← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.

стр. 12356

سنة خمس وتسعين وخمسمائة. ٢٢٣ - أحمد بن حيوس (١) بن رافع بن متوج بن منصور بن فُتيح. العدل، الجليل، أبو الحسين الغنوي، الدمشقي. ولد سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وكان اسمه قديمًا عبد الله. سمع من أبي الفتح نصر الله المصيصي، وهبة الله بن طاوس. وتوفي في ذي القعدة. روى عنه الحافظ الضياء، وطائفة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير (٢). ٢٢٤ - أحمد بن وهب بن سلمان بن أحمد ابن الزنف (٣)، أبو الحسين السلمي، الدمشقي. ولد سنة ثلاثين، وسمعه أبوه حضورًا من يحيى بن بطريق. وسمع أبا الفتح نصر الله المصيصي، وأبا الدر ياقوتًا الرومي، وأبا المعالي محمد بن يحيى القاضي، وجماعة. روى عنه ابن خليل، وجماعة. وأجاز لابن أبي الخير. توفي في ذي الحجة (٤). ٢٢٥ - إسماعيل بن فضائل بن عبد الباقي بن مكي، أبو عبد الرحمن الحربي. سمع هبة الله بن الحصين، والقاضي أبا بكر. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي (٥)، وابن خليل. وأجاز لابن أبي الخير. وتوفي في شعبان. قال ابن النجار: هو شيخ صالح. ٢٢٦ - إسماعيل بن هبة الله بن أبي نصر بن أبي الفضل، أبو محمد البغدادي، الحربي، المعروف بابن دقيقة.

стр. 12357

سمع من أبي البركات الأنماطي، وأبي البدر الكرخي، وعبد الله بن أحمد بن يوسف. ودقيقة بالفتح (١). روى عنه الدبيثي (٢)، وابن خليل. وأجاز لابن أبي الخير سلامة. توفي يوم عاشوراء. ٢٢٧ - أسماء بنت أبي البركات محمد بن الحسن بن الران. الدمشقية. روت عن جدها لأمها أبي المفضل يحيى بن علي القاضي. وعنها سبطها النسابة عزّ الدين محمد بن أحمد، ويوسف بن خليل، والشهاب القوصي. وتزوجت بابن خالتها محمد أخي الحافظ ابن عساكر. توفيت في ذي الحجة (٣). ٢٢٨ - أعز بن علي بن المظفر بن علي، أبو المكارم البغدادي، المراتبي، المعروف بالظهيري. سمع من أبي القاسم والده، ومن إسماعيل ابن السمرقندي، ومسرة بن عبد الله الزعيمي. وكان أميًا لا يكتب. روى عنه ابن خليل، واليلداني. وتوفي في ثالث عشر ربيع الأول (٤). ٢٢٩ - آمنة بنت محمد بن الحسن بن طاهر بن الران. أخت الست أسماء. ولدت سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وتوفيت في شوال، ودفنت بمسجد القدم. سمعت من جدها لأمها القاضي المنتجب يحيى بن علي القرشي، وعبد الكريم بن حمزة. وحجت هي وأختها، ثم حجت مرتين أيضًا. روى عنها

стр. 12358

ولدها القاضي محيي الدين أبو المعالي ابن الزكي، وشهاب الدين القوصي، وغير واحد. ووقفت رباطًا بدمشق (١). ٢٣٠ - بشير بن محفوظ بن غنيمة، أبو الخير الأزجي شيخ صالح. روى عن ابن ناصر، وأبي الوقت. وصحب الشيخ عبد القادر، وانقطع إلى العبادة. وله كلام في العرفان. وكان الناس يتبركون به. توفي في حادي عشر في ربيع الأول (٢). ٢٣١ - ثابت بن محمد بن أبي الفرج بن الحسن، أبو الفرج المديني، الأصبهاني. محدث ناحيته. سمع من أبي بكر محمد بن علي بن أبي ذر، وسعيد الصيرفي، وزاهر الشحامي، والحسين الخلال، وجماعة. ورحل إلى بغداد. فسمع من أبي الفضل الأرموي، والمبارك بن كامل المفيد، وغيرهما وأملى بأصبهان، وخرج. وولي خطابة أصبهان. وكان ذا معرفة بهذا الشأن. سمع منه الحافظ أبو بكر الحازمي، ونصر بن أبي رشيد الأصبهاني، ويوسف بن خليل، وجماعة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير (٣). توفي أواخر رمضان. ٢٣٢ - الحسن بن محمد بن علي، أبو علي البغدادي، البقال، المعروف بابن القطائفي. روى عن ابن الحصين. وكان سوقيًا متعيشًا. روى عنه الدبيثي (٤)، وابن خليل، وجماعة. وأجاز لابن أبي الخير. توفي في المحرم وقد قارب الثمانين.

стр. 12359

٢٣٣ - الحسين بن أبي بكر بن الحسين، أبو عبد الله الحربي، المعروف بابن السمك. روى عن هبة الله بن محمد بن أبي الأصابع الحربي (١). ٢٣٤ - حميد الأبله. كان ببغداد ينام على المزابل، وربما تكشف، ومع هذا فكان للبغاددة في اعتقاد كقاعدتهم في المولهين. توفي في ذي القعدة، وشيعه خلائق. ٢٣٥ - خليفة بن أبي بكر بن أحمد، أبو نصر البغدادي ابن القطوة. روى عن إسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الوهاب ابن الأنماطي. وكان سقاء. روى عنه بالإجازة: أحمد بن أبي الخير. توفي في شعبان. وأبوه قيده ابن نقطة (٢). وحدث عنه ابن النجار (٣). ٢٣٦ - دلف بن أحمد بن محمد بن قوفا، أبو القاسم الحريمي. سمع ابن الحصين، وغيره. روى عنه الدبيثي (٤)، وابن خليل، واليلداني. وبالإجازة: ابن أبي الخير. توفي في شوال. قال ابن النجار: كان صالحًا، دمثًا، حسن الأخلاق. ٢٣٧ - ضياء بن أحمد بن يوسف بن جندل أبو محمد الحربي. روى عن أبي الحسن بن عبد السلام، وعبد الله اليوسفي، والمبارك بن كامل الدلال. سمع منه أحمد بن سلمان الحربي، وابن خليل، وجماعة. وأجاز لابن أبي الخير. توفي في جمادى الآخرة (٥).

стр. 12360

٢٣٨ - طرخان بن ماضي بن جوشن بن علي. الفقيه أبو عبد الله اليمني، ثم الدمشقي، الشاغوري، الضرير الشافعي. سمع من أبي المعالي محمد بن يحيى القرشي، وأبي القاسم بن مقاتل، ومحمد بن كامل بن ديسم، وغيرهم. روى عنه عبد الكافي الصقلي، وابن خليل، والشهاب القوصي، وجماعة. وأم بالسلطان نور الدين. وكان يلقب تقي الدين. سئل عن مولده فقال: في سنة ثمان عشرة بالشاغور. وتوفي في ثالث ذي الحجة. وهو والد إسحاق شيخ الشرف محمد ابن خطيب بيت الآبار (١). ٢٣٩ - ظفر بن إبراهيم، أبو السعود، المعروف بابن الأرمني. روى عن أبي الحسين ابن القاضي أبي يعلى، وعبد الباقي بن أبي الغبار الأديب. وكان قصابًا. توفي في نصف جمادى الآخرة. ولابن أبي الخير منه إجازة. روى عنه ابن النجار (٢). ٢٤٠ - عبد الله بن المظفر بن أبي نصر بن هبة الله، أبو محمد البواب. سمعه أبوه من يحيى بن حبيش الفارقي، وأبي بكر الأنصاري. وكان أبوه بوابًا بدار الخلافة. روى عنه ابن خليل، والدبيثي (٣). وأجاز لابن أبي الخير. توفي في ربيع الآخر. ٢٤١ - عبد الخالق بن أبي البقاء هبة الله بن القاسم بن منصور، أبو محمد ابن البندار الحريمي، الزاهد، العابد. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة في جمادى الآخرة. وقيل سنة إحدى عشرة. وسمع من ابن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وابن الطبر، وأبي

стр. 12361

المواهب بن ملوك، والقاضي أبي بكر، وأبي منصور القزاز. وكان ثقة صالحًا خيرًا، ناسكًا، سلفيًا. روى عنه الدبيثي (١)، وابن النجار، وابن خليل، واليلداني، وابن عبد الدائم، وجماعة. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وغيره. قال ابن النجار في تاريخه: كان يشبه الصحابة. ما رأيت مثله ﵀. توفي في سادس ذي القعدة. ٢٤٢ - عبد الرحمن بن أبي المظفر أحمد بن عبد الواحد بن الحسين بن محمد، أبو الحسن العكبري، الصوفي الدباس، ولد سنة عشرين. وسمع من أبي الفضل الأرموي، وهبة الله الحاسب، وجماعة. وحدث بمكة. روى عنه الحافظ ابن المفضل، ومكي بن عمر الفقيه. توفي في أول ذي القعدة (٢). ٢٤٣ - عبد الغني بن علي بن إبراهيم، أبو القاسم المصري، النحاس، المقرئ. حدث بالوجيز للأهوازي (٣)، عن الشريف أبي الفتوح الخطيب. وكان مؤدبًا بزقاق القناديل. روى عنه الكمال. وتوفي في ربيع الأول (٤). ٢٤٤ - عبد القادر بن هبة الله بن عبد الملك بن غريب الخال، أبو محمد. يقال إنه سمع من القاضي أبي بكر، وحدث (٥). ٢٤٥ - عبد المعيد بن المحدث عبد المغيث بن زهير بن زهير، أبو محمد الحربي، الحنبلي.

стр. 12362

سمعه أبوه من أبي الوقت، وهبة الله الشبلي، وجماعة، قيل: إنه حدث (١). ٢٤٦ - عبد المنعم بن الخضر بن شبل بن عبد الواحد، أبو محمد الحارثي، الدمشقي. روى عن أبي القاسم الحسين ابن البن. روى عنه ابن خليل، وغيره. وتوفي في ربيع الأول بنواحي طبرية (٢). ٢٤٧ - عبد الواحد بن ناصر بن أبي الأسد، أبو محمد المعري المعروف بالكريمي (٣)، الدمشقي. روى عن هبة الله بن طاوس. وعنه ابن خليل (٤). ٢٤٨ - عبيد الله بن الحسن بن علي، أبو الفرج ابن الدوامي الكاتب. سمع أباه، وأبا محمد سبط الخياط، وأبا منصور بن خيرون، وأبا عبد الله بن السلال. وكان على ديوان الحشر (٥)، فشكرت سيرته. توفي في جمادى الآخرة (٦). ٢٤٩ - عثمان بن يوسف بن أيوب بن شاذي. السلطان الملك العزيز أبو الفتح، وأبو عمرو ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين، صاحب مصر. ولد في جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة. وسمع من أبي طاهر السلفي، وأبي الطاهر بن عوف، وعبد الله بن بري النحوي. وحدث بثغر الإسكندرية. ملك ديار مصر بعد والده، وكان لا بأس في سيرته. وكان قد خرج يتصيد فرماه فرسه رمية مؤلمة منكرة، فرد إلى القاهرة وتمرض ومات.

стр. 12363

قال الحافظ الضياء، ومن خطه نقلت، قال: خرج إلى الصيد، فجاءته كتب من دمشق في أذية أصحابنا الحنابلة، فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة كل من كان يقول بمقالتهم أخرجناه من بلدنا. فرماه فرسه، ووقع عليه فخسف صدره. كذا حدثني يوسف بن الطفيل، وهو الذي غسله. قال المنذري (١): توفي في العشرين من المحرم، وعاش ثمانيًا وعشرين سنة، وأقيم بعده ولده في الملك، صبي دون البلوغ، فلم يتم. وقال الموفق عبد اللطيف: كان العزيز شابًا، حسن الصورة، ظريف الشمائل، قويًا، ذا بطش وأيد، وخفة حركة، حييًا، كريمًا، عفيفًا عن الأموال والفروج. وبلغ من كرمه أنه لم يبق له خزانة ولا خاص ولا برك (٢) ولا فرس، وأما بيوت أصحابه وأمرائه فتفيض بالخيرات. وكان شجاعًا مقدامًا. وبلغ من عفته أنه كان له غلام تركي اشتراه بألف دينار يقال له أبو شامة، فوقف على رأسه خلوةً. فنظر إلى جماله، فأمره أن ينزع ثيابه، وجلس معه مقعد الفاحشة، فأدركه التوفيق ونهض مسرعًا إلى بعض سراريه، فقضى وطره، وخرج والغلام بحاله، فأمره بالتستر والخروج. وأما عفته عن الأموال فلا أقدر أن أصف حكاياته في ذلك. ثم حكى الموفق ثلاث حكايات في المعنى. وقال ابن واصل (٣): كانت الرعية يحبونه محبة عظيمة شديدة، وفجعوا بموته، إذ كانت الآمال متعلقة بأنه يسد مسد أبيه. ثم حكى ابن واصل حكايتين في عدله ومروءته ﵀ وسامحه. ولما سار الملك الأفضل أخوه مع العادل ونازلًا بلبيس، وتزلزل أمره، بذلت له الرعية أموالها ليذب عن نفسه فامتنع. قال ابن واصل (٤): وقد حكي أنه لما امتنع قيل له: اقترض من القاضي الفاضل، فإن أمواله عظيمة. فامتنع، فألحوا عليه، فاستدعى القاضي الفاضل، فلما رآه مقبلًا وهو يراه من المنظرة قام حياءً، ودخل إلى النساء. فراسلته الأمراء وشجعوه، فخرج وقال له بعد أن

стр. 12364

أطنب في الثناء عليه: أيها القاضي، قد علمت أن الأمور قد ضاقت علي، وليس لي إلا حسن نظرك، وإصلاح الأمر بمالك، أو برأيك، أو بنفسك. فقال: جميع ما أنا فيه من نعمتكم، ونحن نقدم أولًا الرأي والحيلة، ومتى احتيج إلى المال فهو بين يديك. فوردت رسالة من العادل إلى القاضي الفاضل باستدعائه، ووقع الاتفاق. وقد حكي عنه ما هو أبلغ من هذا، وهو أن عبد الكريم بن علي أخا القاضي الفاضل كان يتولى الجيزة زمانًا وحصل الأموال، فجرت بينه وبين الفاضل نبوة أوجبت اتضاعه عند الناس فعزل، وكان متزوجًا بابنة ابن ميسر، فانتقل بها إلى الإسكندرية، فضايقها وأساء عشرتها لسوء خلقه، فتوجه أبوها وأثبت عند قاضي الإسكندرية ضررها، وأنه قد حصرها في بيتٍ، فمضى القاضي بنفسه، ورام أن يفتح عليها فلم يقدر فأحضر نقابًا فنقب البيت وأخرجها ثم أمر بسد النقب، فهاج عبد الكريم وقصد الأمير فخر الدين جهاركس بالقاهرة، وقال: هذه خمسة آلاف دينار لك، وهذا أربعون ألف دينار للسلطان، وأولى قضاء الإسكندرية. فأخذ منه المال، واجتمع بالملك العزيز ليلًا، وأحضر له الذهب. وحدثه، فسكت ثم قال: رد عليه المال، وقل له: إياك والعود إلى مثلها، فما كل ملك يكون عادلًا، فأنا ما أبيع أهل الإسكندرية بهذا المال. قال جهاركس: فوجمت وظهر علي، فقال لي: أراك واجمًا، وأراك أخذت شيئًا على الوساطة. قلت: نعم. قال: كم أخذت؟ قلت: خمسة آلاف دينار. فقال: أعطاك ما لا تنتفع به إلا مرة، وأنا أعطيك في قبالته ما تنتفع به مرات. ثم أخذ القلم ووقع لي بخطه بإطلاق جهةٍ تعرف طنبزة (١) كنت أستغلها سبعة آلاف دينار. قلت: وقد قصد دمشق وملكها، كما ذكرنا في الحوادث، وأنشأ بها المدرسة العزيزية. وكان السكة والخطبة باسمه بها وبحلب. وخلف ولده الملك المنصور محمد بن عثمان، وهو ابن عشر، فأوصى له بالملك، وأن يكون مدبره الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي. وكان كبير الأسدية الأمير سيف الدين يازكوج، وبعضهم يغير يازكوج ويقول: أزكش، وكان سائر الأمراء

стр. 12365

الأسدية والأكراد محبين للملك الأفضل، مؤثرين له، والأمراء الصلاحية بالعكس، لكونهم أساؤوا إليه. ثم تشاوروا وقال مقدم الجيش سيف الدين يازكوج: نطلب الملك الأفضل ونجعله مع هذا الصبي. فقال الأمير فخر الدين جهاركس، وكان من أكبر الدولة: هو بعيد علينا. فقال يازكوج: هو في صرخد فنطلبه ويصل مسرعًا. فقال جهاركس شيئًا يُمَغْلط به، فقال يازكوج: نشاور القاضي الفاضل. فاجتمع الأميران به، فأشار بالأفضل. هكذا حكى ابن الأثير (١). وحكى غيره أنّهم أجلسوا الصبي في المُلك. وقام قراقوش بأتابكيّته، وحفلوا له، وامتنع عماه الملك المؤيد والملك المعز إلاّ أن تكون لهما الأتابكيّة. ثم حلفا على كرهٍ. ثم اختلفت الأمراء وقالوا: قراقوش مضطرب الآراء، ضيق العطن. وقال قوم: بل نرضى بهذا الخادم فإنه أطْوَع وأسوس. وقال آخرون: لا يحفظ هذا الإقليم إلا بملك يُرهب ويُخاف. ثم اشْتَوَروا أيامًا، ورجعوا إلى رأي القاضي الفاضل، وطلبوا الأفضل ليعمل الأتابكية سبع سنين، ثم يسلم الأمر إلى الصبي، ويشترط أن لا يذكر في خطبةٍ ولا سِكّة. وكتبوا إليه، فأسرع إلى مصر في عشرين فارسًا، ثم جرت أمور (٢). ٢٥٠ - عثمان ابن الرئيس أبي القاسم نصر بن منصور بن الحسين ابن العطار. الصدر أبو عمرو الحراني الأصل، ثم البغدادي. سمع من أبي الوقت، وابن البطي. وكان رئيسًا متواضعًا. مات في ذي القعدة (٣). ٢٥١ - علي بن أبي تمام أحمد بن علي بن أبي تمام أحمد بن هبة الله ابن المهتدي بالله، أبو الحسن الهاشمي، الخطيب. من بيت حشمة وخطابة ورواية. توفي في صفر (٤).

стр. 12366

٢٥٢ - علي بن أحمد، أبو الحسن اللمطي. سمع معمر بن الفاخر. وحدث عن عمر الميانشي، ويوسف بن أحمد الشيرازي البغدادي. وكان كثير البر والصلة والأفضال. توفي بمصر في ربيع الآخر (١). ٢٥٣ - علي بن أبي طالب عبد الله ابن النقيب أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمر. الشريف أبو الحسن العلوي الحسيني. حدَّث بشيء يسير من شعره. ومات شابًا (٢). ٢٥٤ - علي ابن الشيخ عبد الرحمن بن علي بن المسلم، أبو الحسن اللخمي الخرقي، الدمشقي. ولد سنة خمس وثلاثين. وسمع من نصر الله المصيصي. وحدث. توفي في ذي القعدة (٣). ٢٥٥ - عمر بن علي بن فارس. أبو حفص الطيني. روى عن أحمد بن علي بن الأشقر، وأبي الوقت. وكان يعمل من الطين عصفورًا يصفر به الصبيان، ويعمل الزمامير. مات في رجب (٤). ٢٥٦ - عمر بن يوسف بن أحمد بن يوسف، أبو حفص الكتامي، الحموي الكاتب، المعروف بابن الرفيش، بفاء وشين معجمة. سمع بدمشق من جمال الإسلام أبي الحسن بن المسلم، وببغداد من الأرموي، وهبة الله الحاسب. روى عنه ابن خليل. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير. وكان صالحًا عابدًا، ورده في اليوم مائة ركعة. توفي في ربيع الآخر (٥). ٢٥٧ - فتون بنت أبي غالب بن سعود بن الحبوس الحربية.

стр. 12367

روت عن عبد الله بن أحمد بن يوسف. أخذ عنها أحمد بن أبي شريك الحربي، وابن خليل، وجماعة (١). وفتون: بالتاء المثناة، والحبوس: بحاء مفتوحة وسين مهملة. توفيت في خامس ذي القعدة (٢). ٢٥٨ - قايماز الأمير مجاهد الدين أبو منصور الرومي، الزينبي، الخادم الأبيض الذي بنى بالموصل الجامع المجاهدي، والرباط، والمدرسة. كان لزين الدين صاحب إربل، فأعتقه وأمره، وفوض إليه أمور مدينة إربل، وجعله أتابك أولاده في سنة تسع وخمسين، فعدل في الرعية وأحسن السيرة. وكان كثير الخير والصلاح والإفضال، ذا رأي وعقل وسؤدد. انتقل إلى الموصل سنة إحدى وسبعين، وسكن قلعتها، وولي تدبيرها، وراسل الملوك، وفوض إليه صاحب الموصل غازي بن مودود الأمور، وكان هو الكل، وامتدت أيامه، فلما وصلت السلطنة إلى رسلان شاه وتمكن من الملك، قبض على قيماز وسجنه، وضيق عليه إلى أن مات في السجن. وكان لعز الدين مسعود صاحب الموصل جارية اسمها أقصرا، فزوجه بها، وهي أم الأتابكية زوجة الملك الأشرف موسى التي لها بالجبل مدرسة وتربة. وقيل: إنه كان يتصدق في اليوم بمائة دينار خارجًا عن الرواتب. وقد مدحه سبط التعاويذي بقصيدة سيرها إليه من بغداد، مطلعها (٣): عليلُ الشَّوْق فِيك مَتَى يصحُّ … وسكرانٌ بحبّك كيف يَصحو وبين القلب والسّلْوان حَرْبٌ … وبين الجفنِ والعَبَرات صُلحُ فبعث إليه بجائزة سنيّة وبغلة، فضعفت البغْلة فِي الطّريق، فكتب إليه (٤):

стр. 12368

مجاهدُ الدّينِ دُمتَ ذُخْرًا … لكلّ ذي فاقةٍ وكنزا بعثتَ لي بغلةً ولكنْ … قد مُسِخت فِي الطّريق عَنْزَا (١) أجاز لي ابن البزوري قال: مجاهد الدين قايماز الحاكم في دولة نور الدين أرسلان شاه، كان أديبًا فاضلًا، وإلى ما يُقَرَّبه إلى الله مائلًا، كثير الصدقات، له آثار جميلة بالموصل، فمنها الجامع، وإلى جانبه مدرسة، ورباط، ومارستان، وبنى عدّة خانات في الطرق وفنادق وقناطر. وكان كثير الصيام، يصوم في السنة مقدار سبعة أشهر. وعنده معرفة تامة بمذهب الشافعي. كذا قال. وأما ابن الأثير فقال (٢): كان عاقلًا، خيرًا، فاضلًا، يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويكثر الصوم، وله أوراد، وكان كثير المحفوظ من التّواريخ، والشعر، وغرائب الأخبار. توفي في ربيع الأول. ٢٥٩ - محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، أبو الوليد القرطبي، حفيد العلامة ابن رشد الفقيه. ولد سنة عشرين، قبل وفاة جده أبي الوليد بشهر واحد. وعرض الموطأ على والده أبي القاسم. وأخذ عن أبي مروان بن مسرة، وأبي القاسم بن بشكوال، وجماعة. وأخذ علم الطب عن أبي مروان بن حزبول. ودرس الفقه حتى برع فيه، وأقبل على علم الكلام، والفلسفة، وعلوم الأوائل، حتى صار يضربُ به المثل فيها. فمن تصانيفه على ما ذكره ابن أبي أصيبعة (٣): كتاب التحصيل، جمع فيه اختلافات العلماء، كتاب المقدمات في الفقه، كتاب نهاية المجتهد، كتاب الكليات طب، كتاب شرح أرجوزة ابن سينا في الطب، كتاب الحيوان، كتاب جوامع كتب أرسطو طاليس في الطبيعيات والإلهيات، كتاب في المنطق، كتاب تلخيص الإلهيات لنيقولاوس، كتاب تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطو طاليس، شرح كتاب

стр. 12369

السماء والعالم لأرسطوطاليس، شرح كتاب النفس لأرسطوطاليس، تلخيص كتاب الأسطقسات لجالينوس، ولخص له أيضًا كتاب المزاج، وكتاب القوى، وكتاب العلل، وكتاب التعرف، وكتاب الحُميات، وكتاب حيلة البرء، ولخص كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس، وله كتاب تهافت التهافت، يرد فيه على الغزالي، وكتاب منهاج الأدلة في الأصول، كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، كتاب شرح كتاب القياس لأرسطو، مقالة في العقل، مقالة في القياس، كتاب الفحص في أمر العقل، كتاب الفحص عن مسائل وقعت في الإلهيات من الشفاء لابن سينا، مسألة في الزمان، مقالة في أن ما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلمون من أهل ملتنا في كيفية وجود العالم متقارب في المعنى، مقالة في نظر أبي نصر الفارابي في المنطق ونظر أرسطوطاليس، مقالة في اتصال العقل المفارق للإنسان، مقالة في ذلك أيضًا، مباحثات بين المؤلف وابن أبي بكر بن الطفيل في رسمه للدواء، مقالة في وجود المادة الأولى، مقالة في الرد على ابن سينا في تقسيمه الموجودات إلى ممكن على الإطلاق وممكن بذاته، مقالة في المزاج، مقالة في نوائب الحمى، مسائل في الحكمة، مقالة في حركة الفلك، كتاب ما خالف فيه أبو نصر لأرسطو في كتاب البرهان، مقالة في الترياق، تلخيص كتاب الأخلاق لأرسطو، وتلخيص كتاب البرهان له. قلت: ذكر شيخ الشيوخ تاج الدين: لما دخلتُ إلى البلاد سألت عنه، فقيل: إنه مهجور في داره من جهة الخليفة يعقوب، ولا يدخل أحدٌ عليه، ولا يخرج هو إلى أحد. فقيل: لِمَ؟ قالوا: رفعت عنه أقوالُ ردية، ونسب إليه كثرة الاشتغال بالعلوم المهجورة من علوم الأوائل. ومات وهو محبوس بداره بمراكش في أواخر سنة أربع وتسعين. ذكره الأبار فقال (١): لم ينشأ بالأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا. قال: وكان متواضعًا، منخفض الجناح، عني بالعلم حتى حكي عنه أنه لم يترك النظر والقراءة مذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه وليلة عرسه، وأنه سوَّد فيما صنف وقيد

стр. 12370

واختصر نحوًا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الأوائل، فكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره. وكان يفزعُ إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع الحظ الوافر من العربية. قيل: كان يحفظ ديوان حبيب والمتنبي. وله من المصنفات: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه، علل فيه ووجَّه، ولا نعلم في فنه أنفع منه، ولا أحسن مساقا. وله كتاب الكليات في الطب، ومختصر المستصفى في الأصول، وكتاب في العربية، وغير ذلك. وقد ولي قضاء قرطبة بعد أبي محمد بن مغيث، فحمدت سيرته وعظم قدره. سمع منه أبو محمد بن حوط الله، وسهل بن مالك، وجماعة. وامتحن بأخرة، فاعتقله السلطان يعقوب وأهانه، ثم أعاده إلى الكرامة فيما قيل، واستدعاه إلى مراكش، وبها توفي في صفر، وقيل في ربيع الأول، وقد مات السلطان بعده بشهر. وقال ابن أبي أصيبعة (١): هو أوحد في علم الفقه والخلاف. تفقه على الحافظ أبي محمد بن رزق. وبرع في الطب. وألف كتاب الكليات أجاد فيه. وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة. وحدثني أبو مروان الباجي قال: كان أبو الوليد بن رشد ذكيًا، رث البزة، قوي النفس، اشتغل بالطب على أبي جعفر بن هارون، ولازمه مدة. ولما كان المنصور بقرطبة وقت غزو الفنش استدعى أبا الوليد واحترمه وقربه، حتى تعدى به الموضع الذي كان يجلس فيه الشيخ عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي، ثم بعد ذلك نقم عليه لأجل الحكمة، يعني الفلسفة. ٢٦٠ - محمد بن إبراهيم بن خطاب. الأندلسي. توفي بطريق مكة. وقد رحل، وسمع ببغداد على: ذاكر بن كامل، وابن بوش، وطبقتهما. ودخل أصبهان. وقرأ القرآن بواسط على ابن الباقلاني. مات في ذي الحجة (٢). ٢٦١ - محمد بن إسماعيل بن محمد بن أبي الفتح، أبو جعفر الطرسوسي، ثم الأصبهاني، الحنبلي.

стр. 12371

من كبار شيوخ عصره في مصره. ولد سنة اثنتين وخمسمائة في حادي عشر صفر. وسمع من أبي علي الحداد، والحافظ محمد بن طاهر، والحافظ يحيى بن منده، والحافظ محمد بن عبد الواحد الدقاق، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، وأبي نهشل عبد الصمد العنبري. حدث عنه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني، ويوسف بن خليل، وجماعة كثيرة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وغيره من المتأخرين. أخبرنا أحمد بن سلامة في كتابه، عن أبي جعفر محمد بن إسماعيل، أن أبا علي الحداد أخبرهم قال: أخبرنا أبو نعيم قال: حَدَّثَنَا سليمان بن أحمد قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة الدمشقي قال: حَدَّثَنَا يحيى بن صالح قال: حَدَّثَنَا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فنودي بالصلاة جامعة. أخرجه البخاري (١) عن إسحاق بن راهويه، عن يحيى بن صالح. توفي في السابع والعشرين من جمادى الآخرة. وهو آخر من حدث عن ابن طاهر بالسماع. ٢٦٢ - محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز. قاضي القضاة أبو الحسن الهاشمي، العباسي، المكي، ثم البغدادي. ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة. وتفقه على أبي الحسن بن الخل الشافعي. وسمع من جده، وأبي الوقت. وأجاز له: أبو القاسم بن الحصين، وأبو العز بن كادش، وهبة الله الشروطي، وجماعة. وولي القضاء والخطابة بمكة، ثم ولي قضاء القضاة ببغداد بعد عزل أبي طالب علي بن علي ابن البخاري في سنة أربع وثمانين. ثم صرف في سنة ثمان وثمانين بسبب كتاب امرأة زوَّره وارتشى على إثباته خمسين دينارًا وثيابًا من الحسن الإستراباذي، فقال: ثبت عندي بشهادة فلان وفلان. فأنكرا، فعزله أستاذ الدار، ورسم عليه أيامًا، ثم لزم بيته حتى مات. وقد سمع منه ابنه الحافظ جعفر. وتوفي في جمادى الآخرة.

стр. 12372

ذكر ترجمته الدبيثي (١). وحدث عنه ابن خليل، واليلداني. ٢٦٣ - محمد بن ذاكر بن كامل، أبو عبد الله الخفاف. سمع من ابن البطي، ويحيى بن ثابت. وكان شابًا صالحًا. ما أحسبه حدث (٢). ٢٦٤ - محمد بن عبد الله بن أبي درقة، أبو عبد الله القحطاني القرطبي، الفقيه، قاضي تونس. روى بها الموطأ عن أبي عبد الله ابن الرمامة. أخذ عنه أبو عبد الله بن أصبغ، وغيره. وتوفي في ذي الحجة (٣). ٢٦٥ - محمد بن عبد الله بن علي بن غنيمة بن يحيى بن بركة، أبو منصور الحربي الخياط، المعروف بابن حواوا. سمع ابن الحصين، وأبا الحسين بن أبي يعلى الفراء. روى عنه الدبيثي، وقال (٤): توفي في نصف ربيع الأول. ٢٦٦ - محمد بن عبد الملك بن إسماعيل، أبو عبد الله الأصبهاني الحنبلي الواعظ. سمع من إسماعيل الحمامي والرستمي وخلق. وحج وأملى ببغداد، روى عنه ابن النجار وغيره. توفي في ذي الحجة (٥). ٢٦٧ - محمد بن عبد الملك بن زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر، أبو بكر الإيادي الإشبيلي. أخذ عن جده أبي العلاء علم الطب، وأخذ عن أبيه. وانفرد بالإمامة في الطب في زمانه مع الحظ الوافر من اللغة، والآداب، والشعر.

стр. 12373

فمن شعره، قال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة (١): أنشدني محيي الدين محمد ابن العربي الحاتمي: قال: أنشدني الحفيد أبو بكر بن زهر لنفسه يتشوق إلى ولده: ولي واحدٌ مثل فرخ القطا … صغيرٌ تخلّف قلبي لدَيْه نأتْ عَنْهُ داري فيا وحشتي … لذاك الشُّخَيْصِ وذاك الوُجَيْهِ تشوّقني وتشوّقُته … فيبكي عليَّ وأبكي عليه وقد تعب الشوق ما بيننا … فمنه إلي ومني إليه قال الموفّق (٢): وأنشدني القاضي أبو مروان الباجي: قال: أنشدنا أبو عِمْرَانَ بْن أَبِي عِمْرَانَ الزّاهد المرتليّ قال: أنشدنا أبو بَكْر بْن زُهْر الحفيد لنفسه: إنّي نظرتُ إِلَى المرآة إذ جُليت … فأنكرت مُقلتاي كل ما رأتَا رأيتُ فيها شيخًا لست أعرفه … وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى فقلت: أين الّذي مثواهُ كان هنا … مَتَى ترحَّل عن هذا المكان متى؟ فاستجهلتني وقالت لي وما نطقت … قد راح ذاك وهذا بعد ذاك أتى هون عليك فهذا لا بقاء له … أما ترى العُشْبَ يفنى بعدما نبتَا كان الغَوَاني يقلنَ: يا أُخَيَّ، فقد … صار الغَوَاني يَقُلْنَ اليوم: يا أبَتَا وللحفيد: للهِ ما صنعَ الغرام بقلبهِ … أوْدَى به لمّا ألمّ بلُبهِ لبّاه لمّا أن دعاه، وهكذا … من يدعه داعي الغرام يُلبِّهِ يأبى الذي لا يستطيع لعجبه … رد السلام وإن شككت فَعُجْ بِهِ ظَبْيٌ من الأتراك ما تركَتْ ضنى … ألحاظُه من سلوةٍ لمحبِّهِ إنْ كنتَ تُنكرُ ما جنى بِلِحَاظِهِ … فِي سَلْبه يومَ الغوير فسَلْ بِهِ أو شئت أن تلْقى غزالًا أغْيدًا … فِي سِرْبِهِ أسدُ العرينِ فَسِرْ بِهِ يا ما أميلحهُ وأعذبَ ريقهُ … وأَعَزّهُ وأذَلَّني في حبهِ أو ما أُليْطِفَ وردةً فِي خدهِ … وأرقَّها وأشدَّ قسوة قلبهِ

стр. 12374

وله موشّحات كثيرة مشهورة، فمنها هَذِهِ: أيُّها السَّاقي إليكَ المشتكى … قد دعوناكَ وإنْ لم تسمعِ ونديم همتُ فِي غُرّتِه وشربتُ الرَّاحَ من راحتِه كلّما استيقظ من سَكْرته جَذَبَ الزِّقَّ إليه واتَّكا … وسَقَاني أربعًا في أربع غُصْنُ بان من حيث اسْتَوَى باتَ مَن يَهْواهُ من فَرْط الجوى خَفِقَ الأحشاءِ مَرْهون القُوى كلمّا فكَّر فِي البينِ بَكَا … ما لهُ يبكي بما لم يقع ليس لي صَبْرٌ ولا لي جلدُ يا لقَوْمي عذلوا واجتهدوا أنكروا شكواي مما أجدُ مثل حالي حقه أن يشتكى … كمد اليأس وذلّ الطمعِ ما لعيني عَشِيَتْ بالنَّظر أنكرت بعدك ضوء القمرِ وإذا ما شئتَ فاسْمَع خبري شَقِيَتْ عَيْنَاي من طولِ البكا … وبَكَى بَعْضي على بَعْضي مَعِي وإليه انتهت الرياسة بإشبيلية، وكان لا يعدله أحدٌ فِي الحَظْوة عند السّلاطين. وكان سَمْحًا، جوادًا، نفّاعًا بماله وجاهه، ممدَّحًا، ولا أعرف له رواية. قاله الأَبّار (١). وقد أَخَذَ عَنْهُ الأستاذ أبو عليّ الشّلُوبين، وأبو الخطّاب بْن دِحْية. قال الأَبّار (٢): وكان أبو بكر ابن الجد يزكيه. ويحكي عنه أن يحفظ صحيح البخاريّ مَتْنًا وإسنادًا. تُوُفّي بمّراكُش فِي ذي الحجَّة، وقد قارب

стр. 12375

التسعين، فإنه ولد سنة سبعٍ وخمسمائة. وقال غيره: كان دينًا، عدلًا، محبًا للخير، مهيبًا، جريء الكلام، قوي النفس، مليح الشكل - يجر قوسًا يكون سبعًا وثلاثين رطلًا باليد. قال ابن دحية (١): كان من اللغة بمكان مكين، ومورد في الطب عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث اللغة، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، مع سمو النسب وكثرة المال والنشب (٢). صحبته زمانًا طويلًا، واستفدت منه أدبًا جليلًا. وقال لي: ولدتُ سنة سبع وخمسمائة. وله أشعار حلوة. ورحل أبو جده إلى المشرق، وولي رياسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم بالقيروان، ثم استوطن دانية بالأندلس، وطار ذكره. قلتُ: وقد مرّ والده في سنة سبعٍ وخمسين (٣)، وجده في سنة خمسٍ وعشرين وخمسمائة (٤). وكان أبو بكر يقال له: الحفيد. وكان وزيرًا محتشمًا، كثير الحرمة، من سروات أهل الأندلس. وقد رأس في فني الطب والأدب، وبلغ فيهما الغاية. ٢٦٨ - محمد بن علي بن الحسن بن أحمد بن عبد الوهاب، أبو بكر المري، الدمشقي، المعروف بابن الدوانيقي. روى عن أبي الفتح نصر الله المصيصي. روى عنه يوسف بن خليل، والقوصي، والتاج القرطبي، وأخوه إسماعيل. وتوفي في شعبان (٥). ٢٦٩ - محمد بن محمد بن الحسين، أبو المظفر الخاتوني، الأصبهاني، ثم البغدادي، الكاتب. أحد الشعراء. سمع جزءًا من محمد بن علي السمناني، بسماعه من أبي الغنائم ابن المأمون. رواه عنه أبو الحسن ابن القطيعي، وغيره. وتوفي في ذي الحجة عن نيفٍ وسبعين سنة (٦).

стр. 12376

٢٧٠ - المبارك بن إسماعيل بن عبد الباقي بن أحمد ابن الصواف، أبو نصر ابن النشف الواسطي، البزاز، المقرئ. قرأ القراءات على: أبي الفتح المبارك بن أحمد الحداد، وغيره. وسمع أبا عبد الله محمد بن علي الجلابي، وأحمد بن عبيد الله الآمدي. وسمع ببغداد من ابن ناصر. وحدَّث. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وقال (١): توفي في ذي القعدة وله أربع وسبعون سنة. ٢٧١ - المبارك بن علي بن يحيى بن محمد بن بذال (٢)، أبو بكر المعروف بابن النفيس البغدادي. ولد سنة سبع عشرة. وسمع من أبي بكر الأنصاري، وأبي منصور الشيباني القزاز. قال الدبيثي (٣): سمع منه بعض أصحابنا، وأجاز لي. ٢٧٢ - مسعود بن أبي منصور بن محمد بن الحسن. الأصبهاني أبو الحسن، الخياط المعروف بالجمال. ولد سنة ست وخمسمائة، وسمع من أبي علي الحداد، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، وأبي نهشل عبد الصمد العنبري، والهيثم بن محمد المعداني. وحضر (٤) أبا القاسم غانمًا البرجي، وحمزة بن العباس العلوي. وأجاز له عبد الغفار الشيرويي. وكان من بقايا أصحاب الحداد. روى عنه ابن خليل، وأبو موسى بن عبد الغني، ومحمد بن عمر العثماني. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وجماعة. توفي في الخامس والعشرين من شوال (٥).

стр. 12377

٢٧٣ - مسلم (١) بن علي بن محمد، أبو منصور ابن السيحي (٢)، العدل الموصلي. حدث عن أبي البركات محمد بن محمد بن خميس، وهو آخر من حدث عنه. روى عنه ابن خليل، وأبو محمد اليلداني. توفي في منتصف المحرم، وسمع الدمياطي من أصحابه (٣). ٢٧٤ - منصور بن أبي الحسن بن إسماعيل بن المظفر، أبو الفضل المخزومي، الطبري، الصوفي، الواعظ. ولد بآمل طبرستان، ونشأ بمرو، وتفقه على الإمام أبي الحسن علي بن محمد المروزي. وبنيسابور على محمد بن يحيى. وكان مليح الكلام في المناظرة، ثم اشتغل بالوعظ والتصوف. وسمع من زاهر بن طاهر، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وعلي بن محمد المروزي. وحدث ببغداد والشام. أخذ عنه أبو بكر الحازمي، وإلياس بن جامع، وابن خليل، وأخوه إبراهيم، والضياء المقدسي، والتاج بن أبي جعفر، والشهاب القوصي، وطائفة سواهم. وروى عنه الأمير يعقوب بن محمد الهذباني مسند أبي يعلى الموصلي، سمعه منه بالموصل، ولقبه القوصي بشهاب الدين. ونقلتُ من خطه قال: حدث بدمشق سنة اثنتين وتسعين بصحيح مسلم، وسمعته منه، عن الفراوي. وتوقف في أمره الحافظ بهاء الدين القاسم ابن عساكر، وامتنع جماعة لامتناعه. وَمولده بطبرسان سنة خمس عشرة وخمسمائة. وقال ابن النجار: حدث ببغداد، ثم سكن الموصل يحدث ويدرس. ثم انتقل إلى دمشق، فذكر لي رفيقنا عبد العزيز الشيباني أنه سمع منه، وادعى أنه

стр. 12378

سمع صحيح مسلم من الفراوي. وكان معه خط مزور على خط الفراوي. وقال ابن نقطة (١): حدثني علي بن القاسم ابن عساكر قال: لما قرئ على الطبري أول مجلس من صحيح مسلم بحكم الثبت حضر شيخ الشيوخ ابن حمويه، وحضر أبي وأنا معه، فجاء ابن خليل الأدمي وقال لأبي: هذا الثبت ليس بصحيح، وأراه إياه. فامتنع أبي من الحضور والجماعة، فغضب شيخ الشيوخ أبو الحسن بن حمويه والصوفية، وقرؤوا عليه الكتاب. أخبرنا أحمد بن سلامة كتابة عن منصور بن أبي الحسن الطبري، قال: أخبرنا عبد الجبار بن محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر البيهقي، قال (٢): أخبرنا محمد بن يعقوب الفقيه بالطابران، قال: أخبرنا أبو النضر الفقيه، قال: حَدَّثَنَا عثمان بن سعيد الدرامي، قال: حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن أيوب، قال: حدَّثني يزيد بن الهاد، أنّ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن أنيس قال: كنَّا بالبادية فقلنا: إن قدمنا بأهلينا شُقّ علينا، وإن خَلّفناهم أصابتهم ضيعة. فبعثوني - وكنت أصغرهم - إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت له قولهم، فأمرنا بليلة ثلاثٍ وعشرين. قال ابن الهاد: فكان محمد بن إبراهيم يجتهد تلك الليلة (٣). توفي في ثامن عشر ربيع الآخر بدمشق. ٢٧٥ - نصر بن أبي المحاسن بن أبي الرشيد، أبو الخطاب الأصبهاني، الصوفي. حدث عن أبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصَّيدلاني. وتوفي ببغداد (٤).

стр. 12379

٢٧٦ - وهب بن لب بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن وهب بن نذير، أبو العطاء الفهري الأندلسي، الشنتمري، نزيل بلنسية. سمع من أبيه أبي عيسى. ولزم أبا الوليد ابن الدباغ وأكثر عنه. وتفقه على أبي الحسن بن النعمة. وأخذ القراءات عن أبي محمد بن سعدون الوشقي. وكان فقيهًا، حافظًا، مشاورًا، مفتيًا، مدرسًا، من أهل العلم والذكاء والدهاء. أخذ عنه جماعة، وولي قضاء بلنسية وخطابتها، ثم صرف عن القضاء وبقي خطيبًا. توفي في ذي الحجة، وصلى عليه ولده أبو عبد الله، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة. ذكره الأبار (١). ٢٧٧ - يحيى بن عبد الرحمن، أبو بكر الأزدي، الأندلسي، النحوي، المعروف بابن مصالة (٢). من علماء أوريولة. خطب ببلده وناب في القضاء. قال التجيبي: كان شيخي في اللغة والعربية، وصحبتُه عدة سنين، وعرضتُ عليه كتبًا كثيرة. وعُمر دهرًا. بقي إلى سنة خمسٍ هذه (٣). ٢٧٨ - يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة. العلامة جمال الدين أبو القاسم البغدادي، الشافعي، المعروف بابن فضلان. ولد في آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة. وسمع أبا غالب ابن البناء، وأبا القاسم ابن السمرقندي، وأبا الفضل الأرموي، وغيرهم. وكان اسمه واثقا، وكذا هو في الطباق، لكن غلب عليه يحيى واختاره هو. وكان إمامًا بارعًا في علم الخلاف، مشارًا إليه في جودة النظر.

стр. 12380

تفقه على أبي منصور الرزاز، وارتحل إلى صاحب الغزالي محمد بن يحيى مرتين، وعلق عنه. وظهر فضله، واشتهر اسمه، وانتفع به خلق. وسمع أيضًا بنيسابور من أبي يحيى، وعمر بن أحمد الصفار الفقيه، وأبي الأسعد هبة الرحمن ابن القشيري، وإسماعيل بن عبد الرحمن العصائدي. وكان حسن الأخلاق، سهل القياد، حلو العبارة، يقظًا، لبيبًا، نبيهًا، وجيهًا. درس ببغداد بمدرسة دار الذهب وغيرها. وأعاد له الدروس الإمام أبو علي يحيى بن الربيع. روى عنه ابن خليل في حروف الواو (١)، وأبو عبد الله الدبيثي (٢)، وجماعة. وتوفي في تاسع عشر شعبان. قال الموفق عبد اللطيف: ارتحل ابن فضلان إلى محمد بن يحيى مرتين، وسقط في الطريق فانكسرت ذراعه، وصارت كفخذه، فالتجأ إلى قرية، وأدته الضرورة إلى قطعها من المرفق، وعمل محضرًا بأنها لم تُقطع في ريبة. فلما قدم بغداد وناظر المجير، وكان كثيرًا ما ينقطع في يد المجير، فقال له المُجير: يسافر أحدهم في قطع الطريق، ويدعي أنه كان يشتغل. فأخرج ابن فضلان المحضر، ثم شنَّع على المجير بالفلسفة. وكان ابن فضلان ظريف المناظرة، له نَغمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه بوزن مطرب أنيق، يقف على أواخر الكلمات خوفًا من اللحن. وكان يُداعبني كثيرًا. ورمي بالفالج في آخر عمره، ﵀. ٢٧٩ - يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي. الملقب بالمنصور، أمير المؤمنين أبو يوسف، سلطان المغرب القيسي المراكشي، وأمه أم ولد رومية اسمها سحر (٣). بويع في حياة والده بأمره بذلك عند موته، فملك وعمره يومئذ اثنتان وثلاثون سنة. وكان صافي السمرة إلى الطول ما هو، جميل الوجه، أعين،

стр. 12381

أفوه، أقنى، أكحل، مستدير اللحية، ضخم الشكل، جهوري الصوت، جزل الألفاظ، صادق اللهجة، كثير الإصابة بالظن والفراسة، ذا خبرة بالخير والشر. ولي الوزارة لأبيه، فبحث عن الأمور، وكشف أحوال العمال والولاة. وكان له من الولد: محمد ولي عهده، وإبراهيم، وموسى، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد، والحسن، والحسين، فهؤلاء الذين عاشوا بعده. وله عدة بنات. ووزر له عمر بن أبي زيد الهنتاني (١) إلى أن مات، ثم أبو بكر بن عبد الله بن الشيخ عمر إينتي، ثم ابن عم هذا محمد بن أبي بكر. ثم هرب محمد هذا وتزهد ولبس عباءةً، ثم وزر له أبو زيد عبد الرحمن بن موسى الهنتاني، وبقي بعده وزيرًا لابنه مديدة. وكتب له أبو الفضل بن محشوة، ثم بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش الكاتب البليغ الذي بقي إلى سنة تسع عشرة وستمائة. وكتب أيضًا لولده من بعده. وقضى له أبو جعفر أحمد بن مضاء، وبعده أبو عبد الله بن مروان (٢) الوهراني، ثم عزله بأبي القاسم أحمد بن محمد بن بقي. ولما بويع كان له من إخوته وعُمومته منافسون ومزاحمون لا يرونه أهلًا للإمارة؛ لما كانوا يعرفون من سوء صباه، فلقي منهم شدة، ثم عبر البحر بعساكره حتى نزل مدينة سلا، وبها تمت بيعته، لأن بعض أعمامه تلكأ، فأنعم عليهم، وملأ أيديهم أموالًا لها خطر. ثم شرع في بناء المدينة العظمى التي على البحر والنهر من العدوة (٣)، وهي تلي مراكش. وكان أبوه قد اختطها ورسمها، فشرع هو في عمارتها إلى أن تمت أسوارها، وبنى فيها جامعًا عظيمًا إلى الغاية، وعمل له منارة في نهاية العلو على هيئة منارة الإسكندرية، لكن لم يتم هذا الجامع لأن العمل بطل منه بموته. وأما المدينة فتمت، وطولها نحو

стр. 12382

من فرسخ، لكن عرضها قليل بالنسبة. ثم سار بعد أن تهيأت فنزل مراكش. وفي أول ملكه، وذلك في سنة ثمانين، خرج عليه صاحب ميورقة الملك المعروف بابن غانية، وهو علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية، فسار في البحر بجيوشه، وقصد مدينة بجاية، فملكها وأخرج من بها من الموحدين في شعبان من السنة. وهذا أول اختلالٍ وقع في دولة الموحدين. وأقام ابن غانية ببجاية سبعة أيام، وصلى فيها الجمعة، وأقام الخطبة للإمام الناصر لدين الله العباسي، وكان خطيبَه يومئذ الإمام أبو محمد عبد الحق الأزدي مصنف الأحكام، فأحنق ذلك المنصور أبا يوسف، ورام قتل عبد الحق، فعصمه الله وتوفاه قريبًا. ثم سار ابن غانية بعد أن أسس أموره ببجاية، ونازل قلعة بني حماد فملكها، وملك تلك النواحي، فتجهز المنصور لحربه، وسار إليه بجيوشه، فتقهقر ابن غانية، وقصد بلاد الجريد، فلما وصل المنصور إلى بجاية تلقاه أهلها، فصفح عنهم، وجهز جيشًا مع ابن عمه يعقوب بن عمر، ونزل هو تونس، فالتقى يعقوب وابن غانية، فانهزم الموحّدون انهزامًا منكرًا، وتبعهم جيش ابن غانية من العرب والبربر يقتلونهم في كل وجهٍ، وهلك كثير منهم عطشًا، ورجع من سَلِم إلى تونس. فلمَّ المنصور شعثهم، ثم سار بنفسه، وعمل مع ابن غانية مصافًّا، فانكسر أصحاب ابن غانية، وثبت هو، وبين إلى أن أثخن جراحًا، ففر بنفسه متماسكًا، ومات في خيمة أعرابية. ثم إن جنده قدموا عليهم أخاه يحيى، ولحقوا بالصحراء فكانوا بها مع تلك العربان إلى أن رجع المنصور إلى مراكش. وانتقض أهل قفصة في هذه المدة، ودعوا لبني غانية، فنزل عليها المنصور، فحاصرها أشد الحصار، وافتتحها عنوة، وقتل أهلها قتلا ذريعًا. فقيل: إنه ذبح أكثرهم صبرًا، وهدم أسوارها، ورجع إلى المغرب. وأما يحيى بن غانية فإنه بعث أخاه أبا محمد عبد الله إلى ميورقة فاستقل بها، إلى أن دخلها عليه الموحدون قبل الستمائة. وبقي يحيى بإفريقية يظهر مرة ويخمد أخرى، وله أخبار يطول شرحها. وفي غيبة المنصور عن مراكش طمع عماه في الأمر، وهما سليمان وعمر، فأسرع المنصور ولم يتم لهما ما راماه، فتلقياه وترجلا له، فقبض

стр. 12383

عليهما، وقيدهما في الحال، فلما دخل مراكش قتلهما صبرًا، فهابه جميع القرابة وخافوه. ثم أظهر بعد زهدًا وتقشفًا وخشونة عيش وملبس، وعظم صيت العباد والصالحين في زمانه، وكذلك أهل الحديث، وارتفعت مراتبهم عنده، فكان يسألهم الدعاء. وانقطع في أيامه علم الفروع، وخاف منه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من الحديث، فأحرق منها جملة في سائر بلاده، كالمدونة، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبي زيد، والتهذيب للبراذعي، والواضحة لابن حبيب. قال محيي الدين عبد الواحد بن علي المراكشي في كتاب المعجب (١) له: ولقد كنت بفاس، فشهدت يؤتى بالأحمال منها فتوضع ويطلق فيها النار. قال: وتقدم إلى الناس بترك الفقه والاشتغال بالرأي والخوض فيه، وتوعد على ذلك، وأمر من عنده من المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة وهي: الموطأ، والكتب الخمسة، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند البزار، وسنن الدراقطني، وسنن البيهقي في الصلاة وما يتعلق بها، على نحو الأحاديث التي جمعها ابن تومرت في الطهارة. فجمعوا ذلك، فكان يُمليه بنفسه على الناس، ويأخذهم بحفظه. وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب وحفظه خلق. وكان يجعل لمن حفظه عطاء وخلعة. وكان قصده - في الجملة - محو مذهب مالك ﵁، وإزالتَه من المغرب. وحمل الناس على الظاهر من القرآن والسنة. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يُظهراه، وأظهره هو. أخبرني غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر ابن الجد أنه أخبرهم قال: دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب يوسف أول دخلةٍ دخلتها عليه، فوجدت بين يديه كتاب ابن يونس، فقال لي: يا أبا بكر، أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله. أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال، وخمسة أقوال، أو أكثر، في أي هذه الأقوال الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له، فقال لي، وقطع كلامي:

стр. 12384

يا أبا بكر ليس إلا هذا، وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى سنن أبي داود، أو السيف. قال عبد الواحد (١): وظهر في أيام أبي يوسف يعقوب ما خفي في أيام أبيه وجده، ونال عنده طلبة العلم والحديث ما لم ينالوا في أيام أبويه، وانتهى أمره معهم إلى أن قال يومًا بحضرة كافة الموحدين: يا معشر الموحدين، أنتم قبائل، فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء - يعني الطلبة - لا قبيل لهم إلا أنا، فمهما نابهم أمرٌ فأنا ملجؤهم. فعظموا عند ذلك في أعين الموحدين، وبالغوا في احترامهم. وفي سنة خمس وثمانين قصد بطرو بن الريق - لعنه الله - مدينة شلب فنالها فأخذها، فتجهز المنصور أبو يوسف في جيوش عظيمة، وعبر البحر، ونزل على شلب، فلم يطق الفرنج دفاعه، وهربوا منها، وتسلمها. ولم يكفه ذلك حتى أخذ لهم حصنًا، ورجع فمرض بمراكش مرضًا عظيمًا، وتكلم أخوه أبو يحيى في الملك، ودعا إلى نفسه، فلما عوفي قتله صبرًا، وقال: إنما أقتلك بقوله ﷺ : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأحدث منهما (٢). تولى قتله أخوه عبد الرحمن بمحضر من الناس. ثم تهدد القرابة وأهانهم، فلم يزالوا في خمولٍ، وقد كانوا قبل ذلك لا فرق بينهم وبين الخليفة سوى نفوذ العلامة. وفي سنة تسعين انتقض ما بينه وبين الأذفنش (٣) من العهد، وعاثت الفرنج في الأندلس، فتجهز أبو يوسف وأخذ في العبور، فعبر في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، ونزل بإشبيلية، فعرض جيوشه، وقسم الأموال، وقصد العدو المخذول، فتجهز الأذفنش في جموع ضخمة، فالتقوا بفحص الحديد، وكان الأذفنش قد جمع جموعًا لم يجتمع له مثلها قط، فلما تراءى الجمعان اشتد خوف الموحدين، وأمير المؤمنين يعقوب في ذلك كله لا مستند له إلا الدعاء، والاستعانة بكل من يظن أنه صالح، فتواقعوا في ثالث شعبان، فنصر الله الإسلام، ومنح أكتاف الروم، حتى لم ينج الفنش، إلا في نحو من ثلاثين نفسًا من وجوه أصحابه. واستشهد يومئذ جماعة من الأعيان، منهم الوزير أبو بكر بن عبد الله ابن الشيخ عمر إينتي، وأتى أبو يوسف قلعة

стр. 12385

رباح وقد هرب أهلها، فدخلها وجعل كنيستها مسجدًا، واستولى على ما حول طليطلة من الحصون، ورد إلى إشبيلية. ثم قصد الروم من إشبيلية في سنة اثنتين وتسعين، فنزل على مدينة طليطلة بجيوشه، فقطع أشجارها، وأنكى في الروم نكاية بينة ورجع. ثم عاد في المرة الثالثة، وتوغل في بلاد الروم، ووصل إلى مواضع لم يصل إليها ملك من ملوك المسلمين، ورجع، فأرسل الأذفنش يطلب المهادنة، فهادنه عشر سنين، وعبر بعد هذا إلى مراكش في سنة أربع وتسعين. قال (١): وبلغني عن غير واحد أنه صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وجعل يذكر لهم البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع ويقول: نحن إن شاء الله مطهروها. ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات في صدر سنة خمس. وكان في جميع أيامه مؤثرًا للعدل بحسب طاقته، وبما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها. وكان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس أشهرًا إلى أن أبطأ يومًا عن العصر حتى كادت تفوت، فخرج وأوسعهم لومًا وقال: ما أرى صلاتكم إلا لنا، وإلا فما منعكم أن تقدموا رجلًا؟ فقد قدم أصحاب رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصلاة، وهو غائب، أما لكم أسوة؟ فكان ذلك سببًا لقطعه الإمامة. وكان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد، حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم، فقضى بينهما وأمر بضربهما قليلًا، وقال: أما كان في البلد حكام قد نصبوا لهذا. ثم بعد هذا بقي يقعد في أيام مخصوصة. واستعمل على القضاء أبا القاسم بن بقي، وشرط عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا وهو من ورائه ستر. وكان يدخل إليه أمناء الأسواق في الشهر مرتين، فيسألهم عن أسواقهم، وأسعارهم، وحكامهم. وكان إذا وفد عليه أهلُ بلد سألهم عن ولاتهم وقضاتهم، فإذا أثنوا خيرًا قال: اعلموا أنكم مسؤولون عن هذه الشهادة يوم القيامة. وربما تلا: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط.

стр. 12386

قال (١): وبلغني أنه تصدق سنة إحدى وتسعين قبل خروجه إلى الغزوة بأربعين ألف دينار. وكان كلما دخلت السنة أمر أن يكتب له الأيتام والمنقطعون، فيجمعون إلى عند قصره، فيختنون، ويأمر لكل صبي منهم بمثقال، وثوب، ورغيف، ورمانة. هذا كله شهدته. وبنى بمراكش بيمارستانًا ما أظن في الدنيا مثله، أجرى فيه مياهًا كثيرة، وغرس فيه من جميع الأشجار، وزخرفه، وأمر له من الفرش بما يزيد على الوصف. وأجرى له ثلاثين دينارًا كل يوم برسم الأدوية. وكان كل جمعة يعود فيه المرضى ويقول: كيف حالكم؟ كيف القومة عليكم؟. وفي سنة نيف وثمانين ورد عليه من مصر قراقش التقوي، فتى تقي الدين عمر ابن أخي السلطان الملك الناصر، والأمير شعبان، والقاضي عماد الدين في جماعة، فأكرمهم وأقطعهم، حتى أقطع رجلًا منهم من أهل إربل يعرف بأحمد الحاجب مواضع، وأقطع شعبان بالأندلس قرى تغل في السنة نحوًا من تسعة آلاف دينار، سوى ما قرر لهم من الجامكية. وأخبرني أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف بمكة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف: يا أبا العباس، اشهد لي بين يدي الله أني لا أقول بالعصمة، يعني عصمة ابن تومرت (٢). وقال لي، وقد استأذنته في فعل: متى نفتقر إلى وجود الإمام؟ يا أبا العباس أين الإمام، أين الإمام؟ أخبرني أبو بكر بن هانئ الجياني قال: لما رجع أمير المؤمنين من غزوته تلقيناه، فسألني عن أحوال البلد وقضاته وولاته، فلما فرغت من جوابه سألني: ما قرأت من العلم؟ فقلت: قرأت تواليف الإمام، أعني ابن تومرت، فنظر إلي نظرة المغضب وقال: ما هكذا يقول الطالب، إنما حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت شيئًا من السنة، ثم بعد هذا قل ما شئت. وقال تاج الدين عبد السلام بن حمويه الصوفي (٣): دخلت مراكش في أيام

стр. 12387

السيد الإمام أبي يوسف يعقوب، ولقد كانت الدولة بسيادته مجملة، والمحاسن والفضائل في أيامه مكملة، يقصده العلماء لفضله، والأغنياء لعدله، والفقراء لبذله، والغزاة لكثرة جهاده، والصلحاء والعامة لتكثير سواده وزيادة إمداده، والزهاد لإرادته وحسن اعتقاده. كما قال فيه بعض الشعراء: أهْلٌ لأن يُسْعَى إليه ويُرْتَجَى … ويُزار من أقصى البلاد على الوجَا ملكٌ غدا بالمَكْرُمات مقلَّدًا … وموشَّحًا ومختمًا ومتوجًا عمرت مقامات الملوك بذِكرهِ … وتعطّرت منه الرّياح تأرُّجَا وجد الوجود وقد دجا فأضاءه … ورآه في الكرب العظام ففرَّجا ولما قدمت عليه أكرم مقدمي، وأعذب في مشارعه موردي، وأنجح في حسن الإقبال والقبول مقصدي، وقرر لي الرتبة والراتب، وعين أوقات الدخول إلى مجلسه بغير مانع ولا حاجب. وكانت أكثر مجالسه المرتبة بحضور العلماء والفضلاء، يفتتح في ذلك بقراءة القرآن، ثم يقرأ بين يديه قدر ورقتين أو ثلاث من الأحاديث النبوية. وربما وقع البحث في معانيها، ثم يختم المجلس بالدعاء، فيدعو هو. وكذا كان يدعو عند نزوله من الركوب. ثم ينزل فيدخل قصره. والذي أعلمه من حاله أنه كان يجيد حفظ القرآن، وكان يحفظ متون الأحاديث، ويتكلم في الفقه والأحكام كلامًا بليغًا، ويناظر ويباحث. وكان فقهاء الوقت يرجعون إليه في الفتاوى والمشكلات وله فتاو مجموعة. وكانوا ينسبونه إلى مذهب الظاهر والحكم بالنصوص. وكان فصيح العبارة، مهيبًا، ملحوظ الإشارة، مع تمام الخلقة وحسن الصورة وطلاقة البشر، لا يرى منه اكفهرار، ولا له عن مجالسه إعراض ولا ازورار. يدخل عليه الداخل فيراه بزي الزهاد والعلماء، وعليه جلالة الملوك. وقد صنف كتاب الترغيب في الأحاديث التي في العبادات، فمن فتاويه: حضانة الولد للأم ثم للأب ثم للجدة. اليمين على المنكر ولا ترد على المدعي بحال، من نكل عن اليمين حُكم عليه بما نكل عنه، الشفعة لا تنقطع إلا بتصريح من الذي يجب له إسقاطها، من ادعى العدم وأشكل أمره، خير طالبه بين أن يخلي سبيله، وبين أن يحبسه وينفق عليه. وله شعر جيد، وموشحات مشهورة. وبلغني أن قومًا أتوه بفيل هدية من بلاد السودان، فوصلهم ولم يقبل الفيل، وقال: لا نريد أن

стр. 12388

نكون أصحاب الفيل. وقيل: بل جرى ذلك لوالده يوسف. ثم ذكر فصلًا فيه طول في كرمه وعدله وخيره، إلى أن قال: فإذا كان عشر ذي الحجة أمر ولاة الزكاة بإحضارها، فيفرقها في الأصناف الثمانية. حدثني بعض عمالهم أنه فرق في عيد سنة أربع وتسعين - ثلاثًا وسبعين ألف رأس من معز وضأن. ثم ذكر أنه عمل مكتبًا كبيرًا فيه جماعة عرفاء وغيرهم، ويجري عليهم النفقات والكسوة للصبيان، فسألت واحدًا فقال: نحن عشرة معلمين، والصبيان يزيدون على الألف، وقد ينقصون. وكان يكسو الفقراء في العام، ويختن أولادهم، ويعطي الصبي دينارًا. قال عبد الواحد (١): وكان مهتمًا بأمر البناء، لم يخل وقت من قصر يستجده، أو مدينة يعمرها. وزاد في مراكش زيادة كبيرة. وأمر أن يميز اليهود بلباس ثياب كحلية وأكمام مفرطة في الطول والسعة، تصل إلى قريب أقدامهم، وبدلًا من العمائم كلوتات على أشنع صور، كأنها البراذع، تبلغ إلى تحت آذانهم وشاع هذا الزي فيهم. وبقوا إلى أن توسلوا إلى ابنه بعده بكل وسيلة وشفاعة، فأمرهم ابنه بثياب صفر، وعمائم صفر، فهم على ذلك إلى وقتنا، وهو سنة إحدى وعشرين وستمائة. فائدة: ذكر تاج الدين بن حمويه أنه سأل ابن عطية الكاتب: ما بال هذه البلاد، يعني المغرب، ليس فيها أحد من أهل الذمة ولا كنائس ولا بيَع؟ فقال: هذه الدولة قامت على رهبةٍ وخشونة. وكان المهدي قد قال لأصحابه: إن هؤلاء الملثمين مبتدعة مجسمة مشبهة كفرة، يجوز قتلهم وسبيهم بعد أن يعرضوا على الإيمان. فلما فعل ذلك، واستولوا على السلاطين بعد موت المهدي، وفتح عبد المؤمن مراكش، أحضر اليهود والنصارى، وقال: ألستم قد أنكرتم، يعني أوائلكم، بعثة النبي ﷺ ، ودفعتم أن يكون هو الرسول الموعود به في كتابكم، وقلتم: إن الذي يأتي إنما يأتي لتأييد شريعتنا وتقرير ملتنا؟ قالوا: نعم. قال: فأين منتظركم إذًا؟ سيما وقد زعمتم أنه لا يتجاوز خمسمائة عام. وهذه خمس

стр. 12389

مائة عام قد انقضت لملتنا، ولم يأت منكم بشير ولا نذير. ونحن لا نقركم على كفركم، ولا لنا حاجة بجزيتكم، فإما الإسلام، وإما القتل. ثم أجلهم مدة لتخفيف أثقالهم، وبيع أملاكهم، والنزوح عن بلاده. فأما أكثر اليهود، فإنهم أظهروا الإسلام تقية، فأقاموا على أموالهم، وأما النصارى فدخلوا إلى الأندلس، ولم يُسلم منهم إلا القليل. وخربت الكنائس والصوامع بجميع المملكة، فليس فيها مشرك ولا كافر يتظاهر بكفره إلى بعد الست مائة، وهو حين انفصالي عن المغرب. قال عبد الواحد (١): وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه بهم شكه في إسلامهم. وكان يقول: لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بنا في أنكحتهم وأمورهم. ولو صح عندي كفرهم لقتلتهم، ولكنني متردد فيهم، ولم ينعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المغرب بيعة ولا كنيسة، إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، ويصلون في المساجد، ويُقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تكن صدورهم. قلت: ما ينبغي أن يسمى هؤلاء يهود أبدًا، بل هم مسلمون. محنة ابن رشد وسببها أنه أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطوطاليس فهذبه، وقال فيه عند ذكر الزرافة: رأيتها عند ملك البربر. كذا غير ملتفتٍ إلى ما يتعاطاه خدمة الملك من التعظيم، فكان هذا مما أحنقهم عليه، ولم يظهروه. ثم إن قومًا ممن يناوئه بقرطبة ويدعي معه الكفاءة في البيت والحشمة سعوا به عند أبي يوسف بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص، فوجدوا فيه بخطه حاكيًا عن بعض الفلاسفة: قد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة. فأوقفوا أبا يوسف على هذا، فاستدعاه بمحضر من الكبار بقرطبة، فقال له: أخطك هذا؟ فأنكر، فقال: لعن الله كاتبه، وأمر الحاضرين بلعنه، ثم أمر بإخراجه مهانًا. وبإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم، وبالوعيد الشديد. وكتب إلى البلاد بالتقدم

стр. 12390

إلى الناس في تركها، وبإحراق كتب الفلسفة، سوى الطب، والحساب، والمواقيت. ثم لما رجع إلى مراكش نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، واستدعى ابن رشد للإحسان إليه، فحضر ومرض، ومات في آخر سنة أربع (١). وتوفي أبو يوسف في غرة صفر، وولي بعده ولي عهده ابنه أبو عبد الله محمد، وكان قد جعله في سنة ست وثمانين ولي العهد، وله عشر سنين إذ ذاك. وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في تاريخه (٢): حدثني أبو مروان الباجي قال: ثم إن المنصور نقم على أبي الوليد، وأمر بأن يقيم في بلد اليسانة (٣)، وأن لا يخرج منها، ونقم على جماعة من الأعيان، وأمر بأن يكونوا في مواضع أخر لأنهم مشتغلون بعلوم الأوائل. والجماعة أبو الوليد، وأبو جعفر الذهبي، ومحمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الشاعر القرابي. ثم إن جماعة شهدوا لأبي الوليد أنه على غير ما نسب إليه، فرضي عنه وعن الجماعة، وجعل أبا جعفر الذهبي مزوارًا للأطباء والطلبة. ومما كان في قلب المنصور من أبي الوليد أنه كان إذا تكلم معه يخاطبه بأن يقول: تسمع يا أخي. قلت: واعتذر عن قوله ملك البربر بأن قال: إنما كتبت ملك البرين، وإنما صحفها القارئ. وقال الإمامة أبو شامة (٤): وفيها توفي خليفة المغرب أبو يوسف الذي كسر الفنش. وكان قد قام بالملك بعد أبيه أحسن قيام، ونشر كلمة التوحيد ورفع راية الجهاد، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وأقام الحدود على أقربائه وغيرهم. وكان سمحًا، جوادًا، عادلًا، مكرمًا للعلماء، متمسكًا بالشرع. يصلي بالناس الصلوات الخمس، ويلبس الصوف، ويقف للمرأة

стр. 12391

والضعيف. أوصى عند الموت إلى ولده أبي عبد الله، وأن يدفن على قارعة الطريق ليترحم عليه. توفي في ربيع الأول ومدة ملكه خمس عشرة سنة. كتب إليه الملك صلاح الدين يستنجده على الفرنج، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين في كتابه، فلم يجبه إلى ما طلب. وقال أحمد بن أبي أصيبعة (١) في ترجمة أبي جعفر ابن الغزال: إنه لازم الحفيد أبا بكر بن زهر حتى برع في الطب، وخدم المنصور. وكان المنصور قد أبطل الخمر، وشدد في أن لا يؤتى بشيء منه، أو يكون عند أحدٍ. ثم بعد مدة قال المنصور لأبي جعفر ابن الغزال: أريد أن تركب لي ترياقًا. فجمع حوائجه، فأعوزه الخمر، فأعلم المنصور فقال: تطلبه من كل ناحية فلعل يقع عند أحد. فتطلبه حتى يئس، فقال المنصور: والله ما كان قصدي بعمل الترياق إلا لأعتبر هل بقي عند أحدٍ خمرٌ أم لا. قلت: وهذا من أحسن التلطف في كشف الأمور الباطنة. وبلغني أن الأذفنش لما بعث إلى أبي يوسف يتهدده ويطلب منه بعض الحصون، وكانت المكاتبة من إنشاء وزيره ابن الفخار وهي: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح، روح الله وكلمته الرسول الفصيح، أما بعد، فلا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية، كما أنا أمير الملة النصرانية، وقد علمت ما عليه نوابك من رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل، وإهمال أمر الرعية، وإخلادهم إلى الراحة. وأنا أسومهم القهر، فأخلي الديار، وأسبي الذراري، وأقتل الرجال، ولا عذر لك في التخلف عنهم وعن نصرهم إذ أمكنتك يد القدرة، وأنتم تزعمون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا، لا تستطيعون دفاعًا، ولا تملكون امتناعًا. وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك عامًا بعد عام، تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فلا أدري، الجبن بطأ بك أم التكذيب بما وعدك ربك. ثم قيل لي: إنك لا تجد إلى جواز البحر بيلًا لعلةٍ لا يسوغ لك التقحم معها.

стр. 12392

وها أنا أقول لك ما فيه الراحة، وأعتذر عنك ولك على أن تفي لي بالعهود والمواثيق، وكثرة الرهائن، وترسل إلي جملة من عبيدك بالمراكب والشواني، فأجوز بحملتي إليك، وأقاتلك في أعزّ الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جُلِبت إليك، وهدية عظيمة مَثَلَت بين يديك، وإن كانت لي كانت اليد العُليا لي عليك، واستحقَّيت إمارة الملّتين، والحكم في البرّين. فلمّا وصل كتابه إلى أبي يوسف مزّقه وقطّعه، وكتب على قطعةٍ منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون الجواب ما ترى لا ما تسمع، وهذا البيت، وهو للمتنبي: وَلَا كتْبَ إلّا المشرفيةُ عِنْدَنا … وَلَا رُسُلٌ إلّا الخميس العَرَمْرَمِ ثم استنفر الناس، وجمع الجيوش، فكانوا مائة ألف في الديوان، ومائة ألف مطوعة، وسار إلى زقاق سبتة، فعدى منه إلى الأندلس، وطلب الأذفنش، فكان المصاف عند قلعة رباح شمالي قرطبة، ففتح الله ونصر، وكانت ملحمة هائلة قل أن وقع مثلها في الإسلام. قيل: إنه حصل منها لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع. وأما الدواب فلم يُحصر لها عدد. وذكر ابن الأثير في الكامل (١)، أن عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعون ألفًا، وقتل من المسلمين نحو من عشرين ألفًا، وأسر من الفرنج ثلاثة عشر ألفًا، وغنم المسلمون منهم شيئًا عظيمًا، فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفًا، ومن الخيل ستة وأربعون ألفًا، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف. ونادى يعقوب: من غنم شيئًا فهو له سوى السلاح. ثم إنه سار إلى طليطلة فحاصرها، وأخذ أعمالها، وترك الفرنج في أسوأ حال، ورجع إلى إشبيلية، فأقام إلى أثناء سنة ثلاثٍ وتسعين، فعاد وأغار وسبى، ولم يبق للفرنج قدرة على ملتقاه، فالتمسوا الصلح، فأجابهم لما اتصل إليه من أخبار ابن غانية الميورقي الذي خرج عليه في سنة ثمانين، وهو علي بن إسحاق الملثَّم، وقام بعده أخوه يحيى بن إسحاق، فاستولى على بلاد إفريقية، واستفحل أمره، فهادن أبو يوسف الفرنج خمسة أعوام، وعاد إلى مراكش، وشرع في عمل الأحواض والروايا والآلات للبرية ليتوجه إلى إفريقية،

стр. 12393

ودخل مدينة سلا متنزهًا، وكان قد بنى بقرب سلا مدينة على ترتيب الإسكندرية سماها رباط الفتح، ثم عاد إلى مراكش. وبعد هذا فقد اختلفت الأقوال في أمره، فقيل: إنه ترك ما كان فيه، وتجرد وساح في الأرض حتى انتهى إلى بلاد المشرق مختفيًا، ومات خاملًا، حتى قيل: إنه مات ببعلبك، وهذا القول خرافة. ومنهم من قال: رجع إلى مراكش وتوفي بها. وقيل: مات بسلا. وكان مولده في ربيع الأول سنة أربع وخمسين، وعاش إحدى وأربعين سنة. وكان قد أمر برفض فروع الفقه، وأن لا يُفتي العلماء إلا بالكتاب والسنة، وأن يجتهدوا، يعني على طريقة أهل الظاهر. قال القاضي شمس الدين ابن خلكان (١): لقد أدركنا جماعة من مشايخ المغرب وصلوا إلينا إلى البلاد وهم على تلك الطريقة، مثل أبي الخطاب بن دحية، وأخيه أبي عمرو، والشيخ محيي الدين ابن العربي. وكان قد عظم ملكه، واتسعت دائرة سلطنته، وإليه تنسب الدنانير اليعقوبية. قال ابن خلكان (٢): وحكى لي جمع كثير بدمشق في سنة ثمانين وست مائة أن بالقرب من المجدل بالبقاع قرية يقال لها حمارة، إلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، وكل أهل تلك النوحي متفقون على ذلك، وبين القبر وبين المجدل نحو فرسخين. قلت: الأصح موته بالمغرب. توفي في غرة جمادى الأولى، وقيل: في ربيع الآخر، وقيل في صفر كما تقدم. وفيها: في أولها ولد: فخر الدين علي ابن البخاري، وفي ذي القعدة علي بن محمود بن نبهان الربعي، وأحمد بن هبة الله بن أحمد الكهفي، ومحمد بن الحسين بن عتيق بن رشيق المالكي، والموفق محمد بن عمر ابن خطيب بيت الآبار. وفيها تقريبًا أمين الدين القاسم بن أبي بكر الإربلي التاجر.

стр. 12394

سنة ست وتسعين وخمسمائة ٢٨٠ - أحمد بن علي بن أبي بكر عتيق بن إسماعيل. الإمام أبو جعفر القرطبي، الفنكي، الشافعي، المقرئ، نزيل دمشق وإمام الكلاسة. ولد بقرطبة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وسمع بها من أبي الوليد يوسف بن عبد العزيز ابن الدباغ الحافظ، بقراءة أبيه، الموطأ، بسماعه من الخولاني. وقرأ القراءات علي أبي بكر محمد بن جعفر بن صاف، ثم حج ودخل الموصل، فقرأ بها القراءات على يحيى بن سعدون القرطبي. وسمع الكثير بدمشق من أبي القاسم ابن عساكر، ومن أبي نصر عبد الرحيم اليوسفي، ويحيى الثقفي، وطائفة. ونسخ الكثير بخطه المغربي الحلو، وكان صالحًا، خيرًا، عابدًا، قانتا، وليًا لله، إمامًا في القراءات، مجودًا لمعرفتها. روى عنه ولداه تاج الدين محمد، وإسماعيل، وابن خليل، والشهاب القوصي، وجماعة. وأجاز لشيخنا ابن أبي الخير. توفي في سابع عشر رمضان بدمشق. وفنك: قرية أو قليعة من أعمال قرطبة. أقرأ القراءات، وكان قيمًا بها، وكتب الكثير منها (١). ٢٨١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى، أبو العباس الدارقزي، المعروف بابن البخيل. سمع أبا المواهب بن ملوك، وأبا غالب ابن البناء، والقاضي أبا بكر، وغيرهم. روى عنه النجيب عبد اللطيف. وأجاز لابن أبي الخير، وأبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري، تنكس من داره فمات في تاسع ذي القعدة (٢). ٢٨٢ - إبراهيم بن منصور بن المسلم. الفقيه العلامة أبو إسحاق المصري، الخطيب المعروف بالعراقي.

стр. 12395

ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، ورحل إلى بغداد، فتفقه بها، حتى برع في مذهب الشافعي، ولإقامته ببغداد سماه المصريون العراقي. وعاد إلى مصر، فولي خطابة جامعها العتيق والتصدر، وشرح كتاب المهذب لأبي إسحاق، وانتفع به الطلبة، وتفقه به جماعة من الفضلاء. وقد تفقه ببغداد علي أبي بكر محمد بن الحسين الأرموي تلميذ الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. ثم تفقه على أبي الحسن محمد ابن الخل. وتفقه بمصر على القاضي أبي المعالي مجلي بن جميع. وخرج له عدة تلامذة. وهو جد شيخنا العلم العراقي لأمه. وكان على سداد وأمر جميل. توفي في الحادي والعشرين من جمادى الأولى، وما أظنه روى شيئًا (١). ٢٨٣ - إسماعيل بن صالح بن ياسين بن عمران. الرجل الصالح أبو الطاهر ابن المقرئ العالم أبي التقى الشارعي، الشفيقي، بفاء ثم قاف، نسبة إلى خدمة شفيق الملك، المصري البناء، الجبلي، نسبة إلى سكنى جبل مصر. ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسمع بمصر من أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن الحطاب (٢) الرازي، بإفادة الزاهد المعروف بالرديني. وكان آخر من حدث بمصر عن الرازي. روى عنه الحافظ عبد الغني، والحافظ الضياء، والشهاب القوصي، والمجد عيسى ابن الموفق، وعبد الله ابن الشيخ أبي عمر، ومحمد ابن البهاء عبد الرحمن، والرضي عبد الرحمن بن محمد، وأبو سليمان عبد الرحمن ابن الحافظ عبد الغني، وخطيب مردا محمد بن إسماعيل، ويوسف بن خليل، والزين أحمد بن عبد الملك، ويونس بن خليل أخو يوسف، وأبو الحسن السخاوي، وأبو عمرو بن الحاجب، وإسماعيل بن ظفر، وأبو طالب محمد بن عبد الله بن صابر، والمعين أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي ثم المصري، وعبد الله بن عبد الواحد بن علاق، والرشيد يحيى بن علي العطار، وإسماعيل ابن عزون، وخلق آخرهم ابن علاق.
следующие страницы →