٦٥٤ - الحسن بن علي بن إبراهيم، أبو محمد الجويني الناسخ.
كان بديع الوراقة، كتب بخطه ما لا يوصف حتى أن من جملة ما كتب مائتين وستة وثلاثين ختمة، منها ربعات. وأقام بحلب مدة، ثم سكن مصر وبها مات بعد التسعين. وكان فيه تشيع. وصنف كتاب حيل الملوك، وكتاب مدائح الملك الناصر صلاح الدين ابن أيوب، وكتابًا في مدائح أهل البيت ﵈ (١).
٦٥٥ - محمود بن علي بن الحسن، الشيخ سديد الدين أبو الثناء الرازي، المتكلم، المعروف بالحمصي.
شيخ شيعي، فاضل، بارع في الأصلين والنظر. له عدة مصنفات، عمر نحوًا من مائة سنة. وقرأ عليه الفخر ابن الخطيب. وورد العراق في هذه الحدود. وأخذوا عنه. وتعصب له ورام بن أبي فراس، وحصل له ألف دينار، ودخل الحلة، وقرر لهم نفي المعدوم. وأملى التعليق العراقي. وله تعليق أهل الري. وله كتاب المنقذ من التقليد، وكتاب المصادر في أصول الفقه، وكتاب التحسين والتقبيح وغير ذلك.
وكان في ابتدائه يبيع الحمص المسلوق بالري، ثم اشتغل على كبر ونبل، وصار آية في علم الكلام والمنطق. وكان درسه يبلغ ألف سطر، وما يتروى ولا يستريح، كأنما يقرأ من كتاب. وكان بصيرًا باللغة العربية، والشعر، والأخبار، وأيام الناس. وكان صاحب صلاةٍ وتعبد وبكاء وخشية.
ذكره يحيى بن أبي طيئ في تاريخه. وبالغ في وصفه، فالله أعلم.
٦٥٦ - هبة الله بن زين بن حسن بن إفرائيم بن يعقوب بن جميع. الإسرائيلي اليهودي، لا رحم الله فيه مغرز إبرة. وهو الموفق، شمس الرياسة، أبو العشائر المصري.
قرأ الطب وبرع فيه، وصار فاضل الديار المصرية فيه. وخدم السلطان صلاح الدين، وحظي عنده. وكان له حلقة اشتغال وتلامذة.
أحكم الطب على الموفق عدنان ابن العين زربي، ولازمه مدة، ونظر في
стр. 12567
العربية واللغة. وقد رثاه بعض تلامذته بقصيدة مونقة.
وله كتاب الإرشاد في الطب، وكتاب تنقيح القانون، ورسالة في طبع الإسكندرية، ومقالة في الليمون، ومقالة في الرواند، ومقالة في علاج القولنج، ومقالة في الحدبة، وغير ذلك.
لم تؤرخ وفاته (١).
٦٥٧ - يزيد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن مخلد، أبو الوليد البقوي القرطبي، الفقيه. والد القاضي أبي القاسم بن بقي.
روى عن جده أبي القاسم أحمد، وشريح، وأبي بكر ابن العربي، وأبي القاسم بن رضا. أخذ عنه ابنه، وأبو سليمان بن حوط الله، وأبو زيد الفازازي. ولي قضاء بعض النواحي.
توفي سنة نيفٍ وثمانين وخمس مائة (٢).
٦٥٨ - يوسف بن سليمان بن يوسف بن عبد الرحمن بن حمزة المقرئ، أبو الحجاج البلنسي.
أخذ القراءات في ختمة جمعًا عن أبي عبد الله بن غلام الفرس، وأخذها عن أبي الأصبغ بن فتوح الهاشمي، وكان ثقة خيرًا. صحبه أبو الحسن بن خيرة مدة.
قال الأبار (٣): مات قبل الستمائة.
(آخر الطبقة)
стр. 12568
الطبقة الحادية والستون
(٦٠١ - ٦١٠ هـ)
стр. 12569
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وستمائة (١)
ومما تم فيها:
فيها عزل الناصر لدين الله ولده أبا نصر محمدًا عن ولاية العهد، بعد أن خطب له بولاية العهد سبع عشرة سنة، ومال إلى ولده علي ورشحه للخلافة، فاخترم في إبان شبابه، فاضطر الناصر إلى إعادة عدة الدين أبي نصر وهو الخليفة الظاهر.
قال أبو شامة (٢): وفيها وقع حريق عظيم بدار الخلافة لم ير مثله، واحترقت جميع خزانة السلاح والأمتعة وقدور النفط. ثم قال: وقيمة ما ذهب ثلاثة آلاف دينار وسبعمائة ألف دينار.
قال: وفيها أخذت الفرنج النساء من على العاصي بظاهر حماة، فخرج الملك المنصور إليهم، وثبت وأبلى بلاء حسنًا، وكسر عسكره وثبت هو، ولولا وقوفه لراحت حماة.
وفيها كانت جموع الفرنج نازلين بمرج عكا، والملك العادل بجيوشه نازل في قبالتهم مرابطهم، والرسل تتردد في معنى الصلح، ثم آخر الأمر تقررت الهدنة مدة بأن تكون يافا لهم ومغل الرملة ولد، ثم ترحل العادل إلى مصر، وتفرقت العساكر إلى أوطانهم.
وفيها أغارت الفرنج على حمص، وقتلوا وبدعوا، وردوا غانمين.
وفيها بعث صاحب حماة عسكرًا فحاصروا المرقب وكادوا يفتحونه، لولا قتل أميرهم مبارز الدين أقجا، جاءه سهم فقتله.
стр. 12570
ثم في أواخر العام أغارت فرنج طرابلس على جبلة واللاذقية، وكان عليها عسكر الحلبيين، فهزمتهم الفرنج، وقتل من المسلمين خلق، وحصل الوهن في الإسلام، وطمعت الملاعبين في البلاد، فأهم العادل أمرهم، ثم خرج من مصر في سنة ثلاث وستمائة، وأسرع حتى نازل عكا، فصالحه أهلها على إطلاق جميع ما في أيديهم من أسرى المسلمين، فقبل الأسرى وترحل عنهم، ثم قدم دمشق وتهيأ للغزاة، وعلم أن الفرنج عدو ملعون، وسار حتى نزل على بحيرة قدس (١)، واستدعى العساكر والملوك فأقبلوا إليه، وأشاع قصد طرابلس، ثم سار فنازل حصن الأكراد، وافتتح منه برجاً، وأسر منه خمسمائة، ثم توجه إلى قلعة قريبة من طرابلس وحاصرها فافتتحها، ثم سار إلى مدينة طرابلس فنازلها، ونصب عليها المجانيق، وقطع جميع أشجارها، وخرب أعمالها، وقطعوا عنها العين، وبقي أياماً إلى أن أيس (٢) من جنده فشلاً ومللاً، فعاد إلى حمص، فبعث إليه صاحب طرابلس يخضع له، وبعث له هدايا وثلاثمائة أسير، والتمس الصلح فصالحه، وذلت له الفرنج ولله الحمد.
وفيها حج من الشام صارم الدين بزغش العادلي، وزين الدين قراجا صاحب صرخد.
وقال العز النسابة: فيها تغلبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الروم منها بعد حصر وقتل، وحازوا مملكتها وانتهبوا ذخائرها، ووصل ما نهب منها إلى الشام وإلى مصر.
وقال محمد بن محمد القادسي في تاريخه: إن امرأة بقطفتا (٣) ولدت ولداً برأسين وأربعة أرجل ويدان، فتوفي، وطيف به.
وفيها كان خروج الكرج على بلاد أذربيجان فعاثوا وقتلوا وسبوا، واشتد البلاء، ووصلوا إلى أعمال خلاط، فجمع صاحب خلاط عسكره، ونجده عسكر أرزن الروم، فالتقوا الكرج، فنصرهم الله على الكرج - لعنهم الله - وقتل في المصاف مقدم الكرج، وغنم المسلمون وقتلوا مقتلة كبيرة.
стр. 12571
سنة اثنتين وستمائة
فيها استوزر الخليفة الوزير نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الحسني، وخلع عليه خلعة الوزارة، فركب وبين يديه دواة عليها ألف مثقال، ووراءه المهد الأصفر وألوية الحمد والكوسات، والعهد منشور قدامه، والأمراء بين يديه مشاة.
وفيها هرب الوزير أبو جعفر محمد بن حديدة الأنصاري المعزول من دار الوزير نصير الدين ابن مهدي، وكان محبوسًا عنده ليعذبه ويصادره، فحلق لحيته ورأسه وهرب، فلم يظهر خبره إلا من مراغة بعد مدة، وعاد إلى بغداد.
وفيها أغار ابن لاون الأرمني على حلب، واستباح نواحي حارم، فبعث الملك الظاهر غازي إليه جيشًا عليهم ميمون الكردي، فتهاون، فكبسهم ابن لاون، وقتل جماعة من العسكر، وثبت أيبك فطيس، وبلغ الخبر الملك الظاهر، فخرج وقصد حارم، فهرب ابن لاون إلى بلاده.
وفيها توجه ناصر الدين الأرتقي صاحب ماردين إلى خلاط بمكاتبة أهلها، فجاء الملك الأشرف موسى فنازل دنيسر، فرجع ناصر الدين إلى ماردين بعد أن خسر مائة ألف دينار، ولم ينل شيئًا.
وفيها سلم خوارزم شاه محمد إلى الخطا ترمذ، فتألم الناس من ذلك، ثم بان أنه إنما فعل ذلك مكيدة ليتمكن بذلك من ملك خراسان، لأنه لما ملك خراسان قصد بلاد الخطا وأخذها واستباحها وبدع.
وفيها قصدت الكرج أعمال خلاط فقتلوا وأسروا وبدعوا، فلم يخرج إليهم عسكر خلاط، لأن صاحبها صبي، فلما اشتد البلاء على المسلمين تناخوا، وحرض بعضهم بعضًا، وتجمعت العساكر والمطوعة، وعملوا مصافًا مع الكرج، وأمسكوا على الكرج مضيق الوادي، فقتلوا فيهم قتلًا ذريعًا، وبعد ذلك تزوج صاحب أذربيجان أبو بكر ابن البهلوان بابنة ملك الكرج، لأن الكرج تابعت الغارات على بلاده، فهادنهم.
وفيها حمل إلى إربل خروف وجهه وجه آدمي، وتعجب الناس منه.
وفيها اتفق علاء الدين صاحب مراغة ومظفر الدين صاحب إربل على
стр. 12572
قصد أذربيجان وأخذها، لاشتغال ابن البهلوان بالخمور، وإهماله أمر المملكة، فسارا نحو تبريز، وطلب صاحبها النجدة من مملوك أبيه أيدغمش صاحب الري وأصبهان، وكان حينئذ ببلاد الإسماعيلية، فنجده، ثم أرسل إلى صاحب إربل يقول: إنا كنا نسمع عنك أنك تحب الخير والعلم، وكنا نعتقد فيك، والآن قد ظهر لنا ضد ذلك لقصدك قتال المسلمين، أما لك عقل تجيء إلينا وأنت صاحب قرية، ونحن لنا من باب خراسان إلى خلاط وإربل، ثم قدر أنك هزمت هذا السلطان، أما تعلم أن له مماليك أنا أحدهم: فلما سمع مظفر الدين ذلك عاد خائفًا. ثم قصد أيدغمش وابن البهلوان مراغة وحاصروها، فصالحهم صاحبها على تسليم بعض حصونه، وداهن.
وفيها سار الملك أيدغمش إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين، فقتل وأسر ونهب، وحاصرهم فافتتح خمس قلاع، وصمم على حصار الألموت واستئصال شأفتهم.
وفيها واقع أيدغمش طائفة من الخوارزمية نحو عشرة آلاف، فكسرهم، وكانوا قد عاثوا وأفسدوا وقتلوا.
وفيها توالت الغارات من الكلب ابن ليون (١) الأرمني صاحب سيس على أعمال حلب، فسبى ونهب وحرق، فجهز صاحب حلب عسكرًا لحربهم، فاقتتلوا وكان الظفر للأرمن - لعنهم الله.
سنة ثلاث وستمائة
فيها فارق أمير الركب العراقي الركب وقصد الشام، وهو الأمير وجه السبع، فقصده الأعيان والحجاج وبكوا وسألوه، فقال: أمير المؤمنين محسن إلي، وما أشكو إلا الوزير ابن مهدي، فإنه يقصدني لقربي من الخليفة، وما عن الروح عوض. وقدم الشام، فأكرمه العادل وبنوه.
وفيها ولي قضاء القضاة ببغداد عماد الدين أبو القاسم عبد الله بن الحسين ابن الدامغاني.
стр. 12573
وفيها قبض الخليفة على الركن عبد السلام بن عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر فاستأصله، وكان قد بلغه فسقه وفجوره.
وفيها قدم بغداد حاجًا العلامة برهان الدين محمد بن عمر بن مازة الملقب صدر جهان، وتلقاه الأعيان، وحملت إليه الإقامات، وكان معه ثلاثمائة فقيه، وكان زعيم بخارى يؤدي الخراج إلى الخطا، وينوب عنهم بالبلد، ويظلم ويعسف، حتى لقبوه صدر جهنم.
وفيها نزلت الفرنج على حمص، فسار من حلب المبارز يوسف نجدة، ووقع مصاف أسر فيه الصمصام ابن العلائي، وخادم صاحب حمص.
وفيها كانت بخراسان فتن وحروب، قوي فيها خوارزم شاه واتسع ملكه، وافتتح بلخ وغير مدينة من ممالك خراسان.
وفيها التقى خوارزم شاه وسونج بالقرب من الطالقان، فلما تصاف الجيشان حمل الملك سونج وهو وحده بين الصفين، وساق إلى القلب، ثم ترجل، ورمى عنه سلاحه، وقبل الأرض، وقال: العفو. فظن خوارزم شاه أنه سكران، فلما علم صحوه سبه وذمه وقال: من يثق إلى مثل هذا. وكان نائبًا لغياث الدين الغوري على الطالقان، فاستولى خوارزم شاه عليها، وقرر بها نوابه.
سنة أربع وستمائة
فيها ملك السلطان نصرة الدين أبو بكر ابن البهلوان مدينة مراغة، وذلك أن صاحبها علاء الدين ابن قراسنقر مات وخلف ابنًا طفلًا فملكوه، ثم مات.
وفيها عبر خوارزم شاه إلى بلاد الخطا بجميع جيوشه وجيش بخارى وسمرقند، وحشد أهل الخطا فجرى بينهم وقعات ودام القتال.
قال ابن الأثير (١): في سنة أربع عبر علاء الدين محمد ابن خوارزم شاه - قلت: ولقبه خوارزم شاه - إلى ما وراء النهر لقتال الخطا، وكانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان وما وراء النهر وثقلت وطأتهم على أهلها، ولهم في كل
стр. 12574
بلد نائب، وهم يسكنون الخركاوات (١) على عادتهم، وكان مقامهم بنواحي كاشغر وأوزكند وبلاساغون. وكان سلطان سمرقند وبخارى مقهورًا معهم، فكاتب علاء الدين وطلب منه النجدة على أن يحمل إليه ما يحمله إلى الخطا ويريح الإسلام منهم.
قلت (٢): ثم اشتد القتال في بعض الأيام بين المسلمين والخطا، فانهزم المسلمون هزيمة شنيعة وأسر خلق، منهم السلطان خوارزم شاه وأمير من أمرائه الكبار؛ أسرهما رجل واحد ووصل المنكسرون إلى خوارزم، وتخبطت الأمور. وأما خوارزم شاه فأظهر أنه غلام لذلك الأمير، وجعل يخدمه ويخلعه خفه، فقام الذي أسرهما وعظم الأمير وقال: لولا أن القوم عرفوا بك عندي لأطلقتك، ثم تركه أيامًا، فقال الأمير: إني أخاف أن يظن أهلي أني قتلت فيقتسمون مالي، فأهلك، وأحب أن تقرر علي شيئًا من المال حتى أحمله إليك، وقال: أريد رجلًا عاقلًا يذهب بكتابي إليهم. فقال: إن أصحابنا لا يعرفون أهلك. قال: فهذا غلامي أثق به، فهو يمضي إن أذنت، فأذن له الخطائي فسيره، وبعث معه الخطائي من يخفره إلى قريب خوارزم، فخفروه، ووصل السلطان خوارزم شاه بهذه الحيلة سالمًا، وفرح به الناس وزينت البلاد. وأما ذاك الأمير، وهو ابن شهاب الدين مسعود، فقال له الذي استأسره: إن خوارزم شاه قد عدم. فقال له: أما تعرفه؟ قال: لا. قال: هو أسيرك الذي كان عندك. فقال: لم لا عرفتني حتى كنت خدمته وسرت بين يديه إلى مملكته. قال: خفتكم عليه. فقال الخطائي: فسر بنا إليه، فسارا إليه.
ثم أتته الأخبار بما فعله أخوه علي شاه وكزلك خان، فسار ثم تبعه جيشه. وكان قبل غزوه الخطا قد أمر أخاه على طبرستان وجرجان، وأمر كزكان (٣) على نيسابور وهو نسيبه، وولى جلدك مدينة الجام، وولى أمين الدين مدينة زوزن - وأمين الدين كان من أكبر أمرائه، وكان حمالًا قبل ذلك، وهو الذي
стр. 12575
ملك كرمان، وقتل حسين بن جرميك (١) - وصالحه غياث الدين الغوري وخضع له، وأمر على مرو وسرخس نوابًا، ثم جمع عساكره وعبر جيحون، واجتمع بسلطان سمرقند، وجرى حرب الخطأ الذي ذكرناه.
فأما ابن جرميك نائب هراة فإنه رأى صنيع عسكر السلطان خوارزم شاه بالرعية من النهب والفتك، فأمسك منهم جماعة، وبعث إلى السلطان يعرفه ما صنعوا، فغضب وأمره بإرسال الجند لحاجته إليهم في قتال الخطا، وقال: إني قد أمرت عز الدين جلدك صاحب الجام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله وتدبيره، وكتب إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة، ويقبض على ابن جرميك. فسار في ألفي فارس - وقد كان أبوه طغرل متولي هراة في دولة سنجر، فجلدك - إليها بالأشواق ويؤثرها على جميع خراسان. فلما خرج لتلقيه نزلا واعتنقا، ثم أحاط أصحابه بابن جرميك فهرب غلمانه إلى البلد، فأمر الوزير بغلق هراة واستعد للحصار، فنازل جلدك هراة، وأرسل إلى الوزير يتهدده بأنه إن لم يسلم البلد قتل مخدومه ابن جرميك، فنادى الوزير بشعار السلطان غياث الدين محمود الغوري، فقدموا ابن جرميك إلى السور فحدث الوزير في التسليم فلم يقبل، فذبحوه، ثم أمر خوارزم شاه في كتبه إلى أمين الدين صاحب زوزن، وإلى كزلك خان متولي نيسابور بالمسير لحصار هراة، فسارا ونازلاها في عشرة آلاف. واشتد القتال، وقد كان ابن جرميك قد حصنها، وعمل لها أربعة أسوار، وحفر خندقها وملأها بالميرة، وأشاع أني قد بقيت أخاف على هراة شيئًا، وهو أن تسكر المياه التي لها، ثم ترسل عليها دفعة واحدة فينهدم سورها. فلما بلغ أولئك قوله فعلوا ذلك، فأحاطت المياه بها ولم تصل إلى السور لارتفاع المدينة، بل ارتفع الماء في الخندق، وكثر الوحل بظاهر البلد، فتأخر لذلك العسكر عنها، وهذا كان قصد ابن جرميك، فأقاموا أيامًا حتى نشف الماء.
ولما أسر خوارزم شاه - كما قدمنا - سار كزلك خان مسرعًا إلى نيسابور، وحصنها، وعزم على السلطنة. وكذلك هم بالسلطنة علي شاه ودعا إلى نفسه، واختبطت خراسان. فلما خلص خوارزم شاه وجاء، هرب كزلك خان بأمواله
стр. 12576
نحو العراق، وهرب علي شاه ملتجئًا إلى غياث الدين الغوري، فتلقاه وأكرمه.
وأما خوارزم شاه فإنه استعمل على نيسابور نائبًا، وجاء فتمم حصار هراة، ولم ينل منها غرضًا بحسن تدبير وزيرها. فأرسل إليه خوارزم شاه يقول: إنك وعدت عسكري أنك تسلم إلي البلد إذا حضرت. فقال: لا أفعل، أنتم غدارون لا تبقون على أحد، والبلد للسلطان غياث الدين. فاتفق جماعة من أهل هراة، وقالوا: أهلك الناس من الجوع، وتعطلت المعائش، وهذه ستة أشهر. فأرسل الوزير من يمسكهم، فثارت فتنة في البلد وعظمت، فتداركها الوزير بنفسه، وكتب إلى خوارزم شاه، فزحف على البلد وهم مختبطون فملكها، ولم يبق على الوزير وقتله، وذلك في سنة خمس. ثم سلم البلد إلى خاله أمير ملك، فرم شعثه. ثم أمر خاله أن يسير إلى السلطان غياث الدين محمود ابن غياث الدين، فيقبض عليه وعلى علي شاه، فسار لحربهما، فأرسل غياث الدين يبذل له الطاعة، فأعطاه الأمان، فنزل غياث الدين من فيروزكوه، فقبض عليه وعلى علي شاه. ثم جاء الأمر من خوارزم شاه بقتلهما، فقتلهما في وقت واحد من سنة خمس الآتية.
وفيها تملك الأوحد أيوب ابن العادل مدينة خلاط بعد حرب جرت بينه وبين بلبان صاحبها، وقتل بعد ذلك بلبان على يد ابن صاحب الروم مغيث الدين طغرل شاه، وساق القصة ابن الأثير في تاريخه (١) وابن واصل (٢) وغيرهما.
وخلاط مملكة عظيمة وهي قصبة أرمينية، وبلادها متسعة حتى قيل: إنها في وقت كانت تقارب الديار المصرية، وهذا مبالغة، وكانت لشاه أرمن بن سكمان، ثم لمملوكه بكتمر، فقتل بكتمر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، فملكها ولده. ثم غلب عليها بلبان مملوك شاه أرمن. وكان الملك الأوحد قد ملكه أبوه ميافارقين وأعمالها بعد موت السلطان صلاح الدين، فافتتح مدينة موش وغيرها، وطمع في مملكة خلاط وقصدها، فالتقاه بلبان فكسره، فرد إلى ميافارقين، فحشد وجمع، وأنجده أبوه بجيش فالتقى هو وبلبان، فانهزم بلبان
стр. 12577
وتحصن بالبلد، واستنجد بطغرل شاه السلجوقي صاحب أرزن الروم، فجاء وهزم عنه الأوحد، ثم سار السلجوقي وبلبان فحاصرا حصن موش، فغدر السلجوقي ببلبان وقتله، وساق إلى خلاط ليملكها فمنعه أهلها، فساق إلى منازكرد (١) فمنعه أهلها، فرد إلى بلاده، واستدعى أهل خلاط الأوحد فملكوه، وملك أكثر أرمينية. فهاجت عليه الكرج وتابعوا الغارات على البلاد، واعتزل جماعة من أمراء خلاط وعصوا بقلعة، فسار لنجدته الأشرف موسى في جيوشه، وتسلموا القلعة بالأمان. ثم سار الأوحد ليقرر قواعد ملازكرد، فوثب أهل خلاط وعصوا، فكر الأوحد وحاصرهم، ودخل وبذل السيف فقتل خلقًا، وأسر الأعيان. وكان شهمًا سفاكًا للدماء، فتوطدت له الممالك.
وفيها اتفق الفرنج من طرابلس وحصن الأكراد على الإغارة بأعمال حمص، ثم حاصروها، فعجز صاحبها أسد الدين عنهم، ونجده الظاهر صاحب حلب بعسكر قاوموا الفرنج. ثم إن السلطان سيف الدين سار من مصر بالجيوش وقصد عكا، فصالحه صاحبها، ثم سار فنزل على بحيرة حمص (٢)، فأغار على بلاد طرابلس، وأخذ حصنًا صغيرًا من أعمالها. وقد مر ذلك استطرادًا في سنة إحدى وستمائة.
سنة خمس وستمائة
فيها قدم الشام شهاب الدين السهروردي في الرسلية، ورجع ومعه شمس الدين ألدكز بالتقادم والتحف، فأعرض عن السهروردي، ونقموا عليه حيث مد يده إلى الأموال بالشام وقبل العطايا، وحضر دعوات الأمراء، فأخذت منه الربط ومنع من الوعظ، فقال: ما قبلتها إلا لأفرقها في فقراء بغداد، وشرع يفرق ذلك.
قال أبو شامة (٣): وفيها زلزلت نيسابور زلزلة عظيمة دامت عشرة أيام، فمات تحت الردم خلق عظيم.
стр. 12578
وفيها نازلت الكرج مدينة أرجيش فافتتحوها بالسيف ثم أحرقوها، وأصبحت خاوية على عروشها، ولم يبق بها أحد، ولم يروع الكرج أحد، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعجز عنهم الملك الأوحد ابن العادل وهي له (١).
وفيها خرج كيخسرو صاحب الروم وقصد بلاد سيس، وافتتح حصنًا بالأمان، ونجده عسكر حلب، وأغار وسبى وغنم.
وفيها افتتح خوارزم شاه مدينة هراة مرة ثانية.
سنة ست وستمائة
فيها نزلت الكرج على خلاط فضايقوها وكادوا يأخذونها، وكان بها الأوحد ابن الملك العادل، فقال لملك الكرج إيواني منجمه: ما تبيت الليلة إلا في قلعة خلاط. فاتفق أنه شرب وسكر، وركب في جيوشه وقصد باب البلد، فخرج إليه المسلمون، ووقع القتال، فعثر به فرسه فوقع، فتكاثر عليه المسلمون، وقتل حوله جماعة من خواصه، وأسر، فما بات إلا بالقلعة، وهرب جيشه. وقيل: جرى ذلك في سنة سبع.
وفيها نزل السلطان الملك العادل على سنجار بجيوش عظيمة، وضربها بالمجانيق أشهرًا، وكاد أن يفتحها، فأرسل الملك الظاهر من حلب أخاه المؤيد مسعودًا إلى العادل يشفع في أهل سنجار وصاحبها قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود، فلم يشفعه. ومات المؤيد في السفر برأس عين، وكرهت المشارقة مجاورة الملك العادل، فاتفقوا عليه مع صاحب إربل وتشفعوا إليه، فرحل بعد أن أخذ نصيبين والخابور ونزل حران، وكانت هذه من سيئات العادل؛ يدع جهاد الفرنج ويقاتل المسلمين، فإنا لله.
وقال ابن الأثير في الكامل (٢): لما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه محمد بن تكش عبر جيحون في هذه السنة في جحفل عظيم، فجمع الخطا
стр. 12579
جموعهم، والمقدم عليهم طاينكو (١)، وكان شيخًا مسنًا لقي الحروب. وكان مؤيدًا فيها مدبرًا، فكانت وقعة لم يشهد مثلها، انكسر فيها الخطا وقتل خلق كثير، وأسر طاينكو فجيء به إلى خوارزم شاه، فأجلسه معه على السرير واحترمه، ثم سيره إلى خوارزم، وافتتح خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر قهرًا وصلحًا حتى بلغ أوزكند، وجعل نائبه عليها، ورجع إلى خوارزم وفي خدمته ملك سمرقند، وكان من أحسن الناس صورة، فزوجه خوارزم شاه بابنته، ورده ورد معه شحنة يكون بسمرقند على قاعدة ملك الخطا مع صاحب سمرقند. فتعب صاحب سمرقند بالخوارزمية، وندم لما رأى من سوء سيرتهم وقبح معاملتهم الناس، وأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى طاعته. ثم أمر بقتل كل من عنده من الخوارزميين ووسط جماعة من أعيانهم، وعلقهم في الأسواق، ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته بنت خوارزم شاه، فأغلقت الأبواب، ومنعت عن نفسها هي وجواريها، وبعثت تقول له: أنا امرأة، وقتل مثلي قبيح، فاتق الله في. فتركها وضيق عليها. وجاء الخبر إلى السلطان والدها، فغضب وقامت قيامته، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه وخوفته، فاقتصر على قتل كل سمرقندي بها، فنهته أيضًا فانتهى. وأمر جيشه بالتجهز إلى ما وراء النهر، فسار وسار في ساقتهم، ونازل سمرقند، وأرسل إلى صاحبها يقول له: قد فعلت ما لم يفعله مسلم ولا كافر ولا عاقل، وقد عفا الله عما سلف، فاخرج عن البلاد إلى حيث شئت. فامتنع، فزحف عليه، ونصب السلالم على السور، وأخذ سمرقند، ووقع القتل والنهب ثلاثة أيام، فيقال: إنهم قتلوا بها مائتي ألف، وسلم درب الغرباء والتجار بحماية. ثم زحفوا على القلعة، فأخذت، وأسر الملك، فلما أحضر قبل الأرض وطلب العفو، فقتله صبرًا، واستعمل نوابًا على سمرقند.
وأما الخطا فلما ذهبوا مهزومين اجتمعوا عند ملكهم ولم يكن شهد الوقعة. وكان طائفة من التتار قد خرجوا من بلادهم أطراف الصين قديمًا فنزلوا وراء بلاد تركستان، فكان بينهم وبين الخطا حروب في هذا القرب، فلما
стр. 12580
سمعوا أن خوارزم شاه كسر الخطا قصدوهم مع مقدمهم كشلوخان (١)، فلما رأى ذلك ملك الخطا كتب إلى خوارزم شاه: أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه، فقد أتانا من هذا العدو ما لا قبل لنا به، فإن انتصروا علينا وأخذونا فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن تسير إلينا في عساكرك، وتنجدنا على حربهم، فكاتب خوارزم شاه مقدم التتار كشلوخان: إنني معك على قتال الخطا. وكاتب ملك الخطا: إنني قادم لنصرتكم. وسار في جيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف، فلم يخالطهم، بل أوهم كلًا من الطائفتين أنه معهم، وأنه كمين لهم، فالتقوا فانهزم الخطا أقبح هزيمة، فمال حينئذ خوارزم شاه مع التتار عليهم قتلًا وأسرًا، فلم يفلت منهم إلا القليل مع ملكهم لجؤوا إلى جبال منيعة وتحصنوا بها، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة كبيرة، وصاروا في جيشه. فأرسل يمن على كشلوخان، فاعترف له وأرسل إليه بأن يتقاسما مملكة الخطا كما اتفقا على إبادتهم، فقال خوارزم شاه: ليس لك عندي إلا السيف، فإن قنعت بالمسالمة وإلا سرت إليك. ثم سار حتى قاربه، ثم تبين له أنه لا طاقة له بالتتر، فأخذ يراوغهم ويبيتهم ويتخطفهم، فأرسل إليه كشلوخان: ليس هذا فعل الملوك، هذا فعل اللصوص، فإن كنت سلطانًا فاعمل مصافًا، فجعل يغالطه ولا يجيبه، لكنه أمر أهل فرغانة والشاش وأسبيجاب (٢) وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفل إلى سمرقند وغيرها، ثم خربها جميعها خوفًا من التتار أن يملوكها. ثم اتفق خروج جنكزخان والتتار الذين أخربوا خراسان على كشلوخان، فاشتغل بحربهم مدة عن السلطان خوارزم شاه فرجع إلى بلاد خراسان.
قلت: وكان هذا الوقت أول ظهور الطاغية جنكزخان، وأول خروجه من أراضيهم إلى نواحي الترك وفرغانة. وأراضيهم براري من بلاد الصين.
قال الموفق عبد اللطيف بن يوسف في خبر التتار: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض. وهذه الأمة
стр. 12581
لغتهم مشوبة بلغة الهند؛ لأنهم في جوارهم، وبينهم وبين تنكت (١) أربعة أشهر. وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه، واسعو الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة في الجسم والرأي، تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم؛ لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه، ولا عسكر حتى يخالطوه، فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ويسبقون التأهب والاستعداد. ونساؤهم يقاتلن كرجالهم، وربما كان للمرأة رضيع فتعلقه في عنقها وترمي بالقوس. يرد على البلد منهم أولًا نفر يسير حتى يطمع فيهم أهله، فينشرون وراءهم حتى يبعدوا وذاك النفر منهزمون بين أيديهم، ثم ينهالون عليهم كقطع الليل فيعجلونهم عن المدينة فيجعلونهم كالحصيد، ويدخلون المدينة فيقتلون النساء والصبيان بغير استثناء. وأما الرجال فربما أبقوا منهم من كان ذا صنعة أو له قوة في الخدمة.
قال: والغالب على سلاحهم النشاب وكلهم يصنعه، ونصولهم قرون وحديد وعظام، ويطعنون بالسيوف أكثر مما يضربون بها. ولهم جواشن من جلود وخفاف واقية. وخيلهم تأكل الكلأ رطبًا ويابسًا، وما وجدت من ورق وخشب، وإذا نزلوا عنها أطلقوها. وسروجهم صغار خفاف ليس لها قيمة. وأكلهم لحم أي حيوان وجد وتمسه النار تحلة القسم. وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء. وكأن قصدهم إفناء النوع، وفعلوا ذلك بجميع خراسان، ولم يسلم منهم إلا أصبهان وغزنة.
قال: ويظهر من حالهم أنهم لا يقصدون الملك والمال بل إبادة العالم ليرجع يبابًا.
وقال غيره: هذه القبيلة الخبيثة تعرف بالتمرجي سكان البراري قاطع الصين، ومشتاهم بموضع يعرف بأرغون. وهم طائفة مشهورة بالشر والغدر. وسبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع مسيرة دورة ستة أشهر، ويقال: إنه
стр. 12582
يحويه صور (١) واحد لا ينقطع إلا عند الجبال والأنهار. قلت: وهذا بعيد وهو ممكن (٢). والصين ست ممالك، ولهم ملك حاكم على الممالك الستة، وهو قانهم (٣) الأكبر المقيم بطمخاخ (٤)، وهو كالخليفة للمسلمين. وكان سلطان أحد الممالك الستة وهو دوس خان قد تزوج بعمة جنكزخان، فحضر زائرًا لعمته وقد مات زوجها. وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان، فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولدًا، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام وانضم إليه خلق من المغول. ثم سير التقادم (٥) إلى الخان الكبير، فاستشاط غضبًا، وأمر يقطع أذناب الخيل التي أهديت وطردها، وقتل الرسل، لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك، إنما هم بادية الصين. فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد، وأظهرا الخلاف للخان، وأتتهما أمم كثيرة من التتار. وعلم الخان قوتهم وشرهم، فأرسل يؤانسهم، ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويهددهم، فلم يغن ذلك شيئًا، ثم قصدهم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا الخان الأعظم أقبح كسرة، ونجا بنفسه، وملك جنكزخان بلاده واستفحل شره. فراسله الخان بالمسالمة، ورضي بما بقي في يده من الممالك، فسالموه. واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة. ثم سارا إلى بلاد ساقون من نواحي الصين فملكاها. فمات كشلوخان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكزخان ووقعت الوحشة، فطلب ابن كشلوخان قبالق والمالق، فصالحه ملكها ممدود خان بن أرسلان وملك كاشغر من الترك، وقوي، وبعد صيته، فجرد لحربه جنكزخان ولده دوشي خان في عشرين ألفًا، فحاربه وظفر به دوشي خان. واستقل جنكزخان، ودانت له التتار وانقادت له، ووضع لهم قواعد يرجعون إليها، فالتزموا بها وأوجبوها على نفوسهم، بحيث إنه من خالف شيئًا منها فقد ضل ووجب قتله. واعتقدوا فيه وتألهوه، وبالغوا
стр. 12583
في طاعته والتزام ياسته (١). ثم وقع مصاف في بلاد الترك بين دوشي خان والسلطان خوارزم شاه محمد، فانهزم دوشي خان بعد أن أنكى في جيش محمد. وعاد محمد إلى بلاد سمرقند وهو في هم وفكر لما رأى من صبر التتار وقتالهم وكثرتهم. وستأتي أخبارهم فيما بعد عند ظهورهم على خوارزم شاه، وأخذهم ممالكه سنة سبع عشرة.
سنة سبع وستمائة
فيها عصى قطب الدين سنجر الناصري بتستر بعد موت طاشتكين أمير الحاج وهو حموه، فأرسل إليه الخليفة الناصر عز الدين نجاح الشرابي، والوزير مؤيد الدين القمي نائب الوزارة، فلما قربوا من ششتر (٢) هرب سنجر بأمواله وأهله إلى صاحب شيراز أتابك موسى، فحلف له أن لا يسلمه، ثم غدر به وأسره وأخذ أمواله وفسق بنسائه، ثم بعثه مقيدًا، فأدخل بغداد على بغل.
وفيها أظهر الناصر لدين الله الإجازة التي أخذت له من الشيوخ، وخرج عنهم جزءًا أو خرج له، وهو المسمى بـ روح العارفين، وأجازه للأكابر، فكتب: أجزنا لهم ما سألوا على شرط الإجازة الصحيحة، وكتب العبد الفقير إلى الله أبو العباس أحمد أمير المؤمنين. وسلمت إجازة الشافعية إلى الإمام ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة المتوفى في هذه السنة، وإجازة الحنفية إلى ضياء الدين أحمد بن مسعود التركستاني، وإجازة الحنبلية إلى عماد الدين نصر بن عبد الرزاق الجيلي، وإجازة المالكية إلى تقي الدين علي بن جابر المغربي التاجر.
وفيها، قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي (٣): خرجت من دمشق بنية الغزاة إلى نابلس، وكان الملك المعظم بها، فجلست بجامع دمشق في ربيع
стр. 12584
الأول، فكان الناس من مشهد زين العابدين إلى باب الناطفيين، وكان القيام في الصحن أكثر، وحزروا بثلاثين ألفًا، وكان يومًا لم ير بدمشق ولا بغيرها مثله. وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة من التائبين، وكنت وقفت على حكاية أبي قدامة الشامي مع تلك المرأة التي قطعت شعرها وقالت: اجعله قيدًا لفرسك في سبيل الله، فعملت من التي اجتمعت عندي شكلًا لخيل المجاهدين وكرفسارات، فأمرت بإحضارها على الأعناق، فكانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس ضجوا ضجة عظيمة وقطعوا مثلها، وقامت القيامة، وكان المعتمد والي دمشق حاضرًا، وقام فجمع الأعيان. فلما نزلت من المنبر قام يطرق لي، ومشى بين يدي إلى باب الناطفيين، فتقدم إلي فرسي فأمسك بركابي، وخرجنا من باب الفرج إلى المصلى، وجميع من كان بالجامع بين يدي، وسرنا إلى الكسوة ومعنا خلق مثل التراب، فكان من قرية زملكا فقط نحو ثلاثمائة رجل بالعدد والسلاح، ومن غيرها خلق خرجوا احتسابًا. وجئنا إلى عقبة فيق (١) والوقت مخوف من الفرنج، فأتينا نابلس، وخرج المعظم فالتقانا وفرح بنا، وجلست بجامع نابلس، وأحضرت الشعور، فأخذها المعظم، وجعلها على وجهه وبكى، ولم أكن اجتمعت به قبل ذلك اليوم، فخدمنا وخرجنا نحو بلاد الفرنج، فأخربنا وهدمنا وأسرنا جماعة، وقتلنا جماعة، وعدنا سالمين مع المعظم إلى الطور، فشرع المعظم في عمارة حصن عليه، وبناه إلى آخر سنة ثمان، فتكامل سوره، وبنى فيه مدة بعد ذلك، ولا نحصي ما غرم عليه.
وحج بالناس سيف الدين علي بن سليمان بن جندر من أمراء حلب.
وفيها (٢) اتفقت الملوك على الملك العادل، منهم: سلطان الروم، وصاحب الموصل، وصاحب إربل، وصاحب حلب، وصاحب الجزيرة؛ اتفقوا على مشاققة العادل، وأن تكون الخطبة بالسلطنة لصاحب الروم خسرو شاه بن قليج أرسلان، فأرسلوا إلى الكرج بالخروج إلى جهة خلاط، وخرج كل منهم بعساكره إلى طرف بلاده ليجتمع بصاحبه على قصد العادل، وكان هو بحران وعنده صهره صاحب آمد، فنزل الكرج على خلاط مع مقدمهم إيواني،
стр. 12585
وصاحبها يومئذ الأوحد ابن الملك العادل كما تقدم، وأنه أسر فأكرمه الأوحد (١)، وطالع بذلك والده فطار فرحًا، وعلم بذلك الملوك المذكورون فتفرقت آراؤهم وصالحوا العادل، واشترى إيواني نفسه بثمانين ألف دينار، وبألفي أسير من المسلمين، وبتسليم إحدى وعشرين قلعة متاخمة لأعمال خلاط كان قد تغلب عليها، وبتزويج بنته لأخي الأوحد، وأن يكون الكرج معه أبدًا سلمًا، فاستأذن الأوحد والده في ذلك، فأمضاه، وأطلقه وعاد إلى ملكه، وحمل بعض ما ذكرنا، وسومح بالباقي، فلما صارت خلاط للملك الأشرف تزوج بابنة إيواني.
وفيها كان إملاك نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل على ابنة العادل بقلعة دمشق على صداق ثلاثين ألف دينار، وكان العقد مع وكيله، ثم ظهر أنه قد مات بالموصل من أيام، وقام ولده عز الدين.
وفيها ظهرت عملة بني السلار الستة عشر ألف دينار على ابن الدخينة (٢) بعد طول مكثه في الحبس، وموت زوجته تحت الضرب وعصره مرات وعصر بناته وابنه، وما قروا بشيء. وكان أكثر الذهب مدفونًا تحته بسجن القلعة، وانكشف أمرها بأيسر حال من جهة منصور ابن السلار، فإنه بحث عنها بسبب أنه حبس عليها، وجمع من المبلغ عشرة آلاف دينار ومائتين. ثم مات ابن الدخينة في الحبس، وصلب ميتًا بقيسارية الفرش.
وفيها شرع في بناء المصلى بظاهر دمشق، وعملت أبواب الجامع من جهة باب البريد، وبني شاذروان الفوارة، وعمل بها المسجد، ورتب له إمام.
وفيها توجه البال القبرصي (٣) - لعنه الله - في مراكب من عكا، توجه إلى ساحل دمياط وأرسى غربيها، وطلع وسار في البر بجيوشه فكبس قرية نورة وسبى أهلها، ورد إلى مراكبه.
стр. 12586
وفيها نقصت دجلة نقصًا مفرطًا، حتى خاض الناس دجلة فوق بغداد، وهذا أمر لم يعهد مثله، قاله ابن الأثير (١).
سنة ثمان وستمائة
استهلت والملك العادل مخيم على الطور، وابنه المعظم مباشر للعمارة.
وجاء الخبر من جهة طرابلس بأن الأخبار تتابعت إليها في البحر أن ابن عبد المؤمن كسر الفرنج بأرض طليطلة كسرة عظيمة أباد فيها خلقًا منهم، ونازل طليطلة.
قال أبو شامة (٢): وفيها كانت زلزلة عظيمة هدمت أماكن بمصر والقاهرة وأبرجة ودورًا بالكرك والشوبك، وهلك جماعة.
قال: وفيها قدم رسول من جلال الدين حسن صاحب الألموت يخبر بأنهم قد تبرؤوا من الباطنية، وبنوا المساجد والجوامع، وصاموا رمضان، فسر الخليفة بذلك.
وفيها أمر الخليفة بأن يقرأ مسند الإمام أحمد بمشهد موسى بن جعفر بحضرة صفي الدين محمد بن سعد الموسوي بالإجازة له من الناصر لدين الله.
وفيها نهب الركب العراقي، وكان أميرهم علاء الدين محمد بن ياقوت. وحج من الشام الصمصام إسماعيل النجمي بالناس، وفيهم ربيعة خاتون أخت العادل، فوثبت الإسماعيلية بمنى على ابن عم قتادة أمير مكة، وكان يشبه قتادة، فظنوه إياه فقتلوه عند الجمرة، وثار عبيد مكة وأوباشها، وصعدوا على جبل منى، وكبروا، ورموا الناس بالمقاليع والنشاب، ونهبوا الناس، وذلك يوم العيد وثانيه، وقتلوا جماعة، فقال ابن أبي فراس لابن ياقوت: ارحل بنا، فلما حصلت الأثقال على الجمال حمل قتادة وعبيده فأخذوا الركب، وقال قتادة: ما كان المقصود إلا أنا، والله لا أبقيت من حج العراق أحدًا. وهرب ابن ياقوت إلى ركب الشاميين، واستجار بربيعة خاتون، ومعه أم جلال الدين صاحب
стр. 12587
الألموت، فأرسلت ربيعة إلى قتادة رسالة مع ابن السلار تقول له: ما ذنب الناس، قد قتلت القاتل، وجعلت ذلك سببًا إلى نهب المسلمين، واستحللت دماءهم في الشهر الحرام والحرم، وقد عرفت من نحن، والله لئن لم تنته لأفعلن وأصنعن. فجاء إليه ابن السلار وخوفه وقال: ارجع عن هذا وإلا قصدك الخليفة من العراق ونحن من الشام. فكف وطلب مائة ألف دينار، فجمع ثلاثون ألفًا من العراقيين، وبقي الناس حول مخيم ربيعة بين قتيل وجريح، وجائع ومنهوب، وقال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، ولئن عاد أحد حج من بغداد لأقتلن الجميع.
ويقال: إنه أخذ من النهب ما قيمته ألفا ألف دينار، وأذن للناس في دخول مكة، فدخل الأصحاء، فطافوا أي طواف، ورحلوا إلى المدينة، ودخلوا بغداد على غاية من الفقر والهوان، ولم ينتطح فيها عنزان.
وفيها قدم أيدغمش صاحب همذان وأصبهان والري إلى بغداد هاربًا من منكلي، وكان قد تمكن من البلاد، وبعد صيته، وكثرت جيوشه، وحاصر أبا بكر بن البهلوان، فخرج عليه منكلي وهو من المماليك، ونازعه الأمر فكثر جموعه. وكان يوم قدوم أيدغمش إلى بغداد يومًا مشهودًا في الاحتفال، وأقام ببغداد سنتين.
سنة تسع وستمائة
قال أبو شامة (١): فيها نكبة سامة الجبلي صاحب دار سامة التي صيرت مدرسة الباذرائية. وكان من الأمراء الكبار، وهو الذي قيل عنه: إنه سلم بيروت إلى الفرنج.
وقال أبو المظفر سبط الجوزي (٢): اجتمع الملك العادل وأولاده بدمياط، وكان سامة بالقاهرة قد استوحش منهم، واتهموه بمكاتبة الظاهر صاحب حلب، وحكى لي المعظم: أنه وجد له كتبًا وأجوبة إليه، فخرج سامة
стр. 12588
من القاهرة كأنه يتصيد، ثم ساق إلى الشام بمماليكه، وطلب قلاعه وهما: كوكب وعجلون، فأرسل والي بلبيس بطاقة إلى العادل، فقال العادل: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه. فركب المعظم وأنا معه، فقال لي: أنا ِأريد أن أسوق فسق أنت مع قماشي، وساق في ثمانية؛ إلى غزة في ثلاثة أيام، فسبق سامة. وأما سامة فانقطع عنه مماليكه ومن كان معه، وبقي وحده وبه نقرس، فوصل الداروم، فرآه بعض الصيادين فعرفه، فقال له: انزل. قال: هذه ألف دينار وأوصلني إلى الشام، فأخذها الصياد، وجاء رفاقه فعرفوه أيضًا، فأخذوه على طريق الخليل ليحملوه إلى عجلون، فدخلوا به. قال: وأنزل في صهيون، وبعث إليه المعظم بثياب ولاطفه وقال: أنت شيخ كبير وبك نقرس، وما يصلح لك قلعة، فسلم إلي عجلون وكوكب، وأنا أحلف لك على مالك وملكك، وتعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع وشتم المعظم، فيئس منه وحبسه بالكرك، واستولى على قلاعه وأمواله، فكان قيمة ما أخذ له ألف ألف دينار، وخربت قلعة كوكب إلى الأرض عجزًا عن حفظها.
وفيها في المحرم اصطلح الملك الظاهر مع عمه العادل، وتزوج بابنته، وكان العقد بدمشق بوكيلين على خمسين ألف دينار، وهي ضيفة خاتون شقيقة الملك الكامل، ونثر النثار على الشهود والقراء، وبعثت إلى حلب في الحال. وكان جهازها على ثلاثمائة جمل، وخمسين بغلًا، ومعها مائتا جارية. فلما أدخلت على الظاهر مشى لها خطوات، وقدم لها خمس عقود جوهر، قيمتها ثلاثمائة ألف وخمسون ألف درهم، وأشياء نفيسة. وكان عرسًا مشهودًا.
وفيها بعث الخليفة مع الركب لقتادة صاحب مكة خلعًا ومالًا حتى لا يؤذي الركب.
وفيها استولى ألبان صاحب عكا على أنطاكية، وشن الغارات على التركمان، وشردهم، فاجتمعوا له وأخذوا عليه المضايق، وحصل في واد فقتلوه، وقتلوا جميع رجاله، قاله أبو شامة. وهو الذي كان قد هجم على فوة ونورة وقتل وسبى.
وفيها عزل العادل وزيره صفي الدين ابن شكر، وصادره ونفاه إلى الشرق.
وفيها كانت الوقعة المشهورة بوقعة العقاب بالأندلس بين محمد بن
стр. 12589
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الملقب بالناصر، وبين الفرنج، ونصر الله الإسلام، واستشهد بها خلق كثير.
سنة عشر وستمائة
قال ابن الأثير في كامله (١): فيها عمرت مدينة على الساحل باليمن، وسميت الأحمدية (٢)، وأخربت مرباط وظفار، خربهما صاحبهما محمود بن محمد الحميري صاحب حضرموت. وكان مبدأ ملكه في سنة ستمائة، ومن شأنه أنه كان له مركب يكريه للتجار، ثم توصل إلى أن وزر لصاحب مرباط. وكان ذا كرم وشجاعة. ثم ملك مرباط بعد موت صاحبها، فأحبه أهلها لحسن سيرته. وبنى هذه المدينة وعندها عين عذبة كبيرة، ثم حصنها وحفر خندقها، وكان يحب المديح.
قال أبو شامة: وفيها وصل الفيل إلى دمشق ليحمل هدية إلى صاحب الكرج.
وفيها ولد الملك العزيز محمد بن الظاهر صاحب حلب.
وفيها قدم الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين من حلب ليحج، ورحل بالركب من بصرى، فسلكوا طريق تيماء، فدخلوا المدينة وأحرم بالحج، فلما وصل إلى بدر رد من الطريق.
قال أبو المظفر السبط (٣): كان يعقوب ابن الخياط معه، فلما وصل إلى بدر وجد عسكر الكامل ابن عمه قد سبقه خوفًا على اليمن. فقالوا له: ترجع. فقال: قد بقي بيني وبين مكة مسافة يسيرة، والله ما قصدي اليمن، فقيدوني واحتاطوا بي حتى أحج وأرجع! فلم يلتفتوا إليه وردوه، قال يعقوب: ورجعت معه ولم أحج.
стр. 12590
قال أبو شامة (١): وحكى لي والدي، وكان قد حج معهم، قال: شق على الناس ما جرى عليه، وأراد كثير منهم أن يقاتلوا الذين صدوه عن الحج، فنهاهم وفعل ما فعل النبي ﷺ حين صد عن البيت، فقصر عن شعره، وذبح ما تيسر، ولبس ثيابه، ورجع وعيون الناس باكية، ولهم ضجيج لأجله.
وفيها حفر خندق حلب، فظهر قطع ذهب وفضة، فكان الذهب نحو عشرة أرطال صوري، والفضة بضعة وستين رطلًا، وكان على هيئة اللبن.
قال أبو شامة: فيها ورد الخبر بخلاص خوارزم شاه من أسر التتار وعوده إلى ملكه، وذلك أنه كان منازلًا لطوائف من التتار بعساكره، فخطر له أن يكشف أمورهم بنفسه، فسار ودخل عسكرهم في زي التتر هو وثلاثة، فأنكروهم وقبضوا عليهم، وضربوا اثنين فماتا تحت الضرب، ولم يقرا ورسموا على خوارزم شاه ورفيقه، فهربا في الليل.
وفي المحرم قتل أيدغمش صاحب همذان والري. وكان قد قدم في سنة ثمان فأنعموا عليه، وأعطاه الخليفة الكوسات، وجهزه من بغداد إلى همذان، فبيته التركمان وقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي، فعظم قتله على الخليفة. وتمكن منكلي من الممالك، واستفحل أمره.
وفي ذي الحجة ولد الملك العزيز بحلب من ضيفة بنت العادل، قال ابن واصل: فزينت حلب، فصاغ له عشرة مهود من الذهب والفضة، ونسج للطفل ثلاث فرجيات من اللؤلؤ والياقوت، ودرعان، وخوذتان، وبركسطوان من اللؤلؤ، وغير ذلك، وثلاثة سروج مجوهرة، وثلاثة سيوف غلفها بالذهب والياقوت، ورماح إستها جوهر منظوم، وفرحوا به فرحًا زائدًا.
стр. 12591
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ال وفيات)
سنة إحدى وستمائة
١ - أحمد بن سالم بن أبي عبد الله، أبو العباس المقدسي المرداوي (١) الزاهد.
سمع من أبي طاهر السلفي، وعبد الله بن بري.
سئل الشيخ الموفق (٢) عنه، فقال: كان ذا دين وورع وزهادة، وكان محببًا إلى الناس، كريم النفس، كثير الضيافة.
وقال الضياء: كان ثقة، دينًا، خيرًا، جوادًا، كثير الخير والصلاة، وكان يحفظ كثيرًا من الأحاديث والفقه، وكان كثير النفع، قليل الشر؛ لا يكاد أحد يصحبه إلا وينتفع به. توفي في المحرم، وقبره بزرع يتبرك به، وعندهم من أخذته حمى، فأخذ من ترابه وعلقه عليه، عوفي بإذن الله. وكان من العاملين لله . وهو والد شيخنا محمد، وشيخنا.
قلت: روى عنه الضياء، ووصفه غير واحد بالزهد والعبادة والمكاشفة. وعمل له الضياء ترجمة طويلة.
٢ - أحمد بن سليمان بن أحمد بن سلمان بن أبي شريك، المحدث المفيد، أبو العباس الحربي المقرئ الملقب بالسكر.
ولد سنة أربعين أو قبيلها. وقرأ القراءات على أبي الفضل أحمد بن محمد بن شنيف، ويعقوب بن يوسف الحربي، وبواسط على أبي الفتح نصر الله
стр. 12592
بن الكيال، وابن الباقلاني، وسمع من سعيد بن أحمد ابن البناء وهو أكبر شيخ له، ومن أبي الفتح ابن البطي، وظافر بن معاوية الحربي، وأصحاب ابن بيان، وأبي طالب بن يوسف فأكثر.
وكان عالي الهمة، حريصًا على السماع والكتابة؛ رحل إلى الشام وسمع بدمشق، والقدس، وبمكة.
قال أبو عبد الله الدبيثي (١): كان مفيدًا لأصحاب الحديث، خرج مشيخة لأهل الحربية. وكان ثقة تلاءً للقرآن، ربما قرأ الختمة في ركعة أو ركعتين. سمعنا منه وسمع منا. وسألت يوسف بن يعقوب الحربي عن سبب تلقيبه بالسكر، قال: كان صغيرًا فأحبه أبوه، وكان إذا أقبل عليه وهو بين جماعة أخذه، وضمه إليه وقبله، فكان يلام في إفراط حبه له فيقول: هو أحلى في قلبي من السكر، ويكرر ذكر السكر، فلقب بالسكر.
وقال المنذري (٢): أقرأ، وحدث بالشام وبغداد. وكان مفيدًا لأصحاب الحديث. توفي في عاشر صفر.
قلت: روى عنه الدبيثي، والضياء، وابن خليل، وجماعة.
٣ - أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن نفاذة (٣)، الأديب البارع، بدر الدين السلمي الدمشقي.
شاعر محسن، روى عنه الشهاب القوصي قصائد، وقال: توفي في المحرم، وكان رئيسًا، بارع الأدب، عاش ستين سنة.
قلت: له ديوان موجود.
٤ - أحمد (٤) ابن خطيب الموصل، أبي الفضل عبد الله بن أحمد بن
стр. 12593
محمد الطوسي ثم الموصلي، أبو طاهر.
ولد بالموصل سنة سبع عشرة وخمسمائة، وسمع من جده أبي نصر الطوسي، وأبي البركات محمد بن محمد بن خميس، وببغداد من عبد الخالق بن أحمد اليوسفي، وغيره.
وولي خطابة الموصل زمانًا هو وأبوه وجده، وحدثوا، وحدث أيضًا أخوه عبد المحسن، وعماه عبد الرحمن، وعبد الوهاب.
وقد قدم الشام، وولي خطابة حمص مديدة، ورجع.
روى عنه يوسف بن خليل، والتقي اليلداني، وجماعة. وكان ينشئ الخطب، وله شعر جيد وفضائل، وأجاز لابن أبي الخير وغيره، وتوفي سنة اثنتين، وقيل: سنة إحدى وستمائة في جمادى الآخرة.
٥ - أحمد بن عتيق بن الحسن بن زياد بن جرج، أبو جعفر البلنسي الذهبي، ويكنى أيضًا أبا العباس.
قال الأبار (١): أخذ القراءات عن أبي عبد الله بن حميد، والعربية والآداب عن أبي محمد عبدون، وسمع من أبي الحسن بن النعمة، وغيره. ومهر في علم النظر، وكان أحد الأذكياء؛ له غوص على الدقائق. صنف كتاب الإعلام بفوائد مسلم وكتاب حسن العبارة في فضل الخلافة والإمارة وله فتاو بديعة. واتصل بالسلطان، وأقرأ الناس العربية. وتوفي في شوال وله سبع وأربعون سنة.
قلت: وكان من علماء الطب، ومات بتلمسان.
وذكره تاج الدين بن حمويه (٢)، فقال: أبو جعفر أحمد بن القاسم بن
стр. 12594
محمد بن سعيد - كذا سماه - فقيه متقن. كان مقدمًا على فقهاء الحضرة؛ لأنهم في تلك البلاد يميزون فقهاء الجند، فهم رؤساء ونقباء يراجعونهم في مصالحهم، وإليهم القسمة والتفرقة عليهم فيما يصل إليهم من وظائفهم، ولكل قوم منهم موضع مقرر للجلوس بدار السلطان، ولأكثرهم أرزاق مقررة على بيت المال؛ إذ لا مدارس هناك ولا أوقاف إلا أوقاف المساجد. وكان هذا الفقيه حسن السيرة مع أصحابه، مشتغلًا بمنافعهم، كثير المعارف، حسن الأخلاق، جالسته كثيرًا. وله مشاركة في بعض الرياضي، ويقرئ الطب والحساب.
٦ - أحمد بن علي بن محمد بن حيان، أبو العباس الأسدي، الكوفي.
سمع أبا البركات عمر بن إبراهيم العلوي، وأبا الحسن محمد بن غبرة. روى عنه الدبيثي (١)، وغيره. وتوفي في رمضان.
٧ - أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الأزجي، الكاتب، أبو عبد الله الدنباني (٢).
حدث عن أبي الفضل الأرموي، ومات في شوال.
٨ - إبراهيم بن سلامة بن نصر المقدسي.
سمع أبا المعالي بن صابر. روى عنه الحافظ الضياء، وقال: تزوج على زوجته، فسحر واختل عقله، وبقي يريد يلقي نفسه في المصانع، وكان أهله لا يكادون يغفلون عنه، ثم غفلوا عنه فقتل نفسه. قاتل الله من آذاه.
رئيت له منامات حسنة.
٩ - أسعد بن أحمد بن محمد، الفقيه أبو البركات البلدي الحنبلي ثم الشافعي.
стр. 12595
تفقه على أبي يعلى محمد بن محمد ابن الفراء، ثم تفقه على أبي المحاسن يوسف بن بندار الشافعي، وسمع من أبي الوقت، وسمع بدمشق من ابن عساكر. وتعانى الكتابة والتصرف، وكان أديبًا بليغًا شاعرًا، متدينًا (١).
١٠ - أنجب بن أحمد بن مكارم الأزجي، المعروف بابن الدجاجي، وبابن سروان (٢).
حدث عن محمد بن أحمد بن صرما، وتوفي في جمادى الأولى.
روى عنه ابن النجار.
١١ - إلياس بن جامع بن علي، أبو الفضل الإربلي الشاهد المحدث.
ولد سنة إحدى وخمسين. وارتحل إلى بغداد سنة اثنتين وسبعين، وأقام بالنظامية وتفقه. وسمع من شهدة، وعيسى الدوشابي، وعبد الحق بن يوسف، والأسعد بن يلدرك، وأبي العلاء محمد بن جعفر بن عقيل، وخلق كثير.
وكان وافر الهمة، كثير الكتابة، بارعًا في معرفة الشروط، ثقة صدوقًا، له تخاريج مفيدة.
وروى الكثير بإربل، وبها توفي في ربيع الآخر وله خمسون سنة (٣).
١٢ - بقاء بن أبي شاكر بن بقاء، أبو محمد الحريمي، ويعرف بابن العليق (٤) بكسر لامه.
سمع ابن البطي، وجماعة.
قال ابن نقطة (٥): دجال؛ زور ألف طبقة على عبد الوهاب الأنماطي وابن خيرون، وكشط أسماء، وألحق اسمه. وكان يظهر الزهد، فدخلت عليه وأنا صبي مع أصحاب أبي، فأخرج مشطًا وقال: هذا مشط فاطمة ﵍
стр. 12596
وهذه محبرة أحمد بن حنبل. ولم يزل على كذبه حتى أراح الله منه في آخر السنة بطريق مكة.
وقال ابن النجار: كان سيئ الحال في صباه، تزهد وصحب الفقراء وانقطع، ونفق سوقه، وزاره الكبار، وأقبلت عليه الدنيا، وبنى رباطًا، وكثر أتباعه. وقع بإجازات فيها قاضي المارستان وطبقته، فكشط فيها وأثبت في الكشط اسمه، ورماها في زيت فاختفى الكشط، وبعث بها إلى ابن الجوزي وعبد الرزاق، فنقلاها له ولم يفهما، ثم أخفى أصل ذلك، وأظهر النقل فسمع بها الطلبة اعتمادًا عليهما. وقد ألحق اسمه في أكثر من ألف جزء. بيعت كتبه فاشتريتها كلها، فلقد رأيت من تزويره ما لم يبلغه كذاب، فلا تحل الرواية عنه.
ثم طول ابن النجار ترجمته وهتكه. مات في عشر السبعين. وذكر أنه كان يظهر الصوم للأتراك، ويمد لهم كسرًا وطعامًا خشنًا، فإذا خرجوا أغلق الباب، وأكل الطيبات.
١٣ - بوزبا الأمير أبو سعيد التقوي، مملوك تقي الدين عمر صاحب حماة.
كان من جملة العسكر الذين دخلوا المغرب، وخدموا مع السلطان ابن عبد المؤمن. جاء الخبر في هذا العام بأنه مات غريقًا.
١٤ - ثابت بن أحمد، أبو البركات الحربي، المعروف بابن القاضي.
سمع أبا القاسم ابن السمرقندي، وغيره.
قال ابن الدبيثي (١): تركه الناس لتزويره السماعات، ولم أسمع منه شيئا، وتوفي في ربيع الأول.
١٥ - الحسن بن الحسن بن علي، الفقيه الأجل مجد الدين أبو المجد الأنصاري الدمشقي، الشافعي النحاس، المنسوب إليه حمام النحاس بطريق الصالحية.
سمع أبا المظفر الفلكي، وأبا طاهر السلفي، وابن عساكر. وتفقه على
стр. 12597
أبي سعد بن (أبي) (١) عصرون. روى عنه الشهاب القوصي، وغيره. وتوفي في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة.
وهو والد العماد عبد الله الأصم (٢).
١٦ - الحسن بن محمد بن عبدوس، الأديب أبو علي الواسطي الشاعر، نزيل بغداد.
نحوي فاضل، لغوي، له شعر جيد، مدح الكبار، وتوفي في صفر (٣).
١٧ - الخضر بن عبد الجبار بن جمعة بن عمر، أبو القاسم التميمي الدمشقي.
سمع أبا العشائر محمد بن خليل. أخذ عنه ابن الأنماطي، والتاج محمد بن أبي جعفر، وابن نسيم، وجماعة جزء ابن أبي ثابت. وكان يلقب بالمهذب.
توفي في جمادى الآخرة وله ست وستون سنة.
١٨ - ذاكر الله بن إبراهيم بن محمد، أبو الفرج الحربي، القارئ، المذكر، المعروف بابن البرني (٤).
سمع أبا الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء، وعبد الرحمن بن علي بن الأشقر. روى عنه الدبيثي، والضياء، وابن خليل. وأجاز لأحمد بن أبي الخير، وغيره.
وهو أخو المظفر (٥) ابن البرني.
توفي في ثامن عشر صفر (٦).
١٩ - رضوان (٧) بن محمد بن محفوظ بن الحسن ابن الرئيس القاسم
стр. 12598
ابن الفضل الثقفي الأصبهاني، أبو شجاع.
ولد سنة ست وعشرين وخمسمائة (١)، وسمع زاهرًا الشحامي، وابن أبي ذر الصالحاني.
روى عنه الضياء، وابن خليل، وغيرهما. وأجاز لابن أبي الخير، ولابن أبي عمر، وللفخر علي، ولعمر بن أبي عصرون، وعدة.
قرأت وفاته بخط شيخنا ابن الظاهري: سنة إحدى وستمائة.
٢٠ - ضياء بن صالح بن كامل بن أبي غالب، أبو المظفر البغدادي الخفاف، ابن أخي المفيد المبارك بن كامل.
أجاز له أبو محمد سبط الخياط، وأبو منصور بن خيرون، وجماعة. وسكن دمشق، وقد ورد بغداد تاجرًا سنة سبع وتسعين، وحدث ورجع، وبدمشق توفي (٢).
٢١ - عائشة، وتدعى: فرحة، بنت أبي طاهر عبد الجبار بن هبة الله ابن البندار.
من بيت حديث ورواية. روت عن أحمد بن علي ابن الأشقر. وهي زوجة محمد بن مشق المحدث (٣).
٢٢ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن سالم، أبو محمد البلنسي، المؤدب، الزاهد.
قرأ القراءات وأدب بالقرآن، وسمع من أبي الحسن ابن النعمة، وتوفي يوم الفطر (٤)، وشيعه الخلق.
٢٣ - عبد الله بن عبد الرحمن بن أيوب بن علي، أبو محمد الحربي، البقلي، الفلاح البستنبان (٥)، وهو الناطور.
стр. 12599
شيخ مسند معمر، تفرد بالسماع من أبي العز بن كادش، وسمع من أبي القاسم بن الحصين. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والضياء، والنجيب عبد اللطيف، وآخرون. وبالإجازة ابن أٌبي الخير، والفخر ابن البخاري.
وتوفي في ربيع الأول عن سبع وثمانين سنة (١).
٢٤ - عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أحمد بن حجاج، أبو الحكم اللخمي الإشبيلي، الخطيب.
قال الأبار (٢): روى عن جده أبي الحكم عمرو، وأبي مروان الباجي، وأبي الحسن شريح بن محمد، وخطب بإشبيلية مدة، ثم استعفي وانقبض عن الناس. وله حظ من النظم. أخذ عنه أبو القاسم الملاحي، وأبو الحسن بن خيرة، وأبو القاسم ابن الطيلسان. وتوفي في صفر وله تسع وسبعون.
قرأ عليه القراءات أبو إسحاق بن وثيق، عن جده، عن شريح.
٢٥ - عبد الرحمن بن أبي حامد علي بن عبد الرحمن بن أبي حامد علي، أبو القاسم الحربي البيع، المعروف بابن عصية (٣).
سمع قاضي المارستان، وأبا منصور القزاز، ويحيى ابن الطراح، وأبا منصور بن خيرون، وعبد الله بن أحمد بن يوسف، وأحمد بن محمد الزوزني، وعبد الوهاب الأنماطي، وطائفة. روى عنه الدبيثي، وابن خليل، والنجيب عبد اللطيف، وجماعة. وأجاز لابن أبي الخير، وللفخر علي، وللشيخ شمس الدين عبد الرحمن، وللكمال عبد الرحيم.
وتوفي في سادس عشر جمادى الأولى عن بضع وسبعين سنة.
وأولاده أبو حامد، وأبو جعفر، وأبو بكر، وأبو نصر؛ قد سمعوا.
стр. 12600
٢٦ - عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن محمد بن حمويه، أبو إسماعيل الأصبهاني نزيل همذان.
ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة، وروى المعجم الكبير حضورًا عن أبي نهشل عبد الصمد العنبري، عن ابن ريذة. روى عنه الحافظ الضياء، وقال فيه: الرجل الصالح، نزيل همذان، تفرد بعدة شيوخ. وتوفي في ذي القعدة.
قلت: وأجاز للشيخ شمس الدين، والفخر علي، والكمال عبد الرحيم، وأحمد بن شيبان. وأضر في آخر عمره، وأصم، فصعب الأخذ عنه.
٢٧ - عبد العزيز بن وهب بن سلمان بن أحمد ابن الزنف، أخو محمد ابن الفقيه الإمام أبي القاسم الدمشقي.
سمعه أبوه من علي بن عساكر المقدسي الخشاب، وغيره.
وهو أخو أحمد (١) ومحمد (٢).
روى عنه ابن خليل، وغيره، وتوفي في ذي القعدة (٣).
٢٨ - عبد اللطيف ابن القاضي أبي الحسين هبة الله بن محمد بن محمد بن أبي الحديد، الفقيه أبو محمد المدائني الشافعي الأديب المتكلم.
كان أبوه قاضي المدائن وخطيبها (٤).
توفي في ربيع الأول.
وهو أخو محمد (٥).
٢٩ - عبد المنعم بن علي بن نصر ابن الصيقل، أبو محمد الحراني الفقيه الواعظ.
تفقه ببغداد على أبي الفتح نصر ابن المني، وسمع من ابن شاتيل، وجماعة، وحدث، ووعظ. وهو والد النجيب عبد اللطيف.
توفي في ربيع الأول.
стр. 12601
روى عنه ابن النجار، وقال (١): كان ثقة متحريًا، نزهًا، متواضعًا، لطيف الطبع.
٣٠ - عبد الواحد بن معالي بن غنيمة (٢) بن منينا (٣)، أبو أحمد البقال.
بغدادي، قليل الروية. روى عن أبي البدر الكرخي مشيخته (٤).
٣١ - عبد الوهاب بن هبة الله بن محمود بن ليث، مهذب الدين أبو محمد الكفرطابي، الجلالي؛ نسبة إلى الصاحب جلال الدين.
ولد سنة ثلاث أو أربع أو خمس وعشرين وخمسمائة، وأجاز له أبو العز بن كادش، وأبو القاسم بن الحصين، وأبو غالب ابن البناء، وآخرون. وروى بدمشق عنهم.
سمع منه الشهاب القوصي وذكر أنه بزاز، وتوفي في المحرم. وروى عنه أيضًا التقي اليلداني. وأجاز للشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، وللفخر علي (٥).
٣٢ - عبيد الله بن عبد الرحمن بن عبيد الله، أبو مروان ابن الصيقل الأنصاري القرطبي.
قال الأبار (٦): أخذ القراءات عن أبي القاسم بن رضا، ومحمد بن علي الأزدي (٧) الأفطس. وسمع الحديث من أبي محمد عتاب. وصحب أبا مروان ابن مسرة وأكثر عنه. وعلم بالقرآن، فرأس في ذلك، وطال عمره، فقرأ عليه الأجداد والأباء والأبناء. وكان من أهل الزهد والتواضع والصلاح. ذكره ابن
стр. 12602
الطيلسان، وقال: توفي وقد راهق المائة سنة إحدى وستمائة.
في سماعه من ابن عتاب عندي نظر، وإذا صح، فهو آخر من حدث عنه؛ قاله الأبار (١).
٣٣ - عسكر بن حمائل بن جهيم، أبو الجيوش الخولاني الداراني.
حدث عن أبي القاسم ابن عساكر. سمع منه العماد علي بن القاسم بن عساكر، وغيره في هذه السنة.
٣٤ - علي بن محمد بن فرحون القيسي القرطبي.
قال الأبار (٢): حج وسمع من السلفي وغيره. ونزل مدينة فاس، وكان زاهدًا صالحًا فاضلًا، علم بالفرائض والحساب، ثم حج وجاور إلى أن مات.
٣٥ - علي بن محمد بن خيار، أبو الحسن البلنسي الأصل الفاسي الفقيه.
تفقه على أبي عبد الله ابن الرمامة، ولازمه مدة، وسمع أبا الحسن ابن حنين، وأبا القاسم بن بشكوال.
وكان فقيهًا مشاورًا، تاركًا للتقليد، مائلًا إلى الاجتهاد. عاش نيفًا وستين سنة. حدث في هذا العام.
٣٦ - علي بن الحسن بن عنتر، الأديب أبو الحسن النحوي، اللغوي، الشاعر المعروف بشميم الحلي.
قدم بغداد، وتأدب بها على أبي محمد ابن الخشاب، وغيره. وحفظ كثيرًا من أشعار العرب، وأحكم اللغة والعربية، وقال الشعر الجيد إلا أن حمقه أخره. وجمع من شعره كتابًا سماه الحماسة.
وقد ورد الشام، ومدح جماعة من أمرائها، وأقام بالموصل. وقيل: إنه قرأ على ملك النحاة أبي نزار.
قرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموقاني: قال بعض العلماء (٣): وردت
стр. 12603
إلى آمد سنة أربع وتسعين فرأيت أهلها مطبقين على وصف هذا الشيخ، فقصدته إلى مسجد الخضر، ودخلت عليه، فوجدت شيخًا كبيرًا قضيف الجسم (١) في حجرة من المسجد، وبين يديه جمدان (٢) مملوء كتبًا من تصانيفه، فسلمت عليه وجلست، فقال: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. فهش بي، وأقبل يسألني عنها، وأخبره، ثم قلت: إنما جئت لأقتبس من علومك شيئًا. فقال: وأي علم تحب؟ قلت: الأدب. قال: إن تصانيفي في الأدب كثيرة؛ وذاك أن الأوائل جمعوا أقوال غيرهم وبوبوها، وأنا فكل ما عندي من نتائج أفكاري، فإنني قد عملت كتاب الحماسة (٣)، وأبو تمام جمع أشعار العرب في حماسته، وأنا فعلمت حماسة من أشعاري، ثم سب أبا تمام، وقال: رأيت الناس مجمعين على استحسان كتاب أبي نواس في وصف الخمر، فعملت كتاب الخمريات من شعري، لو عاش أبو نواس، لاستحيى أن يذكر شعره، ورأيتهم مجمعين على خطب ابن نباتة، فصنفت خطبًا ليس للناس اليوم اشتغال إلا بها. وجعل يزري على المتقدمين، ويصف نفسه ويجهل الأوائل، ويقول: ذاك الكلب. قلت: فأنشدني شيئًا. فأنشدني من لخمريات له، فاستحسنت ذلك، فغضب وقال: ويلك ما عندك غير الاستحسان؟ فقلت: فما أصنع يا مولانا؟ قال: تصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفق إلى أن تعب. ثم جلس وهو يقول: ما أصنع ببهائم (٤) لا يفرقون بين الدر والبعر! فاعتذرت إليه، وأنشدني شيئًا آخر. وسألته عن أبي العلاء المعري، فنهرني، وقال: ويلك كم تسيء الأدب بين يدي، ومن ذلك الكلب الأعمى حتى يذكر في مجلسي!
стр. 12604
قلت: فما أراك ترضى عن أحد (١). قال: كيف أرضى عنهم وليس لهم ما يرضيني! قلت: فما فيهم من له ما يرضيك؟ قال: لا أعلم إلا أن يكون المتنبي في مديحه خاصة، وابن نباتة في خطبه، وابن الحريري في مقاماته. قلت: عجب إذ لم تصنف مقامات تدحض مقاماته! قال: يا بني، اعلم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، عملت مقامات مرتين فلم ترضني، فغسلتها، وما أعلم أن الله خلقني إلا لأظهر فضل ابن الحريري. ثم شطح في الكلام وقال: ليس في الوجود إلا خالقان (٢): واحد في السماء، وواحد في الأرض؛ فالذي في السماء هو الله تعالى، والذي في الأرض أنا. ثم التفت إلي وقال: هذا لا يحتمله العامة لكونهم لا يفهمونه، أنا لا أقدر على خلق شيء إلا خلق الكلام. فقلت: يا مولانا أنا محدث، وإن لم يكن في المحدث جراءة مات بغيظه (٣)، وأحب أن أسألك عن شيء، فتبسم وقال: ما أراك تسأل إلا عن معضلة، هات. قلت: لم سميت بشميم؟ فشتمني وضحك، وقال: اعلم أنني بقيت مدة لا آكل إلا الطين، قصدًا لتنشيف الرطوبة وحدة الحفظ، فكنت أبقى مدة لا أتغوط ثم يجيء كالبندقة من الطين، فكنت آخذه وأقول لمن أنبسط إليه: شمه فإنه لا رائحة له، فلقبت بذلك، أرضيت يا ابن الفاعلة!
توفي شميم بالموصل في ربيع الآخر (٤) عن سن عالية.
قال ابن النجار (٥): كان أدبيًا مبرزًا في علم اللغة والنحو، وله مصنفات وأنشاد وخطب ومقامات، ونثر ونظم كثير، لكنه كان أحمق، قليل الدين، رقيعًا، يستهزئ بالناس، لا يعتقد أن في الدنيا مثله، ولا كان ولا يكون أبدًا. إلى أن قال: وأدركه الأجل بالموصل عن تسعين سنة أو ما قاربها.
ويحكى عنه فساد عقيدة؛ سمعت أبا القاسم ابن العديم يحكي عن محمد بن يوسف الحنفي قال: كان الشميم يبقى أيامًا لا يأكل إلا التراب، فكان رجيعه يابسًا ليس
стр. 12605
بمنتن، فيجعله في جيبه، فمن دخل إليه يشمه إياه ويقول: قد تجوهرت.
ومن نظم شميم:
كنت حرًا فمذ تَمَلَّكْتَ رِقِّي … باصْطِنَاعِ المَعْرُوفِ أصْبَحْتُ عَبْدَا
أشْهَدت أنعم علي لك الأعـ … ضاء مِنِّي فَمَا أُحَاوِل جَحْدَا
وجَدِيرٌ بأنْ يُحَقّقَ ظن الـ … جود فيه مَنْ لِلنَّوَالِ تَصَدَّى (١)
ومن تواليفه: متنزه القلوب في التصاحيف، شرح المقامات، الحماسة، الخطب، أنس الجليس في التجنيس، أنواع الرقاع في الأسجاع، المرازي في التعازي، الأماني في التهاني، معاياة العقل في معاناة النقل، المهتصر في شرح المختصر، كتاب اللزوم مجلدان، مناقب الحكم في مثالب الأمم مجلدان. ثم سمى عدة تصانيف له، ثم قال: مات في ربيع الأول سنة إحدى وستمائة.
وذكره ابن المستوفي في تاريخه ورماه بالحمق الزائد، وأنه كان إذا أنشد بيتًا من نظمه، سجد. وكان يسخر بالعلماء، ويستهزئ بمعجزات الأنبياء ولا يعظم الشرع، ولا يصلي، عارض القرآن المجيد فكان إذا أورده تعوذ ومسح وجهه ثم قرأ. وقال: سألني النصارى كتمان قراءتي كيلا أفسد عليهم دينهم. ثم أورد ابن المستوفي ألفاظًا، وأورد من شعره أشياء فيها الجيد والغث، وطول.
٣٧ - علي بن الخضر بن حسن، أبو الحسين ابن المجري الدمشقي.
سمع من السلفي، وحدث؛ كتب عنه القفصي، وغيره.
وقال الضياء: توفي في ذي القعدة.
٣٨ - علي بن عقيل (٢) بن علي بن هبة الله بن الحسن بن علي، الفقيه أبو الحسن ابن الحبوبي (٣) الثعلبي (٤)، الدمشقي المعدل.