← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12216–12255 · переход к 12221.

стр. 12216

واستولى على أكثر حواصل أبيهما؛ أعني علاء الدين. ونقل ابن الأثير في كامله (١) فصلًا طويلًا في أخبارهما استطرادًا. وحكى فيه عن بعض المؤرخين أن سلطان شاه أخذ مرو، ودفع الغز عنها، ثم تجمعوا له وأخرجوه، وانتهبوا خزائنه، وقتلوا أكثر رجاله، فاستنجد بالخطا، وجاء بعسكرٍ عظيم، وأخرج الغُز عن مرو، وسرخس، ونسا، وأبيورد، وتملكها، ورجعت الخطا إلى بلادهم بالأموال. ثم كاتب غياث الدين الغوري ليسلم إليه هراة، وبعث إليه غياث الدين أيضًا، فأمره أن يخطب له ببلاده، فسار وشن الغارات، ونهب بلاد الغوري، وظلم وعسف، فجهز الغوري لحربه ابن أخيه بهاء الدين وصاحب سجستان، فتقهقر سلطان شاه إلى مرو بعد أن عمل كل قبيح بالقرى، فتحزب لقصده غياث الدين وأخوه شهاب الدين صاحب الهند. وجمع سلطان شاه العساكر، واستخدم الغُز وأولي الطمع، وعسكر بمرو الروذ، وعسكر الغوريون بالطالقان. وبقوا كذلك شهرين، وترددت الرسل في معنى الصلح، فلم ينتظم أمر. ثم التقى الجمعان، وصبر الفريقان، ثم انهزم جيش سلطان شاه، ودخل هو مرو في عشرين فارسا، فانتهز أخوه تكش الفرصة، وسار في عسكر، وبعث عسكرًا إلى حافة جيحون يمنعون أخاه من الدخول إلى الخطا إن أرادهم، فلما ضاقت السبل على سلطان شاه، خاطر وسار إلى غياث الدين، فبالغ في إكرامه واحترامه، وأنزله معه، فبعث علاء الدين تكش إلى غياث الدين يأمره بالقبض عليه، فلم يفعل. فبعث علاء الدين يتهدده بقصد بلاده، فتجهز غياث الدين وجمع العساكر، فلم ينشب سلطان شاه أن تُوفي في سلخ رمضان في سنة تسع هذه، فاستخدم غياث الدين أكثر أجناده، وأنعم عليهم، وجرى بعده لعلاء الدين تكش ولغياث الدين اختلاف وائتلاف طمعت بسبب ذلك الغُز، وعادوا إلى النهب والتخريب، فتجهز علاء الدين تكش، وسار ودخل مرو، وسرخس، ونسا، وتطرق إلى طوس. قلت: وساق ابن الأثير ﵀ قولًا آخر مخالفًا لهذا في أماكن، واعتذر عنه ببعد الديار، واختلاف النقلة من السفار.

стр. 12217

٣٧٠ - مسعود ابن الملك مودود بن أتابك زنكي بن آقسُنقُر، السلطان عز الدين أبو المظفر صاحب الموصل. وصل إلى حلب قبل السلطنة مُنجدًا لابن عمه الصالح إسماعيل بن نور الدين على السلطان الملك الناصر صلاح الدين، وليرهب صلاح الدين، لئلا يطمع ويقصد الموصل، فانضم إليه عسكر حلب، وسار في جمعٍ كثير، فوقع المصاف على قرون حماة، فكسره صلاح الدين، وأسر جماعة من أمرائه في سنة سبعين، كما ذكرناه في الحوادث. ولما (١) احتضر الصالح أوصى بمملكة حلب لابن عمه عز الدين هذا، فساق إليها، وصعد القلعة، وورث ابن عمه واستولى على الخزائن النورية وتزوج بامرأة الصالح، وعلم أنه لا يمكنه حفظ حلب والموصل، فاستناب بحلب مظفر الدين ابن صاحب إربل، ورجع، فلما وصل إلى الرقة لقيه أخوه عماد الدين زنكي صاحب سنجار، فقايضه بسنجار وجاء إلى حلب فتملكها. وبلغ السلطان صلاح الدين أن عز الدين مسعود قد راسل الفرنج يحثهم على قتال صلاح الدين، فعلم أنه قد غدر، فقصد حلب والموصل، فنازل حلب في سنة ثمان وسبعين، فأقام عليها ثلاثة أيام. ثم جاءه مظفر الدين ابن صاحب إربل منابذا لعز الدين فقوى عزمه على قصد الجزيرة، فعدا الفرات فأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج واستناب بها. ثم سار فنزل على الموصل وعلم أنه بلد عظيم لا ينال بالمحاصرة، فترحل ونزل على سنجار أياما، فأخذها وأعطاها إلى ابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر، وعاد إلى حران. ثم عاد بعد سنتين إلى منازلة الموصل، فنزلت إليه والدة مسعود وطلبت المصالحة، فردها ظنا أن ذلك عجز من ولدها، واعتذر إليها، ثم ندم بعد. وبذل أهل الموصل جهدهم في القتال لكون صلاح الدين رد المصالحة، فأقام عليها إلى أن بلغته وفاة شاه أرمن صاحب خلاط وقيام مملوكه بكتمر. ثم عجز بكتمر وكاتب صلاح الدين أن يسلم إليه خلاط وأن يعوضه عنها، فقصد خلاط وترك حصار الموصل، فنزل بطوانة، بليدة بقرب خلاط، وراسل بكتمر، وإذا شمس الدين

стр. 12218

بهلوان بن إلدكز صاحب أذربيجان وعراق العجم قد قرب من خلاط قاصدا محاصرتها، فبعث إليه يعرفه بأنه إن لم يرجع عنه وإلا سلم البلد إلى صلاح الدين، فصالحه، فنزل صلاح الدين على ميافارقين، فقاتلها قتالا شديدا، ثم أخذها صلحا بالخديعة، وكان صاحبها قطب الدين إيلغازي بن ألبي الأرتقي، فمات وخلف ولده حسام الدين بولق أرسلان وهو صبي، فطمع صلاح الدين وتسلمها بمعاملة من واليها، وأما بكتمر فقويت نفسه بمصاهرته لصاحب أذربيجان. وعاد صلاح الدين فنازل الموصل ثالثًا، فمرض في الحر مرضًا أشفى منه على الموت، فترحل إلى حران، فسير صاحب الموصل عز الدين رسولًا، وهو القاضي بهاء الدين يوسف بن شداد إلى صلاح الدين في الصلح، فأجاب وحلف له وقد تماثل من مرضه، ووفى له إلى أن مات. فلم تطل مدة عز الدين بعد صلاح الدين، وعاش أشهرًا. وتوفي في شعبان في التاسع والعشرين منه. قال ابن الأثير (١): وكان قد بقي ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن، وإذا تكلم بغيرها استغفر الله، ثم عاد إلى التلاوة، فرُزق خاتمة خير. وكان خير الطبع، كثير الخير والإحسان، يزور الصالحين ويقربهم ويشفعهم. وكان حليمًا حييا، لم يكلم جليسه إلا وهو مُطرق. وكان قد حج، ولبس بمكة خرقة التصوف. فكان يلبس تلك الخرقة كل ليلة، ويخرج إلى مسجد داره، فيصلي فيه إلى نحو ثلث الليل. وكان رقيق القلب، شفوقًا على الرعية. قلت: ودُفن في مدرسته بالموصل، وهي مدرسة كبيرة على الشافعية والحنفية، وتسلطن بعده ولده نور الدين إلى أن مات عن ولدين وهما: القاهر عز الدين مسعود، والمنصور عماد الدين زنكي. وقسم البلاد بينهما، فأعطى القاهر الموصل، وأعطى المنصور قلاعًا. وقد توفي القاهر صاحب الموصل فجاءةً في سنة خمس عشرة وستمائة، ودُفن بمدرسته. وأما زنكي فانتقل إلى إربل، وتزوج بابنة صاحبها مظفر الدين، وكان من

стр. 12219

أحسن الناس صورة، ثم قبض عليه مظفر الدين لأمور جرت، وسيره إلى الملك الأشرف موسى، ثم أطلقه وعاد. وأُعطي بلد شهرزور وأعمالها. وتوفي في حدود سنة ثلاثين وستمائة، وقام بعده ولده قليلًا ومات. ٣٧١ - المكرم (١) بن هبة الله بن المكرم، أبو محمد الصوفي، أخو أبي جعفر محمد. شيخ معروف سمع أبا بكر محمد بن عبد الباقي، وعلي بن علي بن سُكينة، وأبا سعد أحمد بن محمد الزوزني، وشيخ الشيوخ إسماعيل بن أبي سعد، وجماعة. روى عنه الشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والضياء محمد، والزين بن عبد الدائم، وجماعة. وحدث بدمشق، وبغداد. وتوفي في رجب (٢). ٣٧٢ - منصور بن المبارك بن الفضل بن أبي نُعيم، أبو المظفر الواسطي الواعظ، الملقب بجرادة. سمع من أبي الوقت السجزي، وذكر أنه سمع المقامات من أبي محمد الحريري؛ وله فصول وعظية. وكان شيخًا مسنًا، يقال إنه جاوز المائة، والصحيح أنه عاش سبعًا وثمانين سنة. وله نظم ونثر ودُعابة. وكان يعظ في الأعزية ببغداد. ذكره ابن النجار. ٣٧٣ - موسى بن حجاج، أبو عمران الأشيري. دخل الأندلس في سنة بضع وثلاثين وخمسمائة. وسمع بقرطبة من أبي عبد الله محمد بن أصبغ الفقيه، وأبي مروان بن مسرة، وسمع بإشبيلية من أبي الحسن شُريح. وبالمرية من عبد الحق بن عطية. وعُني بالرواية. قال الأبار (٣): إلا أنه عديم الضبط، نزل الجزائر وأم بها وحدث بها، وتوفي في صفر.

стр. 12220

٣٧٤ - هبة الله بن عبد المحسن بن علي، الفقيه أبو البركات الأنصاري، المالكي، المصري، مدرس المدرسة المجاورة لجامع مصر العتيق. تفقه عليه جماعة، وكان مشهورًا بالصلاح والعلم. توفي في ذي القعدة (١). ٣٧٥ - يحيى بن علي بن عبد الرحمن، أبو زكريا القيسي، المقرئ، المالكي. سمع من عبد الله بن رفاعة، وتصدر بالجامع العتيق بمصر (٢). ٣٧٦ - يوسف السلطان الملك الناصر صلاح الدين، أبو المظفر ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب الدويني الأصل، التكريتي المولد. ودوين بطرف أذربيجان من جهة أران والكرج، أهلها أكراد روادية، والروادية بطن من الهذبانية. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة إذ أبوه والي تكريت. وسمع من أبي الطاهر السلفي، والإمام أبي الحسن علي بن إبراهيم بن المسلم ابن بنت أبي سعد، وأبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن بري النحوي، والقطب مسعود النيسابوري، وجماعة. وروى الحديث، وملك البلاد، ودانت له العباد، وافتتح الفتوحات، وكسر الفرنج مرات، وجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. وكان خليقا للملك. وأقام في السلطة أربعًا وعشرين سنة. روى عنه يونس بن محمد الفارقي، والعماد الكاتب، وغيرهما. وتوفي بقلعة دمشق بعد الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر، وحضر وفاته القاضي الفاضل. وذكر أبو جعفر القرطبي إمام الكلاسة أنه لما انتهى في القراءة إلى قوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة سمعه وهو يقول: صحيح. وكان ذهنه غائبًا قبل ذلك. ثم توفي. وهذه يقظة عند

стр. 12221

الحاجة، وغسله الدولعي، وأخرج في تابوت، وصلى عليه القاضي محيي الدين ابن الزكي، وأعيد إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضًا فيها. ودفن بالصفة الغربية منها. وارتفعت الأصوات بالبكاء، وعظم الضجيج، حتى إن العاقل يتخيل أن الدنيا كلها تصيح صوتًا واحدًا. وغشي الناس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصلاة، وصلى عليه الناس أرسالًا، وتأسف الناس عليه، حتى الفرنج، لما كان من صدق وفائه إذا عاهد. ثم بنى ولده الأفضل صاحب دمشق قبة شمالي الجامع، وهي التي شباكها القبلي إلى الكلاسة، ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين، ومشى بين يدي تابوته. وأراد العلماء حمله على أعناقهم، فقال الأفضل: تكفيه أدعيتكم الصالحة. وحمله مماليكه، وأخرج إلى باب البريد، فصلي عليه قدام النسر. وتقدم في الإمامة القاضي محيي الدين بإذن ولده. ودخل الأفضل لحده وأودعه وخرج، وسد الباب، وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيام، وذلك خلاف العادة، وخلاف السنة. كان ﵀ كريمًا، جوادًا، بطلًا، شجاعًا، كامل العقل والقوى، شديد الهيبة، افتتح بسيفه وبأقاربه من اليمن إلى الموصل، إلى أوائل الغرب، إلى أسوان. وفي الروضتين (١) لأبي شامة أن السلطان ﵀ لم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعةً وأربعين درهمًا، ودينارًا واحدًا صوريًا. ولم يخلف ملكًا ولا عقارًا، وخلف سبعة عشر ولدًا ذكرًا، وابنة صغيرة. ومن إنشاء العماد الكاتب إلى الخليفة على لسان الأفضل: أصدر العبد هذه الخدمة وصدره مشروح بالولاء، وقلبه مغمور بالضياء، ويده مرفوعة إلى السماء، ولسانه ناطق بالشكر والدعاء، وجنانه ثابت من المهابة والمحبة على الخوف والرجاء، وطرفه مغمض من الحياء. وهو للأرض مقبل، وللفرض متقبل، يمت بما قدمه من الخدمات، وذخره ذخر الأقوات لهذه الأوقات، وقد أحاطت العلوم الشريفة بأن الوالد السعيد الشهيد الشديد السديد المبيد للشرك المبير، لم يزل مستقيمًا على جديد الجد، ومصر بل الأمصار باجتهاده في

стр. 12222

الجهاد شاهدة، والأنجاد والأغوار في نظر عزمه واحدة، والبيت المقدس من فتوحاته، والمُلك العقيم من نتائج عزماته، وهو الذي ملك ملوك الشرق، وغل أعناقها، وأسر طواغيت الكفر، وشد خناقها، وقمع عبدة الصلبان، وقطع أصلابها، وجمع كلمة الإيمان وعصم جنابها، وقبض وعدله مبسوط، ووزره محطوط، وعمله بالصلاح منوط، وخرج من الدنيا وهو في الطاعة الإمامية داخل. قال العماد الكاتب: لما توفي وملكت أولاده كان العزيز عثمان بمصر يقرب أصحاب أبيه ويكرمهم، والأفضل بدمشق يفعل بضد ذلك. وأشار عليه جماعة كالوزير الجزري الذي استوزره، يعني الضياء ابن الأثير. وفيه يقول فتيان الشاغوري: مَتَى أرَى وزيرَكم … وما لَهُ من وزرِ يقلعه اللَّه فذا … أوانُ قلْع الجزرِ ومن كتاب فاضلي: أما هذا البيت، فإن الآباء منه اتفقوا فملكوا، وإن الأبناء منه اختلفوا فهلكوا. قلت: خلف من الأولاد صاحب مصر السلطان الملك العزيز، والملك الأفضل علي صاحب دمشق، والملك الظاهر غازي صاحب حلب، والملك المعز فتح الدين إسحاق، والملك المؤيد نجم الدين مسعود، والملك الأعز شرف الدين يعقوب، والملك الظافر مظفر الدين خضر، والملك الزاهر مجير الدين داود، والملك المفضل قطب الدين موسى، والملك الأشرف عزيز الدين محمد، والملك المحسن ظهير الدين أحمد، والملك المعظم فخر الدين تورانشاه، والجواد ركن الدين أيوب، والغالب نصير الدين ملك شاه، وعماد الدين شاذي. ونصرة الدين مروان، والمنصور أبو بكر، ومؤنسة زوجة الكامل. هؤلاء كلهم عاشوا بعده، وكان أكثرهم بحلب عند الظاهر، وآخرهم موتًا تورانشاه، توفي بعد أخذ حلب، وكان بقلعتها. قال الموفق عبد اللطيف: أتيتُ الشام، والملك صلاح الدين بالقدس، فأتيته فرأيته ملكًا عظيمًا، يملأ العيون روعةً، والقلوب محبةً، قريبًا بعيدًا، سهلًا محببًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال الله

стр. 12223

تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ وأول ليلةٍ حضرته وجدت مجلسًا حفلًا بأهل العلم يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يُحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار، وحفر الخنادق، ويتفقه في ذلك، ويأتي بكل معنى بديع. وكان مهتمًا في بناء سور القدس، وحفر خندقه، يتولى ذلك بنفسه، وينقل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الناس الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل، ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، ويأتي داره فيمد السماط، ثم يستريح، ويركب العصر، ويرجع في ضوء المشاعل، ويصرف أكثر الليل في تدبير ما يعمل نهارًا. وقال له بعض الصناع: هذه الحجارة التي تقطع من أسفل الخندق، ويبنى بها السور رخوة. قال: نعم، هذه تكون الحجارة التي تلي القرار والنداوة، فإذا ضربتها الشمس صلبت. وكان ﵀ يحفظ الحماسة، ويظن أن كل فقيه يحفظها، فكان ينشد القطعة، فإذا توقف في موضعٍ استطعم فلم يطعم. وجرى له ذلك مع القاضي الفاضل، ولم يكن يحفظها، فخرج من عنده، فلم يزل حتى حفظها. وكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارًا في الشهر على ديوان الجامع بدمشق، وأطلق لي أولاده رواتب، حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار. ورجعت إلى دمشق، وأكبيت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع. قال: وكان عمه أسد الدين شيركوه من أمراء دولة نور الدين، وكان أبوه أيوب معروفًا بالصلاح. وكان شيركوه معروفًا بالشجاعة، وكان لأيوب بنون وبنات، ولم يكن صلاح الدين أكبرهم. وكان شحنة دمشق، ويشرب الخمر، فمذ باشر الملك طلق الخمر واللذات. وكان محببًا، خفيفًا إلى قلب نور الدين، يلاعبه بالكرة. وملك مصر. وكانت وقعته مع السودان سنة بضع وستين، وكانوا نحو مائتي ألف، ونصر عليهم، وقتل أكثرهم، وهرب الباقون، وابتنى سور القاهرة ومصر على يد الأمير قراقوش. وفي هذه الأيام ظهر ملك الخزر، وملك دوين وقتل من المسلمين ثلاثين ألفًا.

стр. 12224

ثم في سنة سبع قطع صلاح الدين خطبة العاضد بمصر، وخطب للمستضيء. ومات العاضد واستولى صلاح الدين على القصر وذخائره، وقبض على الفاطميين. وفي سنة ثمان وستين فتح أخوه شمس الدولة برقة ونفوسًا. وفي سنة تسع مات أبوه، ونور الدين، وافتتح أخوه شمس الدولة اليمن، وقبض على المتغلب عليها عبد النبي بن مهدي المهدي، وكان شابًا أسود. وفي سنة سبعين سار من مصر، وملك دمشق. وفي سنة إحدى وسبعين حاصر عزاز. قال ابن واصل (١): حاصر عزاز ثمانية وثلاثين يومًا بالمجانيق، وقتل عليها كثير من عسكره. وكانت لجاولي الأمير خيمة، كان السلطان يحضر فيها، ويحض الرجال على الحرب، فحضرها والباطنية، الذين هم الإسماعيلية، في زي الأجناد وقوف، إذ قفز عليه واحد منهم، فضرب رأسه بسكين، فلولا المغفر الزرد، وكان تحت القلنسوة، لقتله. فأمسك السلطان يد الباطني بيديه، فبقي يضرب في عنقه ضربًا ضعيفًا، والزرد يمنع، فأدرك السلطان مملوكه يازكوج الأمير، فأمسك السكين فجرحته، وما سيبها الباطني حتى بضعوه. ووثب آخر، فوثب عليه الأمير داود بن منكلان، فجرحه الباطني الآخر في جنبه فمات وقتل الباطني، ثم جاء باطني ثالث، فماسكه الأمير علي بن أبي الفوارس، فضمه تحت إبطه، وبقيت يد الباطني من ورائه لا يقدر على الضرب بالسكين، ونادى: اقتلوني معه، فقد قتلني وأذهب قوتي. فطعنه ناصر الدين محمد بن شيركوه فقتله، وانهزم آخر فقطعوه، وركب السلطان إلى مخيمه ودمه سائل على خده، واحتجب في بيت خشب، وعرض الجند، فمن أنكره أبعده. ثم تسلم القلعة بالأمان. وفي سنة ثلاث كسرته الفرنج على الرملة، وفر عندما بقي في نفرٍ يسير. وفي سنة خمس وسبعين كسرهم. وأسر ملوكهم وأبطالهم. وفي سنة ست أمر ببناء قلعة القاهرة على جبل المقطم.

стр. 12225

وفي سنة ثمانٍ عبر الفرات، وفتح حران، وسروج، والرها، والرقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد، وحاصر الموصل، وملك حلب، وعوض عنها سنجار لصاحبها عماد الدين زنكي الذي بنى العمادية بالموصل. ثم إن صلاح الدين حاصر الموصل ثانيًا وثالثًا، ثم هادنه صاحبها عز الدين مسعود، ودخل في طاعته، ثم تسلم صلاح الدين البوازيج، وشهرزور، وأنزل أخاه الملك العادل عن قلعة حلب، وسلمها لولده الملك الظاهر، وعمره إحدى عشر سنة. وسير العادل إلى ديار مصر نائبًا عنه، وكان بها ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه، فغضب حيث عزله، وأراد أن يتوجه إلى المغرب، وكان شهمًا شجاعًا، فخاف صلاح الدين من مغبة أمره، فلاطفه بكل وجهٍ حتى رجع مغضبًا وقال: أنا أفتح بسيفي ما أستغني به عما في أيديكم. وتوجه إلى خلاط، وفيها بكتمر، فالتقى هو وبكتمر، فانكسر بكتمر شر كسرة، وسير تقي الدين علمه وفرسه إلى دمشق وأنا بها، وكان يومًا مشهودًا. وفي سنة ثلاث وثمانين فتح صلاح الدين طبرية، ونازل عسقلان، وكانت وقعة حطين، واجتمع الفرنج، وكانوا أربعين ألفًا، على تل حطين، وسبق المسلمون إلى الماء، وعطش الفرنج، وأسلموا نفوسهم وأخذوا عن بكرة أبيهم، وأسرت ملوكهم. ثم سار فأخذ عكا، وبيروت، وقلعة كوكب، والسواحل. وسار فأخذ القدس بالأمان بعد قتالٍ ليس بالشديد. ثم إن قراقوش التركي مملوك تقي الدين عمر المذكور توجه إلى المغرب لما رجع عنها مولاه، فاستولى على أطراف المغرب، وكسر عسكر تونس، وخطب لبني العباس. وإن ابن عبد المؤمن قصد قراقوش، ففر منه ودخل البرية. ثم دخل إليه مملوك آخر يسمى بوزبه، واتفقا، ثم اختلفا، ولو اتفقا مع المايرقي لأخذوا المغرب بأسره. ووصلت خيل المايرقي إلى قريب مراكش، وتهيأ الموحدون للهرب، لكن أرسلوا رجلًا يعرف بعبد الواحد له رأي ودهاء، فقاوم المايرقي بأن أفسد أكثر أصحابه والعرب الذين حوله بالأموال، وكسره مرات، وجرت أمورٌ ليس هذا موضعها. ثم إن الفرنج نازلوا عكا مدةً طويلة، وكانوا أممًا لا يُحصون، وتعب المسلمون، واشتد الأمر.

стр. 12226

قال: ومدة أيامه لم يختلف عليه أحدٌ من أصحابه، وفُجع الناس بموته. وكان الناس في أيامه يأمنون ظُلمه، ويرجون رفده. وأكثر ما كان عطاؤه يصل إلى الشجعان، وإلى أهل العلم، وأهل البيوتات. ولم يكن لمبطل، ولا لصاحب هزلٍ عنده نصيب. ووجد في خزائنه بعد موته دينار صوري، وثلاثون درهمًا. وكان حسن الوفاء بالعهود، حسن المقدرة إذا قدر، كثير الصفح. وإذا نازل بلدًا وأشرف على أخذه، ثم طلبوا منه الأمان أمنهم، فيتألم جيشه لذلك لفوات حظهم. وقد عاقد الفرنج وهادنهم عندما ضرس عسكره الحرب وملوا. قال القاضي بهاء الدين ابن شداد (١): قال لي السلطان في بعض محاوراته في الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدري أي شيء يكون مني، فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم بلادٌ فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين، وترى كل واحدٍ من هؤلاء، يعني أخاه وأولاده وأولاد أخيه، قد قعد في رأس تلةٍ، يعني قلعته، وقال لا أنزل. ويهلك المسلمون. قال ابن شداد: فكان والله كما قال؛ توفي عن قريبٍ، واشتغل كل واحدٍ من أهل بيته بناحية، ووقع الخُلف بينهم، وبعد، فكان الصلح مصلحة، فلو قُدر موته والحرب قائمةٌ لكان الإسلام على خطر. قال الموفق: حم صلاح الدين ففصده من لا خبرة له، فخارت القوة ومات قبل الرابع عشر، ووجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء. وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه، لأنه كان محببًا، يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر. ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومزقوا في البلاد. قلت: ولقد أجاد في مدحه العماد حيث يقول: وللناس بالمالك الناصر الص … صلاح صلاحٌ ونصرٌ كبيرٌ هُوَ الشمس أفلاكه فِي البلا … دِ ومطلعه وسرجُه والسريرُ إذا ما سطا أَوْ حبا واحتبى … فَمَا الليثُ مَنْ حاتم ما ثبير وقد طول القاضي شمس الدين ترجمته (٢) فعملها في تسعٍ وثلاثين ورقة

стр. 12227

بالقطع الكبير، فمما فيها بالمعنى أن صلاح الدّين قدم به أبوه وهو رضيع، فناب أبوه ببعلبك لما أخذها الأتابك زنكي في سنة ثلاثٍ وثلاثين. وقيل: إنهم خرجوا من تكريت في الليلة التي ولد فيه صلاح الدّين، فتطيروا به، ثم قال بعضهم: لعل فيه الخيرة، وأنتم لا تعلمون. ثم خدم نجم الدّين أيوب وولده صلاح الدّين السّلطان نور الدين، وصيرهما أميرين، وكان أسد الدّين شيركوه أخو نجم الدّين أرفع منهما منزلةً عنده، فإنه كان مقدَّم جيوشه، ووليّ صلاح الدّين وزارة مصر، وهي كالسلطنة في ذلك الوقت، بعد موت عمه أسد الدّين سنة أربع وستين، فلما هلك العاضد في أول سنة سبع، استقل بالأمر، مع مُداراة نور الدّين ومراوغته، فإن نور الدّين عزم على قصد مصر ليقيم غيره في نيابته، ثم فتر، ولما مات نور الدّين سار صلاح الدّين إلى دمشق مظهرًا أنه يقيم نفسه أتابكًا لولد نور الدّين لكونه صبيًا، فدخلها بلا كلفة، واستولى على الأمور في سلخ ربيع الأول سنة سبعين، ونزل بالبلد بدار أبيه المعروفة بالشريف العقيقي التي هي اليوم الظاهرية، ثم تسلم القلعة، وصعد إليها، وشال الصبي من الوسط، ثم سار فأخذ حمص، ولم يشتغل بأخذ قلعتها، في جمادى الأولى، ثم نازل حلب في سلخ الشهر، وهي الوقعة الأولى، فجهز السّلطان غازي بن مودود أخاه عز الدّين مسعود في جيش كبير لحربه، فترحل عن حلب، ونزل على قلعة حمص فأخذها، وجاء عز الدّين مسعود، فأخذ معه عسكر حلب، وساق إلى قرون حماة، فراسلهم وراسلوه، وحرص على الصلح فأبوا، ورأوا أن المصاف معه ينالون به غرضهم لكثرتهم، فالتقوا، فكانت الهزيمة عليهم، وأسر جماعة، وذلك في تاسع عشر رمضان، ثم ساق وراءهم، ونزل على حلب ثانيًا، فصالحوه وأعطوه المعرة، وكفرطاب، وبارين. وجاء صاحب الموصل غازي فحاصر أخاه عماد الدّين زنكي بسنجار، لكونه انتمى إلى صلاح الدّين، ثم صالحه لما بلغ غازي كسرة أخيه مسعود، ونزل بنصيبين، وجمع العساكر، وأنفق الأموال، وعبر الفرات، وقدم حلب، فخرج إلى تلقيه ابن عمه الصالح ابن نور الدين، وأقام على حلب مدة، ثم كانت وقعة تل السلطان، وهي منزلة بين حلب وحماة، جرت بين صلاح الدّين وبين غازي صاحب الموصل في سنة إحدى وسبعين، فنصر صلاح الدّين، ورجع غازي فعدى الفرات، وأعطى صلاح الدّين لابن أخيه عز الدّين فرخشاه

стр. 12228

ابن شاهنشاه صاحب بعلبك خيمة السّلطان غازي، ثم سار فتسلم منبج وحاصر قلعة عزاز، ثم نازل حلب ثالثًا في آخر السنة، فأقام عليها مدةً، فأخرجوا ابنةً صغيرة لنور الدّين إلى صلاح الدّين، فسألته عزاز، فوهبها لها، ثم دخل الديار المصرية واستعمل على دمشق شمس الدولة تورانشاه، وكان قد جاء من اليمن، وخرج سنة ثلاثٍ من مصر، فالتقى الفرنج على الرملة، فانكسر المسلمون يومئذٍ، وثبت صلاح الدّين، وتحيز بمن معه، ثم دخل مصر، ولم شعث العسكر. وتقدم أكثر هذا القول مفرقًا. ونازل حلب في أول سنة تسعٍ، فطلب منه عماد الدّين زنكي بن مودود أن يأخذ ما أراد من القلعة، ويعطيه سنجار، ونصيبين، وسروج، وغير ذلك، فحلف له صلاح الدّين على ذلك، وكان صلاح الدّين قد أخذ سنجار من أربعة أشهر، وأعطاها لابن أخيه تقي الدّين عمر، ثم عوضه عنها، ودخل حلب، ورتب بها ولده الملك الظاهر، وجعل أتابكه يازكوج الأسدي، ثم توجه لمحاصرة الكرك، وجاءه أخوه العادل من مصر، فحشدت الفرنج، وجاؤوا إلى الكرك نجدةً، فسير صلاح الدّين تقي الدّين عمر يحفظ له مصر، ثم رحل عن الكرك في نصف شعبان، وأعطى أخاه العادل حلب، فدخلها في أواخر رمضان، وقدم الظاهر وأتابكه، فدخلا دمشق في شوال، وقيل: أعطاه عوض حلب ثلاث مائة ألف دينار، ثم إن صلاح الدّين رأى أن عود العادل إلى مصر، وعود الظاهر إلى حلب أصلح، وعوض بعد العادل بحران، والرها، وميافارقين. وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نزل صلاح الدّين على الموصل، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها عز الدين، ثم مرض صلاح الدّين، فرجع إلى حران، واشتد مرضه حتى أيسوا منه، وحلفوا لأولاده بأمره، وجعل وصيه عليهم أخاه العادل وكان عنده، ثم عوفي ومر بحمص وقد مات بها ابن عمه ناصر الدّين محمد بن شيركوه، فأقطعها لولده شيركوه، ثم استعرض التركة فأخذ أكثرها، قال عز الدّين ابن الأثير (١): وكان عمر شيركوه اثنتي عشرة سنة. ثم إنه حضر بعد سنة عند صلاح الدّين، فقال له: إلى أين بلغت في

стр. 12229

القرآن؟ قال: إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ فعجب الحاضرون من ذكائه. وفي سنة اثنتين وثمانين عاد الظاهر فدخل حلب، وزوجه أبوه بغازية بنت أخيه الملك العادل، فدخل بها بحلب في السنة. وفي سنة ثلاثٍ افتتح صلاح الدّين بلاد الفرنج، وقهرهم وأباد خضراءهم، وأسر ملوكهم، وكسرهم على حطين، وافتتح القدس، وعكا، وطبرية، وغير ذلك. وكان قد نذر أن يقتل البرنس أرناط صاحب الكرك، فكان ممن وقع في أسره يومئذٍ، وكان قد جاز به قومٌ من مصر في حال الهدنة، فغدر بهم، فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما فيه استخفاف بالنبي ﷺ وقتلهم، فاستحضرهم صلاح الدّين، ثم ناول الملك جفري شربةً من جلاب وثلج، فشرب، وكان في غاية العطش، ثم ناولها البرنس أرناط فشرب، فقال السّلطان للترجمان: قل للملك جفري، أنت الذي سقيته، وإلا أنا فما سقيته. ثم استحضر البرنس في مجلس آخر وقال: أنا أنتصر لمحمد منك، ثم عرض عليه الإسلام، فامتنع فسلَّ النيمجاه (١)، وحلَّ بها كتفه، وتممه بعض الخاصة، وافتتح في هذا العام من الفتوحات ما لم يفتحه ملك قبله، وطار صيته في الدنيا، وهابته الملوك. ثم وقع المأتم والنَّوح في جزائر الفرنج، وإلى رومية العظمى، ونودي بالنفير إلى نصرة الصليب، فأتى السّلطان من عساكر الفرنج ما لا قبل له به، وأحاطوا بعكا يحاصرونها، فسار السّلطان إليها ليكشف عنها، فعيل صبره، وبذل فوق طاقته، وجرت له أمورٌ وحروبٌ قد ذكرتها في الحوادث، وبقي مرابطًا عليه نحوًا من سنتين، فالله يُثيبه الجنة برحمته. وكتب القاضي الفاضل بطاقة إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ كتبتُ إلى مولانا السّلطان الملك الظاهر أحسن اللَّه عزاءه، وجبر مُصابه، وجعل فيه الخَلف في الساعة المذكورة، وقد زُلزل المسلمون زلزالًا شديدًا وقد حفرت الدموعُ المحاجر، وبلغت القلوب

стр. 12230

الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي وداعًا لا تلاقي بعده، وقبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى اللَّه تعالى، مغلوب الحيلة، ضعيف القوة، راضيًا عن اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبالباب من الجنود المجندة، والأسلحة المعمدة، ما لم يدفع البلاء ولا ما يرد القضاء، تدمع العين، ويخشع القلب، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا بك يا يوسف لمحزونون، وأمّا الوصايا فما تحتاج إليها، والآراء فقد شغلني المُصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاقٌ فما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها موته، وهو الهولُ العظيم؟ وقد كتب إلى صلاح الدّين ابن التعاويذيّ (١) هذه القصيدة يمتدحه (٢): إنْ كَانَ دينك فِي الصَّبابة ديني … فقِفِ المطيَّ برملَتيْ يبرينِ وألثم ثَرًى لو شارفتْ به هُضْبهُ … أيدي المطي لثمته بجفوني وأنشد فؤادي فِي الظباء معرضًا … فبغير غزْلان الصريم جنوني ونشيدتي بَيْنَ الخيام، وإنما … غالطتُ عَنْهَا بالظباءِ العينِ للَّهِ ما اشتملتْ عليهِ قبابُهم … يوم النَّوَى من لؤلؤٍ مكنونِ مِنْ كُلّ تائهةٍ عَلَى أترابها … فِي الحُسْن غانية عَنِ التّحسين خودٍ تَرى قمرَ السماء إذا بدت … ما بَيْنَ سالفةٍ لها وجبين يا سَلمَ إنْ ضاعت عهودي عندكم … فأنا الَّذِي استودعتُ غيرَ أمين هيهات ما للبِيض فِي ودّ امرِئٍ … أربٌ وَقَدْ أربى عَلَى الخمسين ليت الضنين عَلَى المحب بوصلهِ … لقن السماحة من صلاح الدّين ولعلَم الدّين حَسن الشاتانيّ فِيهِ قصيدةٌ مطلعها: أرى النصرَ مقرونًا برايتك الصَّفرا … فسِرْ واملكِ الدُّنْيَا فأنْت بها أَحْرَى وللمهذب عمر بن محمد ابن الشِّحْنة الْمَوْصِلِيّ قصيدةٌ فِيهِ مطلعها: سلامُ مشوقٍ قَدْ براه التشوُّقُ … عَلَى جيرة الحي الَّذِين تفرقوا منها:

стр. 12231

وإني امرؤٌ أحببتكم لمكارم … سمعتُ بها والأذْن كالعينِ تعشقُ وقالت لي الآمال: إنْ كنتَ لاحقًا … بأبناء أيوب فأنت الموفقُ وللقاضي السعيد هبة اللَّه ابن سناء الملك فِيهِ: لستُ أدري بأي فتحٍ تُهنّا … يا مُنيل الْإِسْلَام ما قَدْ تمنى أنهنيك إذ تملكت شاما … أم نهنيك إذ تبوأت عدنا قَدْ ملكت الجنان قصرًا فقصرًا … إذْ فتحت الشامَ حصْنًا فحصْنا لَمْ تَقِفْ في المعارك قطُّ إلا … كُنْت يا يوسف كيوسف حُسنا قصدَتْ نحوكَ الأعادي، فرد … اللَّه ما أملوه عنك وعنا حملوا كالجبال عُظمًا ولكنْ … جَعَلَتْها حملاتُ خَيْلك عِهنا كُلّ من يجعل الحديدَ لَهُ ثوبًا … وتاجًا وطيلسانًا ورُدنا خانهم ذَلِكَ السلاح فلا الرمحُ … تَثَنَّى، ولا المهند طنّا وتولت تِلْكَ الخيولُ وكم يُثنى … عليها بأنها لَيْسَ تُثنى وتصيدتهم لحلقة صيدٍ … تجمع الليثَ والغزال الأَغَنّا وجَرَت منهم الدماء بِحارًا … فَجَرَت فوقها الجزائرُ سُفنا صُنعت فيهم وليمةُ وحشٍ … رقص المشرفي فيها وغنى وحوى الأسرُ كُلّ ملك يظن … الدَّهْر يَفْنَى وملكه لَيْسَ يفنى والملكُ العظيمُ فيهم أسيرٌ … يتثنى فِي أدهمٍ يتثنى كم تمنى اللقاء حتى رآهُ … فتمنى لو أَنَّهُ ما تمنى رق من رحمةٍ لَهُ القيدُ والغل … عليه فكُلما أنَّ أنَّا واللّعين البرنس أرناط مذبوحٌ … بيُمْنَى مَنْ بات للدِّين يُمنى أَنْت ذكَّيته فَوَفَيْتَ نَذْرًا … كُنْت قدَّمتهُ فَجُوزِيت حُسنا قَدْ ملكت البلادَ شرقًا وغربًا … وحويتَ الآفاقَ سهْلًا وحَزنا واغْتَدَى الوصفُ فِي عُلاك حسِيرًا … أيُّ لفظٍ يُقَالُ أَوْ أيُّ مَعْنى فَمنْ فتوحاته: افتتح أولًا الإسكندرية سنة أربعٍ وستين، وقاتل معه أهلها لما حاصرتهم الفِرَنج أربعة أشهر، ثُمّ كشف عنه عمه أسد الدّين شيركوه، وفارقاها وقدما الشام.

стр. 12232

ثم تملك وزارة العاضد بعد عمه شيركوه سنة أربع وستين، وقتل شاور، وحارب السودان؛ واستتب له أمر ديار مصر، فأعاد بها الخطبة العباسية، وأباد بني عُبيد، وعبيدهم. ثم تملَّك دمشق بعد نور الدين، ثم حمص، وحماة، ثم حلب، وآمد، وميافارقين، وعدة بلاد بالجزيرة، وديار بكر. وأرسل أخاه فافتتح له اليمن، وسار بعض عسكره فافتتح له بعض بلاد إفريقية. ثم لم يزل أمره في ارتقاء، وملكه في ارتفاع، إلى أن كسر الفرنج نوبة حطين، وأسر ملوكهم، ثم افتتح طبرية، وعكا، وبيروت، وصيدا، ونابلس، والناصرة، وقيسارية، وصفورية، والشَّقيف، والطُّور، وحيفا، ومعليا، والفولة، وغيرها من البلاد المجاورة لعكا، وسبسطية التي يُقال لها قبر زكريا، وتبنين، وجُبيل، وعسقلان، وغزة، وبيت المقدس، ثم نازل صور مدة أشهر، فلم يقدر عليها وترحل عنها، وافتتح هونين، وكوكب، وأنطرسوس، وجبلة، وبكسرائيل، واللاذقية، وصهيون، وقلعة العيذ، وقلعة الجماهرية، وبلاطنُس، والشَّغر، وبكاس، وسرمانية، وبرزُية، ودربساك، وبغراس، وكانا كالجناحين لأنطاكية، ثم عقد هدنة مع إبرنس إنطاكية، ثم افتتح الكرك، والشوبك، وصفد، والشقيف المنسوب إلى أرنون. وحضر مصافاتٍ عدة ذُكرت سائرها في الحوادث، ﵀ وأسكنه جنته بفضله. وفي سنة تسعٍ ولد: تقي الدّين إسماعيل بن أبي اليُسر، والكمال عبد العزيز بن عبد، والتاج مظفر بن عبد الكريم الحنبلي، والشهاب محمد بن يعقوب بن أبي الدنية، والزين أحمد بن أبي الخير سلامة، والنجيب محاسن بن الحسن السُّلمي، والزكي إسرائيل بن شقير، والعلامة عز الدّين عبد الرزاق بن رزق اللَّه الرسعنيّ، وسعد اللَّه بن أبي الفضل التنوخيّ البزاز، والشيخ زين الدّين الزواويّ، وعبد الرحمن بن أحمد بن ناصر بن طغان الطّريفيّ، والجمال محمد بن عبد الحق بن خلف، وإمام الدّين محمد بن عمر بن الحسن الفارسيّ، وقاضي القُضاة صدر الدّين أحمد ابن سنيّ الدولة.

стр. 12233

سنة تسعين وخمسمائة ٣٧٧ - أحمد بن إسماعيل بن يوسف، أبو الخير الطالقاني القزويني، الفقيه الشافعي، الواعظ، رضي الدين، أحد الأعلام. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بقزوين، وتفقه على الفقيه أبي بكر بن ملكداذ بن عليّ العمركي، ثم ارتحل إلى نيسابور، وتفقه على محمد بن يحيى الفقيه حتى برع في المذهب، وسمع الكثير من أبيه، ومن أبي الحسن عليّ الشافعي القزويني، وأبي عبد اللَّه محمد بن الفضل الفُراوي، وزاهر الشحامي، وعبد المنعم ابن القشيري، وعبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، وعبد الجبار الخواري، وهبة اللَّه بن سهل السيدي، وأبي نصر محمد بن عبد اللَّه الأرغياني، ووجيه بن طاهر، وسمع بالطَّابران من محمد بن المنتصر المتُّوثي، وببغداد من أبي الفتح ابن البطي. ودرس ببلده مدةً، ثم درس ببغداد في سنة بضعٍ وخمسين ووعظ، وخلع عليه، وعاد إلى بلده، ثم قدمها قبل السبعين وخمسمائة، ودرّس بالنظامية. قال ابن النجار (١): كان رئيس أصحاب الشافعي، وكان إمامًا في المذهب، والخلاف، والأصول، والتفسير، والوعظ، حدَّث بالكتب الكبار كـ صحيح مسلم، ومُسند إسحاق، وتاريخ نيسابور للحاكم، والسنن الكبير للبيهقي، ودلائل النبوة، والبعث والنشور له أيضًا، وأملى عدة مجالس، ووعظ، ونَفَق كلامه على الناس، وأقبلوا عليه لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثرة محفوظاته، ثم قدم ثانيًا، وعقد مجلس الوعظ، وصارت وجوه الدولة ملتفتة إليه، وكثُر التعصب له من الأمراء والخواص، وأحبه العوام، وكان يجلس بالنظامية، وبجامع القصر، ويحضر مجلسه أممٌ، ثم ولي تدريس النظامية سنة تسعٍ وستين، وبقي مدرّسها إلى سنة ثمانين وخمسمائة، ثم عاد إلى بلده، وكان كثير العبادة والصلاة، دائم الذكر، قليل المأكل، وكان مجلسه كثير الخير، مشتملًا على التفسير، والحديث، والفقه، وحكايات الصالحين

стр. 12234

من غير سجعٍ، ولا تزويق عبارةٍ ولا شعر، وهو ثقة في روايته، وقيل: إنه كان له في كل يومٍ ختمةٌ مع دوام الصوم، وقيل: إنه يُفطر على قرص واحد. وقال ابن الدبيثي (١): أملى عدة مجالس، وكان مقبلًا على الخير، كثير الصلاة، له يدٌ باسطةٌ في النظر، واطلاع على العلوم، ومعرفة بالحديث، وكان جماعةً للفنون، ﵀، رجع إلى بلده سنة ثمانين، فأقام بها مشتغلًا بالعبادة إلى أن توفي في محرم سنة تسعين. وقال الحافظ عبد العظيم (٢): حكى عنه غيرُ واحدٍ أنه كان لا يزال لسانه رطبًا من ذِكر اللَّه، توفي في الثالث والعشرين من المحرم. وأنبأني ابن البزُوري أنه أوَّل من تكلم بالوعظ بباب بدر الشريف. قلت: هو مكان كان يحضر فيه وعظه الإمام المستضيء من وراء حجاب، وتحضر الخلائق، فكان يعظ فيه القزويني مرةً، وابن الجوزي مرةً. وقد روى عنه مسند إسحاق بن راهويه أبو البقاء لإسماعيل بن محمد المؤدب البغدادي، وروى عنه ابن الدُّبيثي، ومحمد بن عليّ بن أبي سهل الواسطي، والموفق عبد اللطيف بن يوسف، وبالغ في الثناء عليه، وقال: كان يعمل في اليوم والليلة، ما يعجز المجتهد عن عمله في شهر، ولما ظهر التشيُّع في زمان ابن الصاحب التمس العامة منه يوم عاشوراء على المنبر أن يلعن يزيد فامتنع، ووثبوا عليه بالقتل مرات، فلم يُرع، ولا زَلَّ له لسانٌ ولا قدم، وخلص سليمًا، وسافر إلى قزوين. قال: وفي أيام مجد الدّين ابن الصاحب صارت بغداد بالكرخ، وجماعةٌ من الحنابلة تشيعوا، حتى إن ابن الجوزي صار يضجع (٣) ويُلغِز، إلا رضي الدّين القزويني، فإنه تصلّب في دينه وتشدد.

стр. 12235

قلت: ورخه في هذه السنة ابن الدبيثي (١)، والزكي المنذري (٢)، وورَّخه ابن النجار (٣) سنة تسع وثمانين في المحرم، ورواه عن ولده أبي المناقب محمد بن أحمد ﵀. ٣٧٨ - أحمد بن عبد اللَّه، أبو العباس الشافعي، الواعظ، فخر الدّين ابن فويرة (٤). قدِم دمشق ووعظ بها، وبمصر، وحصل له قبولٌ تامٌّ، وكان حُلو الإيراد، توفي في شوال (٥). ٣٧٩ - أحمد بن محمد بن أحمد بن علي، أبو بكر الأصبهاني، الجورتاني (٦)، الحنبلي الحمامي. سمع من سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وغيره. وتُوفي قبل والده بأيامٍ أو بأشهر (٧). ٣٨٠ - أحمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي، أبو العباس بن المأمون الهاشمي العباسي، المأموني، نقيب العباسيين، ببغداد، ويعرف بابن الزّوال. توفي ببغداد في صفر؛ وله سماعٌ نازلٌ من أبي بكر محمد بن ذاكر الأصبهاني (٨). ٣٨١ - إبراهيم بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن يعقوب بن أحمد، أبو إسحاق الأنصاري، البلنسي، المحدث، نزيل الإسكندرية، ويُعرف بابن الجمش.

стр. 12236

رحل وحجَّ واستوطن الإسكندرية، فأكثر الكتابة عن السلفي، وبدر الحبشي، وأبي طاهر بن عوف، وخُّطهُ كيِّس مغربي، رفيع، نسخ شيئًا كثيرًا، وزهد فيما بعد وتنسك، وأقبل على شأنه، وكان يُنفق في الشهر أقل من درهمين يتقنّع بها، وكان حافظًا، فهمًا، متيقظًا. توفي في آخر السنة في ذي الحجة، وقيل: في السابع والعشرين من ذي القعدة (١). ٣٨٢ - إبراهيم بن مسعود بن حسان، أبو إسحاق الضرير، الرصافي، النحوي المعروف بالوجيه الذكي. أخذ العربية عن مُصدق بن شبيب النحوي، وتوفي شابًا في جمادى الأولى، وكان قد برع في الأدب (٢). ٣٨٣ - تميم بن سلمان بن معالي، أبو كامل العبادي، الربعي، ربيعة الفرس، الأزجي. حدث عن أبي الكرم الشهرزوري، روى عنه تميم البندنيجيّ، وابن خليل (٣). ٣٨٤ - جاكير الزاهد، أحد شيوخ العراق. كان كبير القدر، صاحب أحوال، وكرامات، واتباع، وسُنّة، وعبادة، وله أصحاب مشهورون فيهم دين وتعبُّد. بلغني أنه صحب الشيخ عليّ ابن الهيتي، وتوفي في هذا العام أو بعده بسنة ﵀. وذكر لي الشيخ شُعيب التركماني أحد من اختُصي وخدم بيت الشيخ في صباه، أن اسم الشيخ جاكير محمد بن دشم الكردي الحنبلي، وأنه لم يتزوج، ثم ذكر لي عنه كرامات، وأن زاويته وضريحه بقرية راذان، وهي على بريدٍ من سامرا، وأن أخاه الشيخ قعد في المسجد بعده، ثم بعده ابنه الغَرس.

стр. 12237

ثم وُلي المشيخة بعد الغرس ولده محمد، ثم ولده الآخر أحمد، ثم جلس في المسجد بعد أحمد ابنه عليّ بن أحمد، وهو حيٌّ، وفيه مخالطة للتتار، مخلِّطٌ على نفسه، كثير الخباط، وقد ابيض رأسه ولحيته، وهو في آخر الكهولة. ٣٨٥ - خازم بن عليّ بن هبة اللَّه، أبو القاسم ابن الكتاني (١)، الواسطي، المعروف بابن أبي الدّبس (٢). سمع أبا عليّ الفارقي، وابن شيران، وببغداد من إسماعيل ابن السمرقندي، وقرأ على سبط الخياط. سمع منه ابن الدُّبيثي، وقال: مات بواسط في ربيع الأول سنة تسعين (٣). ٣٨٦ - زكريا بن عمر بن أحمد، أبو الوليد الأنصاري، الخزرجي، القرطبي. روى عن أبي الحسن بن موهب، وأبي القاسم بن ورد، وأبي بكر ابن العربي، وغيرهم بالإجازة (٤). ٣٨٧ - سلامة بن عبد الباقي بن سلامة، العلاّمة أبو الخير الأنباري النحوي المقرئ الضرير، نزيل مصر، والمتصدر بجامع عمرو. له تصانيف شرح المقامات، وروى عن أبي الكرم السروري، وسعد الخير، وعنه عبد الوهاب بن وردان.

стр. 12238

ولد سنة ثلاثٍ وخمسمائة، ومات في ذي الحجة عن ثمانٍ وثمانين سنة (١). ٣٨٨ - سلمان بن يوسف بن عليّ بن سلمان بن الحسن، أبو نصر وأبو محمد البغدادي، الطحان، النُّعيمي، البزار (٢)، المعروف جدهم سلمان بابن صاحب الذهبية. ولد سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وأبي السعود أحمد ابن المجلي، وأبي بكر الأنصاري. أخذ عنه عمر بن عليّ القُرشي، ومحمد بن مشق، ويوسف بن خليل، وآخرون، وقد حدَّث هو وأبوه، وجده، وجدُّ أبيه، وكان يسكن بسكة النُّعيمية، محلة ببغداد. وتوفي في الثاني والعشرين من ربيع الآخر (٣). ٣٨٩ - طُغريل شاه بن أرسلان شاه بن طُغريل بن محمد بن ملكشاه، السّلطان، آخر الملوك السلجوقية سوى صاحب الروم. وطغريل هذا هو الذي خرج على الخليفة الناصر لدين اللَّه، وخافه أهل بغداد، فسار وزير الخليفة ابن يونس في جيش بغداد فالتقاه بأرض همذان، فانهزم جيش الخليفة، وأُسر الوزير، كما ذكرنا في الحوادث، ثم إن خُوارزم شاه كاتب الخليفة وطلب منه أن يُسلطنه ويقلده، ففعل، وسار خُوارزم شاه بعساكره، وقصد طغريل، فكان المصاف بينهما على الري، فقتل طغريل، وقطع رأسه، وبُعث به إلى بغداد، فدخلوا به على رمحٍ، وكوساته مشقَّقة، وسنجقه منكَّس. وكان من أحسن الناس صورة، فيه إقدام وشجاعة زائدة. وكان عدد الملوك السلجوقية نيفًا وعشرين ملكًا، أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد، وقطع دعوة بني عُبيد بعد أن خُطب لهم مدة أشهر، وآخرهم هذا، ومدة دولتهم مائة وستون سنة.

стр. 12239

ويُقال طغرل بحذف الياء، والله أعلم. ومن أخباره أنه أُقيم في السلطنة بعد موت والده، وكان أتابكه البهلوان هو الكل، فمات، وكبر طغريل، فالتفت عليه الأمراء، وطلب السلطنة من الخليفة، وأن يأتي إلى بغداد كآبائه، ويأمر وينهى، ثم آل أمره إلى أن ظفر به قُزل أخو البلهوان وسجنه؛ ثم خلص، وعاث في البلاد، وتملك همذان، وغيرها. وكان خوارزم شاه قد سار إلى الري، واستولى عليها ورجع إلى بلاده، فقصدها طُغريل في أول هذه السنة وأغار عليها، فجمع خوارزم شاه جيوشه، وسار إليه وانضم إليه قُتُلغ إينانج ولد البلهوان ابن إلدكز، فلما سمع طُغريل بقدومهما كانت له عساكر متفرقة، فلم يقف لجمعها، فقيل له: هذا ما هو مصلحة، والأولى أن تجمع العساكر، فما التفت لفرط شجاعته، والتقاهم وحمل بنفسه، وشق العساكر، فأحاطوا به، ورموه عن جواده، وقُتل في الرابع والعشرين من ربيع الأول، وملك خُوارزم شاه تلك البلاد، واستناب عليها قُتُلغ، وأقطع كثيرًا منها لممالكيه (١). ٣٩٠ - عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن سُفيان، التجيبي، الشاطبي، القونكي (٢). سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن هذيل، وابن النعمة، وخلقًا سواهم، وأتقن الفقه والعربية. وكان فصيحًا، بليغًا، مفوهًا، له النظم والنثر، ولي قضاء لورقة. وحدَّث عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو الربيع بن سالم الكلاعي. قال الأبار (٣): توفي في حدود التسعين وخمسمائة (٤). ٣٩١ - عبد اللَّه بن أبي المعالي المبارك بن هبة اللَّه بن سلمان، أبو جعفر ابن الصباغ، البغدادي، الشمعي، المعروف أبوه بابن سُكرة.

стр. 12240

سمعه أبوه من القاضي أبي بكر، ويحيى ابن الطرّاح، وأبي منصور محمد ابن خيرون، وأبي عبد اللَّه السلاّل، وجماعة كثيرة، ولأبيه رواية عن أبي طالب ابن يوسف. روى عن عبد اللَّه تميم البندنيجي، ويوسف بن خليل (١). ٣٩٢ - عبد الحميد بن أبي المكارم عبد المجيد بن محمد بن أبي الرجاء الكوسج، أبو بكر التميمي، الأصبهاني. ولد سنة أربع وخمسمائة، وسمع إسماعيل ابن السراج، وأجاز له أبو عليّ الحداد، وأبو طالب بن يوسف، وتوفي في شوال، قاله المهذَب بن زينة (٢). ٣٩٣ - عبد الخالق بن فيروز بن عبد اللَّه بن عبد الملك بن داود، أبو المظفر الجوهري، الواعظ، الهمذاني الأصل، البغدادي. قال ابن النجار (٣): كذا رأيت نسبه بخطه، سمع بخُراسان، وأصبهان، وبغداد، ودخل الشام، وسكن مصر، وحدَّث بها ووعظ، وذكر أنه سمع من أبي عبد اللَّه الفراويّ، وأبي القاسم الشحامي، وإسماعيل القارئ، وأبي بكر الأنصاري، ويحيى ابن البناء، والأرموي، وابن ناصر، وبأصبهان من أبي الخير الباغبان، وجماعة، وخرج لنفسه عنهم جزءًا سمعه منه الحافظ بن المفضل. قال: ولم يكن موثوقًا به، ولإخوته سماع من بعض هؤلاء، فلعله وثب على سماعهم. ولد سنة ثلاثٍ وعشرين وخمسمائة. قلت: روى عنه أبو الحسن السخاوي، ومحمد بن جبريل الصوفي، وأحمد بن محمد الأبرقوهي الهمذاني، والضياء محمد، وابن عبد الدائم، وإبراهيم بن محمود الضرير، وآخرون. وتوفي بعد المحرم، فإنه أجاز فيه لبعضهم، وقرأ عليه في هذه السنة جزء الأنصاري الحافظ عبد الغني.

стр. 12241

وقال الضياء: تكلموا في سماعه لجزء الأنصاري. ٣٩٤ - عبد الرحمن بن عبد الواحد بن أبي طاهر محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال، أبو عليّ الأزدي، الدمشقي، المعدل. شيخ جليل من رؤساء دمشق، سمع من أبيه أبي المكارم، وتوفي في ذي القعدة عن ثمانٍ وستين سنة. وروى أيضًا عن أبي الدر ياقوت، روى عنه يوسف بن خليل، وغيره (١). ٣٩٥ - عبد الرحمن بن محمد بن أبي طالب عبد القادر بن محمد، أبو الفرج اليوسفي، البغدادي. أجاز له جده، وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وابن الطبر، وقاضي المرستان، وهو من بيت الحديث والإسناد. ولد في رجب سنة ست عشرة، وتوفي في مستهل جمادى الأولى. روى عنه ابن خليل (٢). ٣٩٦ - عبد الرزاق بن النفيس بن الحسين، الفقيه أبو شجاع الواسطي، الخرزي، المعروف بابن الخيمي. توفي في شوال بواسط. سمع من أبي الوقت، وغيره (٣). ٣٩٧ - عبد السلام بن أحمد بن علي، أبو أحمد البصري، الكواز. حدث بواسط عن أبي عبد اللَّه محمد بن أحمد ابن أخي طلحة الشاهد البصري. توفي في ربيع الآخر (٤).

стр. 12242

٣٩٨ - عبد الملك بن نصر اللَّه بن جهبل، الفقيه أبو الحسين الحلبي الشافعي، الزاهد العابد، مدرس الزجاجية بحلب. حدث ببغداد لما حج عن ابن ياسر الجياني. توفي في جمادى الآخرة (١). ٣٩٩ - عبد الوهاب بن عليّ بن الخضر بن عبد اللَّه بن علي، العدل أبو محمد القرشي، الأسدي، الزبيري، الدمشقي، الشروطي، ويعرف بالحبقبق، أخو القاضي أبي المحاسن عمر بن عليّ الحافظ، نزيل بغداد، ووالد كريمة، وصفية. ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسمع أبا الحسن بن المسلم السلمي، وأبا الفتح نصر اللَّه المصيصي، وأبا الدر ياقوت التاجر، وأبا يعلى ابن الحبوبي، وخلقًا سواهم. روى عنه أخوه أبو المحاسن، وولداه عليّ وكريمة، وأبو المواهب بن صصرى، ويوسف بن خليل، وآخرون. وتوفي في ثالث صفر (٢). ٤٠٠ - عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو أحمد المقدسي، الجماعيلي، والد الشمس أحمد، المعروف بالبخاري، والضياء محمد الحافظ. ولد سنة ثلاثين، أو إحدى وثلاثين وخمسمائة، وسمع ببغداد من سعد اللَّه بن نجا ابن الوادي، وأبي الحسين عبد الحق، وحدَّث، ولم يرو عنه ابنه، روى عنه عبد الرحمن بن سلامة المقدسي، ومحمد بن طرخان، وروى ابنه عنهما عنه. وقال ابنه الضياء: قتل مظلومًا في تاسع شعبان، ﵀. ٤٠١ - علي بن بختيار، أبو الحسن البغدادي، الكاتب. تنقل في الخدم إلى أن ولي أستاذ دارية الخلافة مديدة، ثم عزل فلزم بيته، وتوفي في خامس عشري شوال، ودفن إلى جانب رباطه (٣).

стр. 12243

٤٠٢ - علي بن يحيى بن إسماعيل، أبو المكارم البغدادي الكاتب. له إجازات عالية، روى بالإجازة عن أبي سعد محمد بن محمد المطرز، وهو آخر من حدث عنه، وغانم بن أبي نصر البرجي، وأبي عليّ الحداد، وجماعة، روى عنه يوسف بن خليل، وغيره. مولده بعد الخمس مائة، وتوفي في ذي الحجة (١). ٤٠٣ - القاسم بن فيره (٢) بن خلف بن أحمد، أبو محمد وأبو القاسم الرعيني، الأندلسي الشاطبي، الضرير، المقرئ، أحد الأعلام. من جعل كنيته أبا القاسم لم يجعل له اسمًا سواها، وكذلك فعل أبو الحسن السخاوي، والأصح أن اسمه القاسم وكنيته أبو محمد، كذا سماه جماعة كثيرة. وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية (٣). ولد في آخر سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة، وقرأ القراءات بشاطبة على أبي عبد اللَّه محمد بن عليّ بن أبي العاص المقرئ النفزي (٤)، المعروف بابن اللايه، وارتحل إلى بلنسية فقرأ القراءات، وعرض التيسير حفظًا على أبي الحسن بن هذيل، وسمع منه، ومن: أبي الحسن بن النعمة، وأبي عبد اللَّه بن سعادة، وأبي محمد بن عاشر، وأبي عبد اللَّه بن عبد الرحيم، وأبي محمد عليم بن عبد العزيز، وأبي عبد اللَّه بن حميد، وارتحل للحج، فسمع من أبي طاهر السلفي، وغيره. وكان إمامًا علاّمة، نبيلًا، محققًا، ذكيًا، واسع المحفوظ، كثير الفنون، بارعًا في القراءات وعللها، حافظًا للحديث، كثير العناية به، أستاذًا في العربية، وقصيدتاه في القراءات والرسم مما يدل على تبحره، وقد سار بهما الركبان، وخضع لهما فحول الشعراء، وحُذّاق القراء، وأعيان البلغاء، ولقد سهل

стр. 12244

بهما الصعب من تحصيل الفن، وحفظهما خلقٌ كثير، وقد قرأتهما على أصحاب أصحابه. وكان إمامًا قُدوة، زاهدًا، عابدًا، قانتًا، منقبضًا، مهيبًا، كبير الشأن، استوطن القاهرة، وتصدر للإقراء بالمدرسة الفاضلية، وانتفع به الخلق، وكان يتوقّد ذكاءً. روى عنه أبو الحسن بن خيرة ووصفه من قوة الحفظ بأمر معجب، وروى عنه أيضًا: أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى الجنجالي، وأبو بكر بن وضاح، وأبو الحسن عليّ بن هبة اللَّه ابن الجُميزي، وأبو محمد عبد اللَّه بن عبد الوارث المعروف بابن فار اللبن، وهو آخر من روى عنه. وقرأ عليه القراءات: أبو موسى عيسى بن يوسف بن إسماعيل المقدسي، وأبو القاسم عبد الرحمن بن سعد الشافعي، وأبو الحسن عليّ بن محمد السخاوي، وأبو عبد اللَّه محمد بن عمر القُرطبي، والزين أبو عبد اللَّه محمد المقرئ الكردي، والسديد أبو القاسم عيسى بن مكي العامري، والكمال عليّ بن شجاع العباسي، الضرير، وآخرون. فحكى الإمام أبو شامة (١) أن أبا الحسن السخاوي أخبره أن سبب انتقال الشاطبي من شاطبة إلى مصر، أنه أريد على أن يُولى الخطابة بشاطبة، فاحتج بأنه قد وجب عليه الحج، وأنه عازمٌ عليه، وتركها ولم يعد إليها تورعًا، مما كانوا يُلزمون به الخطباء من ذكرهم على المنابر بأوصافٍ لم يرها سائغةً شرعًا، وصبرَ على فقرٍ شديد، وسمع بالثغر من السلفي، ثم قدم القاهرة، فطلبه القاضي الفاضل للإقراء بمدرسته، فأجاب بعد شروطٍ اشترطها، وقد زار البيت المقدس قبل موته بثلاثة أعوام، وصام به شهر رمضان، قال السخاوي: أقطعُ بأنه كان مكاشفًا، وأنه سأل اللَّه كفاف حاله ماكان أحدٌ يعلم أيَّ شيء هو. قال الأبار في تاريخه (٢): تصدَّر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعُد صيته، وانتهت إليه الرياسة في الإقراء، ثم قال: وقفتُ على نسخةٍ من

стр. 12245

إجازته، وحدَّث فيها بالقراءات عن ابن اللايُه، عن أبي عبد اللَّه بن سعيد، ولم يحدث عن ابن هذيل، قال: وتوفي بمصر في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة. قرأت على أبي الحسين اليونيني ببعلبك: أخبرك أبو الحسن ابن الجميزي، قال: أخبرنا أبو القاسم الرعيني، قال: أخبرنا ابن هذيل، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو داود سليمان بن نجاح، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو عمر ابن عبد البر، قَالَ: أَخْبَرَنَا سعيد بن نصر: قَالَ: حَدَّثَنَا قاسم بن أصبغ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن وضاح، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، قال (١): حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، قَالَ: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده قال: بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول أو نقوم بالحق حيث ما كنا، لا نخاف في اللَّه لومة لائم، أخرجه البخاري (٢). ومن شعره: قلْ للأميرِ نصيحةً … لا تركننَّ إلى فقيهِ إن الفقيه إذ أتى … أبوابكُم لا خيَر فيه ٤٠٤ - قيترمش المستنجدي، أبو سعيد، أحد الأمراء الكبار. ولي شحنكية بغداد فهذبها وقمع المفسدين، ثم أعطي دقوقا، فمرض بها، فجيء به إلى بغداد، فمات بظاهرها، فكتم أصحابه موته وأدخلوه، ثم أشاعوا موته، وحضره الأمراء وأرباب الدولة. وولي شحنكية بغداد خمس عشرة سنة. ٤٠٥ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن سعيد، أبو عبد اللَّه ابن عروس الغرناطي، السلمي. سمع من أبي الحسن بن الباذش، وأبي عبد اللَّه الموالشي، وأبي بكر بن الخلوف وقرأ عليه القراءات، وسمع من أبي بكر ابن العربي أيضًا،

стр. 12246

وتصدر للإقراء ببلده، وإسماع الحديث، وولي الخطابة، وكان من أهل التجويد، والثقة، والضبط، والصلاح، أخذ الناس عنه كثيرًا. وتوفي في منتصف رجب، وكان مولده في سنة تسعٍ وخمسمائة أو في حدودها (١). ٤٠٦ - محمد بن أحمد بن حامد، أبو البركات ابن الصائغ الحربي العامل. سمع بإفادة مؤدبه أبي البقاء محمد بن طبرزد من عليّ بن طراد، وأبي منصور بن خيرون، وجماعة، روى عنه أحمد بن محمد بن طلحة، وغيره، ومات في شوال. ٤٠٧ - محمد بن أحمد بن عليّ بن محمد، أبو عبد اللَّه الأصبهاني، الجورتاني، الحمامي، الأديب، المعروف بالمصلح. ولد في سنة خمس مائة، وسمع من أبي عليّ الحداد، وأبي نهشل عبد الصمد بن أحمد العنبري، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وغيرهم. وحج سنة تسع وستين، فحدَّث ببغداد، وأخذ عنه عمر بن عليّ القرشي، والكبار، وعاد إلى أصبهان، وبقي إلى هذا الوقت. توفي في حادي عشر ربيع الآخر. وكان فقيهًا حنبليًا، أديبًا، ذا زهد وعبادة، يختم كل يومٍ ختمة (٢). ٤٠٨ - محمد بن إبراهيم بن خلف، أبو عبد اللَّه ابن الفخار الأنصاري الأندلسي المالقي الحافظ. سمع أبا بكر ابن العربي، ولزمه واختص به، وأبا جعفر البطروجي، وأبا عبد اللَّه بن الأحمر، وأبا الحسن شريحًا، وأبا مروان بن مسرة، ومحمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي، وجماعة. قال أبو عبد اللَّه الأبار (٣): كان صدرًا في الحفاظ، مقدمًا، معروفًا، يسرد المتون والأسانيد، مع معرفةٍ بالرجال، وذكر للغريب، سمع منه جلة، وحدث

стр. 12247

عنه أئمّة، وسمعت أبو سليمان بن حوط اللَّه يقول عنه: إنه حفظ في شبيبته سنن أبي داود السجستاني وأما في مدة لقائي إياه، فكان يذكر صحيح مسلم أو أكثره، قال الأبار: وذكر أبو جعفر بن عميرة أنه كان يحفظ صحيح مسلم، وكان موصوفًا بالورع والفضل، مسلمًا له في جلالة القدر، ومتانة العدالة، استدعي إلى حضرة السّلطان بمراكش، ليسمع عليه بها، فتوفي هناك في شعبان. قلت: وولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة. ٤٠٩ - محمد بن الحسن بن محمد بن زرقان، الفقيه أبو عبد اللَّه الشافعي، تلميذ أبي الحسن ابن الخل. وقد أعاد لأبي طالب المبارك بن المبارك الكرخي، وشهد عند قاضي القضاء أبي طالب عليّ ابن البخاري، وناب عنه في القضاء، وسمع من أبي الوقت، وغيره، وتوفي بنواحي خلاط في هذه السنة تقريبًا (١). ٤١٠ - محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم، صدر الدّين أبو بكر المراغي قاضي مراغة، كان من أعيان أهل بلده فضلًا وتقدمًا، قدم بغداد، وسمع بها من أبي البركات إسماعيل بن أبي سعد النيسابوري، وغيره، ثم قدم بغداد سنة سبعٍ وسبعين حاجًا، وكان كثير المال والجاه والحشمة، وله آثار حسنة من البر، لكنه كان يلبس الحرير والذهب، اللَّه يسامحه المسكين. توفي بمراغة، ونقل إلى مدينة الرسول ﷺ ، فدفن برباط أنشأه بها (٢). ٤١١ - محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن أبي زاهر، أبو عبد اللَّه البلنسي، الخطيب. قرأ القراءات على ابن هذيل، وسمع منه، ومن ابن النعمة، وكان من أهل الصلاح الكامل، والورع التام، أقرأ القرآن طول عمره، وسمع منه ابنه أبو

стр. 12248

حامد محمد، وغيره، وتوفي في ربيع الأول عن ثلاث وستين سنة (١). ٤١٢ - محمد بن عبد اللَّه بن الحسين بن عليّ بن نصر بن أحمد بن محمد بن جعفر، أبو الفتح، وأبو عبد اللَّه البرمكي، الهروي، الحنبلي. ولد سنة ثمانٍ وعشرين وخمسمائة. وسمع بهمذان من أبي الوقت عبد الأول، وأبي الفضل أحمد بن سعد، وأبي المحاسن هبة اللَّه بن أحمد ابن السماك، وببغداد من أبي المعالي محمد بن محمد ابن اللحاس، وابن البطي، وخلق، وبالثغر من السفلي، وجاور وأم بالحنابلة بالحرم مدة. روى عنه أبو الثناء حامد بن أحمد الأرتاحي، وغيره، وتوفي بمكة في حدود سنة تسعين (٢). ٤١٣ - محمد بن عبد الملك بن بونه بن سعيد، أبو عبد اللَّه العبدري، المالقي، نزيل غرناطة، ويعرف بابن البيطار. ولد سنة ستٍّ وخمسمائة، وسمع أباه، وأبا محمد بن عتاب، وغالب بن عطية، وأبا بحر بن العاص، وأبا الوليد بن طريف، وهو آخر من روى بالإجازة عن أبي عليّ بن سكرة الصدفي، روى عنه أبو القاسم الملاحي، وآخرون، وتوفي في جمادى الأولى. ذكره الأبار (٣)، وكان أسند من بقي. ٤١٤ - محمد بن عليّ بن شعيب، فخر الدّين أبو شجاع ابن الدهان البغدادي، الفرضي، الأديب، الحاسب. خرج من بغداد، وجال في الجزيرة، والشام، ومصر، وسكن دمشق مدة، وهو أول من وضع الفرائض على شكل المنبر، وجمع تاريخًا جيدًا، وصنف غريب الحديث في عدة مجلدات، وكانت له يد طولى في النجوم، وحل الزيج، نسأل اللَّه العافية، وله أبيات في التاج الكندي. توفي فجأة بالحلة السيفية في صفر. روى عنه أبو الفتوح محمد بن عليّ الجلاجلي شيئًا من شعره، وقد مدح

стр. 12249

ملوكًا وأمراء، وكان من أذكياء بني آدم (١). ٤١٥ - محمد بن محمد بن سعد اللَّه بن القلاس (٢)، البغدادي، الكرخي، الشاعر المعروف بابن ملاوي، ويلقب قوس الندف. مدح الخلفاء والوزراء، وعاش دهرًا، وله مدائح في المستنجد باللَّه، وفي ابن هبيرة، وكان مستثقل الجملة، ذكره صاحب خريدة القصر (٣) وابن النجار، وأوردا من شعره. ٤١٦ - محمد ابن الفقيه أبي جعفر هبة اللَّه بن يحيى ابن البوقي، الفقيه أبو العلاء الواسطي، المعدل، كاتب الإنشاءات في ديوان المجلس، عن الوزير أبي جعفر ابن البلدي. ثم عاد إلى واسط بعد هلاك أبي جعفر. توفي في ثاني عشر رمضان (٤). ٤١٧ - المبارك بن أبي سعد عليّ بن هبة اللَّه بن أحمد بن محمد بن علي، أبو القاسم الكتاني، الواسطي. ولد سنة سبع وخمسمائة، وقرأ القرآن على عليّ بن عليّ بن شيران وسمع منه، ومن أبي عليّ الحسن بن إبراهيم الفارقي، وأبي الحسن عليّ بن هبة اللَّه بن عبد السلام، والجلابي، وسمع ببغداد من أبي القاسم ابن السمرقندي، وغيره. وحدث بواسط، روى عنه أبو عبد اللَّه ابن الدبيثي، وغيره. وتوفي في ربيع الأول (٥). ٤١٨ - محمود بن أبي نصر، محمد بن أحمد بن الحسين، الأديب، أبو الفتح الفروخي، الأواني، الكاتب.

стр. 12250

ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، له النظم والنثر، حدث بشيء من شعره. وبلد أوانا على يوم من بغداد، وهي قرية كبليدة (١). ٤١٩ - مفوز بن طاهر بن حيدرة بن مفوز، القاضي أبو بكر الشاطبي، قاضي شاطبة. سمع أباه، وأبا الوليد ابن الدباغ، وأبا عامر بن حبيب، وأخذ القراءات عن أبي الحسن بن أبي العيش، وابن أبي العاص النفزي، وتفقه بأبي محمد بن عاشر، وغيره، وأجاز له السلفي. وكان فصيحًا، فاضلًا، حسن السمت. مات في شعبان عن ثلاثٍ وسبعين سنة (٢). ٤٢٠ - مكي ابن الإمام أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، الزهري، الفقيه، الزاهد، أبو الحرم، ابن شيخ المالكية بالإسكندرية. ولد سنة تسع عشرة وخمسمائة، وروى بالإجازة عن أبي عبد اللَّه الفراوي، وأبي الحسن عبد الغافر الفارسي، وذكر أن أبا بكر الطرطوشي أجاز له. توفي في شعبان (٣). ٤٢١ - نصر بن يحيى بن محمد بن عبد اللَّه بن حميلة (٤)، أبو السعود البغدادي، الحربي، المعروف بابن الشناء (٥). ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسمع من هبة اللَّه بن الحصين، وأبي الحسين محمد ابن القاضي أبي يعلى، وأبي بكر القاضي، وجماعة، وحدَّث، روى عنه يوسف بن خليل، وأحمد بن أبي شريك، وتوفي في رجب، وسمع منه مبارك بن مسعود الرصافي مسند أحمد بن حنبل (٦).

стр. 12251

٤٢٢ - الوليد بن محمد بن أحمد بن جهور، أبو محمد القرطبي، كبير الشهود المعدلين بقرطبة. كان فاضلًا متواضعًا على منهاج السلف، سمع من أبي مروان بن مسرة، وأبي بكر بن سمجون، وعاش قريبًا من ثمانين سنة (١). ٤٢٣ - يحيى بن عبد الجبار بن يحيى بن يوسف، أبو بكر الأنصاري، المالقي، المعروف بالأبار، قاضي مالقة. ذكره أبو عبد اللَّه الأبار في تاريخه فقال (٢): كان جزلًا في أحكامه، مهيبًا، ورعًا، فقيهًا، بصيرًا بالشروط، سمع أبا عبد اللَّه بن الأصبغ، وأبا جعفر بن عبد العزيز؛ وأبا عبد اللَّه بن نجاح الذهبي بقرطبة، ورحل إلى إشبيلية، فسمع صحيح البخاري من أبي الحسن شريح، وسمع من أبي بكر ابن العربي، حدَّث عنه أبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو يحيى بن هانئ، وغيرهما، وتوفي سنة تسعين في ذي الحجة، وله خمسٌ وثمانون سنة. ٤٢٤ - يحيى بن منصور بن أبي القاسم، أبو زكريا البجائي، المالكي، الزاهد. حكى عنه الزاهد أبو النون عبد النور بن عليّ التميمي (٣). وفيها ولد: السيف يحيى ابن الناصح ابن الحنبلي، والشرف سليمان بن بنيمان الإربلي الشاعر، والشرف محمد بن محمد ابن البكري، ومحمد بن مرتضى بن أبي الجود، والصفيّ خليل المراغيّ، والجمال ابن شعيب التميمي، وقاضي نابلس نجم الدّين محمد بن سالم القرشي، وعبد العزيز بن إسماعيل بن مسلمة الدمشقي.

стр. 12252

وممن كان في هذا الوقت ولم تتصل بي وفاته ٤٢٥ - أحمد بن عليّ بن أحمد، الأنصاري، أبو العباس ابن الفقيه السرقسطيّ، نزيل الإسكندرية. سمع الكروخي، وابن ناصر، وجماعة، وحدَّث بالتيسير عن أبي عبد اللَّه بن سعيد الداني ابن الفرس، وله شعر جيد. حدَّث عنه أبو الحجاج ابن الشيخ، وعلي بن المفضل الحافظ، وأبو بكر بن عليّ الإشبيلي. وكأنه توفي بعد الثمانين (١). ٤٢٦ - إسحاق بن محمد بن إسحاق بن محمد بن هلال بن المحسن، أبو نصر ابن الصابئ، الكاتب البغدادي. من بيت كتابة، وبلاغة، وترسُّل، كان شيخًا حسنًا. قال ابن الدُّبيثي (٢): توفي بعد الثمانين. ٤٢٧ - الحسن بن منصور بن محمود، البخاري، الحنفي، العلامة، شيخ الحنفية، قاضي خان الأوزجندي، صاحب التصانيف. رأيت مجلدًا من أماليه في سنة سبعٍ، وسنة ثمانٍ، وسنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة. وسمع كثيرًا من الإمام ظهير الدّين حسن بن عليّ بن عبد العزيز، وإبراهيم بن إسماعيل الصفاري. روى عنه العلامة جمال الدّين محمود بن أحمد بن عبد السيد الحصيري تلميذه. ٤٢٨ - شعيب بن الحسين، أبو مدين الأندلسي، الزاهد، شيخ أهل المغرب رحمة اللَّه عليه. أصله من أعمال إشبيلية من حصن منتوجب، جال وساح وسكن بجاية مدةً، ثم سكن تلمسان، وكان كبير الصوفية والعارفين في عصره.

стр. 12253

ذكره أبو عبد اللَّه الأبار، ولم يؤرخ له موتًا، وقال (١): كان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع القرين في العبادة والنُّسك. قال: وتوفي بتلمسان في نحو التسعين وخمسمائة، وكان آخر كلامه: اللَّه الحي، ثم فاضت نفسه. ٤٢٩ - عبد اللَّه بن عليّ بن خلف، المحاربي، الغرناطي، أبو محمد. روى عن أبيه، وشريح، وابن العربي. وعنه سليمان بن حوط، وتوفي سنة بضعٍ وثمانين (٢). ٤٣٠ - عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن سفيان، التجيبي، الشاطبي، الفقيه، النحوي، قاضي لورقة. سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن هذيل، وطبقتهما. وكان بليغًا مفوِّهًا، له النَّظم والنثر. روى عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو الربيع بن سالم. بقي إلى حدود التسعين وخمسمائة (٣). ٤٣١ - عبد اللَّه بن محمد بن عليّ بن وهب، القضاعي، المؤدب، أبو محمد الإشبيلي، نزيل سبتة. أخذ عن أبي الحسن شريح، وعمرو بن بطال. وكان عارفًا بالقراءات والنحو، جيد التفهيم، أخذ عنه أبو العباس العزفي والد صاحب سبتة (٤). ٤٣٢ - عبد الرحمن بن يحيى بن الحسين (٥)، أبو القاسم الأموي، الإشبيلي، الزاهد. روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم الهوزني، وشريح، وجماعة، ونزل بجاية من المغرب، وألف الجمع بين الصحيحين وأتى فيه بالأسانيد. روى عنه أبو ذر الخُشني، وغيره، وبالإجازة أبو عليّ الشلوبيني.

стр. 12254

قال الأبار (١): كان مقرئًا، محدثًا، زاهدًا، ورعًا. توفي بعد الثمانين وخمسمائة. ٤٣٣ - عربي بن مسافر، الحليّ، الشيعي، عالم الشيعة وفقيههم بالحلة. رحلت إليه الروافض من النواحي للأخذ عنه، وروى عن العماد أبي جعفر الطبري، وغيره. وهلك بعد الثمانين. ٤٣٤ - علي بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم، الفهري، أبو الحسن البلنسي، المقرئ. أخذ القراءات عن ابن هذيل، وروى عن أبي الوليد ابن الدباغ، وطبقته. وكان صالحًا منقطعًا عن الناس. روى عنه أبو الربيع بن سالم، وقال: توفي في حدود التسعين وخمسمائة (٢). ٤٣٥ - علي بن عبد الكريم بن أبي العلاء، أبو الكرم العطار، العباسي، الهمذاني، مسند همذان في وقته. كان بها في سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة في قيد الحياة، فحدث عن فند بن عبد الرحمن الشعراني، وأبي غالب أحمد بن محمد العدل صاحب ابن شبابة، وجماعة. روى عنه عليّ بن إسفهسلاّر الرازي، والشمس أحمد بن عبد الواحد البخاري، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وغيرهم. وسماعاته بعد الخمس مائة. أخبرنا إسماعيل ابن المنادي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عبد الواحد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عليّ بن عبد الكريم بقراءتي عليه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن محمد العدل سنة ستٍّ وخمسمائة، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد بن شبابة قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن عُبيد، قال: حدثنا إبراهيم بن

стр. 12255

الحسين، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا عُفير، عن سليمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء. عُفير هو ابن معدان، كُنيته: أبو عائذ، ضعيف (١). ٤٣٦ - علي بن المظفر بن عباس، أبو الحسن الواسطي، المقرئ، خطيب شافيا. قرأ بالروايات العشر على أبي العز القلانسي، وتصدّر للإقراء، قرأ عليه القراءات: أبو الحسن عليّ بن باسُويه، والموفّق عليّ بن خطاب بن مقلد الضرير. ٤٣٧ - محمد بن إبراهيم بن حزب اللَّه، الإمام أبو عبد اللَّه ابن النقّار الفاسيّ. أخذ عن أبي عبد اللَّه ابن الرمامة المتوفى سنة سبع وستين، وعن أبي عَبْد اللَّهِ بن خليل، وجماعة. وكان فقيهًا، متفننا، محدثًا، زاهدًا. روى عنه أبو الحسن ابن القطان الحافظ، وتفقه به، وأجاز له في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة (٢). ٤٣٨ - يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد، أبو الوليد المخلدي، البقوي، القرطبي، والد أبي القاسم أحمد بن بقي. روى عن جده أحمد بن محمد، وأبيه، وأبي بكر ابن العربي، وشُريح بن محمد، وأبي القاسم بن رضا، وجماعة سواهم. حدَّث عنه ابنه أبو القاسم، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو زيد الفازازي. وولي القضاء ببسكرة، بُليدة من بلاد الزّاب. قال الأبار (٣): توفي بعد الثمانين وخمسمائة.
следующие страницы →