة الجسم يا أخي والفراغا (١) قلت: وروى عنه أبو الحسن علي بن محمد المعافري خطيب الأندلس. ٢٠ - عبد الرحمن بن إسماعيل بن جعفر بن أحمد بن صولة، أبو القاسم المصري، المالكي، الكاتب المعدل. حدث عن الفقيه سلطان بن إبراهيم المقدسي. توفي في ذي القعدة (٢). ٢١ - عبد الرحمن بن أيوب بن تمام، أبو القاسم الأنصاري، المالقي. روى عن أبي بكر ابن العربي، وأبي الحسن شريح، وأبي جعفر البطروجي، وجماعة. وكان عالمًا بالعربية، واللغة، والآداب، مبرزًا فيها، مع مشاركة في الفقه والحديث. استوطن دانية وأقرأ بها العربية، وأسمع الحديث. روى عنه جماعة. وتوفي في شوال؛ قاله الأبار (٣). ٢٢ - عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أحمد بن أصبغ بن الحسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح. الإمام الحبر أبو القاسم، وأبو زيد، ويقال أيضًا: أبو الحسن، ابن الخطيب أبي محمد ابن الخطيب أبي عمر بي أبي الحسن الخثعمي السُّهيلي، الأندلسي المالقي، النحوي، الحافظ، صاحب المصنفات. أخذ القراءات عن سليمان بن يحيى، وبعضها عن أبي علي منصور بن الخير. وسمع أبا عبد اللَّه المعمر، وأبا بكر ابن العربي، وأبا عبد الله بن مكي، وأبا عبد الله بن نجاح الذَّهبي، وجماعة. وأجاز له أبو عبد الله ابن أخت غانم، وغيره. وناظرَ على أبي الحسين ابن الطَّراوة في كتاب سيبويه وسمع منه كثيرًا من كتب اللغة والآداب. وكفَّ بصره وهو ابن سبع عشرة سنة. وكان عالمًا بالقراءات، واللُّغات، والغريب، بارعًا في ذلك. تصدَّر

стр. 12062

للإقراء والتدريس والحديث. وبعُدَ صيته، وجلَّ قدره. جمع بين الرواية والدراية، وحمل الناس عنه؛ وصنَّف الروض الأنُف في شرح السيرة لابن إسحاق، دل على تبحره وبراعته. وقد ذكر في آخره أنه استخرجه من نيفٍ وعشرين ومائة ديوان (١). وللسُّهيلي في ابن قرقول: سَلا عَنْ سَلا أهلَ المعارف والنُّهى … بها ودعا أمَّ الرَّباب ومَأْسَلَا بَكَيْتُ دمًا أزمانَ كَانَ بسبتة … فكيف التأسي حين منزله سَلا وقال أناسٌ: إنَّ في البعد سلوة … وقد طال هذا البعد والقلب ما سلا فليت أبا إِسْحَاق إذْ شطَّت النَّوَى … تحيَّته الْحُسْنَى مَعَ الريح أرسلا فعادت دبُور الريح عندي كالصِّبَا … لدى عُمَر إذا مر زَيْد تنسلا وَقَدْ كَانَ يُهديني الحديثَ مُعَنْعَنًا … فأصبح موصول الأحاديث مُرسلا وله كتاب التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام، وكتاب شرح آية الوصية، وشرح الجُمل ولم يتمه. واستدعي إلى مراكش ليسمع منه بها. وبها تُوفي في الخامس والعشرين من شعبان هو والإمام أبو الطاهر إسماعيل بن عوف شيخ الإسكندرية في يوم واحد، وعاش ثنتين أو ثلاثًا وسبعين سنة. قال ابن خلكان (٢): فتُّوح جدهم هو الداخل إلى الأندلس، سمع منه أبو الخطاب بن دحية. وقال: كان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه وأحسن إليه، وأقبل عليه. وأقام بها نحوًا من ثلاثة أعوام. وسُهيل قرية بالقرب من مالقة سُميت بالكوكب، لأنه لا يُرى من جميع الأندلس إلا من جبلٍ مُطلّ على هذه القرية. ثم وجدت على كتاب الفرائض للسُّهيلي أنه ولد بإشبيلية سنة ثمان وخمسمائة، وأنه وُلي قضاء الجماعة، فحسنت سيرته (٣).

стр. 12063

٢٣ - عبد الرحمن بن محمد بن الحسين بن علي، أبو القاسم السبيي، ثم المصري؛ الرجل الصالح، المعروف بابن نُخيسة الجيار. وُلِد سنة ثمانٍ وخمسمائة. وسمع من سلطان بن إبراهيم المقدسي؛ وأجاز له محمد بن عبد الله بن الحسن بن طلحة التنيسي ابن النّخّاس. روى عنه المصريون. قال الحافظ زكي الدّين المنذري (١): حدثنا عنه جماعة من شيوخنا. وسبية: مثل صبية بباء موحدة (٢)، من قُرى عسقلان، ونُخيسة والنّخّاس: بنون ثم خاء معجمة فيهما (٣). والجيار: بجيم، ثم ياء آخر الحروف (٤). ٢٤ - عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن عباس، أبو القاسم، وأبو محمد الجذامي المقرئ، نزيل سبتة. روى عن أبي الحسن بن مغيث، وأبي عبد اللَّه بن مكي، وأبي الحسن شُريح وقرأ عليه القرآن، وعلى أبي القاسم بن رضا. وتصدر للإقراء والتحديث. حدَّث عنه أبو سليمان، وأبو محمد ابنا حوط اللَّه، وأيوب بن عبد الله، وغيرهم (٥). ٢٥ - عبد الرزاق بن نصر بن المسّلم بن نصر، أبو محمد، وأبو مسلم الدمشقي، النجار، البناء. سمع من أبي طاهر محمد بن الحسين الحنائي، وأبي الحسن ابن الموازيني، وهبة اللَّه ابن الأكفاني، وأبي عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء، وأبي الحسن بن مسلم الفقيه، وعبد الرحمن بن صابر.

стр. 12064

وولد في سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة. وتًوفي في سادس ربيع الآخر (١). روى عنه عبد القادر الرهاوي، وعبد الله ابن الخُشوعي، وأبو المعالي أحمد ابن الشيرازي، والشمس محمد بن عبد الهادي المقدسي، والأمين أبو الغنائم سالم بن صصرى، والتاج محمد بن أبي جعفر القرطبي، وآخرون. ٢٦ - عبد الصمد بن الحسين بن أبي الوفاء عبد الغفار، أبو المظفر الكلاهيني (٢)، الزنجاني، الصوفي، الواعظ المعروف بالبديع. وعظ ببغداد دهرًا، وأخذ الوعظ عن أبي النجيب السهروردي وصحبه. وحدث بـ مسند أحمد كله عن ابن الحُصين. وروى أيضًا عن زاهر الشحامي. قال ابن الدَّبيثي (٣): وكان له رباط بقراح القاضي يجلس فيه، وعنده جماعة من الفقراء. قلت: وقرأ عليه الحافظ أبو بكر الحازمي المُسند. وتوفي في ربيع الآخر. وكان ذا تعبدٍ وتألهٍ. ٢٧ - عُبيد اللَّه بن عبد الله بن محمد بن نجا بن شاتيل، أبو الفتح البغدادي، الدّباس. سمع أباه، والحسين بن علي ابن البسري، وأبا غالب محمد بن الحسن الباقلاني، وأحمد بن المظفر بن سوسن، وأبا الحسن ابن العلاف، وانفرد عنهم سوى أبيه؛ وأبا سعد بن خُشيش، وأبا القاسم علي بن الحسن الربعي، وأُبيا النرسي، وأبا علي بن نبهان، وطائفة. ووجد سماعه منقولًا بخط أبي بكر بن كامل على جزء الإفك، من أبي الخطاب ابن البطر سنة تسعين وأربعمائة، فسمعه عليه قوم، فإن كان سماعه صحيحًا فتاريخه غلط، وإن كان تاريخه صحيحًا فيكون لأخ له باسمه مات. قال ابن النجار (٤): مع أن أكثر أصحاب الحديث أبطلوا سماعه من ابن

стр. 12065

البطر، فإنه ذكر أن مولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وقال بعضهم عنه: إنه وُلد سنة تسع وثمانين وأربعمائة. روى عنه أبو سعد ابن السمعاني مع تقدمه، وابن الأخضر، والشيخ الموَّفق، والبهاء عبد الرحمن، والعز محمد ابن الحافظ، وأبوه، وسالم بن صصرى، ومحمد بن أبي بكر الحمامي، ومحمد بن علي بن بقاء السباك، وفضل اللَّه الجيلي، وخلق كثير (١). وكان مُسند بغداد في عصره. وآخر من روى عنه بالإجازة الزين أحمد بن عبد الدائم. قال أبو الحسن محمد بن أحمد القطيعي: سألته عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وتوفي في العشرين من رجب. ووقع له حديثٌ بينه وبين أبي داود السجستاني، فيه ثلاثة أنفس (٢). ٢٨ - عُبيد اللَّه بن علي بن غلندة، أبو الحكم الأندلسي، مولى بني أمية. نزل إشبيلية، وكان شاعرًا، طبيبًا، ماهرًا، بارع الخط. نقل بخطّه الكثير. وطال عُمره. وتُوفي بمراكش (٣). ٢٩ - عساكر بن علي بن إسماعيل بن نصر، أبو الجيوش الصوري المولد، الخندقي المنشأ، المصري، المقرئ، النحوي، الشافعي، المعدل. ولد سنة تسعين وأربعمائة، وأخذ القراءات عن أبي الحسين أحمد بن محمد بن شمول (٤) المقرئ، وعلي بن عبد الرحمن بن القاسم الحضرمي نفطويه، وأبي إسحاق إبراهيم بن أغلب النحوي، والشريف الخطيب. وسمع من محمد بن أحمد الرازي. وتفقَّه على قاضي القضاة مُجلِّي بن جُميع. وقرأ العربية على ابن بري، وغيره.

стр. 12066

وتصدَّر للإقراء بدار العلم وبالجامع الظافري. وانتفع به الناس. أخذ عنه علم الدّين السخاوي، وجماعة. وتُوفي في تاسع المحرَّم. وكان رجلا صالحًا خيِّرًا (١). ٣٠ - عصمة الدين، الخاتون المحترمة بنت الأمير معين الدّين أنر. زوجة السّلطان نور الدين، ثم زوجة السّلطان صلاح الدّين. تزوج بها صلاح الدين في سنة اثنتين وسبعين، وكانت من أعف النساء وأجلّهن، وأوفرهنّ حشمةً. وهي واقفة المدرسة الخاتونية بمحلة حجر الذهب بدمشق، والخانقاه الخاتونية التي على بانياس. أما الخاتونية التي في آخر الشُرف القبلي فمنسوبة إلى زُمُرُّد خاتون بنت جاولي أخت الملك دُقاق لأمّه، وزوجة أتابك زنكي والد نور الدين. تُوفيت عصمةُ الدّين بدمشق في ذي القعدة، وتُعرف بالخاتون العصمية، ودفنت بتربتها المنسوبة إليها بقاسيون قبلي قبة شركس. ومنارتها كلها حجر (٢). ٣١ - عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسين، أبو حفص القرشي، العبدري، الميانشي، شيخ الحرم. حدث عن القاضي أبي المظفَّر محمد بن علي بن الحسين الشيباني الطبري، وأحمد بن معد الإقليشي، ومحمد بن علي المازري، وأبي طاهر السلفي. ولقي أبا عبد الله محمد بن أحمد الرازي وفرَّط به، فأكثر ما عمل أنه تناول منه سُداسياته. روى عنه عبد الرحمن بن أبي حًرمي، وجماعة. وآخر من حدَّث عنه صدر الدّين أبو علي البكري. توفي بمكة في جمادى الأولى. وكان محدثًا متقنًا صالحًا، صنَّف جزءًا في ما لا يسع المحدث جهله (٣).

стр. 12067

٣٢ - الفضل بن الحسين بن إبراهيم بن سليمان، أبو المجد الحميري، البانياسي، الرئيس عفيف الدين. من كبار شيوخ دمشق. وُلد بها في رجب سنة خمسٍ وتسعين وأربعمائة. وهو آخر من حدَّث عن أبي القاسم الكلابي. وحدث أيضًا عن أبي الحسن علي، وأبي الفضل محمد ابني الحسن ابن الموازيني، وغيرهم. روى عنه موفق الدّين الحنبلي، والبهاء عبد الرحمن، والحافظ الضياء، وعبد الرحمن بن أبي حَرمي المكي، وآخرون. وتوفي في سابع شوال. ولم يكن من بانياس، وإنما خزن مرةً أرُزًا كثيرًا من بانياس، فكان الرزازون يقول أحدهم: اذهبوا بنا نشتري من البانياسي. وإليه يُنسب الدَّرب الذي في الكتانيين (١). ٣٣ - محمد ابن الملك أسد الدّين شيركوه بن شاذي بن مروان. الملك القاهر ناصر الدين، صاحب حمص، ابن عم صلاح الدّين. تُوفي بحمص يوم عرفة، وقت الوقفة، بمرضٍ حادٍ مزعج، وتملَّك حمص بعده ولده الملك المجاهد أسد الدّين شيركوه فطالت أيامه. وكان السّلطان صلاح الدّين قد مرض في هذه السنة بحران في شوال حتى اشتد مرضه وأوصى، فسار من عنده ناصر الدّين محمد واجتاز بحلب، وأخذ جماعة من الأحداث وأعطاهم مالًا ووعدهم، وقدِم حمصَ فكاتب أهل دمشق بأن تكون له دمشق إن مات ابن عمه. ثم عوفي صلاح الدّين. وقيل: إنه سكر فقتله الخمر، وقيل: ابن عمه سقاه سُمًّا، ونقلته زوجته بنت عمه ست الشام بنت أيوب إلى تربتها بمدرستها الشامية بظاهر دمشق، ودفنته عند أخيها شمس الدولة تورانشاه. وكان موصوفًا بالشجاعة والإقدام، له نفسٌ أبيه، وهمة أيوبية. قال ابن واصل (٢): شرب خمرًا فأكثر منها فأصبح ميتًا. فأقطع السّلطان لولده الملك المجاهد وله اثنتا عشرة سنة، فتملك حمص بضعًا وخمسين سنة. وذكر العماد الكاتب أن التركة بلغت ما قيمته ألف ألف دينار.

стр. 12068

٣٤ - محمد بن عبد الواحد بن عبد الوهاب بن الحسين بن علي. الحافظ أبو سعد الأصبهاني، الصائغ. ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة. وسمع من أبي القاسم غانم البرجي، وأبي علي الحداد، وحمزة بن العباس العلوي، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وصاعد بن سيار الدهان، وأبي عدنان محمد بن أحمد، ويحيى بن منده، وقوام السنة إسماعيل بن محمد التيمي، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق، وطائفة. ورحل إلى الجبال، وفارس، وخوزستان. وسمع بهمذان من جُميع بن الحسن، وأبي طاهر محمد بن عبد الغفار، وأبي جعفر محمد بن أبي علي الحافظ. سمع بشيراز من أبي منصور عبد الرحيم بن محمد بن أحمد الخطيب، وأبي الفتح هبة اللَّه بن الحسن، ومن جماعة. وسمع بالأهواز من أبي القاسم عبد العزيز بن الحسين. وحدث وخرج. وقد كتب عنه من أماليه الحافظ أبو سعد السمعاني. وروى عنه الحافظ عبد الغني، والفقيه أبو نزار ربيعة اليمني وآخرون. وبالإجازة: كريمة، وابن اللَّتّي. وتُوفي في الثاني والعشرين من ذي القعدة (١). ٣٥ - محمد بن علي بن محمد، أبو الفوارس العجلي البعقوبي. ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة. وسمع من محمد بن طراد، وعلي بن الصباغ. وحدَّث (٢). ٣٦ - محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد، الحافظ الكبير أبو موسى المديني، الأصبهاني، صاحب التصانيف وبقية الأعلام. وُلد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة. وسمع حضورًا في سنة ثلاثٍ باعتناء والده من أبي سعد محمد بن محمد المطرِّز، ومات المطرز في شوال سنة ثلاثٍ وخمسمائة. وسمع من أبي منصور محمد بن مندويه الشُّروطي، وغانم البرجي، وأبي علي الحداد، وأبي الفتح محمد بن عبد الله خوروست،

стр. 12069

وأبي الفتح محمد بن عبد اللَّه الشرابي بِليزة، وأبي الرجاء محمد بن أبي زيد الجركاني، ومحمد بن أحمد بن المطهر العدناني، وأبي الفضل محمد بن طاهر الحافظ، ومحمد بن الفضل القرابي القصار، وأبي الرجاء أحمد بن عبد اللَّه بن منده، وإبراهيم بن أبي الحسين محمد بن أبرويه، وإبراهيم بن عبد الواحد بن أبي ذر الصالحاني، وإسماعيل بن الفضل الإخشيد، وأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ وبه تخرَّج وهو أستاذه، وإسحاق بن أحمد الراشتيناني (١)، وتميم بن علي الواعظ، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي، وحمزة بن العباس العلوي، وأبي شكر حمد بن علي الحبال، وحبيب بن أبي مسلم الزاهد، ورجاء بن إبراهيم الخباز، وطلحة بن الحسين الصالحاني، وطاهر بن أحمد البزاز، وأبي نهشل عبد الصمد بن أحمد العنبري، وعبد الكريم بن علي بن فورجة، وعبد الواحد بن محمد الدشتج، وعثمان بن عبد الرحيم اللبيكي، النيسابوري، وعلي بن عبد اللَّه النيسابوري الواعظ يرويان عن ابن مسرور؛ وغانم بن علي العطار مشكة، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي الأشقر، ونصر بن أبي القاسم الصباغ، ونوشروان بن شيرزاد الديلمي، وهبة اللَّه بن الحسن الأبرقوهي، وهبة اللَّه بن الحصين، سمع منه المسند؛ وهبة اللَّه ابن الطبر الحريري، وهادي بن إسماعيل العلوي، والهيثم بن محمد المعداني، ويحيى بن عبد الوهاب بن منده الحافظ، وخجستة بنت علي بن أبي ذر، ودعجاء بنت أبي سهل الكاغدي، وفاطمة الجوزدانية، وأبي العز بن كادش، وخلق كثير ببلده، وببغداد، وهمذان. وصنف التصانيف النافعة. وكان واسع الدائرة في معرفة الحديث، وعلله، وأبوابه، ورجاله، وفنونه، ولم يكن في وقته أحد أحفظ منه، ولا أعلم، ولا أعلى سندًا ممن يعتني بهذا الشأن. قال ابن الدبيثي (٢): عاش حتى صار أوحد وقته وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا. وقال أبو سعد السمعاني: سمعت منه وكتب عني، وهو ثقة صدوق.

стр. 12070

قلت: وروى عنه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، والحافظ عبد الغني، والحافظ عبد القادر الرهاوي، والحافظ محمد بن مكي، وعبد العظيم بن عبد اللطيف الشرابي، والحسن بن أبي معشر الأصبهاني، والناصح ابن الحنبلي، وأبو نجيح محمد بن معاوية مقرئ أصبهان، وخلق كثير. وبالإجازة: الفقيه محمد اليونيني، وعبد اللَّه ابن الخشوعي، وآخرون. وكانت رحلته إلى ابن الحصين سنة أربع وعشرين وخمسمائة. ثم قَدم بغداد ثانيًا في سنة اثنتين وأربعين، وعاد إلى بلده وأقبل على التصنيف والإملاء وتعليم العلم والأدب. ومن مصنفاته الكتاب المشهور في تتمة معرفة الصحابة الذي ذيّل به على أبي نعيم (١)، يدل على تبحره وحفظه، وكتاب الطوالات مجلدان، وكتاب تتمة الغريبين يدل على براعته في اللغة والغريب، وكتاب الوظائف، وكتاب اللطائف وكتاب عوالي التابعين، وغير ذلك. وعرض من حفظه كتاب علوم الحديث للحاكم على إسماعيل الحافظ. قال الحافظ عبد القادر: إن أبا موسى حصل من المسموعات بأصبهان خاصة ما لم يحصل لأحد في زمانه فيما أعلم، وانضم إلى كثرة مسموعاته الحفظ والإتقان. وله التصانيف التي أربى فيها على تصانيف بعض من تقدمه، مع الثقة فيما يقول، وتعففه الذي لم نره لأحد من حفاظ الحديث في زماننا، له شيء يسير يتربح به وينفق منه، ولا يقبل من أحد شيئا قط، حتى إنه كان ببعض قرى أصبهان رجل من أهل العلم والدين أراد أن يحج حج نافلة، فجاء جماعة إلى الحافظ أبي موسى فسألوه أن يشفع إليه في قعوده عن الحج لما يرجون من الانتفاع بإقامته، فخرج معهم إلى القرية راكبًا على حمار، فأجابه إلى ذلك، فحملوا إلى أبي موسى شيئًا من الذهب، فلم يقبله. فقالوا: فرقه في

стр. 12071

أصحابك. فقال: فرقوه أنتم إن شئتم. وحدثني بعض من رحل بعدي إلى أصبهان أن رجلًا من الأغنياء أوصى إلى الشيخ أبي موسى بمال كثير يفرقه في البر، فلم يقبل، وقال: بل أوص إلى غيري، وأنا أدلك إلى من تدفعه إليه. ففعل. وفيه من التواضع بحيث إنه يقرئ كل من أراد ذلك من صغير وكبير. ويرشد المبتدئين، حتى رأيته يحفظ صبيانًا القرآن في الألواح. ولا يكاد يستتبع أحدًا إذا مضى إلى موضع، حتى إنني تبعته مرة فقال: ارجع. ثم تبعته، فالتفت إلي مغضبًا وقال لي: ألم أقل لك لا تمش خلفي، أنت إذا مشيت خلفي لا تنفعني، وتبطل عن النسخ؛ وترددت إليه نحوا من سنة ونصف، فما رأيت منه ولا سمعت عنه سقطة تعاب عليه. وقال محمد بن محمود الرويدشتي: توفي الحافظ أبو موسى في تاسع جمادى الأولى. وكان أبو مسعود كوتاه الحافظ يقول: أبو موسى كنز مخفي. وقال الحسين بن يوحن الباوري: كنت في مدينة الخان فجاءني رجل فسألني عن رؤيا، قال: رأيت كأن رسول الله ﷺ توفي. فقلت: هذه رؤيا الكبار، وإن صدقت رؤياك يموت إمام لا نظير له في زمانه. فإن هذا المنام رئي حالة وفاة الشافعي والثوري وأحمد بن حنبل. قال: فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى. وعن عبد اللَّه بن محمد الخجندي قال: لما مات أبو موسى لم يكادوا يفرغون حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد، وكان الماء قليلًا بأصبهان (١). ٣٧ - محمد بن منجح بن عبد اللَّه، أبو شجاع الفقيه الشافعي، الصوفي الواعظ. توفي ببغداد في ربيع الأول، وكان مولده في سنة خمس وخمسمائة. وسمع من قاضي المرستان. وتفقه على: أبي محمد عبد اللَّه بن أبي بكر الشاشي؛ وأجاز له ابن طاهر المقدسي. وله شعر حسن. وتفقه أيضًا بالجزيرة على الأستاذ أبي القاسم البزري، وخرج إلى الشام. وولي قضاء بعلبك، ثم عاد إلى بغداد. ومن شعره:

стр. 12072

سلامٌ عَلَى وادي الغضا ما تناوحتْ … عَلَى ضفَّتيه شمألً وجنوبُ أحمل أنفاسي الخُزَامَى تحيَّةً … إذا آنَ منها بالعشِيّ هبوبُ لعمري لأن شطت بنا غربة النوى … وحالت صروفٌ دوننا وخطوبُ وما كُلّ رملٍ جئته رملٍ عالجٍ … ولا كُلّ ماء عمْتَ فِيهِ شروبُ رعى اللَّه هَذَا الدَّهْر كُلّ محاسني … لديه وإن كثرتُهن ذنوبُ وكان فِيهِ مِزاح ودُعابة. طاب وعْظُه لأهل واسط لما دخلها، فسألوه أن يجلس فِي الأسبوع مرَّتين، فكان كلما عيَّن يومًا يحتجون بأنّ القرّاء يكونون مشغولين، فَقَالَ: لو عرفتُ هَذَا كُنْت جئت معي بيومٍ من بغداد. تُوفي ببغداد في ثامن عشر ربيع الأول (١). ٣٨ - المبارك بن فارس، أبو منصور الماوردي. حدَّث بدمشق في هذه السنة عن قاضي المرستان بنسخة الأنصاري. سمع منه بَدَل التبريزي (٢). ٣٩ - محمود بن أحمد بن علي بن أحمد، أبو الفتح المحمودي البغدادي الجعفري الصوفي، ابن الصابوني. من ساكني الجعفرية. كان من أجلاء الشيوخ. ولد سنة خمسمائة تقريبًا، وقرأ بالروايات على أبي العز القلانسي. وسمع الحديث من أبي القاسم بن الحُصين، وأبي بكر المزرفي، وعلي بن المبارك بن نغوبا، وأبي البدر الكرخي. وصحب: أبا الحسن علي بن مهدي البصري الصوفي، وحماد بن مسلم الدباس. وكان له رباط ببغداد. ثم إنه سافر إلى مصر وسكنها، وروى بها الكثير؛ حدَّث عنه ابنه علم الدين، وابن المفضل الحافظ، وجماعة. ولقبه جمال الدين. وهو منسوب إلى جد أمه شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وقيل لجده أبي جعفر علي بن أحمد المحمودي، لاتصاله بالسّلطان محمود بن محمد بن ملكشاه. ولما قدم أبو الفتح هذا دمشق نزل إلى زيارته السّلطان نور الدّين

стр. 12073

محمود، وسأله الإقامة بدمشق، فذكر له قصده زيارة الشافعي ﵀، فجهزه صحبة الأمير نجم الدّين أيوب عندما سار إلى ولده صلاح الدّين، وصار بينه وبين نجم الدّين مودة أكيدة، ومحبة عظيمة، فكان السّلطانان الناصر والعادل يرعيانه ويحترمانه. وقد كتب الشيخ الزاهد عمر الملا الموصلي كتابًا إلى ابن الصابوني هذا يطلب منه الدعاء. تُوفي في الثاني والعشرين من شعبان (١). ٤٠ - مظفر بن محمد بن عبد الخالق، أبو سعد البغدادي، النجار، معبر الرؤيا، ويُعرف بالحُجة. كان مشهورًا بالكلام العجيب، وقد سمع الكثير من عبد القادر بن محمد بن يوسف، وابن الحُصين، وزاهر الشحامي. روى عنه عبد اللَّه بن أحمد الخياط، وغيره. وتوفي في شوال عن سبعٍ وسبعين سنة (٢). ٤١ - موسى بن عبد اللَّه بن هلوات، أبو عمران الجُذامي، الناتلي، المصري، الفقيه الشافعي، المقرئ، الضرير. قرأ القرآن على محمد بن إبراهيم الكيزاني، وعلي بن عبد الرحمن نفطويه. وسمع من مُنجب المرشدي. وتفقّه على: القاضي المجلي بن جُميع المخزومي. روى عنه ابنه، وحرمي، وجماعة. وتُوفي في ذي القعدة (٣). ٤٢ - نور الدين، صاحب آمد وحصن كيفا. اسمه محمد بن قُرا رسلان بن داود. توفي في هذه السنة، وتملك بعده ابنه قُطب الدّين سقمان، وزرَ له القوام بن سماقا الإسعردي. فبادر سقمان إلى خدمة السّلطان صلاح الدّين وهو يحاصر ميافارقين، فأقره على ملك بلاده، وأن يصدر عن أمره ونهيه (٤). ثم إن قطب

стр. 12074

الدّين سكمان (١) قتل غيلة في شهر رمضان من السنة. ٤٣ - يحيى بن إبراهيم بن علي. القاضي أبو الحسين المصري، الخيمي، المقرئ، نائب الحكم بمصر. روى عن أبي طالب عبد الجبار بن محمد المعافري، وغيره (٢). ٤٤ - يوسف بن المظفر بن فاخر، أبو الحجاج البغدادي، المقرئ، نزيل واسط. قرأ القراءات على جماعة بواسط، منهم: أبو الفتح بن زُريق، وأبو يعلى بن تركان. وببغداد على: أبي محمد سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري. وأقرأ الناس مدةً. وكان بارعًا في الفن، حلو التلاوة، مجودًا. ويُعرف بغلام كنيني. تُوفي في أول ذي الحجة (٣). ٤٥ - يونس بن أحمد بن عبيد اللَّه بن هبة اللَّه، أبو منصور البغدادي، والد الوزير أبي المظفر عُبيد اللَّه بن يونس. كان متدينًا، حسن الطريقة، توكل لوالدة الخليفة. وحدث عن هبة اللَّه بن الحُصين، وأبي منصور القزاز (٤). وفيها ولد: قاضي قُوص صالح بن الحسين الجعفري الزينبي، وله تواليف. والعلامة زكي الدّين عبد العظيم المنذري. ومجد الدّين علي بن وهب القشيري بمنفلوط، والخطيب عبد المعطي بن عبد الكريم الأنصاري، ويوسف بن عمر ابن خطيب بيت الآبار.

стр. 12075

سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ٤٦ - أحمد بن عبد الصمد بن أبي عُبيدة محمد بن أحمد، أبو جعفر الخزرجي، القرطبي، نزيل بجاية وغرناطة. روى عن أبي عبد الله بن مكي، وأبي جعفر البطروجي، وعبد الرحيم الحجاري، وشريح بن محمد، وأبي بكر ابن العربي. وكان معتنيًا بالآثار، صنّف كتاب الأحكام وسمَّاه آفاق الشموس وأعلاق النفوس. قال الأبار (١): حدثنا عنه ابن بقي، وأبو سليمان بن حَوط اللَّه. وتوفي بفاس في ذي الحجة، وله أربع وستون سنة. ٤٧ - أحمد بن يوسف بن عبد العزيز بن محمد بن رشد، أبو القاسم القيسي، الوراق، القرطبي. روى عن أبيه، وأبي محمد بن عتاب، وأبي بحر الأسدي، وابن رشد. أخذ عنه أبو القاسم بن بقي، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو الحسن بن قُطرال. توفي يوم عرفة (٢). ٤٨ - أحمد بن أبي بكر بن المبارك بن الشبل، أبو السعود الحريمي، العطار، الزاهد. صاحب الشيخ عبد القادر. وكان منزله مجمع الفقراء، وله قبول زائد. وصار يشار إليه في الطريقة والمعرفة، وفيه رفق وانبساط (٣). ٤٩ - بيبش بن محمد بن علي بن بيبش، أبو بكر العبدري، الشاطبي، الفقيه، قاضي شاطبة. سمع أبا الحسن بن هذيل، وأبا عبد اللَّه بن سعادة. وكان امرأ صدق، حميد السيرة، مهابًا. قل ما يغيب عنه شيء من

стр. 12076

صحيح البخاري لحفظه إياه. وكان مفتيًا، مُفسرًا، مصنفًا، له آثار في الأمر بالمعروف وقمع الباطل. ألف الأحاديث التي انفرد بها مسلم، واختصر صحيح البخاري. سمع منه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا حوط الله. وعاش ثمانيًا وخمسين سنة (١). ٥٠ - الحسن بن أحمد ابن قاضي القضاة أبي الحسن علي بن محمد بن علي، القاضي الأجل أبو محمد ابن الدامغاني. ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. وسمع هبة اللَّه ابن الطبر، وإسماعيل بن السمرقندي. وولي القضاء بربع الكرخ، ثم ولي قضاء واسط مضافًا إلى قضاء الكرخ فانحدر إلى واسط، واستناب على الكرخ. فلما عزل أخوه قاضي القضاة أبو الحسن عزل هذا فلازم بيته. فلما وُلي قضاء القضاة روح الحديثي أعاد هذا إلى قضاء واسط. توفي في رجب ببغداد (٢). ٥١ - الحسن بن ابراهيم بن علي. فخر الكُتّاب الجُويني المجوّد. كان أوحد زمانه في براعة الخط، كتب عليه خلقٌ ببغداد. وخطَّه يتغالى في تحصيله بالثمن الوافر. توفي في هذه السنة فيما نبأني ابن البزوري (٣). ٥٢ - الحسن بن سيف، أبو علي الشهراباني، ثم البغدادي، التاجر العدل. توفي بمكة في جمادى الأولى. وقد روى زاهر بن طاهر الشحامي (٤).

стр. 12077

٥٣ - الحسن بن علي بن بركة بن عبيدة (١)، أبو محمد الكرخي، المقرئ، النحوي. من كبار القراء. قرأ القراءات على أبي منصور بن خيرون، وأبي محمد السبط. ورحل إلى الكوفة فقرأ على أبي البركات عمر بن إبراهيم. وسمع الحديث من القاضي أبي بكر. وأخذ العربية عن أبي السعادات ابن الشجري. وكان إمامًا أيضًا في معرفة الفرائض والحساب. أقرأ الناس، وتخرَّج به جماعة. وتوفي في شوال (٢). ومن شعره: وما شَنْآنُ الشَّيْبِ من أجل لونِهِ … ولكنهُ حادٍ إلى الموتٍ مُسرعُ إذا ما بَدَت منه الطّليعةُ آذَنَتْ … بأنَّ المنايا بعدَها تتطلعُ فإنْ قَصَّها المقراضُ جاءت بأُختها … وتَطلعُ يتلوها ثلاثٌ وأربعُ وإنْ خُضبت حالَ الخِضابُ لأنه … يُغالِبُ صُنع اللَّه واللَّه أصنعُ (٣) ٥٤ - الحسين بن علي بن مهجل، أبو عبد اللَّه البغدادي، الضرير، الرجل الصالح. قرأ القراءات على جماعة. وسمع من أبي عبد الله البارع، وهبة الله بن الحصين. روى عنه ابن الدُّبيثي في تاريخه (٤). وتوفي في ثالث ربيع الأول. قال ابن النجار: قرأ بالروايات على البارع (٥). ٥٥ - الخضر بن كامل بن منصور. الأمير أبو محمد الغنوي، المعدل بدمشق. روى عن محمد بن أحمد بن تغلب الآمدي. وعاش خمسًا وسبعين سنة. وكان كبير المروءة، قاضيًا لحقوق الناس. ويُنعت بصفي الدولة.

стр. 12078

كتب عنه أبو المواهب (١). ٥٦ - ضياء بن بدر بن عبد اللَّه، أبو الفرج ابن البزاز، عتيق ابن غوادي التاجر. بغدادي يروي عن هبة اللَّه ابن البخاري، والحسين بن محمد البارع، وغيرهما. كتب عنه عمر بن علي القُرشي. وأجاز لابن الدبيثي. توفي في جمادى الآخرة (٢). ٥٧ - طُغان شاه ابن الملك المؤيد أي أبه. وكنيته أبو بكر. تملك نيسابور بعد مقتل والده سنة ثمانٍ وستين. وكان منهمكًا في اللذات، معاقرًا للخمر. التقى سنة ست وسبعين هو وسلطان شاه ابن صاحب خوارزم الذي تملك مرو، فنصر عليه سلطان شاه وأخذ بعض بلاده. وتوفي في المحرم سنة اثنتين هذه، وتملك بعده ابنه سنجرشاه، وصير أتابكه مملوك جده أمير منكلي، فغلب على الأمور، وتفرق أمراء والده واتصل أكثرهم بسلطان شاه الخوارزمي، وهو أخو علاء الدّين تكش. وأساء منكلي وظلم وعسف، وقتل بعض الأمراء، فسار إليه علاء الدّين تكش، وحصر نيسابور شهرين، ثم عاد لحصارها من العام الآتي، فتسلمها بالأمان، وقتل منكلي، وأخذ سنجر شاه معه إلى خوارزم، وأزوجه بابنته، وتزوج بوالدته، وبقيت البنت في صحبة سنجر مدة وماتت، فتزوج بأخت علاء الدين. وعاش إلى سنة خمسٍ وتسعين وخمسمائة. قاله أبو الحسن البيهقي في كتاب مشارب التجارب (٣). ٥٨ - عبد اللَّه بن بري بن عبد الجبار بن بري. العلامة أبو محمد بن أبي الوحش المقدسي الأصل، المصري، النحوي، الشافعي.

стр. 12079

وُلد سنة تسع وتسعين وأربعمائة في رجبها. وقرأ الأدب على الإمام أبي بكر محمد بن عبد الملك النحوي. وسمع من أبي صادق المديني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد الرازي، وعبد الجبار بن محمد المعافري، وعلي بن عبد الرحمن الحضرمي، وأبي البركات محمد بن حمزة ابن العرقي، وأبي العباس بن الحطيئة، وغيرهم. وتصدر بجامع مصر لإقراء العربية، وتخرج به جماعة كثيرة. وانفرد بهذا الشأن، وقصده الطلبة من آلافاق (١). قال جمال الدّين القفطي (٢): وكان عالمًا بكتاب سيبويه وعلله، قيمًا باللغة وشواهدها. وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه. وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية، وتُحكى عنه حكايات. وقد تصدر غير واحد من أصحابه في حياته. وكان قليل التصنيف، له مقدمة سماها اللباب وله جواب المسائل العشرة التي سأل عنها ملك النحاة. وله حواش على صحاح الجوهري أجاد فيها، وهي ستة مجلدات، وكان ثقة حُجّة. توفي في السابع والعشرين من شوال (٣). روى عنه الحافظ ابن المفضل، والزاهد أبو عمر المقدسيان، والفقيه عبد اللَّه بن نجم بن شاس، وأبو المعالي عبد الرحمن بن علي المغيري، ومصطفى بن محمود، ونبأ بن أبي المكارم الأطرابُلسي، والوجيه عبد الرحمن بن محمد القوصي، والزاهد أبو العباس أحمد بن علي بن محمد القسطلاني، وعبد الرحيم بن الطفيل، وبهاء الدّين علي ابن الجميزي، ومرتضى بن أبي الجود حاتم. ومن تلامذته: أبو موسى عيسى بن يللبخت الجزولي صاحب القانون. وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن بري شيخًا محققًا، صُحفيًّا، ساذج الطباع، أبله في أمور الدنيا، مبارك الصحبة، ميمون الطلعة، وفيه تغفل

стр. 12080

عجيب، يستبعد من سمعه أن يجتمع في رجل متقن للعلم. فمن ذلك أنه كان يلبس ثيابًا فاخرة، ويأخذ في كمه الواسع العنب والبيض والحطب. وربما وجد منزله مغلقًا فرمى بالبيض من الطاقة إلى داخل، ويقطر ماء العنب على قدمه، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: العُجب أنها تمطر مع الصحو. وكان يتحدث ملحونًا ولا يتكلفُ، ويتبرم بمن يخاطبه بإعراب. قلت: وقد أجاز لجميع من أدرك حياته من المسلمين. قرأت ذلك بخط أحمد ابن الجوهري، عن خط حسن بن عبد الباقي الصقلي، عنه. ٥٩ - عبد اللَّه بن محمد بن جرير، أبو محمد القرشي، الأموي، البغدادي، الناسخ، من ولد سعيد بن العاص بن أمية. سمع الكثير وكتب من الكتب الكبار شيئًا كثيرًا، وكان مليح الكتابة، محدثًا مفيدًا، مالكي المذهب. سمع القاضي أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور بن زريق، ويحيى بن علي ابن الطراح، وأبا البدر الكرخي، وأبا منصور بن خيرون، وعبد الوهاب الأنماطي، وخلقًا كثيرًا. روى عنه عمر بن علي القرشي، وإلياس بن جامع، ومحمد بن مشق، وآخرون. وتوفي في سابع ربيع الأول. قال ابن الدُّبيثي (١): ظاهرُ أمره الصدق. وقال ابن النجار: كتب ما لا يدخل تحت الحصر بالأجرة. ويقال: إنه كتب بخمسمائة رطل حبرٍا أحصاها هو، وكان حسن الطريقة، متدينًا. توفي في شعبان، وله اثنتان وسبعون سنة (٢). ٦٠ - عبد الرحمن بن جامع بن غنيمة (٣) ابن البناء، أبو الغنائم، ويُدعى أيضًا غنيمة، الفقيه الصالح، البغدادي، الحنبلي. تفقه على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري. وسمع من أبي طالب بن يوسف. وسمع من ابن الحصين المسند (٤)، ومن الحسين بن عبد الملك الخلال، والقاضي أبي بكر.
следующие страницы →