← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

٤٢٢ - الوليد بن محمد بن أحمد بن جهور، أبو محمد القرطبي، كبير الشهود المعدلين بقرطبة. كان فاضلًا متواضعًا على منهاج السلف، سمع من أبي مروان بن مسرة، وأبي بكر بن سمجون، وعاش قريبًا من ثمانين سنة (١). ٤٢٣ - يحيى بن عبد الجبار بن يحيى بن يوسف، أبو بكر الأنصاري، المالقي، المعروف بالأبار، قاضي مالقة. ذكره أبو عبد اللَّه الأبار في تاريخه فقال (٢): كان جزلًا في أحكامه، مهيبًا، ورعًا، فقيهًا، بصيرًا بالشروط، سمع أبا عبد اللَّه بن الأصبغ، وأبا جعفر بن عبد العزيز؛ وأبا عبد اللَّه بن نجاح الذهبي بقرطبة، ورحل إلى إشبيلية، فسمع صحيح البخاري من أبي الحسن شريح، وسمع من أبي بكر ابن العربي، حدَّث عنه أبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو يحيى بن هانئ، وغيرهما، وتوفي سنة تسعين في ذي الحجة، وله خمسٌ وثمانون سنة. ٤٢٤ - يحيى بن منصور بن أبي القاسم، أبو زكريا البجائي، المالكي، الزاهد. حكى عنه الزاهد أبو النون عبد النور بن عليّ التميمي (٣). وفيها ولد: السيف يحيى ابن الناصح ابن الحنبلي، والشرف سليمان بن بنيمان الإربلي الشاعر، والشرف محمد بن محمد ابن البكري، ومحمد بن مرتضى بن أبي الجود، والصفيّ خليل المراغيّ، والجمال ابن شعيب التميمي، وقاضي نابلس نجم الدّين محمد بن سالم القرشي، وعبد العزيز بن إسماعيل بن مسلمة الدمشقي.

стр. 12252

وممن كان في هذا الوقت ولم تتصل بي وفاته ٤٢٥ - أحمد بن عليّ بن أحمد، الأنصاري، أبو العباس ابن الفقيه السرقسطيّ، نزيل الإسكندرية. سمع الكروخي، وابن ناصر، وجماعة، وحدَّث بالتيسير عن أبي عبد اللَّه بن سعيد الداني ابن الفرس، وله شعر جيد. حدَّث عنه أبو الحجاج ابن الشيخ، وعلي بن المفضل الحافظ، وأبو بكر بن عليّ الإشبيلي. وكأنه توفي بعد الثمانين (١). ٤٢٦ - إسحاق بن محمد بن إسحاق بن محمد بن هلال بن المحسن، أبو نصر ابن الصابئ، الكاتب البغدادي. من بيت كتابة، وبلاغة، وترسُّل، كان شيخًا حسنًا. قال ابن الدُّبيثي (٢): توفي بعد الثمانين. ٤٢٧ - الحسن بن منصور بن محمود، البخاري، الحنفي، العلامة، شيخ الحنفية، قاضي خان الأوزجندي، صاحب التصانيف. رأيت مجلدًا من أماليه في سنة سبعٍ، وسنة ثمانٍ، وسنة تسعٍ وثمانين وخمسمائة. وسمع كثيرًا من الإمام ظهير الدّين حسن بن عليّ بن عبد العزيز، وإبراهيم بن إسماعيل الصفاري. روى عنه العلامة جمال الدّين محمود بن أحمد بن عبد السيد الحصيري تلميذه. ٤٢٨ - شعيب بن الحسين، أبو مدين الأندلسي، الزاهد، شيخ أهل المغرب رحمة اللَّه عليه. أصله من أعمال إشبيلية من حصن منتوجب، جال وساح وسكن بجاية مدةً، ثم سكن تلمسان، وكان كبير الصوفية والعارفين في عصره.

стр. 12253

ذكره أبو عبد اللَّه الأبار، ولم يؤرخ له موتًا، وقال (١): كان من أهل العمل والاجتهاد، منقطع القرين في العبادة والنُّسك. قال: وتوفي بتلمسان في نحو التسعين وخمسمائة، وكان آخر كلامه: اللَّه الحي، ثم فاضت نفسه. ٤٢٩ - عبد اللَّه بن عليّ بن خلف، المحاربي، الغرناطي، أبو محمد. روى عن أبيه، وشريح، وابن العربي. وعنه سليمان بن حوط، وتوفي سنة بضعٍ وثمانين (٢). ٤٣٠ - عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن سفيان، التجيبي، الشاطبي، الفقيه، النحوي، قاضي لورقة. سمع أبا الوليد ابن الدباغ، وابن هذيل، وطبقتهما. وكان بليغًا مفوِّهًا، له النَّظم والنثر. روى عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو الربيع بن سالم. بقي إلى حدود التسعين وخمسمائة (٣). ٤٣١ - عبد اللَّه بن محمد بن عليّ بن وهب، القضاعي، المؤدب، أبو محمد الإشبيلي، نزيل سبتة. أخذ عن أبي الحسن شريح، وعمرو بن بطال. وكان عارفًا بالقراءات والنحو، جيد التفهيم، أخذ عنه أبو العباس العزفي والد صاحب سبتة (٤). ٤٣٢ - عبد الرحمن بن يحيى بن الحسين (٥)، أبو القاسم الأموي، الإشبيلي، الزاهد. روى عن أبي محمد بن عتاب، وأبي القاسم الهوزني، وشريح، وجماعة، ونزل بجاية من المغرب، وألف الجمع بين الصحيحين وأتى فيه بالأسانيد. روى عنه أبو ذر الخُشني، وغيره، وبالإجازة أبو عليّ الشلوبيني.

стр. 12254

قال الأبار (١): كان مقرئًا، محدثًا، زاهدًا، ورعًا. توفي بعد الثمانين وخمسمائة. ٤٣٣ - عربي بن مسافر، الحليّ، الشيعي، عالم الشيعة وفقيههم بالحلة. رحلت إليه الروافض من النواحي للأخذ عنه، وروى عن العماد أبي جعفر الطبري، وغيره. وهلك بعد الثمانين. ٤٣٤ - علي بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم، الفهري، أبو الحسن البلنسي، المقرئ. أخذ القراءات عن ابن هذيل، وروى عن أبي الوليد ابن الدباغ، وطبقته. وكان صالحًا منقطعًا عن الناس. روى عنه أبو الربيع بن سالم، وقال: توفي في حدود التسعين وخمسمائة (٢). ٤٣٥ - علي بن عبد الكريم بن أبي العلاء، أبو الكرم العطار، العباسي، الهمذاني، مسند همذان في وقته. كان بها في سنة خمسٍ وثمانين وخمسمائة في قيد الحياة، فحدث عن فند بن عبد الرحمن الشعراني، وأبي غالب أحمد بن محمد العدل صاحب ابن شبابة، وجماعة. روى عنه عليّ بن إسفهسلاّر الرازي، والشمس أحمد بن عبد الواحد البخاري، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وغيرهم. وسماعاته بعد الخمس مائة. أخبرنا إسماعيل ابن المنادي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن عبد الواحد، قَالَ: أَخْبَرَنَا عليّ بن عبد الكريم بقراءتي عليه، قَالَ: أَخْبَرَنَا أحمد بن محمد العدل سنة ستٍّ وخمسمائة، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن بن محمد بن شبابة قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن عُبيد، قال: حدثنا إبراهيم بن

стр. 12255

الحسين، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: حدثنا عُفير، عن سليمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : لا يقطع الصلاة شيء. عُفير هو ابن معدان، كُنيته: أبو عائذ، ضعيف (١). ٤٣٦ - علي بن المظفر بن عباس، أبو الحسن الواسطي، المقرئ، خطيب شافيا. قرأ بالروايات العشر على أبي العز القلانسي، وتصدّر للإقراء، قرأ عليه القراءات: أبو الحسن عليّ بن باسُويه، والموفّق عليّ بن خطاب بن مقلد الضرير. ٤٣٧ - محمد بن إبراهيم بن حزب اللَّه، الإمام أبو عبد اللَّه ابن النقّار الفاسيّ. أخذ عن أبي عبد اللَّه ابن الرمامة المتوفى سنة سبع وستين، وعن أبي عَبْد اللَّهِ بن خليل، وجماعة. وكان فقيهًا، متفننا، محدثًا، زاهدًا. روى عنه أبو الحسن ابن القطان الحافظ، وتفقه به، وأجاز له في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة (٢). ٤٣٨ - يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد، أبو الوليد المخلدي، البقوي، القرطبي، والد أبي القاسم أحمد بن بقي. روى عن جده أحمد بن محمد، وأبيه، وأبي بكر ابن العربي، وشُريح بن محمد، وأبي القاسم بن رضا، وجماعة سواهم. حدَّث عنه ابنه أبو القاسم، وأبو سليمان بن حوط اللَّه، وأبو زيد الفازازي. وولي القضاء ببسكرة، بُليدة من بلاد الزّاب. قال الأبار (٣): توفي بعد الثمانين وخمسمائة.

стр. 12256

٤٣٩ - يوسف بن عبد الرحمن بن جزء، أبو الحكم الكلبي، الغرناطي. روى عن أبيه أبي بكر، وعم أبيه أبي الوليد بن جزء، وأبي الحسن بن الباذش، والقاضي أبي بكر ابن العربي، والقاضي عياض وجماعة، حدث عنه ابنه أبو العباس. وتوفي في حدود التسعين (١). آخر الطبقة

стр. 12257

الطبقة الستّون (٥٩١ - ٦٠٠ هـ)

стр. 12258

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) سنة إحدى وتسعين وخمسمائة أنبأنا ابن البزوري قَالَ: في المحرم وصل الخبر على جناح طائر باستيلاء الوزير مؤيّد الدين محمد ابن القصاب على همذان، وضربت الطُّبول. قلت: واعتنى الناصر لدين الله هذه المدّة بالحمام اعتناء زائدًا. قال: وولىّ مؤيَّد الدّين كلَّ بلد أميرًا، واجتمع بختلغ إنج فخلع عليه، واتّفقا على الخوارزميّة وقتالهم، فقصد الوزير دامغان، وقصد خلتغ إنج الريّ فدخلها وتحصّن بها، وخالف فيها الوزير فحصره، ففارقها خلتغ إنج، ودخلها الوزير وأنهبها عسكر بغداد، ثمّ ولاّها فلك الدّين سنقر النّاصريّ. ثمّ سار فحارب ختلغ إنج، فانكسر ختلغ إنج ونجا بنفسه، ورجع الوزير فدخل همذان، فنفّذ خوارزم شاه يعتب على الوزير، ويتهدّده لما فعله في أطراف بلاده، فاستعدّ الوزير للملتقى، فتوفّي دون ذلك، وجيَّش خوارزم شاه، وقصد همذان، وحارب العسكر فهزمهم، ونبش الوزير ليشيع الخبر أنّه قتل في المعركة، ثم عاد إلى خراسان، ثمّ إنّ المماليك البهلوانيّة أمّروا عليهم كوكج، وملكوا الريّ، وأخرج فلك الدّين سنقر. وفيها سار الملك العزيز من مصر ليأخذ دمشق، فبادر الملك الأفضل منها وساق إلى عمّه العادل، وهو بقلعة جعبر، وطلب نجدته، ثم عطف إلى أخيه الظّاهر يستنجده، فساق العادل وسبق الأفضل إلى دمشق، وقام معهما كبار الأمراء، فردّ العزيز منهزمًا، وسار وراءه العادل والأفضل فيمن معهما من الأسديّة والأكراد، فلمّا رأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل وقيامهم معه، خاف أن يملك مصر، ولا يسلّم إليه دمشق، فبعث في السّرّ إلى العزيز يأمره بالثَّبات، وأن يجعل على بلبيس من يحفظها، وتكفّل بأنّه يمنع الأفضل، فجهّز العزيز النّاصريّة مع فخر الدّين جركس، فنزلوا ببلبيس، وجاء الأفضل والعادل فنازلوهم، فأراد الأفضل مناجزتهم أو دخول مصر، فمنعه العادل من الأمرين

стр. 12259

وقال: هذه عساكر الإسلام، فإذا قتلوا في الحرب فمن يردّ العدوّ، والبلاد فبحكمك، وأخذ يراوغه، وجاء القاضي الفاضل في الصُّلح، ووقعت المطاولة، واستقرّ العادل بمصر عند العزيز، ورجع الأفضل. هذا ملخص ما قاله ابن الأثير (١). وفي هذه المدّة جدّد العزيز الهدنة مع ملك الفرنج كندهري، وزاد في المدّة ثم لم يلبث كندهري أن سقط من مكان بعكّا فمات، واختلفت أحوال الفرنج قليلًا. قال ابن واصل (٢) وغيره: لمّا عزم العزيز على قصد الشّام ثانيًا، أشار العُقلاء على الملك الأفضل بملاطفة أخيه العزيز، ولو فعل لصلح حاله، ولرضي منه العزيز بإقامة السّكّة والخطبة له بدمشق، لكن قبل ما أشار به وزيره الضّياء ابن الأثير، من اعتصامه بعمّه العادل والالتجاء إليه، وكان ذلك من فاسد الرأي، حتّى استولى عمه على الأمر، وغلب على السَّلطنة، ولمّا رجع الأفضل من بلبيس إلى دمشق أقبل أيضًا على الزُّهد والعبادة وفوّض الأمور إلى ابن الأثير، فاختلّت به غاية الاختلال. وفيها قدم بغداد شمس الدّين عليّ بن سوسيان بن شملة، ومعه نساء أبيه وجواريه، فتلقّي بالموكب الشريف، وكان صبيًّا بديع الجمال، تضرب بحسنه الأمثال. وقال أبو شامة (٣): فيها قدم العزيز إلى الشّام أيضًا ونزل على الفوار، ثمّ رحل إلى مصر لمّا سمع بقدوم العساكر مع عمّه العادل وأخيه الأفضل، فتبعاه إلى مصر، وخرج القاضي الفاضل فأصلح الحال، فدخل العادل مصر مع العزيز وأقام عنده، وردّ الملك الأفضل إلى دمشق. وفيها كانت بالمغرب وقعة الزّلاّقة، وكانت ملحمة عظيمة بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وبين الفنش ملك طليطلة لعنه الله. كان الفنش قد استولى على عامّة جزيرة الأندلس، وقهر ولاتها، وكان يعقوب ببرّ العدوة مشغولًا عن نصرة أهل الأندلس بالخوارج الخارجين عليه، وبين الأندلس وبين

стр. 12260

سبتة كان أدقّ ما يكون من عرض البحر، وعرضه ثلاثة فراسخ، ويسمى العدوة، وزقاق سبتة، وغير ذلك، ومنه دخل المسلمون في المراكب لمّا افتتحوا الأندلس في دولة الوليد بن عبد الملك، واستضرى الفنش واستفحل أمره، واتّسع ملكه، وكتب إلى يعقوب يحثه في الدّخول إليه، فأخذته حميّة الإسلام، وسار فنزل على زقاق سبتة، وجمع المراكب وعرض جيوشه، فكانوا مائة ألف مرتزقة، ومائة ألف مطَّوّعة، وعدّوا كلُّهم، ووصل إلى موضع يقال له الزّلاّقة وجاء الفنش في مائتي ألف وأربعين ألفًا، فالتقوا، فنصر الله دينه، ونجا الفونش في عددٍ يسير إلى طليطلة، وغنم المسلمون غنيمةً لا تحصى. قال أبو شامة (١): كان عدّة من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفًا، وأسر ثلاثون ألفًا، وأخذ من الخيام مائة ألف خيمة وخمسون ألفًا، ومن الخيل ثمانون ألف رأس، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير أربع مائة ألف حمار، تحمل أثقالهم، لأنّهم لا جمال عندهم، ومن الأموال والجواهر والقماش ما لا يحصى. قال: وبيع الأسير بدرهم، والسّيف بنصف، والحصان بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسّم يعقوب الملقّب بأمير المؤمنين الغنائم على مقتضى الشّريعة فاستغنوا للأبد. وأمّا الفنش فوصل بلده على أسوأ حال، فحلق رأسه ونكّس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش ولا يقرب النّساء، ولا يركب حتّى يأخذ بالثّأر، وأقام يجمع من الجزائر والبلاد ويستعدّ. قال (٢): وقيل: إنما كانت هذه الوقعة في سنة تسعين. وذلك وهم، إنّما كانت في سنة إحدى وتسعين في تاسع شعبان. سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فيها استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب عليّ بن عليّ ابن البخاريّ. وفيها أفرج عن الأمير مجير الدّين طاشتكين الحاجّ (٣)، وولي مملكة بلاد

стр. 12261

خوزستان، ووسم بالملك، وأنعم عليه بكوسات وأعلام. وقال أبو شامة (١): وفيها قدم العزيز ثالثًا إلى الشّام ومعه عمّه الملك العادل. قلت: فحاصرا دمشق مدّةً يسيرة، ووقعت المخامرة من عسكر دمشق ففتحوا الأبواب، ودخل العزيز والعادل في رجب. قال ابن الأثير (٢): كان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بعمّه، وقد بلغ من وثوقه به أنّه أدخله بلده وهو غائب عنه، وقد كان أرسل إليه أخوه الظّاهر يقول له: أخرج عمّنا من بيننا، فإنّه لا يجيء علينا منه خير، وأنا أعرف به منك، وأنا زوج بنته. فردّ عليه الأفضل: أنت سّيئ الظّنّ، وأيّ مصلحة لعمّنا في أن يؤذينا؟ ولمّا تقرّر العادل بمصر استمال الملك العزيز، وقرّر معه أنه يخرج إلى دمشق، ويملك دمشق ويسلّمها إليه، فسار معه وحصروها، واستمالوا أميرًا فسلِّم إليهم باب شرقيّ، وفتحه ودخل منه العادل ووقف العزيز بالميدان، فلمّا رأى الأفضل أنّ البلد قد ملك، خرج إلى أخيه ودخل به البلد، واجتمعا بالعادل وقد نزل في دار أسد الدّين شيركوه، فبقوا أيامًا كذلك، ثمّ أرسلا إلى الأفضل ليتحول من القلعة، فخرج وسلَّم القلعة إلى أخيه. قلت: رجع العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق، فتغلّب عليها، وأخرج أولاد أخيه صلاح الدّين عنها، وأنزل الأفضل في صرخد. وقال أبو شامة (٣): انفصل الحال على أن خرج الأفضل إلى صرخد، وتسَّلم البلد الملك العزيز، وسلّمها إلى عمه، وأسقط ما فيها من المكوس، وبقيت بها الخطبة والسّكة باسم الملك العزيز. وقال في الروضتين (٤): فيها نزل العزيز بقلعة دمشق، ودخل هو وأخوه الأفضل متصاحبين إلى الضريح النّاصريّ، وصلّى الجمعة عند ضريح والده، ودخل دار الأمير سامة في جوار التُّربة، وأمر القاضي محيي الدّين أن يبنيها مدرسةً للتربة، فهي المدرسة العزيزية، ووقف عليها قرية محجّة.

стр. 12262

قلت: ما أحسن قول ملك البلاغة القاضي الفاضل: أمّا هذا البيت فإنّ الآباء منه اتَّفقوا فملكوا، وأنّ الأبناء منه اختلفوا فهلكوا، إذا غرب نجم فما في الحيلة تشريقه، وإذا خرق ثوبُ فما يليه إلاّ تمزيقهُ، وإذا كان الله مع الخصم فمن يطيقه؟ قال أبو شامة (١): وأخذت قلعة بصرى من الملك الظافر خضر ابن صلاح الدّين، أخذها أخوه. قال (٢): وفيها بعد خروج النّاس من مكّة هبّت ريح سوداء عمت الدنيا، ووقع على الناس رملٌ أحمر، ووقع من الركن اليمانّي قطعة، وتجرّد البيت مرارًا. قَالَ (٣): وفيها سار عسكر خوارزم شاه على مقدمته مملوك له جاء فكسر عسكر الخليفة، وكان في مقدمته وهو عشرون ألفا ابن القصاب الوزير، أشنع من كسرة ابن يونس، وعاد العسكر إلى بغداد عرايا جياعا، وقطع رأس الوزير وبعث به وبأعلام الخليفة والخزائن، وكان ذلك على باب همذان. ومن خبر خوارزم شاه أنه كان قد قطع نهر جيحون في خمسين ألفًا، ثمّ وصل همذان وشحن على البلاد إلى باب بغداد، وبعث إلى الخليفة يطلب السّلطنة، وإعادة دار السّلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، وأن يكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السَّلجوقية، فانزعج الخليفة وأهل بغداد، وغلت الأسعار. قال (٤): وفيها كانت وقعة أخرى ليعقوب بن يوسف مع الفنش، وكان الفنش قد حشد وجمع جمعًا أكثر من الأوّل، ووقع المصاف، فكسره يعقوب، وساق خلفه إلى طليطلة ونازلها، وضربها بالمنجنيق، وضيّق عليها ولم يبق إلاّ أخذها، فخرجت إليه والدة الفنش وبناته وحريمه، وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهنّ، فرقّ لهنّ ومَنَّ عليهن بالبلد، ولو فتح طليطلة لفتح إلى مدينة النّحاس، وعاد إلى قرطبة وقسم الغنائم، وصالح الفنش مدّة.

стр. 12263

وقيل: إنّ هذه الوقعة كانت في سنة إحدى وتسعين. وفيها وفي الّتي قبلها عاث ابن غانية الملثَّم، وخلت له إفريقيّة، وكان بالبرّية مع العرب، فعاود إفريقية، وخرّبت عساكره البلاد، فلهذا صالح يعقوب الفرنج ورجع إلى المغرب لحرب الملثَّم. سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة فيها وصل الأمير أبو الهيجاء الكرديّ، المعروف بالسّمين، كان مفرط السُّمن، ومن أعيان أمراء الشّام، ترك خدمة الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدّين وقدم بغداد، فتلقّي وأكرم، وبالغوا في احترامه، ثمّ جرت من أجناده ناقصة لمّا جرّدوا وحاربوا عسكر الدّيوان، وكان هو ببغداد. وفيها خطب بالسلطنة وضربت السّكّة للملك العزيز، كما خطب له عام أوّل بدمشق، وتمّت له سلطنة مصر والشّام، مع كون عمّه العادل صاحب دمشق، وأخيه صاحب حلب. وفي جمادى الآخرة جرى بركة السّاعي من واسط إلى بغداد في يوم وليلة، وهذا لم يسبق إلى مثله، وخلع عليه خلع سنيّة، وحصل له مال. ثم خلع على أبي الهيجاء السّمين، وأمر أن ينزل بهمذان، وتوفّي بعد شهر. وفيها وجّه محيي الدّين الحسن بن الربيع رسولا إلى شهاب الدّين الغوريّ صاحب غزنة. أنبأنا ابن البزوري قال: وانقضّ في شوّال كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوتٌ هائل، واهتزّت الدُّور والأماكن، فاستغاث الناس، وأعلنوا بالدّعاء، وظنّوا ذلك من أمارات القيامة. قال: وفيها ملك إسماعيل بن سيف الإسلام طغتكين بلد اليمن بعد أبيه، وأساء في ولايته، وادّعى أنّه قرشيّ، وخطب لنفسه وتسمّى بالهادي، ثم قتل. قال أبو شامة (١): وفي شوّالها فتح العادل يافا عنوةً وأخربها، وكان قد

стр. 12264

أتاها أربعون فارسًا نجدةً، فلما عاينوا الغلبة دخلوا الكنيسة وأغلقوا بابها، ثم قتل بعضهم بعضًا، فكسر المسلمون الباب فوجدوهم صرعى. وهذا ثالث فتح لها؛ لأنّها فتحت في أيّام فتح بيت المقدس، ثم استرجعها الإنكتير، ثم أخذها ثاني مرّة صلاح الدّين، ثم افتتحها في هذا الوقت الملك العادل، ثمّ ملكتها الفرنج، ثمّ افتتحها السّلطان الملك الظاهر رابعًا، ثم خرِّبت. كتب الفاضل إلى محيي الدّين ابن الزكيّ يقول: وممّا جرى من المعضلات بأس من الله طرق ونحن نيام، وظنّ النّاس أنّه اليوم الموعود، ولا يحسب المجلس أنّي أرسلت القلم محرِّفًا، والقول مجزفا، فالأمر أعظم، ولكنّ الله سلَّم، إنّ الله أتى بساعةٍ كالسّاعة، كادت تكون للدّنيا السّاعة، في الثّلث الأوّل من ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة، أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، قوي ألهوبها، واشتدّ هبوبها، وارتفعت لها صعقات، فرجفت الجدران، واصطفقت، وتلاقت على بعدها، واعتنقت، وثار عجاج، فقيل: لعلّ هذه على هذه قد انطبقت، وتوالت البروق على نظام، فلا يحسب إلاّ أنّ جهنّم قد سال منها وادٍ، وزاد عصف الريح إلى أن تغطت النُّجوم، وكانت تسكن وتعود عودًا عنيفًا، ففرّ الناس والنّساء والأطفال، وخرجوا من دورهم لا يستطيعون حيلةً، ولا يهتدون سبيلًا، بل يستغيثون ربّهم، ويذكرون دينهم، ولا يستغربون العذاب، لأنّهم على موجباته مصرون، وفي وقت وقوع واقعاته باستحقاقه مقرون، معتصمين بالمساجد الجامعة، وملتقين الآية النّازلة من السّماء بالأعناق الخاضعة، بوجوهٍ عانية، ونفوسٍ عن الأموال والأهل سالية، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعميت عن النجاة طرقهم، فدامت إلى الثّلث الأخير، وأصبح كلٌّ يسلِّم على رفيقه ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنّه بعث بعد النّفخة، وأفاق بعد الصَّرخة، وتكسرت عدّة مراكب في البحار، وتقلّعت الأشجار الكبار، ومن كان نائمًا في الطُّرق من المسافرين دفنته الرّيح حياّ، وركب فما أغنى الفرار شيئًا، والخطب أشقّ، وما قضيت بعض الحقّ، فما من عباد الله من رأى القيامة عيانًا إلاّ أهل بلدنا، فما اقتص الأوّلون مثلها في المثلات، والحمد لله الذّي جعلنا نخبر عنها ولا يخبر عنّا، في كلام طويل.

стр. 12265

وفيها أخذت الفرنج بيروت، وكان أميرها الأمير عزّ الدّين سامة لمّا سمع بوصول العدوّ إلى صيدا هرب، فملكها الفرنج ثاني يوم، وفيه صنِّف: سلِّم الحِصنَ ما عليكَ مَلامَه … ما يُلام الذي يرومُ السّلامهْ فَعَطاءُ الحصونِ من غير حربٍ … سنَّةٌ سنَّها ببيروتَ سامهْ سنة أربع وتسعين وخمسمائة فيها نزلت الفرنج على تبنين، وقدم منهم جمع كبير في البحر، فانتشروا بالسّاحل، وكثروا، وخاف الناس، فنفّذ الملك العادل صاحب دمشق القاضي محيي الدّين إلى صاحب مصر الملك العزيز مستصرخًا به، فجاء العزيز، فترحّل الفرنج بعد أن قرِّرت معهم الهدنة خمس سنين وثمانية أشهر. وحجّ بالنّاس من الشام قراجا. وفيها ملك علاء الدّين خوارزم شاه، واسمه تكش بن أيل رسلان بخارى، وكان لصاحب الخطا، وجرى له معهم حروبٌ وخطوب، وانتصر عليهم، وقتل خلقًا منهم، وساق وراءهم، ثم حاصرهم مدّة، وافتتحها عنوة، وعفى عن الرعيّة، وكان يقع في مدّة الحصار بين الفريقين سبّ، وتقول الخوارزمية: يا أجناد الكفّار أنتم تعينون الخطا علينا، أنتم مرتدّة. وكان خوارزم شاه أعور، فعمد أهل بخارى إلى كلب أعور، وألبسوه قباءً ورموه في المنجنيق إليهم، وقالوا: هذا سلطانكم تكش. وفيها مات سنقر الكبير أمير القدس، وولي بعده صارم الدّين خطلو الفرُّخشاهيّ. وفيها سار ملك الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود فنازل نصيبين، وأخذها من ابن عمّه قطب الدّين، فسار إلى الملك العادل واستنجد به، فسار معه بعسكره، وقصدا نصيبين فتركها أرسلان شاه وسار إلى بلده ودخلها، وعاد قطب الدين فدخل نصيبين شاكرًا للعادل، وأراد الرجوع في خدمته إلى دمشق فردّه. ونازل العادل ماردين، وحاصرها أشهرًا، وملك ربضها، ثمّ رحل عنها.

стр. 12266

سنة خمس وتسعين وخمسمائة في ربيع الأوّل قصد علاء الدّين خوارزم شاه الريّ، وكان قد عصى عليه نائبه بها، فحاصره وظفر به، وهمَّ بقتله، ثم حبسه. وفيه نفّذ الخليفة إلى علاء الدّين خوارزم شاه تشريفًا وتقليدًا بما في يده من الممالك، فقبل الأرض ولبس الخلعة. ثم سار وفتح قلعة من قلاع الإسماعيلية على باب قزوين، وحصر ألموت، ثم عاد، فوثبت الباطنية على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه. وقتلت الإسماعيليّة في حصار الألموت رئيس الشّافعيّة صدر الدّين محمد ابن الوزّان. وفيها تقدم بعمارة سور ثان على بغداد، وجدّوا في بنائه إلى أن فرع. وفيها ولي سلطنة المغرب والأندلس محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بعد موت والده. وفي وسط السّنة أخرج أبو الفرج ابن الجوزي من سجن واسط مكرَّمًا وتلقاه الأعيان، وخلع عليه وأذن له في الجلوس فجلس وكان يومًا مشهودًا. وفيها كانت بخراسان الفتنة الهائلة للفخر الرّازيّ صاحب التّصانيف. أنبأني ابن البزوريّ قال: سببها أنّه فارق بهاء الدّين صاحب باميان وقصد غياث الدّين الغوريّ خال بهاء الدّين، فالتقاه وبجله وأنزله، وبنى له مدرسة، وقصده الفقهاء من النواحي فعظم ذلك على الكرامية، وهم خلق بهراة وكان أشدّ النّاس عليه ابن عم غياث الدين وزوج بنته، وهو الملك ضياء الدين، فاتفق حضور الفقهاء الكراميّة، والحنفيّة والشّافعية، وفيهم فخر الدّين الرّازيّ، والقاضي مجد الدّين عبد المجيد بن عمر بن القدوة، وكان محترمًا، إمامًا، زاهدًا، فتكلم الفخر، فاعترضه ابن القدوة، واتّسع الجدال والبحث وطال، فنهض السّلطان غياث الدين، واستطال الفخر على ابن القدوة بحيث إنّه شتمه وبالغ في إهانته، وانقضى المجلس، فشكا الملك ضياء الدّين إلى ابن عمّه ما جرى من الفخر بعد انقضاء المجلس، وذم الفخر ونسبه إلى الزندقة والفلسفة، فلم يحتفل السّلطان بقوله، فلمّا كان من الغد جلس ابن عمّ المجد

стр. 12267

ابن القدوة في الجامع للوعظ فقال في وعظه: لا إله إلاّ الله ربنّا آمنّا بما أنزلت واتَّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشّاهدين، أيّها الناس، إنّا لا نقول إلاّ ما صحّ عندنا عن ربنا وعن رسول الله ﷺ ، وأما قول أرسطا طاليس، وكفريّات ابن سينا، وفلسفة الفارابيّ، فلا نعلمها، فلأيّ شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذبّ عن دين الله؟ وبكى، فضجّ النّاس، وبكى الكرّاميّة، واستغاثوا، وثار النّاس من كلّ جانب واستعرت الفتنة، وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك به خلق كثير، فبلغ ذلك السّلطان، فأرسل الأجناد وسكّنهم ووعدهم بإخراج الفخر، وأحضره وأمره بالخروج. وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبد الغنيّ بينه وبين الأشعرية، وهمّوا بقتله، ثم أخرجوه من دمشق، وتفصيل ذلك في ترجمته إن شاء الله. وفي أوّلها مات الملك العزيز، وكان سيف الدّين أركش، الأسدي بالصّعيد، فقدم القاهرة فوجد الملك المنصور سلطانًا، وقد استولى فخر الدّين شركس على الأمور، فحلّف أركش الأمراء على أن يسلطنوا الأفضل، وأرسلوا النجب بالكتب إليه وانعزل عنهم شركس، وزين الدّين قراجا، وقراسنقر، ثم لما قرب الأفضل من مصر هربوا إلى القدس، فسار الأفضل من صرخد ودخل مصر، فأخذ ابن العزيز وصار أتابكه، وسارا بالجيوش فحاصرا دمشق وبها العادل قد ساق على البريد من ماردين، وترك عليها الجيش مع ولده الكامل محمد، ودخل دمشق قبل أن يصل الأفضل بيومين، وأحرق جميع ما كان خارج باب الجابية من الفنادق والحوانيت، وأحرق النَّيرب وأبواب الطّواحين، وقطعت الأنهار، واشتد الأمر، وأحرقت بيادر غلّة حرستا، ودخل الأفضل من باب السّلامة، وضجّت العوام بشعاره، وكان محبوبًا إلى النّاس، وبلغ الخبر العادل، فكاد يستسلم فتماسك، ووصل الذين دخلوا إلى باب البريد، وكانوا قليلين، فوثب عليهم أصحاب العادل وأخرجوهم، ثمّ قدم صاحب حلب، وصاحب حمص، وهمّوا بالزَّحف، ثم قويّ العادل بمجيء الأمراء الذين كانوا بالقدس، وضعف الأفضل، ثم وقعت كبسة على عسكره المصريّين، وبقي الحصار إلى سنة ستٍّ وتسعين. وفيها ظهر بدمشق الدّاعي العجميّ المدّعي أنه عيسى ابن مريم، وأفسد طائفة وأضلهم، فأفتى العلماء بقتله، فصلبه الصّارم بزغش العادليّ.

стр. 12268

وفيها قامت العامّة على الرّافضة، وأخرجوهم إلى باب الصّغير من دمشق، ونبشوا وثّابًا المرحّل من قبره، وعلّقوا رأسه مع كلبين ميّتين. وفيها ولّي قضاء القضاة بالعراق ضياء الدّين أبو القاسم ابن الشّهرزوريّ. سنة ست وتسعين وخمسمائة فيها مات السّلطان علاء الدّين خوارزم شاه تكش، وقام بعده ابنه محمد. وفيها كان الملك الأفضل والملك الظّاهر على حصار دمشق، والعساكر قائمة بمنزلتهم، قد حفروا عليها خندقًا من أرض اللّوان إلى يلدا احترازًا من مهاجمة الدّمشقييّن لهم، وعظم الغلاء بدمشق، وزاد البلاء، وكادت أن تعدم الأقوات بالكلية، ونفذت أموال الملك العادل على الأمراء والجند، وأكثر الاستدانة من التّجّار والأكابر، وكان يدبّر الأمور بعقل ومكر ودهاء، حتّى تماسك أمره، ثم فارقه جماعة أمراء، فكتب إلى ابنه الكامل: أن أسرع إليَّ بالعساكر، وخذ من قلعة جعبر ما تنفقه في العساكر، فسار الكامل ودخل جعبر، وأخذ منها أربعمائة ألف دينار، وسار إلى دمشق، وتوانى الأخوان عن معارضته، فدخل البلد وقوي به أبوه، وضعف أمر الظّاهر والأفضل، ووقع بينهما على مملوك للظّاهر كان مليحًا أخذه الأفضل وأخفاه، ثم رحل الأفضل والظّاهر إلى رأس الماء وافترقا، وهجم الشّتاء، وردّ الأفضل إلى مصر، والظّاهر إلى حلب، فخرج العادل يتبع الأفضل، فأدركه عند الغرابيّ من رمل مصر، ودخل العادل القاهرة، فرجع الأفضل إلى صرخد منحوسًا. وكان في أوّل السّنة قد وصل ابن أخي السّلطان خوارزم شاه مستغفرًا عن عمه ممّا أقدم عليه من مواجهة الدّيوان بطلب الخطبة، فأكرم مورده. وقال القاضي جمال الدّين ابن واصل (١): ثم سار الأفضل والظّاهر إلى رأس الماء، وعزما على المقام به إلى أن ينسلخ الشتاء، فتواترت الأمطار، وغلت الأسعار، فاتفقا على الرحيل وتأخير الحصار إلى الربيع. ودخل الأفضل مصر، وتفرق عسكره لرعي دوابّهم، بعد أن خامر منهم طائفة كبيرة إلى العادل، ورحل العادل فدخل الرمل، فرام الأفضل جمع العساكر، فتعذّر عليه،

стр. 12269

فخرج في عسكر قليل، ونزل السّائح، وعمل المصافّ مع عمّه، فانكسر وولى، والمصريّون منهزمين، وكان بعضهم مخامرين وتخاذلوا عنه، فاضطرّ إلى أن ترك مصر، وتعوَّض بميَّافارقين، وحاني وسميساط، ودخل العادل القاهرة في الحادي والعشرين من ربيع الآخر، واجتمع به الأفضل، ثم سافر إلى صرخد. ثم طلب العادل ابنه الكامل، وملك الدّيار المصرّية، وجعل ابنه الكامل نائبًا عنه، فناب عنه قريبًا من عشرين سنة، ثمّ استقلّ بالملك بعده عشرين سنة وأشهرًا. وأنبأنا ابن البزوريّ قال: في ربيع الآخر التقى عسكر العادل وعسكر الأفضل، فانهزم عسكر الأفضل وهو إلى القاهرة، فساق العادل ونزل محاصرًا القاهرة، فأرسل الأفضل إلى عمّه العادل يقنع منه ببعض بلاده، فقال للعادل: أريد دمشق، فلم يجبه، ثم آل الأمر إلى أن رضي بميّافارقين وخرج من مصر، ودخلها العادل فعمل أتابيكة الملك المنصور عليّ ابن العزيز، ثم لم يبرح يتلطف ويتألف الأمراء إلى أن ملك الدّيار المصرية، وخطب لنفسه وقال: هذا صبيّ يحتاج إلى المكتب ثم قطع خطبة الصَّبي. وفيها قدم بغداد من المغرب رسول الملثّمة، من مخدومه إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن غانية الملثَّم المايرقي الخارج على بني عبد المؤمن، فتلقّي بالموكب الشّريف، وأخبر أن مرسله أقام الدّعوة للخليفة ببلاده بلاد المغرب. أنبأني ابن البزوريّ قال: أخبرت أنّ الرسول المذكور كان ملثّما لا يظهر منه سوى عينيه، وأقام ببغداد أيّامًا، وأعطي لواء أسود وخلعًا، وأعيد إلى مرسله. وحجّ من العراق بالنّاس سنقر النّاصريّ، ويعرف بوجه السَّبع. ولمّا تمكن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر من مملكة مصر سيَّر الأميرين علم الدّين كرجيّ الأسدي، وأسد الدّين سراسنقر ليحضرا ولده الملك الكامل، فدخل الكامل إلى القاهرة في أواخر رمضان من السّنة، وخرج العادل بأمراء الدّولة المصريّة بأن يبرزوا معه ليسيروا إلى خلاط، وحثهم على ذلك. فلما كان سابع عشر شوّال ركب بالسّناجق والسّيوف المجذَّبة في الدَّست، فلم يجسر أحد من الأمراء أن ينطق، وأمر الخطباء أن يخطبوا باسمه

стр. 12270

كما ذكرنا، ثمّ لم يلبث إلاّ أيامًا يسيرة حتّى سلطن ولده الكامل على الدّيار المصرية، وقدم عليه أخوه لأمه صاحب المدرسة الفلكيّة بدمشق فلك الدّين سليمان بن سروة بن جلدك. وفيها كان نقص النّيل، والغلاء والوباء المفرط، وخربت ديار مصر، وجلا أهلها عنها، واشتد البلاء في سنة سبع، وأكلوا الجيف، ثم أكلوا الآدميّين، ومات بديار مصر أمم لا يحصيهم إلاّ الله، وكسر النّيل من ثلاثة عشر ذراعًا إلا ثلاثة أصابع، وقيل لم يكمل أربعة عشر ذراعا. سنة سبع وتسعين وخمسمائة قال الموفّق عبد اللّطيف (١): دخلت سنة سبعٍ مفترسة لأسباب الحياة، ويئسوا من زيادة النّيل، وارتفعت الأسعار، وأقحطت البلاد، وضوى أهل السواد والريف إلى أمّهات البلاد، وجلا كثير إلى البلاد النّائية، ومزِّقوا كلَّ ممزَّق، ودخل منهم خلق إلى القاهرة، واشتدّ بهم الجوع، ووقع فيهم الموت عند نزول الشّمس الحمل، ووبئ الهواء، وأكلوا الميتات والبَعر، ثمّ تعدّوا إلى أكل الصِّغار، وكثيرًا ما يُعثر عليهم ومعهم صِغار مشويّون أو مطبوخون، فيأمر السّلطان بإحراق الفاعل، رأيت صغيرًا مشويًا مع رجل وامرأة أُحضرا فقالا: نحن أبواه، فأمر بإحراقهما، ووُجد بمصر رجل قد جُرّدت عظامه وبقي قَفصًا، وفشى أكل بني آدم واشتهر ووجِد كثيرًا، وحكى لي عدّة نساء أنّه يتوثَّب عليهنّ لاقتناص أولادهنّ ويُحامين عنهم بجهدهنّ، ولقد أُحرِق من النّساء بمصر في أيّامٍ يسيرة ثلاثون امرأة، كلٌّ منهنّ تُقِرّ بأنّها أكلت جماعة، ورأيت امرأة أُحضرت إلى الوالي وفي عنقها طفلٌ مَشوِيّ، فضُرِبت أكثر من مائة سَوط، على أن تقرّ، فلا تخبر جوابًا، بل تجدها قد انخلعت عن الطِّباع البشريّة، ثمّ سُجِنت فماتت، وحكى لنا رجل أنّه كان له صديق، فدعاه ليأكل، فوجد عنده فقراء قدّامهم طبيخ كثير اللّحم، وليس معه خبز، فرابه ذلك، وطلب المِرحاض، فصادف عنده خزانة مشحونة برُمم الآدميّين وباللّحم الطَّريّ، فارتاع وخرج هاربًا، وقد جرى لثلاثةٍ من الأطبّاء ممّن ينتابني، أمّا

стр. 12271

أحدهم فإنّ أباه خرج فلم يرجع، والآخر فأعطته امرأة درهمين ومضى معها، فلمّا توغّلت به مضائق الطُّرق استراب وامتنع، وشنّع عليها، فتركت دراهمها وانسلّت، وأمّا الثّالث فإنّ رجلًا استصحبه إلى مريضةٍ إلى الشَارع، وجعل في أثناء الطّريق يتصدَّق بالكِسَر ويقول: هذا وقت اغتنام الأجر، ثمّ أكثر حتّى ارتاب منه الطّبيب، ودخل معه دارًا خربة، فتوقّف في الدَّرج، وفتح الرجل فخرج إليه رفيقه يقول: هل حصل صيد ينفع؟ فجزع الطّبيب، وألقى نفسه إلى إصطبل، فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله، فأخفى قصّته خوفًا منه أيضًا فقال: قد علمت حالك، فإنّ أهل هذا المنزل يذبحون النّاس بِالحيَل، ووجدنا بإطفيح عند عطّار عدّة خوابي مملوءة بلحوم الآدميّين في الماء والملح، فسألوه فقال: خفت دوام الجدب فيهزل النّاس، وكان جماعة قد أَوَوا إلى الجزيرة، فعُثِر عليهم، وطُلبوا ليُقتَلوا فهربوا، فأخبرني الثّقة أنّ الذّي وُجد في بيوتهم أربع مائة جمجمة. ثمّ ساق غير حكاية، وقال (١): وجميع ما شاهدناه لم نتقصّده ولا تتبّعنا مظانّه، وإنّما هو شيء صادفناه اتّفاقًا، وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على امرأةٍ وبين يديها ميّت قد انتفخ وانفجر، وهي تأكل من أفخاذه، فأُنكِر عليها، فزعمت أنّه زوجها. ثم قال (٢): وأشباه هذا كثير جدًّا، وممّا شاع أيضًا نبش القبور، وأكل الموتى، فأخبرني تاجر مأمون حين ورد من الإسكندريّة بكثرة ما عاين بها من ذلك، يعني من أكل بني آدم، وأنّه عاين خمسة أرؤس صغار مطبوخة في قِدر، وهذا المقدار كافٍ، وأعتقد أنّي قد قصّرت. وأمّا موت الفقراء جوعًا فشيء لا يعلمه إلاّ الله تعالى، فالّذي شاهدناه بالقاهرة ومصر وهو أنّ الماشي لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميت، أو مَن هو في السّياق، وكان يُرفع من القاهرة كلّ يوم من الميضأة ما بين مائة إلى خمس مائة، وأما مصر فليس لموتاها عدد، يُرمون ولا يُوارَون، ثمّ عجزوا عن رميهم، فبقوا في الأسواق والدّكاكين، وأما الضّواحي والقرى، فهلك أهلها

стр. 12272

قاطبةً إلاّ من شاء الله، وأن المسافر ليمرّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، وتجد البيوت مفتَّحة وأهلها موتى، حدَّثني بذلك غير واحد، وقال لي بعضهم: إنّه مرّ ببلدٍ ذكر لنا أنّ فيها أربع مائة نول للحياكة، فوجدناها خرابًا، وأنّ الحائك في جورة حياكته ميّت، وأهله موتى حوله فحضرني قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قال (١): ثم انتقلنا إلى بلدٍ آخر، فوجدناه ليس به أنيس، واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزّراعة، فاستأجرنا من ينقل الموتى ممّا حولنا إلى النيل، كلّ عشرة بدرهم، وأخبرت عن صيادٍ بفُوهة تِنَّيس أنّه مرّ به في بعض يوم أربع مائة آدميّ يقذف بهم النّيل إلى البحر، وأما أنا فمررت على النّيل، فمرّ بي في ساعة نحو عشرة موتى. وأمّا طريق (٢) الشّام فصارت منزرعةً ببني آدم، وعادت مأدبة بلحومهم للطّير والسِّباع، وكثيرًا ما كانت المرأة تتخلّص من صِبيتها في الزّحام، فيتضورون حتى يموتوا، وأما بيع الأحرار فشاع وذاع، وعرض عليَّ جاريتان مراهقتان بدينار واحد، وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم، فعرّفتها أن ذلك حرام فقالت: خذها هدية، وقد أُبيع خلقٌ، وجلبوا إلى العراق، وخراسان، هذا، وهم عاكفون على شهواتهم، منغمسون في بحر ضلالاتهم، كأنهم مُستثنون، وكانوا يزْنون بالنساء حتى إنّ منهم من يقول: إنّه اقتض خمسين بكرًا، ومنهم من يقول: سبعين، كلّ ذلك بالكسر. وأمّا (٣) مصر فخلا مُعظمها، وأما بيوت الخليج وزقاق البركة والمقس وما تاخم ذلك، فلم يبق فيها بيتٌ مسكون، ولم يبق وقود النّاس عِوض الأحطاب إلا خشب السّقوف والبيوت الخالية، وقد استغنى طائفة كبيرة من النّاس في هذه النَّوبة، وأمّا النيل فإنه اخترق في برمودة اختراقًا كبيرا، وصار المقياس في أرض جزر، وانحسر الماء عنه نحو الجزيرة، وظهر في وسطه جزيرة عظيمة ومقطَّعات أبنية، وتغيّر ريحه وطعمه، ثم تزايد التّغيُّر، ثم

стр. 12273

انكشف أمره عن خضرة طحلبيّة، كلمّا تطاولت الأيام ظهرت وكثّرت كالّتي ظهرت في أبيب من السّنة الخالية، ولم تزل الخضرة تتزايد إلى أواخر شعبان، ثم ذهبت، وبقي في الماء أجزاء نباتيّة منتنة، وطاب طعمه وريحه، ثمّ أخذ ينمَى ويقوى جريه إلى نصف رمضان، فقاس ابن أبي الرداد قاع البركة فكان ذراعين، وزاد زيادةً ضعيفة إلى ثامن ذي القعدة، ثم وقف ثلاثة أيّام، فأيقن الناس بالهلاك، واستسلموا، ثم إنه أخذ في زيادات قويّة، فبلغ في ثالث ذي الحجة خمسة عشر ذراعًا وستة عشر إصبعًا، ثم انحطَّ من يومه، ومسّ بعض البلاد تحلة القسم، وأروى الغربيّة ونحوها، غير أن القرى خالية كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ وزرع الأمراء بعض البلاد، ونهاية سعر الإردبّ خمسة دنانير، وأما بقُوص، والإسكندريّة فبلغ ستة دنانير. ودخلت (١) سنة ثمانٍ وتسعين والأحوال على حالها أو في تزيُّد إلى زهاء نصف السّنة، وتناقصت موت الفقراء لقلّتهم، لا لارتفاع السبب الموجب وتناقص أكل الآدمييّن ثم عُدِم، وقلَّ خطفُ الأطعمة من الأسواق لفناء الصّعاليك، ثم انحط الإردب إلى ثلاثة دنانير لقلة الناس، وخفّت القاهرة، وحُكي لي أنّه كان بمصر تسع مائة منسج للحُصر، فلم يبق إلاّ خمسة عشر منسجًا، فقس على هذا أمر باقي الصُّناع من سائر الأصناف، وأما الدّجاح فعُدِم رأسًا، لولا أنّه جُلِب من الشّام، وحكي لي أن رجلًا جلب من الشّام دجاجًا بستّين دينارًا، باعها بنحو ثمانمائة دينار، فلمّا وُجد البيض بيع بيضة بدرهم، ثم كثُر، وأما الفراريج فاشتُرِي الفرُّوج بمائة درهم، ثم أبيع بدينار مُديدة. وقال في أمر الخراب (٢): فأما الهلاّلية، ومُعظم الشارع ودور الخليج، وحارة السّاسة والمقس، وما تاخم ذلك، فلم يبق فيها أنيس، وإنّما ترى مساكنهم خاوية على عروشها. قال (٣): والّذي تحت قلم ديوان الحبس من الموتى الحشرية وضمّته الميضأة في مدّة اثنتين وعشرين شهرًا مائة ألف وأحد عشر ألفًا إلا شيئًا يسيرًا.

стр. 12274

قلت: هذا في القاهرة. قال (١): وهذا مع كثرته نزرٌ في جنب ما هلك بمصر والحواضر، وكلّه نزرٌ في جنب ما هلك بالإقليم، وسمعنا من الثِّقات عن الإسكندرية أن الإمام صلّى يوم الجمعة على سبع مائة جنازة، وأن تركةً انتقلت في مدّة شهر إلى أربعة عشر وارثًا، وأن طائفة تزيد على عشرين ألفًا انتقلوا إلى برقة وأعمالها، فعمروها وقطنوا بها، وكانت مملكة عظيمة خربت في زمان خلفاء مصر على يد الوزير اليازوريّ، ونزح عنها أهلها. ومن عجيبٍ ما اتفق لشيخٍ من أطباء اليهود ممن كان ينتابني أنه استدعاه رجلٌ ذو شارة وشُهرة، فلما صار في المنزل وأغلق الباب وثب المريض عليه فجعل في عنقه وهَقًا (٢)، ومرث (٣) خصيتَيه، ولم يكن له معرفة بالقتل، فطالت المناوشة، وعلا ضجيجه، فتسامع النّاس، ودخلوا فخلّصوا اليهودي، وبه رمق، وقد وجبت خصَاه، وكُسرت ثنيَّتاه، وحُمل إلى منزله، وأُحضر ذاك إلى الوالي فقال: ما حملك على هذا؟ قال: الجوع فضربه ونفاه. في سحر (٤) يوم الاثنين السّادس والعشرين من شعبان ارتاع الناس، وهبّوا من مضاجعهم مدهوشين، وضجّوا إلى الله تعالى، وبقيت مدّة وكانت حركتها كالغربلة، أو كخفق جناح الطائر، وانقضت على ثلاث زحفات قويّة، مادّت الأبنية، واصطفقت الأبواب، وتداعى من الأبنية الواهي والعالي، ثم تواترت الأخبار بحدوثها في هذه الساعة في البلاد النّائية، فصح عندي أنها تحرَّكت من قوص إلى دمياط والإسكندرية، ثم بلاد السّاحل بأسرها، والشّام طولًا وعرضاّ، وتعفّت بلاد كثيرة وهلك من الناس خلق عظيم وأمم لا تُحصى، ولا أعرف في الشّام أحسن سلامة من القدس، وأنكت في بلاد الفرنج أكثر، وسمعنا أنها وصلت إلى خلاط وإلى قبرس، وأن ال حر ارتطم وتشوهت مناظره، وصار فرقا كالأطواد، وعادت المراكب على الأرض، ثم تراجعت المياه، وطفا سمك كثير على سواحله، ووردت كتُب من الشام بأمر الزّلزلة،

стр. 12275

واتصّل بي كتابان أوردتُهما بلفظهما، يقول في أحدهما: زلزلةٌ كادت لها الأرض تسير سيرًا، والجبال تمُور مورًا، وما ظنّ أحد من الخلق إلاّ أنها زلزلة السّاعة، وأتت في الموقت على دفعتين، فأما الدّفعة الأولى فاستمرت مقدار ساعةٍ أو تزيد عليها، وأما الثانية فكانت دونها، ولكن أشدّ منها، وتأثّر منها بعض القلاع، فأولها قلعة حماة، وفي الكتاب الآخر أنها دامت بمقدار ما قرأ سورة الكهف وأن بانياس سقط بعضها، وصَفَد لم يسلم بها إلا ولد صاحبها لا غير، ونابلس لم يبق بها جدار قائم سوى حارة السّمرة، وكذلك أكثر حوران، غارت ولم يُعرف لبلدٍ منها موضعٌ يقال فيه هذه القرية الفلانية. قلت: هذا كذب وفجور من كاتب هذه المكاتبة أما استحى من الله تعالى؟ ثم قال فيه: ويقال: إن عرقة خُسف بها، وكذلك صافيتا. قال الموفّق (١): وأخبرونا أن بالمقس تلاًّ عظيمًا عليه رممٌ كثيرة فأتيناه ورأيناه وحدسناه بعشرة آلاف فصاعدا، وهم على طبقات في قُرب العهد وبعده، فرأينا من شكل العظام ومفاصلها وكيفيّة اتصالها وتناسُبها وأوضاعها ما أفادنا علمًا لا نستفيده من الكتُب، ثم إنُنا دخلنا مصر، فرأينا فيها دروبًا وأسواقًا عظيمة كانت مغتصّة بالزّحام، والجميع خالٍ ليس فيه إلًا عابر سبيل، وخرجنا إلى سكرجة فرعون، فرأيت الأقطار كلُها مغتصّة بالجثث والرمَّم، وقد غلبت على الآكام بحيث جلَّلتها، ورأينا في هذه الأسكرجة وهي عظيمة، الجماجم بيضا وسودا ودكنا، وقد خفي أكثرها وتركها سائر العظام، حتى كأنها رؤوس لم تكن معها أبدان، أو كأنها بيدر بطيخ. قال أبو شامة (٢): وجاءت في شعبان سنة سبع زلزلة هائلة عمّت الدّنيا في ساعة واحدة، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلقٌ كثير، ثم امتدت إلى الشام، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق فيها جدار قائم إلا حارة السّمرة، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفًا، وهُدمت عكّا وصور، وجميع قلاع الساحل. قلت: هذا نقله الإمام أبو شامة من مرآة الزمان (٣) ومصنَّفه شمس

стр. 12276

الدين يوسف ﵀ كثير الخسف والمجازفة، وإلا من عنده ورع لم يُطلق هذه العبارات إذ لم تصل الصورة إلى هذا الحد، فقوله أولا: عمت الدنيا مجرد دعوى فما الذي أطلعه على جميع الممالك، وقوله: فلم يبق منهما جدار قائم، مجازفة أيضًا، وقوله: هُدمت جميع قلاع الساحل، فيه بعض ما فيه كما ترى، فلا تعتمد على تهويله. قال أبو شامة (١): ورمت بعض المنارة الشّرقية بجامع دمشق، وأكثر الكلاّسة، والمارستان النُّوري، وعامّة دور دمشق إلا القليل، وهرب الناس إلى الميادين، وسقط من الجامع ست عشرة شرافة، وتشققت قبّة النَّسر، وتهدّمت بانياس، وهونين، وتبنين، وخرج قوم من بعلبك يجمعون الرّيباس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان فماتوا، وتهدمت قلعة بعلبك مع عِظَم حجارتها، وانفرق البحر، فصار أطوادًا، وقذف بالمراكب إلى السّاحل فتكسرت، وأحصي من هلك في هذه السّنة فكان ألف ألف ومائة ألف إنسان. ثم قال (٢): نقلت ذلك من تاريخ أبي المظفّر سبط ابن الجوزي. وقال ابن الأثير (٣): لما ملك العادل مصر وقطع خطبة المنصور ولد العزيز لم يرض الأمراء بذلك، وراسلوا الظاهر صاحب حلب، والأفضل بصَرْخَد، وتكررت المكاتبات يدعونهما إلى قصد دمشق ليخرج العادل، فإذا خرج إليهم أسلموه وتحولوا إليهما، ففشا الخبر وعرف العادل، فكتب إلى ابنه بدمشق يأمره أن يحاصر صرخد فعلم الأفضل، فسار إلى حلب، فخرج معه الظاهر ونازلا دمشق، واتفقا على أن تكون دمشق للأفضل، ثم يسيرون إلى مصر، فإذا تملكاها صارت مصر للأفضل، وصارت الشام كلها للظاهر. رجعنا إلى قول أبي شامة، قال (٤): وفي ذي القعدة حوصرت دمشق، جاء الأفضل والظاهر، ونَجَدَهما من بانياس حسام الدين بشارة، وقاتلوا أهل دمشق أيامًا، وكان بها المعظّم عيسى، وبلغ أباه فقدم من مصر، ونزل نابلس، وبعث إلى الأمراء مكاتبات، فصرفهم إليه، ثم زحف ابنا صلاح الدين،

стр. 12277

المذكوران على دمشق فوصلوا إلى باب الفراديس وأحرقوا فندق تقي الدين، وحاربهم الملك المعظّم، وحفظ البلد، وبقوا نحو شهرين، ثم بعث العادل فأوقع الخُلْف بين الأخوين فرحلوا، ثم قدم العادل، وجهّز المعظّم مع شركس، وقراجا، فحاصروا حسام الدين بشارة ببانياس، فقاتلهم وقُتِل ولده، وأخرجوه عن البلد، وتسلمها شركس وتسلم قراجا صرخد. قلت: ذكر المؤيد (١) أن الملك الأفضل سلم صرخد إلى زين الدين قراجا، ونقل أمه وأهله منها إلى حمص. واشتد حصار الأخوين لدمشق، وتعلق النقابون بسورها، فلما شاهد الظاهر ذلك قال لأخيه: دمشق لي، فقال: حُرمي على الأرض ليس لنا موضع، فهب البلد لك فاجعله لي حتى تملك مصر فامتنع الظاهر فقال الأفضل: يا أمراء اتركوا القتال ونُصالح عمي فتفرقت الكلمة، وترحل الظاهر، ثم ذهب الأفضل وقنع بسميساط. وأنبأنا ابن البزوري قال: وفيها سار غياث الدين وشهاب الدين ملكا الغور من غزنة في جنودهما إلى خراسان، وبها الأمير جقر، فأكرماه واستوليا على مرو، وسيرا جقر إلى هراة مكرمًا، لأنهما وعداه بالجميل، ثم سلما مرو إلى هندوخان بن ملكشاه بن علاء الدين خوارزم شاه، وكان قد هرب من عمه محمد إلى غياث الدين، ثم سار غياث الدين فملك سرخس صلحًا، وسلمها إلى الأمير زنكي بن مسعود أحد أولاد عمه، ثم سار إلى طوس، فتسلمها بعد أيام بالأمان، ثم قصد نيسابور وبها علي شاه ابن السلطان خوارزم شاه، وقد استنابه عليها أخوه قطب الدين محمد، فراسله في تسليمها، فامتنع وأظهر القوة، فقال غياث الدين لجيوشه: إن دخلتموها فسحت لكم في نهبها، فزحفوا وجدوا حتى أخذوا البلد، ووقعوا في النهب، ثم أمر غياث الدين بكف النهب، وأن يرد كل شخص ما نهب، فردوه جميعًا، أخبرت عن بعض التجار قال: كنت بها، فنهب لي شيء في جملته قليل سكر وبساط فحين نودي في العسكر برد ما نهبوه عدا بساطي والسكر، وكنت رأيت ما أخذ مني في أيدي جماعة، فطلبته فقالوا: السكر شربناه، ونسألك أن لا تشيع ذلك، وإن أردت

стр. 12278

الثمن أعطيناك، فجعلتهم منه في حل، ثم خرجت إلى ظاهر البلد، فرأيت البساط ملقى على باب البلد، لا يجسر أحد أن يأخذه، فأخذته. وانهزمت الخوارزمية، وأسر علي شاه المذكور، وأحضر بين يدي السلطان غياث الدين راجلًا، فصعب ذلك عليه، وأنكر على من أسره، وأركبه فرسًا، فلما استقر به المجلس أحضره، فقال له علي شاه: هكذا تفعل بأولاد الملوك؟ فقال: لا، بل هكذا، وأخذ بيده وأجلسه على سريره، وطيب قلبه، وسير من كان صحبته من الأمراء إلى هراة، واستناب بها ضياء الدين محمد بن علي بن عمير (١)، وولاه حرب خراسان، ولقبه الملك علاء الدين، وأضاف إليه الأمراء، ثم سلم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين الغُوريّ. ثم رحل السّلطان غياث الدّين نحو هراة، وسار أخوه شهاب الدّين نحو قهستان، وملك بلاد الإسماعيليّة وطردهم عنها، وأظهر بها دين الإسلام، وأقام بها فسأل صاحبها السّلطان غياث الدين أن يرحِّل أخاه عنها، ففعل ذلك، وأمر أخاه، فأبى عليه، فعاوده فرحل عنها إلى بلاد الهند مغاضبًا لأخيه، وأرسل مملوكه قُطب الدين أيبك فحارب عسكر الهند فهزمهم، وانضم إليه عالمٌ كثير، وملك شهاب الدين مدينة عظيمةً من مدن الهند بعد أن هرب ملكها عنها، فعلم أنّه لا يمكن حفظها إلا بمُقامه بها، وذلك لا يمكنه، فصالح صاحبها على مالٍ، ورحل عنها (٢). قال ابن البُزُوريّ: وزُلزِلت الأرض بالجزيرة، والشّام، ومصر، فأخربت الّزلزلة أماكن كثيرة جدًا بدمشق، وحمص، وحماة، واستولى الخراب على صور، وعكّا، ونابلس، وطرابلس، وانخسفت قرية من أعمال بُصرَى، وخربت عدّة قلاع. وفيها اهتمّ عبد الرحمن بن حمزة العلويّ المتغلّب على بلاد اليمن بجمع العساكر، فجمع اثني عشر ألف فارس، ونحوها رجّالة، فخاف منه الملك المعزّ إسماعيل ابن سيف الإسلام صاحب اليمن، ثمّ إنّ أمراء ابن حمزة اجتمعوا للمشورة، فوقعت عليهم صاعقة، فبلغ ذلك إسماعيل، فسار لوقته وحارب عسكر ابن حمزة فهزمهم، وقتل منهم ستّة آلاف، وتمكّن من اليمن،

стр. 12279

وقهر الرعيّة، وادعى الخلافة وأنّه أُمَوي. وفي ذي القعدة عاد القاضي مجد الدّين يحيى بن الربيع مدرّس النّظامية، وكان قد نُفِّذ رسولًا إلى شهاب الدّين الغُوريّ. وفيها قدِم الأمير مجد الدين طاشتِكين بعسكره من خُوزستان، ثم توجه في خامس ذي القعدة حاجًا ومحاربًا للمعز إسماعيل ابن سيف الإسلام، وخرج نائب الوزارة نصير الدين ناصر بن مهدي فتوجّه إلى الحِلّة لاستعراض العساكر الّتي تحجّ مع طاشتكين، فاستعرضهم، وتوجّهوا، فلمّا وصل طاشتكين أرسل إلى إسماعيل يحذره عواقب فعله وينكر عليه، فلم يردعه العتب، فراسل طاشتكِين أمراء اليمن يحثّهم على محاربته ويأمرهم بالجهاد، وكانوا كارهين ما ادّعاه إسماعيل من ادّعاء الإمامة، فأجاب أكثرهم إلى ذلك، وكان إسماعيل يركب في أُبَّهَة المُلك، ويحترز كثيرًا على نفسه، فتحالف القرابليّ وأخوه السابق وعيسى بن حوك على اغتياله فركض يوما خلف وحش فوثب عليه القرابلي فحل كتفه بضربة، وضربه السّابق بدد أمعاءه، وناديا بشعار الدّولة العبّاسية، فلبى دعوتهما جمعُ من الأمراء، ونزلا من خوفهما مركبًا، وهبّت لهم ريح، فسارا في خمسة أيّام فوصلا جُدة، ثم أتيا مكَّة، فخلع عليهما طاشتِكين، ونفّذ بهما إلى بغداد، فاختارا أن يكونا في خدمة طاشتِكين بخوزستان. وفيها خُلع على الأمير طُغرل المستنجديّ زعيم البلاد الجبليّة. وفيها وقع الغلاء المُفرِط ببلاد الشّراة. سنة ثمان وتسعين وخمسمائة في المحرّم خُلِع ببغداد على أبي الحسن عليّ بن سلمان الحلّي وقُلّد قضاء القضاة. وفي رابع عشر صَفَر وصل الأمير طاشتكين من مكة وفي صحبته أبو أيّوب حنظلة بن قتادة بن إدريس العلويّ المتغلّب أبوه على مكّة يسأل أن يُقرّ والده على الإمارة. وفيها خرج قَفَلٌ كبير من بغداد إلى الشّام، فأخذهم بزغش مملوك ابن مهارش، وقُتل من القَفَل نفرٌ يسير، فرجع التّجّار فقراء، فتقدّم الخليفة إلى علاء الدين تتامش بالخروج في عسكره، فقصد بزغش وأصحابه، فظفر بهم

стр. 12280

وقتلهم، وجيء برؤوسهم فأُلقيت بباب النّوبيّ، ورُدت الأموال إلى أربابها، وتأرّج عَرفُ هذه المنقبة في أقاصي البلاد. وقدِم طاشتكين ليقيم للنّاس الحجّ. وفيها سار في الرسلية مدرّس النظاميّة يحيى بن الربيع إلى شهاب الدين صاحب غزْنة. وفي وسط السنة تناقص الغلاء والوباء عن إقليم مصر، وخفّ الإقليم من الناس، ثم زاد النيل كما قدمنا في السنة الماضية. وفيها خرج العادل من دمشق طالبًا حلب، وكان الملك الأفضل بحمص عند صاحبها، وهو زوج أخته، فالتقى عمّه العادل إلى ثَنِيّة العقاب، فأكرمه وعوّضه عن ميافارقين سميساط، وسَروج، وقلعة نجم، ثم نزل العادل على حماة، فصالحه الملك الظاهر، فرجع العادل. وكان في شعبان زلزلة عظيمة شقّقت قلعة حمص، وأخربت حصن الأكراد، وتعدّت إلى قبرس، وأخربت بنابلس ما بقي. قال العزّ النّسّابة: هذه هي الزلزلة العظمى التي هدمت بلاد الساحل، صور، وطرابلس، وعرقة، ورمت بدمشق رؤوس المآذن، وقتلت مغربيًا بالكلاسة ومملوكًا. وقال سبط ابن الجوزي (١): فيها شرع الشيخ أبو عمر في بناء جامع الجبل وكان بقاسيون فاميّ اسمه محاسن، فأنفق في أساسه ما كان يمتلكه، فبلغ مظفّر الدين صاحب إربل، فبعث مالًا لبنائه. قلت: ومن ثم قيل له الجامع المظفري، ونُسب إلى مظفر الدين. وفيها كانت قتلة المعز ابن سيف الإسلام صاحب اليمن، كما ذكرنا في ترجمته (٢)، وأقيم في المُلْك بعده أخوه الملك الناصر. قال ابن واصل (٣): كان له سرية، فعصت في قلعة منيعة، وعندها أموال لا تحصى، ونُقِل عنها أنها ما تسلم الحصن إلا لرجل من بيت السلطان، وكان

стр. 12281

لسعد الدين شاهنشاه ابن الملك المظفر عمر ولد يقال له سليمان، قد تفقر وحمل الركوة، وحج بين الفقراء، ثم إنه كاتب والدة الملك الناصر ابن سيف الإسلام، وكانت قد تغلبت على زَبِيد، وهي تنتظر وصول أحد من آل أيوب تتزوجه وتملّكه، وبعثت إلى مكة تكشف أخبار الملوك، فكتب إليها غلامها، وعرّفها بسليمان هذا، فاستحضرته وخلعت عليه، وتزوجته، ومَلكته اليمن، فملأها ظلمًا وجورًا، واطرح الملكة، وأعرض عنها، وكتب إلى السلطان الملك العادل كتابًا أوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فاستقل العادل عقله، وفكر فيمن يبعثه ليملك اليمن. سنة تسع وتسعين وخمسمائة أنبأنا ابن البُزُوري قال: في سلخ المحرم ماجت النجوم، وتطايرت كتطاير الجراد، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وخافوا وضجوا بالدعاء إلى الله تعالى، ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله ﷺ . وفيها جمع الملك العادل عسكرًا عديدًا، وفرّق عليهم العُدد والأموال، وقدم عليهم ولده الأشرف موسى، وأمره أن يحاصر ماردين، فقطع صاحب ماردين الميرة عن عسكر العادل، وأمر أهل القلاع أن يقطعوا السُّبُل والميرة، والتقى طائفة من هؤلاء بطائفة من هؤلاء، فاقتتلوا وانهزم عسكر ماردين بعد أن قطعوا الطّرق وتعذّر سلوكها، وسار جماعة من عسكر العادل إلى رأس عين، وبقي الملك الأشرف فلم ينل غرضه، ودخل الملك الظاهر صاحب حلب في الصلح، فأجاب العادل على أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة وخمسين ألف دينار، وأن يخطب له في بلاده، وأن يضرب السكة باسمه، ويكون عسكر ماردين في خدمته، فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك. وذكر سبط ابن الجوزي (١) مثل ما قدمنا من موج النجوم وتطايرها. وقال العزّ النّسّابة: رُئيَ في السماء نجوم متكاثفة متطايرة، شديدة الاضطراب إلى غاية. وفيها شرع العادل في عمارة أسوار قلعة دمشق.

стр. 12282

وفيها مات السلطان غياث الدين الغوري، وقبض أخوه السلطان شهاب الدين إلْب غازي على جماعة من خواص أخيه وأتباعه وصادرهم، وبالغ في التنكيل بامرأة أخيه، وأخذ أموالها، وسيّرها إلى الهند على أسوأ حال، وهدم تربتها، ونبش أبويها، ورمى بعظامهم (١). وفيها سيّر الملك العادل المنصور علي ابن الملك العزيز، وقيل اسمه محمد، إلى مدينة الرها، وألزمه المقام بها، وكان بدمشق هو وأمّه وإخوته، فخاف العادل من ميل الرعية إليه، وأن يتملّك دمشق فأبعده. وفيها بعث الخليفة الناصر لدين الله إلى الملك العادل وأولاده بسراويلات الفتوة ومعها الخلع. وكان الأشرف بحران، ملكه أبوه بها مع الرها وغيرها في عام أول. وفيها خرج ابن لاون صاحب سيس لحرب البرنس صاحب أنطاكية، وعاث وأفسد. وقدم عكا خلق من الفرنج وتحركوا، فاهتمّ لهم العادل، ثم ترحّلوا لأجل الغلاء والقحط بعكا، وخافوا لا يقطع العادل عن عكا الميرة. وفيها سار صاحب حماة الملك المنصور ونزل ببعرين، فقصده الفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرها، فالتقوا فهزمهم وقتل وأسر، وذلك في رمضان، ثم لم ينشب أن خرج جمعٌ منهم في أربع مائة فارس وألف ومائتي راجل، فالتقاهم صاحب حماة فكسرهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر جماعة، وذلك في رمضان أيضا، ومدحه الشعراء. سنة ستمائة قال سبط ابن الجوزي (٢): فيها سار نور الدين صاحب الموصل إلى تلْعفر (٣)، فأخذها وكانت لابن عمّه قطب الدين ابن عماد الدين صاحب سنجار، فاستنجد القطب بالملك الأشرف جاره فجمع جمعًا كثيرًا وساق، فعمل مُصافًّا مع صاحب الموصل فكسره الأشرف، وأسر جماعة من أمرائه،

стр. 12283

منهم مبارز الدين سُنْقُر الحلبي، وابنه غازي، ثم اصطلحا في آخر السنة، وتزوج الأشرف بأخت نور الدين، وهي الست الأتابكية صاحبة التربة بقاسيون. وفيها احترقت خزانة السلاح بدمشق، وذهب جميع ما كان فيها. وفيها أخذت العملة المشهورة من مخزن الأيتام بقَيسارية الفرش لأيتام الأمير سيف الدّين ابن السّلاّر، ومبلغها ستّة عشر ألف دينار، وبقيت سِنين، ثم ظهرت على ابن الدُّخينَة (١)، وقد حُبِس بسببها جماعة. وفي رمضان توجّه أسطول الفِرنج - لعنهم الله - من عكا في البحر عشرون قطعة، ودخلوا يوم العيد من فم رشيد في النيل إلى بُليدة فُوَّه، فنهبوها واستباحوها ورجعوا، ولم يتجاسروا على هذا منذ فُتحت ديار مصر، وقد دخلوا من عند دِمياط في النّيل أيضًا في سنة سبعٍ وست مائة إلى قرب بورة (٢)، ففعلوا نحو ذلك. وفيها نزل صاحب سيس على أنطاكية وجدّ في حصارها، فخرج صاحب حلب وخيَّم على حارم، فخاف صاحب سيس على بلاده وترحَّل، ثم بعد أيام هجم أنطاكية بمواطأةٍ من أهلها، فقاتله البرنس ساعةً، ثم التجأ إلى القلعة ونادى بشعار الملك الظاهر، وصرح بطاقة إلى حلب، فَنَجَده صاحب حلب، فبلغ ذلك صاحبَ سيس، ففرّ إلى بلاده. وفيها أقبلت الفرنج من كل فجّ عميق بعكَا عازمين على قصد بيت المقدس، فخرج العادل ونزل على الطُّور، وجاءته النَّجدة من الأطراف، وأقبلت الفرنج تُغِير على بلاد الإسلام وتأسر وتسبي، واستمرّ الحال على ذلك شُهورًا. وأما القسطنطينية فلم تزل بيد الروم من قبل الإسلام فلما كان في هذا الأوان أقبلت الفرنج في جمع عظيم ونازلوها إلى أن ملكوها. قال ابن واصل (٣): ثم لم تزل في أيدي الفرنج إلى سنة ستّين وستّمائة، فقصدتها الروم وأخذوها من أيدي الفِرنج، فهي بأيديهم إلى الآن، يعني سنة بضعٍ وسبعين وستّمائة. وفيها ظفر متولّي واسط برئيس الباطنية محمد بن طالب بن عُصَيَّة ومعه طائفة، فقُتِلوا بواسط ولله الحمد، وكانوا أربعين نفسًا (٤).

стр. 12284

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) سنة إحدى وتسعين وخمسمائة ١ - أحمد بن أبي المجد إبراهيم بن محمد بن محمد بن حسّان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن منيع بن خالد بن عبد الرَّحمن ابن سيف الله خالد بن الوليد بن المغيرة، الحافظ رشيد الدّين أبو بكر المخزوميّ، المَنِيعيّ، الشَّبذي، بالإعجام والحَرَكة، وشّبذ: من أعمال أبِيورد (١). كان شيخًا من أهل العِلم، ذكره أبو العلاء الفَرَضيّ فقال: سمع أبا المعالي الفارسيّ، وعبد الجبّار الخواريّ، ووجيهًا الشّحّاميّ، وعبد الوهّاب بن شاه الشاذياخي، وغيرهم، وأجاز لجميع المسلمين في المحرَّم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. وابنه رشيد الدين محمد، سمع من أبيه، وغيره، وخرَّج لنفسه. ٢ - أحمد بن بدر بن الفَرَج أبو بكر القطّان، الكاتب البغداديّ. حدث عن أبي سعد أحمد بن محمد البغداديّ، وأحمد بن علي الأشقر (٢). ٣ - أحمد بن عثمان بن أبي عليّ بن مهديّ أبو العبّاس الكرديّ الإربليّ، الرجل الصالح. روى عن أبي الكَرَم الشَّهرَزُوري، وأحمد بن طاهر الميهني، وأبي الوقْت (٣).

стр. 12285

٤ - أحمد بن عمر الفقيه، أبو العبّاس الكردي الشّافعيّ، مُعيد النّظاميّة. تُوفّي ببغداد في ذي الحجّة، وكان من كبار الفقهاء (١). ٥ - أحمد بن مدرك بن الحسين بن حمزة بن الحسين بن أحمد، أبو الرضا البهرانيّ، القُضاعي، الحموي، قاضي حماة وخطيبها. ولي القضاء بها في سنة إحدى وسبعين، وقد تفقّه بحلب على أبي سعد بن عصرون، وبدمشق على القُطب النيسابوريّ. وكان رئيسًا جليلًا فاضلًا، تردّد إلى دمشق وسمع بها من الفقيه نصر الله بن محمد. وقيل: بل تُوفّي في جُمادى الآخرة سنة تسعين. ٦ - أحمد بن المظفّر بن الحسين الفقيه، أبو العبّاس، الدّمشقيّ، الشافعيّ، المعروف بابن زين التُّجار، مدرّس المدرسة النّاصرية الصّلاحيّة المجاورة للجامع العتيق بمصر، وبه تُعرف إلى اليوم لأنّه درّس بها مدّة، وكان من أعيان الشّافعية. تُوفّي في ذي القعدة (٢). ٧ - أحمد بن أبي منصور محمد بن محمد بن عبد الرَّحمن بن الزّبرقان، أبو العباس الأصبهاني. وُلد سنة خمس مائة في رجب وسمع من جعفر بن عبد الواحد الثّقفي، ومحمد بن عبد الواحد الدّقّاق، وإسماعيل بن الفضل الإخشيد، وأجاز له أبو سعد محمد بن عليّ السّرفرتج، وغانم البُرجيّ، ومحمد بن عبد الله بن مندويه الشُّرُوطي، والحسن بن أحمد الحدّاد، والحافظ شيرويه بن شهردار الدَّيلَميّ، وآخرون، وحدَّث، وهو من كبار شيوخ أصبهان الّذين أدركهم ابن خليل. تُوفّي في ذي القعدَة في عشر المائة (٣). ٨ - أحمد بن أبي نصر بن أبي الرجاء، أبو نُعَيم الأصبهاني، الشّرابيّ.

стр. 12286

له إجازة من أبي علي الحدّاد (١). ٩ - إبراهيم بن محمد بن عبد الله، أبو إسحاق الأمويّ، الطّريانيّ، الإشبيليّ. سمع من أبي بكر ابن العربيّ، وأحمد بن ثعبان، وأخذ عن شُرَيح قراءة نافع، أخذ عنه أبو الربيع بن سالم. تُوفيّ في هذا العام أو بُعَيده (٢). ١٠ - إسماعيل بن أبي سعد، أبو الحسن الأصبهاني البنّاء. تُوفّي في صفر، وقد حدَّث عن فاطمة بنت البغداديّ وفاطمة الجُوزدانية، حدَّث ببغداد (٣). ١١ - الحسن بن هبة الله بن عليّ أبو علي ابن المكشوط الهاشميّ، الحريمي. وُلد سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وسمع من أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي غالب ابن البناء، وتوفي في شعبان. روى عنه يوسف بن خليل (٤). ١٢ - الحسين بن أحمد بن الحسين بن سعد، الإمام أبو الفضل الهَمَذاني، اليزدي، الحنفيّ. حدَّث بِجُدّة عن الشريف شُمَيلة بن محمد الحُسينيّ، وتوفي بقوص قاصدًا مصر، وحُمِل إلى مصر فدُفن بالقرافة. سمع منه أبو الجود نَدَى بن عبد الغنيّ، وقيل: إنه كان تحت يده إحدى عشرة مدرسة. مات في ربيع الأوّل (٥). ١٣ - الحسين بن أبي خازم محمد بن الحسين بن علي، أبو عبد الله العَبديّ، الواسطيّ.

стр. 12287

حدث عن أبي الحسن بن عبد السّلام، وتُوفي في رجب (١). سمع منه ابن الدُّبيثي (٢). ١٤ - ذاكر بن كامل بن أبي غالب محمد بن الحسين بن محمد، أبو القاسم بن أبي عَمرو الخفّاف، الحذّاء، أخو المبارك. بغدادي مشهور، سمع بإفادة أخيه من الحسن بن محمد بن إسحاق الباقَرحِي، والمعمَّر بن محمد بن جامع البيّع، وأبي علي محمد بن محمد ابن المهدي، وأبي سعد أحمد ابن الطيوري، وأبي الغنائم ابن المهتدي بالله، وأبي طالب اليُوسفي، وعبد الله ابن السمرقندي، ومحمد بن عبد الباقي الدُّوريّ، وأبي العزّ القلانِسيّ، وجماعة، وأجاز له أبي النَّرسِيّ، وأبو القاسم بن بيان، وعبد الغفّار الشِّيرُويي، وأبي علي الحدّاد، ومحمد بن طاهر الحافظ، وأبو طاهر محمد بن الحسين الحِنّائيّ الدّمشقيّ، وأبو الحسن ابن الموازيني، وخلق سواهم. وحدَّث بالكثير، وكان صالحًا خيِّرًا، قليل الكلام، روى عنه أبو عبد الله الدُّبيثيّ (٣)، وسالم بن صصْرى، ويوسف بن خليل، ومحمد بن عبد الجليل البغداديّ، وعليّ بن معالي. ذكره الحافظ زكيّ الدّين في الوَفَيَات فقال (٤): كان ذاكرًا كاسمه صبورًا على قراءة الحديث، يقال: إنّه أقام أربعين سنة ما رُئيَ آكلًا بنهارٍ، تُوُفّي سادس رجب. قلت: وآخر من روى عنه بالإجازة محمد بن يعقوب ابن الدِّينَة. وقد سمع منه مَعمَر بن الفاخر، وأبو سعد السّمعانيّ. قال ابن النّجار: كان صالحًا متدينًا كثير الصمت، يأكل من عمله،

стр. 12288

وكان أُميًا لا يكتب، سمعتُ منه سنة تسعين، ومولده سنة ستٍّ وخمسمائة. ١٥ - شجاع بن محمد بن سيدهم بن عَمرو بن حديد بن عسكر، الإمام أبو الحسن المُدلجيّ، المصريّ، المالكيّ، المقرئ. وُلِد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وقرأ القراءات على: أبي العبّاس أحمد بن الحُطَيئَة، وسمع منه، ومن عبد الله بن رِفاعة، وعبد المنعم بن موهوب الواعظ، وأبي طاهر السِّلَفّي، ولقي من الفقهاء: أبا القاسم عبد الرحمن بن الحسين الجَبّاب، وأبا حفص عمر بن محمد الذَهَبيّ، وقرأ العربيّة على: أبي بكر بن السّرّاج، وصَحب أبا محمد بن برّي، وتصدَّر بجامع مصر، وأقرأ وحدَّث وانتفع به جماعة، وآخر من قرأ عليه وفاةً: أبو الحسن علي بن شجاع الضرير. تُوفّي في سابع عشر ربيع الآخر (١). ١٦ - عبد الله بن أحمد بن جعفر، أبو جعفر الواسطيّ، المقرئ، الضّرير. وُلِد بواسط سنة ثلاثٍ وخمسمائة، وقرأ القرآن على: أبي عبد الله البارع، وغيره، وسمع من أبي القاسم بن الحُصَين، وأبي غالب الماوَردِيّ، وأبي الحسن عليّ ابن الزَاغوني، وجماعة. وأقرأ وحدَّث، وكان يسكن بباب الأزَج من بغداد، روى عنه الدُّبيثي، ويوسف بن خليل، وتوفي يوم عَرَفَة (٢). ١٧ - عبد الله بن صالح بن سالم بن خميس، أبو محمد الأنباريّ، ثم البغداديّ، الأَزَجي، الخبّاز. سمع من القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي، وإسماعيل ابن السمرقندي، وتوفي في ثاني (٣) جُمادى الآخرة (٤). ١٨ - عبد الله بن عمر بن جواد البغدادي الأزجي. سمع أبا الفضل الأُرموي، وابن ناصر، وحدَّث.

стр. 12289

وتوفي في جُمادى الأولى (١). ١٩ - عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد المجيد بن إسماعيل، أبو القاسم المصري الأصل، ثم البغدادي، الصوفي. وُلِد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وسمع من جدّه لأمّه عبد الرَّحمن بن الحسن الفارسيّ، وأبي الوقت وأبي القاسم ابن البناء، ووُلّي مشيخة رباط الزَّوزَنيّ. وكان صالحًا عابدًا، سَرَدَ الصَّومَ مدّة، وكان أبوه قدم بغداد وصار من أطِباء المارستان العَضُديّ. توفي أبو القاسم في شوّال (٢). ٢٠ - عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عُبَيد الله بن سعيد بن محمد بن ذي النّون الحَجريّ، حَجر ذي رُعين؛ الأندلسيّ، المَرِيّيّ، الحافظ الثَّبت، أبو محمد بن عُبَيد الله الزّاهد، أحد أئمّة الأندلس. وُلد في نصف ذي الحجّة سنة خمسٍ وخمسمائة، وسمع صحيح مسلم من أبي عبد الله بن زُغَيبة، وسمع من أبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن اللّوان، وأبي الحسن بن موهب الجُذاميّ، ورحل إلى قُرطبة فلقي بها: أبا القاسم بن بَقِيّ، وأبا الحسن بن مغيث، وأبا عبد الله بن مكّي، وأبا جعفر البِطروجي، وأبا بكر ابن العربيّ، ولقي بإشبيلية أبا الحسن شُرَيح بن محمد، وأبا عمر أحمد بن عبد الله بن صالح المقرئ الأزديّ. وقرأ صحيح البخاري على شُرَيح في سنة أربعٍ وثلاثين، وحضر سماعه نحوٌ من ثلاث مائة نفس من أعيان طلبة البلاد فقرأه في إحدى وعشرين دولةً بسماعه من أبيه، وأبي عبد الله بن منظور، عن أبي ذَرّ الهَرَويّ، وكان النّاس يرحلون إلى شُرَيح بسببه لكونه قد عيَّن تسميعه في كل رمضان، وأجاز له القاضي عياض، وأبو بكر بن فَندَلة، وجماعة، وسمع أيضًا من محمد بن عبد العزيز الكِلابي، وجعفر بن محمد البُرجي، وأبي بكر يحيى بن خلف بن النّفيس، وإبراهيم بن مروان، ويوسف

стр. 12290

ابن عليّ القُضاعيّ القفّال. وعُني بهذا الشّأن. وكان غايةً في الوَرَع والصّلاح والعَدَالة. قاله الأَبّار (١). وقال (٢): ولي الصّلاة والخطابة بجامع المَرِيّة. وكان يعرف القراءات. ودُعي إلى القضاء فأبى. وخرج بعد تغلُّب العدو إلى مُرسية. وضاقت حاله بها، فقصد مالقة، وأجاز البحر إلى مدينة فاس. ثم استوطن سبتَة يُقرئ ويُسمع، فبَعُد صِيتُه، وعلا ذِكرُه، ورحل النّاس إليه لعُلُوّ سَنَده، وجلالة قدرِه. وكان له بَصَرٌ بصناعة الحديث، موصوفًا بجَودة الفَهم. استُدعي إلى حضرة السّلطان بمَرَاكُش لِيَسمع منه، فقدِمَها وبقي بها حينًا، ثم رجع إلى سَبتَة. حدَّثنا عنه عالم من الجِلّة. مولده سنة خمسٍ، وقيل: سنة ثلاثٍ وخمسمائة. وتوُفي بسَبتَة في المحرَّم، وقيل في مُستَهل صَفَر. وكانت جنازته مشهودة. سمعتُ أبا الربيع بن سالم يقول: صادَفَ وقتُ وفاته قحطًا، أَضَرّ بالنّاس، فلما وُضِعت جنازته على شفير قبره توسّلوا به إلى الله في إغاثتهم فسُقوا مِن تلك مَطَرًا وابلًا. وما اختلف النّاس إلى قبره مدّة الأسبوع إلاّ في الوحل والطّين. قلت: قرأ بالسَّبع على شّرَيح، وعلى يحيى بن الخُلُوف، وعلى أبي جعفر أحمد بن أبي الحسن بن الباذش بكتاب الإقناع له. وأقرأ القراءات لأبي الحسن الشّاري، وغيره. قال ابن فرتون: ظهرت له كرامات. حدثنا شيخنا الراوية محمد بن الحسن بن غازي، عن بنت عمّه، وكانت صالحة، وكانت استحيضت مدّة، قالت: حُدّثت بموت ابن عُبَيد الله، فشقَّ عليَّ أن لا أشهده فقلت: اللهُمَّ إن كان وليًّا من أوليائك فأمِسك عنّي الدّمَ حتّى أصلّي عليه. فانقطع عنّي لوقته، ثم لم أره بعد. روى عنه أبو عَمرو محمد بن عَيشون البكيّ، ومحمد بن أحمد بن اليتيم الأندرشيّ، ومحمد بن محمد اليحصُبيّ، ومحمد بن عبد الله القُرطُبي بن الصّفّار، والشَّرَف محمد بن عُبيد الله المُرسي، وأبو بكر محمد بن أحمد بن
следующие страницы →