قرأ بالروايات الكثيرة على أبي الحسن علي بن عساكر البطائحي، وأقرأ الناس، وكان طيب الصوت (١).
٣٥٨ - الحسن المنعوت بالظهير الفارسي، الفقيه.
توفي بمصر كهلًا (٢).
٣٥٩ - خطاب بن منصور، أبو عبد الله البغدادي الدحروج.
روى عن أبي الوقت، وغيره (٣).
٣٦٠ - خديجة بنت الحافظ معمر بن الفاخر، الأصبهانية.
ورخها الضياء.
٣٦١ - الخليل بن عبد الغفار بن يوسف، السهروردي، ثم البغدادي، الصوفي.
ولد سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وصحب الشيخ أبا النجيب، وسمع من ابن البطي، وغيره، وحدث بأناشيد (٤).
٣٦٢ - زينب بنت أبي الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف، الزهري، المالكي، الإسكندري، أم محمد.
ولدت سنة ثمان وعشرين، وأجاز لها: الحسين بن عبد الملك الخلال، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، وطائفة، وحدثت (٥).
٣٦٣ - سعيد بن أبي البركات، أسعد بن أحمد بن محمد، أبو منصور البلدي الحطابي، الكاتب.
توفي شابًا، وكان لديه فضيلة (٦).
стр. 12427
٣٦٤ - سقمان الأمير قطب الدين أبو سعيد بن محمد، صاحب آمد.
سقط من جوسق له فمات في هذه السنة (١).
٣٦٥ - صالح بن علي بن أحمد بن خليفة، أبو الورد الصرصري المقرئ الضرير.
قرأ القرآن على أبي محمد سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، ودعوان بن علي، وأقرأ الناس بقريته صرصر السفلى، وتوفي في هذا العام (٢).
٣٦٦ - صدقة ابن الوزير أبي الرضا محمد بن أحمد بن صدقة، ظهير الدين أبو الفتح.
ولي نيابة الوزرة ببغداد، وكان صدرًا معظمًا.
وأبوه الوزير جلال الدين قد وزر للراشد بالله.
توفي الظهير في حادي عشر رجب (٣).
٣٦٧ - ظافر بن الحسين، الإمام أبو المنصور الأزدي الإسكندراني، ثم المصري، الفقيه المالكي.
تفقه بالثغر على العلامة أبي طالب صالح بن إسماعيل ابن بنت معافى، وتولى بمصر تدريس المدرسة المجاورة لجامع مصر العتيق مدة طويلة، وتخرج به جماعة من الشافعية والمالكية، وانتفع به خلق كثير، وكان يشغل أكثر النهار.
وكان من كبار العلماء في عصره.
توفي بمصر حادي عشر جمادى الآخرة (٤).
٣٦٨ - عبد الله ابن الوزير الكبير أبي الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم علي ابن المسلمة، أبو الحسن.
стр. 12428
سمع من يحيى بن ثابت البقال، وناب عن والده في الوزارة، ولم يخدم بعد أبيه في شيء، ولزم طريقة التصوف، ومات وله دون أربعين سنة أو أكثر (١).
٣٦٩ - عبد الله بن محمد بن عيسى، الإمام أبو محمد التادلي الفاسي.
ولد سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وروى بالإجازة عن أبي محمد بن عتاب، وأبي بحر بن العاص، وسمع من القاضي عياض.
وكان فقيهًا أديبًا، متفننًا، شاعرًا، بطلًا شجاعًا، من علماء فاس.
روى عنه أبو عبد الله الحضرمي، وأبو محمد بن حوط اللَّه، وأبو الربيع بن سالم، وعدة.
وكاد أن ينفرد عن ابن عتاب.
قال ابن فرتون: اختل ذهنه من الكبر (٢).
٣٧٠ - عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن جحشويه، أبو محمد الحربي.
شيخ معمر، ولد سنة ثمان وتسعين وأربع مائة فيما قيل، وحدث عن سعيد ابن البناء، وعنه الضياء (٣).
٣٧١ - عبد الله بن أبي بكر المبارك بن هبة الله، أبو محمد ابن الطويلة الدارقزي.
سمع ابن الحصين، وأبا القاسم ابن الطبر، وأبا المواهب بن ملوك، والقاضي أبا بكر، وجماعة.
والطويلة لقب لجده هبة الله بن محمد.
روى عنه ابن الدبيثي (٤)، وابن خليل، والضياء، واليلداني، وابن
стр. 12429
عبد الدائم، والنجيب عبد اللطيف، وغيرهم، وآخر من روى عنه بالإجازة الفخر ابن البخاري.
توفي في تاسع رمضان، ويعرف بابن الأخرس أيضًا (١).
٣٧٢ - عبد الجبار بن أبي الفضل بن الفرج بن حمزة، الأزجي، الحصري، المقرئ، الرجل الصالح.
قرأ القراءات على أبي الكرم الشهرزوري، وسمع من أبي الوقت، وابن ناصر، وأبي بكر الزاغوني، وجماعة، وأقرا القرآن مدة ببغداد، والموصل، والقفص (٢)، وتوفي في سابع محرم شهيدًا، سقط عليه جرف بقرب تكريت وعجزوا عن كشفه فكان قبره ﵀ (٣).
٣٧٣ - عبد الحميد بن عبد الله بن أسامة بن أحمد، أبو علي الهاشمي، العلوي، الحسيني الزيدي، الشريف النقيب.
عاش خمسًا وسبعين سنة، وكان إمامًا في الأنساب، واشتغل على ابن الخشاب النحوي.
وولي أبوه وجده النقابة (٤).
٣٧٤ - عبد الرحمن ابن قاضي القضاة عبد الواحد بن أحمد، الثقفي، الكوفي، القاضي أبو محمد، قاضي نهر عيسى، روى عن أبي الوقت، وغيره، وتوفي في المحرم (٥).
٣٧٥ - عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادى بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي
стр. 12430
بكر الصديق عبد الله بن أبي قحافة، الحافظ العلامة جمال الدين، أبو الفرج ابن الجوزي، القرشي، التيمي البكري، البغدادي، الحنبلي، الواعظ، صاحب التصانيف المشهورة في أنواع العلوم من التفسير، والحديث، والفقه، والوعظ، والزهد، والتاريخ، والطب، وغير ذلك.
ولد تقريبًا سنة ثمانٍ أو سنة عشر وخمس مائة، وعرف جدهم بالجوزي لجوزة في وسط داره بواسط، ولم يكن بواسط جوزة سواها.
وأول سماعه سنة ست عشرة وخمس مائة، وسمع بعد ذلك في سنة عشرين وخمس مائة وبعدها، فسمع من ابن الحصين، وعلي بن عبد الواحد الدينوري، والحسين بن محمد البارع، وأبي السعادات أحمد بن أحمد المتوكلي، وأبي سعد إسماعيل بن أبي صالح المؤذن، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني الفقيه، وأبي غالب ابن البناء، وأخيه يحيى، وأبي بكر محمد بن الحسين المزرفي، وهبة الله ابن الطبر، وقاضي المرستان، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي، وخطب أصبهان أبي القاسم عبد الله بن محمد الراوي عن ابن شمة، وأبي السعود أحمد بن المجلي، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، وعلي بن أحمد بن الموحد، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وابن ناصر، وأبي الوقت، وخرج لنفسه مشيخةً عن سبعةٍ وثمانين نفسًا (١)، وكتب بخطه ما لا يوصف، ووعظ وهو صغير جدًا.
قرأ الوعظ على الشريف أبي القاسم علي بن يعلى بن عوض العلوي الهروي، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وتفقه على أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري، وتخرج في الحديث بابن ناصر، وقرأ الأدب على أبي منصور موهوب ابن الجواليقي.
روى عنه ابنه محيي الدين يوسف، وسبطه شمس الدين يوسف الواعظ، والحافظ عبد الغني، والشيخ الموفق، والبهاء عبد الرحمن، والضياء محمد، وابن خليل، والدبيثي (٢)، وابن النجار (٣)، واليلداني، والزين ابن عبد الدائم،
стр. 12431
والنجيب عبد اللطيف، وخلق سواهم، وبالإجازة: الشيخ شمس الدين عبد الرحمن، وأحمد بن أبي الخير، والعزّ عبد العزيز ابن الصيقل، وقطب الدين أحمد بن عبد السلام العصروني، وتقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر، والخضر بن عبد الله بن حمويه، والفخر علي ابن البخاري.
وكان الذي حرص على تسميعه وأفاده الحافظ ابن ناصر، وقرأ القرآن على أبي محمد سبط الخياط.
وكان فريد عصره في الوعظ، وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي.
ومن تصانيفه (١):
كتاب المغني في علم القرآن، كتاب زاد المسير في علم التفسير (٢)، تذكرة الأريب في شرح الغريب، مجلد، نزهة النواظر في الوجوه والنظائر، مجلد، كتاب عيون علوم القرآن، هو كتاب فنون الأفنان، مجلد، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول، كتاب نفي التشبيه، كتاب جامع المسانيد، في سبع مجلدات، كتاب الحدائق، مجلدان، كتاب نفي النقل، كتاب المجتبى، كتاب النزهة، كتاب عيون الحكايات، مجلدان، كتاب التحقيق في أحاديث التعليق، مجلدان، كتاب كشف مشكل الصحيحين، أربع مجلدات، كتاب الموضوعات، كتاب الأحاديث الرائقة، كتاب الضعفاء، كتاب تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التواريخ والسير، كتاب المنتظم في أخبار الملوك والأمم، كتاب شذور العقود في تاريخ العهود، كتاب مناقب بغداد، كتاب المذهب في المذهب، كتاب الانتصار في مسائل الخلاف، كتاب الدلائل في مشهور المسائل، مجلدان، كتاب اليواقيت في الخطب الوعظية، كتاب المنتخب، كتاب نسيم السحر، كتاب لباب زين القصص، كتاب المدهش، كتاب في فضائل أخيار النساء، كتاب المختار في أخبار
стр. 12432
الأخيار، كتاب صفة الصفوة، كتاب مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، كتاب المقعد المقيم، كتاب تبصرة المبتدئ، كتاب تحفة الواعظ، كتاب ذم الهوى، كتاب تلبيس إبليس، مجلدان (١)، كتاب صيد الخاطر، ثلاث مجلدات، كتاب الأذكياء، كتاب الحمقى والمغفلين، كتاب المنافع في الطب، كتاب الشيب والخضاب، كتاب روضة الناقل، كتاب تقويم اللسان، كتاب منهاج الإصابة في محبة الصحابة، كتاب صبا نجد، كتاب المزعج، كتاب الملهب، كتاب المطرب، كتاب منتهى المشتهى، كتاب فنون الألباب، كتاب الظرفاء والمتحابين، كتاب تقريب الطريق الأبعد في فضل مقبرة أحمد، كتاب النور في فضائل الأيام والشهور، كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، مجلدان، كتاب أسباب البداية لأرباب الهداية، مجلدان.
كتاب سلوة الأحزان، كتاب ياقوتة المواعظ، كتاب منهاج القاصدين، مجلدان، كتاب اللطائف، كتاب واسطات العقود، كتاب الخواتيم، كتاب المجالس اليوسفية، كتاب المحادثة، كتاب إيقاظ الوسنان، كتاب نسيم الرياض، كتاب الثبات عند الممات، كتاب الوفا بفضائل المصطفى، كتاب مناقب أبي بكر، كتاب مناقب علي، كتاب المعاد، كتاب مناقب عمر، كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز، كتاب مناقب سعيد بن المسيب، كتاب مناقب الحسن البصري، كتاب مناقب إبراهيم بن أدهم، كتاب مناقب الفضيل، كتاب مناقب أحمد، كتاب مناقب الشافعي، كتاب مناقب معروف، كتاب مناقب الثوري، كتاب مناقب بشر، كتاب مناقب رابعة، كتاب العزلة، كتاب مرافق الموافق، كتاب الرياضة، كتاب النصر على مصر، كتاب كان وكان في الوعظ، كتاب خطب اللآلئ على الحروف، كتاب الناسخ والمنسوخ في الحديث، كتاب مواسم العمر، وتصانيف أخر لا يحضرني ذكرها.
стр. 12433
وجعفر في أجداده هو الجوزي، منسوب إلى فرضة من فرض البصرة يقال: لها جوزة، وفرضة النهر ثلمته، وفرضة البحر محط السفن.
وتوفي والد أبي الفرج أبو الحسن وله ثلاث سنين، وكانت له عمة صالحة، وكان أهله تجارًا في النحاس، ولهذا كتب في بعض السماعات اسمه عبد الرحمن الصفار، فلما ترعرع حملته عمته إلى ابن ناصر فاعتنى به، وقد رزق القبول في الوعظ، وحضر مجلسه الخلفاء، والوزراء والكبار، وأقل ما كان يحضر مجلس ألوف، وقيل: إنه حضر مجلسه في بعض الأوقات مائة ألف، وهذا لا أعتقده أنا، على أنه قد قال: هو ذلك، وقال غير مرة: إن مجلسه حزر بمائة ألف.
قال سبطه شمس الدين أبو المظفر (١): سمعته يقول على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني.
قال (٢): وكان يجلس بجامع القصر، والرصافة، والمنصور، وباب بدر، وتربة أم الخليفة، وكان يختم القرآن في كل أسبوع ولا يخرج من بيته إلا إلى الجمعة أو المجلس.
ثم قال (٣): ذكر ما وقع إلي من أسامي مصنفاته كتاب المغني أحد وثمانون جزءًا بخطه، إلا أنه لم يبيضه ولم يشتهر، كتاب زاد المسير، أربع مجلدات، فذكر عامة ما ذكرناه، وزاد عليه أيضًا أشياء منها: كتاب درة الإكليل في التاريخ، أربع مجلدات، كتاب الفاخر في أيام الإمام الناصر، مجلد، كتاب المصباح المضيء بفضائل المستضيء، مجلد، كتاب الفجر النوري، كتاب المجد الصلاحي، مجلد، كتاب شذور العقود، مجلد. قال: ومن علم العربية: فضائل العرب، مجلد، كتاب الأمثال، مجلد، كتاب تقويم اللسان، جزءان، كتاب لغة الفقه، جزءان، كتاب ملح الأحاديث، جزءان. قال: وكتاب المنفعة في المذاهب الأربعة، مجلدان، كتاب منهاج القاصدين، مجلدان، كتاب إحكام الأسفار بأحكام الأشعار، مجلدان، كتاب
стр. 12434
المختار من الأشعار عشر مجلدات، كتاب التبصرة في الوعظ، ثلاث مجلدات، كتاب المنتخب في الوعظ، مجلدان، كتاب رؤوس القوارير، مجلدان. إلى أن قال: فمجموع تصانيفه مائتان ونيف وخمسون كتابًا.
ومن كلامه في مجالس وعظه: عقاربُ المنايا تلسع، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة في إناء العمر يرشح بالأنفاس.
وقال لبعض الولاة: اذكر عند القدرة عدل الله فيك، وعند العقوبة، قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك.
وقال لصاحب: أنت في أوسع العذر من التأخير عني لثقتي بك، وفي أضيقه من شوقي إليك.
وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إلى المجلس، قال: لأنك تريد أن تتفرج، وإنما ينبغي أن لا تنام الليلة لأجل ما سمعت.
وقال: لا تسمع ممن يقول الجوهر والعرض، والاسم والمسمى، والتلاوة والمتْلوّ؛ لأنه شيء لا تحيط به أوهام العوام، بل قل: آمنت بما جاء من عند الله، وبما صحَّ عن رسول الله.
وقام إليه رجل فقال: يا سيّدي نشتهي منك تتكلم بكلمة ننقلها عنك، أيّما أفضل: أبو بكر أو عليّ؟ فقال له: اقعد، فقعد ثم قام وأعاد قوله، فأجلسه، ثم قام فقال له: اجلس فأنت أفضل من كل أحد.
وسأله آخر، وكان التشيّع تلك المدة ظاهرًا: أيّما أفضل، أبو بكر أو عليّ؟ فقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، ورمى بالكلمة في أودية الاحتمال، ورضي كلٌ من الشيعة والسنة بهذا الجواب المدهش.
وقرأ بين يديه قارئان فأطربا الجمع، فأنشد:
ألا يا حماميَ بطن نُعمان هجتما … عليَّ الهوى لمّا ترَّنتما ليا
ألا أيها القُمريّتان تجاوبا … بلَحْنَيْكما ثم اسجعا لي علانيا
وقال له قائل: أيما أفضل أسبِّح أو أستغفر؟ قال: الثّوب الوسخ أحوج إِلَى الصّابون من البخور.
وقال فِي قوله ﵇: " أعمار أمتّي ما بين السّتّين إلى السبعين " (١):
стр. 12435
إنمّا طالت أعمار القُدماء لطول البادية، فلمّا شارفَ الركبُ بلد الإقامة قيل حُثُّوا المَطِيّ.
وقال: من قنع طاب عَيْشُه، ومَن طمع طال طَيْشُه.
قال (١): ووعظ الخليفة فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ، خفت منك، وإن سكتُّ، خِفْت عليك، فأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك، إنّ قول القائل: اتّقِ اللَّه خيرٌ من قول القائل: أنتم أَهْل بيتٍ مغفورٌ لكم.
وقال يومًا: أَهْل البِدَع يقولون: ما فِي السّماء أحد، ولا فِي المُصْحَف قرآن، ولا فِي القبر نبيّ، ثلاث عورات لكم.
وقال فِي قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْك مصر﴾: يفتخر فِرْعَون بنهرٍ، ما أجراه، ما أجرأه، وقال وقد طرب الجمع: فهمتم فهمتم.
قال (٢): وقد ذكر العماد الكاتب جدّي فِي " الخريدة "، وأنشد له هَذِهِ الأبيات:
يَودُّ حسودي أن يرى لي زَلَّةً … إذا ما رَأَى الزّلّات جاءت أكاذيبُ
أردُّ على خصمي وليس بقادرٍ … على ردّ قولي، فهو موتٌ وتعذيبُ
تُرى أوجه الحُساد صُفرًا لرؤيتي … فإنْ فُهْتُ عادت وهي سودٌ غرابيبُ
قال (٣): وقال أيضًا:
يا صاحبي إنْ كنتَ لي أو معي … فعُجْ إِلَى وادي الحِمى نَرْتَعِ
وَسَلْ عنِ الوادي وسُكّانِه … وانشدْ فؤادي فِي رُبا لعلع
جئ كثيب الرَّمْل رمل الحِمى … وقِفْ وسَلِّمْ لي على المجمعِ
واسمعْ حديثًا قد روته الصَّبا … تُسْنِده عن بانِه الأجرعِ
وابْكِ فَمَا فِي العَين من فضلةٍ … ونُبْ فَدَتك النَّفْسُ عن مدمعي
وانزل على الشّيخ بواديهم … واشْمِمْ عُشَيْبَ البلد البلقع
стр. 12436
رِفقًا بنضوٍ قد براه الأَسَى … يا عاذلي لو كان قلبي معي
لَهَفي على طِيب ليالٍ خَلَت … عُودي تعودي مُدْنفًا قد نُعي
إذا تذكرتُ زمانًا مضى … فَوَيْحَ أجْفاني من أدمُعي
وقد نالته محنةٌ في أواخر عمره، وذلك أنهم وشوا إلى الخليفة الناصر به بأمر اختلف في حقيقته، وذلك في الصيف، فبينا هو جالس في داره في السرداب يكتب، جاءه من أسمعه غليظ الكلام وشتمه، وختم على كتبه وداره، وشتت عياله، فلما كان في أول الليل حملوه في سفينةٍ، وأحدروه إلى واسط، فأقام خمسة أيام ما أكل طعامًا، وهو يومئذ ابن ثمانين سنة، فلما وصل إلى واسط أنزل في دار وحبس بها، وجعل عليها بواب، وكان يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ، ويستقي الماء من البئر، فبقي كذلك خمس سنين، ولم يدخل فيها حمامًا.
وكان من جملة أسباب القضية أن الوزير ابن يونس قبض عليه، فتتبع ابن القصاب أصحاب ابن يونس، وكان الركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي المتهم بسوء العقيدة واصلًا عند ابن القصاب، فقال له: أين أنت عن ابن الجوزي، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرقت كتبي بمشورته، وهو ناصبي من أولاد أبي بكر، وكان ابن القصاب شيعيًا خبيثًا، فكتب إلى الخليفة، وساعده جماعة، ولبسوا على الخليفة، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السلام، فجاء إلى باب الأزج إلى دار ابن الجوزي، ودخل وأسمعه غليظ المقال كما ذكرنا، وأنزل في سفينة، ونزل معه الركن لا غير، وعلى ابن الجوزي غلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، فأحدر إلى واسط، وكان ناظرها العميد أحد الشيعة، فقال له الركن: حرسك الله، مكني من عدوي لأرميه في المطمورة، فعزّ على العميد وزبره وقال: يا زنديق أرميه بقولك؟ هات خط الخليفة، والله لو كان من أهل مذهبي لبذلتُ روحي ومالي في خدمته، فعاد الركن إلى بغداد، وكان بين ابن يونس الوزير وبين أولاد الشيخ عبد القادر عداوة قديمة، فلما ولي الوزارة، ثم أستاذية الدار بدد شملهم، وبعث ببعضهم إلى مطامير واسط، فماتوا بها، وأهين الركن بإحراق كتبه النجومية.
стр. 12437
وكان السبب في خلاص ابن الجوزي أن ابنه محيي الدين يوسف ترعرع وقرأ الوعظ، وطلع صبيًا ذكيًا، فوعظ، وتكلمت أم الخليفة في خلاص ابن الجوزي فأطلق، وعاد إلى بغداد، وكان يقول: قرأت بواسط مدة مقامي بها كل يوم ختمة، ما قرأت فيها سورة يوسف من خزني على ولدي يوسف وشوقي إليه، وكان يكتب إلى بغداد أشعارًا كثيرة.
وذكره شيخنا ابن البزوري، فأطنب في وصفه، وقال: فأصبح في مذهبه إمامًا يشار إليه، ويعقد الخنصر في وقته عليه، ودرس بمدرسة ابن الشمحل، ودرس بالمدرسة المنسوبة إلى الجهة بنفشا المستضيئية، ودرس بمدرسة الشيخ عبد القادر، وبنى لنفسه مدرسة بدرب دينار، ووقف عليها كتبه، برع في العلوم، وتفرد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء مصره، وعلا على فضلاء دهره، له التصانيف العديدة، سئل عن عددها فقال: زيادة على ثلاث مائة وأربعين مصنفًا، منها ما هو عشرون مجلدًا، ومنها ما هو كراس واحد، ولم يترك فنًا من الفنون إلا وله فيه مصنف، كان أوحد زمانه، وما أظن الزمان يسمح بمثله، ومن مؤلفاته كتاب المنتظم، وكتابنا ذيلٌ عليه.
قال: وكان إذا وعظ اختلس القلوب، وشققت النفوسُ دون الجيوب.
إلى أن قال: توفي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وصلى عليه الخلق العظيم الخارج عن الحد، وشيعوه إلى مقبرة باب حرب، وكان يومًا شديد الحر، فأفطر من حره خلق كثير، وأوصى أن يكتب على قبره:
يا كثير الصَّفْح عمَّن … كثُر الذنبُ لديهِ
جاءك المذنب يرجو ال … عفو عن جرم يديه
أنا ضيفٌ وجزاءُ الضي … ف إحْسَانٌ إليهِ
وقال سِبْطه أبو المظفَّر (١): جلس ﵀ يوم السّبت سابع رمضان تحت تربة أمّ الخليفة المجاورة لمعروف الكَرْخيّ (٢)، وكنتُ حاضرًا، وأنشد أبياتًا قطع عليها المجلس، وهي:
стр. 12438
اللَّه أسالُ أن يُطوِّلَ مُدَّتي … وأنَالَ بالأنعام ما فِي نيَّتي (١)
لي همةٌ فِي العِلْم ما من مِثْلها … وهي الّتي جَنَت النُّحُولَ هِيَ الّتي
كم كان لي من مجلسٍ لو شُبِّهَتْ … حالاتُه لتشبَّهَتْ بالجنَّةِ
فِي أبيات.
ونزل، فمرض خمسة أيّام، وتُوُفّي ليلة الجمعة بين العشاءين في الثالث عشر من رمضان في داره بقطفتا. وحدثتني والدتي أنها سمعته يقول قبل موته: أيش أعمل بطواويس، يردّدها، قد جبتم لي هَذِهِ الطّواويس، وحضر غسْله شيخنا ضياء الدّين ابن سُكَيْنة، وضياء الدّين ابن الحبير (٢) وقت السَّحَر، واجتمع أَهْل بغداد، وغُلِّقت الأسواق، وشدَدنا التّابوت بالحبال، وسلّمناه إِلَى النّاس، فذهبوا به إلى تحت التربة، مكان جلوسه، فصلّى عليه ابنه عليّ اتّفاقًا؛ لأنّ الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثُمَّ صلّوا عليه بجامع المنصور، وكان يومًا مشهودًا، لم يصل إِلَى حُفْرته بمقبرة أَحْمَد بْن حنبل إِلَى وقت صلاة الجمعة، وكان فِي تمّوز، فأفطر خلقٌ، ورموا نفوسهم فِي الماء.
قال (٣): وما وصل إِلَى حُفْرته من الكَفَن إلّا قليل.
قلت: وهذا من مجازفة أَبِي المظفّر.
قال: ونزل فِي حُفرته والمؤذّن يقول: اللَّه أكبر، وحزن النّاسُ وبكوا عليه بُكاءً كثيرًا وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشَّمْع، ورآه فِي تلك الليلة المحدّث أَحْمَد بْن سلمان الحربيّ الملقب بالسكر
стр. 12439
على مِنْبرٍ من ياقوت مُرَصَّع بالجوهر، والملائكة جلوسٌ بين يديه والحق حاضرٌ، يسمع كلامه، وأصبحنا عملنا عزاءهُ، وتكلَّمت يومئذٍ، وحضر خلْقٌ عظيم، وقام عَبْد القادر العلويّ، وأنشد هَذِهِ القصيدة:
الدّهْرُ عن طمعٍ يُغر ويخدع … وزخارف الدّنيا الدّنيَّة تطمعُ
وأَعِنَّة الآمال يُطلقها الرجا … طَمَعًا وأسيافُ المنيَّة تقطعُ
والموت آتٍ والحياة مريرة … والنّاس بعضهم لبعضٍ يتبعُ
واعلم بأنَّك عن قليلٍ صائرٌ … خبرًا فكن خبرًا لخير يسمعُ
لعُلا أَبِي الفَرَج الَّذِي بعد التُقى … والعِلم يوم حواه هَذا المضجعُ
حَبْرٌ عليه الشَّرْع أصبح والهًا … ذا مقلةٍ حَرَّى عليه تدمعُ
مَنْ للفتاوى المشكلات وحلّها … مَن ذا لخرقِ الشّرعِ يومًا يرقعُ
مَن للمنابر أن يقوم خطيبها … ولِرَدّ مسألةٍ يقول فيسمعُ
مَن للجدال إذا الشفاهُ تقلّصتْ … وتأخّر القَرْم الهِزَبْرُ المِصْقَعُ
مَن للدياجي قائمًا دَيْجورَها … يتلو الكتاب بمقلةٍ لا تهجعُ
أَجَمال دين مُحَمَّدٍ مات التقى … والعلمُ بعدك واستحم المجمعُ
يا قبره جادتْك كلّ غمامةٍ … هطالةٍ ركانة لا تقلعُ
فيك الصَّلاة مع الصَّلات فَتِهْ به … وانظر به باريك ماذا يصنعُ
يا أحمدًا خُذْ أحمدَ الثّاني الّذي … ما زال عنك مدافعًا لا يرجعُ
أقسمت لو كُشِفَ الغطاء لرأيتمُ … وَفْدَ الملائك حولَه يتسرّعوا
ومحمدٌ يبكي عليه وآله … خيرُ البريَّة والبَطِين الأنزعُ
فِي أبيات.
ومن العجائب أنّا كنّا يومئذٍ بعد انقضاء العزاء عند القبر، وَإِذَا بخالي مُحيي الدّين يوسف قد صعِد من الشّطّ، وخلفه تابوت، فقلنا: ترى مَن مات فِي الدّار؟ وَإِذَا بها خاتون والدة محيي الدّين، وعهدي بها ليلة الجمعة فِي عافية، وهي قائمة، فكان بين موتهما يومٌ وليلة، وعَدَّ النّاسُ ذلك من كراماته؛ لأنه كان مغرى بها محبا.
وخلف من الولد علِيًّا، وهو الّذي أَخَذَ مصنَّفات والده وباعها بيعَ العبيد، ومَن يزيد، ولمّا أُحدِر والده إِلَى واسط تحيَّل على كُتُبه باللّيل، وأخذ منها ما
стр. 12440
أراد، وباعها ولا بثمن المداد، وكان أبوه قد هجره منذ سنين، فلما امتحن صار إلبًا عليه، ومات أبوه ولم يشهد موته. وخلف محيي الدين يوسف، وكان قد ولد سنة ثمانين وخمس مائة، وسمع الكثير، وتفقه، وناظر، ووعظ تحت تربة والدة الخليفة، وقامت بأمره أحسن قيام، وولي حسبة بغداد سنة أربع وستمائة، ثم ترسل عن الخلفاء، وتقلبت به الأحوال حتى بلغ أشرف مآل إلى سنة أربعين وستمائة، ثم ولي أستاذ دارية الخلافة.
وكان لجدي (١) ولد اسمه عبد العزيز، وهو أكبر أولاده، سمع معه من ابن ناصر، وأبي الوقت، والأرموي، وسافر إلى الموصل، فوعظ بها سنة بضعٍ خمسين، وحصل له القبول التام، ومات بها شابًا، وكان له بنات منهن أمي رابعة، وشرف النساء، وزينب، وجوهرة، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصغرى.
قلت: ومع تبحر ابن الجوزي في العلوم، وكثرة اطلاعه، وسعة دائرته، لم يكن مبرزًا في علم من العلوم، وذلك شأن كل من فرق نفسه في بحور العلم، ومع أنه كان مبرزًا في التفسير، والوعظ، والتاريخ، ومتوسطًا في المذهب، متوسطًا في الحديث، له اطلاع تام على متونه، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه، فما له فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحُفاظ المبرّزين، فإنه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة، مع كونه كثير السياق لتلك الأحاديث في الموضوعات، والتحقيق أنه لا ينبغي الاحتجاج بها، ولا ذكرها في الموضوعات، وربما ذكر في الموضوعات أحاديث حسانًا قوية.
ونقلتُ من خط السيف أحمد ابن المجد، قال: صنف ابن الجوزي كتاب الموضوعات، فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل، ومما لم يصب فيه إطلاق الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو ليس بالقوي، أو لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا حجة بأنه موضوع، سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وهذا عدوان ومجازفة، وقد كان أحمد بن حنبل يقدم الحديث الضعيف على القياس.
стр. 12441
قال: فمن ذلك أنه أورد حديث محمد بن حِمْيَر السَّليحي، عن محمد بن زياد الألهانيّ، عن أبي أُمامة في فضل قراءة آية الكُرسيّ في الصلوات الخمس، وهو: من قرأ آية الكُرسيّ دُبُرَ كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت، وجعله في الموضوعات (١)، لقول يعقوب بن سُفيان (٢) محمد بن حِمْير ليس بالقوي، ومحمد هذا قد روى البخاريّ في صحيحه، عن رجلٍ، عنه، وقد قال ابن مَعين (٣): إنه ثقة، وقال أحمد بن حنبل (٤): ما عَلِمت إلاّ خيرًا (٥).
قال السيف: وهو كثير الوهم جداّ، فإنّ في مشيخته مع صِغَرها وَهْمٌ في مواضع، قال في الحديث التاسع وهو اهتزاز العرش: أخرجه البخاري (٦)، عن محمد بن المثنّى، عن الفضل بن هشام، عن الأعمش. قلت: والفضل إنما هو ابن مساور رواه عن أبي عَوَانَة، عن الأعمش، لا عن الأعمش نفسه. والحادي والعشرين، قال: أخرجه البخاري، عن ابن منير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وإنما يرويه ابن منير، عن أبي النّضر، عن عبد الرحمن، والسادس والعشرين فيه: أَخْبَرَنَا أبو العبّاس أحمد بن محمد الأثرم، وإنما هو محمد بن أحمد، والثاني والثلاثين، قال: أخرجه البخاري، عن الأُوَيْسيّ، عن إبراهيم بن سعْد، عن الزُّهريّ، وإنما هو عن ابن سعْد، عن صالح، عن الزُّهريّ، وفي التاسع والأربعين: حَدَّثَنَا قتيبة، قَالَ: أخبرنا خالد بن إسماعيل، وإنما هو حاتم بن إسماعيل، وفي الثاني والسبعين: أَخْبَرَنَا أبو الفتح محمد بن علي العشاري، وإنما هو أبو طالب محمد بن علي بن الفتح، وفي الرابع
стр. 12442
والثمانين: عن حميد بن هلال، عن عفان بن كاهل، وإنما هو هصان، وفي الحديث الثاني: أخرجه البخاري، عن أحمد بن أبي إياس، وإنما هو آدم، قال لنا شيخنا أبو عبد الله الحافظ: كتبتُ المشيخة من فرعٍ، فإذا فيها أحمد، فاستنكرته، فراجعتُ الأصل، فإذا هو أيضًا على الخطأ، وذكر وفيات بعض شيوخه وقد خولف كيحيى بن ثابت، وابن خضير، وابن المقرب، وهذه عدة عيوب في كراريس قليلة، وسمعتُ أبا بكر محمد بن عبد الغني ابن نُقطة، يقول: قيل لأبي محمد بن الأخضر: ألا تجيب ابن الجوزي عن بعض أوهامه؟ قال: إنما يتتبع على من قل غلطه، فأما هذا فأوهامه كثيرة، أو نحو هذا.
قلت: وذلك لأنه كان كثير التأليف في كل فن فيصنف الشيء ويُلقيه، ويتكل على حفظه.
قال السيف: ما رأيت أحدًا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيًا عنه، قال جدي ﵀: كان أبو المظفر بن حمدي أحد العدول، والمشار إليهم ببغداد ينكر على ابن الجوزي كثيرًا كلماتٍ يخالف فيها السنة.
قال السيف: وعاتبه الشيخ أبو الفتح ابن المني في بعض هذه الأشياء التي حكيناها عنه، ولما بان تخليطه أخيرًا رجع عنه أعيان أصحابنا الحنابلة، وأصحابه وأتباعه، سمعت أبا بكر ابن نقطة في غالب ظني يقول: كان ابن الجوزي يقول: أخاف شخصين: أبا المظفر بن حمدي، وأبا القاسم ابن الفراء، فإنهما كانا لهما كلمة مسموعة، وكان الشيخ أبو إسحاق العلثي يكاتبه ويُنكر عليه، سمعت بعضهم ببغداد أنه جاءه منه كتاب يذمه فيه، ويعتب عليه ما يتكلم به في السنة.
قلت: وكلامه في السنة مضطرب، تراه في وقت سنيًا، وفي وقت متجهمًا محرفًا للنصوص، والله يرحمه ويغفر له.
وقرأتُ بخط الحافظ ابن نقطة قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن الحاكم بواسط قال: لما انحدر الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي إلى واسط قرأ على أبي كر ابن الباقلاني بكتاب الإرشاد لأجل ابنه، وقرأ معه ابنه يوسف.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصورة، حلو
стр. 12443
الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكهة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، ولا يضيع من زمانه شيئًا، يكتب في اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدًا إلى ستين.
وله في كل علم مشاركة، لكنه في التفسير من الأعيان، وفي الحديث من الحفاظ، وفي التواريخ من المتوسعين، ولديه فقه كافٍ، وأما السجع الوعظي فله فيه ملكة قوية، إن ارتجل أجاد، وإن روى أبدع، وله في الطب كتاب اللقط، مجلدان، وله تصانيف كثيرة، وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة أكثر مما يراعي قوة بدنه ونيل لذته، جل غذائه الفراريج والمزورات، ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس، الأبيض الناعم المطيب، ونشأ يتيمًا على العفاف والصلاح، وله ذهن وقاد، وجوابٌ حاضر، ومجون لطيف، ومُداعبات حلوة، وكانت سيرته في منزله المواظبةُ على القراءة والكتابة، ولا ينفك من جارية حسناء في أحسن زي، لا تلهيه عما هو فيه، بل تعينه عليه وتقويه.
وقرأت بخط الموقاني أن أبا الفرج كان قد شرب حب البلاذر - على ما قيل - فسقطت لحيته، فكانت قصيرة جدًا، وكان يخضبها بالسواد إلى أن مات.
ثم عظمه وبالغ في وصفه، ثم قال: ومع هذا فهو كثير الغلط فيما يصنفه، فإنه كان يصنف الكتاب ولا يعتبره ﵀ وتجاوز عنه.
٣٧٦ - عبد الرحمن بن أبي الكرم محمد بن أبي ياسر هبة الله، عرف بابن ملاح الشط.
سمع ابن الحصين، وأبا الحسن علي ابن الزاغوني، وأبا غالب ابن البناء، وأبا البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبا بكر الأنصاري، وجماعة.
وكان شيخًا صالحًا معمرًا، محبًا للرواية، وصار بوابًا لمدرسة والدة الناصر لدين الله.
روى عنه: ابن خليل، وابن النجار، والضياء، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدائم، وأجاز لابن أبي الخير، والقطب أحمد بن أبي عصرون، وسعد الدين الخضر بن حمويه، وطائفة آخرهم الشيخ الفخر.
стр. 12444
توفي في الخامس والعشرين من صفر في عشر المائة (١).
٣٧٧ - عبد الصمد بن جوشن بن المفرج، أبو محمد التنوخي، الدمشقي، القواس، الفقيه الشافعي.
سمع أبا الدر ياقوت بن عبد الله الرومي.
روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي.
وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في ثالث المحرم (٢).
٣٧٨ - عبد المحسن بن أحمد بن عبد الوهاب، أبو منصور الأزجي، البزاز، المعروف بالزابي.
سمع أبا البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبا الفضل عبد الملك بن محمد بن يوسف، وأبا سعد أحمد بن محمد البغدادي، روى عنه ابن خليل، وغيره، وأجاز لابن أبي الخير.
توفي في رجب (٣).
٣٧٩ - عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد، أبو محمد ابن الفرس الأنصاري، الخزرجي، الغرناطي، الفقيه المالكي.
سمع أباه، وجده أبا القاسم، وتفقه وكتب أصول الفقه والدين وبرع، وكان مولده في سنة أربع وعشرين وخمس مائة تقريبًا.
ذكره أبو عبد الله الأبار في التكملة (٤)، فقال: سمع أبا الوليد بن بقوة، وأبا محمد بن أيوب، وأبا الوليد ابن الدباغ، وأبا الحسن بن هذيل، وأخذ عنه القراءات، وأجاز له خلق منهم: أبو الحسن بن موهب، وأبو عبد الله بن مكي، وأبو الحسن بن الباذش، وأبو القاسم بن بقي، وكان له تحقق بالعلوم على تفاريقها، وأخذ في كل فن منها، وتقدم في حفظ الفقه، مع المشاركة في علم الحديث، والعكوف على العلم، سمعت أبا الربيع بن سالم يقول: سمعتُ
стр. 12445
أبا بكر ابن الجد، وناهيك به، يقول غير مرة: ما أعلم بالأندلس أحفظ لمذهب مالك بن عبد المنعم بن الفرس بعد أبي عبد الله بن زرقون، وبيته عريق في العلم.
قال الأبار (١): وألف عبد المنعم كتابًا في أحكام القرآن من أحسن ما وضع في ذلك، حدث عنه جلة شيوخنا وأكابر أصحابنا، وقال أبو عبد الله التجيبي، وذكر عبد المنعم ابن الفرس: رأيت من حفظه وذكائه وتفننه في العلوم عند رحلتي إلى أبيه ما عجبت منه، وأنشدني كثيرًا من نظمه، واضطرب قبل موته بيسير لاختلال أصابه في صدر سنة خمس وتسعين وخمس مائة من علة خدرٍ طاولته، فترك الأخذ عنه إلى أن توفي في رابع جمادى الآخرة سنة سبع، وشيعه أمم، وكسر الناس نعشه وتقسموه رحمه الله تعالى.
قلت: روى عنه إسماعيل بن يحيى الغرناطي العطار، وعبد الغني بن محمد الغرناطي، وأبو الحسين يحيى بن عبد الله الداني الكاتب، وآخرون، وسمع منه الشرف المرسي موطأ مالك.
٣٨٠ - عبد الواحد بن مسعود بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد، أبو غالب ابن الشيخ الأجل أبي منصور بن الحصين الشيباني، نظام الدين البغدادي الكاتب.
ولد سنة خمس وثلاثين وخمس مائة، وروى عن أبي الوقت، وأبي الكرم الشهرزوري، وجماعة.
وحدث بالشام ومصر، وتوفي في رمضان بحلب (٢).
وكان قد ولي ديوان دمشق، وضيق على الأمير أسامة بن منقذ في جامكيته (٣) فقال:
أضحى أسامة خاضعًا متذللًا … لابن الحصين لبلغةٍ من زاده
فاعجب لدهر جائر في حكمه … تسطو ثعالبه على آساده
٣٨١ - علي بن أحمد بن وهب، الأزجي، البزاز.
стр. 12446
سمع ابن ناصر، وأبا الفضل الأرموي، والكروخي، وتوفي في جمادى الآخرة.
وكان فقيهًا، صحب الشيخ عبد القادر، وصار أحد المعيدين لدرسه (١).
٣٨٢ - علي بن محمد بن الحسن ابن الطيب، أبو القاسم القرشي، الزهري، الكوفي، المعدل.
سمع أبا البركات عمر بن إبراهيم الزيدي، وأحمد بن ناقة، وتوفي في ربيع الأول، ويعرف بابن غنج.
روى عنه الدبيثي (٢).
٣٨٣ - عمر بن أحمد بن حسن بن علي بن بكرون، أبو حفص النهرواني، ثم البغدادي، المقرئ المعدل.
قرأ القراءات على أبي الكرم الشهرزوري، وسمع أبا الفضل الأرموي، والفضل بن سهل الإسفراييني، وابن ناصر.
وولي خزن الديوان العزيز.
روى عنه ابن خليل، وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وتوفي في رجب (٣).
٣٨٤ - عمر بن عبد الكريم بن أبي غالب، الحربي الحمامي.
حدث عن عبد الله بن أحمد بن يوسف.
وعنه ابن خليل، وبالإجازة: ابن أبي الخير.
توفي في شعبان (٤).
٣٨٥ - عمر بن علي بن عمر، أبو علي الحربي، الواعظ، عرف بابن النوام.
كان له لسان في الوعظ، وقول الشعر.
سمع هبة الله بن الحُصين، وأبا الحسين ابن الفراء، وأبا بكر الأنصاري، روى عنه ابن خليل، والدبيثي (٥)،
стр. 12447
والضياء محمد، وابن عبد الدائم، وآخرون، وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر علي.
ولد في صفر سنة أربع عشرة وخمس مائة، وتوفي في وسط شوال.
٣٨٦ - عمر بن محمد بن أبي الجيش، أبو محمد الهمذاني، الصوفي.
له ببلده رباط يخدم فيه الواردين، سمع أبا المعالي محمد بن عثمان المؤدب، وأبا العلاء الحافظ (١).
٣٨٧ - عوض بن عبد الرحمن بن علي، البزاز، عرف بالمشهدي.
حدث عن أبي البركات بن حبيش، روى عنه الدبيثي، وابن خليل، ومات في المحرم (٢).
٣٨٨ - عيسى بن نصر بن منصور، النميري أبو محمد، الشاعر ابن الشاعر.
كان من شعراء الديوان العزيز، وشعره جيد.
مات في رمضان (٣).
٣٨٩ - فضائل بن فضائل، المقدسي، المرداوي، الفقيه.
توفي بالموصل.
٣٩٠ - قراقوش، الأمير بهاء الدين الأسدي، الخادم الأبيض، فتى أسد الدين شيركوه.
لما استقل السلطان صلاح الدين بمصر جعله زمام القصر، وكان مسعودًا، ميمون النقيبة، صاحب همة، بنى السور المحيط بمصر والقاهرة، وبنى قلعة الجبل، وبنى قناطر الجيزة في الدولة الصلاحية، ولما فتح صلاح الدين عكا سلمها إليه، فلما أخذتها الفرنج حصل قراقوش أسيرًا في أيديهم، فافتكه منهم بعشرة آلاف دينار فيما قيل، وله حقوق على السلطان والإسلام.
стр. 12448
وللأسعد بن مماتي كراس سماه الفاشوش في أحكام قراقوش فيه أشياء مكذوبة عليه، وما كان صالح الدين ليستنيبه لولا وثوقه بعقله ومعرفته.
توفي ﵀ في رجب، ودفن بسفح المقطم.
قال المنذري (١): كانت له رغبة في الخير وآثار حسنة، وناب عن صلاح الدين مدة بالديار المصرية.
٣٩١ - محمد بن أحمد بن صالح بن المصحح، أبو الفضل الدقاق، الأزجي، ويسمى أيضًا المبارك.
سمع مجلسًا من ابن الحصين سنة أربع وعشرين، ولم يسمع منه أحد، لكن استجازه ابن النجار فأجاز له.
قال: وظفرت بسماعه بعد موته بثلاثين سنة، وكان شيخًا حسنًا متيقظًا، عاش إحدى وثمانين سنة.
٣٩٢ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمران (٢)، أبو بكر الغافقي، الأندلسي، من أهل المرية.
له مصنف حسن في الشروط، روى عن الحسن بن موهب الجذامي، وأبي القاسم بن ورد، وأبي الحسن بن معدان، وجماعة.
توفي في صفر (٣).
٣٩٣ - محمد بن أحمد بن عبد الله، أبو عبد الله الأصبهاني، الفارفاني، وفارفان: من قرى أصبهان.
ولد سنة أربع عشرة وخمس مائة، وسمع حضورًا من عبد الواحد الدشتي، صاحب أبي نعيم الحافظ، وسمع من فاطمة الجوزدانية.
وأخته عفيفة أسنّ منه بأربع سنين.
روى عنه بالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وغيره.
وتوفي في رمضان (٤).
٣٩٤ - محمد بن أحمد بن حامد، الربعي، الضميري، الدمشقي، البزاز.
стр. 12449
روى عن أبي الدر ياقوت الرومي، وكان ثقة دينًا، روى عنه ابن خليل، والقوصي، وغيرهما (١).
٣٩٥ - محمد بن إدريس بن أحمد بن إدريس، الشيخ أبو عبد الله العجلي الحلي، فقيه الشيعة وعالم الرافضة في عصره.
كان عديم النظير في علم الفقه، صنف كتاب الحاوي لتحرير الفتاوي، ولقبه بكتاب السرائر، وهو كتاب مشكور بين الشيعة، وله كتاب خلاصة الاستدلال، وله منتخب كتاب التبيان (٢) فقه، وله مناسك الحج، وغير ذلك في الأصول والفروع، قرأ على الفقيه راشد بن إبراهيم، والشريف شرف شاه.
وكان بالحلة، وله أصحاب وتلامذة، ولم يكن للشيعة في وقته مثله، ولبعضهم فيه قصيدة يفضله فيها على محمد بن إدريس الشافعي ﵁، وما بينهما أفعل التفضيل.
٣٩٦ - محمد بن الحسين بن عباس.
فقير بغدادي صالح، حدث عن أبي بكر الأنصاري، وتوفي في المحرم (٣).
٣٩٧ - محمد بن أبي زيد بن حمد بن أبي نصر، أبو عبد الله الأصبهاني، الكراني، الخباز.
شيخ معمر عالي الإسناد، رحلة الوقت، ولد سنة سبع وتسعين وأربع مائة، وكمل مائة سنة، وسمع أبا علي الحداد، وفاطمة الجوزدانية، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي، روى عنه سائر معجم الطبراني الكبير، بسماعه من ابن فاذشاه، عن المؤلف، روى عنه أبو موسى عبد الله بن عبد الغني، وبدل التبريزي، ويوسف بن خليل، وإسماعيل بن ظفر، وجماعة، وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، والفخر علي، وتوفي في ثالث شوال.
وكران: محلة بأصبهان (٤).
стр. 12450
٣٩٨ - محمد بن أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن عبد الله ابن الحافظ أبي محمد الحسن بن محمد الخلال، أبو الحسن البغدادي، الوكيل الحاجب.
روى عن أبي الفضل الأرموي، وغيره، وعنه أبو عبد الله ابن النجار، وقال: كان ساكنًا متواضعًا، توفي في ذي الحجة (١).
٣٩٩ - محمد بن علي بن أحمد بن سراج، أبو الفتح البغدادي، البيع، سبط أبي المظفر الصباغ.
شاهد جميل السيرة، دين، سمع من عم جده أبي القاسم علي ابن الصباغ، والأرموي، وعمر بن ظفر، روى عنه ابن النجار، وأثنى عليه، وقال: مات في المحرم (٢).
٤٠٠ - محمد بن أبي القاسم علي بن إبراهيم، أبو الحسن البغدادي الكاتب.
ولد سنة ثلاث وعشرين، وسمع من قاضي المرستان أبي بكر، وإسماعيل ابن السمرقندي، ويحيى ابن البناء، يحيى ابن الطراح.
وولي نظر أوانا مدة.
روى عنه الدبيثي (٣)، وابن النجار، وحفيده محمد بن الكريم، وغيره.
وتوفي سنة سبع وتسعين في جمادى الآخرة، وكان من الأدباء الظرفاء اللطفاء، نسخ كثيرًا من مسموعاته ومن كتب الأدب، وله مجموع كبير في عشرين مجلدة، وكان صدوقًا.
٤٠١ - محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله، الإمام العلامة، المنشئ، البليغ، الوزير، عماد الدين، أبو عبد الله الأصبهاني، الكاتب، المعروف قديمًا بابن أخي العزيز.
ولد بأصبهان سنة تسع عشرة وخمس مائة، وقدم بغداد وهو ابن عشرين سنة أو نحوها.
ونزل بالنظامية، وتفقه وبرع في الفقه على أبي منصور سعيد
стр. 12451
ابن الرزاز، وأتقن الخلاف، والنحو، والأدب، وسمع من ابن الرزاز، وأبي منصور بن خيرون، وأبي الحسن علي بن عبد السلام، والمبارك بن علي السمذي، وأبي بكر بن الأشقر، وأبي القاسم علي ابن الصباغ، وطائفة، وأجاز له أبو القاسم بن الحصين، وأبو عبد الله الفراوي، ورجع إلى أصبهان سنة ثلاثٍ وأربعين، وقد برع في العلوم، فسمع بها، وقرأ الخلاف على أبي المعالي الوركاني، ومحمد بن عبد اللطيف الخجندي، ثم عاد إلى بغداد، وتعانى الكتابة والتصرف، وسمع بالثغر من السلفي، وغيره.
روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي، والخطير فتوح بن نوح الخويي، والعز عبد العزيز بن عثمان الإربلي، والشرف محمد بن إبراهيم بن علي الأنصاري، والتاج القرطبي، وآخرون، وبالإجازة أحمد بن أبي الخير، وغيره.
وأله اسم فارسي معناه العقاب.
ذكره ابن خلكان (١)، وقال: كان شافعيًّا، تفقه بالنظامية، وأتقن الخلاف وفنون الأدب، وله من الشعر والرسائل ما هو مشهور، ولما مهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه نظر البصرة، ثم نظر واسط، فلما توفي الوزير ضعف أمره، فانتقل إلى دمشق فقدمها في سنة اثنتين وستين وخمس مائة، فتعرف بمدبر الدولة القاضي كمال الدين الشهرزوري، واتصل بطريقه بالأمير نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، وكان يعرف عمه العزيز من قلعة تكريت، فأحسن إليه، ثم استخدمه كمال الدين عند نور الدين في كتابة الإنشاء، قال العماد: وبقيت متحيرًا في الدخول فيما ليس من شأني، ولا تقدمت لي به دربة، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه، وصار منه ما صار، وكان ينشئ بالعجمية أيضًا، وترقت منزلته عند السلطان نور الدين، وأطلعه على سره، وسيره رسولًا إلى بغداد في أيام المستنجد، وفوض إليه تدريس المدرسة المعروفة بالعمادية بدمشق في سنة سبع وستين، ثم رتبه في إشراف الديوان في سنة ثمان، فلما توفي نور الدين وقام ولده ضويق من الذين حوله وخوف، إلى أن ترك ما هو فيه، وسافر إلى العراق، فلما وصل
стр. 12452
إلى الموصل مرض، ثم بلغه خروج السلطان صلاح الدين من مصر لأخذ دمشق، فعاد إلى الشام في سنة سبعين، وصلاح الدين نازل على حلب، فقصده ومدحه، ولزم ركابه، وهو مستمر على عطلته، إلى أن استكتبه واعتمد عليه، وقرب منه حتى صار يضاهي الوزراء.
وكان القاضي الفاضل ينقطع عن خدمة السلطان على مصالح الديار المصرية، فيقوم العماد مقامه.
وله من المصنفات كتاب خريدة القصر وجريدة العصر، جعله ذيلًا على زينة الدهر لأبي المعالي سعد بن علي الحظيري، وزينة الدهر ذيل على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، والدمية ذيل على يتيمة الدهر للثعالبي، واليتيمة ذيل على كتاب البارع لهارون بن علي المنجم، فذكر العماد في كتابه الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وجمع شعراء العراق، والعجم، والشام والجزيرة، ومصر، والمغرب، وهو في عشر مجلدات.
وله كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات، وإنما سماه البرق الشامي لأنه شبه أوقاته في الأيام النورية والصلاحية بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها، وصنف كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي في مجلدين، وصنف كتاب السيل والذيل، وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة الفطرة في أخبار بني سلجوق ودولتهم، وله ديوان رسائل كبير، وديوان شعر في أربع مجلدات، وديوان جميعه دوبيت، وهو صغير.
وكان بينه وبين القاضي الفاضل مخاطبات ومحاورات ومكاتبات، قال مرة للفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، فقال له: دام علا العماد، وذلك مما يقرأ مقلوبًا وصحيحًا.
قال ابن خلكان (١): ولم يزل العماد على مكانته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين، فاختلت أحواله، ولم يجد في وجهه بابًا مفتوحًا، فلزم بيته وأقبل على تصانيفه، وأله: معناه بالعربي العُقاب، وهو بفتح الهمزة، وضم اللام، وسكون الهاء، وقيل: إن العقاب جميعه أنثى، وإن الذي يسافده طائر من غير جنسه، وقيل: إن الثعلب هو الذي يسافده، وهذا من العجائب، قال ابن عنين في ابن سيده:
стр. 12453
ما أنت إلا كالعُقاب فأمه … معروفةً وله أبٌ مجهولُ
وقال الموفق عبد اللطيف: حكى لي العماد من فلق فيه، قال: طلبني كمال الدين لنيابته في ديوان الإنشاء، فقلت: لا أعرف الكتابة، فقال: إنما أريد منك أن تثبت ما يجري فتخبرني به، فصرتُ أرى الكتب تكتب إلى الأطراف، فقلت لنفسي: لو طلب مني أن أكتب مثل هذا ماذا كنت أصنع؟ فأخذتُ أحفظ الكتب وأحاكيها، وأروض نفسي فيها، فكتبتُ كتبًا إلى بغداد، ولا أطلع عليها أحدًا، فقال كمال الدين يومًا: ليتنا وجدنا من يكتب إلى بغداد ويريحنا، فقلت: أنا أكتب إن رضيت، فكتبت وعرضت عليه، فأعجبه فاستكتبني، فلما توجه أسد الدين إلى مصر في المرة الثالثة صحبته.
قال الموفق: وكان فقهه على طريقة أسعد الميهني، ومدرسته تحت القلعة، ويوم يدرس تتسابق الفقهاء لسماع كلامه وحسن نكته، وكان بطيء الكتابة، ولكن دائم العمل، وله توسع في اللغة، ولا سعة عنده في النحو، وتوفي بعدما قاسى مهانات ابن شكر، وكان فريد عصره نظمًا نثرًا، وقد رأيته في مجلس ابن شكر مزحومًا في أخريات الناس.
وقال زكي الدين المنذري (١): كان جامعًا للفضائل: الفقه، الأدب، والشعر الجيد، وله اليد البيضاء في النثر والنظم، وصنف تصانيف مفيدة.
قال: وللسلطان الملك الناصر معه من الإغضاء والتجاوز والبسط وحسن الخلق ما يتعجب من وقوع مثله من مثله، توفي في مستهل رمضان بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية.
أنبأنا أحمد بن سلامة، عن محمد بن محمد الكاتب، قَالَ: أَخْبَرَنَا علي بن عبد السيد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو محمد الصريفيني، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن حبابة، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو القاسم البغوي، قَالَ: حَدَّثَنَا علي بن الجعد (٢)، قَالَ: أَخْبَرَنَا شعبة، عن أبي ذبيان، واسمه خليفة بن كعب، قال: سمعت ابن الزبير يقول:: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعتُ عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 12454
من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، رواه البخاري (١)، عن علي بن الجعد مثله.
ومن شعره في قصيدة:
يا مالِكًا رِقّ قلبي … أراكَ ما لَكَ رِقَّهْ
ها مُهجتي لك خُذْها … فإنّها مستحِقَّهْ
فدَتْكَ نفسي برفقٍ … فمّا أطيق المشقَّهْ
ويا رشيقًا أتتني … من سهم عينيه رَشْقَهْ
لِصارِم الْجَفْنِ منهُ … فِي مُهجتي ألفُ مشقه
وخصره مثل معنى … بلاغي فِيهِ دِقَّهْ
وله:
كتبتُ والقلب بين الشَّوق والكمد … والعين مطروفة بالدمع والسهد
وفي الحشى لفحة للوجْد مُحرِقة … مَتَى تجدْ نفحةً من أرضكم تقدِ
يا رائدًا وهو سارِ فِي الظّلام سنًا … وطالبًا فِي الهجير الوِردَ وهو صَدِ
ها مهجتي فاقتبِس من نارها ضرمًا … ومُقْلتي فاغترف من مائها وِردِ
يا مَن هُوَ الرّوحُ بل روحُ الحياةِ … ولا بقاء بعد فِراق الرّوح للجسدِ
حاولتَ نقْضَ عهودٍ صُنتُها ولكم … أردتَ فِي الحبّ سُلْوانًا ولم أردِ
واهًا لحاضرةٍ فِي القلب غائبةٍ … عن ناظري من هواها ما خلا جلدي
قويَّة البطْش باللحظ الضعيف وبالخصـ … ـر النحيف وكل مضعف جسدي
لا غَرو إن سحرت قلبي بمقلتها … نفاثة بفنون السحر في العقد
بالطرف في كحل، بالعطف فِي ميل … بالخدِّ فِي خجلٍ، بالقدِّ فِي ميدِ
بالرّاح مُرْتَشِفًا، بالورد مقتطفًا … بالغُصن منعطفًا، بالثّغر كالبَرَدِ
لا جلتُ يومًا ولا أبصرتُ من شغفٍ … ضلالتي فِي الهوى إلّا مِن الرشَدِ
وله:
كالنَّجْم حين هدا كالدّهر حين عدا … كالصُّبْح حين بدا كالعَضْب حين برا
في الحكم طود علا، في الحلم بحر نُهى … فِي الجودِ غَيث ندا، فِي البأس لَيْث شرا
стр. 12455
أنبأني ابن البُزُوريّ قال: العماد هُوَ إمام البلغاء، وشمس الشعراء، وقطب رحا الفضلاء، أشرقت أشِعَّة فضائله وأنارتْ، وأنجدت الرُّكْبانُ بأخباره وأغارتْ، فِي الفصاحة قسُّ دَهرهِ، وَفِي البلاغة سَحْبان عصره، فاق الأنام طرًا نَظْمًا ونثْرًا، وَفِي رسائله المعاني الأبكار المخجلة الرياض عند إشراق النوار.
ومن شعره:
قضى عمره فِي الهجرِ شوقًا إِلَى الوصلِ … وأبلاه من ذِكر الأحبَّة ما يُبلي
وكان خَلِيّ القلب من لوعةِ الهَوَى … فأصبح من برْح الصَّبَابَة فِي شُغْلِ
وأطربه اللّاحي بذِكر حبيبه … فآلى عليه أن يزيدَ من العذلِ
وما كنتُ مفتون الفؤاد وإنما … علي فتوني دله فاتن الدل
نُحُولي ممّن شدّ عِقْد نطاقه … على ناحلٍ واهٍ من الخصرِ منحلِ
إذا رام للصَّدّ القيامَ أبَتْ له … رَوادِفُه إلّا المُقام على وصْلي
٤٠٢ - محمد بن محمد بن هارون بن محمد بن كوكب، أبو عبد الله البغدادي المولد، الحلي المنشأ، المقرئ الماهر المعروف بابن الكال البزار.
مقرئ جليل مشهور بصيرٌ بالقراءات، ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وقرأ القراءات على: سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري، ودعوان بن علي، وأبي العلاء الهمذاني، وسمع منهم ومن علي ابن الصباغ، وقرأ بالموصل على: يحيى بن سعدون، وأقرأ بالحلة مدة، وحمل الناس عنه.
قال أبو عبد الله الدبيثي (١): قرأتُ عليه بالروايات العشر، وسمعتُ منه، وحدثنا بدكانه بالحلة المزيدية، وتوفي في حادي عشر شهر ذي الحجة بالحلة.
قلت: وممن قرأ عليه الداعي الرشيدي، وهو آخر من روى عنه.
قال ابن نقطة (٢): وحدث عن محمد بن محمد بن عنقش الأنباري، وأقرأ ببغداد، وكان له بالحلة دكان يعمل فيه البزر.
٤٠٣ - محمد بن أبي محمد بن أبي المعالي بن المقرون، أبو شجاع اللوزي، نسبة إلى محلة اللوزية بشرقي بغداد، المقرئ، الرجل الصالح.
стр. 12456
قرأ القرآن على: أبي محمد سبط الخياط، وأبي الكرم الشهرزوري بالروايات، وسمع منهما، ومن أبي الحسن بن عبد السلام، وابن الصباغ، وأبي الفتح عبد الله ابن البيضاوي، وأبي الفضل الأرموي، وجماعة.
وروى الكثير، وأقرأ الناس دهرًا، حتى لقن الآباء والأبناء والأحفاد.
وكان أمارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر كثير الخير، أقرأ كتاب الله نحوًا من ستين سنة، وكان بصيرًا بالقراءات، وكان يأكل من كسب يده، ولا يأخذ من أحد شيئًا.
توفي في سابع عشر ربيع الآخر.
قال أبو عبد الله النجار: لقن خلقًا لا يحصون، وحملت جنازته على الرؤوس، وما رأيت جمعًا أكثر من جمع جنازته، قال: وكان مستجاب الدعوة، وقورًا.
وقال الدبيثي (١): قرأنا عليه القراءات، وسمعنا منه، ونعم الشيخ كان، ثم روى عنه حديثًا.
وممن روى عنه الضياء، وابن خليل، واليلداني، والنجيب عبد اللطيف، والزين ابن عبد الدائم، وبالإجازة: ابن أبي الخير، والفخر ابن البخاري، ودفن بصفة بشر الحافي.
٤٠٤ - محمد بن المبارك بن محمد بن ميمون، أبو غالب الأديب، الكاتب.
سمع أبا الفضل الأرموي، وابن ناصر، وأبا بكر ابن الزاغوني، وله شعر جيد، وكان مكثرًا من أشعار العرب، ولابن البخاري منه إجازة، وتوفي في جمادى الآخرة (٢).
٤٠٥ - محمد بن أبي طاهر بن زقمير، أبو عبد الله الحربي، الآجري.
سمع عبد الله بن أحمد بن يوسف، روى عنه الدبيثي (٣)، وابن خليل، وتوفي في ذي القعدة.
стр. 12457
٤٠٦ - محمد البلخي الزاهد، نزيل بعداد.
كان كبير القدر، صالحًا، منعزلًا عن الناس، يسكن الخراب، ولا يعلم من أين قوته إلى أن كبر وعجز، أدركه أجله وهو منقطع في مسجد مجاور لقبر معروف الكرخي.
توفي إلى رحمة الله في المحرم، وجهزته أم الخليفة، وأخذت دراعته للبركة، وكان قد قارب الثمانين.
قال ابن النجار: كان يتنقل في الأمكنة لئلا يعرف، وما كان يفهم بالعربي، وكان الخليفة الناصر يقصده زائرًا فلا يكلمه، وما كان يعرفُ أحدٌ من أين يأكل، وكان كثير العبادة، شديد الرياضة، له كرامات ظاهرة (١).
٤٠٧ - المبارك بن حمزة بن علي، الفقيه أبو المظفر ابن البزوري، البغدادي، سبط أبي المظفر ابن الصباغ.
كان إمامًا مبرزًا، أعاد بالنظامية ببغداد، وتفقه على: أبي المحاسن يوسف بن بندار، وتوفي في المحرم (٢).
٤٠٨ - المبارك بن المبارك بن الحسن بن الحسين بن سكينة (٣)، أبو محمد البغدادي، الأنماطي، البيع.
حدث من بيته جماعة، وسمع هو من أبي القاسم ابن السمرقندي، روى عنه الدبيثي (٤)، وغيره، وتوفي في ربيع الأول، وله أربع وثمانون سنة.
٤٠٩ - مسعود بن محمد ابن الدلال، الهمذاني، شيخ القلندرية.
ذكره شيخنا ابن البزوري في تاريخه، وقال: كان على قدم حسن، وكان كثيرًا ما يقول: الماضي لا يذكر، فقيل: إنه رئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه، وقال لي: يا مسعود الماضي لا يذكر، انطلقوا به إلى الجنة، توفي في شهر رمضان من سنة سبع.
стр. 12458
٤١٠ - منصور بن الحسن بن منصور، الإمام أبو المكارم الزنجاني، الشافعي، نزيل بغداد، ومعيد النظامية، ومدرس المدرسة الثقتية.
إمام مناظر، عارف بالمذهب، له حلقة بجامع القصر، توفي في رمضان (١).
٤١١ - يحيى بن طاهر، أبو زكريا البغدادي، الواعظ، المعروف بابن النجار.
كان يتهم بالكذب، وله سماع من سبط الخياط، والأرموي، توفي في ذي الحجة عن خمس وسبعين سنة.
قال الدبيثي (٢): أنشدنا ابن النجار لبعضهم.
عاشِرْ من الناس مَن تبقى مودّته … فأكثر النّاسِ جمعٌ غير مؤتلِف
منهم صديقٌ بلا قاف، ومعرفةٌ … بغير فاء، وإخوانٌ بلا ألفِ
٤١٢ - يوسف بن عبد الرحمن بن غصن، أبو الحجاج التجيبي، وقيل اللخمي، الإشبيلي، المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح، وأبي العباس بن حرب، وأبي العباس بن عيشون، وروى عن أبي بكر ابن العربي، وتصدر للإقراء بإشبيلية، وطال عمره، ورحل الناس إليه، وهو آخر أصحاب شريح الذين قرأوا عليه، توفي في سنة سبع هذه تقريبًا، قاله الأبار (٣).
قلت: بل هو من آخرهم.
٤١٣ - أبو منصور بن أبي بكر بن شجاع بن نقطة المزكلش، أخو الزاهد عبد الغني، بغدادي ظريف، ينشد في الأسواق ويمسخر ويلعب، وله يد في كان وكان، وكان يسحر الناس في رمضان.
قيل له: أما تستحي، أخوك زاهد العراق، وأنت تزكلش في الأسواق؟ فقال مواليًا:
стр. 12459
قد خاب من شبه الجزعة إلى دره
وشابه قحبة إلى مستحسنة حره
أنا مغني وأخي زاهد إلى مره
بئرين في دار ذي حلوة وذي مره (١)
وفيها ولد:
الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وإبراهيم بن مسعود الحويري الحبشي، والشيخ محمد بن أحمد بن منظور المصري.
والمحيي (٢) طاهر بن أبي الفضل الكحال، ومحمد بن ربيعة بن حاتم الحبلي (٣) المصري، والعماد إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب المنقذي، وفاطمة بنت الملك المحسن في شعبان.
стр. 12460
سنة ثمان وتسعين وخمس مائة
٤١٤ - أحمد بن تزمش بن بكتمر، أبو القاسم البغدادي، الخياط.
سمع أبا بكر قاضي المرستان، وأبا القاسم الكروخي، وأبا الفضل الأرموي، وجماعة.
وأقام بدمشق مدة، ثم عاد إلى بغداد، ثم رجع إلى دمشق وبها مات، كذا قال الدبيثي (١)، وإنما مات في شوال بحلب، قاله الضياء.
روى عنه الدبيثي، وقال له: إنه ولد سنة ثمان وعشرين، وروى عنه الضياء، وابن خليل، والقوصي، وقال: لقبه: صائن الدين، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدائم، وبالإجازة: أحمد بن سلامة، وغيره.
وقال ابن النجار: كان ظريفًا كيسًا، يرجع إلى أدب وتمييز، وكان صاحبًا لقاضي القضاة القاسم ابن الشهرزوري، سمعنا منه.
٤١٥ - أحمد بن داود بن يوسف، أبو جعفر الجذامي، الغرناطي، النحوي.
ذكره الأبار (٢) فقال: كان نحويًا لغويًا، صنف شرحًا لمقامات الحريري، وشرحًا لأدب الكاتب لابن قتيبة.
قال: وتوفي في حدود سنة ثمان.
٤١٦ - أحمد بن سلمة بن أحمد بن يوسف، أبو جعفر ابن الصيقل الأنصاري اللورقي.
روى عن ابن الدباغ، وأبي بكر بن خير، وجماعة، وكان معنيًا بالحديث، روى عنه أبو عيسى بن أبي السداد، وأبو عبد الله ابن الصفار، وأبو الحسن ابن القطان، وتوفي في المحرم.
ذكره الأبار (٣).
стр. 12461
٤١٧ - أحمد بن علي بن الحكم، أبو جعفر ابن الحصار القيسي، الغرناطي، العطار.
قال الأبار (١): سمع صحيحي البخاري ومسلم من شريح، وسمع من أبي جعفر بن الباذش، وأبي محمد بن عطية، والقاضي عياض، وأبي بكر بن نفيس، وجماعة، وأجاز له أبو القاسم بن بقي، وأبو عبد الله بن مكي، وجماعة، وكان من أهل الصلاح والعناية بالرواية، ثقة، صدوقًا، حدثنا عنه جماعة، وولي خطابة بلده، مولده سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، وتوفي فجأة في ربيع الأول.
٤١٨ - أحمد بن أبي علي بن أحمد بن محمد بن بكري، أبو العباس الحريمي.
روى عن أحمد بن علي بن الأشقر.
وهو من بيت الرواية.
مات في المحرم (٢).
وهو: أحمد بن أبي علي المبارك بن أحمد بن بكري، أبو العباس الحريمي، سمع أحمد بن الأشقر، وسعد الخير الأندلسي، سمع منه أحمد بن سلمان السكر، وغيره، توفي في المحرم، ورخه ابن النجار (٣).
٤١٩ - أحمد بن المؤمل بن الحسن، أبو محمد (٤) العدواني الشاعر.
كان يمدح بالشعر، وسمع من عبد الوهاب الأنماطي، وأبي محمد سبط الخياط، وحدث، ولم يكن مرضيًا (٥).
ومن شعره:
قد كان للنّاس أبوابٌ مفتَّحَة … تُغشَى ويُطلب منها الفضل والجودُ
فأصبحت كلّها بابًا وقد مُنعت … منه الحوائج فالمفتوحُ مسدودُ
стр. 12462
٤٢٠ - أحمد بن يوسف بن محمد بن خشيش، أبو العباس الأزجي، الدقاق.
سمع من أبي البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبي القاسم ابن السمرقندي (١).
٤٢١ - إبراهيم بن أحمد بن علي، أبو منصور الأسدي، العامري، البصري، القطان.
توفي ببغداد وله ست وسبعون سنة، سمع بالبصرة من أبي جعفر الغطريف بن عبد الله، وطلحة بن علي العامري، وحدَّث ببغداد، وكان له فهم ومعرفة ما (٢).
روى عنه ابن النجار.
٤٢٢ - إبراهيم بن عبد العزيز بن محمد بن علي بن أبي الفوارس، نفيس الدين القرشي، الجزري، نزيل الصعيد.
توفي بالقلندون (٣) من الديار المصرية، وكان له ثروة بالجزيرة العمرية.
وكان دينًا أمينًا، فطلب منه صاحب الجزيرة شاه بن الأتابك أن يتولى نظر ديوانه فأبى، فقال: لا بد من ذلك، فباشر يومًا وامتنع، وكانت زوجته حاملًا بابنه أبي بكر جد صاحبنا المولى شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر (٤)، فحلف بالطلاق أنه لا يعلم أولاده الخط، فعاش له خمسة بنين فلم يعلمهم الخط لئلا يكونوا دواوين، ثم سافر إلى مصر، وسكن بالقلندون، واقتنى الأبقار والأغنام، وكان له وكيل بالجزيرة، فبقي يبيع له ملكًا بعد ملك، وينفقه على أولاده.
وكان وكيله نحاسًا، فعلم أبا بكر المذكور صنعة النحاس، ثم سافر إلى عند والده، فأقام عنده سنة ورجع، فأوصى أبوه إليه.
وخلف إبراهيم من الذهب اثني عشر ألف دينار، سوى المواشي
стр. 12463
والبضائع فلم يرجع أبو بكر إلى الميراث، وسافر بالذهب ولداه الكبيران للتجارة، فغرقا في بحر اليمن، وله عصبة أولادٍ وذرية بالقلندون يُعرفون بأولاد النفيس.
توفي في هذه السنة.
أفادنا بذلك الشيخ شمس الدين المذكور (١).
٤٢٣ - أسعد بن أبي طاهر أحمد بن أبي غانم حامد بن أحمد بن محمود، أبو محمود الثقفي، الأصبهاني، الضرير، الفقيه.
ولد سنة خمس عشرة وخمس مائة، وسمع هو وأخوه زاهر مسند أبي يعلى من الحسين بن عبد الملك الخلال، وسمع من فاطمة الجوزدانية من كتاب الفتن لنعيم بن حماد، ثلاثة أجزاء من أوله، وسمع من جعفر بن عبد الواحد الثقفي، وإسماعيل بن الإخشيد، ومحمد بن علي بن أبي ذر، وسمع حضورًا من أبي طاهر الدشتج.
روى عنه يوسف بن خليل، والضياء محمد، وجماعة.
وأجاز لابن أبي الخير، وابن البخاري، وتوفي في تاسع شوال، وكان فقيهًا معدلًا (٢).
٤٢٤ - أسعد ابن المولى العميد أبي يعلى حمزة بن أسد (٣) بن علي بن محمد، الصدر الرئيس، مؤيد الدين، أبو المعالي التميمي، الدمشقي، الكاتب الوزير، المؤرخ، ابن القلانسي.
ولد سنة سبع عشرة وخمس مائة، وسمع من أبيه، ونصر الله بن محمد المصيصي، روى عنه ابن خليل، والشهاب القوصي، وغيرهما، وتوفي في رابع عشر ربيع الأول (٤).
٤٢٥ - إسماعيل الملك المعز ابن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب بن شاذي بن مروان، صاحب اليمن.
كان قد ورد بغداد فأكرم مورده وتلقي بالإنعام، وكان منهمكًا في اللهو
стр. 12464
والشرب، قليل الخير، وكتب معه من جهة الخلافة منشور إلى أبيه بالرضا عنه، ولما توفي أبوه ولي بعده مملكة اليمن في سنة ثلاث وتسعين.
ثم إنه ادعى أنه أموي ورام الخلافة وأظهر العصيان، فوثب عليه أخوان من أمرائه فقتلاه، وولي اليمن أخ له صغير.
وقيل: إنه ادعى النبوة، وسام أخيه الذي تولى: الملك الناصر أيوب ابن سيف الإسلام.
قال ابن واصل (١): خافت المعز مماليكه فتحزبوا عليه، وخرجوا عليه، وضربوا معه مصافًا، فكسروه وقتلوه، وداروا برأسه في اليمن، ونهبوا زبيد سبعة أيام، ثم جعلوا لأخيه الناصر اسم السلطنة، وترتب أتابكه سيف الدين سنقر مملوك أبيه، ثم خرجوا على سنقر وحاربوه، فانتصر، وقتل جماعة من الأكراد والأتراك، وحبس آخرين، وصفت له اليمن أربع سنين، ثم مات سنقر، فتزوج بأم الناصر الأمير غازي بن جبريل، وقام في الأتابكية، ثم سم الناصر فيما قيل، ثم قتل غازي وبقيت اليمن بلا سلطان مدة.
٤٢٦ - بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات بن إبراهيم بن علي، مسند الشام، أبو طاهر الخشوعي الدمشقي، الرفاء، الأنماطي، الذهبي؛ لكونه يسكن بمحلة حجر الذهب.
ولد في صفر سنة عشر وخمس مائة، وانفرد بالمسموعات الكثيرة من الأمين هبة الله ابن الأكفاني، وغيره، وانفرد بالإجازة من مصنف المقامات أبي محمد الحريري، والمقرئ أبي القاسم عبد الرحمن ابن الفحام، وأبي بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وأجاز له أيضًا: أبو علي الحداد، وأبو طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، وأبو علي محمد بن محمد ابن المهدي، والحسن بن محمد الباقرحي، ومحمود بن الفضل الأصبهاني، وأبو صادق مرشد بن يحيى المديني، وأبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الفراء، وأبو عبد الله محمد بن بركات السعيدي النحوي، وأبو الفتح سلطان بن إبراهيم المقدسي، وعلي بن إبراهيم بن صولة، وأبو الفضل جعفر بن إسماعيل بن خلف المقرئ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحطاب الرازي، وعلي بن
стр. 12465
المشرف الأنماطي، وعلي بن المؤمل الكاتب، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن حكم الباهلي.
وقد انفرد أيضًا بالإجازة من بعضهم، وإجازة الحريري له في سنة اثنتي عشرة من البصرة، واستجاز له المصريين أبو طاهر السلفي.
وقد سمع أيضًا من شيوخ دمشق: عبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سهل الإسفراييني، وعلي بن أحمد بن قبيس المالكي، وجمال الإسلام علي بن المسلم، وابن طاوس، وغيرهم.
وهو من بيت الحديث والرواية، اعتنى به والده، وما زال هو يسمع ويسمع، وحمل الناسُ عنه علمًا جمًا.
روى عنه أولاده إبراهيم، وعبد العزيز، وعبد الله، وستهم، وست العجم، والشيخ الموفق، وعبد القادر الرهاوي، والبهاء عبد الرحمن، وابن خليل، والضياء، واليلداني، وأحمد بن محمد بن رومان الحنفي، وأحمد بن يوسف التلمساني، والزين أحمد بن عبد الملك، والزين أحمد بن عبد الدائم، والنجم أحمد بن راجح، وإسحاق بن سلطان التميمي، وأخوه عبد الرحمن، والشهاب القوصي، وحفيده بركات بن إبراهيم، والخطيب داود بن عمر الأباري، والفقيه سليمان بن عبد الكريم، والنظام عبد الله بن يحيى ابن البانياسي، والتقي عبد الله بن إسماعيل المقدسي الحنبلي، وأخوه علي، وعبد الله ابن الشيخ أبي عمر، وأبو سليمان عبد الرحمن ابن الحافظ، وعبد الرحمن وعبد الله ابنا أحمد بن طعان، وعبد الرحمن بن الخضر بن عبدان، وعباس بن أبي طالب الحموي، وعبد السلام بن ممدود الشيباني، والعز عرفة الحنفي، وعلي بن أبي طالب القطان، وعلي بن المظفر النشبي، وعلي بن محاسن بن عوانة النميري، والخطيب عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني، وفرج الحبشي القرطبي، والنجيب فراس ابن العسقلاني، ومحمد بن عمر الفخر المالكي، والأوحد محمد بن عبد الله القرشي الحنفي، والموفق محمد بن هارون الثلعبي، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، ومكي بن عبد الرزاق المقدسي، ومظفر بن أبي بكر ابن الشيرجي، والتاج مظفر بن عبد الكريم ابن الحنبلي مدرس الحنبلية، وابن عمه يحيى ابن الناصح عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم البابشرقي، والشرف الإربلي، ويوسف بن يعقوب الإربلي الذهبي، ويوسف بن مكتوم المقرئ الحبال، ويوسف بن عمر أخو خطيب بيت الآبار، وأيوب بن أبي بكر