← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

٥٩٠ - عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو القاسم القرشي، المصري، المؤدب، الفقيه الشافعي. سمع من عشير بن علي، وأبي الفضل الغزنوي، وطائفة. وانقطع إلى الحافظ عبد الغني فأكثر عنه ومعه، وكتب الكثير، وحصل كتبًا كثيرة من الحديث والفقه. وعاجلته المنية في هذه السنة. وكان يؤدب الصبيان ويؤم بمسجد المنارة (١). ٥٩١ - عبد الرحمن بن محمد بن مرشد بن علي بن منقذ، الأمير الكبير شمس الدولة أبو الحارث ابن الأمير نجم الدولة الكناني الشيزري. ولد بشيزر سنة ثلاث وعشرين وخمس مائة. وسمع بالثغر من أبي طاهر السلفي. هو الذي وجهه صلاح الدين في الرسلية إلى صاحب المغرب. وكان أديبًا، عالمًا، نبيلًا، شاعرًا، محسنًا، مترسلًا، من بيت الشجاعة والإمرة (٢). ٥٩٢ - عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن علي بن زيد ابن اللتي الرقيقي. حدث عن أبي الوقت، وغيره. وتوفي في أواخر العام (٣). ٥٩٣ - عبد الرزاق بن عبد السميع بن محمد بن شجاع. الشريف أبو الكرم الهاشمي، البغدادي. عاش ثلاثًا وثمانين سنة. وسمع هبة الله بن أحمد الحريري، وقاضي المرستان. روى عنه الدبيثي، وابن النجار. توفي في ربيع الآخر (٤). ٥٩٤ - عبد السلام بن إبراهيم بن محمد، الأندلسي، ثم البغدادي الحربي، المعروف بابن الأرمني.

стр. 12532

روى عن عبد الله بن أحمد بن يوسف. وأجاز للزكي عبد العظيم (١). ٥٩٥ - عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر. الحافظ الكبير، تقي الدين، أبو محمد المقدسي الجماعيلي، ثم الدمشقي، الصالحي، الحنبلي. ولد سنة إحدى وأربعين (٢) وخمس مائة. هو والشيخ الموفق في عام، وهما ابنا خالةٍ، ولدا بجماعيل. سمع بدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن هلال، وأبا المعالي بن صابر، وسلمان بن علي الرحبي. وببغداد: أبا الفتح ابن البطي، والشيخ عبد القادر، وأبا زرعة المقدسي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وأحمد ابن المقرب، وأبا بكر ابن النقور، والمبارك بن المبارك السمسار، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، ومعمر بن الفاخر، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن خضر، ويحيى بن علي الخيمي، والمبارك بن محمد البادرائي، وأبا محمد ابن الخشاب، وطبقتهم. وبالموصل: أبا الفضل عبد الله بن أحمد الخطيب، وبهمذان عبد الرزاق بن إسماعيل القومساني، ونسيبه المطهر بن عبد الكريم، وإسماعيل بن محمد بن إسماعيل القومساني، وجماعة. بأصبهان: الحافظ أبا موسى المديني، وأبا سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ، وأبا رشيد إسماعيل بن غانم البيع، وأبا الفتح بن أحمد الخرقي، وأحمد بن منصور الترك، وأبا رشيد حبيب بن إبراهيم، وأبا غالب محمد بن محمد بن ناصر، وسفيان وعليًا ابني أبي الفضل بن أبي طاهر الخرقي، وبنيمان بن أبي الفوارس السباك، ومعاوية بن علي الصوفي، وحمزة بن أبي الفتح الطبري، وغيرهم. وبالإسكندرية: أبا طاهر السلفي فأكثر، وأبا محمد عبد الله العثماني، وعبد الرحمن بن خلف الله المقرئ، وجماعة. وبمصر: محمد بن علي الرحبي، وعلي بن هبة الله الكاملي، وعبد الله بن بري النحوي، وجماعة.

стр. 12533

وحدث بأصبهان، وبغداد، ودمشق، ومصر، ودمياط، والإسكندرية. وكتب ما لا يوصف، وصنف التصانيف المفيدة، ولم يزل يسمع ويسمع ويكتب ويجمع إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته. روى عنه الشيخ الموفق، والحافظ عبد القادر الرهاوي، وولداه أبو الفتح محمد وأبو موسى عبد الله، والحافظ الضياء، والحافظ ابن خليل، والفقيه اليونيني، وسليمان الأسعردي، والزين بن عبد الدائم، وعثمان بن مكي الشارعي الواعظ، وأحمد بن حامد بن أحمد بن حمد الأرتاحي المقرئ، وإسماعيل بن عبد القوي بن عزون، وأبو عيسى عبد الله بن علاق، وسعد الدين محمد بن مهلهل الجيتي (١)، وبقي هذا إلى ربيع الأول سنة أربع وسبعين (٢). وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، وغيره. قال أبو عبد الله ابن النجار (٣): حدث بالكثير، وصنف في الحديث تصانيف حسنة. وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيمًا بجميع فنون الحديث، عارفًا بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه، ومنسوخه، وغريبه، ومشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته. وكان كثير العبادة، ورعًا، متمسكًا بالسنة على قانون السلف. ولم يزل بدمشق - يعني بعد رجوعه من أصبهان - يحدث وينتفع به الناس، إلى أن تكلم في الصفات والقرآن بشيء أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا عليه، وعقد له مجلسٌ بدار السلطان، حضره الفقهاء والقضاة، فأصر على قوله، وأباحوا إراقة دمه فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء الأكراد، وتوسطوا في القضية على أن يخرج من دمشق، فأخرج إلى مصر، وأقام بها خاملًا إلى حين وفاته. أخبرنا يعيش بن مالك الحنبلي، قال: أخبرنا عبد الغني. قلت: فذكر حديثًا.

стр. 12534

قرأتُ بخط العلامة شيخ أصبهان أبي موسى المديني: يقول أبو موسى عفا الله عنه: قل من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، زاده الله تعالى توفيقًا. وقد وفق لتبيين هذه الغلطات على أن في الكتب المصنفة في معرفة الصحابة غير هذا من الخطأ، ولا تنفك الكتب المجموعة في ذلك من ذلك، وما ذكره كما ذكره. إلى أن قال: ولو كان الدراقطني وأمثاله في الأحياء لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا لما فهمه. كتبه أبو موسى. قلت: هذا كتبه على ظهر كتاب تبيين الإصابة لأوهام حصلت في معرفة الصحابة الذي جمعه الحافظ أبو نعيم. وهو مجلد صغير أبان فيه عن حفظ باهر، ومعرفة تامة. وقال الضياء (١): ثم سافر الحافظ إلى أصبهان. وكان خرج وليس معه إلا قليلُ فلوس، فسهل الله له من حمله وأنفق عليه، حتى دخل أصبهان، وأقام بها مدة، وحصل بها الكتب الجيدة. وكان ليس بالأبيض الأمهق (٢)، بل يميل إلى السمرة، حسن الثغر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه. وكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والنسخ والمطالعة. ذكر تصانيفه ﵀ كتاب المصباح في الأحاديث الصحاح في ثمانية وأربعين جزءًا، يشتمل على أحاديث الصحيحين، كتاب نهاية المراد في السنن نحو مائتي جزء لم يبيضه، كتاب اليواقيت مجلد، كتاب تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين مجلد، كتاب الروضة أربعة أجزاء، كتاب فضائل خير البرية أربعة أجزاء، كتاب الذكر جزءان، كتاب الإسراء جزءان، كتاب التهجد جزءان، كتاب الفرج جزءان، كتاب صلات الأحياء إلى الأموات جزءان، كتاب الصفات جزءان، كتاب محنة أحمد ثلاثة أجزاء، كتاب ذم الرياء جزء، ذم الغيبة جزء، الترغيب في الدعاء جزء، الأمر بالمعروف جزء،

стр. 12535

كتاب فضائل مكة أربعة أجزاء، فضائل رمضان جزء، فضائل العشر جزء، فضائل الصدقة جزء، فضائل الحج جزء، فضائل رجب جزء، وفاة النبي ﷺ جزء، أقسام النبي ﷺ جزء، الأربعون جزء، أربعون أخرى جزء، الأربعين من كلام رب العالمين جزء، أربعون حديثا بسند واحد، اعتقاد الشافعي جزء، كتاب الحكايات سبعة أجزاء، كتاب غنية الحفاظ في مشكل الألفاظ في مجلدتين، ذكر القبور جزء، مناقب عمر بن عبد العزيز جزء، أجزاء في الأحاديث والحكايات أكثر من مائة جزء، وهذه كلها بأسانيده. ومن الكتب بلا إسناد: الأحكام في ستة أجزاء، العمدة في الأحكام جزءان، كتاب دُرر الأثر تسعة أجزاء، كتاب السيرة النبوية جزء كبير، النصيحة في الأدعية الصحيحة جزء، الاعتقاد جزء، تبيين أوهام أبي نعيم الحافظ في الصحابة جزء كبير، كتاب الكمال في معرفة الرجال عدة مجلدات، وفيه إسناد. قال: وكان لا يكاد أحدٌ يسأله عن حديث إلا ذكره له وبينه. ولا يسأل عن رجل، إلا قال: هو فلان بن فلان، وبين نسبه. قال: وأنا أقول: كان الحافظ عبد الغني المقدسي أمير المؤمنين في الحديث. سمعته يقول: كنت عند الحافظ أبي موسى فنازعني رجل في حديث فقال: هو في البخاري. وقلت: ليس هو فيه. قال: فكتب الحديث في رقعة، ورفعها إلى الحافظ أبي موسى يسأله عنه، فناولني الحافظ الرقعة وقال: ما تقول؟ هل هذا الحديث في البخاري أم لا؟ فقلت: لا. قال: فخجل الرجل. وسمعت أبا الطاهر إسماعيل بن ظفر يقول: جاء رجل إلى الحافظ - يعني عبد الغني - فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث. فقال: لو قال أكثر لصدق. شاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر: اقرأ لنا أحاديث من غير الجزء. فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه.

стр. 12536

وقيل: إنه سئل: لم لا تقرأ من غير كتاب؟ يعني دائمًا، قال: إني أخاف العُجب. وسمعت الإمام أبا العباس أحمد بن محمد ابن الحافظ، قال: سمعت علي بن فارس الزجاج العلثي الصالح قال: لما جاء الحافظ من بلاد العجم. قلت: يا حافظ ما حفظت بعد مائة ألف حديث؟ فقال: بلى، أو ما هذا معناه. سمعتُ أبا محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني يقول: سمعتُ التاج الكندي يقول: لم يكن بعد الدارقطني مثل الحافظ عبد الغني، يعني المقدسي. وقال الفقيه أبو الثناء محمود بن همام الأنصاري: سمعت التاج الكندي يقول: لم ير الحافظ عبد الغني مثل نفسه. وقال أبو نزار ربيعة بن الحسن: قد رأيت أبا موسى المديني، وهذا الحافظ عبد الغني أحفظ منه. قال الضياء: وكل من رأينا من المحدثين ممن رأى الحافظ عبد الغني وجرى ذكر حفظه ومذاكراته، قال: ما رأينا مثله، أو ما يشبه هذا. ثم ذكر الضياء فصلًا في حرصه على الحديث وطلبه وتحريضه للطلبة، وقال: حرضني على السفر إلى مصر، وسافر معنا ولده أبو سليمان وله نحو عشر سنين. وسير قبلنا ولديه محمدًا وعبد الله إلى أصبهان. ثم سفر إسماعيل بن ظفر، وزوده وأعطاه ما احتاج إليه، فسافر إلى بغداد، وأصبهان، وخراسان. وقبل ذلك حرض أبا الحجاج يوسف بن خليل على السفر. وكان يقرأ الحديث يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع دمشق وليلة الخميس بالجامع أيضًا. ويجتمع خلق. وكان يقرأ ويبكي، ويُبكي الناس بكاء كثيرًا، وكان بعد القراءة يدعو دعاءً كثيرًا. وسمعتُ شيخنا أبا الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ وهو يريد أن يقرأ الحديث، فأشتهي أن تحضروا مجلسه ثلاث مرّات، وبعدها أنتم تعرفونه، وتحصل لكم الرغبة. فجلس أول يوم، وكنتُ حاضرًا بجامع القرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظًا، وقرأ جزءًا، ففرح الناس بمجلسه فرحًا كثيرًا. ثم سمعت ابن نجا شيخنا يقول:

стр. 12537

قد حصل الذي كنتُ أريده في أول مجلس. قال: وكان يجلس بمصر في غير موضع يقرأ الحديث. وكان ﵀ لا يكاد يضيع شيئًا من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما لقن الحديث. فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقينًا. ثم يقوم فيتوضأ، ويصلي ثلاث مائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر، ثم ينام نومة، ثم يصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع أو النسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر، وإن كان مفطرًا صلى من المغرب إلى العشاء الآخرة، فإذا صلى العشاء نام إلى نصف الليل أو بعده. ثم قام فتوضأ وصلى لحظة، ثم توضأ، ثم صلى كذلك، ثم توضأ وصلى إلى قرب الفجر، وربما توضأ في الليل سبع مرات أو أكثر. فقيل له في ذلك، فقال: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة. ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر. وهذا دأبه، وكان لا يكاد يصلي فريضتين بوضوء واحد. سألت خالي الإمام موفق الدين عن الحافظ فقال وكتب بخطه: كان رفيقي في الصبى وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل. وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتهم له، وقيامهم عليه. ورزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبتغ غرضه في روايتها ونشرها. قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيرًا، حتى كأن أسنانه البرد. سمعتُ محمود بن سلامة الحراني التاجر غير مرة يقول: كان الحافظ عبد الغني نازلًا عندي بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا قليلًا، بل يُصلي ويقرأ ويبكي، حتى ربما منعنا النوم إلى السحر. أو ما هذا معناه. وكان الحافظ لا يرى منكرًا إلا غيره بيده أو بلسانه. وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. رأيته مرة يريق خمرًا، فجذب صاحبه السيف، فلم يخف، وأخذه من يده. وكان قويًا في بدنه. وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر ويكسر الطنابير والشبابات (١). قال لنا خالي الموفق: كان لا يصبر عن إنكار المنكر إذا رآه. سمعت فضائل بن محمد بن علي بن سرور المقدسي، قال: سمعتهم

стр. 12538

يتحدثون بمصر أن الحافظ كان قد دخل على الملك العادل، فلما رآه قام له، فلما كان اليوم الثاني إذا الأمراء قد جاؤوا إلى الإمام الحافظ إلى مصر، مثل سركس، وأزكش، فقالوا: آمنا بكراماتك يا حافظ. وذكروا أن العادل قال: ما خفتُ من أحدٍ ما خفتُ من هذا الرجل. فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه، أيش خفت منه؟ قال: لما دخل ما خيل إلي إلا أنه سبع يريد أن يأكلني. فقلنا: هذه كرامة للحافظ. قال الضياء: شاهدتُ بخط الحافظ قال: والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل، فأقبل علي وأكرمني، وقام لي والتزمني، ودعوتُ له. ثم قلت: عندنا قُصُور فهو الذي يوجب التقصير. فقال: ما عندك لا تقصير ولا قُصُور. وذكر أمر السنة فقال: ما عندك شيء تعابُ به في أمور الدين ولا الدنيا، ولا بُد للناس من حاسدين. وبلغني عنه بعد ذلك أنه ذكر عنده العلماء فقال: ما رأيتُ بالشام ولا مصر مثل فلان، دخل علي فخيل إلي أنه أسد قد دخل علي، وهذا ببركة دعائكم ودعاء الأصحاب. قال الضياء: وكان المبتدعة قد وغروا صدر العادل على الحافظ، وتكلموا فيه عنده. وكان بعضهم يقول: إنه ربما قتله إذا دخل عليه. فسمعتُ بعضهم أن بعض المبتدعة أرسل إلى العادل يبذل في قتل الحافظ خمسة آلاف دينار. وسمعتُ الشيخ أبا بكر بن أحمد الطحان، قال: وكان في دولة الأفضل علي جعلوا الملاهي عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا منها. ثم جاء فصعد على المنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول القاضي يطلبه حتى يناظره في الدف والشبابة فقال الحافظ: ذاك عندي حرام. وقال: لا أمشي إليه، إن كان له حاجة فيجيء هو. ثم تكلم على المنبر، فعاد الرسول فقال: لا بد من مجيئك قد بطلت هذه الأشياء على السلطان. فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان. فمضى الرسول، وخفنا من فتنة، فما جاء أحدٌ بعد ذلك. سمعت محمود بن سلامة الحراني بأصبهان قال: كان الحافظ بأصبهان فيصطف الناس في السوق ينظرون إليه. ولو أقام بأصبهان مدةً وأراد أن يملكها

стр. 12539

لملكها. يعني من حُبهم له ورغبتهم فيه. قال الضياء: ولما وصل إلى مصر أخيرًا كنا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله. وكان سخيًا، جوادًا، كريما، لا يدخر دينارًا ولا درهمًا. ومهما حصل له أخرجه. ولقد سمعتُ عنه أنه كان يخرج في بعض الليالي بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين، فإذا فتحوا له ترك ما معه ومضى لئلا يُعرف. وكان يفتح له بشيء من الثياب والبرد، فيعطيه للناس، وربما كان عليه ثوب مرقع. قال لي خالي الموفق: كان جوادًا، يؤثر بما تصل يده إليه سرًا وعلانية. وقال عبد الجليل الجيلاني: كنتُ في مسجد الوزير، فبقيت ثلاثة أيام ما لنا شيء، فلما كان العصر يوم الجمعة سلمت على الحافظ، ومشيت معه إلى خارج باب الجامع فناولني نفقةً، فإذا هي نحو خمسين درهمًا. وسمعت بدر بن محمد الجزري، قال: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ عبد الغني، قد أوفى عني غير مرة. سمعت سليمان بن إبراهيم الأسعردي يقول: بعث الملك الأفضل إلى الحافظ بنفقة وقمح كثير. ففرقه كله، ولم يترك شيئًا. سمعت أحمد بن عبد الله العراقي، قال: حدثني منصور، قال: شاهدتُ الحافظ في الغلاء بمصر، وهو ثلاث ليالٍ يؤثر بعشائه ويطوي. سمعتُ الفقيه مقصد بن علي بن عبد الواحد المصري، قال: سمعت أن الحافظ كان زمان الغلاء يؤثر بعشائه. يعني غلاء مصر. قال الضياء: وقد فتح له بمصر بأشياء كثيرة من الذهب وغير ذلك، فما كان يترك شيئًا. سمعت الرضي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار؛ سمعتُ الحافظ يقول: سألت الله أن يرزقني مثل حال الإمام أحمد بن حنبل، فقد رزقني صلاته. قال: ثم ابتلي بعد ذلك وأوذي. سمعت الإمام أبا محمد عبد الله بن أبي الحسن الجبائي يقول: كان أبو نعيم قد أخذ على الحافظ ابن مندة أشياء في معرفة الصحابة، فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه، فما كان يجسر. فلما جاء الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، فأخذ على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة نحوًا من مائتين وتسعين موضعًا. فلما سمع بذلك الصدر عبد اللطيف بن الخجندي طلب الحافظ عبد الغني، وأراد هلاكه، فاختفى الحافظ.

стр. 12540

وسمعت محمود بن سلامة الحراني، قال: ما أخرجنا الحافظ من أصبهان إلا في إزار. وذلك أن بيت الخجندي أشاعرة يتعصبون لأبي نعيم، وكانوا رؤساء أصبهان. سمعت الحافظ يقول: كنا بالموصل نسمع الجرح والتعديل (١) للعقيلي، فأخذني أهل الموصل وحبسوني، وأرادوا قتلي من أجل ذكر أبي حنيفة فيه. قال: فجاءني رجل طويل معه سيف، فقلت: لعله يقتلني وأستريح. قال: فلم يصنع شيئًا. ثم أطلقت. وكان يسمع هو وابن البرني، فأخذ ابن البرني الكراس التي فيها ذكر أبي حنيفة، ففتشوا الكتاب، فلم يجدوا شيئًا، فهذا كان سبب خلاصه. قلت: سمعت عبد الحميد بن خولان، قال: سمعتُ الضياء يقول: كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع الخلق عليه، فحُسد، وشرعوا يعملون لهم وقتًا في الجامع، ويقرأ عليهم الحديث، ويجمعون الناس، فهذا ينام، وهذا قلبه غير حاضر، فلم يشف قلوبهم، فشرعوا في مكيدةٍ، فأمروا الناصح ابن الحنبلي بأن يعظ بعد الجمعة تحت النسر، وقت جلوس الحافظ، فأخر الحافظ ميعاده إلى العصر. فلما كان في بعض الأيام، والناصح قد فرغ، وقد ذكر الإمام، فدسوا إليه رجلًا ناقص العقل من بيت ابن عساكر، فقال للناصح ما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر. فضرب الرجل وهرب، وخبئ في الكلاسة، ومشوا إلى الوا ي، وقالوا له: هؤلاء الحنابلة ما قصدهم إلا الفتنة. وهم وهم واعتقادهم. ثم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة، وقالوا للوالي: نشتهي أن تحضر الحافظ. وسمع مشايخنا، فانحدروا إلى المدينة، خالي الموفق، وأخي الشمس البخاري، والفقهاء، وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: اقعد أنت لا تجئ، فإنك حاد، ونحن نكفيك. فاتفق أنهم أرسلوا إلى الحافظ فأخذوه، ولم يعلم أصحابنا، فناظروه وكان أجهلهم يغري به، فاحتد. وكانوا قد كتبوا شيئًا من اعتقادهم، وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك. فلم يفعل. فقالوا للوالي: قد اتفق الفقهاء كلهم، وهذا

стр. 12541

يخالفهم. واستأذنوه في رفع منبره. فأرسلوا الأسرى (١)، فرفعوا ما في جامع دمشق من منبر وخزانة وقالوا: نريد أن لا نجعل في الجامع إلا صلاة الشافعية. وكسروا منبر الحافظ، ومنعوه من الجلوس، ومنعوا أصحابنا من الصلاة في مكانهم، ففاتتهم الظهر. ثم إن الناصح جمع البنوية وغيرهم، وقالوا: إن لم يخلونا نصلي صلينا بغير اختيارهم. فبلغ ذلك القاضي، وهو كان صاحب الفتنة، فأذن لهم، وخاف أن يصلوا بغير إذنه. وكان الحنفية حموا مقصورتهم بجماعة من الجند. ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة، وتوجه إلى مصر، فبقي بنابلس مدة يقرأ الحديث وكنت أنا في ذلك الوقت بمصر فجاء شاب من دمشق بفتاوى إلى الملك عثمان العزيز، ومعه كتب أن الحنابلة يقولون كذا وكذا. وكان بنواحي الإسكندرية، فقال: إذا رجعنا أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة؟ فاتفق أنه لم يرجع، وشب به فرسه. وأقاموا ولده موضعه. ثم أرسلوا إلى الأفضل، كان بصرخد، فجاء وأخذ مصر. ثم انحرف إلى دمشق فاتفق أنه لقي الحافظ في الطريق، ففرح به وأكرمه. ونفذ يوصي به بمصر، فلما وصل الحافظ إلى مصر تلقي بالبشر والإكرام، وأقام بها يسمع الحديث بمواضع ويجلس. وقد كان بمصر كثيرٌ من المخالفين، لكن كانت رائحة السلطان تمنعهم. ثم إن الأفضل حاصر دمشق، ورد عنها بعد أن أشرف على أخذها، ورجع إلى مصر، فجاء العادل خلفه فأخذ مصر. وبقي بمصر. وأكثر المخالفون على الحافظ، حتى استدعي، ولم يحصل لهم بحمد الله ما أرادوا. وأكرمه العادل، وسافر إلى دمشق. وبقي الحافظ بمصر، وهم لا يتركون الكلام فيه، فلما أكثروا عزم الكامل على إخراجه من مصر. ثم إن الحافظ اعتقل في دار سبع ليالٍ فسمعت التقي أحمد ابن العز محمد بن عبد الغني: حدثني الشجاع بن أبي زكري الأمير قال: قال لي الكامل: هاهنا رجل فقيه قالوا: إنه كافر. قلت: لا أعرفه. قال: بلى، هو محدث. فقلت: لعله الحافظ عبد الغني؟ قال: نعم هذا هو. فقلت: أيها الملك، العلماء أحدهم يطلب الآخرة، والآخر يطلب الدنيا. وأنت هاهنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، أو أرسل إليك رقعة؟ قال:

стр. 12542

لا. قلت: والله هؤلاء يحسدونه. فهل في هذه البلاد أرفع منك؟ قال: لا. فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء. فقال: جزاك الله خيرا كما عرفتني هذا. وقال أبو المظفر ابن الجوزي في تاريخه (١): اجتمع قاضي دمشق محيي الدين والخطيب ضياء الدين وجماعة، وصعدوا إلى متولي القلعة أن عبد الغني قد أضل الناس ويقول بالتشبيه، فعقدوا له مجلسًا وأحضروه، فناظرهم، فأخذوا عليه مواضع، منها قوله: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النزول. ومنها: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها مسألة الحرف والصوت. فقالوا: إذا لم يكن على ما كان، فقد أثبت له المكان. وإذا لم تنزهه تنزيهًا ينفي عنه حقيقة النزول فقد أجزت عليه الانتقال. وأما الحرف والصوت فإنه لم يصح عن إمامك فيه شيء وإنما المنقول عنه أنه كلام الله لا غير. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين بزغش والي القلعة: كل هؤلاء على ضلالة، وأنت على الحق؟ قال: نعم. فأمر الأسارى، فنزلوا فكسروا منبره، ومنعوا الحنابلة من الصلاة، ففاتتهم صلاة الظهر. وقال أبو المظفر في مكان آخر (٢): اجتمع الشافعية، والحنفية، والمالكية بالملك المعظم بدار العدل، وكان يجلس فيها هو والصارم بزغش، فكان ما اشتهر من أمر عبد الغني الحافظ، وإصراره على ما ظهر من اعتقاده، وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره، وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين، فسأل أن يُمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد، فأجيب. قلت: قوله: وإجماع الفقهاء على الفتيا بتكفيره كلام ناقص، وهو كذب صريح، وإنما أفتى بذلك بعض الشافعية الذين تعصبوا عليه، وأما الشيخ موفق الدين وأبو اليمن الكندي شيخا الحنفية والحنابلة فكانا معه. ولكن نعوذ بالله من الظلم والجهل. قال أبو المظفر (٣): وسافر عبد الغني إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، فكتبوا إلى ابن شكر الوزير يقولون: قد أفسد عقائد الناس، ويذكر التجسيم على رؤوس الأشهاد. فكتب

стр. 12543

إلى والي مصر بنفيه، فمات قبل وصول الكتاب رحمه الله تعالى بمسجد المصنع. قال (١): وكان يصلي كل يوم وليلة ثلاث مائة ركعة ورد الإمام أحمد بن حنبل. وكان يقوم الليل عامة دهره، ويحمل ما أمكنه إلى بيوت الأرامل واليتامى سرًا. وكان أوحد زمانه في علم الحديث. وقال الضياء: سمعت بعض أصحابنا يقول: إن الحافظ أمر أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا لقول الله تعالى كذا، وأقول كذا لقول النبي ﷺ كذا. حتى فرغ من المسائل التي يخالفونه فيها، فلما وقف عليها الملك الكامل قال: أيش أقول في هذا؟ يقول بقول الله وقول رسوله؟ فخلى عنه. فصل قال: وسمعت أبا موسى بن عبد الغني قال: كنت مع والدي بمصر وهو يذكر فضائل سفيان الثوري. فقلت في نفسي: إنّ والدي مثله. قال: فالتفت إلي وقال: أين نحن من أولئك؟ سمعتُ الزاهد إبراهيم بن محمود البعلبكي يقول: كنتُ يومًا عند الشيخ عماد الدين، وقد جاء تجارٌ، فحدثوه أنهم رأوا، أو قال: يُرى، النور على قبر الحافظ عبد الغني كل ليلة، أو كل ليلة جمعة. شك إبراهيم. سمعت (٢) الإمام أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني، قال: رأيتُ البارحة الكمال عبد الرحيم - يعني أخي - وعليه ثوب أبيض. فقلت: أين أنت؟ قال: في جنة عدن. فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني، أو الشيخ أبو عمر؟ قال: ما أدري، وأما الحافظ فكل ليلة جمعة يُنصب له كرسي تحت العرش، ويقرأ عليه الحديث، ويُنثر عليه الدر، وهذا نصيبي منه. وكان في كُمه شيء، وقد أمسك بيده على رأس الكم. وسمعتُ عبد الله بن الحسن بن محمد الكردي بحران، قال: رأيت الحافظ في المنام، فقلتُ له: يا سيدي، أليس قد مت؟ فقال: إن الله أبقى علي وردي من الصلاة. أو نحو هذا.

стр. 12544

وسمعتُ القاضي أبا حفص عمر بن علي الهكاري بنابلس يقول: رأيتُ الحافظ عبد الغني في النوم كأنه قد جاء إلى بيت المقدس، فقلت: جئت غير راكب؟ فقال: أنا حملني النبي ﷺ . سمعت الحافظ أبا موسى قال: حدثني رجل من أصحابنا، قال: رأيت الحافظ في النوم، وكان يمشي مستعجلًا، فقلت: إلى أين؟ قال: أزور النبي ﷺ . فقلت: وأين هو؟ قال: في المسجد الأقصى. فإذا النبي ﷺ وعنده أصحابه. فلما رأى الحافظ قام ﷺ له وأجلسه إلى جانبه. قال: فبقي الحافظ يشكو إليه ما لقي، ويبكي ويقول: يا رسول الله كُذَّبتُ في الحديث الفلاني، والحديث الفلاني، ورسول الله ﷺ يقول: صدقت يا عبد الغني، صدقتَ يا عبد الغني. سمعتُ أبا موسى قال: مرض والدي مرضًا شديدًا منعه من الكلام والقيام ستة عشر يومًا. وكنتُ كثيرًا ما أسأله: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي ﵀. ولا يزيد على ذلك. فلما كان يوم الاثنين جئتُ إليه، وكان عادتي أبعث كل يوم من يأتي بماء من الحمام بكرة يغسل به أطرافه. فلما جئنا بالماء مد يده، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الصبح، فلما توضأ قال: يا عبد الله قُم فصل بنا وخفف. فقمت فصليت بالجماعة، وصلى معنا جالسًا، فلما انصرف الناس، جئتُ وقد استقبل القبلة فقال: اقرأ عند رأسي يس. فقرأتها، فجعل يدعو وأنا أؤمن. فقلت له: هاهنا دواء قد عملناه، تشربه. قال: يا بني، ما بقي إلا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه. فقلت: ما أنت عني راضٍ؟ قال: بلى والله، أنا راضٍ عنك وعن إخوتك، وقد أجزتُ لك ولإخوتك، ولابن أخيك إبراهيم. فقلت: ما توصي بشيء. قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد علي شيء. قلت: توصيني بوصية. قال: يا بني، أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته. فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله. فقالوا، ثم قاموا، وجعل هو يذكر الله ويحرك شفتيه، ويشير بعينيه. فدخل درع النابلسي فسلم عليه وقال: ما تعرفني؟ قال: بلى. فقمتُ لأناوله كتابًا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه. وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من

стр. 12545

ربيع الأول. وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد، واجتمع من الغد خلق كثير من الأئمة والأمراء والناس ما لا يحصيهم إلا الله. ودفناه بالقرافة مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق، في مكان ذكر لي خادمه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكي فيه إلى أن يبل الحصى، ويقول: قلبي يرتاحُ إلى هذا المكان. فرحمه الله ورضي عنه. قال الضياء: وتزوج ببنت خاله رابعة بنت أحمد بن محمد بن قدامة، فولدت له محمدا، وعبد الله، وعبد الرحمن، وفاطمة، وعاشوا حتى كبروا. وتسرى بجارية في مصر، فلم توافقه، ثم بأخرى، فولدت له بنتين ماتتا ولم تكبرا. سمعت عبد الحميد بن خولان أن الضياء أخبرهم، قال: لما دخلنا أصبهان كنا سبعة، أحدنا الإمام أحمد بن محمد ابن الحافظ، وكان طفلًا، فسمعنا على المشايخ. وكان شيخنا مؤيد الدين ابن الإخوة عنده جملة حسنة من المسموعات، فسمعنا عليه قطعة، وكان يتشدّد علينا. ثم إنه توفي، فضاق صدري لموته كثيرًا، لأنه كانت عنده مسموعات عند غيره. وأكثر ما ضاق صدري لأجل ثلاث كتب: مسند العدني، ومعجم ابن المقرئ، ومعجم أبي يعلى. وكنت قد سمعت عليه في السفرة الأولى مسند العدني ولكن لأجل رفقتي، فرأيت في النوم كأن الحافظ عبد الغني ﵀ قد أمسك رجلًا، وهو يقول لي: أم هذا، أم هذا. والرجل الذي أشار إليه هو ابن عائشة بنت معمر. فلما استيقظت قلتُ في نفسي: ما قال هذا إلا لأجل شيء. فوقع في قلبي أنه يريد الحديث، فمضيت إلى دار بني معمر وفتشت الكتب، فوجدتُ مسند العدني سماع عائشة مثل ابن الإخوة، فلما سمعناه عليها قال لي بعض الحاضرين: إن لها سماعًا بمُعجم ابن المقرئ. قلت: أين هو؟ قال: عند فلان الخباز. فأخذناه وسمعناه منها. وبعد أيام ناولني بعض الإخوان معجم أبي يعلى سماعها. فسمعناه. أنشدنا ابن خولان، قال: أنشدنا أبو عبد الله الحافظ سنة ست وعشرين وست مائة، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن سعد بن عبد الله لنفسه يرثي الحافظ:

стр. 12546

هذا الذي كنتُ يوم البين أحتسب … فلْيَقْض دمعُك عنّي بعض ما يجبُ لم يُبْقِ فيَّ الأَسَى والسّقْمِ جارحةٍ … نفسٌ تذوبُ ودمع إثرها يجبُ تالله لا رُمتُ صبرًا عنهمُ أَبدًا … وَفِي الحياة فَمَا لي دونهم أربُ لا تَعْجَبَنّ لوفاتي بعدهم أسفًا … وإنما حياتي من بعدهم عجبُ سقيًا ورعيًا لأيام لنا سفلت … والشملُ مجتمعٌ والأُنْس منتسبٌ والعيشُ غَضٌّ وعين الدَّهر راقدةٌ … والبينُ رَثٌّ وأثواب الهَوَى قُشُبُ والدارُ ما نزحَتْ والورقُ ما صَدَحَتْ … وحبَّذا بكم الأجراع والكتُبُ إنْ تُمس دارُهُم عنّي مُباعدةً … فإنّ مسكنَهُمْ فِي القلبِ مُقْتَربٌ يا سائرين إِلَى مصرَ سألتُكُم … رِفْقًا عليَّ فإنّ الأجرَ مُكتسبُ قولوا لساكنها: حييتَ من سَكَنٍ … يا مُنية النفسِ ما ذا الصدُّ والغضبُ بالشّام قومٌ وَفِي بغدادَ قد أسِفُوا … لا البُعدُ أخلقَ بلواهُم ولا الحقبُ ومنها: لولاك مادَ عمُود الدّين وانهدمَتْ … قواعدُ الحقّ واغتالَ الهُدَى عطبُ فاليومَ بعدَكَ جمرُ الغَيّ مُضْطَرِمُ … بادي الشّرار ورُكن الرُّشْد مضطربُ فليبكينّك رسولُ اللهِ ما هَتَفَتْ … ورقُ الحَمَام وتبكي العجم والعربُ لم يفترق بكم حالٌ فموتكما … في الشَّهْر واليوم هَذَا الفخرُ والحسبُ أَحْيَيْتَ سُنّتَه من بعد ما دُفِنَتْ … وشُدْتَها وقد انهدّتْ لها رتبُ يا شامتين وفينا ما يسوؤهُم … مسْتَبْشرينَ وهذا الدهرُ محتسبُ ليس الفناء بمقصورٍ على سببٍ … ولا البقاءُ بممدودٍ له سببُ مَن لم يعِظْه بياضُ الشَّعْر أيقظهُ … سوادُ عَيْشٍ فلا لَهْوٌ ولا طربُ الصبرُ أهونُ ما تُمطى غَوارِبُهُ … والأجرُ أعذبُ ما يُجنى ويجتلب إنْ تحسبوه كريه الطَّعْم أيْسَرُه … سمٌ مُذاقٌ ففي أعقابه الضربُ ما ماتُ من كان عزّ الدّين يَعقُبُه … وإنّما الميت منكم مَن له عقبُ ولا تقوض بيتُ كان يعمدهُ … مثل العماد ولا أودى له طنب علا العُلى بجمال الدين بعدكما … تحيا العلوم بمحيي الدين والقربُ مثل الدراري السواري شيخنا أبدًا … نجمٌ يغور وتبقى بعده شُهُب

стр. 12547

مِن مَعشَرٍ هجروا الأوطانَ وانتهكوا … حِمَى الخُطُوبِ وأبكار العُلا خطبوا شم العرانين ملحٌ لو سألتَهُمْ … بذلَ النُّفُوسِ لَمَا هابوا بأنْ يهبوا بيضٌ مَفَارقُهم سودٌ عواتِقُهُم … يُمْسي مُسابِقُهُم من حظه التعب نورٌ إذا سئلوا، نارٌ إذا حملوا … سحبٌ إذا نزلوا، أسدٌ إذا ركبوا الموقدون ونارُ الخير خامدةٌ … والمُقدمون ونارُ الحرب تلتهبُ هَذَا الفَخَارُ فإنْ تجزع فلا جزعٌ … على المحب وإن تصبر فلا عجبُ ٥٩٦ - عبد القادر بن خلف بن أبي البركات يحيى بن فضلان، أبو بكر البغدادي، الأزجي، المشاهر، المؤدب. سمع من أبيه، وابن ناصر، وأبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الفتح الكروخي، وأبي الوقت السجزي. روى عنه الدبيثي، والضياء، وآخرون. وأجاز للفخر علي. توفي في ذي الحجة (١). ٥٩٧ - عبد الملك بن عثمان بن عبد الله بن سعد، أبو محمد المقدسي. قتل بقرية الهامة في شوال. وهو والد الزين أحمد، والجمال عبد الله. ٥٩٨ - عبد الملك بن مظفر بن عبد الله، أبو غالب الحربي. شيخ صالح سمع أحمد بن أبي غالب الزاهد، وسعيد ابن البناء، وجماعة. روى عنه الحافظ الضياء، والشرف عبد الله بن أبي عمر، وابن عمه المجد عيسى، وغيرهم. وأجاز للفخر علي، والكمال عبد الرحيم بن عبد الملك. وتوفي في شوال (٢). ٥٩٩ - عبد الملك بن مواهب بن مسلم بن الربيع، أبو محمد، وأبو القاسم السلمي، البغدادي، النصري، الوراق، الشيخ الصالح الذي كان يذكر أنه رأى الخضر.

стр. 12548

روى عن القاضي أبي بكر الأنصاري. قال الدبيثي (١): كان صالحًا، حسن الطريقة. توفي في تاسع ربيع الآخر. روى عنه هو، وابن خليل، والضياء، والنجيب ابن الصيقل. وقرأت بخط شيخنا ابن الظاهري، قال: كان صالحًا مستجاب الدعوة، يأكل من كسب يده، وكان يزعم أنه يرى الخضر ﵇ (٢). قلت: أجاز للفخر علي، ولجماعة. ٦٠٠ - عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله بن الحسين، أبو علي المؤذن، الدارقزي، المعروف بابن القشوري. ذكر أنه سمع من أبي القاسم بن الحصين، وقاضي المرستان. وحدث عن أبي غالب محمد بن محمد بن أسد العكبري، شيخ روى عن أبي الفتح ابن علوان. روى عنه الدبيثي (٣)، وقال: توفي في صفر، وابن النجار، وقال (٤): صدوق (٥). ٦٠١ - عبد المنعم ابن الفقيه أبي نصر هبة الكريم بن خلف بن المبارك ابن البطر، أبو الفضل البغدادي البيع، المعروف بابن الحنبلي. حدث عن أبي الفضل الأرموي. وكان أبوه يروي عن قرابته أبي الخطاب نصر ابن البطر. توفي في ذي القعدة (٦). ٦٠٢ - عبد المنعم بن يحيى بن أحمد بن عبيد الله، الأزجي، البيع. حدث عن ابن ناصر، وأبي الوقت. ومات أيضًا في ذي القعدة (٧).

стр. 12549

٦٠٣ - عبد الواحد بن سعد بن يحيى، أبو الفتح البغدادي، الصفار، من أهل نهر القلائين. سمع أبا بكر الأنصاري، وهبة الله ابن الطبر، وإسماعيل ابن السمرقندي، وعبد الجبار بن أحمد بن توبة الأسدي، وعبد الرحمن بن محمد القزاز، وجماعة. وكان شيخًا صالحًا. عاش اثنتين وثمانين سنة. ومات في رابع المحرم. ذكره الحافظ زكي الدين، وقال (١): لنا منه إجازة. ٦٠٤ - عتيق بن علي بن سعيد بن عبد الملك بن رزين، أبو بكر العبدري، الطرطوشي، القاضي، المعروف بابن العقار. ذكره ابن الأبار، وقال (٢): أصله من طرطوشة، ونشأ بميورقة، واستوطن بلنسية. وقرأ على: أبي الحسن بن هذيل، وابن النعمة، وأبي بكر بن نمارة. وسمع منهم، ومن غيرهم. وأجاز له أبو طاهر السلفي، وجماعة. وقعد للتعليم بالقرآن، وكان من أهل التجويد والتحقيق والتقدم في الإقراء، مع الفقه والبصر بالشروط. ولي قضاء بلنسية وخطابتها وقتًا. وكانت في أحكامه شدّة، وفي أخلاقه حدة. أخذ الناس عنه القراءات والحديث. ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة، وتوفي في ذي الحجة. ٦٠٥ - العراقي بن محمد بن العراقي. العلامة ركن الدين، أبو الفضل القزويني الطاووسي، صاحب الطريقة. كان إماما كبيرًا، مناظرًا، محجاجًا، قيمًا بعلم الخلاف، مفحمًا للخصوم. أخذ ذلك عن الشيخ رضي الدين النيسابوري الحنفي صاحب الطريقة، فبرع في الفن، وصنف ثلاثة تعاليق. وازدحم عليه الطلبة بهمذان، ورحلوا إليه من النواحي. واشتهر اسمه. ومن أصحابه: نجم الدين أحمد بن محمد بن خلف المقدسي، اشتغل عليه حتى صار معيده. توفي ركن الدين في رابع عشر جمادى الآخرة بهمذان (٣).

стр. 12550

٦٠٦ - عزيزة (١) بنت علي بن أبي محمد يحيى بن علي ابن الطراح المدير. أخت ست الكتبة. حدثت عن جدها. روى عنها الحافظ الضياء، والنجيب الحراني، وغيرهما. وأجازت للفخر علي، وللشيخ شمس الدين، ولإسماعيل العسقلاني. وماتت في نصف شعبان. ٦٠٧ - علي ابن الأجل أبي طاهر أحمد بن الحسين بن عبد الله بن أيوب، أبو الحسن الكرخي، الكاتب. ولد سنة ثلاث وعشرين، وسمع أبا بكر الأنصاري، وأبا منصور ابن زريق القزاز. روى عنه الدبيثي، والضياء، والنجيب عبد اللطيف. وتوفي في سلخ ربيع الأول (٢). ٦٠٨ - عمر بن إبراهيم بن الحسن بن طاهر، أبو حفص ابن الحصني، الحموي، ثم الدمشقي. سمع من علي بن الحسين ابن أشليها، ونصر الله بن محمد المصيصي، وأبي يعلى حمزة ابن الحبوبي. روى عنه ابن خليل، والضياء، والشهاب القوصي. وأجاز لأحمد بن أبي الخير (٣). ٦٠٩ - عمر بن علي بن محمد، أبو حفص الحربي، الإسكاف. سمع عبد الله بن أحمد بن يوسف. روى عنه يوسف بن خليل. وأجاز لابن أبي الخير (٤). ٦١٠ - عمر بن علي بن المظفر، أبو حفص الأشتري، الصوفي، نفيس الدين، الخادم بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة. سمع سعيد بن سهل الفلكي، وأبا طاهر السلفي. وحدث. وتوفي في ربيع الأول (٥).

стр. 12551

٦١١ - عمر بن محمد بن الحسن بن عبد الله، أبو حفص الأزجي، القطان، المعروف بجُريرة (١). شيخ مسند مشهور. حدث عن أبي القاسم بن الحُصين، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي، وأبي بكر الأنصاري. روى عنه الدبيثي (٢)، والضياء، والنجيب عبد اللطيف. وأجاز لابن أبي الخير، وللفخر ابن البخاري. وتوفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى. ٦١٢ - عمر ابن الإمام أبي المحاسن يوسف بن عبد الله بن بندار، الفقيه أبو حفص الدمشقي. تفقه على والده ببغداد. وسمع من أبي الوقت، وأبي زرعة المقدسي. وقدم مصر وحدث بها وناظر. وهو أخو قاضي القاهرة زين الدين علي. توفي في ثامن عشر صفر (٣). ٦١٣ - عيسى بن محمد بن عيسى بن عقاب، أبو الأصبغ الغافقي، القرطبي، المقرئ. أخذ القراءات عن أبيه، وأبي القاسم بن رضا، وغيرهما. وسمع من أبي الوليد ابن الدباغ، وجماعة. وحدث وأقرأ القرآن. وتوفي في المحرم عن أربع وسبعين سنة (٤). ٦١٤ - غالب بن عبد الرحمن بن محمد بن خلف (٥)، أبو بكر الشراط، الأنصاري، الأندلسي، المقرئ. أخذ القراءات عن أبيه. وعن أبي بكر بن خير. وسمع الكثير من ابن بشكوال. وسمع من أبي العباس بن مضاء، وأبي الحسن عبد الرحمن بن بقي، وجماعة. قال الأبار (٦): أقرأ، ودرس، وحدث، وعلم العربية. وكان من أهل

стр. 12552

العلم والعمل، محببًا إلى الخاصة والعامة، بصيرًا بالقراءات، والعربية، واللغة. توفي في ربيع الآخر كهلًا. ٦١٥ - فتح بن محمد بن فتح، أبو نصر ابن الفصال القرطبي. أحد من أكثر عن أبي القاسم بن بشكوال، وأبي بكر بن خير (١). ٦١٦ - فاطمة بنت أبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري البلنسي، أم عبد الكريم. ولدت بأصبهان في سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة. وسمعت حضورًا، ولها سنتان وشيء من فاطمة بنت عبد الله الجُوزدانية. وقدم بها أبوها بغداد في سنة خمس وعشرين، فسمّعها حضورًا من أبي القاسم بن الحُصين، وزاهر بن طاهر، وأحمد بن الحسين ابن البناء، وأسمعها من نفسه، ومن هبة الله بن أحمد بن الطبر، ويحيى بن حبيش الفارقي، ويحيى ابن البناء، وأبي المكارم أحمد بن عبد الباقي، وأبي منصور بن زريق القزاز، وإسماعيل ابن السمرقندي، والقاضي أبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري، وطائفة كبيرة. وأجاز لها خلق. وحدثت بدمشق، والقاهرة. تزوج بها ابن نجا الواعظ، وأقدمها معه إلى دمشق، ثم سكن بها بمصر، فأكثر عنها المصريون وعني بها والدها أتم عناية. روى عنه أبو موسى ابن الحافظ عبد الغني، والمحدث عبد الرحمن بن مقرب التجيبي، والفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد ابن الوزان، وأبو عبد الله محمد ابن المقرئ الشاطبي، والضياء، وخطيب مردا، وعبد الله بن علاق، وخلق كثير. وبالإجازة: أحمد بن أبي الخير، والحافظ زكي الدين عبد العظيم، وقال (٢): توفيت في ثامن ربيع الأول. ٦١٧ - فضل الله ابن الحافظ أبي سعيد محمد بن أحمد، الإمام أبو المكارم النوقاني الفقيه، الشافعي. ونوقان هي مدينة طوس. مولده في سنة أربع عشرة وخمس مائة. وبادر أبوه فأخذ له الإجازة من محيي السنة أبي محمد البغوي. وسمع من عبد الجبار بن محمد الخواري أربعي البيهقي الصغرى. وسمع من أبيه مسند الشافعي.

стр. 12553

وكان بارعًا في مذهبه، تفقه مدة بمحمد بن يحيى. وكان مفتيًا، مهيبًا، مدرسًا. سمع منه أبو رشيد الغزال، وغيره. وأجاز للشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، وللفخر علي ابن البخاري. مرض بنيسابور، فحمل إلى نوقان فمات بها في سنة ستمائة. ورخه أبو العلاء الفرضي. وقيل: ولد سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، فنحنُ نروي تصانيف مُحيي السنة؛ كشرح السنة، ومعالم التنزيل، والمصابيح، والتهذيب، والأربعين حديثًا بالإجازة العالية، من ابن أبي عمر، والفخر علي، بإجازتهما منه، بإجازته من المؤلف. ٦١٨ - القاسم ابن الحافظ الكبير أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين. الحافظ، المفيد، المسند، الورع، بهاء الدين أبو محمد الدمشقي، المعروف بابن عساكر. مولده في نصف جمادى الأولى سنة سبعٍ وعشرين وخمس مائة. وسمع أباه، وعمه الصائن هبة الله، وجدّ أبويه القاضي أبا المفضل يحيى بن علي القرشي، وابنه القاضي أبا المعالي محمد بن يحيى، وجمال الإسلام أبا الحسن علي بن المسلم، وأبا طالب علي بن عبد الرحمن الصوري، ويحيى بن بطريق الطرسوسي، وأحمد بن محمد الهاشمي الذي روى عن السميساطي، وأبا الفتح نصر الله بن محمد المصيصي، وهبة الله بن طاوس، وأبا الدر ياقوت بن عبد الله الرومي، والخضر بن الحسين بن عبدان، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الحديد، ونصر بن أحمد بن مقاتل، وأبا القاسم بن البن، وأبا الحسن المرادي، وأبا سعد ابن السمعاني، وخلقًا كثيرًا. وأجاز له عامة مشايخ خُراسان الذين لقيهم أبوه في سنة ثلاثين. منهم: أبو عبد الله الفراوي، وزاهر الشحامي، والحسين بن عبد الملك الخلال، وهبة الله السيدي. وأجاز له القاضي أبو بكر الأنصاري، وجماعة من بغداد. وكان إمامًا، محدثًا، ثقة، حسن المعرفة، كريم النفس، مكرمًا للغرباء، ذا أنسة بما يُقرأ عليه، وخطه وحش، لكنه كتب الكثير، وصنف، وخرج، وعُني بالكتابة والمطالعة، فبالغ إلى الغاية. وكان ظريفًا، كثير المزاح. قال العزّ النسابة: كان أحب ما إليه المزاح.

стр. 12554

وقال ابن نقطة (١): هو ثقة إلا أن خطه لا يشبه خط أهل الضبط. وقال عبد الرحمن ابن المقرب الإسكندري: حدثني المحدث ندى الحنفي قال: قرأتُ على أبي محمد بن عساكر، حدثنا ابن لهيعة، فقال: لُهيعة بالضم فراجعته فلم يرجع. وقال الحافظ عبد العظيم (٢): قلت للحافظ أبي الحسن المقدسي: أقول: حدثنا القاسم (٣) بن علي الحافظ بالكسر نسبةً إلى والده؟ فقال: بالضم، فإني اجتمعت به بالمدينة فأملى علي أحاديث من حفظه، ثم سير إلي الأصول فقابلتها فوجدتها كما أملاها. وفي بعض هذا يطلق عليه الحفظ. قلت: وليس هذا هو الحفظ العرفي. وقد صنف كتاب المستقصى في فضل المسجد الأقصى، وكتاب الجهاد. وأملى مجالس. وكان يتعصب لمذهب الأشعري، ويبالغ من غير أن يحققه. وقد ولي مشيخة دار الحديث النورية بعد والده إلى أن مات. ولم يتناول من معلومه شيئًا. بل جعله مرصدًا لمن يرد عليه من الطلبة. وقيل: إنه لم يشرب من مائها، ولا توضأ منه. وقد سمع منه خلق. وحدث بمصر، والشام. روى عنه أبو المواهب ابن صصرى، وأبو جعفر القرطبي، وأبو الحسن بن المفضل، وأبو محمد عبد القادر الرهاوي، ويوسف بن خليل، والتقي اليلداني، والكمال محمد ابن القاضي صدر الدين عبد الملك بن درباس، والمعني عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، والتاج عبد الوهاب ابن زين الأمناء، وعبد الغني بن بنين القباني، والخطيب عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني، والمحدث زين الدين خالد، والنجيب فراس العسقلاني، والمجد محمد بن إسماعيل بن عساكر، والتقي إسماعيل بن أبي اليسر، والكمال عبد العزيز بن عبد، وأبو بكر محمد بن علي النشبي. وأجاز لابن أبي الخير الحداد، ولأبي الغنائم المسلم بن علان. وتوفي في تاسع صفر. ٦١٩ - كامل بن عبد الجليل بن أبي تمام، الرئيس الشريف أبو الفضائل الهاشمي، البغدادي، الحريمي، المعروف بابن الشنكاتي (٤).

стр. 12555

سمع أبا منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز. روى عنه الدبيثي (١)، والنجيب عبد اللطيف. وتوفي في جمادى الآخرة. ٦٢٠ - الليث بن علي بن محمد، أبو الفتح ابن البوراني، البغدادي. شيخ معمر، ولد بعد الخمس مائة بيسير، ولو سمع على مقتضى سنه لسمع من أبي القاسم بن بيان، وطبقته. ولكنه سمع في كبره من القاضي أبي بكر. ومن محمد بن محمد بن أسد. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وغيره. وروى عنه بالإجازة أبو الحسن ابن البخاري. وتوفي في ثاني ربيع الأول (٢). ٦٢١ - محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور، الجمال أبو بكر المقدسي، وهو مشهور بكنيته. قال الضياء: وُلد سنة ثلاث وستين، وتوفي بنابلس لأنه مضى ليزور القدس بعد حجته. وكان فقيهًا زاهدًا، ورعًا، كثير الخوف من الله. كان يعرف بالزاهد. رحل مع أخيه البهاء عبد الرحمن إلى بغداد، وسمع الكثير بها وبدمشق. وكان يتنظف ويبالغ في الوضوء. ثم رجع وتزوج. ثم سافر إلى بغداد، وأقام بها مدة وحصل فنونًا وعاد. وكان يؤم بمسجد دار البطيخ بدمشق. وتزوج بمريم بنت خلف بن راجح، فولدت له أحمد، وعبد الرحمن، وصفية. أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار بقراءتي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بحران سنة أربع وثمانين، قال: أخبرنا ابن شاتيل، قال: أخبرنا ابن بيان، فذكر حديثين. ٦٢٢ - محمد بن الحسين بن علي بن الهادي بن القاسم بن ناصر الحق، الشريف النقيب نقيب السادة بمصر، أبو الفضل، المعروف بابن الدلالات، العلوي، الحسيني، الطبري. توفي في جمادى الأولى. وحدث عن الوزير أبي المظفر الفلكي (٣). ٦٢٣ - محمد بن صافي بن عبد الله، أبو المعالي البغدادي، النقاش. ولد سنة ثمان عشرة وخمس مائة. وسمع من أبي بكر المزرفي، ويحيى بن الحسن ابن البناء، وأبي البركات يحيى بن عبد الرحمن الفارقي، وأبي

стр. 12556

القاسم ابن السمرقندي. روى عنه ابن النجار، والدبيثي (١)، والضياء المقدسي، وغيرهم. وأجاز للشيخ شمس الدين، وللشيخ الفخر المقدسيين. وتوفي في ربيع الآخر، وله اثنتان وثمانون سنة (٢). ٦٢٤ - محمد ابن الإمام موفق الدين أبي محمد بن قدامة، أبو الفضل. ولد في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين، وتوفي في جمادى الأولى، وقد استكمل ستًا وعشرين سنة. قال الضياء: مات بهمذان. وكان شابًا ظريفًا، فقيهًا، تفقه على والده، وسافر إلى بغداد، واشتغل بالخلاف على الفخر إسماعيل غلام ابن المنِّي، وسمع الحديث. ٦٢٥ - محمد ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، أبو الفضل. سمع من والده، وسعيد ابن البناء، وأبي الوقت. وحدث. وتوفي في ذي القعدة. روى عنه أبو عبد الله ابن النجار، وقال: كان من ذوي الثروة، وكان طحانًا، فكثرت أمواله وتنعم فقابل النعمة بالكفر، حتى سمعت من جماعة أنه كان يأخذ الذهب ويرمي به نحو السماء ويقول: كم تعطيني ذهبًا وقد شبعت! ثم ما زال في انحطاط حتى افتقر، ولبس بالفقيري، ولزم رباطهم. ثم سافر إلى دمشق ليطلب شيئًا، ثم عاد إلى بغداد. ولم تكن طريقته مرضية، وكان خاليًا من العلم. عاش ثمانيًا وخمسين سنة (٣). ٦٢٦ - محمد بن عبد الملك بن محمد، أبو عبد الله الأزدي، العتكي الأندلسي، من أهل الجزيرة الخضراء. عمر وعاش ستًا وثمانين سنة. وسمع من أبي العباس بن زرقون فقط. وولي قضاء بلده. حدث عنه أبو محمد بن حوط الله، وأبو عبد الله بن هشام (٤).

стр. 12557

٦٢٧ - محمد بن علي بن محمد بن الخازن، أبو المعالي البزاز، المعروف بابن قشيلة، بقافٍ مضمومة، وشين معجمة. سمع أبا بكر محمد بن عبد الباقي القاضي، وأبا الوقت. وإنما ظهر سماعُه بعد موته. توفي في ربيع الآخر (١). ٦٢٨ - محمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي. القاضي أبو البركات الأنصاري، الموصلي، الشافعي. ولد سنة ثلاثين وخمس مائة بالموصل. وسمع من القاضي أبي بكر محمد بن القاسم الشهرزوري. وببغداد من ابن ناصر، والنقيب أحمد بن علي العلوي، وأبي الوقت. وذكر وفاة أبي البركات هذا الحافظ عبد العظيم فقال (٢): توفي في ثاني (٣) ربيع الأول بأسيوط، ودفن عند مصلى العيد، وقد ولي القضاء بها زيادة على عشرين سنة. قال: وذكر أنه تولى الحكم بحماة ثمان سنين في زمان نور الدين، وجمع كتابًا سماه عيون الأخبار وغرر الحكايات والأشعار. وجمع أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا في أربعين مدينة. وجمع معجم النساء. وذكر في هذه الكتب أنه سمع بالموصل من الشهرزوري، ويحيى بن سعدون، وببغداد من ابن ناصر، وبالبصرة من فلان (٤)، وبهمذان من أبي العلاء، وبحلب من ابن عصرون، وبدمشق من ابن عساكر، وبمصر من أبي الفتح المحمودي، وبأسيوط، ودمياط، وقوص، وأسوان، ومدنًا كثيرة. سمع منه خطيب أسيوط أبو الرضا محمد بن سليمان، والحسن بن عبد الباقي الصقلي. وحدثنا عنه أبو الحسن بن أبي الجود الفتحي. ووقع في كتابه عيون الأخبار مواضع وهمها ظاهر جدًا. ٦٢٩ - محمد بن أبي نصر محمد بن ياسين بن عبد الملك، أبو البركات التاجر البغدادي.

стр. 12558

ولد سنة أربع وثلاثين، وعرض القرآن على أبي الحسن علي بن أحمد اليزدي. وسمع أبا الفضل الأرموي، وجماعة (١). وحدث عنه ابن الدبيثي (٢). ٦٣٠ - محمد بن المهنا بن محمد. الأديب أبو عبد الله البناني، البغدادي، الشاعر المشهور. ولد في محرم سنة تسع وخمس مائة، ومدح الخلفاء والوزراء، وطال عمره. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي في تاريخه من شعره، وقال (٣): توفي في رابع شوال. وروى عنه أيضًا ابن النجار. تزوج بتسعين امرأة. ٦٣١ - محمد بن يحيى بن صباح. أخو أبي صادق الحسن القرشي، المخزومي. سمع عبد الله بن رفاعة. وحدث عنه بدمشق، وبها توفي وله اثنتان أو ثلاث وخمسون سنة. توفي في شوال (٤). ٦٣٢ - محمد بن يحيى بن محمد بن متوكل، أبو بكر ابن الحذاء التميمي، الإشبيلي، الشاهد. قال الأبار (٥): روى فيما أحسب عن أبي محمد بن عتاب. أخذ عنه أبو علي الشلوبين. وتوفي سنة ست مائة أو إحدى وست مائة عن نيفٍ وتسعين سنة. ٦٣٣ - محمد بن يحيى بن محمد، أبو بكر الجذامي، النيار، الإشبيلي، الشاهد. سمع من شريح بن محمد صحيح البخاري، ومن أبي بكر بن طاهر الموطأ. وحدث.

стр. 12559

توفي فيها تقريبًا (١). ٦٣٤ - محمد بن يوسف بن مفرج بن سعادة، أبو بكر وأبو عبد الله الإشبيلي، المقرئ، نزيل تلمسان. قال الأبار (٢): أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح بن محمد، وأبي العباس بن حرب. وسمع منهما، ومن القاضي أبو بكر ابن العربي، وأبي بكر بن مدير. ولم يسمع من شريح إلا الموطأ وصحيح البخاري. وكان مقرئًا فاضلًا، ومحدثًا ضابطًا. أخذ الناسُ عنه، وعمر وأسن. وحكى أبو العباس ابن المزين أنه لقيه بتلمسان، وأنه أجاز له في ربيع الآخر سنة ستمائة. وفيها توفي. ٦٣٥ - محمد بن يوسف بن أبي بكر، الشيح ضياء الدين أبو بكر الآملي، الطبري، المقرئ، الفقيه، إمام السلطان صلاح الدين. سمع بأصبهان من مسعود الثقفي، وأبي الخير الباغبان. وبهمذان من الحافظ أبي العلاء العطار. وبشيراز من عبد العزيز بن محمد الأدمي، وغيرهم. وحدث بمصر، ودمشق، والمدينة. روى عنه علاء الدين علي بن محمد بن سعيد ابن القلانسي، وتقي الدين اليلداني، وشمس الدين ابن خليل، وشهاب الدين القوصي، وجماعة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وأبي الغنائم بن علان. وتوفي في العشرين من ربيع الآخر. وكان قد اعتنى بكتب القراءات نسخًا وسماعًا. ويعرف بخواجا إمام (٣). ٦٣٦ - المبارك بن إبراهيم بن مختار بن تغلب. الشيخ الصالح أبو محمد الأزجي، الطحان، المعروف بابن السيبي. سمع أبا القاسم بن الحُصين، وأبا البركات بن حبيش الفارقي. وتغلب: بغين معجمة (٤). روى عنه ابن خليل، والدبيثي (٥)، والضياء محمد، والتقي اليلداني،

стр. 12560

وابن عبد الدائم، وعبد اللطيف الحراني، وآخرون. وكان خيرًا حافظًا للقرآن. توفي في شوال وله ثلاثٌ وثمانون سنة. وابنه عبيد الله يروي عن ابن البطي. ٦٣٧ - المبارك بن طاهر بن المبارك، أبو المظفر الخزاعي، البغدادي، الصوفي. شيخ صالح عارف. نزل إربل وحدث بها، وبالموصل عن نوشتكين الرضواني، وابن ناصر. وتوفي في جمادى الآخرة. سمع منه المطهر بن سديد. وأقام بإربل دهرًا (١). ٦٣٨ - مريم بنت أبي الفائز مظفر بن داود النهرواني الأزجي. سمعت أبا الفضل محمد بن عمر الأرموي، وتوفيت في ربيع الأول. يقال لأبيها البازيازي، بزايين بينهما ياء آخر الحروف (٢). ٦٣٩ - نصر بن علي بن منصور، أبو الفتح الحلي، النحوي، المعروف بابن الخازن، تلميذ أبي محمد الحسن بن علي بن عبيدة في العربية. وقد سمع من ابن كليب، وطبقته. وكان أديبًا فاضلًا، كثير الكتب. توفي بالحلة المزيدية، ودفن بكربلاء بالمشهد في جمادى الأولى (٣). ٦٤٠ - نصر بن عبد الله بن الحسين بن جهير، الرئيس الأجل أبو الفرج. ولي الوزارة من بيته غير واحد، وحدث عن سعيد ابن البناء، ومحمد بن عبيد الله الرطبي (٤). ٦٤١ - هبة الله بن أبي المعمر الحسين بن الحسن بن علي بن البل (٥)، أبو المعالي بن أبي الأسود البغدادي، البيع. شيخ صالح معمر من أبناء التسعين. روى عن أبي بكر الأنصاري، وأبي

стр. 12561

الفتح عبد الله ابن البيضاوي، وجماعة (١). روى عنه الدبيثي (٢)، وابن خليل، والضياء، والنجيب عبد اللطيف. وأجاز لابن أبي الخير. وتوفي في رجب. ٦٤٢ - هبة الله بن يحيى بن علي بن أبي المكارم حيدرة. القاضي الأجل، صنيعة الملك أبو محمد القيسراني الأصل، المصري، المعدل ويعرف بابن ميسر. ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة، وروى السيرة عن عبد الله بن رفاعة السعدي. وروى عن أبي العباس بن الحطيئة. روى عنه أبو الحسن السخاوي، والضياء محمد، وخطيب مردا، وجماعة. ذكر الحافظ المنذري وفاته في سابع عشر ذي الحجة وأثنى عليه، فقال (٣): كان عالي الهمة، نزهًا، صالحًا، كثير البر والمعروف. وجده علي هو الذي قدم مصر من قيسارية. وعرف بابن ميسر؛ لأن قاضي القضاة ابن ميسر ربى والده أبا الحسين يحيى للمصاهرة التي بينهما. ٦٤٣ - هذيل بن محمد بن هذيل الأنصاري، أبو المجد الإشبيلي. أخذ القراءات عن أبي الأصبغ السماتي، ومحمد بن محمد بن معاذ، وجماعة. وتصدر للإقراء ولتعليم العربية. أخذ عنه ابن الطيلسان. وكان حيًا في هذه السنة (٤). ٦٤٤ - واثق بن المبارك بن أحمد، أبو منصور ابن قيداس الحريمي. سمع من أحمد بن علي بن الأشقر. وحدث. ومات في شوال (٥). ٦٤٥ - لاحق بن أبي الفضل بن علي، الشيخ أبو طاهر الحريمي، الخباز، الصوفي برباط الخليفة، المعروف بابن قندرة (٦). روى المسند كله عن ابن الحُصين. وكان صحيح السماع، مسنًا، معمرًا. ولد سنة اثنتي عشرة وخمس مائة. وعنه الدبيثي (٧)، وابن خليل،

стр. 12562

والضياء، واليلداني، وجماعة. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، والفخر علي. توفي في ثامن المحرم. ٦٤٦ - يحيى بن سعيد بن مسعود، أبو زكريا الأندلسي، المقرئ، النحوي، نزيل تلمسان، ويعرف بالقلني. وقلنة: من بلاد الثغر الشرقي من الأندلس. قال الأبار (١): كان مقرئًا، نحويًا، لغويًا، حافظًا، شاعرًا. تصدر للإقراء، وله شعر كثير معظمه في الزهد والوعظ. روى عنه التجيبي، وأبو العباس ابن المزين، وقال: أجاز لي في جمادى الأولى عام ستمائة. قلت: ولم يؤرخ الأبار له وفاة. ٦٤٧ - يحيى ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، أبو زكريا أصغر الإخوة. ولد سنة خمسين. وحدث عن ابن البطي. وتوفي ببغداد كهلًا (٢). ٦٤٨ - يحيى بن محمد بن علي بن طوق، أبو الفتح الموصلي، ثم البغدادي، الملقب بالسديد. حدث عن أبي الوقت. وتوفي في رمضان (٣). ٦٤٩ - يحيى بن محمد بن علي، أبو الحسين ابن الصائغ الأنصاري، السبتي، المغربي. قال الأبار (٤): سمع من أبي مروان بن قزمان، وأخذ عنه كتاب التقصي لابن عبد البر. وسمع من أبي عبد الله بن زرقون، وأبي القاسم بن بشكوال، وجماعة. وكان نسيج وحده في الورع، والزهد، والنسك، والتقلل من الدنيا، والإيثار. وله أخبار بديعة في ذلك. روى عنه التجيبي وهو أكبر منه، وأبو عبد الله بن هشام، وأبو الحسن الشاري. وأثنى عليه أبو الحسن وقال: لم أر أزهد منه. وتوفي بسبتة في رمضان.

стр. 12563

٦٥٠ - يعيش بن نجم بن عبد الله، أبو البقاء البغدادي، المأموني، الفرضي، الحاسب، الواعظ، الوكيل. عاش إحدى وسبعين سنة. وسمع سعيد ابن البناء، وعبد الله بن أحمد بن يوسف. ويقال: إنه سمع من قاضي المرستان. وكان عارفًا بالفرائض وعقد الوثائق. مات في شوال (١). ٦٥١ - يوسف بن سعيد بن مسافر بن جميل. الأزجي، المقرئ، البناء، القطان، أبو محمد. ولد سنة ست وأربعين، وسمع الكثير من أبي الفتح ابن البطي، والناس بعده. وتوفي في سلخ ذي الحجة. قال الدبيثي (٢): وكان فيه تخليط سامحه الله. وكتب الكثير إلى أن مات. • - أبو القاسم بن شدقيني. تقدم في الشين (٣)، والأصح أن اسمه كنيته. وفيها ولد: الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الله بن الزبير الخابوري خطيب حلب، وشيخ الطب عز الدين إبراهيم بن محمد ابن السويدي في ذي العقدة، والمحدث مكين الدين أبو الحسن بن عبد العظيم الحُصيني، والعلامة البرهان النسفي محمد بن محمد بن محمد الحنفي صاحب الجست.

стр. 12564

ومن المتوفين تقريبًا وتخمينًا ٦٥٢ - إبراهيم بن علي بن أحمد بن محمد بن حمك. المغيثي، النيسابوري، القاضي المعمر، أبو الفضل، قاضي القضاة. مولده في ذي الحجة سنة ثمان وخمس مائة. قرأته بخطه. وسمع منه العلامة جمال الدين محمود ابن الحصري موطأ أبي مصعب، بروايته عن هبة الله السيدي سماعًا. وأجاز للفخر ابن البخاري مروياته. وسماع الحُصري منه في رجب سنة ثمان وتسعين وخمس مائة. ٦٥٣ - أحمد بن عبد السلام، أبو العباس الكورائي، ويقال فيه: الجراوي. وهو بذلك أشهر، الشاعر البربري. وكورايا: قبيلةٌ من البربر، منازلهم بقرب فاس. كان آية زمانه في النظم وحفظ الأشعار القديمة والحديثة. جالس عبد المؤمن وأولاده من بعده، وطالت أيامه، وجمع حماسة كبيرةً مشهورةً بالمغرب، أحسن فيها الترتيب. وكان ظريفًا صاحب نوادر. ومن شعره في المنصور أبي يعقوب صاحب المغرب: إنّ الْإِمَام هُوَ الطبيبُ وقد شَفَى … عِلَلَ البريَّة ظاهرًا ودخيلا حَمَل البسيطَةَ وهي تحملُ شخصهُ … كالرّوح يوجد حاملًا محمولا وله: مشى اللؤم فِي الدّنيا طريدًا مشرّدًا … يجوبُ بلادَ اللَّه شرقًا ومَغْرِبا فلمّا أتى فاسًا تلقّاه أهلُها … وقالوا له: أهلًا وسهلًا ومرحَبَا وله مدائح فِي السّلطان عَبْد المؤمن وبنيه. تُوُفّي سنة بضْعٍ وتسعين وخمس مائة، وقد جاوز الثّمانين (١). قال تاج الدّين بْن حَمُّوَيْة: أدركته فرأيت شيخًا حسنًا، وقد زاد على العُمْرَيْن، وخضْرم حيث أدرك العَصْرين، وحلبَ من الدّهر الشّطْرين، مدح الكبار، وحصّل أموالًا. وقيل: إنّ يوسف بْن عَبْد المؤمن سألَ: من بالباب؟ فقالوا: أَحْمَد الكُوَّرَائيّ وسعيد الغماريّ. فقال: مِن عجائب الدّنيا، شاعرٌ من

стр. 12565

كُوَّرايا، وحكيم من غمارة. فبلغ ذلك أَحْمَد، فقال: " وضرب لنا مثلًا ونسي خلقهُ "، أعجب منهما خليفة من كومية. فقال الخليفة يوسف لمّا بلغه ذلك: أُعاقبه بالحلْم والعفْو عَنْهُ، ففيه تكذيبه. وللكُوَّرائيّ فِي عَبْد المؤمن: أبرَّ على الملوك فَمَا يُبارى … همامٌ قد أعاد الحربَ دارا له الأقدار أنصارٌ، فمهما … أراد الغزوَ يبتدرُ ابتِدارا يقدّم للعقاب مقدّمات … من الإنذار تمنع الاعتذارا ومضى في القصيدة. ومن أخرى فِي يوسف بْن عَبْد المؤمن له: مِن قَيْس عَيْلانَ الّذين سيوفُهُم … أبدًا تصولُ ظباؤها وتصونُ وغيوثُ حرْبٍ والنّوالُ سَحَائب … وليوث حربٍ والرماح عرينُ ضمِنَتْ لهم أسيافُهُم ورِماحُهُم … أنْ يكثر المضروبُ والمطعونُ قد أصْحَروا للنّازلات فَمَا لهُمْ … إلّا ظهوُر السّابقات حُصونُ ملكٌ إذا اضطّرب الزمانُ مخافةً … لم يُغنهِ التّسكينُ والتأمينُ أشْفَى على الدّنيا فَعفَّ، وغيره … بَدلالِها وجمَالِها مفتونُ عُذْرًا أَبَا يعقوب إنّ عُلاكُم … قد أفنتِ المِدَحات وهي فنونُ وله يصف الموحّدين: وَسَادة كأسُودِ الغابِ فَتْكُهُم … قصدٌ إذا اغتال فِي الهيجاء مُغتالُ تشوقهم للطّعان الخيلُ إنْ صَهَلَتْ … كما يشوقُ العميدّ الصَّبَّ أطلالُ إن سابَقُوا سَبَقُوا، أو حاربوا غَلَبُوا … أو يمَّموا وصَلوا، أو أملوا نالوا جادوا، وصالوا، وضاؤوا، واحتبوا، فهم … مزنٌ وأسدٌ، وأقمارٌ، وأجبالُ قال تاج الدّين: وتُوُفّي فِي أواخر أيّام السّيد يعقوب عن حالةٍ مَرْضية، وإنابةٍ وزهادةٍ، وإقبال على العبادة. وتناهَى به العُمر إِلَى غاية الهَرَم، وهو على جودة الذّهن، وحُسْن الشِّيَم. قلت: وقيل: إنه توفي سنة تسع وست مائة بإشبيلية. وسأعيده هناك مختصرًا (١).

стр. 12566

٦٥٤ - الحسن بن علي بن إبراهيم، أبو محمد الجويني الناسخ. كان بديع الوراقة، كتب بخطه ما لا يوصف حتى أن من جملة ما كتب مائتين وستة وثلاثين ختمة، منها ربعات. وأقام بحلب مدة، ثم سكن مصر وبها مات بعد التسعين. وكان فيه تشيع. وصنف كتاب حيل الملوك، وكتاب مدائح الملك الناصر صلاح الدين ابن أيوب، وكتابًا في مدائح أهل البيت ﵈ (١). ٦٥٥ - محمود بن علي بن الحسن، الشيخ سديد الدين أبو الثناء الرازي، المتكلم، المعروف بالحمصي. شيخ شيعي، فاضل، بارع في الأصلين والنظر. له عدة مصنفات، عمر نحوًا من مائة سنة. وقرأ عليه الفخر ابن الخطيب. وورد العراق في هذه الحدود. وأخذوا عنه. وتعصب له ورام بن أبي فراس، وحصل له ألف دينار، ودخل الحلة، وقرر لهم نفي المعدوم. وأملى التعليق العراقي. وله تعليق أهل الري. وله كتاب المنقذ من التقليد، وكتاب المصادر في أصول الفقه، وكتاب التحسين والتقبيح وغير ذلك. وكان في ابتدائه يبيع الحمص المسلوق بالري، ثم اشتغل على كبر ونبل، وصار آية في علم الكلام والمنطق. وكان درسه يبلغ ألف سطر، وما يتروى ولا يستريح، كأنما يقرأ من كتاب. وكان بصيرًا باللغة العربية، والشعر، والأخبار، وأيام الناس. وكان صاحب صلاةٍ وتعبد وبكاء وخشية. ذكره يحيى بن أبي طيئ في تاريخه. وبالغ في وصفه، فالله أعلم. ٦٥٦ - هبة الله بن زين بن حسن بن إفرائيم بن يعقوب بن جميع. الإسرائيلي اليهودي، لا رحم الله فيه مغرز إبرة. وهو الموفق، شمس الرياسة، أبو العشائر المصري. قرأ الطب وبرع فيه، وصار فاضل الديار المصرية فيه. وخدم السلطان صلاح الدين، وحظي عنده. وكان له حلقة اشتغال وتلامذة. أحكم الطب على الموفق عدنان ابن العين زربي، ولازمه مدة، ونظر في

стр. 12567

العربية واللغة. وقد رثاه بعض تلامذته بقصيدة مونقة. وله كتاب الإرشاد في الطب، وكتاب تنقيح القانون، ورسالة في طبع الإسكندرية، ومقالة في الليمون، ومقالة في الرواند، ومقالة في علاج القولنج، ومقالة في الحدبة، وغير ذلك. لم تؤرخ وفاته (١). ٦٥٧ - يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن مخلد، أبو الوليد البقوي القرطبي، الفقيه. والد القاضي أبي القاسم بن بقي. روى عن جده أبي القاسم أحمد، وشريح، وأبي بكر ابن العربي، وأبي القاسم بن رضا. أخذ عنه ابنه، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زيد الفازازي. ولي قضاء بعض النواحي. توفي سنة نيفٍ وثمانين وخمس مائة (٢). ٦٥٨ - يوسف بن سليمان بن يوسف بن عبد الرحمن بن حمزة المقرئ، أبو الحجاج البلنسي. أخذ القراءات في ختمة جمعًا عن أبي عبد الله بن غلام الفرس، وأخذها عن أبي الأصبغ بن فتوح الهاشمي، وكان ثقة خيرًا. صحبه أبو الحسن بن خيرة مدة. قال الأبار (٣): مات قبل الستمائة. (آخر الطبقة)

стр. 12568

الطبقة الحادية والستون (٦٠١ - ٦١٠ هـ)

стр. 12569

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) سنة إحدى وستمائة (١) ومما تم فيها: فيها عزل الناصر لدين الله ولده أبا نصر محمدًا عن ولاية العهد، بعد أن خطب له بولاية العهد سبع عشرة سنة، ومال إلى ولده علي ورشحه للخلافة، فاخترم في إبان شبابه، فاضطر الناصر إلى إعادة عدة الدين أبي نصر وهو الخليفة الظاهر. قال أبو شامة (٢): وفيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة لم ير مثله، واحترقت جميع خزانة السلاح والأمتعة وقدور النفط. ثم قال: وقيمة ما ذهب ثلاثة آلاف دينار وسبعمائة ألف دينار. قال: وفيها أخذت الفرنج النساء من على العاصي بظاهر حماة، فخرج الملك المنصور إليهم، وثبت وأبلى بلاء حسنًا، وكسر عسكره وثبت هو، ولولا وقوفه لراحت حماة. وفيها كانت جموع الفرنج نازلين بمرج عكا، والملك العادل بجيوشه نازل في قبالتهم مرابطهم، والرسل تتردد في معنى الصلح، ثم آخر الأمر تقررت الهدنة مدة بأن تكون يافا لهم ومغل الرملة ولد، ثم ترحل العادل إلى مصر، وتفرقت العساكر إلى أوطانهم. وفيها أغارت الفرنج على حمص، وقتلوا وبدعوا، وردوا غانمين. وفيها بعث صاحب حماة عسكرًا فحاصروا المرقب وكادوا يفتحونه، لولا قتل أميرهم مبارز الدين أقجا، جاءه سهم فقتله.

стр. 12570

ثم في أواخر العام أغارت فرنج طرابلس على جبلة واللاذقية، وكان عليها عسكر الحلبيين، فهزمتهم الفرنج، وقتل من المسلمين خلق، وحصل الوهن في الإسلام، وطمعت الملاعبين في البلاد، فأهم العادل أمرهم، ثم خرج من مصر في سنة ثلاث وستمائة، وأسرع حتى نازل عكا، فصالحه أهلها على إطلاق جميع ما في أيديهم من أسرى المسلمين، فقبل الأسرى وترحل عنهم، ثم قدم دمشق وتهيأ للغزاة، وعلم أن الفرنج عدو ملعون، وسار حتى نزل على بحيرة قدس (١)، واستدعى العساكر والملوك فأقبلوا إليه، وأشاع قصد طرابلس، ثم سار فنازل حصن الأكراد، وافتتح منه برجاً، وأسر منه خمسمائة، ثم توجه إلى قلعة قريبة من طرابلس وحاصرها فافتتحها، ثم سار إلى مدينة طرابلس فنازلها، ونصب عليها المجانيق، وقطع جميع أشجارها، وخرب أعمالها، وقطعوا عنها العين، وبقي أياماً إلى أن أيس (٢) من جنده فشلاً ومللاً، فعاد إلى حمص، فبعث إليه صاحب طرابلس يخضع له، وبعث له هدايا وثلاثمائة أسير، والتمس الصلح فصالحه، وذلت له الفرنج ولله الحمد. وفيها حج من الشام صارم الدين بزغش العادلي، وزين الدين قراجا صاحب صرخد. وقال العز النسابة: فيها تغلبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الروم منها بعد حصر وقتل، وحازوا مملكتها وانتهبوا ذخائرها، ووصل ما نهب منها إلى الشام وإلى مصر. وقال محمد بن محمد القادسي في تاريخه: إن امرأة بقطفتا (٣) ولدت ولداً برأسين وأربعة أرجل ويدان، فتوفي، وطيف به. وفيها كان خروج الكرج على بلاد أذربيجان فعاثوا وقتلوا وسبوا، واشتد البلاء، ووصلوا إلى أعمال خلاط، فجمع صاحب خلاط عسكره، ونجده عسكر أرزن الروم، فالتقوا الكرج، فنصرهم الله على الكرج - لعنهم الله - وقتل في المصاف مقدم الكرج، وغنم المسلمون وقتلوا مقتلة كبيرة.
следующие страницы →