كل شيء شيئًا لأقف على كميته وكيفيته، سواء كان حقًا أو باطلًا، إلا أن الذي نظرته (١) في الكتب المعتبرة أن العالم المخصوص تحت تدبير مدبر منزه (٢) عن مماثلة المتحيزات (٣)، موصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية؛ فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظمة والجلالة (٤) لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية، فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة، من وجوب وجوده، ووحدته، وبراءته عن الشركاء في (٥) القدم، والأزلية، والتدبير، والفعالية، فذلك هو الذي أقول به، وألقى الله به. وأما ما انتهى (٦) الأمر فيه إلى الدقة والغموض، وكل ما ورد في القرآن والصحاح، المتعين للمعنى الواحد، فهو كما هو (٧)، والذي لم يكن كذلك أقول: يا إله العالمين، إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فلك ما مد به (٨) قلمي، أو خطر ببالي فأستشهد وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل، أو إبطال حق، فافعل بي ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير (٩) اعتقدت أنه الحق، وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذاك جهد المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في زلة، فأغثني، وارحمني، واستر زلتي، وامح حوبتي، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين، ولا ينقص ملكه بخطأ المجرمين.
وأقول: ديني متابعة الرسول محمد ﷺ ، وكتابي القرآن العظيم،
стр. 12707
وتعويلي في طلب الدين عليهما، اللهم يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات، أنا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: أنا عند ظن عبدي بي، وأنت قلت: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، فهب أني ما جئت بشيء، فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم (١)، فلا تخيب رجائي، ولا ترد دعائي، واجعلني آمنًا من عذابك قبل الموت، وبعد الموت، وعند الموت، وسهل علي سكرات الموت فإنك أرحم الراحمين.
وأما الكتب التي صنفتها، واستكثرت فيها من إيراد السؤالات، فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه، على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف القول السيئ؛ فإني ما أردت إلا تكثير البحث، وشحذ الخاطر، والاعتماد في الكل على الله.
الثاني: وهو إصلاح أمر الأطفال، والاعتماد فيه على الله.
ثم إنه سرد وصيته في ذلك (٢)، إلى أن قال: وأمرت تلامذتي، ومن لي عليه حق إذا أنا مت، يبالغون في إخفاء موت، ويدفنوني على شرط الشرع، فإذا دفنوني قرأوا علي ما قدروا عليه من القرآن، ثم يقولون: يا كريم، جاءك الفقير المحتاج، فأحسن إليه.
سمعت وصيته كلها من الكمال عمر بن إلياس بن يونس المراغي، قال: أخبرنا التقي يوسف بن أبي بكر النسائي بمصر، قال: أخبرنا الكمال محمود بن عمر الرازي، قال: سمعت الإمام فخر الدين يوصي تلميذه إبراهيم بن أبي بكر، فذكرها.
قلت: توفي يوم عيد الفطر بهراة.
٣١٢ - محمد بن قسوم بن عبد الله بن قسوم، أبو عبد الله الفهمي الإشبيلي الزاهد.
قال الأبار (٣): صحب أبا عبد الله ابن المجاهد واختص به، وكان مؤذن
стр. 12708
مسجده، وخلفه بعد وفاته، وسمع منه الموطأ وحدث به عنه، وبمسند أبي بكر بن أبي شيبة، ورسالة ابن أبي زيد، وكان فقيهًا ورعًا منقبضًا عن الناس، نحويًا ماهرًا. حدث عنه عبد الله بن محمد الطلبي. وتوفي في ربيع الآخر وله خمس وثمانون سنة. وحدث عنه أيضًا صاحبنا أبو بكر ابن سيد الناس.
٣١٣ - محمد بن وهب بن سلمان بن أحمد ابن الزنف (١)، أبو المعالي ابن الفقيه أبي القاسم السلمي، الدمشقي.
ولد سنة ثلاث وثلاثين، وسمع من الفقيه نصر الله بن محمد المصيصي، وأبي الدر ياقوت الرومي، وابن البن الأسدي.
وحدث بدمشق وبغداد لما حج منها، وأجاز له أبو الأسعد هبة الرحمن ابن القشيري. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وابن خليل، والضياء، وابن أخيه الفخر علي، والزكي عبد العظيم، والشهاب القوصي، وآخرون.
لقبه تاج الدين، توفي في العشرين من شعبان.
٣١٤ - المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، العلامة مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزري، ثم الموصلي، الكاتب البليغ، مصنف جامع الأصول، ومصنف غريب الحديث، وغير ذلك.
ولد بجزيرة ابن عمر في سنة أربع وأربعين وخمس مائة في أحد الربيعين، وبها نشأ، وانتقل إلى الموصل فسمع بها من يحيى بن سعدون القرطبي وخطيب الموصل، واتصل بخدمة الأمير الكبير مجاهد الدين قايماز الخادم إلى أن أهلك، فاتصل بخدمة صاحب الموصل عز الدين مسعود، وولي ديوان الإنشاء، وتوفرت حرمته، وكان بارعًا في الترسل له فيه مصنف.
وعرض له مرض مزمن أبطل يديه ورجليه، وعجز عن الكتابة، وأقام بداره. وأنشأ ربطًا بقرية من قرى الموصل، ووقف أملاكه عليه.
وله شعر يسير (٢).
توفي في آخر يوم من السنة ودفن برباطه.
стр. 12709
ذكره أبو شامة في تاريخه، فقال (١): قرأ الحديث والأدب والعلم. وكان رئيسًا مشاورًا، صنف جامع الأصول، والنهاية في الغريب، وصنف شرح مسند الشافعي. وكان به نقرس، فكان يحمل في محفة. قرأ النحو على أبي محمد سعيد ابن الدهان، وأبي الحرم مكي الضرير. وسمع من ابن سعدون، والطوسي. وسمع ببغداد لما حج من ابن كليب، وحدث وانتفع به الناس. وكان ورعًا عاقلًا بهيًا، ذا بر وإحسان. وأخواه: ضياء الدين (٢) مصنف المثل السائر، والآخر عز الدين علي (٣) صاحب التاريخ.
وقال ابن خلكان (٤): له كتاب الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف تفسيري الثعلبي والزمخشري، وله كتاب المصطفى المختار في الأدعية والأذكار، وكتاب لطيف في صنعة الكتابة، وكتاب البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان، وله ديوان رسائل ﵀.
قلت: روى عنه ولده، والشهاب القوصي، وغير واحد. وعاش ثلاثًا وستين سنة، سن نبينا محمد ﷺ وسن خير هذه الأمة بعد نبيها بشهادة أمير المؤمنين علي ﵁ لهما، وهما أبو بكر وعمر ﵄.
آخر من روى عنه بالإجازة فخر الدين ابن البخاري (٥).
قال ابن الشعار (٦): كان كاتب الإنشاء لدولة صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود. وكان حاسبًا كاتبًا ذكيًا. إلى أن قال: ومن تصانيفه كتاب الفروق في الأبنية، وكتاب الأذواء والذوات، وكتاب الأدعية، والمختار في مناقب الأخيار، وشرح غريب الطوال. وكان من أشد الناس بخلًا.
٣١٥ - محمود بن أحمد بن عبد الرحمن، أبو عبد الله المضري الثقفي الأصبهاني.
стр. 12710
إمام جامع أصبهان. ولد سنة سبع عشرة وخمس مائة، وسمع من محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، والحسين بن عبد الملك الخلال، وزاهر (١)، وسعيد بن أبي الرجاء الصيرفي. روى عنه ابن خليل، والضياء، وابن نقطة، وجماعة. وأجاز للشيخ شمس الدين، وللفخر علي، وللكمال عبد الرحيم، ولابن شيبان، وغيرهم، وتوفي في جمادى الآخرة.
قال ابن نقطة (٢): كان صحيح السماع، ثقيل السمع.
٣١٦ - محمود ابن المحتسب عبد الباقي بن أحمد بن إبراهيم ابن النرسي (٣)، أبو علي البغدادي، الأزجي.
ولد سنة ثلاث وثلاثين (٤)، وسمع من أبيه أبي البركات. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وقال (٥): توفي في جمادى الأولى، والضياء المقدسي.
٣١٧ - محمود بن علي بن شعيب، أبو الشكر البغدادي ابن الدهان، أخو محمد الفرضي.
سمع ابن ناصر، والمبارك بن أحمد الكندي. وعنه الدبيثي، وغيره.
توفي في ذي الحجة.
وروى عنه ابن النجار، وقال (٦): كان يكتب (٧) الحمير ويزوقها.
٣١٨ - محمود بن عبيد الله بن صاعد، العلامة أبو المحامد الحارثي المروزي الفقيه الحنفي.
من كبار الحنفية وأئمتهم، ولد سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة، وسمع من نصر بن سيار، وأبي سعد ابن السمعاني، ومسعود بن محمد المسعودي.
ويقال له الطايكاني، نسبة إلى طايكان، ويقال طايقان، بليدة بنواحي بلخ.
стр. 12711
حج، وحدث بمكة والمدينة وبغداد، وكان ذا جاه وحشمة.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي (١)، وابن النجار.
توفي بمرو في تاسع عشر ربيع الأول.
٣١٩ - مسعود بن محمود بن مسعود بن حسان، أبو سعيد المنيعي النيسابوري.
سمع أبا الفتح محمد بن عبد الرحمن الكشميهني، وعمر بن أحمد الصفار الفقيه.
وكان شيخًا معمرًا؛ فإنه ولد سنة أربع عشرة وخمس مائة، وتوفي في رمضان بنيسابور (٢).
٣٢٠ - مسعود، الملك المؤيد ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب.
كان أخوه السلطان الملك الظاهر قد بعثه من حلب إلى الملك العادل، وهو يحاصر سنجار، يشفع إليه في أهل سنجار وصاحبها يومئذ قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن زنكي فلم يشفعه، ومات المؤيد برأس عين في نصف شعبان؛ وذلك أنه نام في بيت مع ثلاثة أنفس، وفيه منقل نار، ولا منفذ في البيت، فانعكس البخار، فأخذ على أنفاسهم وهم نيام، فماتوا جميعًا؛ قاله أبو شامة (٣).
وقال ابن واصل (٤): دخل بيتًا مجصصًا، وكان يومًا شديد البرد، فأشعل له نار وسددوا الطاقات، فاختنق المؤيد وجماعة، وسلم اثنان وجد فيهما حياة ضعيفة. وتحدث الناس بأنه سقي سمًا، وحمل في تابوت إلى حلب، وحزن عليه أخوه، وغلقت حلب سبعة أيام.
٣٢١ - معتوق بن منيع، الخطيب أبو المواهب الأديب، خطيب قيلوية.
стр. 12712
قرأ الآداب على أبي محمد ابن الخشاب، والكمال الأنباري، وله شعر وخطب.
توفي في شعبان بقريته، وحمل إلى بغداد (١).
٣٢٢ - المؤيد بن عبد الله بن عبد الرزاق بن أبي القاسم عبد الكريم بن هوزان، أبو عبد الله القشيري النيسابوري.
حدث عن عبد الجبار بن محمد الخواري، ووجيه الشحامي، وعبد الله ابن الفراوي، وغيرهم.
قال المنذري (٢): توفي في سابع عشر رمضان ظنًا (٣).
قلت: ولد في حدود الثلاثين وخمس مائة (٤). روى عنه أبو رشيد الغزال، وغيره.
٣٢٣ - المؤيد بن عبد الرحيم بن أحمد بن محمد ابن الإخوة، أبو مسلم البغدادي، ثم الأصبهاني المعدل، واسمه الأصلي هشام.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة، وعني به أبوه المحدث أبو الفضل، وسمعه حضورًا من محمد بن علي بن أبي ذر الصالحاني، وزاهر بن طاهر، وسعيد بن أبي الرجاء، والحسين بن عبد الملك الخلال، ومحمد بن إبراهيم بن سعدويه، وغانم بن خالد، وخلق، وسمع من بعضهم. وسمع بهمذان من أبي بكر هبة الله بن الفرج، ونصر ابن المظفر البرمكي. وببغداد من أبي الفضل الأرموي، وأبي القاسم الحاسب، وهذه الطبقة.
ومن مسموعاته مسند الروياني، ومسند أبي يعلى، ومسند العدني سمعه من سعيد الصيرفي، وكان صحيح السماع ثقة.
حدث ببغداد وأصبهان؛ روى عنه ابن نقطة (٥)، وابن خليل، والضياء،
стр. 12713
والتقي أحمد ابن العز، وجماعة. وروى عنه بالإجازة الشيخ شمس الدين عبد الرحمن، والبرهان ابن الدرجي، والفخر علي، والكمال عبد الرحيم، وآخرون.
عاش ثلاثًا وسبعين سنة، وتوفي في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة.
٣٢٤ - يحيى بن أحمد بن سليمان بن أحمد بن مرزوق المقرئ، أبو زكريا الجذامي، الإشبيلي، المعروف بابن مورين.
أخذ القراءات عن أبي الحسن شريح، وأبي العباس بن عيشون، وشعيب ابن عيسى، وأبي العباس بن حرب، وجماعة. وأخذ العربية عن أبي الحسن ابن مسلم، وتصدر ببلده للإقراء، وتفرد عن أقرانه.
ذكره الأبار، فقال (١): كان متقنًا مجودًا، أسره العدو، وله في تخليصه قصة غريبة. أخذ عنه أبو العباس ابن النباتي، وأبو بكر ابن سيد الناس. وعمر وأسن ومتع بحواسه، وجاز التسعين. مولده سنة خمس عشرة وخمس مائة، وتوفي في ذي القعدة سنة ست.
٣٢٥ - يحيى بن الحسين بن أحمد، أبو زكريا الأواني الضرير، المقرئ، المعروف بابن حميلة (٢).
ولد في حدود سنة خمس عشرة وخمس مائة أو قبلها، وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على أبي الكرم الشهرزوري، ودعوان بن علي، وجماعة. وقرأ بواسط على محفوظ بن عبد الباقي، وكان يقول: إنه قرأ على أبي محمد سبط الخياط. وسمع بواسط من القاضي أبي عبد الله الجلابي. وسمع ببغداد من أبي الفضل الأرموي، وجماعة. وسماعه في واسط سنة إحدى وأربعين (٣).
ذكره ابن نقطة، فقال (٤): سمع من الأرموي، وابن الداية، وأبا محمد
стр. 12714
عبد الله ابن بنت الشيخ، وهو مكثر صحيح السماع. ثم قال: وقرأ القرآن على عمر بن ظفر، ودعوان، والشهرزوري، وعلي ابن محمويه الأزدي، وهبة الله ابن وفاء ابن النيار الواسطي، وأبي العلاء الهمذاني. وكان قد قرأ على شيخه أبي محمد عبد الله بن علي عدة ختمات بكتب كثيرة كتبها له في جزء فسقط منه، وكان قد أراه لجماعة منهم شيخه أبو الكرم، وعمه المغازلي، فكتبا له بما رأياه.
قال الدبيثي (١): كان فيه تساهل في الإقراء والرواية.
قلت: روى عنه اليلداني، والدبيثي، والضياء، وابن خليل، والنجيب بن الصقيل، ومحمد بن أبي الدينة، وعبد الرحمن بن عمر بن اللمش شيخا الفرضي (٢).
قال الدبيثي (٣): وجد في مسجد ميتًا في الثالث والعشرين من صفر.
قلت: وأجاز للشيخ شمس الدين، وللفخر علي، ولجماعة.
٣٢٦ - يحيى بن الربيع بن سليمان بن حراز، العلامة مجد الدين العمري الواسطي الشافعي، أبو علي ابن الفقيه أبي الفضل.
ولد بواسط سنة ثمان وعشرين وخمس مائة، وقرأ القرآن على جده، وأبي يعلى محمد بن سعد بن تركان بالقراءات. وعلق الخلاف عن القاضي أبي يعلى بن أبي خازم ابن الفراء بواسط لما ولي قضاءها، ثم قدم أبو علي بغداد وتفقه بالنظامية على مدرسها الإمام أبي النجيب السهروردي، وتفقه أولًا على والده، وعلى أبي جعفر هبة الله ابن البوقي. ثم رحل إلى نيسابور، فتفقه على الإمام محمد بن يحيى صاحب الغزالي، وبقي عنده سنتين ونصفًا. وسمع الكثير بواسط من أبي الكرم نصر الله بن مخلد ابن الجلخت، وأبي عبد الله محمد بن علي الجلابي، وأحمد بن عبيد الله الآمدي. وببغداد من عبد الخالق اليوسفي، وابن ناصر، وأبي الوقت. وبنيسابور من شيخه محمد، ومن عبد الله بن الفراوي، وعبد الخالق بن زاهر.
стр. 12715
وروى الكثير ببغداد، وبهراة، وغزنة لما مضى إليها رسولًا من الديوان العزيز في سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، فلما عاد ولي تدريس النظامية، ورزق الجاه والحشمة.
قال الدبيثي (١): كان ثقة، صحيح السماع، عالمًا بمذهب الشافعي، وبالخلاف، والحديث، والتفسير، كثير الفنون. قرأ بالعشرة على ابن تركان، وكان أبوه من الصالحين. ويقال: إنهم من ولد عمر بن الخطاب ﵁.
وقال أبو شامة (٢): كان مجد الدين عالمًا، عارفًا بالتفسير والمذهب والأصولين والخلاف، دينًا صدوقًا.
وقال الموفق عبد اللطيف: كان معيد ابن فضلان، وكان أبرع من ابن فضلان، وأقوم بالمذهب، وعلم القرآن، وكان بينهما صحبة جميلة دائمة لم أر مثلها بين اثنين قط؛ فكنا نسمع الدرس من الشيخ، فلا نفهمه لكثرة فراقعه، ثم نقوم إلى ابن الربيع، فكما نسمعه منه نفهمه. وكانت الفتيا تأتي الشيخ، فلا يضع خطه حتى يشاور ابن الربيع. ثم إن ابن الربيع أخذ في تدريس النظامية، وسير في رسالة إلى خراسان، فمات في الطريق.
قلت: روى عنه الدبيثي، والضياء، وابن خليل، وآخرون. وله إجازة من زاهر الشحامي. وتوفي أواخر ذي القعدة. وأجاز للشيخ شمس الدين عبد الرحمن، والفخر علي.
٣٢٧ - يحيى بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى، أبو زكريا ابن الزبيدي المؤدب، أخو الحسن (٣) والحسين (٤) اللذين رويا الصحيح.
ولد سنة تسع وعشرين وخمس مائة، وسمع من عبد الوهاب الأنماطي، وعبد الملك بن أبي القاسم الكروخي. روى عنه الدبيثي (٥)، والضياء، وابن خليل، وجماعة.
توفي في صفر.
стр. 12716
٣٢٨ - يحيى بن محاسن بن يحيى بن رفاعة، أبو زكريا الطائي، المعروف بابن زنفل (١) الحنفي الفقيه.
روى عن أبي الفتح عبد الله ابن البيضاوي، وأبي الحسن بن صرما، وعبد الوهاب الأنماطي، ورستم بن سرهنك.
ولد سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وتوفي في ثالث عشر رمضان.
روى عنه الدبيثي (٢)، والضياء.
٣٢٩ - يوسف (٣) بن إبراهيم بن وهبون، أبو الحجاج الكلاعي الإشبيلي.
من عدول بلده، وكان مقدمًا في علم الشروط، سمع جزءًا من القاضي أبي بكر ابن العربي، وعاش خمسًا وتسعين سنة (٤).
٣٣٠ - يوسف ابن الفقيه إسماعيل بن عبد الرحمن، أبو يعقوب اللمغاني الحنفي.
شيخ بغداد فقيه، وقد ذكر أخوه عبد السلام (٥).
تفقه على أبيه، وعميه محمد ونصر الله. وسمع من الحسين بن الحسن المقدسي، ومات في جمادى الأولى (٦).
٣٣١ - يوسف بن يعقوب بن يوسف بن عمر بن الحسين، أبو يعقوب الحربي.
من بيت علم ورواية وقرآن، حدث عن أبي محمد ابن المادح، وهبة الله الشبلي، وكان ذا صلاح وديانة.
توفي في شوال (٧).
стр. 12717
وفيها ولد:
الشمس محمد بن هاشم العباسي، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، والرشيد محمد بن أبي بكر العامري، والجمال عمر بن إبراهيم العقيمي، والعماد محمد ابن القاضي شمس الدين محمد ابن الشيرازي، والشمس مظفر بن عبد الصمد ابن الصائغ، والبدر أبو بكر بن نصر الله بن رسلان البعلبكي، وفخر الدولة إبراهيم بن فراس بن علي العسقلاني، وناصر الدين شاهنشاه بن عبد الرزاق العامري الذهبي، وصفية بنت تاج الأمناء أحمد ابن عساكر، والعماد يحيى بن تمام الحميري: الدمشقيون (١)، والتاج محمد بن عبد المنعم بن حواري الصرخدي الشاعر، والجمال يوسف بن جامع القفصي الضرير الحنبلي المقرئ، شيخ بغداد، وأبو القاسم بن عبد الغني ابن فخر الدين ابن تيمية الحراني، والنحوي أبو عبد الله محمد بن عبد الله التلمساني، عرف بحافي رأسه، والمحب علي بن أبي الفتح السنجاري بسنجار، وأبو المظفر يوسف ابن الفخر الفارسي ثم المصري، ومحيي الدين عمر بن موسى قاضي غزة، والفخر إسماعيل بن إبراهيم بن قريش الفرضي، في ذي القعدة بمصر.
стр. 12718
سنة سبع وستمائة
٣٣٢ - أرسلان شاه ابن السلطان عز الدين مسعود بن مودود ابن أتابك زنكي بن آقسنقر، السلطان الملك العادل نور الدين أبو الحارث، صاحب الموصل وابن صاحبها.
تملك الموصل ثمان عشرة سنة، وولي الموصل بعده ابنه السلطان عز الدين مسعود.
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي (١): كان ملكًا جبارًا سافكًا للدماء بخيلًا.
وقال ابن خلكان (٢): كان ملكًا شهمًا، عارفًا بالأمور، وانتقل إلى مذهب الشافعي، ولم يكن في بيته شافعي سواه. وبنى المدرسة المعروفة به بالموصل للشافعية قل أن توجد مدرسة في حسنها. توفي في التاسع والعشرين من رجب.
قال أبو شامة (٣): وفيها (٤) كان إملاك صاحب الموصل نور الدين أرسلان شاه على ابنة السلطان الملك العادل بقلعة دمشق على صداق ثلاثين ألف دينار، وكان العقد مع وكيله، ثم انكشف الأمر أنه قد مات من أيام بالموصل.
وقال ابن الأثير (٥): كان مرضه قد طال، ومزاجه قد فسد، وكان مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرًا. وكان شهمًا شجاعًا ذا سياسة للرعايا، شديدًا على أصحابه، فكانوا يخافونه خوفًا شديدًا، وكانت له همة عالية، أعاد ناموس البيت الأتابكي وحرمته. سمعت من أخي أبي السعادات (٦)، وكان من أكثر الناس اختصاصًا به، يقول: ما قلت له يومًا في فعل خير فامتنع منه بل بادر إليه.
стр. 12719
وقال عز الدين ابن الأثير (١): وكان سريع الحركة في طلب الملك، إلا أنه لم يكن له صبر، فلهذا لم يتسع ملكه، ولما احتضر أمر أن يرتب في الملك ولده الملك القاهر مسعود، وأعطى ولده عماد الدين زنكي قلعتين، وجعل تدبير مملكتهما إلى فتاه بدر الدين لؤلؤ.
٣٣٣ - أسعد بن سعيد بن محمود بن محمد بن روح، أبو الفخر بن أبي الفتوح الأصبهاني التاجر، مسند أصبهان، ويعرف بابن روح، وهو جد جده.
مولده سنة سبع عشرة وخمس مائة. سمع من فاطمة الجوزدانية المعجم الكبير بفوت من أثناء ترجمة عمران بن حصين، وجميع المعجم الصغير، وهو آخر من حدث عنها، وسمع أيضًا من سعيد بن أبي الرجاء، وزاهر بن طاهر.
قرأت بخط ابن نقطة، قال (٢): أبو الفخر أسعد بن سعيد بن محمود بن محمد بن أحمد بن جعفر بن روح بن الفرج الأصبهاني التاجر. أخرج إلينا مولده وهو في ثاني ذي الحجة من سنة سبع عشرة وخمس مائة. وكان شيخًا صالحًا، صحيح السماع.
قلت: روى عنه ابن نقطة، والضياء، والتقي ابن العز، والجمال أحمد بن عمر بن أبي بكر. وأجاز لإبراهيم بن إسماعيل الدرجي، وشمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، والفخر علي، والكمال عبد الرحيم، وأحمد بن شيبان، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، والتقي إبراهيم ابن الواسطي، وتوفي في رابع ذي الحجة بأصبهان، وكان ابن الواسطي آخر من روى حديث الطبراني بالإجازة العالية فيما علمت.
٣٣٤ - إسماعيل بن حمزة بن المبارك، أبو البركات ابن الطبال الأزجي.
سمع في الكهولة، وسمع ابنه، وحدث عن أبي حكيم النهرواني، وابن البطي، وجاوز الثمانين.
стр. 12720
وقد سمع ابنه أحمد من ابن شاتيل (١).
٣٣٥ - إسماعيل بن محمد بن محمد بن الحسن، أبو النجح الحنفي، البزاز.
روى عن أبي الفضل الأرموي، وعبد الصبور الهروي، ومات في شعبان ببغداد. أجاز لفاطمة بنت عساكر (٢).
٣٣٦ - أفضل بن أبي الحسن بن محفوظ، أبو محمد الحربي، الحفار.
يروي عن ابن الطلاية (٣).
٣٣٧ - الملك الأوحد أيوب ابن العادل، صاحب خلاط وميافارقين.
ذكر ابن واصل وفاته في سنة سبع هذه (٤)، وقد ذكرته في سنة تسع (٥)، فيحرر أمره.
٣٣٨ - تقية بنت أبي سعيد محمد بن آموسنان، أم ليلى، أخت جعفر (٦).
توفيت في رجب بأصبهان، وكانت مسنة عالية الرواية، حدثت عن: أبي عبد الله الخلال، وغانم بن خالد. روى عنها الضياء المقدسي، وابن نقطة. وأجازت للشيخ شمس الدين، وللفخر علي.
توفيت في رجب (٧).
стр. 12721
٣٣٩ - جعفر بن أبي سعيد محمد بن أبي محمد، المعروف جده بآموسان، أبو محمد الأصبهاني الواعظ.
ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة، وسمع من غانم بن خالد، وفاطمة بنت محمد البغدادي، وإسماعيل الحمامي، وجماعة، وسمع ببغداد من ابن البطي. ثم حج سنة ست وستمائة. وحدث ببغداد، وأملى بالمدينة؛ روى عنه الدبيثي، والزكي عبد العظيم، والضياء محمد. وأجاز لابن أبي الخير، وللبرهان الدرجي، وللكمال عبد الرحيم، وللفخر.
قال الدبيثي (١): كان صحيح السماع، مشهورًا بالثقة، له معرفة بالوعظ، حجة ورد، فأدركه أجله بالمدينة النبوية في خامس المحرم.
وقد استملى عليه زكي الدين مجلسًا (٢).
وقال ابن النجار: لقيته بمكة، فانتخبت من أصوله جزءًا قرأته عليه، وسمع ببغداد من أبي المظفر هبة الله ابن الشبلي. وكانت له معرفة بالحديث، وفيه دين وصدق، وتلطف كلام. كتب الكثير، وحصل الأصول، وهو معروف بآموسان (٣).
٣٤٠ - جمعة بنت أبي سعد رجاء بن أبي نصر بن سليم، أم الفخر.
تروي عن زاهر الشحامي فوائد الحاج. توفيت بأصبهان في جمادى الأولى.
وروى عنها الضياء محمد. وأجازت للشيخ شمس الدين، وللفخر علي.
وتوفيت في ربيع الآخر (٤).
стр. 12722
٣٤١ - الحسين ابن الوزير أبي القاسم علي بن صدقة، أبو طاهر البغدادي.
شيخ مسن قديم المولد، عاش ثمانيًا وثمانين سنة، وحدث عن الوزير أبي المظفر بن هبيرة، وعمر بن ظفر المغازلي، وتوفي في ربيع الأول (١).
٣٤٢ - الحسين بن أبي بكر بن الحسين الحريمي، الخباز.
شيخ معمر، يروي عن أبي علي الرحبي.
توفي في رجب (٢).
٣٤٣ - حيان بن عبد الله بن محمد بن هشام بن حيان، أبو البقاء الأنصاري الأوسي الأندلسي البلنسي.
أخذ القراءات عن أبي الحسن ابن النعمة. وسمع بسبتة من نجبة بن يحيى، وأبي محمد بن عبيد الله. وتأدب بأبي الحسن بن سعد الخير.
قال الأبار (٣): كان نحويًا، لغويًا، أديبًا، شاعرًا، حسن الخط. وقد أقرأ الناس وقتًا، وسمعت مذاكرته. وتوفي سنة سبع (٤).
٣٤٤ - خالد بن علي ابن الوقاياتي (٥) القصار، أبو محمد الأزجي.
روى عن أبي بكر بن الزاغوني.
٣٤٥ - خلف بن علي الغراد الظفري، أبو محمد ابن الأمين.
روى عن عمر بن ظفر المغازلي، والمبارك بن كامل الخفاف، وتوفي في ذي الحجة (٦).
٣٤٦ - درة بنت صالح بن كامل بن أبي غالب الخفاف.
стр. 12723
أجاز لها الأرموي (١).
٣٤٧ - زاهر بن أبي طاهر أحمد بن أبي غانم حامد بن أحمد بن محمود، أبو المجد الثقفي، الأصبهاني.
ولد في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين، واستجاز له أبوه من جماعة في هذه السنة، وسمعه حضورًا من جعفر بن عبد الواحد الثقفي. وسمع من محمد بن علي بن أبي ذر، وسعيد بن أبي الرجاء، وزاهر بن طاهر، والحسين بن عبد الملك، وقوام السنة إسماعيل بن محمد الحافظ، وحدث بالكثير، وسمع مسند أبي يعلى، ومسند الروياني من الحسين بن عبد الملك الخلال.
روى عنه ابن نقطة، والضياء، وابن خليل، والتقي ابن العز، وأحمد بن عمر بن أبي بكر، وطائفة سواهم.
ذكره ابن نقطة فقال (٢): كان شيخًا صالحًا أضر على كبر، وكان صبورًا للطلبة، مكرمًا لهم.
قلت: وأجاز للشيخ شمس الدين، وللكمال عبد الرحيم، ولابن شيبان، وللفخر علي، وللبرهان ابن الدرجي، وللتقي ابن الواسطي، وغيرهم، وتوفي في الثاني والعشرين من ذي القعدة، له إجازة من المعمرة فاطمة الجوزدانية.
٣٤٨ - زهير بن إبراهيم، أبو الأزهر الحمامي، الحربي.
روى عن ابن الطلاية، وسعيد ابن البناء، وتوفي في ذي الحجة (٣).
٣٤٩ - سكينة بنت محمد بن أبي بكر المقدسية، أم عبد العزيز.
روت بالإجازة عن ابن البطي، وأحمد بن المقرب، وكان مولدها في حدود سنة خمس وخمسين وخمس مائة، وتوفيت في ربيع الأول، وكانت امرأة خيرة؛ روى عنها الحافظ الضياء.
стр. 12724
٣٥٠ - سليمان بن أحمد بن محمد، أبو القاسم ابن الطيلسان الأنصاري، القرطبي.
روى عن أبي خالد المرواني، وأبي القاسم الشراط. روى عنه ابن أخيه القاسم بن محمد الحافظ.
وذكره الأبار، فقال (١): كان حافظًا للحديث وللأدب، صوامًا قوامًا كثير التلاوة جدًا. وتوفي في تاسع وعشرين رمضان عن أربع وستين سنة.
٣٥١ - عائشة بنت الحافظ معمر بن الفاخر، أم حبيبة الأصبهانية.
سمعت حضورًا من فاطمة الجوزدانية، وسماعًا من زاهر بن طاهر، وسعيد ابن أبي الرجاء. روى عنها ابن نقطة، والضياء.
قال ابن نقطة (٢): سمعنا منها مسند أبي يعلى بسماعها من سعيد الصيرفي. وكان سماعها صحيحًا بإفادة أبيها.
قلت: وأجازت للشيخ شمس الدين عبد الرحمن، ولابن شيبان، وللكمال عبد الرحيم، وللفخر علي، وتوفيت في ربيع الآخر.
٣٥٢ - عبد الجليل بن عبد الكريم بن عثمان، بهاء الدين الموقاني.
قال ابنه محمد: توفي بالقدس في جمادى الآخرة. وروى عن أبي طاهر السلفي، والحافظ ابن عساكر. وعاش ستًا وستين سنة.
٣٥٣ - عبد الرحمن بن هبة الله بن عبد الملك ابن غريب الخال، أبو القاسم الحريمي.
روى عن إسماعيل ابن السمرقندي، واستبعدوا سماعه منه، وقال بعضهم: إن الذي سمع إنما أخوه عبيد الله.
وجدهم غريب: هو خال المقتدر (٣).
٣٥٤ - عبد الرحمن بن هبة الله بن أبي نصر الحربي المقرئ الضرير، المعروف بابن دقيقة.
стр. 12725
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مائة، وسمع من عبد الله بن أحمد بن يوسف، وأبي البدر الكرخي. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي، وتوفي في ذي الحجة.
وقال ابن نقطة (١): سمعت منه كتاب المغازي لابن إسحاق.
٣٥٥ - عبد الوهاب ابن الأمين أبي منصور علي بن علي بن عبيد الله، الإمام المحدث العالم، مسند العراق وشيخها ضياء الدين، أبو أحمد البغدادي، الصوفي، الشافعي، الأمين، المعروف بابن سكينة، وسكينة هي جدته أم أبيه.
ولد في شعبان سنة تسع عشرة وخمس مائة، وسمع الكثير من أبيه، وأبي القاسم بن الحصين، وأبي غالب محمد بن الحسن الماوردي، وزاهر بن طاهر الشحامي، والقاضي أبي بكر الأنصاري، والزاهد محمد بن حمويه الجويني بإفادة ابن ناصر. ثم لازم أبا سعد ابن السمعاني لما قدم وسمع معه الكثير من أبي منصور بن زريق القزاز، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وابن توبة، وجده لأمه الشيخ أبي البركات إسماعيل بن أحمد، وهذه الطبقة. وقرأ القراءات على أبي محمد سبط الخياط، والحافظ أبي العلاء الهمذاني، وأبي الحسن علي بن أحمد بن محمويه. وقرأ مذهب الشافعي والخلاف على أبي منصور سعيد ابن الرزاز، وغيره. وقرأ العربية على أبي محمد ابن الخشاب، ولبس خرقة التصوف من جده أبي البركات وصحبه. وأخذ معرفة الحديث عن ابن ناصر، ولزمه، وقرأ عليه الكثير، وحفظ عنه الكثير من النكت والفوائد الغريبة، والمعاني الدقيقة. وطال عمره، ورحل إليه.
قال الحافظ ابن النجار (٢): ابن سكينة شيخ العراق في الحديث والزهد وحسن السمت، وموافقة السنة والسلف، عمر حتى حدث بجميع مروياته. وقصده الطلاب من البلاد. وكانت أوقاته محفوظة، فلا تمضي له ساعة إلا في تلاوة أو ذكر أو تهجد أو تسميع. وكان إذا قرئ عليه الحديث منع أن يقام له أو لغيره. وكان كثير الحج والمجاورة والطهارة، لا يخرج من بيته إلا لحضور
стр. 12726
جمعة أو عيد أو جنازة. ولا يحضر دور أبناء الدنيا ولا الرؤساء في هناء ولا في عزاء. وكان يديم الصيام غالبًا على كبر سنه، ويستعمل السنة في مدخله ومخرجه وملبسه وأموره، ويحب الصالحين، ويعظم العلماء، ويتواضع لجميع الناس. وكان دائمًا يقول: أسأل الله أن يميتنا مسلمين. وكان ظاهر الخشوع، غزير الدمعة، وكان يعتذر من البكاء، ويقول: قد كبرت سني، ورق عظمي، فلا أملك عبرتي، يقول ذلك خوفًا من الرياء. وكان الله قد ألبسه رداءً جميلًا من البهاء، وحسن الخلقة، وقبول الصورة ونور الطاعة وجلالة العبادة. وكانت له في القلوب منزلة عظيمة يحبه كل أحد، وإذا رآه ينتفع برؤيته قبل كلامه، فإذا تكلم، كان البهاء والنور على ألفاظه، ولا يشبع من مجالسته. ولقد طفت شرقًا وغربًا، ورأيت الأئمة والزهاد، فما رأيت أكمل منه، ولا أكثر عبادة، ولا أحسن سمتًا، صحبته قريبًا من عشرين سنة ليلًا ونهارًا، وتأدبت به وخدمته، وقرأت عليه القرآن بجميع رواياته، وسمعت منه أكثر مروياته. وكان ثقة حجة نبيلًا علمًا من أعلام الدين. سمع منه الحفاظ؛ علي بن أحمد الزيدي، والقاضي عمر بن علي، وأبو بكر الحازمي، وخلق، ورووا عنه وهو حي. وسمعت أبا محمد ابن الأخضر غير مرة يقول: لم يبق ممن طلب الحديث وعني به غير عبد الوهاب ابن سكينة. وسمعته يقول: كان شيخنا ابن ناصر يجلس في داره على سرير لطيف، فكل من حضر عنده يجلس تحت سريره كابن شافع والباقداري وأمثالهم، وما رأيته أجلس معه أحدًا على سريره إلا ابن سكينة.
قال ابن النجار: وأنبأنا القاضي يحيى بن القاسم مدرس النظامية في ذكر مشايخه: أبو أحمد ابن سكينة؛ كان عالمًا عاملًا، دائم التكرار لكتاب التنبيه في الفقه، كثير الاشتغال بالمهذب والوسيط في الفقه، لا يضيع شيئًا من وقته. وكنا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على سلام عليكم مسألة، لكثرة حرصه على المباحثة وتقرير الأحكام.
وقال الدبيثي (١): سمع بنفسه، وحصل المسموعات، وسمع أباه، وخلقًا كثيرًا، سمى منهم أبا البركات عمر بن إبراهيم العلوي، وأبا شجاع البسطامي.
стр. 12727
وحدث بمصر، والشام، والحجاز. وكان ثقة فهمًا، صحيح الأصول، ذا سكينة ووقار.
قلت: روى عنه الشيخ الموفق، وأبو موسى ابن الحافظ عبد الغني، وأبو عمر ابن الصلاح، وابن خليل، والضياء، وابن النجار، والدبيثي، ومحمد بن عبد الله بن غنيمة الإسكاف، ومحمد بن عسكر الطبيب، والعماد محمد بن شهاب الدين السهروردي، وأحمد بن هبة الله الساوجي البغدادي، وأحمد بن يحيى النجار، وبكر بن محمد القزويني، والحسن بن عبد الرحمن بن عمر الباذرائي، وسعد الله بن عبد الرحمن الطحان، وعامر بن مكي الضرير، وأبو الفتح عبد الله بن علي بن أبي الديني وأخوه عبد الرحمن، وعبد الله بن مقبل، والموفق عبد الغافر بن محمد القاشاني، وعبد الغني بن مكي المعدل، وعبد اللطيف بن سالم البعقوبي، وعثمان بن أبي بكر الغراد المقرئ، وعمر بن عبد العزيز بن دلف، ومكي بن عثمان ابن الهبري، ونوح بن علي الدوري، ويونس بن جعفر الأزجي، والنجيب عبد اللطيف الحراني، وابن عبد الدائم المقدسي، وعامتهم شيوخ شيخنا الدمياطي (١). وروى عنه بالإجازة الفخر علي بن البخاري، وأحمد بن شيبان، وجماعة آخرهم موتًا المسند المعمر كمال الدين عبد الرحمن بن عبد اللطيف ابن الرقام شيخ المستنصرية، عاش بعده تسعين سنة.
ورد ابن سكينة دمشق رسولًا وحدث بها في سنة خمس وثمانين وخمس مائة، فسمع منه التاج القرطبي وطبقته.
قال الإمام أبو شامة (٢): وفيها توفي ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة، وحضره أرباب الدولة، وكان يومًا مشهودًا. ثم قال: وكان من الأبدال.
قال ابن النجار وغيره: توفي في تاسع عشر ربيع الآخر، وكان يومًا مشهودًا.
٣٥٦ - علي بن أحمد بن سعيد، الإمام أبو الحسن ابن الدباس الواسطي المقرئ المعدل.
стр. 12728
قرأ بواسط القراءات الكثيرة على عبد الرحمن بن الحسين الدجاجي، وعلى المبارك بن أحمد بن زريق. وارتحل إلى همذان فقرأ القراءات على الحافظ أبي العلاء العطار. وارتحل إلى الموصل، فقرأ على يحيى بن سعدون القرطبي. ثم ذكر أنه قرأ على أبي الكرم الشهرزوري فأنكروا عليه.
وقد أقرأ بجامع واسط صدرًا به مع أبي بكر ابن الباقلاني، ثم استوطن بغداد، وأقرأ بها، وحدث عن أبي طالب ابن الكتاني بما لم نعرفه من روايته؛ قاله الدبيثي (١).
قال (٢): فسمع منه عبد العزيز بن هلالة ذلك، فلما تبين له ضرب على السماع منه.
قال (٣): وقال لي عبد العزيز بن عبد الملك الشيباني الدمشقي: وقفت على رقعة فيها خط مزور على خط أبي الكرم الشهرزوري بقراءة ابن الدباس عليه، وقد حدث عن علي بن نغوبا، ومحمد بن محمد بن أبي زنبقة، وأنشدنا أبياتًا.
قلت: آخر من روى عنه بالإجازة الكمال الفويره شيخ المستنصرية.
وقال ابن النجار (٤): ذكر أنه قرأ على أبي الكرم، وأبي الحسن بن محمويه، وعبد الوهاب الصابوني الخفاف، ويوسف بن المبارك. وقدم بغداد عند علو سنه، ورتب لإقراء الناس، فأكثروا عنه. وكان عالمًا بالقراءات وعللها، قيمًا بحفظ أسانيدها وطرقها، وله معرفة جيدة بالنحو. وكان متواضعًا حسن الأخلاق، كتبت عنه. وذكر لي محمد بن سعيد الحافظ (٥): أن أبا الحسن ابن الدباس حدث بكتاب الحجة لأبي علي الفارسي سماعًا عن أبي طالب ابن الكتاني بإجازته من أبي الفضل بن خيرون، وما علمنا له من ابن خيرون إجازة، ولم نشاهد ابن الدباس عند أبي طالب قط، ولا ذكر لنا أحد أنه رآه عنده، ولم يصح أنه قرأ على ابن الشهرزوري.
стр. 12729
قال ابن النجار: سألت ابن الدباس عن مولده، فقال: في سنة سبع وعشرين وخمس مائة، ودخلت بغداد سنة تسع وأربعين. وتوفي في السابع والعشرين من رجب.
٣٥٧ - علي بن أبي الأزهر البغدادي، المعروف بابن البتتي، بضم الباء الموحدة.
مقرئ فصيح، سريع القراءة إلى الغاية لا يكاد يجارى.
قال ابن الدبيثي (١): قرأ هذا على شيخنا أبي شجاع ابن المقرون في يوم واحد من طلوع الشمس إلى غروبها ثلاث ختم، وقرأ في الرابعة إلى سورة الطور (٢) بمشهد من جماعة من القراء وغيرهم، ولم يخف شيئًا من قراءته، وذلك في رجب سنة ثمان وخمسين وخمس مائة. وما سمعنا أن أحدًا قبله بلغ هذه الغاية. توفي في ثامن رمضان.
وقال ابن النجار: أبو الحسن علي بن عبد الله بن علي بن إبراهيم بن يحيى بن طاهر بن يوسف بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان القصار ابن البتتي، أحد القراء المجودين. سألته عن مولده، فقال: ولدت سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة. وأجاز لي. وسمع الحلية من يحيى بن عبد الباقي الغزال. وذكر لي أنه قرأ في يوم ثلاث ختمات والرابعة إلى الطور، إلى آخرها، بمجمع كبير من القراء، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنه لم يخل بالتشديدات والمدات وإفهام التلاوة على أبي شجاع ابن المقرون. وذكر أنه ختم في شهر رمضان اثنتين وستين ختمة. إلى أن قال: وكان حسن الأخلاق، متوددًا، محبًا لأهل العلم، متشيعًا غاليًا في التشيع.
٣٥٨ - عمر بن محمد بن معمر بن أحمد بن يحيى بن حسان، المسند الكبير رحلة الآفاق أبو حفص بن أبي بكر البغدادي الدارقزي المؤدب، المعروف بابن طبرزد، والطبرزد: هو السكر.
ولد في ذي الحجة سنة ست عشرة وخمس مائة، وسمع الكثير بإفادة أخيه المحدث أبي البقاء محمد، ثم بنفسه. وحصل الأصول، وحفظها إلى
стр. 12730
وقت الحاجة إليه، وكان أكثرها بخط أخيه. سمع من أبي القاسم بن الحصين، وأبي غالب ابن البناء، وأبي القاسم هبة الله الشروطي، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني، وأبي المواهب أحمد بن ملوك، وهبة الله ابن الطبر الحريري، وأبي بكر الأنصاري، وأبي منصور القزاز، وأبي منصور ابن خيرون، وعبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن، ومحمد وعمر ابني أحمد بن دحروج، وأبي غالب محمد بن أحمد بن قريش، وأحمد بن منصور الغزال، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبي الفضل محمد ابن المهتدي بالله، وأبي البدر إبراهيم بن محمد الكرخي، وأبي الفتح مفلح الدومي، والوزير علي بن طراد، وأبي الفتح الكروخي، وأبي سعد أحمد بن محمد الزوزني، وغيرهم.
روى عنه خلق لا يمكن حصرهم، منهم ابن النجار، والضياء، والزكي المنذري، والصدر البكري، وأخوه الشرف محمد، والكمال عمر بن أبي جرادة (١)، وأخوه محمد، ومحمد بن الحسن ابن الحافظ ابن عساكر، والجمال محمد بن محمد بن عمرون النحوي، والشهاب القوصي وأخوه عمر، والمجد محمد بن إسماعيل ابن عساكر، والجمال عبد الرحمن بن سلمان البغدادي الحنبلي، والموفق محمد بن عمر خطيب بيت الآبار، وأحمد بن هبة الله الكهفي، والتقي إسماعيل ابن أبي اليسر، والقطب أحمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، والفقيه أبو العباس أحمد بن نعمة بن أحمد المقدسي، والشمس إسحاق بن محمود بن بلكويه الكاتب نزيل مصر، والمؤيد أسعد بن المظفر ابن القلانسي، والبهاء حسن بن سالم بن صصرى التغلبي، وأبو الفرج طاهر ابن محمد الكحال، والجمال يحيى ابن الصيرفي، والشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر، وأبو الغنائم المسلم ابن علان، والكمال عبد الرحيم ابن عبد الملك، وأحمد بن شيبان، وغازي الحلاوي، وخديجة بنت ابن راجح، وصفية بنت مسعود بن شكر، وشامية بنت الصدر البكري، وزينت بنت مكي، وفاطمة بنت الملك المحسن، وفاطمة بنت العماد علي بن عساكر، وعبد الرحيم بن يوسف ابن خطيب المزة، والفخر علي بن أحمد ابن البخاري،
стр. 12731
وهو آخر من سمع منه. وآخر من روى عنه بالإجازة الكمال عبد الرحمن المكبر شيخ المستنصرية.
وقال ابن نقطة (١): سمع سنن أبي داود من أبي البدر الكرخي بعضها، وبعضها من مفلح الدومي بروايتهما، كما بين، عن أبي بكر الخطيب. وسمع كتاب الترمذي من أبي الفتح الكروخي. قال: هو مكثر صحيح السماع، ثقة في الحديث، توفي في تاسع رجب، ودفن بباب حرب.
وقرأت بخط عمر ابن الحاجب، قال: ورد - يعني ابن طبرزد - دمشق وحدث بها وازدحمت عليه الطلبة. تفرد بعدة مشايخ وأجزاء وكتب. وكان مسند أهل زمانه، وقال لي ابن الدبيثي (٢): كان سماعه صحيحًا على تخليط فيه. سافر إلى الشام، وحدث في طريقه بإربل والموصل، وحران، وحلب، ودمشق، وغيرها من القرى، وعاد إلى بغداد قبل وفاته وحدث بها. وجمعت له مشيخة عن ثلاثة وثمانين شيخًا، وحدث بها مرارًا، وأملى علينا مجالس بجامع المنصور، وعاش تسعين سنة وسبعة أشهر.
قلت: يشير ابن الدبيثي إلى أن أبا البقاء أخاه كان ضعيفًا وأكثر سماعه، فبقراءة أخيه أبي البقاء، فالله أعلم.
وقال الإمام أبو شامة (٣): وفيها توفي ابن طبرزد. وكان خليعًا ماجنًا. سافر بعد حنبل إلى الشام، وحصل له مال بسبب الحديث، وعاد حنبل إلى بغداد، فأقام يعمل تجارة بما حصل له. قال: فسلك ابن طبرزد طريق حنبل في استعمال كاغد وعتابي، فمرض مدة ومات، ورجع ما حصل له إلى بيت المال كحنبل.
سمعت شيخنا أبا العباس ابن الظاهري الحافظ يقول: كان ابن طبرزد يخل بالصلوات.
قلت: ورأيت بخط ابن طبرزد كتاب طبقات الحنابلة لأبي الحسين ابن الفراء. وهو آخر من روى عن ابن الحصين، وجماعة.
стр. 12732
وقال المنذري: حدث ابن طبرزد هو وأخوه معًا في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (١).
٣٥٩ - عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت (٢) بن عيسى، العلامة أبو موسى الجزولي اليزدكنتي (٣) البربري المراكشي المغربي النحوي.
حج ولزم العلامة أبا محمد عبد الله بن بري بمصر فأخذ عنه العربية واللغة. وسمع من أبي محمد بن عبيد الله صحيح البخاري. وصدر من رحلته فتصدر للإفادة بالمرية وبالجزائر، عمل ببجاية دهرًا. وأخذ العربية عنه جماعة.
وكان إمامًا لا يشق غباره في العربية ولا يجارى، مع جودة التفهيم وحسن العبارة، وإليه انتهت الرياسة في علم النحو؛ ولقد أتى في مقدمته بالعجائب التي لا يسبق إليها، فكلها حدود وإشارات، ولقد يكون الشخص يعرف المسألة من النحو معرفة جيدة، فإذا قرأها من الجزولية دار رأسه واشتغل فكره، واسم هذه المقدمة القانون اعتنى بها جماعة من أذكياء النحاة وشرحوها.
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان (٤): بلغني أنه كان إذا سئل عن هذه المقدمة: أمن تصنيفك هي؟ قال: لا. وكان رجلًا ورعًا، فيقال: إنها نتائج بحوثه على ابن بري كان يعلقها. ثم رجع إلى المغرب، واشتغل مدة بمدينة
стр. 12733
بجاية، ورأيت جماعة من أصحابه. وتوفي سنة عشر بمراكش.
وقال أبو عبد الله الأبار (١): له مجموع في العربية على الجمل كثير الفائدة، متداول يسمى بالقانون، وقد نسب إلى غيره، أخذ عنه جلة. وتوفي بآزمور من ناحية مراكش سنة سبع وستمائة؛ قاله أبو عبد الله ابن الضرير. قال الأبار: وقال غيره: سنة ست.
وولي خطابة مراكش، وكان إمامًا في القراءات أيضًا. ويللبخت جده رجل بربري، وهو ابن عيسى ابن يوماريلي. وجزولة: بطن من البربر، وجيمها ممزوجة بالكاف.
وقرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموقاني: إنه - أعني الجزولي - قرأ أصول الدين، وأنه قاسى بمدة مقامه بمصر كثيرًا من الفقر ولم يدخل مدرسة، وكان يخرج إلى الضياع يؤم بقوم، فيحصل ما ينفعه على غاية الضيق. ورجع إلى المغرب فقيرًا مدقعًا، فلما وصل إلى المرية أو نحوها رهن كتاب ابن السراج الذي قرأه على ابن بري وعليه خطه، فأنهى المرتهن أمره إلى الشيخ أبي العباس المريي، أحد الزهاد بالمغرب وكان يصاحب بني عبد المؤمن، فأنهى أبو العباس ذلك إلى السلطان، فأمر بإحضاره، وقدمه وأحسن إليه، وجعله أحد من يحضر مجلسه. وصنف كتابًا في شرح أصول ابن السراج، والمقدمة المشهورة، وقصد بها التحشية على الجمل.
قلت: وممن أخذ عنه أبو علي الشلوبيني، وزين الدين يحيى بن معطي.
وقال القفطي (٢): قرأ مذهب مالك وأصوله على ظافر المالكي بمصر، وبلغني أنه كان يتورع عن نسبة المقدمة إليه لكونها نتائج بحوثه وبحوث رفقائه على عبد الله بن بري. قال: وأخبرني صديقنا النحوي اللورقي - يعني علم الدين (٣) - أنه اجتاز بالجزولي، قال: فأتيته فخرج إلي في هيئة متأله، فسألته عن مسألة في التعجب من مقدمته وذلك في سنة إحدى وستمائة.
قال القفطي (٤): وقد شرح العلم هذا مقدمته وأجاد، وشرحها أبو علي
стр. 12734
الشلوبيني ولم يطل، وشرحها شاب من أهل جيان، ومتصدر بحلب، وأحسن في الإيجاز.
قلت: يعني به الشيخ جمال الدين ابن مالك.
٣٦٠ - قثم بن طلحة بن علي بن أبي الغنائم، الشريف نقيب النقباء أبو القاسم ابن النقيب أبي أحمد الهاشمي العباسي الزينبي.
كان صدرًا معظمًا، عالمًا بالنسب والتواريخ. سمع من أبي الفتح ابن البطي، وأحمد بن المقرب، وتوفي في سادس رجب ببغداد، وله سبع وخمسون سنة (١).
٣٦١ - محمد (٢) بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، الإمام القدوة الزاهد، أبو عمر المقدسي الجماعيلي، رحمة الله عليه.
قال ابن أخته الحافظ ضياء الدين: مولده في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة بجماعيل، شاهدته بخط والده. سمع الكثير بدمشق من والده، ومن أبي المكارم عبد الواحد بن هلال، وأبي تميم سلمان بن علي الرحبي، وأبي الفهم عبد الرحمن ابن أبي العجائز الأزدي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي، وخلق يطول ذكرهم. وبمصر من عبد الله بن بري النحوي، وإسماعيل بن قاسم الزيات، وغيرهما.
قلت: روى عنه أخوه الشيخ الموفق، وولداه الشرف عبد الله، والشمس عبد الرحمن، والضياء محمد، والزكي عبد العظيم، والشمس ابن خليل، والشهاب القوصي، والزين ابن عبد الدائم، والفخر علي، وآخرون.
قال الضياء: باب في اجتهاده: كان لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثًا إلا عمل به. وكان يصلي بالناس في نصف شعبان مائة ركعة وهو شيخ كبير، وكان أنشط الجماعة، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شبوبيته؛ سافرت معه إلى الغزاة فأراد بعضنا يسهر، ويحرسنا، فقال له الشيخ أبو عمر: نم. وقام هو يصلي. وكذا حدثني عنه أحمد
стр. 12735
ابن يونس المقدسي أنه قام في سفر يصلي ويحرسهم.
وسمعت (١) آسية بنت محمد، وهي التي كانت تلازمه في مرضه، تقول: إنه قلل الأكل قبل موته في مرضه حتى عاد كالعود. وقالت: مات وهو عاقد على أصابعه، يعني يسبح، وسمعتها تحدث عن زوجته أم عبد الرحمن، قالت: كان يقوم بالليل فإذا جاءه النوم عنده قضيب يضرب به رجله، فيذهب عنه النوم، وكان كثير الصيام سفرًا وحضرًا.
وحدثني ولده عبد الله: أنه في آخر عمره سرد الصوم، فلامه أهله، فقال: إنما أصوم أغتنم أيامي، لأني إن ضعفت، عجزت عن الصوم، وإن مت، انقطع عملي. وكان لا يكاد يسمع بجنازة إلا حضرها قريبة أو بعيدة، ولا مريضًا إلا عاده، لا يكاد يسمع بجهاد إلا خرج فيه. وكان يقرأ في كل ليلة سبعًا من القرآن مرتلًا في الصلاة، ويقرأ في النهار سبعا بين الظهر والعصر، وإذا صلى الفجر وفرغ من الدعاء والتسبيح قرأ آيات الحرس وياسين والواقعة وتبارك، وكان قد كتب في ذلك كراسة وهي معلقة في المحراب، ربما قرأ فيها خوفًا من النعاس، ثم يقرئ ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يصلي الضحى صلاة طويلة.
وسمعت ولده أبا محمد عبد الله يقول: كان يسجد سجدتين طويلتين: إحداهما في الليل والأخرى في النهار يطيل فيهما السجود، ويصلى بعد أذان الظهر قبل سنتها في كل يوم ركعتين يقرأ في الأولى أول المؤمنين، وفي الثاني آخر الفرقان من عقيب سجدتها، وكان يصلي بين المغرب والعشاء أربع ركعات يقرأ فيهن السجدة وياسين وتبارك والدخان، ويصلي كل ليلة جمعة بين العشاءين صلاة التسبيح ويطيلها، ويصلي يوم الجمعة ركعتين بمائة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وحكى ولده عن أهله: أنه كان يصلي في كل يوم وليلة اثنتين وسبعين ركعة نافلة.
ثم أورد عنه أورادًا كثيرة من الأذكار.
قال الضياء: وكان يزور المقابر كل جمعة بعد العصر، ولا يكاد يأتي إلا ومعه شيء من الشيح في مئزره أو شيء من نبات الأرض، وكان يقرأ كل ليلة
стр. 12736
بعد عشاء الآخرة آيات الحرس لا يكاد يتركها. وسمعت أنه كان إذا دخل منزله قرأ آية الكرسي وعوذ بكلمات، وأشار بيده إلى ما حوله من الدور والجبل يحوطها بذلك، ولا ينام إلا على وضوء، وإن أحدث توضأ، وإذا أوى إلى فراشه قرأ الحمد وآية الكرسي والواقعة وتبارك و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وربما قرأ ياسين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبر أربعًا وثلاثين، ويقول: اللهم أسلمت نفسي إليك … الحديث، وغير ذلك، وكان يقول بين سنة الفجر والفرض أربعين مرة: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت.
وسمعت آسية بنت محمد ابنة بنته تقول: كان سيدي لا يترك الغسل يوم الجمعة ولا يكاد يومئذ يخرج إلا ومعه شيء يتصدق به، رحمه الله تعالى.
سمعت خالي الإمام موفق الدين يقول: لما قدمنا من أرض بيت المقدس كنا نتردد مع أخي نسمع درس القاضي ابن عصرون في الخلاف ثم إننا انقطعنا، فلقي القاضي لأخي يومًا، فقال: لم انقطعت عن الاشتغال؟ فقال له أخي: قالوا: إنك أشعري. فقال: ما أنا أشعري، ولكن لو اشتغلت علي سنة ما كان أحد يكون مثلك، أو قال: كنت تصير إمامًا.
قال الضياء: وكان ﵀ يحفظ الخرقي ويكتبه من حفظه. وكان قد جمع الله له معرفة الفقه والفرائض والنحو، مع الزهد والعمل وقضاء حوائج الناس. وكان يحمل هم الأهل والأصحاب، ومن سافر منهم يتفقد أهاليهم، ويدعو للمسافرين، ويقوم بمصالح الناس، وكان الناس يأتون إليه في الخصومات والقضايا، فيصلح بينهم، ويتفقد الأشياء النافعة كالنهر، والمصانع والسقاية، وكانت له هيبة في القلوب. وسألت عنه الإمام موفق الدين، فقال فيه: أخي وشيخنا ربانا وعلمنا وحرص علينا، وكان للجماعة كوالدهم يحرص عليهم، ويقوم بمصالحهم، ومن غاب عن أهله قام هو بهم، وهو الذي هاجر بنا، وهو الذي سفرنا إلى بغداد، وهو الذي كان يقوم في بناء الدير، وحين رجعنا من بغداد، زوجنا، وبنى لنا دورنا الخارجة عن الدير. وكان مسارعًا إلى الخروج في الغزوات قل ما يتخلف عن غزاة. سمعت ولده أبا محمد عبد الله يقول: إن الشيخ جاءته امرأة، فشكت إليه أن أخاها حبس، وأوذي، فسقط مغشيًا عليه. ولما جرى للحافظ عبد الغني مع أهل البدع وفعلوا ما فعلوا، جاءه
стр. 12737
الخبر، فخر مغشيا عليه، فلم يفق إلا بعد ساعة، وذلك لرقة قلبه وشدة اهتمامه بالدين وأهله. وسمعت ولده يقول: إنه كان يؤثر بما عنده لأقاربه وغيرهم، وكان كثيرًا ما يتصدق ببعض ثيابه، ويبقى معوزًا ويكون بجبة في الشتاء بغير ثوب من تحتها يتصدق بالتحتاني، وكثيرا من وقته بلا سراويل. وكانت عمامته قطعة بطانة، فإذا احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير قطع منها له، ويلبس الخشن، وينام على الحصير، وربما تصدق بالشيء وأهله محتاجون إليه أكثر ممن أخذه.
قال الضياء: وكان ثوبه إلى نصف ساقه وكمه إلى رسغه، سمعت والدتي تقول: مكثنا زمانا لا يأكل أهل الدير إلا من بيت أخي؛ تطبخ عمتك ويأكل الرجال جميعًا والنساء جميعًا.
قال: وكان إذا جاء شيء إلى بيته، فرقوه على الخاص والعام، وسمعت محمود بن همام الفقيه يقول: سمعت أبا عمر يقول: الناس يقولون: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه الحمام. وأنا أقول: لا علم إلا ما دخل مع صاحبه القبر. ومن كلامه: إذا لم تتصدقوا لم يتصدق أحد عنكم، والسائل إن لم تعطوه أنتم أعطاه غيركم. وكان يحب اللبن إذا صفي بخرقة، فعمل له مرة فلم يأكله، فقالوا له في ذلك، فقال: لحبي إياه تركته. ولم يذقه بعد ذلك.
سمعت أبا العباس أحمد بن يونس بن حسن، قال: كنا نزولًا على بيت المقدس مع الشيخ أبي عمر وقت حصار المسلمين لها مع صلاح الدين، وكان لنا خيمة، وكان الشيخ أبو عمر قد مضى إلى موضع، وجعل يصلي فيها في يوم حار. فجاء الملك العادل فنزل في خيمتنا، وسأل عن الشيخ، فمضينا إلى الشيخ وعرفناه، فقال: أيش أعمل به؟! ولم يجئ إليه فمضى إليه عمر بن أبي بكر وألح عليه، فما جاء، وأطال العادل القعود، قال: فرجعت إلى الشيخ، فقال: أنزل له شيئًا، قال: فوضعت له ولأصحابه أقراصًا كانت معنا فأكلوا وقعدوا زمانًا ولم يترك الشيخ صلاته، ولا جاء.
سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر يقول: ما رأيت أحدًا قط ليس عنده تكلف غير الشيخ أبي عمر.
سمعت شيخنا أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد، قال: سمعت أخي
стр. 12738
الحافظ يقول: نحن إذا جاء إنسان اشتغلنا به عن عملنا، وأما خالي أبو عمر فيه للدنيا وللآخرة يخالط الناس وهو في أوراده لا يخليها.
سمعت أبا أحمد عبد الهادي بن يوسف يقول: كان الشيخ أبو عمر يقرأ بعض الليالي فربما غشي على بعض الناس من قراءته.
وأما خطبه، فكان إذا خطب ترق القلوب، ويبكي بعض الناس بكاءً كثيرًا، وكان ربما أنشأ الخطبة وخطب بها. وكان يسمعنا ويقرأ لنا قراءة سريعة من غير لحن. ولا يكاد أحد يقدم من رحلة إلا قرأ عليه شيئًا من مسموعاته.
وكتب الكثير بخطه المليح من المصاحف والكتب مثل الحلية لأبي نعيم، والإبانة لابن بطة، وتفسير البغوي، والمغني لأخيه (١). وسمعته يقول: ربما كتبت في اليوم كراسين بالقطع الكبير. وكان يكتب لأهله المصاحف وللناس الخرقي بغير أجر.
وقد سمعت أن الناس كانوا يأتون إليه يقولون: اكتب لنا إلى فلان الأمير. فيقول: لا أعرفه. فيقال: إنما نريد بركة رقعتك. فيكتب لهم فتقبل رقعته. وكان يكتب كثيرًا إلى المعتمد الوالي وإلى غيره، فقال له المعتمد: إنك تكتب إلينا في قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهي أن لا نرد رقعتك. فقال: أما أنا، فقد قضيت حاجتي، إني قضيت حاجة من قصدني، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا رقعتي وإلا فلا، فقال له: لا نردها، أو كما قال.
وكان الناس قد احتاجوا إلى المطر، فطلع إلى مغارة الدم ومعه جماعة من محارمه النساء، فصلى بهن، ودعا في المطر حينئذ، وجرت الأدوية شيئًا لم نره من مدة.
وسمعت أبا عبد الله بن راجح يقول: كان لنور الدين أخ استعان بالفرنج على أخيه، ونور الدين مريض، فجاء الفرنج، فخرجنا مع الشيخ أبي عمر إلى مغارة الدم وقرأنا عشرة آلاف مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ودعونا، فجاء مطر عظيم على الفرنج أشغلهم بنفوسهم وردوا.
سمعت عبد الله بن أبي عمر، حدثني ابن الصوري، صديق والدي، قال: جئنا يومًا إلى والدك ونحن جياع وكنا ثلاثة، فأخرج لنا سكرجة فيها لبن،
стр. 12739
وسكرجة فيها عسل وكسيرات، فأكلنا وشبعنا، فنظرت إليه كأنه لم ينقص.
قلت لخالي أبي عمر: أشتهي أن تهبني جزءًا بخطك من الأجزاء التي سمعناها على أبي الفرج الثقفي، فأرسل الأجزاء إلي، وقال لي: خذ لك منها جزءًا، واترك الباقي عندك، فأخذت جزءًا ورددتها، فبعد موته سألت عنها فما وجدت بقي منها إلا جزء أو جزءان، فندمت إذ لم أسمع منه.
سمعت الإمام محمد بن عمر بن أبي بكر يقول: دعاني الشيخ أبو عمر ليلة، وكنت أخاف من ضرر الأكل، فابتدأني وقال: إذا قرأ الإنسان قبل الأكل ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ و ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ثم أكل فإنه لا يضره.
وسمعت الإمام أبا بكر بن أحمد بن عمر البغدادي، قال: جاء الشيخ أبو عمر فقال: تمضي معي إلى كفربطنا، وكنت مشتغلًا بقراءة القرآن فقلت في نفسي: أمشي معه، فأشتغل عن القراءة بالحديث في الطريق، فلما خرجنا من البلد، قال: تعال أنا وأنت نقرأ حتى لا نشغلك عن القراءة.
سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن النحاس يقول: كان والدي يحب الشيخ أبا عمر، فقال لي يوم جمعة: أنا أصلي الجمعة خلف الشيخ، ومذهبي أن بسم الله الرحمن الرحيم من الفاتحة، ومذهبه أنها ليست من الفاتحة، وأخاف أن يكون في صلاتي نقص، فقلت له: اليوم قد ضاق الوقت، قال: فبعد هذا مضينا إلى المسجد فوجدناه، فسلم على والدي وعانقه ثم قال: يا أخي صل وأنت طيب القلب فإنني ما تركت بسم الله الرحمن الرحيم في فريضة ولا نافلة مذ أممت بالناس. فالتفت إلي والدي، وقال: احفظ.
سمعت أبا غالب مظفر بن أسعد ابن القلانسي، قال: كان والدي يرسل إلى الشيخ أبي عمر شيئًا كل سنة، فأرسل إليه مرة دينارين فردهما، قال: فضاق صدري، ثم فكرت، فوجدتها من جهة غير طيبة، قال: فبعث إليه غيرهما من جهة غير طيبة، فقبلهما أو كما قال.
حدثني أبو محمد عبد الله بن أبي عمر، قال: حكت زوجته - يعني أم عبد الرحمن آمنة بنت أبي موسى - أنها لم تحمل بولد قط إلا علمت من كلامه وحاله ما حملها من ذكر أو أنثى، فمرة أتاه رجل بغنيمة هدية، فقال: هذه
стр. 12740
نتركها حتى تلدي ونشتري أخرى ونذبحها عقيقة. قالت: ويجيء لنا ابن؟ فضحك، فولد له بعد أيام ابنه سليمان. وفي مرة أخرى حملت، فقال: كان اسم أبي أحمد ففي هذه النوبة أسمي ابنه أحمد، فولدت له ابنه أحمد. ومرة أخرى حملت ورآها وهي تخاصم بنتها، فقال: هذا حالك وهي واحدة، فكيف إذا صارت اثنتين؟ فولدت بنتًا. وأمثال ذلك.
وسمعت أحمد بن عبد الملك بن عثمان، قال: جاء أبو رضوان وآخر إلى الشيخ أبي عمر، فقالا له: إن قراجًا قد أخذ فلانًا وحبسه، فادع عليه، فباتا عند الشيخ، فلما كان الغد، قال: قضيت حاجتكم، فلما كان بعد ساعة إذا جنازة قراجا عابرة.
سمعت أبا محمد عبد الرزاق بن هبة الله بن كتائب، قال: سمعت رجلًا صالحًا يقول: أقام الشيخ أبو عمر قطبًا ست سنين. ثم ذكر الضياء حكايتين في أن أبا عمر صار القطب في أواخر عمره، وقال: سمعت أبا بكر بن أحمد بن عمر المقرئ يقول: إنه رأى رجلًا من اليمن بمكة، فذكر أنهم يستسقون بالشيخ أبي عمر وأنه من السبعة، أو كما قال.
سمعت الزاهد أحمد بن سلامة النجار، قال: حدثنا الفقيه عبد الرزاق ابن أبي الفهم: أن رجلًا مغربيًا جاء إلى دمشق، فسأل عن جبل قاسيون، فدل عليه، فجاء إلى الشيخ أبي عمر، فقال: ما قدمت من الغرب إلا لزيارتك وأنا عائد إلى الغرب، فقيل له: أيش السبب؟ فامتنع فألحوا عليه، فقال: كان لي شيخ بالمغرب لا يخرج إلا لصلاة ثم يعود إلى البيت، فسألت عنه بعض الليالي فقيل: ليس هو هنا، فلما أصبحت، قلت: أين كنت البارحة، قال: إن الشيخ محمدًا بجبل قاسيون أعطي القطابة، فمشينا إلى تهنئته البارحة. أو ما هذا معناه.
ثم ذكر الضياء حكايتين أيضًا في أنه قطب، ثم قال: فحكيت لأبي محمد عبد الله بن أبي عمر شيئًا من هذا، فقال: جاء إلى والدي جماعة من المشايخ فاستأذنوا عليه، وسلموا عليه، ثم خرجوا، ثم جماعة آخرون، ووصف كثرة من جاء إليه في ذلك اليوم، فقلت له: تعرفهم؟ فقال: لا، وأنا أتفكر إلى اليوم في كثرتهم، يعني فكأنه أشار إلى أنه قطب ذلك الوقت. كان أبو عمر - رحمه
стр. 12741
الله - لا يكاد يسمع بشيء لا يجوز قد عمل إلا اجتهد في تغييره، وإن كان بعض الملوك قد فعله، كتب إليه؛ حتى سمعنا عن بعض ملوك الشام قال: هذا الشيخ شريكي في ملكي، أو كما قال. وكان له هيبة حتى إن كان أحدنا ليشتهي أن يسأله عن شيء فما يجسر أن يسأله، وإذا دخل المسجد، سكتوا وخفضوا أصواتهم، وإذا عبر في طريق والصبيان يلعبون هربوا، وإذا أمر بشيء لا يجسر أحد أن يخالفه. وسمعت خالي موفق الدين بعد موته يقول: كان أخي يكفينا أشياء كثيرة ما نقوى لما يفعل. وكان الله قد وضع للشيخ المحبة في قلوب الخلق. وكان ليس بالطويل ولا بالقصير، أزرق العينين وليس بالكثير، يميل إلى الشقرة، عالي الجبهة، حسن الثغر، صبيح الوجه، كث اللحية، نحيف الجسم، أول زوجاته عمتي فاطمة، وكانت أسن منه كبرت وأقعدت وماتت قبله بأعوام، وولدت له عمر، وخديجة، وآمنة، وأولادًا غيرهم ماتوا صغارًا. وتزوج عليها طاووس، امرأة من بيت المقدس، وولدت ابنتين، فماتت هي وبناتها في حياته. ثم تزوج فاطمة الدمشقية فولدت له عبد الله، وزينب، وماتت قبل أم عمر. ثم تزوج آمنة بنت أبي موسى فولدت له جماعة كبر منهم أحمد، وعبد الرحمن، وعائشة، وحبيبة، وخديجة الصغرى.
ومن شعره:
ألم يك منهاة عن الزهو أنني … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم
ألم بي الخطب الذي لو بكيته … حياتي حتى ينفذ الدمع لم ألم
وله مرثية في ابنه عمر. وله هذه الأرجوزة، وهي طويلة فمنها:
إني أقول فاسمعوا بياني … يا معشر الأصحاب والإخوان
أوصيكم بالعدل والإحسان … والبر والتقوى مع الإيمان
فاستمسكوا بطاعة الرحمن … واجتنبوا الرجس من الأوثان
سمعت آسية بنت محمد بن خلف تقول: لما كان اليوم الذي توفي فيه سيدي؛ وصانا فيه، واستقبل القبلة وقال: اقرؤوا " ياسين "، وكان يقول: " ﴿إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ " اللهم ثبتكم على الكتاب والسنة.
وسمعت أهلنا يقولون: إن الماء الذي كان يخرج من تغسيله من السدر
стр. 12742
وغيره نشفه الناس في خرقهم ومقانعهم.
وسمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر غير مرة يقول: حزرت من حضر جنازة الشيخ أبي عمر عشرين ألفًا.
وسمعت محمد بن طرخان بن أبي الحسن الدمشقي ومسعود بن أبي بكر المقدسي، أن عبد الولي بن محمد حدثهم: أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ أبي عمر سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى ﴿بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ قال: فقلت: لا ذلول يعني غلط، قال: فرد علي الشيخ أبو عمر من القبر، قال: فخفت وفزعت وارتعدت وقمت. وهذا لفظ حكاية محمد بن طرخان عن ولده عبد الولي. قال والده: وبقي بعد ذلك أيامًا ثم مات. وهذه الحكاية مشتهرة.
سمعت علي بن ملاعب العراقي المؤدب، قال: قرأت سورة الكهف عند قبر الشيخ أبي عمر، فسمعته من القبر يقول: لا إله إلا الله.
ثم ذكر الشيخ الضياء بابًا في زيارة قبره، فذكر في ذلك ثلاثة منامات، ثم ذكر منامات رئيت له بعد موته، ثم ذكر قصيدة ابن سعد يرثيه بها وهي أربعة وثلاثون بيتًا، ثم أخرى له اثنا عشر بيتًا، ثم قصيدة لأبي الفضل أحمد بن أسعد بن أحمد المزدقاني ستة وثلاثون بيتًا. وقال: توفي عشية الاثنين من الثامن والعشرين من ربيع الأول (١).
وقال أبو المظفر الواعظ (٢): حدثني الزاهد أبو عمر، قال: هاجرنا من بلادنا، ونزلنا بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا به مدة ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: الصالحية الصالحية! ينسبونا إلى مسجد أبي صالح لا أننا صالحون، ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني (٣) وأماكن يسيرة.
стр. 12743
قال أبو المظفر (١): كان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسمًا، نحيل الجسم من كثرة الصلاة والصيام. صليت الجمعة في سنة ست والشيخ عبد الله اليونيني إلى جانبي فلما كان في آخر الخطبة والشيخ أبو عمر يخطب نهض الشيخ عبد الله مسرعًا وصعد إلى مغارة توبة (٢)، وكان نازلًا بها، فظننت أنه احتاج إلى وضوء أو آلمه شيء، فصليت وطلعت وراءه وقلت له: خير ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة؛ يقول على المنبر الملك العادل وهو ظالم فما يصدق. قلت: إذا كانت الصلاة خلفه لا تصح فخلف من تصح؟ فبينا نحن في الحديث إذ دخل الشيخ وسلم وحل مئزره وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله الصلاة، ثم قال ابتداءً: قد روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى (٣). فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم وأكل وقام الشيخ أبو عمر فنزل، فقال لي الشيخ عبد الله: ما ذا إلا رجل صالح.
قال أبو المظفر (٤): وأصابني قولنج فدخل علي أبو عمر وبيده خروب (٥) مدقوق فقال: استف (٦) هذا، وعندي جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضره، فما التفت إلى قولهم، وأكلته، فبرأت في الحال. وقلت له يومًا - وما كان يرد أحدًا في شفاعة - وقد كتب رقعة إلى الملك المعظم: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله؟ فتبسم ورمى إلي الورقة، وقال: تأملها، وإذا قد كتب المعظم وكسر الظاء، فعجبت من ورعه.
قلت (٧): وفي هذا ومثله إنما يلحظ العلمية لا الصفة مثل: علي، ورافع، والحكم، مع أن النبي ﷺ لم يرخص في التسمية لما قل استعماله في
стр. 12744
العلمية إذا لمح فيه النعت مثل: برة، أما إذا شاع استعماله وغلب، فلا يسبق إلى الذهن إلا العلمية.
وقال الإمام أبو شامة (١): أول ما زرت قبره - يعني أبا عمر - وجدت بتوفيق الله رقة عظيمة وبكاء، وكان معي رفيق فوجد مثل ذلك. قال: وأخبرني بعض الثقات أنه رأى الإمام الشافعي في المنام فسأله: إلى أين تمضي؟ قال: أزور أحمد بن حنبل، قال: فاتبعته أنظر ما يصنع، فدخل دارًا فسألت: لمن هي؟ فقيل: للشيخ أبي عمر، ﵀.
قلت: وله آثار حميدة، منها مدرسته بالجبل وهي وقف على القرآن والفقه، وقد حفظ فيها القرآن أمم لا يحصيهم إلا الله.
ومن أولاده: الخطيب الإمام شرف الدين عبد الله خطب بالجامع المظفري مدة طويلة، وهو والد الإمامين؛ العلامة الزاهد العابد العز إبراهيم بن عبد الله، وفي أولاده علماء وصلحاء، وقاضي القضاة شرف الدين حسن بن عبد الله.
ومن أحفاده: الجمال أبو حمزة أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر وهو جد شيخنا شيخ الجبل، وقاضي القضاة ومسند الشام تقي الدين سليمان بن حمزة. وآخر من مات من أولاد الشيخ ﵀ ولده الإمام العلامة شيخ الإسلام شمس الدين أبو الفرج، ﵃ أجمعين وأثابهم الجنة.
٣٦٢ - محمد بن عبد الله بن سليمان بن حوط الله، أبو القاسم الأنصاري.
سمع أباه (٢) ومات شابًا.
٣٦٣ - محمد بن هبة الله بن كامل، أبو الفرج البغدادي الوكيل عند القضاة.
وكان ماهرًا في الحكومات، له القبول والشهرة، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة، وأجاز له أبو القاسم بن الحصين. وسمع من أبيه، وأبي غالب
стр. 12745
أحمد بن البناء، وأبي القاسم هبة الله بن عبد الله الشروطي، وأبي منصور بن خيرون، وبدر بن عبد الله الشيحي.
وعمر، وروى الكثير؛ روى عنه أبو عبد الله الدبيثي (١)، والضياء الحنبلي، والتقي اليلداني، والعز عبد العزيز ابن الصيقل، وآخرون. وأجاز للفخر علي، ولأحمد بن شيبان، وللكمال عبد الرحمن المكبر، وتوفي في خامس رجب.
٣٦٤ - محمد بن هبة الله بن حسين، أبو منصور التميمي الكوفي.
سمع أبا الحسن بن غبرة، وأحمد بن ناقة، ومات في خامس صفر (٢).
٣٦٥ - المبارك بن أنوشتكين، أبو القاسم النجمي البغدادي العدل.
سمع أبا المظفر محمد ابن التريكي، وأبا محمد ابن المادح. وأخذ العربية عن أبي محمد ابن الخشاب، وأبي الحسن ابن العصار، وكان أديبًا فاضلًا حسن الطريقة.
توفي في صفر (٣).
٣٦٦ - المبارك بن صدقة بن حسين، أبو بكر ابن الباخرزي المقرئ البغدادي.
قرأ القراءات على أبي المعالي ابن السمين. وسمع من أبي الفضل الأرموي، وأبي الفتح الكروخي. روى عنه الدبيثي، والضياء، وغيرهما.
وباخرز: اسم لناحية من أعمال نيسابور.
توفي في جمادى الآخرة.
كان حيسوبًا (٤).
٣٦٧ - محمود بن محمد بن الحسن بن عبد الباقي، أبو الفضل البغدادي الكواز (٥).
شيخ صالح. روى عن ابن ناصر، وغيره. روى عنه بعضهم، قال: