← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وكان أبو سفيان أخا النبي ﷺ من الرضاعة؛ أرضعتهما حليمة السعدية، سماه مغيرة ابن الكلبي والزبير، وقال آخرون: اسمه كنيته، وأخوه المغيرة. وبلغنا أن الذين كانوا يشبهون رسول الله ﷺ : جعفر بن أبي طالب، والحسن بن علي، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث. وكان أبو سفيان من شعراء بني هاشم، أسلم أيام الفتح، وكان قد وقع منه كلام في النبي ﷺ ، وإياه عنى حسان بقوله (١): ألا أبلغ أبا سفيان عني … مغلغلة فقد برح الخفاء هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء ثم أسلم وحسن إسلامه، وحضر فتح مكة مسلما، وأبلى يوم حنين بلاء حسنا؛ فروى ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عمن حدثه قال: وتراجع الناس يوم حنين. ثم إن رسول الله ﷺ أحب أبا سفيان وشهد له بالجنة، وقال: " أرجو أن يكون خلفا من حمزة " (٢). قال ابن إسحاق: وقال يبكي رسول الله ﷺ : أرقت فبات ليلي لا يزول … وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما … أصيب المسلمون به قليل فقد عظمت مصيبتنا وجلت … عشية قيل: قد قبض الرسول فقدنا الوحي والتنزيل فينا … يروح به ويغدو جبريل وذاك أحق ما سالت عليه … نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا … بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالا … علينا والرسول لنا دليل فلم نر مثله في الناس حيا … وليس له من الموتى عديل أفاطم إن جزعت فذاك عذر … وإن لم تجزعي فهو السبيل

стр. 1297

فعوذي بالعزاء فإن فيه … ثواب الله والفضل الجزيل وقولي في أبيك ولا تملي … وهل يجزي بفضل أبيك قيل فقبر أبيك سيد كل قبر … وفيه سيد الناس الرسول قيل: إن أبا سفيان حج فحلق رأسه، فقطع الحلاق ثؤلولا كان في رأسه، فمرض منه ومات بعد مقدمه من الحج بالمدينة، وصلى عليه عمر. توفي بعد أخيه نوفل بأربعة أشهر، في قول. صفية، عمة رسول الله ﷺ . وشقيقة حمزة وحجل والمقوم، وأمهم زهرية، تزوجها الحارث بن حرب بن أمية فتوفي عنها، وتزوجها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير حواري رسول الله وعبد الكعبة. والصحيح أنه لم يسلم من عمات الرسول ﷺ سواها. ووجدت على أخيها حمزة وجدا شديدا، وصبرت واحتسبت. وكانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت، قالت: وهو معنا في الحصن مع الذرية، فمر بالحصن يهودي فجعل يطيف بالحصن والمسلمون في نحور عدوهم، فذكرت الحديث وأنها نزلت وقتلت اليهودي بعمود كما تقدم في غزوة الخندق. توفيت صفية سنة عشرين، ودفنت بالبقيع عن بضع وسبعين سنة. أبو الهيثم بن التيهان (١) البلوي، حليف بني عبد الأشهل. كان أحد نقباء الأنصار، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان من خيار الصحابة، وهو الذي أضاف النبي ﷺ في الحديث المشهور (٢). واسمه

стр. 1298

مالك بن التيهان بن مالك بن عبيد البلوي القضاعي حليف بني عبد الأشهل. وقيل: هو أنصاري من أنفسهم، شهد العقبتين. وقيل: بل توفي سنة إحدى وعشرين، وأخطأ من قال: قتل بصفين مع علي؛ بل ذاك أخوه عبيد. والتيهان بالتخفيف، كذا يقوله أهل الحجاز، وشدده ابن الكلبي.

стр. 1299

سنة إحدى وعشرين قيل: فيها فتح عمرو بن العاص الإسكندرية. وقد مرت. وفيها شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص وتعنتوه، فصرفه عمر وولى عمار بن ياسر على الصلاة، وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة أرض السواد. وفيها سار عثمان بن أبي العاص فنزل توج (١) ومصرها. وبعث سوار بن المثنى العبدي إلى سابور، فاستشهد، فأغار عثمان بن أبي العاص على سيف البحر والسواحل، وبعث الجارود بن المعلى فقتل الجارود أيضا. عن المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس القتباني، وعن غير واحد أن عمرا سار من فلسطين بالجيش من غير أمر عمر إلى مصر فافتتحها، فعتب عمر عليه إذ لم يعلمه، فكتب يستأذن عمر بمناهضة أهل الإسكندرية، فسار عمرو في سنة إحدى وعشرين، وخلف على الفسطاط خارجة بن حذافة العدوي، فالتقى القبط فهزمهم بعد قتال شديد، ثم التقاهم عند الكريون (٢) فقاتلوا قتالا شديدا، ثم انتهى إلى الإسكندرية، فأرسل إليه المقوقس يطلب الصلح والهدنة منه، فأبى عليه، ثم جد في القتال حتى دخلها بالسيف، وغنم ما فيها من الروم، وجعل فيها عسكرا عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، وبعث إلى عمر بالفتح، وبلغ الخبر قسطنطين بن هرقل فبعث خصيا له يقال له منويل في ثلاثمائة مركب حتى دخلوا الإسكندرية، فقتلوا بها المسلمين ونجا من هرب، ونقض أهلها، فزحف إليها عمرو في خمسة عشر ألفا، ونصب عليها المجانيق، وجد في القتال حتى فتحها عنوة، وخرب جدرها. رؤي عمرو يخرب بيده. رواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران، عن علقمة.

стр. 1300

نهاوند وقال النهاس بن قهم، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن السائب بن الأقرع قال: زحف للمسلمين زحف لم ير مثله قط، زحف لهم أهل ماه وأهل أصبهان وأهل همذان والري وقومس ونهاوند وأذربيجان، قال: فبلغ ذلك عمر ﵁ فشاور المسلمين، فقال علي ﵁: أنت أفضلنا رأيا وأعلمنا بأهلك. فقال: لأستعملن على الناس رجلا يكون لأول أسنة يلقاها، يا سائب اذهب بكتابي هذا إلى النعمان بن مقرن، فليسر بثلثي أهل الكوفة، وليبعث إلى أهل البصرة، وأنت على ما أصابوا من غنيمة، فإن قتل النعمان فحذيفة الأمير، فإن قتل حذيفة فجرير بن عبد الله، فإن قتل ذلك الجيش فلا أراك. وروى علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن عمر شاور الهرمزان في أصبهان وفارس وأذربيجان؛ فأيتهن يبدأ، فقال: يا أمير المؤمنين، أصبهان الرأس، وفارس وأذربيجان الجناحان، فإن قطعت أحد الجناحين مال الرأس بالجناح الآخر، وإن قطعت الرأس وقع الجناحان، فدخل عمر المسجد فوجد النعمان بن مقرن يصلي، فسرحه وسرح معه الزبير بن العوام، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معدي كرب، والأشعث بن قيس، وعبد الله بن عمر، فسار حتى أتى نهاوند، فذكر الحديث إلى أن قال النعمان لما التقى الجمعان: إن قتلت فلا يلوي علي أحد، وإني داعي الله بدعوة فأمنوا. ثم دعا: اللهم ارزقني الشهادة بنصر المسلمين والفتح عليهم، فأمن القوم وحملوا، فكان النعمان أول صريع. وروى خليفة (١) بإسناد قال: التقوا بنهاوند يوم الأربعاء، فانكشفت مجنبة المسلمين اليمنى شيئا، ثم التقوا يوم الخميس فثبتت الميمنة وانكشف أهل الميسرة، ثم التقوا يوم الجمعة فأقبل النعمان يخطبهم

стр. 1301

ويحضهم على الحملة، ففتح الله عليهم. وقال زياد الأعجم (١): قدم علينا أبو موسى بكتاب عمر إلى عثمان بن أبي العاص: أما بعد، فإني قد أمددتك بأبي موسى، وأنت الأمير، فتطاوعا، والسلام. فلما طال حصار إصطخر بعث عثمان بن أبي العاص عدة أمراء فأغاروا على الرساتيق. وقال ابن جرير (٢) في وقعة نهاوند: لما انتهى النعمان إلى نهاوند في جيشه طرحوا له حسك الحديد، فبعث عيونا فساروا لا يعلمون، فزجر بعضهم فرسه وقد دخل في حافره حسكة، فلم يبرح، فنزل فإذا الحسك، فأقبل بها، وأخبر النعمان، فقال النعمان: ما ترون؟ فقالوا: تقهقر حتى يروا أنك هارب فيخرجوا في طلبك، فتأخر النعمان، وكنست الأعاجم الحسك وخرجوا، فعطف عليهم النعمان وعبأ كتائبه وخطب الناس، وقال: إن أصبت فعليكم حذيفة، فإن أصيب فعليكم جرير البجلي، وإن أصيب فعليكم قيس بن مكشوح، فوجد المغيرة في نفسه إذ لم يستخلفه، قال: وخرجت الأعاجم وقد شدوا أنفسهم في السلاسل لئلا يفروا، وحمل عليهم المسلمون، فرمي النعمان بسهم فقتل، ولفه أخوه سويد بن مقرن في ثوبه وكتم قتله حتى فتح الله عليهم، ودفع الراية إلى حذيفة. وقتل الله ذا الحاجب؛ يعني مقدمهم، وافتتحت نهاوند، ولم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة. وبعث عمر السائب بن الأقرع مولى ثقيف - وكان كاتبا حاسبا - فقال: إن فتح الله على الناس فاقسم عليم فيئهم واعزل الخمس. قال السائب: فإني لأقسم بين الناس إذ جاءني أعجمي، فقال: أتؤمنني على نفسي وأهلي على أن أدلك على كنز يزدجرد يكون لك ولصاحبك؟ قلت: نعم، وبعثت معه رجلا، فأتى بسفطين عظيمين ليس فيهما إلا الدر والزبرجد واليواقيت، قال: فاحتملتهما معي، وقدمت على عمر بهما، فقال: أدخلهما بيت

стр. 1302

المال، ففعلت، ورجعت إلى الكوفة سريعا، فما أدركني رسول عمر إلا بالكوفة، أناخ بعيره على عرقوب بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فرجعت حتى أتيته، فقال: ما لي ولابن أم السائب، وما لابن أم السائب ولي، قلت: وما ذاك؟ قال: والله ما هو إلا أن نمت، فباتت ملائكة تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان نارا، يقولون: لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، فخذهما عني لا أبا لك، فالحق بهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم، قال: فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة، وغشيني التجار، فابتاعهما مني عمرو ابن حريث بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض العجم فباعها بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالا. وفيها سار عمرو بن العاص إلى برقة فافتتحها، وصالحهم على ثلاثة عشر ألف دينار. وفيها صالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس على أنطاكية وملقية (١)، وغير ذلك. وأبو هاشم من مسلمة الفتح، حسن إسلامه، وله حديث في سنن النسائي وغيرها (٢). روى عنه أبو هريرة، وسمرة بن سهم. وهو خال معاوية، شهد فتوح الشام. وفيها توفي: طليحة بن خويلد بن نوفل الأسدي ﵁. أسلم سنة تسع، ثم ارتد وتنبأ بنجد وحارب المسلمين، ثم انهزم ولحق بنواحي دمشق عند آل جفنة، فلما توفي الصديق تاب وخرج محرما بالحج، فلما رآه عمر قال: يا طليحة، لا أحبك بعد قتل عكاشة بن

стр. 1303

محصن، وثابت بن أقرم. فقال: يا أمير المؤمنين، رجلين أكرمهما الله بيدي ولم يهني بأيديهما. ثم حسن إسلامه وشهد القادسية، وكتب عمر إلى سعد أن شاور طليحة في أمر الحرب ولا توله شيئا. وقال ابن سعد: كان طليحة يعد بألف فارس لشجاعته وشدته. وقال غيره: استشهد طليحة بنهاوند (١). سوى ت (٢): خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، أبو سليمان المكي، سيف الله تعالى، كذلك لقبه النبي ﷺ . وأمه لبابة أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين، شهد غزوة مؤتة وما بعدها، وله أحاديث؛ روى عنه ابن عباس، وقيس بن أبي حازم، وجبير بن نفير، وأبو وائل، وجماعة. وكان بطلا شجاعا ميمون النقيبة، باشر حروبا كثيرة، ومات على فراشه وهو ابن ستين سنة، ولم يكن في جسده نحو شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ﵁. وقال جويرية بن أسماء: كان خالد من أمد الناس بصرا. وقال عروة بن الزبير: لما استخلف عمر كتب إلى أبي عبيدة: إني قد وليتك وعزلت خالدا. قال خليفة (٣): فولى أبو عبيدة لما افتتح الشام خالدا على دمشق. وقال أبو عبيد، وإبراهيم بن المنذر، وجماعة: إنه توفي سنة إحدى وعشرين بحمص. وقال دحيم وحده: مات بالمدينة. مناقب خالد كثيرة ساقها ابن عساكر (٤)، من أصحها ما رواه ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت خالد بن الوليد أتي بسم، فقال:

стр. 1304

ما هذا؟ قالوا: سم، فقال: باسم الله وشربه. وروى يونس بن أبي إسحاق عن أبي السفر قال: قالوا لخالد: احذر الأعاجم لا يسقونك السم، فقال (١): ائتوني به، فأتي به، فاقتحمه وقال: باسم الله، فلم يضره شيئا. وقال الأعمش، عن خيثمة قال: أتي خالد برجل معه زق خمر، فقال: اللهم اجعله خلا، فصار خلا. جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمار كلام، فقال عمار: لقد هممت أن لا أكلمك أبدا. فقال النبي ﷺ : يا خالد، مالك ولعمار، رجل من أهل الجنة قد شهد بدرا. وقال: يا عمار، إن خالدا سيف من سيوف الله على الكفار. قال خالد: فما زلت أحب عمارا من يومئذ. سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل قال: بلغ عمر أن نسوة من نساء بني المغيرة قد اجتمعن في دار يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة (٢). وحشي بن حرب بن وحشي، عن أبيه، عن جده أن أبا بكر عقد لخالد وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سله على الكفار والمنافقين. رواه أحمد في مسنده (٣). ع: العلاء بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مقنع بن حضرموت. حليف بني أمية، وإلى أخيه تنسب بئر ميمون التي بأعلى مكة،

стр. 1305

احتفرها في الجاهلية ميمون بن الحضرمي، ولهما أخوان: عمرو، وعامر. وكان العلاء من فضلاء الصحابة، ولاه رسول الله ﷺ ، ثم أبو بكر، وعمر البحرين، وقيل: إن عمر ولاه البصرة فمات قبل أن يصل إليها، واستعمل عمر بعد العلاء أبا هريرة على البحرين. له عن النبي ﷺ : مكث المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا (١). روى عنه السائب بن يزيد، وحيان الأعرج، وزياد بن حدير. وقال منصور بن زاذان، عن ابن سيرين: إن العلاء بن الحضرمي كتب إلى النبي ﷺ فبدأ بنفسه. وقال محمد بن إسحاق: كان الحضرمي حليف حرب بن أمية. وقيل له الحضرمي؛ لأنه جاء من بلاد حضرموت. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: بعث أبو بكر الصديق العلاء في جيش قبل البحرين، وكانوا قد ارتدوا، فسار إليهم وبينه وبينهم عرض البحر حتى مشوا فيه بأرجلهم، وقطعوا كذلك في مكان كانت تجري فيه السفن، وهي اليوم تجري فيه، فقاتلهم وأظهره الله عليهم، وسلموا ما منعوا من الزكاة. أخبرنا إسحاق بن أبي بكر قال: أخبرنا يوسف بن خليل قال: أخبرنا محمد بن أبي زيد قال: أخبرنا محمود، قال: أخبرنا ابن فاذشاه، قال: حدثنا سليمان الطبراني، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بسطام، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الهروي، قال: حدثنا أبي، عن أبي كعب صاحب الحرير، عن الجريري، عن أبي السليل، عن أبي هريرة قال: لما بعث النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى البحرين تبعته فرأيت منه ثلاث خصال لا أدري أيتهن أعجب: انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا واقتحموا فسمينا واقتحمنا، فعبرنا فما بل الماء إلا أسافل خفاف إبلنا، فلما قفلنا صرنا بعد بفلاة من الأرض، فليس معنا ماء، فشكونا إليه، فصلى ركعتين، ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس، ثم أرخت عزاليها فسقينا

стр. 1306

واستقينا. ومات بعدما بعثه أبو بكر إلى البحرين لما ارتدت ربيعة، فأظفره الله بهم، وأعطوا ما منعوا من الزكاة، ومات فدفناه في الرمل، فلما سرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله، فرجعنا فلم نره. روى نحوه مجالد بن سعيد، عن الشعبي مرسلا بأطول منه. مجالد، عن الشعبي، أن عمر كتب إلى العلاء بن الحضرمي - وهو بالبحرين - أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله، إني ظننت أنك أغنى عن المسلمين منه، فمات العلاء قبل أن يصل إلى البصرة. كذا هذا. عن أبي هريرة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى البحرين مع العلاء بن الحضرمي، وكنت أؤذن له (١). وعن المسور بن مخرمة أن النبي ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، ثم عزله بأبان بن سعيد (٢). وذكر ابن سعد (٣) أن أبا بكر استعمل العلاء على سرية فسبى وغنم (٤). الجارود العبدي، سيد عبد القيس هو أبو عتاب، وقيل: أبو غياث، وقيل: أبو المنذر، الجارود بن المعلى، وقيل: اسمه بشر بن حنش. ولقب جارودا لكونه أغار على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم. وفد في عبد القيس سنة عشر من الهجرة - وكانوا نصارى - فأسلم الجارود، وفرح النبي ﷺ بإسلامه وأكرمه. روى عن النبي ﷺ أحاديث. روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وزيد بن علي القموصي، وأبو مسلم الجذمي، وغيرهم. اختط بالبصرة.

стр. 1307

قتل شهيدا ببلاد فارس سنة إحدى وعشرين، وقيل: قتل مع النعمان بن مقرن (١). ع: النعمان بن مقرن المزني، أبو عمرو، ويقال: أبو حكيم من سادة الصحابة، كان معه لواء مزينة يوم الفتح. روى عنه ابنه معاوية، ومعقل بن يسار، ومسلم بن الهيصم، وجبير حية الثقفي. وكان أمير الجيش يوم فتح نهاوند، فاستشهد يومئذ، ونعاه عمر على المنبر وبكى (٢).

стр. 1308

سنة اثنتين وعشرين فيها فتحت أذربيجان على يد المغيرة بن شعبة، قاله ابن إسحاق (١)، فيقال: إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. وقال أبو عبيدة (٢): افتتحها حبيب بن مسلمة الفهري بأهل الشام عنوة ومعه أهل الكوفة، وفيهم حذيفة، فافتتحها بعد قتال شديد. فالله أعلم. وفيها غزا حذيفة مدينة الدينور فافتتحها عنوة، وقد كانت فتحت لسعد ثم انتقضت. ثم غزا حذيفة ماه سندان فافتتحها عنوة، على خلف في ماه، وقيل: افتتحها سعد، فانتقضوا. وقال طارق بن شهاب: غزا أهل البصرة ماه فأمدهم أهل الكوفة، عليهم عمار بن ياسر، فأرادوا أن يشركوا في الغنائم، فأبى أهل البصرة، ثم كتب إليهم عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة. وقال أبو عبيدة: ثم غزا حذيفة همذان، فافتتحها عنوة، ولم تكن فتحت. وإليها انتهى فتوح حذيفة، وكل هذا في سنة اثنتين. قال: ويقال همذان افتتحها المغيرة بن شعبة سنة أربع وعشرين، ويقال: افتتحها جرير بن عبد الله بأمر المغيرة. وقال خليفة بن خياط (٣): فيها افتتح عمرو بن العاص أطرابلس المغرب، ويقال: في السنة التي بعدها. وفيها عزل عمار عن الكوفة. وفيها افتتحت جرجان. وفيها فتح سويد بن مقرن الري، ثم عسكر وسار إلى قومس فافتتحها. وفيها أبي بن كعب، توفي في قول الواقدي، ومحمد بن عبد الله بن نمير

стр. 1309

ومحمد بن يحيى الذهلي، والترمذي، وقد مر سنة تسع عشرة. معضد بن يزيد الشيباني: استشهد بأذربيجان، ولا صحبة له. وولد فيها يزيد بن معاوية. وقال محمد بن جرير (١): إن عمر أقر على فرج الباب عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي، وأمره بغزو الترك، فسار بالناس حتى قطع الباب، فقال له شهريران: ما تريد أن تصنع؟ قال: أناجزهم في ديارهم، وبالله إن معي لأقواما لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم السد. ولما دخل عبد الرحمن على الترك حال الله بينهم وبين الخروج عليه وقالوا: ما اجترأ على هذا الأمر إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، ثم هربوا وتحصنوا، فرجع بالظفر والغنيمة، ثم إنه غزاهم مرتين في خلافة عثمان فيسلم ويغنم، ثم قاتلهم فاستشهد - أعني عبد الرحمن بن ربيعة رحمه الله تعالى - فأخذ أخوه سلمان بن ربيعة الراية، وتحيز بالناس، قال: فهم - يعني الترك - يستسقون بجسد عبد الرحمن حتى الآن. خبر السد الوليد: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أخبرني رجلان، عن أبي بكرة الثقفي، أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني قد رأيت السد، قال: كيف رأيته؟ قال: رأيته كالبرد المحبر. رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلا، وزاد: طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته، قلت: يريد حمرة النحاس وسواد الحديد. سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، يروي ذلك عن النبي ﷺ قال: إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم، حتى إذا كادوا أن يروا شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، فيعيده الله كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم حفروا، حتى إذا كادوا أن يروا الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا،

стр. 1310

فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه، فيخرجون على الناس، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع فيها كهيئة الدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفا (١) فيقتلهم بها (٢). ذكر ابن جرير في تاريخه (٣) من حديث عمرو بن معدي كرب، عن مطر بن بلج التميمي قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهريران عنده، فأقبل رجل عليه شحوبة حتى دخل على عبد الرحمن فجلس إلى شهريران، وكان على مطر قباء برد يمني أرضه حمراء ووشيه أسود. فتساءلا، ثم إن شهريران قال: أيها الأمير أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ هذا رجل بعثته نحو السد منذ سنتين ينظر ما حاله ومن دونه، وزودته مالا عظيما، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له، وسألته أن يكتب له إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بينه وبينه، حتى انتهى إلى ذلك السد في ظهره، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه، فبعث معه بازياره (٤) ومعه عقابه وأعطاه حريرة، فلما انتهينا إذا جبلان، بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين، وإن دون السد خندقا أشد سوادا من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك كله وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي البازيار: على رسلك أكافئك لأنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به هذا اللهب، قال: فشرح بضعة لحم معه وألقاها في ذلك الهواء، وانقضت عليها العقاب، وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، فخرج عليه العقاب باللحم في مخاليبه، فإذا قد لصق فيه ياقوتة فأعطانيها وها هي ذه، فتناولها شهريران

стр. 1311

فرآها حمراء، فتناولها عبد الرحمن ثم ردها، فقال شهريران: إن هذه لخير من هذا - يعني الباب - وايم الله لأنتم أحب إلي ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر. فأقبل عبد الرحمن على الرسول، وقال: ما حال السد وما شبهه؟ فقال: مثل هذا الثوب الذي على مطر، فقال مطر: صدق والله الرجل لقد بعد ورأى ووصف صفة الحديد والصفر. فقال عبد الرحمن لشهريران: كم كانت قيمة هاتيك؟ قال: مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان. وحدث سلام الترجمان، قال: لما رأى الواثق بالله كأن السد الذي بناه ذو القرنين قد فتح وجهني، وقال لي: عاينه وجئني بخبره، وضم إلي خمسين رجلا، وزودنا، وأعطانا مائتي بغل تحمل الزاد، فشخصنا من سامراء بكتابه إلى إسحاق وهو بتفليس، فكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك اللان، وكتب لنا ملك اللان إلى فيلانشاه، وكتب لنا إلى ملك الخزر، فوجه معنا خمسة أدلاء، فسرنا من عنده ستة وعشرين يوما، ثم صرنا إلى أرض سوداء منتنة، فكنا نشتم الخل، فسرنا فيها عشرة أيام، ثم صرنا إلى مدائن خراب ليس فيها أحد، فسرنا فيها سبعة وعشرين يوما، فسألنا الأدلاء عن تلك المدن، فقالوا: هي التي كان يأجوج ومأجوج يطرقونها فأخربوها. ثم صرنا إلى حصون عند السد بها قوم يتكلمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرؤون القرآن، لهم مساجد وكتاتيب، فسألونا، فقلنا: نحن رسل أمير المؤمنين، فأقبلوا يتعجبون ويقولون: أمير المؤمنين! فنقول: نعم، فقالوا: أشيخ هو أم شاب؟ قلنا: شاب، فقالوا: أين يكون؟ فقلنا: بالعراق بمدينة يقال لها: سر من رأى، فقالوا: ما سمعنا بهذا قط. ثم صرنا إلى جبل أملس ليس عليه خضراء، وإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة ذراع، فرأينا عضادتين مبنيتين مما يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كل عضادة خمسة وعشرون ذراعا، الظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب، وكله بناء بلبن من حديد مغيب في نحاس في سمك خمسين

стр. 1312

ذراعا، قد ركب على العضادتين على كل واحدة بمقدار عشرة أذرع في عرض خمسة، وفوق الدروند بناء بذلك اللبن الحديد إلى رأس الجبل، وارتفاعه مدى البصر، وفوق ذلك شرف حديد لها قرنان يلج كل واحد منهما إلى صاحبه، وإذا باب حديد له مصراعان مغلقان عرضهما مائة ذراع في طول مائة ذراع في ثخانة خمسة أذرع، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع، وفوقه بنحو قامتين غلق طوله أكثر من طول القفل، وقفيزاه كل واحد منهما ذراعان، وعلى الغلق مفتاح معلق ط له ذراع ونصف، في سلسلة طولها ثمانية أذرع، وهي في حلقة كحلقة المنجنيق، ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس، مع كل فارس مرزبة من حديد فيضربون القفل بتلك المرازب ثلاث ضربات، يسمع من وراء الباب الضرب فيعلمون أن هناك حفظة، ويعلم هؤلاء أن أولئك لم يحدثوا في الباب حدثا، وإذا ضربوا القفل وضعوا آذانهم يتسمعون، فيسمعون دويا كالرعد. وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير، ومع الباب حصنان يكون مقدار كل واحد منهما مائتا ذراع، في مائتي ذراع، وعلى باب كل حصن شجرة، وبين الحصنين عين عذبة، وفي أحد الحصنين آلة بناء السد من قدور ومغارف وفضلة اللبن قد التصق بعضه ببعض من الصدأ، وطول اللبنة ذراع ونصف في مثله في سمك شبر. فسألنا أهل الموضع هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج، فذكروا أنهم رأوا مرة أعدادا منهم فوق الشرف، فهبت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل منهم شبرا ونصفا، فلما انصرفنا أخذ بنا الأدلاء، إلى ناحية خراسان، فسرنا إليها حتى خرجنا خلف سمرقند بتسعة فراسخ، وكان أصحاب الحصون زودونا ما كفانا. ثم صرنا إلى عبد الله بن طاهر. قال سلام الترجمان: فأخبرته خبرنا، فوصلني بمائة ألف درهم، ووصل كل رجل معي بخمس مائة درهم، ووصلنا إلى سر من رأى بعد خروجنا منها بثمانية وعشرين شهرا. قال مصنف كتاب المسالك والممالك (١): هكذا أملى علي سلام الترجمان.

стр. 1313

سنة ثلاث وعشرين فيها: بينما عمر ﵁ يخطب إذ قال: يا سارية، الجبل، وكان عمر قد بعث سارية بن زنيم الديلي إلى فسا ودارابجرد فحاصرهم، ثم إنهم تداعوا وجاؤوه من كل ناحية والتقوا بمكان، وكان إلى جهة المسلمين جبل لو استندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم. وأصاب سارية الغنائم فكان منها سفط جوهر، فبعث به إلى عمر فرده وأمره أن يقسمه بين المسلمين، وسأل النجاب أهل المدينة عن الفتح وهل سمعوا شيئا، فقال: نعم يا سارية، الجبل الجبل وقد كدنا نهلك، فلجأنا إلى الجبل، فكان النصر. ويروى أن عمر ﵁ سئل فيما بعد عن كلامه يا سارية، الجبل فلم يذكره. وفيها كان فتح كرمان، وكان أميرها سهيل بن عدي. وفيها فتحت سجستان، وأميرها عاصم بن عمرو. وفيها فتحت مكران (١)، وأميرها الحكم بن عثمان (٢)، وهي من بلاد الجبل. وفيها رجع أبو موسى الأشعري من أصبهان، وقد افتتح بلادها. وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية. (وفيها توفي) (٣): خ ت ن ق: قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب - واسمه ظفر - بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، أبو عمر الأنصاري الظفري، أخو أبي سعيد الخدري لأمه، وقتادة الأكبر. شهد بدرا وأصيبت عينه ووقعت على خده يوم أحد، فأتى النبي ﷺ فغمز حدقته وردها إلى موضعها، فكانت أصح عينيه.

стр. 1314

وكان على مقدمة عمر في مقدمه إلى الشام، وكان من الرماة المذكورين. وله أحاديث، روى عنه أخوه أبو سعيد، وابنه عمر بن قتادة، ومحمود بن لبيد، وغيرهم. وعاش خمسا وستين سنة ﵁. توفي فيها على الصحيح، ونزل عمر في قبره، وقيل: توفي في التي قبلها (١). عمر (٢) بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، أمير المؤمنين، أبو حفص، القرشي العدوي، الفاروق ﵁. استشهد في أواخر ذي الحجة (٣). وأمه حنتمة بنت هشام المخزومية أخت أبي جهل. أسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة. روى عنه علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وعدة من الصحابة، وعلقمة بن وقاص، وقيس بن أبي حازم، وطارق بن شهاب، ومولاه أسلم، وزر بن حبيش، وخلق سواهم. وعن عبد الله بن عمر، قال: كان أبي أبيض تعلوه حمرة، طوالا، أصلع، أشيب. وقال غيره: كان أمهق (٤)، طوالا، أصلع، آدم، أعسر يسر (٥). وقال أبو رجاء العطاردي: كان طويلا جسيما، شديد الصلع، شديد الحمرة (٦)، في عارضيه خفة. وسبلته (٧) كبيرة وفي أطرافها صهبة (٨)، إذا حزبه أمر فتلها.

стр. 1315

وقال سماك بن حرب: كان عمر أروح كأنه راكب والناس يمشون، كأنه من رجال بني سدوس. والأروح: الذي يتدانى قدماه إذا مشى. وقال أنس: كان يخضب بالحناء. وقال سماك: كان عمر يسرع في مشيته. ويروى عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان عمر يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى، ويثب على فرسه فكأنما خلق على ظهره. وعن ابن عمر وغيره - من وجوه جيدة - أن النبي ﷺ قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب (١). وقد ذكرنا إسلامه في الترجمة النبوية. وقال عكرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتى أسلم عمر. وقال سعيد بن جبير: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلت في عمر خاصة. وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (٢). وقال شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم: إن رسول الله ﷺ قال له أبو بكر وعمر: إن الناس يزيدهم حرصا على الإسلام أن يروا عليك زيا حسنا من الدنيا. فقال: أفعل، وايم الله لو أنكما تتفقان لي على أمر واحد ما عصيتكما في مشورة أبدا. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض، فوزيراي من أهل السماء: جبريل وميكائيل، ووزيراي من أهل الأرض: أبو بكر وعمر. وروي نحوه من وجهين عن أبي سعيد الخدري. قال الترمذي في حديث أبي سعيد: حديث حسن (٣). قلت: وكذلك حديث ابن عباس حسن (٤).

стр. 1316

وعن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، عن أنس نحوه (١). وفي مسند أبي يعلى من حديث أبي ذر يرفعه: إن لكل نبي وزيرين، ووزيراي أبوبكر وعمر (٢). وعن أبي سلمة، عن أبي أروى الدوسي قال: كنت مع رسول الله ﷺ فطلع أبو بكر وعمر، فقال: الحمد لله الذي أيدني بكما. تفرد به عاصم بن عمر، وهو ضعيف. وقد مر في ترجمة الصديق أن النبي ﷺ نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة … الحديث. وروى الترمذي (٣) من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم فدخل المسجد، وأبو بكر وعمر معه وهو آخذ بأيديهما فقال: هكذا نبعث يوم القيامة. إسناده ضعيف. وقال زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (٤). ورواه سالم أبو العلاء - وهو ضعيف - عن عمرو بن هرم، عن ربعي، وحديث زائدة حسن. وروى عبد العزيز بن المطلب بن حنطب، عن أبيه، عن جده قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ طلع أبو بكر وعمر، فقال: هذان السمع والبصر (٥). ويروى نحوه من حديث ابن عمر وغيره. وقال يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه ورضاه حكم. المرسل أصح، وبعضهم يصله عن ابن عباس.

стр. 1317

وقال محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: إيها يا ابن الخطاب، فوالذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك (١). وعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان يفرق من عمر. رواه مبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة (٢). وعنها أن النبي ﷺ قال في زفن (٣) الحبشة لما أتى عمر: إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر. صححه الترمذي (٤). وقال حسين بن واقد: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه أن أمة سوداء أتت رسول الله ﷺ وقد رجع من غزاة، فقالت: إني نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب عندك بالدف، قال: إن كنت نذرت فافعلي فضربت، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عمر فجعلت دفها خلفها وهي مقعية (٥). فقال رسول الله ﷺ : إن الشيطان ليفرق منك يا عمر (٦). وقال يحيى بن يمان، عن الثوري، عن عمر بن محمد، عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى الأشعري، فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه، فقالت: حتى يجيء شيطاني، فجاء فسألته عنه، فقال: تركته مؤتزرا وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خر لمنخريه، الملك بين عينيه وروح القدس ينطق بلسانه. وقال زر: كان ابن مسعود يخطب ويقول: إني لأحسب الشيطان يفرق

стр. 1318

من عمر أن يحدث حدثا فيرده، وإني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده ويقومه. وقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : قد كان في الأمم محدثون (١) فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب. رواه مسلم (٢). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه. رواه جماعة عن نافع، عنه (٣). وروي نحوه عن جماعة من الصحابة (٤). وقال الشعبي: قال علي ﵁: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. وقال أنس: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي قوله ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ (٥) وقال حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن مشرح، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : لو كان بعدي نبي لكان عمر (٦). وجاء من وجهين مختلفين عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله باهى بأهل عرفة عامة وباهى بعمر خاصة.

стр. 1319

ويروى مثله عن ابن عمر، وعقبة بن عامر. وقال معن القزاز: ثنا الحارث بن عبد الملك الليثي، عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل قال: قال رسول الله ﷺ : الحق بعدي مع عمر حيث كان (١). وقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر. قالوا: فما أولت ذلك؟ قال: العلم (٢). وقال أبو سعيد: قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر علي عمر عليه قميص يجره. قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين (٣). وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر (٤). وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : دخلت الجنة فرأيت قصرا من ذهب فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو، فقيل: لعمر بن الخطاب (٥). وفي الصحيح أيضا من حديث جابر مثله (٦).

стр. 1320

وقال أبو هريرة، عن النبي ص ى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة توضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرة عمر، فوليت مدبرا. قال: فبكى عمر وقال: بأبي أنت يا رسول الله، أعليك أغار؟ (١) وقال الشعبي وغيره: قال علي ﵁: بينما أنا مع رسول الله ﷺ إذ طلع أبو بكر وعمر، فقال: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما يا علي. هذا الحديث سمعه الشعبي من الحارث الأعور، وله طرق حسنة عن علي، منها: عاصم، عن زر. وأبو إسحاق، عن عاصم بن ضمرة. قال الحافظ ابن عساكر: والحديث محفوظ عن علي ﵁. قلت: وروي نحوه من حديث أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، وجابر. وقال مجالد عن أبي الوداك، وقاله جماعة عن عطية، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : إن أهل الدرجات العلا ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما (٢). وعن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ دخل المسجد وعن يمينه أبو بكر وعن يساره عمر فقال: هكذا نبعث يوم القيامة. تفرد به سعيد بن مسلمة الأموي وهو ضعيف عن إسماعيل (٣). وقال علي ﵁ بالكوفة على منبرها في ملأ من الناس أيام خلافته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وخيرها بعد أبي بكر عمر، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميته (٤). وهذا متواتر عن علي ﵁، فقبح الله الرافضة.

стр. 1321

وقال الثوري، عن أبي هاشم القاسم بن كثير، عن قيس الخارفي، قال: سمعت عليا يقول: سبق رسول الله ﷺ ، وصلى أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة فكان ما شاء الله. ورواه شريك، عن الأسود بن قيس، عن عمرو بن سفيان، عن علي مثله. وقال ابن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (١). وكذا رواه سفيان بن حسين الواسطي، عن عبد الملك، وكان سفيان ربما دلسه وأسقط منه زائدة (٢). ورواه سفيان الثوري، عن عبد الملك، عن هلال مولى ربعي عن ربعي. وقالت عائشة: قال أبو بكر: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلي من عمر. وقالت عائشة: دخل ناس على أبي بكر في مرضه، فقالوا: يسعك أن تولي علينا عمر وأنت ذاهب إلى ربك، فماذا تقول له؟ قال: أقول: وليت عليهم خيرهم (٣). وقال الزهري: أول من حيا عمر بأمير المؤمنين المغيرة بن شعبة. وقال القاسم بن محمد: قال عمر: ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي أن سيريده عنه القريب والبعيد، إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا أقوى عليه مني لكنت أن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أليه (٤). وعن ابن عباس قال: لما ولي عمر قيل له: لقد كاد بعض الناس أن يحيد هذا الأمر عنك، قال: وما ذاك؟ قال: يزعمون أنك فظ غليظ. قال:

стр. 1322

الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحما، وملأ قلوبهم لي رعبا. وقال الأحنف بن قيس: سمعت عمر يقول: لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف، وما حج به واعتمر، وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين (١). وقال عروة: حج عمر بالناس إمارته كلها. وقال ابن عمر: ما رأيت أحدا قط بعد رسول الله ﷺ من حين قبض أجد ولا أجود من عمر (٢). وقال الزهري: فتح الله الشام كله على عمر، والجزيرة ومصر والعراق كله، ودون الدواوين قبل أن يموت بعام، وقسم على الناس فيئهم. وقال عاصم بن أبي النجود، عن رجل من الأنصار، عن خزيمة بن ثابت، أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب له واشترط عليه أن لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة. وقال طارق بن شهاب: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه. وقال ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر؛ إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله. وقال ابن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم. وقال شمر، عن حذيفة قال: كأن علم الناس مدسوسا في جحر مع عمر. وقال ابن عمر: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما تعلمها نحر جزورا. وقال العوام بن حوشب: قال معاوية: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم

стр. 1323

ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن. وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة، وعبد الله، وغيرهما كلموا عمر، فقالوا: لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل. قال: وأصاب الناس سنة (١) فما أكل عامئذ سمنا ولا سمينا. وقال ابن أبي مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك، آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟! وقال مبارك، عن الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه. قال: أوكلما قرمت إلى شيء أكلته! كفى بالمرء سرفا أن يأكل كل ما اشتهى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: ورحل يرفأ (٢) راحلته وسار أربعا مقبلا ومدبرا، واشترى مكتلا فجاء به، وعمد إلى الراحلة فغسلها، فأتى عمر فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال: نسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنها، عذبت بهيمة في شهوة عمر، لا والله لا يذوق عمر مكتلك. وقال قتادة: كان عمر يلبس، وهو خليفة، جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب الناس بها، ويمر بالنكث (٣) والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا به. قال أنس: رأت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه. وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطا

стр. 1324

ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته. وقال عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن أبي الغادية الشامي قال: قدم عمر الجابية على جمل أورق تلوح صلعته بالشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، قد طبق رجليه بين شعبتي الرحل بلا ركاب، ووطاؤه كساء أنبجاني من صوف، وهو فراشه إذا نزل، وحقيبته محشوة ليفا، وهي إذا نزل وساده، وعليه قميص من كرابيس (١) قد دسم وتخرق جيبه، فقال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه له فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصا، فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ قيل: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه، فنزع قميصه فغسلوه ورقعوه ولبسه، فقال له رأس القرية: أنت ملك العرب وهذه بلاد لا تصلح فيها الإبل. فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل، فلما سار هنيهة قال: احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان، هاتوا جملي. وقال المطلب بن زياد، عن عبد الله بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء. وعن الحسن قال: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما. وقال أنس: خرجت مع عمر فدخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ، والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض، فقال: يا ليتني هذه التبنة، ليتني لم أك شيئا، ليت أمي لم تلدني. وقال عبيد الله بن عمر بن حفص: إن عمر بن الخطاب حمل قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها. وقال الصلت بن بهرام، عن جميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر، قال: شهدت جلولاء فابتعت من المغنم بأربعين ألفا، فلما قدمت على عمر قال: أرأيت لو عرضت على النار فقيل لك: افتده، أكنت مفتدي به؟

стр. 1325

قلت: والله ما من شيء يؤذيك إلا كنت مفتديك منه، قال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه، وأنت كذلك، فكان أن يرخصوا عليك أحب إليهم من أن يغلوا عليك، وإني قاسم مسؤول وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش، لك ربح الدرهم درهم. قال: ثم دعا التجار فابتاعوه منه بأربعمائة ألف درهم، فدفع إلي ثمانين ألفا وبعث بالباقي إلى سعد بن أبي وقاص ليقسمه. وقال الحسن: رأى عمر جارية تطيش هزالا، فقال: من هذه؟ فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك. قال: وأي بناتي هذه؟ قال: بنتي، قال: ما بلغ بها ما أرى؟ قال: عملك، لا تنفق عليها، قال: إني والله ما أعول ولدك فاسع عليهم أيها الرجل (١). وقال محمد بن سيرين: قدم صهر لعمر عليه، فطلب أن يعطيه عمر من بيت المال فانتهره عمر، وقال: أردت أن ألقى الله ملكا خائنا؟! فلما كان بعد ذلك أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم (٢). قال حذيفة: والله ما أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر. وقال حذيفة: كنا جلوسا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا. قال: إنك لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس عنها أسألك، ولكن الفتنة التي تموج موج البحر، قلت: ليس عليك منها بأس، إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قلت: بل يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا، قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط، فسأله مسروق: من الباب؟ قال: الباب عمر. أخرجه البخاري (٣).

стр. 1326

وقال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أتي عمر بكنوز كسرى، فقال عبد الله بن الأرقم: أتجعلها في بيت المال حتى تقسمها؟ فقال عمر: لا والله لا آويها إلى سقف حتى أمضيها، فوضعها في وسط المسجد وباتوا يحرسونها، فلما أصبح كشف عنها فرأى من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ، فبكى فقال له أبي: ما يبكيك يا أمير المؤمنين فوالله إن هذا ليوم شكر ويوم سرور! فقال: ويحك إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقيت بينهم العداوة والبغضاء. وقال أسلم مولى عمر: استعمل عمر مولى له على الحمى، فقال: يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم فإنها مستجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين! أفتاركهم أنا لا أبا لك! فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والفضة، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا. أخرجه البخاري (١). وقال أبو هريرة: دون عمر الديوان، وفرض للمهاجرين الأولين خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأمهات المؤمنين اثني عشر ألفا اثني عشر ألفا (٢). وقال إبراهيم النخعي: كان عمر يتجر وهو خليفة. وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر رسول الله ﷺ فقال: يارسول الله، استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، وقال:

стр. 1327

ائت عمر فأقره مني السلام وأخبره أنهم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل فأخبر عمر فبكى، وقال: يا رب، ما آلو ما عجزت عنه. وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة؛ كان قد حرم نفسه السمن، قال: فنقر بطنه بإصبعه وقال: إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس. وقال الواقدي (١): حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما كان عام الرمادة جاءت العرب من كل ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر قد أمر رجالا يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلة: أحصوا من يتعشى عندنا. فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل، وأحصوا الرجال المرضى والعيالات فكانوا أربعين ألفا. ثم بعد أيام بلغ الرجال والعيال ستين ألفا، فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فلما مطرت رأيت عمر قد وكل بهم يخرجونهم إلى البادية ويعطونهم قوتا وحملانا إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه مات ثلثاهم، وكانت قدور عمر يقوم إليها العمال من السحر يعملون الكركور ويعملون العصائد. وعن أسلم قال: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت. وقال سفيان الثوري: من زعم أن عليا كان أحق بالولاية من أبي بكر وعمر فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار. وقال شريك: ليس يقدم عليا على أبي بكر وعمر أحد فيه خير. وقال أبو أسامة: تدرون من أبو بكر وعمر؟ هما أبو الإسلام وأمه. وقال الحسن بن صالح بن حي: سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير.

стр. 1328

ذكر نسائه وأولاده تزوج زينب بنت مظعون، فولدت له عبد الله، وحفصة، وعبد الرحمن. وتزوج مليكة الخزاعية، فولدت له عبيد الله، وقيل: أمه وأم زيد الأصغر أم كلثوم بنت جرول. وتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومية، فولدت له فاطمة. وتزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت فولدت له عاصما. وتزوج أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء وأصدقها أربعين ألفا، فولدت له زيدا ورقية. وتزوج لهية امرأة من اليمن فولدت له عبد الرحمن الأصغر. وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل التي تزوجها بعد موته الزبير. الفتوح في عهده (١) وقال الليث بن سعد: استخلف عمر فكان فتح دمشق، ثم كان اليرموك سنة خمس عشرة، ثم كانت الجابية سنة ست عشرة، ثم كانت إيلياء وسرغ لسنة سبع عشرة، ثم كانت الرمادة وطاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ثم كانت جلولاء سنة تسع عشرة، ثم كان فتح باب ليون وقيسارية بالشام، وموت هرقل سنة عشرين، وفيها فتحت مصر، وسنة إحدى وعشرين فتحت نهاوند، وفتحت الإسكندرية سنة اثنتين وعشرين، وفيها فتحت إصطخر وهمذان، ثم غزا عمرو بن العاص أطرابلس المغرب، وغزوة عمورية، وأمير مصر وهب بن عمير الجمحي، وأمير أهل الشام أبو الأعور سنة ثلاث وعشرين. ثم قتل عمر مصدر الحاج في آخر السنة. قال خليفة (٢): وقعة جلولاء سنة سبع عشرة.

стр. 1329

(استشهاده) (١) وقال سعيد بن المسيب: إن عمر لما نفر من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة من بطحاء (٢)، واستلقى ورفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن فمات. وقال أبو صالح السمان: قال كعب لعمر: أجدك في التوراة تقتل شهيدا، قال: وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟ وقال أسلم، عن عمر أنه قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك. أخرجه البخاري (٣). وقال معدان بن أبي طلحة اليعمري: خطب عمر يوم جمعة وذكر نبي الله وأبا بكر، ثم قال: رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمروني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (٤). وقال الزهري (٥): كان عمر لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا (٦) ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول: إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس: إنه حداد نقاش نجار، فأذن له أن يرسل به، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، قال: ما خراجك بكثير. فانصرف ساخطا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح؟ فالتفت إلى عمر عابسا وقال:

стр. 1330

لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها. فلما ولى قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفا. ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس. وقال عمرو بن ميمون الأودي: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان وطُعن معه اثنا عشر رجلا، مات منهم ستة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا، فلما اغتم فيه قتل نفسه. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: جئت من السوق وعمر يتوكأ علي، فمر بنا أبو لؤلؤة، فنظر إلى عمر نظرة ظننت أنه لولا مكاني بطش به، فجئت بعد ذلك إلى المسجد الفجر فإني لبين النائم واليقظان، إذ سمعت عمر يقول: قتلني الكلب، فماج الناس ساعة، ثم إذا قراءة عبد الرحمن بن عوف. وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة يصنع الأرحاء، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه، فقال: أحسن إلى مولاك، ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه، فغضب وقال: يسع الناس كلهم عدله غيري، وأضمر قتله واتخذ خنجرا وشحذه وسمه، وكان عمر يقول: أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر، فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته، فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه، فمات منهم ستة، وحمل عمر إلى أهله وكادت الشمس أن تطلع، فصلى ابن عوف بالناس بأقصر سورتين، وأتي عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين، فسقوه لبنا فخرج من جرحه فقالوا: لا بأس عليك، فقال: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت. فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت، فقال: أما والله وددت أني خرجت منها كفافا لا علي ولا لي وأن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي. وأثنى عليه ابن عباس، فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع (١)، وقد جعلتها شورى في عثمان وعلي وطلحة والزبير

стр. 1331

وعبد الرحمن، وسعد. وأمر صهيبا أن يصلي بالناس، وأجل (١) الستة ثلاثا. وعن عمرو بن ميمون أن عمر قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابن عباس: كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة. وكان العباس أكثرهم رقيقا. ثم قال: يا عبد الله، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها، فقالت: كنت أريده - تعني المكان - لنفسي ولأؤثرنه اليوم على نفسي، قال: فأتى عبد الله، فقال: قد أذنت لك، فحمد الله. ثم جاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها، فلما رأيناها قمنا، فمكثت عنده ساعة، ثم استأذن الرجال فولجت داخلة ثم سمعنا بكاءها. وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى الستة، وقال: يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، في مثل ذلك من الوصية. فلما توفي خرجنا به نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه. فلما فرغ من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، قال: فخلا هؤلاء الثلاثة فقال عبد الرحمن: أنا لا أريدها فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرن

стр. 1332

أفضلهم في نفسه، وليحرصن على صلاح الأمة، قال: فكست الشيخان علي وعثمان، فقال عبد الرحمن: اجعلوه إلي والله علي لا آلو عن أفضلكم، قالا: نعم، فخلا بعلي وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة ما قد علمت، الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن، قال: ثم خلا بالآخر فقال له كذلك، فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه علي (١). وقال المسور بن مخرمة: لما أصبح عمر بالصلاة من الغد، وهو مطعون فزعوه فقالوا: الصلاة، ففزع، وقال: نعم ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى وجرحه يثعب دما. وقال النضر بن شميل: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: لما طعن عمر جاء كعب فقال: والله لئن دعا أمير المؤمنين ليبعثنه الله وليرفعنه لهذه الأمة حتى يفعل كذا وكذا. حتى ذكر المنافقين فيمن ذكر، قال: قلت: أبلغه ما تقول؟ قال: ما قلت إلا وأنا أريد أن تبلغه، فقمت وتخطيت الناس حتى جلست عند رأسه فقلت: يا أمير المؤمنين فرفع رأسه، فقلت: إن كعبا يحلف بالله لئن دعا أمير المؤمنون ليبقينه (٢) الله وليرفعنه لهذه الأمة. قال: ادعوا كعبا فدعوه فقال: ما تقول؟ قال: أقول كذا وكذا، فقال: لا والله لا أدعو الله ولكن شقي عمر إن لم يغفر الله له. قال: وجاء صهيب فقال: واصفياه واخليلاه واعمراه، فقال: مهلا يا صهيب أو ما بلغك أن المعول عليه (٣) يعذب ببعض بكاء أهله عليه. وعن ابن عباس قال: كان أبو لؤلؤة مجوسيا.

стр. 1333

وعن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال ابن عمر: يا أمير المؤمنين ما عليك لو أجهدت نفسك ثم أمرت عليهم رجلا؟ فقال عمر: أقعدوني. قال عبد الله: فتمنيت أن بيني وبينه عرض المدينة فرقا منه حين قال أقعدوني، ثم قال: من أمرتم بأفواهكم؟ قلت: فلانا. قال: إن تؤمروه فإنه ذو شيبتكم، ثم أقبل على عبد الله، فقال: ثكلتك أمك أرأيت الوليد ينشأ مع الوليد وليدا وينشأ معه كهلا، أتراه يعرف من خلقه؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فما أنا قائل لله إذا سألني عمن أمرت عليهم فقلت: فلانا، وأنا أعلم منه ما أعلم! فلا والذي نفسي بيده لأرددنها إلى الذي دفعها إلي أول مرة، ولوددت أن عليها من هو خير مني لا ينقصني ذلك مما أعطاني الله شيئا. وقال سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: دخل على عمر عثمان، وعلي، والزبير، وابن عوف، وسعد - وكان طلحة غائبا - فنظر إليهم ثم قال: إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقا إلا أن يكون فيكم، ثم قال: إن قومكم إنما يؤمروا أحدكم أيها الثلاثة، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عثمان فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحملن أقاربك على رقاب الناس. وإن كنت على شيء من أمر الناس يا علي فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا وأمروا أحدكم، فقاموا يتشاورون. قال ابن عمر: فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولم يسمني عمر، ولا والله ما أحب أني كنت معهم علما منه بأنه سيكون من أمرهم ما قال أبي، والله لقل ما سمعته حول شفتيه بشيء قط إلا كان حقا، فلما أكثر عثمان دعائي قلت: ألا تعقلون! تؤمرون وأمير المؤمنين حي! فوالله لكأنما أيقظتهم، فقال عمر: أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل للناس صهيب ثلاثا ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف الناس وأمراء الأجناد فأمروا أحدكم، فمن تأمر عن غير مشورة فاضربوا عنقه (١).

стр. 1334

وقال ابن عمر: كان رأس عمر في حجري، فقال: ضع خدي على الأرض، فوضعته فقال: ويل لي وويل أمي إن لم يرحمني ربي (١). وعن أبي الحويرث قال: لما مات عمر ووضع ليصلى عليه أقبل (٢) علي وعثمان أيهما يصلي عليه، فقال عبد الرحمن: إن هذا لهو الحرص على الإمارة، لقد علمتما ما هذا إليكما ولقد أمر به غيركما، تقدم يا صهيب فصل عليه. فصلى عليه. وقال أبو معشر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وضع عمر بين القبر والمنبر، فجاء علي حتى قام بين الصفوف فقال: رحمة الله عليك ما من خلق أحب إلي من أن ألقى الله بصحيفته بعد صحيفة النبي ﷺ من هذا المسجى عليه ثوبه. وقد روي نحوه من عدة وجوه عن علي (٣). وقال معدان بن أبي طلحة: أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة. وكذا قال زيد بن أسلم وغير واحد. وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: إنه دفن يوم الأحد مستهل المحرم. وقال سعيد بن المسيب: توفي عمر وهو ابن أربع أو خمس وخمسين سنة، كذا رواه الزهري عنه. وقال أيوب، وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: مات عمر وهو ابن خمس وخمسين سنة (٤). وكذا قال سالم بن عبد الله، وأبو الأسود يتيم عروة وابن شهاب. وروى أبو عاصم، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه: سمعت عمر قبل أن يموت بعامين أو نحوهما يقول: أنا ابن سبع أو ثمان وخمسين. تفرد به أبو عاصم.

стр. 1335

وقال الواقدي: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: توفي عمر وله ستون سنة (١). قال الواقدي: هذا أثبت الأقاويل، وكذا قال مالك. وقال قتادة: قتل عمر وهو ابن إحدى وستين سنة. وقال عامر بن سعد البجلي، عن جرير بن عبد الله، سمع معاوية يخطب ويقول: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر وهما ابنا ثلاث وستين (٢). وقال يحيى بن سعيد: سمعت سعيد بن المسيب قال: قبض عمر وقد استكمل ثلاثا وستين. قد تقدم لابن المسيب قول آخر. وقال الشعبي مثل قول معاوية. وأكثر ما قيل قول ابن جريج، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس: قبض عمر وهو ابن ست وستين سنة، والله أعلم (٣).
следующие страницы →