← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وقال المدائني: ثم سار سعد من القادسية يتبعهم، فأتاه أهل الحيرة فقالوا: نحن على عهدنا. وأتاه بسطام فصالحه، وقطع سعد الفرات، فلقي جمعا عليهم بصبهرا، فقتله زهرة بن حوية، ثم لقوا جمعا بكوثا (١) عليهم الفيرزان فهزموهم، ثم لقوا جمعا كثيرا بدير كعب عليهم الفرخان فهزموهم، ثم سار سعد بالناس حتى نزل المدائن فافتتحها. وأما محمد بن جرير (٢) فإنه ذكر القادسية في سنة أربع عشرة، وذكر أن في سنة خمس عشرة مصر سعد الكوفة، وأن فيها فرض عمر الفروض ودون الدواوين، وأعطى العطاء على السابقة. قال (٣): ولما فتح الله على المسلمين غنائم رستم، وقدمت على عمر الفتوح من الشام والعراق جمع المسلمين، فقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ قالوا: أما لخاصته فقوته وقوت عياله لا وكس ولا شطط، وكسوته وكسوتهم، ودابتان لجهاده وحوائجه، وحمالته إلى حجة وعمرته، والقسم بالسوية أن يعطي أهل البلاء على قدر بلائهم، ويرم أمور المسلمين ويتعاهدهم. وفي القوم علي ﵁ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف. وقيل: إن عمر قعد على رزق أبي بكر حتى اشتدت حاجته، فأرادوا أن يزيدوه فأبى عليهم. وكان عماله في هذه السنة: عتاب بن أسيد، كذا قال ابن جرير (٤)، وقد قدمنا موت عتاب، قال: وعلى الطائف يعلى بن منية، وعلى الكوفة سعد، وعلى قضائها أبو قرة، وعلى البصرة المغيرة بن شعبة، وعلى اليمامة والبحرين عثمان بن أبي العاص، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى ثغور الشام أبو عبيدة بن الجراح.

стр. 1262

المتوفون فيها الحارث بن هشام: يقال: فيها، وسيأتي في طاعون عمواس. سعد بن عبادة بن ديلم بن حارثة بن أبي حزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي، سيد الخزرج، أبو ثابت، ويقال: أبو قيس. أحد النقباء ليلة العقبة، وقد اجتمعت عليه الأنصار يوم السقيفة وأرادوا أن يبايعوه بالخلافة، ولم يذكر أهل المغازي أنه شهد بدرا، وذكر البخاري (١) وأبو حاتم (٢) أنه شهدها، وروي ذلك عن عروة. قال الواقدي: كان سعد وأبو دجانة والمنذر بن عمرو لما أسلموا يكسرون أصنام بني ساعدة، وكان سيدا جوادا، لم يشهد بدرا، وكان يتهيأ للخروج، فنهش قبل أن يخرج، فأقام، فقال رسول الله ﷺ : لئن كان سعد لم يشهد بدرا، لقد كان عليها حريصا. هكذا حكاه ابن سعد في الطبقات (٣) بلا سند، وقد شهد أحدا والمشاهد. قال: وكان يبعث كل يوم بجفنة إلى رسول الله ﷺ لما قدم المدينة. وقال عروة: كان ينادي على أطم سعد: من أحب شحما ولحما فليأت سعد بن عبادة. وقد أدركت ابنه يفعل ذلك. وقال ابن عباس: إن أم سعد توفيت فتصدق عنها بحائطه المخراف. ولسعد ذكر في حديث الإفك. وقد حدث عنه بنوه؛ قيس وسعيد وإسحاق، وابن عباس، وأبو أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيب، ولم يدركه. وقال ابن سعد (٤): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن

стр. 1263

صالح، عن الزبير بن المنذر بن أبي أسيد الساعدي أن أبا بكر بعث إلى سعد بن عبادة أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس. فقال: لا، والله لا أبايع حتى أراميكم بما في كنانتي وأقاتلكم بمن معي. قال: فقال بشير بن سعد: يا خليفة رسول الله، إنه قد أبى ولج وليس بمبايعكم أو يقتل، ولن يقتل حتى يقتل معه ولده وعشيرته، ولن يقتلوا حتى تقتل الخزرج، فلا تحركوه فقد استقام لكم الأمر وليس بضاركم، إنما هو رجل واحد ما ترك. فقبل أبو بكر نصيحة بشير. قال: فلما ولي عمر لقيه ذات يوم فقال: إيه يا سعد. فقال: إيه يا عمر. فقال عمر: أنت صاحب ما أنت صاحبه؟ قال: نعم، وقد أفضى إليك هذا الأمر، وكان والله صاحبك أحب إلينا منك، وقد والله أصبحت كارها لجوارك. فقال عمر: إنه من كره جوار جاره تحول عنه، فقال سعد: أما إني غير مستنسئ بذلك، وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك. فلم يلبث أن خرج مهاجرا إلى الشام، فمات بحوران. قال محمد بن عمر: حدثنا يحيى بن عبد العزيز بن سعد بن عبادة، عن أبيه قال: توفي سعد بحوران لسنتين ونصف من خلافة عمر. قال محمد بن عمر: كأنه مات سنة خمس عشرة. قال عبد العزيز: فما علم بموته بالمدينة حتى سمع غلمان في بئر ميتة أو بئر سكن - وهم يقتحمون نصف النهار - قائلا من البئر: قتلنا سيد الخزر … ج سعد بن عباده رميناه بسهمين … فلم تخط فؤاده فذعر الغلمان، فحفظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعد، وإنما جلس يبول في نفق فاقتتل فمات من ساعته، وجدوه قد اخضر جلده (١). وقال ابن أبي عروبة: سمعت محمد بن سيرين يحدث أنه بال قائما، فلما رجع قال لأصحابه: إني لأجد دبيبا، فمات فسمعوا الجن تقول: قتلنا سيد الخزرج - البيتين.

стр. 1264

وقال سعيد بن عبد العزيز: أول مدينة فتحت بالشام بصرى، وفيها مات سعد بن عبادة (١). سعد بن عبيد بن النعمان، أبو زيد الأنصاري الأوسي: أحد القراء الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، استشهد بوقعة القادسية، وقيل: إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص لعمر. شهد سعد بدرا وغيرها، وكان يقال له: سعد القارئ. وذكر محمد بن سعد (٢) أن القادسية سنة ست عشرة، وأنه قتل بها وله أربع وستون سنة. وقال قيس بن مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعد بن عبيد أنه خطبهم فقال: إنا لاقو العدو غدا، وإنا مستشهدون غدا، فلا تغسلوا عنا دما ولا نكفن إلا في ثوب كان علينا. سعيد بن الحارث بن قيس بن عدي القرشي السهمي، هو وإخوته؛ الحجاج، ومعبد، وتميم، وأبو قيس، وعبد الله، والسائب، كلهم من مهاجرة الحبشة، ذكرهم ابن سعد (٣)، استشهد أكثرهم يوم اليرموك ويوم أجنادين ﵃. سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي، أبو يزيد العامري: أحد خطباء قريش وأشرافهم، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وكان قد أسر يوم بدر، وكان قد قام بمكة وحض على النفير، فقال: يا آل غالب، أتاركون أنتم محمدا والصباة يأخذون عيركم، من أراد مالا فهذا مال، ومن أراد قوة فهذه قوة. وكان سمحا جوادا فصيحا، قام خطيبا بمكة أيضا عند وفاة النبي ﷺ بنحو خطبة أبي بكر فسكنهم، وهو الذي مشى في صلح الحديبية.

стр. 1265

وقال الزبير بن بكار: كان سهيل بعد كثير الصلاة والصوم والصدقة، وخرج بجماعته إلى الشام مجاهدا ﵁، وقيل: إنه صام وقام حتى شحب لونه وتغير، وكان كثير البكاء عند قراءة القرآن. قال المدائني وغيره: إنه استشهد يوم اليرموك. وقال الشافعي والواقدي: إنه توفي بطاعون عمواس. روى عنه يزيد بن عميرة الزبيدي وغيره، عن النبي ﷺ . وقيل: كان أميرا على كردوس (١) يوم اليرموك. عامر بن مالك بن أهيب الزهري، أخو سعد بن أبي وقاص، من مهاجرة الحبشة: قدم دمشق بكتاب عمر على أبي عبيدة بإمرته على الشام وعزل خالد، استشهد يوم اليرموك على الصحيح. عبد الله بن سفيان: هذا ابن أخي أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، له صحبة وهجرة إلى الحبشة ورواية، روى عنه عمرو بن دينار منقطعا، واستشهد باليرموك. عبد الرحمن، أخو الزبير بن العوام لأبيه: حضر بدرا هو وأخوه عبيد الله الأعرج مشركين، فهربا، فأدرك عبيد الله فقتل، ثم أسلم فيما بعد هذا، وصحب النبي ﷺ ، واستشهد باليرموك. عتبة بن غزوان ﵁: يقال: مات فيها، وقد تقدم. عكرمة بن أبي جهل المخزومي: يقال: استشهد يوم اليرموك، وقد تقدم. د ن ق: عمرو ابن أم مكتوم الضرير: كان مؤذن رسول الله ﷺ ، واستخلفه على المدينة في غير غزوة، قيل: كان اللواء معه يوم القادسية، واستشهد يومئذ.

стр. 1266

وقال ابن سعد (١): رجع إلى المدينة بعد القادسية، ولم نسمع له بذكر بعد عمر. قلت: روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو رزين الأسدي، وله ترجمة طويلة في كتاب ابن سعد. عمرو بن الطفيل بن عمرو بن طريف: قتل باليرموك. عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عياش المخزومي، صاحب رسول الله ﷺ الذي سماه في القنوت ودعا له بالنجاة: روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه عبد الله وغيره، وهو أخو أبي جهل لأمه، كنيته: أبو عبد الله، استشهد يوم اليرموك. فراس بن النضر بن الحارث: يقال: استشهد باليرموك. قيس بن عدي بن سعد بن سهم: من مهاجرة الحبشة، قتل باليرموك. قيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني: شهد العقبة وبدرا، وورد له حديث من طريق ابن لهيعة عن حبان بن واسع بن حبان، عن أبيه، عنه، قلت: في كم أقرأ القرآن يا رسول الله؟ قال: في خمس عشرة، قلت: أجدني أقوى من ذلك. وفيه دليل على أنه جمع القرآن، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك. نضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي العبدري القرشي: من مسلمة الفتح ومن حلماء قريش، وقيل: إن النبي ﷺ أعطاه مائة من الإبل من غنائم حنين، تألفه بذلك. فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشي على الإسلام، ثم قال: والله ما طلبتها ولا سألتها، وهي عطية من رسول الله ﷺ ، فأخذها، وحسن إسلامه، واستشهد يوم اليرموك، وأخوه النضر قتل كافرا في نوبة بدر.

стр. 1267

نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحارث ابن عم النبي ﷺ : وهو أسن من أسلم من بني هاشم، وقد أسر يوم بدر ففداه العباس، فلما فداه أسلم. وقيل: إنه هاجر أيام الخندق، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين العباس، وكانا شريكين في الجاهلية متحابين، شهد نوفل الحديبية والفتح، وأعان رسول الله ﷺ يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، وثبت معه يومئذ. توفي سنة خمس عشرة بخلف، وقيل: سنة عشرين. هشام بن العاص السهمي: عند ابن سعد (١) أنه قتل يوم اليرموك.

стр. 1268

سنة ست عشرة قيل: كانت وقعة القادسية في أولها، واستشهد يومئذ مائتان، وقيل: عشرون ومائة رجل. قال خليفة (١): فيها فتحت الأهواز ثم كفروا (٢)، فحدثني الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جده قال: سار المغيرة بن شعبة إلى الأهواز فصالحه البيروان (٣) على ألفي ألف درهم وثماني مائة ألف درهم، ثم غزاهم الأشعري بعده. وقال الطبري (٤): فيها دخل المسلمون مدينة بهرشير (٥) وافتتحوا المدائن، فهرب منها يزدجرد بن شهريار. فلما نزل سعد بن أبي وقاص بهرشير - وهي المدينة التي فيها منزل كسرى - طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى، فلم يقدر على شيء منها، وجدهم قد ضموا السفن، فبقي أياما حتى أتاه أعلاج فدلوه على مخاضة، فأبى، ثم إنه عزم له أن يقتحم دجلة، فاقتحمها المسلمون وهي زائدة ترمي بالزبد، ففجئ أهل فارس أمر لم يكن لهم في حساب، فقاتلوا ساعة ثم انهزموا وتركوا جمهور أموالهم، واستولى المسلمون على ذلك كله، ثم أتوا إلى القصر الأبيض، وبه قوم قد تحصنوا ثم صالحوا. وقيل: إن الفرس لما رأوا اقتحام المسلمين الماء تحيروا، وقالوا: والله ما نقاتل الإنس ولا نقاتل إلا الجن، فانهزموا. ونزل سعد القصر الأبيض، واتخذ الإيوان مصلى، وإن فيه لتماثيل

стр. 1269

جص فما حركها. ولما انتهى إلى مكان كسرى أخذ يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾ الآية. قالوا: وأتم سعد الصلاة يوم دخلها، وذلك أنه أراد المقام بها، وكانت أول جمعة جمعت بالعراق، وذلك في صفر سنة ست عشرة. قال الطبري (١): قسم سعد الفيء بعدما خمسه، فأصاب الفارس اثنا عشر ألفا، وكل الجيش كانوا فرسانا. وقسم سعد دور المدائن بين الناس وأوطنوها، وجمع سعد الخمس وأدخل فيه كل شيء من ثياب كسرى وحليه وسيفه، وقال للمسلمين: هل لكم أن تطيب أنفسكم عن أربعة أخماس هذا القطف فنبعث به إلى عمر، فيضعه حيث يرى ويقع من أهل المدينة موقعا؟ قالوا: نعم، فبعثه على هيئته، وكان ستين ذراعا في ستين ذراعا بساطا واحدا مقدار جريب، فيه طرق كالصور، وفصوص كالأنهار، وخلال ذلك كالدر، وفي حافاته كالأرض المزروعة، والأرض كالمبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قصبات الذهب، ونواره بالذهب والفضة ونحوه، فقطعه عمر وقسمه بين الناس، فأصاب عليا قطعة منه فباعها بعشرين ألفا. واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسي مملكة كسرى، وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلى أمي بلادهما. وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها قط من الذهب والجوهر والحرير والرقيق والمدائن والقصور، فسبحان الله العظيم الفتاح. وكان لكسرى وقيصر ومن قبلهما من الملوك في دولتهم دهر طويل؛ فأما الأكاسرة والفرس وهم المجوس فملكوا العراق والعجم نحوا من خمسمائة سنة، فأول ملوكهم دارا، وطال عمره، فيقال: إنه بقي في الملك مائتي سنة، وعدة ملوكهم خمسة وعشرون نفسا، منهم امرأتان، وكان آخر القوم يزدجرد الذي هلك في زمن عثمان. وممن ملك منهم ذو الأكتاف سابور، عقد له بالأمر وهو في بطن أمه، لأن أباه مات وهذا حمل، فقال الكهان: هذا يملك الأرض، فوضع التاج على بطن الأم، وكتب منه إلى

стр. 1270

الآفاق وهو بعد جنين، وهذا شيء لم يسمع بمثله قط، وإنما لقب بذي الأكتاف لأنه كان ينزع أكتاف من غضب عليه، وهو الذي بنى الإيوان الأعظم وبنى نيسابور وبنى سجستان. ومن متأخري ملوكهم أنوشروان، وكان حازما عاقلا، كان له اثنتا عشرة ألف امرأة وسرية، وخمسون ألف دابة، وألف فيل إلا واحدا، وولد نبينا ﷺ في زمانه، ثم مات أنوشروان وقت موت عبد المطلب، ولما استولى الصحابة على الإيوان أحرقوا ستره، فطلع منه ألف ألف مثقال ذهبا. وقعة جلولاء في هذه السنة قال ابن جرير الطبري (١): فقتل الله من الفرس مائة ألف، جللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه، فسميت جلولاء. وقال غيره: كانت في سنة سبع عشرة. وعن أبي وائل قال: سميت جلولاء لما تجللها من الشر. وقال سيف: كانت سنة سبع عشرة. وقال خليفة بن خياط (٢): هرب يزدجرد بن كسرى من المدائن إلى حلوان، فكتب إلى الجبال، وجمع العساكر ووجههم إلى جلولاء، فاجتمع له جمع عظيم، عليهم خرزاد بن جرمهر (٣)، فكتب سعد إلى عمر يخبره، فكتب إليه: أقم مكانك ووجه إليهم جيشا، فإن الله ناصرك ومتمم وعده. فعقد لابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، فالتقوا، فجال المسلمون جولة، ثم هزم الله المشركين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وحوى المسلمون عسكرهم وأصابوا أموالا عظيمة وسبايا، فبلغت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف. وجاء عن الشعبي أن فيء جلولاء قسم على ثلاثين ألف ألف. وقال أبو وائل: سميت جلولاء فتح الفتوح (٤).

стр. 1271

وقال ابن جرير (١): أقام هاشم بن عتبة بجلولاء، وخرج القعقاع بن عمرو في آثار القوم إلى خانقين، فقتل من أدرك منهم، وقتل مهران، وأفلت الفيرزان (٢)، فلما بلغ ذلك يزدجرد تقهقر إلى الري. وفيها جهز سعد جندا فافتتحوا تكريت واقتسموها، وخمسوا الغنائم، فأصاب الفارس منها ثلاثة آلاف درهم. وفيها سار عمر ﵁ إلى الشام وافتتح البيت المقدس، وقدم إلى الجابية - وهي قصبة حوران - فخطب بها خطبة مشهورة متواترة عنه. قال زهير بن محمد المروزي: حدثني عبد الله بن مسلم بن هرمز أنه سمع أبا الغادية المزني قال: قدم علينا عمر الجابية، وهو على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه عمامة ولا قلنسوة، بين عودين، وطاؤه فرو كبش نجدي، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبته شملة أو نمرة محشوة ليفا وهي وسادته، عليه قميص قد انخرق بعضه ودسم جيبه. رواه أبو إسماعيل المؤدب عن ابن هرمز، فقال: عن أبي العالية الشامي. قنسرين وفيها بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص - بعد فراغه من اليرموك - إلى قنسرين، فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية على الجزية، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة. وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم. وفيها، قال ابن الكلبي: سار أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر أهل إيلياء، فسألوه الصلح على أن يكون عمر هو الذي يعطيهم ذلك ويكتب لهم أمانا، فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم عمر إلى الأرض المقدسة فصالحهم، وأقام أياما ثم شخص إلى المدينة.

стр. 1272

وفيها كانت وقعة قرقيسياء (١)، وحاصرها الحارث بن يزيد العامري، وفتحت صلحا. وفيها كتب التاريخ في شهر ربيع الأول، فعن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب ﵁ لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي ﵄. وفيها ندب لحرب أهل الموصل ربعي بن الأفكل. من توفي فيها: مارية أم إبراهيم القبطية، وكانت أهداها المقوقس إلى النبي ﷺ سنة ثمان، وعاش ابنها إبراهيم ﵇ عشرين شهرا، وصلى عليها عمر ﵁، ودفنت بالبقيع في المحرم. ويقال: توفي فيها سعد بن عبادة، وأبو زيد سعد بن عبيد القارئ (٢).

стр. 1273

سنة سبع عشرة يقال: كانت فيها وقعة جلولاء المذكورة. وفيها خرج عمر ﵁ إلى سرغ (١)، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، فوجد الطاعون بالشام، فرجع لما حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ في أمر الطاعون. وفيها زاد عمر في مسجد النبي ﷺ ، وعمله كما كان في زمان النبي ﷺ . وفيها كان القحط بالحجاز، وسمي عام الرمادة (٢)، واستسقى عمر للناس بالعباس عم النبي ﷺ . وفيها كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري بإمرة البصرة، وبأن يسير إلى كور الأهواز، فسار واستخلف على البصرة عمران بن حصين، فافتتح أبو موسى الأهواز صلحا وعنوة، فوظف عمر عليها عشرة آلاف ألف درهم وأربعمائة ألف، وجهد زياد في إمرته أن يخلص العنوة من الصلح فما قدر. قال خليفة (٣): وفيها شهد أبو بكرة ونافع ابنا الحارث، وشبل بن معبد وزياد على المغيرة بالزنى، ثم نكل بعضهم، فعزله عمر عن البصرة وولاها أبا موسى. وقال خليفة (٤): حدثنا ريحان بن عصمة، حدثنا عمر بن مرزوق، عن أبي فرقد قال: كنا مع أبي موسى الأشعري بالأهواز وعلى خيله تجافيف (٥) الديباج.

стр. 1274

وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، وأصدقها أربعين ألف درهم فيما قيل. وفيها توفي جماعة، الأصح أنهم توفوا قبل هذه السنة وبعدها. فتوفي عتبة بن غزوان ﵁ في قول سعيد بن عفير ورواية الواقدي. وتوفي فيها الحارث بن هشام، وإسماعيل بن عمرو في قول ابن عفير. وفي قوله أيضا: شرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان بن حرب. وفي قول هشام ابن الكلبي، وابن عفير: توفي أبو عبيدة بن الجراح. وقال أبو مسهر: قرأت في كتاب يزيد بن عبيدة: توفي أبو عبيدة ومعاذ بن جبل سنة سبع عشرة.

стр. 1275

سنة ثماني عشرة فيها قال ابن إسحاق: استسقى عمر للناس وخرج ومعه العباس، فقال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك. وفيها افتتح أبو موسى جنديسابور والسوس صلحا، ثم رجع إلى الأهواز. وفيها وجه سعد بن أبي وقاص جرير بن عبد الله البجلي إلى حلوان بعد جلولاء، فافتتحها عنوة. ويقال: بل وجه هاشم بن عتبة، ثم انتقضوا حتى ساروا إلى نهاوند، ثم سار هاشم إلى ماه (١) فأجلاهم إلى أذربيجان، ثم صالحوا. ويقال: فيها افتتح أبو موسى رامهرمز، ثم سار إلى تستر فنازلها. وقال أبو عبيدة بن المثنى: فيها حاصر هرم بن حيان أهل دست هر، فرأى ملكهم امرأة تأكل ولدها من الجوع، فقال: الآن أصالح العرب، فصالح هرما على أن خلى لهم المدينة. وفيها نزل الناس الكوفة، وبناها سعد باللبن، وكانوا بنوها بالقصب فوقع بها حريق هائل. وفيها كان طاعون عمواس بناحية الأردن، فاستشهد فيه خلق من المسلمين. ويقال: إنه لم يقع بمكة ولا بالمدينة طاعون. ذكر من توفي بهذا الطاعون ع: أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري. أمين هذه الأمة وأحد العشرة، وأحد الرجلين الذين عينهما أبو بكر للخلافة يوم السقيفة.

стр. 1276

روى عنه جابر، وأبو أمامة، وأسلم مولى عمر، وجماعة. ولي إمرة أمراء الأجناد بالشام، وكان من السابقين الأولين، شهد بدرا، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله ﷺ يوم أحد بأسنانه رفقا بالنبي ﷺ ، فانتزعت ثنيتاه، فحسن ذهابهما فاه، حتى قيل: ما رؤي أحسن من هتم أبي عبيدة. وقد انقرض عقبه. وقيل: آخى النبي ﷺ بينه وبين محمد بن مسلمة. وعن مالك بن يخامر أنه وصف أبا عبيدة، فقال: كان نحيفا، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالا، أجنى، أثرم الثنيتين. وقال موسى بن عقبة في غزوة ذات السلاسل: إن النبي ﷺ أمد عمرو بن العاص بجيش فيهم أبو بكر وعمر، وأمر عليهم أبا عبيدة. وقال راشد بن سعد وغيره: إن عمر قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن سألني الله لم استخلفته قلت: إني سمعت نبيك يقول: إن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح (١). وقال عبد الله بن شقيق: سألت عائشة؛ أي أصحاب رسول الله ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة. وقال عروة بن الزبير: قدم عمر الشام فتلقوه، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ قالوا: يأتيك الآن، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا، فسار معه حتى أتى منزله فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعا - أو قال: شيئا - قال: يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل. ومناقب أبي عبيدة كثيرة، ذكرها الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق (٢).

стр. 1277

وقال أبو الموجه المروزي: زعموا أن أبا عبيدة كان في ستة وثلاثين ألفا من الجند، فلم يبق من الطاعون، يعني إلا ستة آلاف. وقال عروة: إن وجع عمواس كان معافى منه أبو عبيدة وأهله، فقال: اللهم نصيبك في آل أبي عبيدة، فخرجت به بثرة، فجعل ينظر إليها، فقيل: إنها ليست بشيء، فقال: إني لأرجو أن يبارك الله فيها. وعن عروة بن رويم أن أبا عبيدة أدركه أجله بفحل فتوفي بها، وهي بقرب بيسان. قال الفلاس وجماعة: إنه توفي سنة ثماني عشرة. زاد الفلاس: وله ثمان وخمسون سنة. وكان يخضب بالحناء والكتم، وله عقيصتان، ﵁. ع: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي، من بني سلمة، الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن. شهد العقبة وبدرا، وكان إماما ربانيا، قال له النبي ﷺ : يا معاذ، والله إني أحبك (١). وعن عمر، عن النبي ﷺ قال: يأتي معاذ أمام العلماء برتوة (٢). وقال ابن مسعود: كنا نشبه معاذا بإبراهيم الخليل، كان أمة قانتا لله حنيفا، وما كان من المشركين. وقال محمد بن سعد: كان معاذ رجلا طوالا أبيض، حسن الثغر، عظيم العينين، مجموع الحاجبين، جعدا قططا. وقيل: إنه أسلم وله ثماني عشرة سنة، وعاش بضعا وثلاثين سنة، وقبره بالغور (٣).

стр. 1278

روى عنه أنس، وأبو الطفيل، وأبو مسلم عبد الله بن ثوب الخولاني، وأسلم مولى عمر، والأسود بن يزيد، ومسروق، وقيس بن أبي حازم، وخلق سواهم. واستشهد هو وابنه في طاعون عمواس، وأصيب بابنه عبد الرحمن قبله. وقال بشير بن يسار: لما بعث معاذ إلى اليمن معلما، وكان رجلا أعرج؛ فصلى بالناس فبسط رجله، فبسطوا أرجلهم، فلما فرغ قال: أحسنتم ولا تعودوا، واعتذر عن رجله. وفي الصحيح من حديث أنس يرفعه: أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل (١). وعن جابر قال: كان معاذ من أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا، وأسمحه كفا، فادان دينا كثيرا فلزمه غرماؤه حتى تغيب، ثم طلبه النبي ﷺ ومعه غرماؤه، فقال: رحم الله من تصدق عليه، فأبرأه ناس، وقال آخرون: خذ لنا نصف حقنا منه، فخلعه رسول الله ﷺ من ماله ودفعه إلى الغرماء، فاقتسموه وبقي لهم عليه، ثم بعثه النبي ﷺ إلى اليمن وقال: لعل الله يجبرك، فلم يزل بها حتى توفي النبي ﷺ ، وقدم على أبي بكر (٢). وقال شهر بن حوشب، عن الحارث بن عميرة الزبيدي قال: إني لجالس عند معاذ وهو يموت، فأفاق وقال: اخنق علي خنقك، فوعزتك إني لأحبك. وعن عبد الله بن كعب بن مالك أن معاذا توفي في سنة ثماني عشرة وله ثمان وثلاثون سنة. ق: يزيد (٣) بن أبي سفيان بن حرب بن أمية الأموي، ويقال له: يزيد الخير، أمه زينب بنت نوفل الكنانية. أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وشهد حنينا، وأعطاه النبي ﷺ من

стр. 1279

الغنائم فيما قيل مائة بعير وأربعين أوقية، وكان جليل القدر شريفا سيدا فاضلا، وهو أحد أمراء الأجناد الأربعة الذين عقد لهم أبو بكر الصديق وسيرهم لغزو الشام، فلما فتحت دمشق أمره عمر على دمشق، ثم ولى بعد موته أخاه معاوية. له عن النبي ﷺ في الوضوء، وعن أبي بكر. روى عنه أبو عبد الله الأشعري، وجنادة بن أبي أمية. توفي في الطاعون. وقال الوليد بن مسلم: إنه توفي سنة تسع عشرة بعد أن افتتح قيسارية التي بساحل الشام. عوف الأعرابي: حدثنا مهاجر أبو مخلد، حدثني أبو العالية قال: غزا يزيد بن أبي سفيان بالناس، فوقعت جارية نفيسة في سهم رجل، فاغتصبها يزيد، فأتاه أبو ذر فقال: رد على الرجل جاريته، فتلكأ فقال: لئن فعلت ذلك لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد، فقال: نشدتك بالله أنا منهم؟ قال: لا، فرد على الرجل جاريته. أخرجه الروياني في مسنده (١). ق: شرحبيل بن حسنة وهي أمه، واسم أبيه عبد الله بن المطاع، حليف بني زهرة، أبو عبد الله، من كندة. هاجر هو وأمه إلى الحبشة، وله رواية حديثين. روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأبوه عبد الله الأشعري. وكان أحد الأمراء الأربعة الذين أمرهم أبو بكر الصديق ﵄ (٢). ع: الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. وكان جميلا مليحا وسيما، توفي شابا، لأنه يوم حجة الوداع كان أمرد، وكان يومئذ رديف النبي ﷺ ، له صحبة ورواية. روى عنه أخوه عبد الله، وأبو هريرة، وربيعة بن الحارث. توفي بطاعون عمواس في قول

стр. 1280

ابن سعد (١)، والزبير بن بكار، وأبي حاتم (٢)، وابن البرقي، وهو الصحيح. ويقال: قتل يوم مرج الصفر. ويقال: يوم أجنادين. ويقال: يوم اليرموك. ويقال: سنة ثمان وعشرين. الحارث بن هاشم بن المغيرة المخزومي، أبو عبد الرحمن، أخو أبي جهل. أسلم يوم الفتح، وكان سيدا شريفا، تألفه النبي ﷺ لحسبه بمائة من الإبل من غنائم حنين، ثم حسن إسلامه. ولما خرج من مكة إلى الجهاد بالشام جزع لذلك أهل مكة وخرجوا يشيعونه ويبكون لفراقه، وتزوج عمر ﵁ بعده بامرأته فاطمة. وقال ابن سعد (٣): تزوج عمر بابنته أم حكيم. مات الحارث في الطاعون. سهيل بن عمرو العامري، خطيب قريش. في الطاعون بخلف، وقد مر سنة خمس عشرة. أبو جندل بن سهيل بن عمرو، اسمه العاص. من خيار الصحابة، وهو الذي جاء يوم صلح الحديبية يرسف في قيوده، وكان أبوه قيده لما أسلم، فقال أبوه للنبي ﷺ : هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده، فرده. له صحبة وجهاد، توفي بطاعون عمواس، وقتل أخوه عبد الله يوم اليمامة، وكان بدريا. م د ن ق: أبو مالك الأشعري. قدم مع أصحاب السفينتين أيام خيبر، ونزل الشام. اسمه كعب بن عاصم، وقيل: عمرو، وقيل: عامر بن الحارث. روى عنه عبد الرحمن بن غنم، وأم الدرداء، وربيعة الجرشي، وأبو سلام الأسود. وأرسل عنه عطاء بن يسار، وشهر بن حوشب.

стр. 1281

قال شهر بن حوشب، عن ابن غنم: طعن معاذ وأبو عبيدة وأبو مالك في يوم واحد. وقال ابن سعد وغيره: توفي في خلافة عمر (١). وقد أعدت ذكر أبي مالك في طبقة ابن عباس. وفيها افتتح أبو موسى الأشعري الرها وسميساط عنوة. وفي أوائلها وجه أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة، فوافق أبا موسى قد قدم من البصرة، فمضيا فافتتحا حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل: صلحا. وفيها سار عياض بن غنم إلى الموصل فافتتحها ونواحيها عنوة. وفيها بنى سعد جامع الكوفة.

стр. 1282

سنة تسع عشرة قال خليفة (١): فيها فتحت قيسارية، وأمير العسكر معاوية بن أبي سفيان وسعد بن عامر بن حذيم، كل أمير على جنده، فهزم الله المشركين وقتل منهم مقتلة عظيمة، ورخها ابن الكلبي. وأما ابن إسحاق فقال: سنة عشرين. وفيها كانت وقعة صهاب - بأرض فارس - في ذي الحجة، وعلى المسلمين الحكم بن أبي العاص، فقتل سهرك (٢) مقدم المشركين. قال خليفة (٣): وفيها أسرت الروم عبد الله بن حذافة السهمي. وقيل: فيها فتحت تكريت. ويقال: فيها كانت جلولاء، وهي وقعة أخرى كانت بالعجم أو بفارس. وفيها وجه عمر عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان عندها شيء من قتال، أصيب فيه صفوان بن المعطل بن رحضة السلمي الذكواني، صاحب النبي ﷺ الذي له ذكر في حديث الإفك، وقال فيه النبي ﷺ : ما علمت إلا خيرا. وقال هو: ما كشفت كنف أنثى قط. له حديثان. روى عنه سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسعيد المقبري، وروايتهم عنه مرسلة إن كان توفي في هذه الغزوة، وإن كان توفي كما قال الواقدي سنة ستين بسميساط فقد سمعوا منه. وقال خليفة (٤): مات بالجزيرة. وكان على ساقة النبي ﷺ ، وكان شاعرا. وقال ابن إسحاق (٥): قتل في غزوة أرمينية هذه، وكان أحد الأمراء يومئذ.

стр. 1283

وفيها توفي: يزيد بن أبي سفيان في قول، وقد تقدم. ع: أبي (١) بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر الأنصاري، وقيل: يكنى أيضا أبا الطفيل، سيد القراء. شهد العقبة وبدرا. روى عنه بنوه محمد والطفيل وعبد الله، وابن عباس، وأنس، وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وزر بن حبيش، وخلق سواهم. عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: كان أبي دحداحا، ليس بالقصير ولا بالطويل. وعن عباس بن سهل قال: كان أبيض الرأس واللحية. وقال أنس: قال النبي ﷺ لأبي: إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وسماني لك؟ قال: نعم، فبكى (٢). وقال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، وأبو زيد أحد عمومتي (٣). وقال ابن عباس: قال أبي لعمر: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه من جبريل وهو رطب. وقال ابن عباس: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وهو يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾

стр. 1284

وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : أقرأ أمتي أبي بن كعب. وعن محمد بن أبي، عن أبيه - وروي من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري - قال أبي: يا رسول الله، ما جزاء الحمى؟ قال: تجري الحسنات على صاحبها، فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تمنعني خروجا في سبيلك، فلم يمس أبي قط إلا وبه حمى (١). قلت: ولهذا يقول زر: كان أبي فيه شراسة. وقال أبو نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له: جابر أو جويبر: طلبت حاجة إلى عمر وإلى جنبه رجل أبيض الثياب والشعر، فقال: إن الدنيا فيها بلاغنا وزادنا إلى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا سيد المسلمين أبي بن كعب. وقال معمر: عامة علم ابن عباس من ثلاثة: عمر، وعلي، وأبي. قال الهيثم بن عدي: توفي أبي سنة تسع عشرة. وقال ابن معين: توفي سنة عشرين أو تسع عشرة. وقال أبو عمر الضرير، وأبو عبيد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ورواه الواقدي عن غير واحد أنه توفي سنة اثنتين وعشرين. وقال خليفة والفلاس: في خلافة عثمان. وقال ابن سعد: قد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، قال: وهو أثبت الأقاويل عندنا.

стр. 1285

وفيها مات بالمدينة خباب مولى عتبة بن غزوان. له صحبة وسابقة، صلى عليه عمر. لم يذكره ابن أبي حاتم، وذكره الواقدي فيمن شهد بدرا، وكناه أبا يحيى. وقال أبو أحمد الحاكم: شهد بدرا، ومات سنة تسع عشرة وله خمسون سنة.

стр. 1286

سنة عشرين فيها فتحت مصر. روى خليفة (١) - عن غير واحد - وغيره أن فيها كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوام مددا له، ومعه بسر بن أرطاة، وعمير بن وهب الجمحي، وخارجة بن حذافة العدوي، حتى أتى باب أليون (٢) فتحصنوا، فافتتحها عنوة وصالحه أهل الحصن، وكان الزبير أول من ارتقى سور المدينة ثم تبعه الناس، فكلم الزبير عمرا أن يقسمها بين من افتتحها، فكتب عمرو إلى عمر، فكتب عمر: أكلة، وأكلات خير من أكلة، أقروها. وعن عمرو بن العاص أنه قال على المنبر: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد، إن شئت قتلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست إلا أهل أنطابلس (٣)، فإن لهم عهدا نفي به. وعن علي بن رباح قال: المغرب كله عنوة. وعن ابن عمر قال: افتتحت مصر بغير عهد. وكذا قال جماعة. وقال يزيد بن أبي حبيب: مصر كلها صلح إلا الإسكندرية. غزوة تستر قال الوليد بن هشام القحذمي، عن أبيه وعمه أن أبا موسى لما فرغ من الأهواز ونهر تيرى وجنديسابور ورامهرمز، توجه إلى تستر، فنزل باب الشرقي، وكتب يستمد عمر، فكتب إلى عمار بن ياسر أن أمده، فكتب إلى جرير وهو بحلوان أن سر إلى أبي موسى، فسار في ألف فأقاموا شهرا (٤)،

стр. 1287

ثم كتب أبو موسى إلى عمر: إنهم لم يغنوا شيئا. فكتب عمر إلى عمار أن سر بنفسك، وأمده عمر من المدينة (١). وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال (٢): أقاموا سنة أو نحوها، فجاء رجل من تستر فقال لأبي موسى: أسألك أن تحقن دمي وأهل بيتي ومالي، على أن أدلك على المدخل، فأعطاه، قال: فابغني إنسانا سابحا ذا عقل يأتيك بأمر بين، فأرسل معه مجزأة بن ثور السدوسي، فأدخل من مدخل الماء ينبطح على بطنه أحيانا ويحبو حتى دخل المدينة وعرف طرقها، وأراه العلج الهرمزان صاحبها، فهم بقتله ثم ذكر قول أبي موسى: لا تسبقني بأمر، ورجع إلى أبي موسى، ثم إنه دخل بخمسة وثلاثين رجلا كأنهم البط يسبحون، وطلعوا إلى السور وكبروا، واقتتلوا هم ومن عندهم على السور، فقتل مجزأة وفتح أولئك البلد، فتحصن الهرمزان في برج. وقال قتادة، عن أنس: لم نصل يومئذ الغداة حتى انتصف النهار، فما يسرني بتلك الصلاة الدنيا كلها. وقال ابن سيرين: قتل يومئذ البراء بن مالك. وقيل: أول من دخل تستر عبد الله بن مغفل المزني. وعن الحسن قال: حوصرت تستر سنتين. وعن الشعبي قال: حاصرهم أبو موسى ثمانية عشر شهرا، ثم نزل الهرمزان على حكم عمر. فقال حميد، عن أنس: نزل الهرمزان على حكم عمر. فلما انتهينا إليه - يعني إلى عمر - بالهرمزان قال: تكلم، قال: كلام حي أو كلام ميت؟ قال: تكلم فلا بأس، قال: إنا وإياكم معشر العرب ما خلى الله بيننا وبينكم، كنا نغصبكم ونقتلكم ونفعل، فلما كان الله معكم لم تكن لنا بكم يدان. قال: يا أنس ما تقول؟ قلت: يا أمير المؤمنين، تركت بعدي عددا كثيرا وشوكة شديدة، فإن تقتله ييأس القوم من الحياة ويكون أشد

стр. 1288

لشوكتهم، قال: فأنا أستحيي قاتل البراء ومجزأة بن ثور؟! فلما أحسست بقتله قلت: ليس إلى قتله سبيل، قد قلت له: تكلم فلا بأس، قال: لتأتيني من يشهد به غيرك، فلقيت الزبير فشهد معي، فأمسك عنه عمر، وأسلم الهرمزان، وفرض له عمر، وأقام بالمدينة. وفيها هلك هرقل عظيم الروم، وهو الذي كتب إليه النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام، وقام بعده ابنه قسطنطين. وفيها قسم عمر خيبر وأجلى عنها اليهود، وقسم وادي القرى، وأجلى يهود نجران إلى الكوفة. قاله محمد بن جرير الطبري. ذكر من توفي في هذا العام (١) ع: بلال بن رباح الحبشي، مولى أبي بكر الصديق، وأمه حمامة. كان من السابقين الأولين الذين عذبوا في الله، شهد بدرا، وكان مؤذن النبي ﷺ . روى عنه ابن عمر، وأبو عثمان النهدي، والأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجماعة. كنيته أبو عبد الكريم، وقيل: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمر (٢). قال ابن مسعود في حديث المعذبين في الله، قال: فأما بلال فهانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. وقال هشام بن عروة، عن أبيه قال: مر ورقة بن نوفل ببلال وهو يعذب على الإسلام، يلصق ظهره برمضاء البطحاء وهو يقول: أحد أحد، فقال ورقة: أحد أحد، يا بلال صبرا، والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا.

стр. 1289

ورواه بعضهم عن هشام، عن أبيه، عن أسماء. وهذا مشكل، لم يثبت أن ورقة أدرك المبعث ولا عد صحابيا. وقال غيره: فلما رأى أبو بكر بلالا يعذبه قومه اشتراه منهم بسبع أواق وأعتقه. وعن أبي أمامة وأنس يرفعانه، قال: بلال سابق الحبشة (١). وقال أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة خشفة نعليك في الجنة. قال: ما تطهرت إلا صليت ما كتب لي (٢). ويروى عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله ﷺ : نعم المرء بلال، سيد المؤذنين يوم القيامة (٣). وقال عروة: أمر رسول الله ﷺ بلالا عام الفتح فأذن فوق الكعبة. وقال علي بن زيد وغيره، عن سعيد بن المسيب: إن أبا بكر لما قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: أعتقتني لله أو لنفسك؟ قال: لله، قال: فأذن لي حتى أغزو في سبيل الله، فأذن له، فذهب إلى الشام، فمات هناك. وقال زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قدمنا الشام مع عمر فأذن بلال، فذكر الناس النبي ﷺ ، فلم أر باكيا أكثر من يومئذ. وروى سليمان بن بلال بن أبي الدرداء، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: لما دخل عمر الشام سأل بلال عمر أن يقره بالشام ففعل،

стр. 1290

قال: وأخي أبو رويحة الذي آخى النبي ﷺ بينه وبيني، قال: نعم، فنزل داريا (١) في خولان، فأقبل هو وأخوه إلى قوم من خولان، فقالا: إنا قد أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين فهدانا الله، ومملوكين فأعتقنا الله، وفقيرين فأغنانا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله، فزوجوهما. ثم رأى النبي ﷺ يقول له: ما هذه الجفوة؟ أما آن لك أن تزورني؟ فانتبه، وركب راحلته حتى أتى المدينة، فذكر أنه أذن بها فارتجت المدينة، فما رئي يوم أكثر باكيا بالمدينة من ذلك اليوم. وقال ابن المنكدر، عن جابر: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا؛ يعني بلالا. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: بلغ بلالا أن ناسا يفضلونه على أبي بكر، فقال: كيف وإنما أنا حسنة من حسناته! وقال مكحول: حدثني من رأى بلالا رجلا آدم شديد الأدمة، نحيفا، طوالا، أجنى، له شعر كثير، خفيف العارضين، به شمط كثير (٢). قال يحيى بن بكير: توفي بلال بدمشق في الطاعون سنة ثماني عشرة. وقال محمد بن إبراهيم التيمي، وابن إسحاق، وأبو عمر الضرير، وجماعة: توفي سنة عشرين بدمشق. وقال الواقدي: دفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة. وقال علي بن عبد الله التميمي: دفن بباب كيسان (٣). وقال ابن زبر (٤): توفي بداريا، ودفن بباب كيسان. وقال غيره (٥):

стр. 1291

دفن بداريا. وروي أنه مات بحلب؛ رواه عثمان بن خرزاذ عن شيخ له (١). ع: أسيد بن الحضير بن سماك الأوسي الأشهلي الأنصاري، أبو يحيى، وقيل: أبو عتيك، وقيل غير ذلك. أحد النقباء ليلة العقبة، وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، فقتل يومئذ، وذلك قبل الهجرة بست سنين، وكان يدعى حضير الكتائب. وكان أسيد بعد أبيه شريفا في قومه وفي الإسلام، يعد من عقلائهم وذوي رأيهم. قال ابن سعد (٢): وآخى النبي ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، ولم يشهد بدرا. روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث. روى عنه كعب بن مالك، وعائشة، وأنس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وذكر الواقدي أنه قدم الجابية مع عمر، وأنه جعله على ربع الأنصار. وروى الواقدي وغيره أنه أسلم على يد مصعب بن عمير هو وسعد بن معاذ في يوم. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن الحضير، وذكر جماعة. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح (٣). وورد أنه كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن. وروى ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله، عن أبيه، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلا بعد رسول الله ﷺ ؛ سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر.

стр. 1292

وقال يحيى بن بكير: إنه مات سنة عشرين، وحمله عمر بين عمودي السرير حتى وضعه بالبقيع، ثم صلى عليه. وكذا ورخ موته الواقدي، وأبو عبيد، وجماعة (١). أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، أبو يزيد. كان عين النبي ﷺ في غزوة حنين، وهو وأبوه وجده صحابيون. قال إبراهيم بن المنذر الحزامي وغيره: إنه توفي في ربيع الأول سنة عشرين، وقيل: إن اسمه أنس، وقيل: إنه المذكور في الرجم في قوله ﵇: واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها (٢). روى عنه الحكم بن مسعود حديثا في الفتنة. البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك، الأنصاري النجاري. كان أحد الأبطال الأفراد الذين يضرب بهم المثل في الفروسية والشدة، وكان من فضلاء الأنصار وأحد السادة الأبرار، قتل من المشركين مائة مبارزة. روى ابن سيرين، عن أنس قال: دخلت على البراء وهو يتغنى بالشعر، فقلت: يا أخي، تتغنى بالشعر وقد أبدلك الله به القرآن! فقال: أتخاف علي أن أموت على فراشي وقد تفردت بقتل مائة سوى من شاركت في قتله، إني لأرجو أن لا يفعل الله ذلك بي. وقد روى مثله ثمامة بن أنس عن أبيه. شهد البراء أحدا وما بعدها. وعن ابن سيرين قال: كتب عمر أن لا تستعملوا البراء بن مالك على جيش، فإنه مهلكة من المهالك يقدم بهم. قال ابن عبد البر (٣): استشهد البراء بتستر، ﵁. السري بن يحيى، عن ابن سيرين أن المسلمين انتهوا إلى حائط فيه رجال من المشركين، فقعد البراء على ترس وقال: ارفعوني برماحكم

стр. 1293

فألقوني إليهم، فألقوه وراء الحائط، قال: فأدركوه وقد قتل منهم عشرة. ابن عون، عن ابن سيرين قال: بارز البراء مرزبان الزارة (١) فطعنه فصرعه وأخذ سلبه بنيف وثلاثين ألفا. ع: زينب بنت جحش بن رئاب الأسدي أسد خزيمة، أم المؤمنين، أخت أبي أحمد وحمنة، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم. تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وقيل: سنة أربع، وهو أصح، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق عرشه. وكانت دينة ورعة كثيرة البر والصدقة، وكانت أول نسائه ﷺ لحوقا به، وصلى عليها عمر. خرج مسلم (٢) من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال يوما لنسائه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا، فكانت زينب أطولنا يدا؛ لأنها كانت تعمل وتتصدق. ابن عبد البر قال (٣): روينا من وجوه عن عائشة قالت: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، وما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، ﵂. لها أحاديث. روى عنها أم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت أبي سلمة، وابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش. وأرسل عنها القاسم بن محمد. توفيت سنة عشرين، وكان عمر قد قسم لأمهات المؤمنين في السنة اثني عشر ألف درهم لكل واحدة، إلا جويرية وصفية؛ فقسم لهما ستة آلاف

стр. 1294

لكل واحدة، لكونهما سبيتا. قاله الزهري. وقال الواقدي (١): حدثني عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه قال: تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لهلال ذي القعدة سنة خمس وهي بنت خمس وثلاثين سنة، قال: وكانت امرأة صالحة صوامة قوامة صنعا (٢)، تصدق بذلك كله على المساكين. قال الواقدي: وحدثني موسى بن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أمه عمرة، عن عائشة قالت: يرحم الله زينب، لقد نالت شرف الدنيا الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها نبيه ونطق به القرآن، وإن رسول الله ﷺ قال لنا ونحن حوله: أطولكن يدا أسرعكن لحوقا بي. فبشرها رسول الله ﷺ بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة. وقال خليفة (٣) وحده: توفيت سنة إحدى وعشرين (٤). سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي، من أشراف بني جمح. له صحبة ورواية. روى عنه عبد الرحمن بن سابط، وشهر بن حوشب، وحسان بن عطية مرسلا. ذكر ابن سعد (٥) أنه شهد خيبر. وقال حسان بن عطية: بلغ عمر أن سعيد بن عامر - وكان قد استعمله على بعض الشام؛ يعني حمص - أصابته حاجة فأرسل إليه ألف دينار، فقال لزوجته: ألا نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه؟ قالت: نعم، فخرج فتصدق به، وذكر الحديث. وروى يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن سابط قال: أرسل عمر إلى سعيد بن عامر: إنا مستعملوك على هؤلاء، تسير بهم إلى أرض العدو فتجاهد بهم. فقال: يا عمر، لا تفتني. قال: والله لا أدعكم، جعلتموها في

стр. 1295

عنقي ثم تخليتم عني! إنما أبعثك على قوم لست بأفضلهم. وقال خليفة (١): فتحت قيسارية وأميرها سعيد بن عامر بن حذيم ومعاوية بن أبي سفيان؛ كل واحد أمير على جنده، فهزم الله المشركين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وولي سعيد بن عامر حمص. وذكر ابن سعد (٢) أنه شهد خيبر (٣)، وكان سعيد من سادة الصحابة. عياض بن غنم الفهري، أبو سعد. من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وغيرها، واستخلفه أبو عبيدة عند وفاته على الشام، وكان رجلا صالحا زاهدا سمحا جوادا، فأقره عمر على الشام، وهو الذي افتتح الجزيرة صلحا، وعاش ستين سنة. وهو عياض بن غنم بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة. وأما ابن سعد فقال (٤): شهد الحديبية وما بعدها، وكان أحد الأمراء الخمسة يوم اليرموك. يروي عنه عياض بن عمرو الأشعري. أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، اسمه المغيرة. وهو الذي كان آخذا يوم حنين بلجام بغلة النبي ﷺ ، وثبت يومئذ معه، وهو أخو نوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث. قال أبو إسحاق السبيعي: لما حضر أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الموت قال: لا تبكوا علي؛ فإني لم أتنطف بخطيئة (٥) منذ أسلمت. وقد روى عنه ابنه عبد الملك، قال: قال رسول الله ﷺ : يا بني هاشم، إياكم والصدقة. وقيل: إن نوفلا أخاه توفي في هذه السنة، وقد مر.

стр. 1296

وكان أبو سفيان أخا النبي ﷺ من الرضاعة؛ أرضعتهما حليمة السعدية، سماه مغيرة ابن الكلبي والزبير، وقال آخرون: اسمه كنيته، وأخوه المغيرة. وبلغنا أن الذين كانوا يشبهون رسول الله ﷺ : جعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث. وكان أبو سفيان من شعراء بني هاشم، أسلم أيام الفتح، وكان قد وقع منه كلام في النبي ﷺ ، وإياه عنى حسان بقوله (١): ألا أبلغ أبا سفيان عني … مغلغلة فقد برح الخفاء هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء ثم أسلم وحسن إسلامه، وحضر فتح مكة مسلما، وأبلى يوم حنين بلاء حسنا؛ فروى ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عمن حدثه قال: وتراجع الناس يوم حنين. ثم إن رسول الله ﷺ أحب أبا سفيان وشهد له بالجنة، وقال: " أرجو أن يكون خلفا من حمزة " (٢). قال ابن إسحاق: وقال يبكي رسول الله ﷺ : أرقت فبات ليلي لا يزول … وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما … أصيب المسلمون به قليل فقد عظمت مصيبتنا وجلت … عشية قيل: قد قبض الرسول فقدنا الوحي والتنزيل فينا … يروح به ويغدو جبريل وذاك أحق ما سالت عليه … نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا … بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا … علينا والرسول لنا دليل فلم نر مثله في الناس حيا … وليس له من الموتى عديل أفاطم إن جزعت فذاك عذر … وإن لم تجزعي فهو السبيل

стр. 1297

فعوذي بالعزاء فإن فيه … ثواب الله والفضل الجزيل وقولي في أبيك ولا تملي … وهل يجزي بفضل أبيك قيل فقبر أبيك سيد كل قبر … وفيه سيد الناس الرسول قيل: إن أبا سفيان حج فحلق رأسه، فقطع الحلاق ثؤلولا كان في رأسه، فمرض منه ومات بعد مقدمه من الحج بالمدينة، وصلى عليه عمر. توفي بعد أخيه نوفل بأربعة أشهر، في قول. صفية، عمة رسول الله ﷺ . وشقيقة حمزة وحجل والمقوم، وأمهم زهرية، تزوجها الحارث بن حرب بن أمية فتوفي عنها، وتزوجها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير حواري رسول الله وعبد الكعبة. والصحيح أنه لم يسلم من عمات الرسول ﷺ سواها. ووجدت على أخيها حمزة وجدا شديدا، وصبرت واحتسبت. وكانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت، قالت: وهو معنا في الحصن مع الذرية، فمر بالحصن يهودي فجعل يطيف بالحصن والمسلمون في نحور عدوهم، فذكرت الحديث وأنها نزلت وقتلت اليهودي بعمود كما تقدم في غزوة الخندق. توفيت صفية سنة عشرين، ودفنت بالبقيع عن بضع وسبعين سنة. أبو الهيثم بن التيهان (١) البلوي، حليف بني عبد الأشهل. كان أحد نقباء الأنصار، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من خيار الصحابة، وهو الذي أضاف النبي ﷺ في الحديث المشهور (٢). واسمه

стр. 1298

مالك بن التيهان بن مالك بن عبيد البلوي القضاعي حليف بني عبد الأشهل. وقيل: هو أنصاري من أنفسهم، شهد العقبتين. وقيل: بل توفي سنة إحدى وعشرين، وأخطأ من قال: قتل بصفين مع علي؛ بل ذاك أخوه عبيد. والتيهان بالتخفيف، كذا يقوله أهل الحجاز، وشدده ابن الكلبي.

стр. 1299

سنة إحدى وعشرين قيل: فيها فتح عمرو بن العاص الإسكندرية. وقد مرت. وفيها شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص وتعنتوه، فصرفه عمر وولى عمار بن ياسر على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة أرض السواد. وفيها سار عثمان بن أبي العاص فنزل توج (١) ومصرها. وبعث سوار بن المثنى العبدي إلى سابور، فاستشهد، فأغار عثمان بن أبي العاص على سيف البحر والسواحل، وبعث الجارود بن المعلى فقتل الجارود أيضا. عن المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس القتباني، وعن غير واحد أن عمرا سار من فلسطين بالجيش من غير أمر عمر إلى مصر فافتتحها، فعتب عمر عليه إذ لم يعلمه، فكتب يستأذن عمر بمناهضة أهل الإسكندرية، فسار عمرو في سنة إحدى وعشرين، وخلف على الفسطاط خارجة بن حذافة العدوي، فالتقى القبط فهزمهم بعد قتال شديد، ثم التقاهم عند الكريون (٢) فقاتلوا قتالا شديدا، ثم انتهى إلى الإسكندرية، فأرسل إليه المقوقس يطلب الصلح والهدنة منه، فأبى عليه، ثم جد في القتال حتى دخلها بالسيف، وغنم ما فيها من الروم، وجعل فيها عسكرا عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وبعث إلى عمر بالفتح، وبلغ الخبر قسطنطين بن هرقل فبعث خصيا له يقال له منويل في ثلاثمائة مركب حتى دخلوا الإسكندرية، فقتلوا بها المسلمين ونجا من هرب، ونقض أهلها، فزحف إليها عمرو في خمسة عشر ألفا، ونصب عليها المجانيق، وجد في القتال حتى فتحها عنوة، وخرب جدرها. رؤي عمرو يخرب بيده. رواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران، عن علقمة.

стр. 1300

نهاوند وقال النهاس بن قهم، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن السائب بن الأقرع قال: زحف للمسلمين زحف لم ير مثله قط، زحف لهم أهل ماه وأهل أصبهان وأهل همذان والري وقومس ونهاوند وأذربيجان، قال: فبلغ ذلك عمر ﵁ فشاور المسلمين، فقال علي ﵁: أنت أفضلنا رأيا وأعلمنا بأهلك. فقال: لأستعملن على الناس رجلا يكون لأول أسنة يلقاها، يا سائب اذهب بكتابي هذا إلى النعمان بن مقرن، فليسر بثلثي أهل الكوفة، وليبعث إلى أهل البصرة، وأنت على ما أصابوا من غنيمة، فإن قتل النعمان فحذيفة الأمير، فإن قتل حذيفة فجرير بن عبد الله، فإن قتل ذلك الجيش فلا أراك. وروى علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان؛ فأيتهن يبدأ، فقال: يا أمير المؤمنين، أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعت أحد الجناحين مال الرأس بالجناح الآخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فدخل عمر المسجد فوجد النعمان بن مقرن يصلي، فسرحه وسرح معه الزبير بن العوام، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب، والأشعث بن قيس، وعبد الله بن عمر، فسار حتى أتى نهاوند، فذكر الحديث إلى أن قال النعمان لما التقى الجمعان: إن قتلت فلا يلوي علي أحد، وإني داعي الله بدعوة فأمنوا. ثم دعا: اللهم ارزقني الشهادة بنصر المسلمين والفتح عليهم، فأمن القوم وحملوا، فكان النعمان أول صريع. وروى خليفة (١) بإسناد قال: التقوا بنهاوند يوم الأربعاء، فانكشفت مجنبة المسلمين اليمنى شيئا، ثم التقوا يوم الخميس فثبتت الميمنة وانكشف أهل الميسرة، ثم التقوا يوم الجمعة فأقبل النعمان يخطبهم
следующие страницы →