← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

وأربعين حديثًا في الفقر وفضله، وأربعين في الحب في الله تعالى، وأربعين في الصلاة على النبي ﷺ ، وتصانيف أخر. ولد في حدود الأربعين وخمسمائة، وتوفي في جمادى الأولى. ٥٤١ - محمد بن فارس بن حمزة المغربي الأصل، المحلي الشاعر أبو عبد الله. له شعر جيد. ولقبه رضي الدين. وخدم في الدواوين. روى عنه قصائد من شعره الشهاب القوصي. ٥٤٢ - محمد بن محمد بن سليمان بن عبد العزيز، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي البلنسي النحوي، المعروف بابن أبي البقاء وهو خاله. سمع من أبي العطاء بن نذير، وأبي بكر بن أبي جمرة، وجماعة من شيوخ الأبار كابن نوح الغافقي، وغيره، وأجاز له أبو محمد ابن الفرس، وأبو ذر الخشني النحوي. قال الأبار (١): وروى بالإجازة العامة عن أبي مروان بن قزمان، وأبي طاهر السلفي لإجازته لأهل الأندلس. وكان شديد العناية بالسماع والرواية مع الحظ الوافر من المعرفة، وكان يتحقق بعلم العربية، عاكفًا على إقرائها، مليح الخط. سمعت منه، وأجاز لي. وكان شاعرًا مجودًا. توفي في ربيع الأول كهلًا. ٥٤٣ - محمد بن مكي بن أبي الرجاء، أبو عبد الله الأصبهاني الحنبلي الحافظ. أحد من عني بهذا الشأن وطلبه، وأكثر منه. سمع مسعود بن الحسن الثقفي، وأبا الخير الباغبان، وأبا عبد الله الرستمي، ومحمود بن عبد الكريم فورجة، وطبقتهم. روى عنه الزكي البرزالي، والضياء المقدسي، وجماعة من الرحالين. وأجاز للفخر علي، وللكمال عبد الرحيم، ولأحمد بن شيبان، وللبرهان إبراهيم ابن الدرجي، وغيرهم. وتوفي في المحرم (٢).

стр. 12812

٥٤٤ - محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي السلطان الملك الناصر أبو عبد الله القيسي المغربي الملقب بأمير المؤمنين. وأمه أمة رومية اسمها زهر. بويع بعهد أبيه إليه عند وفاته، وكان قد جعله ولي عهده، وله عشر سنين في سنة ست وثمانين، وبويع بالأمر في صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وكان أبيض أشقر أشهل، أسيل الخدين، حسن القامة، كثير الإطراق، طويل الصمت، بعيد الغور، بلسانه لثغة. وكان شجاعًا، حليمًا، فيه بخل بالمال، وعفة عن الدماء، وقلة خوض فيما لا يعنيه. وله من الأولاد يوسف ولي عهده، ويحيى وتوفي في حياته، وإسحاق. استوزر أبا زيد عبد الرحمن بن يوجان وزير أبيه، ثم عزله واستوزر أخاه إبراهيم ابن السلطان يعقوب، وهو كان أولى بالملك منه. قال عبد الواحد بن علي المراكشي (١): وكان إبراهيم لي محبًا، وصل إلي منه أموال وخلع جمة أيام نيابته على إشبيلية، ولي فيه هذه: لكم على هذا الورى التقديم … وعليهم التفويض والتسليم الله أعلاكم وأعلى أمره … بكم وأنف الحاسدين رغيم أحييتم المنصور فهو كأنه … لم تفتقده معالم ورسوم ومنابر ومحارب ومحابر … وحمى يحاط وأرمل ويتيم وبلغني موت (٢) إبراهيم في سنة سبع عشرة وستمائة. قال (٣): وكان لأبي عبد الله من كتاب الإنشاء: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش، وأبو الحسن علي بن عياش بن عبد الملك بن عياش، وأبو عبد الله بن يخلفتن الفازازي. وولي له القضاء أبو القاسم أحمد بن بقي، ثم عزله بأبي عبد الله بن مروان، ثم ولي القضاء محمد بن عبد الله بن طاهر الواعظ الصوفي، الأصولي الذي يذكر أنه علوي، وكان قد اتصل بوالده فحظي

стр. 12813

عنده، وسمعته مرة يقول: جملة ما وصل إلي من أمير المؤمنين المنصور أبي يوسف تسعة عشر ألف دينار سوى الخلع والمراكب والإقطاع، ومات على القضاء سنة ثمان وستمائة. ثم ولي بعده القضاء أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران الذي كان أبوه قاضيًا لأبي يعقوب موسى بن عبد المؤمن. وكان الذي قام ببيعة محمد أبو زيد عبد الرحمن بن عمر بن عبد المؤمن الوزير، وعبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر. ثم أخذ أولًا في تجهيز الجيوش إلى إفريقية؛ لأن يحيى بن إسحاق بن غانية كان قد استولى على أكثر بلادها، واستعمل عليهم أبا الحسن علي بن عمر بن عبد المؤمن، فسار فالتقى هو وابن غانية بين بجاية وقسطنطينية (١)، فانهزم الموحدون، ورجع علي في حالة سيئة، فانتدب أبو عبد الله للحرب الوزير أبا زيد المذكور، فسار حتى بلغ قسطنطينية، ثم استعمله على إفريقية، ولما بلغه أن ابن غانية استولى على مدينة فاس، تجهز في جيوشه، وسار إلى فاس، وأراد أن يبعث مراكب إلى ميورقة يستأصل شأفة بني غانية، واستعمل على الأسطول عمه أبا العلاء إدريس بن يوسف، وأبا سعيد عثمان بن أبي حفص، فسارا، وافتتحاها عنوة، وقتلا أميرها عبد الله بن إسحاق بن غانية؛ قتله المقدم عمر الكردي. قيل: إنه لما نازلوه خرج على باب ميورقة وهو سكران فقتل، وذلك في سنة تسع وتسعين وانتهبوا أمواله، وسبوا حريمه، وقدموا بهم مراكش. قال (٢): وقد كان قبل هذا أقام بالسوس رجل من جزولة اسمه يحيى بن عبد الرحمن ابن الجزارة، فاجتمع عليه خلائق، فسارت إليه عساكر الموحدين فهزمهم غير مرة، ثم إنه قتل بعد أن كاد أن يملك ويظهر وكان يلقب بأبي قصبة. وفي سنة إحدى وستمائة قصد السلطان أبو عبد الله بلاد إفريقية، وقد كان ابن غانية استولى عليها خلا بجاية وقسطنطينية، فأقام أبو عبد الله على المهدية أربعة أشهر يحاصرها وبها ابن عم ابن غانية، فلما طال عليه الحصار سلم البلد، وفر إلى ابن عمه ثم رأى الرجوع إلى الموحدين، فتلقوه أحسن

стр. 12814

ملتقى، وقدموا له تحفًا سنية، ثم سار إليهم سير أخو ابن غانية فأكرموه أيضًا. قال (١): وبلغني أن جملة ما أنفقه أبو عبد الله في هذه السفرة مائة وعشرون حمل ذهب. ورجع إلى مراكش في سنة أربع وستمائة، وبقي بها إلى سنة سبع، ففرغ ما بينه وبين الإذفنش ملك الفرنجة من المهادنة، فسار وعبر إلى إشبيلية، ثم تحرك في أول سنة ثمان وقصد بلاد الروم - لعنهم الله - فنزل على قلعة لهم، فافتتحها بعد حصار طويل ورجع، فدخل الإذفنش إلى قاصية الروم يستنفر الفرنج حتى اجتمعت له جموع عظيمة من الأندلس ومن الشام حتى بلغ نفيره إلى القسطنطينية، وجاء معه البرشنوني صاحب بلاد أرغن، فبلغ أمير المؤمنين محمد، فاستنفر الناس في أول سنة تسع، فالتقوا بموضع يعرف بالعقاب، فحمل الإذفنش على المسلمين وهم على غير أهبة. فانهزموا وقتل من الموحدين خلق كثير. وأكبر أسباب الهزيمة اختلاف نيات الموحدين وغضبهم على تأخير أعطياتهم؛ فبلغني عن جماعة منهم أنهم لم يسلوا سيفًا، ولا شرعوا رمحًا، بل انهزموا، وثبت أبو عبد الله ثباتًا كليًا، ولولا ثباته، لاستؤصلت تلك الجموع قتلًا وأسرًا، وذلك في صفر. ورجع الملاعين بغنائم عظيمة، وافتتحوا في طريقهم بياسة عنوةً، فقتلوا وسبوا، فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة. ونقل أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه: أن الناصر أبا عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف القيسي الكومي صاحب المغرب توفي في هذه السنة، سنة عشر. قال: والمغاربة يقولون: إنه كان قد أوصى عبيده وحرسه أن من ظهر لكم بالليل، فهو مباح الدم، ثم أنه أراد أن يختبر قدر أمره لهم، فسكر، وجعل يمشي في بستانه، فلما رأوه، جعلوه غرضًا لرماحهم، فجعل يقول: أنا الخليفة! أنا الخليفة! فلم يمكنهم استدراك الفائت وتلف. وقام بالأمر بعده ابنه المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف، ولم يكن في بني عبد المؤمن أحسن من يوسف ولا أفصح، إلا أنه كان مشغوفًا بالراحة، وضعفت دولتهم في أيامه. وأما عبد الواحد بن علي المراكشي، فإنه يقول في كتابه المعجب (٢):

стр. 12815

إن أبا عبد الله مرض بالسكتة في أول شعبان، ومات في خامسه. وهذا هو الصحيح، لأنه أدرك موته، وكان شاهدًا. ٥٤٥ - محمود بن أيدكين الشرفي البواب البغدادي. سمع من علي بن عبد العزيز ابن السماك، وابن ناصر، وصدقة بن المحلبان، وجماعة. وتوفي في شوال عن بضع وثمانين سنة. ونسبته إلى شرف الدين نوشروان بن خالد الوزير. وفي الرواة: الشرفي، نسبة إلى شرف الدين علي بن طراد الوزير، والشرفي، نسبة إلى الشرف، موضع (١). روى عنه الدبيثي (٢)، والنجيب عبد اللطيف. ٥٤٦ - المسلم (٣) بن سعيد بن المسلم ابن العطار، أبو محمد الحراني ثم البغدادي التاجر. ولد سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وسمع من أبي محمد سبط الخياط. روى عنه الدبيثي، وغيره. وتوفي في خامس ذي القعدة (٤). ٥٤٧ - ميمون القصري، الأمير الكبير فارس الدين الصلاحي. قال ابن واصل (٥): هو آخر من بقي من الأمراء الصلاحية. توفي بحلب. وعتق في الليلة التي مات فيها مائة مملوك وزوجهم. وخلف أموالًا كثيرة. توفي في رمضان. ٥٤٨ - ناصر بن عبد السيد بن علي، أبو الفتح الخوارزمي الحنفي المطرزي النحوي الأديب.

стр. 12816

ولد بخوارزم سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. وكان من رؤوس المعتزلة، وله معرفة تامة بالعربية، واللغة، والشعر. له تصانيف في الأدب، وشعر كثير. وكان حنفي المذهب. توفي في الحادي والعشرين من جمادى الأولى بخوارزم. وكان أبوه أبو المكارم من كبار الفضلاء. ولناصر كتاب شرح المقامات، وكتاب المغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب، فهو للحنفية ككتاب الأزهري للشافعية. وله الإقناع في اللغة، مختصر إصلاح المنطق، ومقدمة لطيفة في النحو مشهورة. ذكر ذلك ابن خلكان (١)، وأنه قدم بغداد حاجًا سنة إحدى وستمائة، وأخذ عنه بها بعض الفضلاء. وكان يقال: هو خليفة الزمخشري؛ فإنه ولد في العام الذي مات فيه الزمخشري. ولما مات المطرزي رثوه بأكثر من ثلاثمائة قصيدة بالعربي وبالعجمي. والمطرزي: نسبة إلى تطريز الثياب (٢). كذا قيل: إن هذا مؤلف المقدمة المطرزية وليس بصحيح؛ بل مؤلفها دمشقي قديم، وهو أبو عبد الله محمد بن علي السلمي المطرز المتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة (٣)، فلعل هذا الخوارزمي له مقدمة أخرى؟ نعم (٤)؛ له، وتسمى المصباح شهيرة ينتفع بها. ٥٤٩ - هبة الله ابن الإمام الفقيه إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن

стр. 12817

محفوظ بن منصور بن معاذ، أبو القاسم السلمي الآمدي ثم البغدادي، المعروف بابن الفراء. سمع من هبة الله بن هلال الدقاق، وابن البطي، وجماعة. وحدث. وأبوه ممن رحل إلى محمد بن يحيى وتفقه عليه بنيسابور. توفي هبة الله في ذي القعدة (١). ٥٥٠ - هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيوب، أبو منصور الحلي الأديب النحوي. قرأ الأدب على أبي محمد ابن الخشاب، وأبي الحسن علي بن العصار. وأقرأ بالحلة، وانتفع به الناس. وتوفي في حدود هذه السنة (٢). ٥٥١ - هلال بن محفوظ بن هلال الرسعني، الفقيه. تفقه ببغداد، وسمع من شهدة الكاتبة. وحدث برأس العين (٣). ٥٥٢ - واجب بن محمد بن عمر بن محمد بن واجب، أبو محمد القيسي البلنسي. سمع أبا الحسن بن هذيل، وأبا الحسن بن النعمة. وولي القضاء بأماكن. روى عنه أبو عبد الله الأبار، وغيره (٤). ٥٥٣ - يحيى بن أبي محمد بن علي بن المعمر، أبو زكريا القطيعي الأزجي المعروف بابن جرادة. روى عن أبي الوقت. روى عنه الدبيثي (٥). توفي في شعبان. ٥٥٤ - أبو نصر بن عبد السلام بن أحمد بن الأسود (٦) الحريمي. حدث عن الزاهد أحمد ابن الطلاية. وتوفي في ربيع الآخر.

стр. 12818

وفيها ولد: العز إسماعيل بن عبد الرحمن ابن الفراء، والزين أبو بكر بن محمد بن طرخان، والنجم محمد بن محمد السبتي نزيل دمشق، والنور محمود بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عصرون، والكمال أحمد بن يوسف بن شاذي الفاضلي، والكمال علي بن محمد ابن الأعمى صاحب المقامة، والتاج محمد بن عبد السلام بن أبي عصرون، والتقي علي بن عبد العزيز الإربلي المقرئ نزيل بغداد، والظهير محمد بن عمر بن محمد البخاري الحنفي مدرس الشبلية، وجبريل بن أبي الحسن العسقلاني، والنجم أحمد بن عبد العزيز بن أحمد بن باقا، وأبو العز مظفر ابن المحدث علي ابن النشبي (١)، وعبد المحسن بن هبة الله ابن الفوي الأديب، وأسد الدين إبراهيم بن الليث الأغزي (٢)، والتاج أحمد ابن الأغلاقي، أو في التي قبلها، وكافور الصواف عتيق ابن الفوي، والعماد حسين بن علي بن القاسم ابن عساكر، والشرف محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن المجير الكتبي المحدث، والتاج يحيى بن محمد بن أحمد ابن الحبوبي محتسب دمشق، والعماد أحمد بن منعة الصالحي، والعفيف سليمان بن علي التلمساني، الشاعر.

стр. 12819

ذكر من تُوفي بعد الستمائة تقريباً وإلى سنة عشر ٥٥٥ - إبراهيم بن خلف بن منصور، الشيخ أبو إسحاق الغساني الدمشقي السنهوري، وسنهور من بلاد مصر. يروي عن عبد المنعم الفراوي، والخشوعي، والقاسم، وأبي أحمد بن سكينة، والمؤيد الطوسي، وعدة. ويلقب بالناسك. روى عنه أبو جعفر النباتي، والخزفي، وغيرهما. وسافر إلى الأندلس، وقدم إشبيلية سنة ثلاث وستمائة. قال ابن العديم: كان حزمياً، ناظر ابن دحية مرة، فشكاه إلى الكامل، فضرب، وعزر على جمل ونفي. وقد أسر في البحر، فبقي في الأسر مدة، ثم إنه عاد إلى دمشق سنة تسع وستمائة. قال قطب الدين الحلبي: قال العماد علي بن القاسم بن علي ابن عساكر: كان يشتغل في كل علم، والغالب عليه فساد الذهن، لم ينجح طلبه، وكان متسمحاً فيما ينقله ويرويه. وقيل: كان الحامل له على الأسفار يطلب حشيشة الكيمياء. وقال أبو الحسن العطار: قدم علينا ثم أسر، قال: يظهر في حديثه عن نفسه تجازف وكذب. سنهور: من عمل المحلة (١). ٥٥٦ - إبراهيم (٢) بن يعقوب أبو إسحاق الكانمي الأسود النحوي الشاعر، وكانم: بليدة بنواحي غانة إقليم السودان.

стр. 12820

قال تاج الدين ابن حمويه: رأيته وقد قدم إلى مراكش في أيام السيد يعقوب بن يوسف، ومدح كبراء الدولة، واختلط بسادتهم. وكان العجمة في لسانه، غير أنه بارع النظم. وقد تردد إلي كثيرا وذاكرني. وله في إبراهيم بن يعقوب بن يوسف (١): ما بعد باب أبي إسحاق منزلة … يسمو إليها فتى مثلي ولا شرف أبعد ما بركت عيسي بساحته … وصرت من بحره اللجي أغترف هموا بصرفي وقد أصبحت معرفة … فكيف ذلك واسمي ليس ينصرف وأنشدني ابن خميس له: وقائل لم لا تهجو فقلت له … لأنني لا أرى من خاف من هاجي فليس ذم كرام الناس من شيمي … وليس ذم لئام الناس منهاجي وله في بعض الأمراء: أزال حجابه عني وعيني … تراه من المهابة في حجاب وقربني تفضله ولكن … بعدت مهابة عند اقترابي وكان يحفظ " الجمل " في النحو، وكثيرا من أشعار العرب. وذكر لي أنه اشتغل في بلد غانة، وتخرج بها مع أنها بلد كفر وجهل. قلت: وهي أكثر من شهر عن سجلماسة في جهة الجنوب وبينهما مفاوز، وما عرفت شاعرا من أرضه سواه. ٥٥٧ - سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن بن علي، أبو الربيع القيسي، متولي سجلماسة وأعمالها لابن عمه السلطان يعقوب بن يوسف. قال تاج الدين شيخ الشيوخ: اجتمعت به حين قدم لمتابعة محمد بن يعقوب وزرته، فرأيت شيخاً بهي المنظر، حسن المخبر، فصيح العبارة باللغتين. بلغني أنه كان يملي على كاتبه الرسائل الصنيعة بغير توقف، ويخترع بلا تكلف، وكذلك في اللغة البربرية، وقع إلى عامل له قد تظلموا منه: قد كثرت فيك الأقوال، وإغضائي عنك رجاء أن تتيقظ، فتنصلح الحال، وفي

стр. 12821

مبادرتي إلى ظهور الإنكار عليك نسبة إلى سوء الاختبار، وعدم الاختيار، فاحذر فإنك على شفا جرف هار ". وله شعر يروق، فله في ابن عمه: هبت بنصركم الرياح الأربع … وخرت بسعدكم النجوم الطلع وأمدك الرحمن بالفتح الذي … ملأ البسيطة نوره المتشعشع لم لا وأنت بذلت في مرضاته … نفسا تفديها الخلائق أجمع وجريت في نصر الإله مصمما … بعزيمة كالسيف بل هي أقطع لله جيشك والصوارم تنتضى … والخيل تجري والأسنة تلمع من كل من تقوى الإله سلاحه … ما إن له غير التوكل مفزع لا يسلمون إلى النوازل جارهم … يوما إذا أضحى الجوار يضيع أين المفر ولا مفر لهارب … والأرض تنشر في يديك وتجمع وهي طويلة. ٥٥٨ - عبد الرحمن بن داود الواعظ، زكي الدين المصري الزرزاري، ويلقب بالزرزور. دخل الأندلس ووعظ بها، وحدث في سنة ثمان وستمائة. قال الأبار (١): ادعى الرواية عن أبي الوقت والسلفي وجماعة لم يلقهم! قليل الحياء أفاك مفتر (٢). ٥٥٩ - عبد المنعم بن عمر، أبو الفضل الغساني الأندلسي الجلياني الطبيب، المعروف بحكيم الزمان. كان علامة في الطب والكحل. قدم إلى دمشق وسكنها، وعمر دهراً. وكان يجيد الشعر. وكانت له دكان في اللبادين للطب. وصنف كتباً كثيرة. وكان السلطان صلاح الدين يرى له ويحترمه، وله هو في صلاح الدين مدائح. وكان يتعانى الكيمياء (٣).

стр. 12822

وهو والد عبد المؤمن كحال الملك الأشرف ابن العادل المتوفى بالرها قبل الثلاثين وستمائة. ٥٦٠ - عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتي، الأمير، زعيم هنتاتة وسيدها، ولد صاحب ابن تومرت. كان أبوه أحد الرجال العشرة الخواص الذين لزموا صحبة ابن تومرت وتقدموا في أيامه. وكان عبد الواحد أكبر أشياخ الموحدين، وأميرهم رتبة وفضلاً ودراية، وأطوعهم في قومه. وكان له حذق في السياسة وتدبير الحروب، والشجاعة مشهورة عنه، وكان مدبر الملك؛ فقام ببيعة الأمير محمد بن يعقوب وبذل الأموال. وفي أولاده نجباء وأمراء تملكوا إفريقية وغيرها. ٥٦١ - علي بن محمد بن يحيى بن أبي العافية، أبو الحسن الأنصاري السرقسطي الدورقي. ودورقة من عمل سرقسطة. روى عن أبي القاسم بن حبيش، والسهيلي. روى عنه ابن أخته أبو عبد الله بن حازم. وصنف كتاباً جمع فيه بين صحيح مسلم وسنن أبي داود (١). ٥٦٢ - محمد بن أبي عاصم أحمد بن أبي ثابت الحسين بن هبة الله +بن زينة الأصبهاني، أبو بكر. من رؤساء أصبهان. ولد سنة ست وعشرين وخمسمائة. وسمع من ابن أبي ذر الصالحاني حضوراً كتاب التوبة والمتابة لابن أبي عاصم؛ قال: أخبرنا ابن عبد الرحيم، قال: أخبرنا القباب عنه، وكتاب السبق والرمي لأبي الشيخ برواية ابن عبد الرحيم عنه، ونسخة بكر بن بكار عن ابن عبد الرحيم عن القباب عن الجيراني (٢) عنه. وسمع من زاهر الشحامي، والحسين بن عبد الملك الخلال. أجاز للشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، وفاطمة بنت عساكر، وجماعة

стр. 12823

في سنة إحدى وستمائة؛ وأجاز لأحمد بن شيبان، وإسماعيل العسقلاني، وابن النجار. ٥٦٣ - محمد بن أحمد بن مرزوق اليعمري السبتي المحدث، أبو عبد الله. رحل إلى المشرق، وأكثر عن البوصيري، والقاسم ابن عساكر، وطبقتهما. بقي إلى سنة ثمان وستمائة. ٥٦٤ - محمد (١) بن أحمد بن يربوع الجياني. أخذ عن السهيلي، وابن الفخار، وطائفة. وكان مقرئاً، نحوياً، مؤدباً. توفي في حدود سنة عشر (٢). ٥٦٥ - محمد ابن الحافظ أبي سعد السمعاني، أخو أبي المظفر عبد الرحيم. سيأتي في آخر ترجمة أخيه (٣). ٥٦٦ - محمد بن أبي غالب، أبو عبد الله ابن النزال. سمع من أبي بكر قاضي المارستان. روى عنه عبد الصمد بن أبي الجيش. ٥٦٧ - محمد ابن المعز (٤)، أبو عبد الله الميورقي.

стр. 12824

أخذ القراءات ببلده عن علي بن سعيد، وخلف بن عبد الله. وأجاز له ابن هذيل. وولي قضاء بلده. توفي بعد سنة سبع وستمائة وقد قارب المائة (١). لا أعرف شيخيه، وإن عنى الأبار بعلي بن سعيد أبا الحسن الميورقي صاحب ابن حزم، فذاك كان ببغداد سنة نيف وتسعين وأربعمائة. ٥٦٨ - مسعود بن إسماعيل بن إبراهيم الجنداني، القاضي. من رواة المعجم الصغير عن فاطمة الجوزدانية، سمعه منها؛ كذا وجدت تحت اسمه في الإجازات. أجاز للشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن أبي عمر، ولابن البخاري، ولفاطمة بنت عساكر. وتاريخ الإجازة في سنة إحدى وستمائة. وقرأت بخط الحافظ ضياء الدين أنه سمع من هذا وكناه أبا الفتح الأصبهاني، وقال: مولده سنة ست عشرة وخمسمائة في المحرم. ٥٦٩ - موسى بن ميمون، أبو عمران اليهودي القرطبي، رئيس اليهود وعالمهم وحبرهم بالديار المصرية. قال الموفق ابن أبي أصيبعة (٢): هو أوحد زمانه في صناعة الطب، متفنن في العلوم، وله معرفة جيدة بالفلسفة. طب السلطان صلاح الدين ثم ولده الأفضل علياً. وقيل إنه أسلم بالمغرب، وحفظ القرآن، فلما أن قدم مصر ارتد. وقد مدحه القاضي السعيد ابن سناء الملك بأبيات. وله تصانيف في الطب، وكتاب كبير في دين اليهود، لعنهم الله. وهو والد إبراهيم الطبيب أحد أطباء الكامل. ومات إبراهيم بعد سنة ثلاثين وستمائة. ٥٧٠ - يحيى بن عقيل بن شريف بن رفاعة بن غدير، أبو الحسن السعدي المصري. سمع من جده لأمه عبد الله بن رفاعة الفرضي. وكان خيراً صالحاً، كثير الحج والمجاورة. حدث بدمشق وبالمدينة. روى عنه بدل التبريزي، والتاج

стр. 12825

محمد بن أبي جعفر، وأبو القاسم بن صصرى، والحافظ عبد العظيم. توفي مجاوراً بالمدينة بعد سنة سبع وستمائة. ٥٧١ - يوسف بن سوار بن عبيد، الشيخ شرف الدين، أبو العز البلوي المصري. روى عن يوسف بن آدم بن محمد، وأحمد بن أبي الوفاء الصائغ، وأبي حامد محمد بن عبد الرحيم بن سليمان الغرناطي، وأبي المعالي مسعود بن محمد النيسابوري، وطائفة. حدث بدنيسر في سنة أربع وستمائة؛ سمع منه ولده أبو النضر إبراهيم، والمحدث عمر ابن اللمش، وجماعة. وأجاز لعبد الرحمن ابن اللمش. ترجمه الفرضي (١). وهو مستفاد مع صاحبنا يوسف بن سوار البدوي المصري الحنبلي. سمع من الفخر علي، وجماعة. ٥٧٢ - أبو العباس السبتي الزاهد، شيخ المغرب في عصره، أحمد بن جعفر الخزرجي، صاحب الأحوال والمقامات والكرامات. قال تاج الدين ابن حمويه: أدركته بمراكش في سنة أربع وتسعين وقد ناهز الثمانين. وهو شيخ نوراني، بهي المنظر، عظيم المخبر، سليم الحواس، ذكي الفطرة، كامل الأخلاق الحسنة، دائم البشر، مسلوب الغضب، عديم الحسد، لا يطلب الدنيا، ولا يلتفت إلى أهلها، وإذا جاءه المال، فرقه في الحال. ورأيت الناس على قدر ميزتهم يختلفون فيه، فمن قائل: ساحر وكاهن، ومن قائل: زنديق وممخرق، ومن قائل: مجذوب يتكلم على الخواطر، ويتصرف في البواطن والظواهر. فتوقفت عن الدخول إليه سنة، ثم ألح علي صديق فمضيت إليه، فإذا به في دار قوراء بهية ذات مجالس وأروقة ومفارش، وفي وسط الدار ماء جار وأشجار كأنها من دور الملوك، وحوله فقهاء وصلحاء وبعض متميزي البلد، فسلمنا وجلسنا، فكان يفسر في آيات في البر والصدقة، ورأيت على عينيه خرقة زرقاء فحسبت أنها لرمد وإذا هي عادة له.

стр. 12826

فلما فرغ، عاد لمحادثتي، وسأل عن اسمي وبلدي، وفاوضته في مسائل في التصوف، فكان يأتي بالأجوبة الغريبة السديدة، والكلام المنقح، ثم شرع في الحديث معي على ما جرت به العادة مع القادم ثم لازمت زيارته وزارني، وخرجت معه إلى البساتين والضواحي، وكان يحب الخضرة، والمياه الجارية، وبلغني أنه كان يلازم العزلة والخلوة، ثم خالط الناس. وكانت مجالسه مجالس وعظ وتذكير وأدعية، ومعظم كلامه في الحث على الصدقة وفعل الخير وذم الشح. وأما الذي صح عنه من الكرامات، وصحة الفراسات، والدعوات المستجابات، فمشهور متداول مستفيض، إلا أنهم يرجمون الظنون في أسباب ذلك الحصول وطريقته في الوصول، وكان لصاحبي الجمال محمد القسطلاني أخ قد سافر بتجارة إلى غانة، وهي قاعدة مملكة السودان، فبعث إليه بضاعة فخرج الحرامية، فأخذوا تلك القافلة فرد التجار إلى سجلماسة، وخرج الوالي، فأمسك بعض الحرامية، وبعض الأموال، فدخل محمد معي إلى الشيخ فحكى له ما جرى، فقال: كم تسوى بضاعتك؟ قال: ستمائة دينار. فتبسم، وقال: لعل رأس مالها عليك العشر أو أقل، فكأنكم طمعتم في اقتناص أموال الحضر، فصادها البربر من المدر، فقلت أنا: يا سيدي فهل يرجى لما ذهب عود؟ قال: إن تصدق بستمائة درهم، أخلف الله عليه ذلك. فأخرج دراهم، فوضعها بين يديه فعدت، فكانت مائة وثمانية دراهم. فلما كان بعد شهر، دخل إلي محمد القسطلاني ومعه كتب وردت من أصحابه يذكرون أن الوالي أحضر ما استرد، فقال للتجار: ليأخذ كل من تحقق له عين ماله، وحضر القاضي والعدول، وشهد التجار بعضهم لبعض، فظهرت صرة فيها تبر من عين ماله، مكتوب عليها اسم أخيه، وأخرج لي الصرة من كمه، وقال: يا ما أعجب شأن هذا الرجل - يعني السبتي - أتذكر قوله، وحديث العشر والصدقة، هذا التبر وزنه مائة وعشرة مثاقيل! فمضينا إلى زيارته، وقبل محمد يده وحكى ما جرى، فلم يكترث بما جرى. قلت: ثم حكى له ثلاث كرامات أخر، وقال: خرجت من البلاد بعد الستمائة، وتركته حياً يرزق. وكان يقول إذا جرى ذكر الدولة: إن دولة هؤلاء تختل بعد وفاتي وتضمحل - يعني بني عبد المؤمن - فظهر ذلك بعد وفاته، واختلفوا، واقتتلوا، وفسد أمرهم. (آخر الطبقة والحمد لله)

стр. 12827

الطبقة الثانية والستون (٦١١ - ٦٢٠ هـ)

стр. 12828

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) سنة إحدى عشرة وستمائة قال ابن الأثير (١): فيها وصل الخبرُ أن السلطان خُوارزم شاه ملك كرمان ومُكران والسند، وسبب ذلك أن من جملة أمرائه تاج الدين أبا بكر، الذي أسلفنا أنه كان جمالاً، ثم سعد بأن صار سيروان السلطان، فرأى منه جلداً وأمانة، فقدمه، فقال له: ولني مدينة زوزن. فولاه، فوجده ذا رأي وحزم وشجاعة، فلما ولاه سير إليه يقول: إن بلاد مُكران مُجاورة لبلدي، فلو أضفت إلي عسكراً لأخذتها، فنفذ إليه جيشاً فسار به إليها، وصاحبُها حرب بن محمد بن أبي الفضل، من أولاد الملوك، فقاتله فلم يقو به، وأخذ أبو بكر بلاده سريعاً، وسار منها إلى نواحي مُكران، فملكها جميعها إلى السند، وسار منها إلى هرمز، وهي مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها مُليك (٢)، وخطب بها لخوارزم شاه، وحمل إليه أموالاً، وخطب لخُوارزم شاه بهلوات (٣). وكان خُوارزم يُصيف بأرض سمرقند لأجل التتار، وكان سريع السير، إذا قصد جهة يسبق خبره إليها.

стр. 12829

وفيها قصدت الفرنج بلاد الإسماعيلية، ونزلوا على حصن الخوابي، وجدوا في الحصار، وكانوا حنقين على الإسماعيلية بسبب قتلهم ابن البرنس صاحب أنطاكية، شاب ابن ثمان عشرة سنة، وثبوا عليه عام أول، فخرج الملكُ الظاهر بعسكره ليكشف عنهم، فترحلت الفرنج عن الحصن. وفيها شرع في تبليط جامع دمشق، فابتدئ بمكان السبع الكبير، وكانت أرضه قد تكسر رخامها وتحفرت. وفيها ولي تدريس النورية جمال الدين محمود الحصيري. وفيها توفي صاحبُ اليمن ابن سيف الإسلام، واستولى على اليمن شاهنشاه ابن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فتزوج بأم المتوفى، ثم نفذ الملكُ الكامل صاحبُ مصر ولدهُ الملك المسعود أقسيس (١) إلى اليمن فتملكها، وكان شجاعاً فاتكاً ظالماً جباراً، قيل: إنه قتل باليمن ثمانمائة نفس، منهم أكابر. وفيها أخذ الملك المعظم من ابن قراجا قلعة صرخد، وعوضهُ عنها مالاً وإقطاعاً، ثم أعطاها لمملوكه عز الدين أيبك المعظمي، فبقيت في يده إلى أن أخرجه عنها الملك الصالح أيوب. وفيها حج الملك المعظم، فسار من الكرك على الهجن، ومعه عز الدين أيبك صاحب صرخد، وعمادُ الدين ابن موسك، والظهير ابن سنقر الحلبي، وجدد البرك والمصانع، وأحسن إلى الناس، وتلقاهُ سالم صاحبُ المدينة، وقدم له خيلاً، وكانت وقفة الجمعة (٢)، وقدم معه الشام صاحبُ المدينة. سنة اثنتي عشرة وستمائة فيها شرعوا في بناء المدرسة العادلية. وفيها أغار الفرنج على بلاد الإسماعيلية، وأخذوا ثلاثمائة نفس. وفيها أغارت الكرج على أذربيجان، فحازوا ذخائرها، وما يزيد على مائة ألف أسير؛ قاله أبو شامة (٣).

стр. 12830

وفيها استولى الملكُ المسعود ابن الكامل على اليمن بلا حرب، وانضم (١) ابن عمه سليمان شاه (٢) بعائلته إلى قلعة تعز، فحاصرهُ وأخذهُ، وبعث به إلى مصر، هو وزوجته بنت سيف الإسلام. وفي صفر نزل قتادة على المدينة وحاصرها، لغيبة سالم أميرها، وقطع كثيراً من نخيلها، وقتل جماعة، ثم رحل عنها خائباً. وفيها ملك خوارزم شاه بلد غزنة وأعمالها، عمل على صاحبها تاج الدين ألدز نائبه قتلغ تكين، وكاتب خُوارزم شاه، وكان ألدز في الصيد، فجاء خوارزم شاه فهجمها، فلما بلغ ألدز الخبر هرب على وجهه إلى لهاوور، وجلس خُوارزم شاه على تخت الملك بها، ثم قال لقتلغ تكين: كيف كان حالك مع ألدز؟ قال: كلانا مماليك السلطان شهاب الدين، ولم يكن ألدز يقيم بغزنة إلا في الصيف، وأنا الحاكم بها. فقال: إذا كنت لا ترعى لرفيقك مع ذلك (٣)، فيكف يكون حالي معك؟ فقبض عليه، وصادره حتى استصفاه، ثم قتله، وترك ولدهُ جلال الدين خوارزم شاه بغزنة. قال ابن الأثير (٤): وقيل: إن ذلك كان في سنة ثلاث عشرة. وأما ألدز فإنه افتتح لهاوور فلم يقنع بها، وسار ليفتح دهلة، فالتقى هو وصاحبها شمس الدين الترمش، مملوك أيبك مملوك شهاب الدين (٥)، فانكسر ألدز وقتل. وكان ألدز موصوفاً بالعدل والمروءة والإحسان إلى التجار. وفيها عزل زكي الدين الطاهر ابن محيي الدين عن قضاء دمشق، وولي جمال الدين أبو القاسم عبد الصمد ابن الحرستاني، فقضى بالحق، وحكم بالعدل. وفيها بطل العادلُ ضمان الخمر والقيان، فلم يكرر ذلك إلى بعد موته (٦).

стр. 12831

وفيها وصل السهروردي رسولاً من الخلافة إلى العادل، ونزل بجوسق العادل. وفيها سار من دمشق سالم أمير المدينة بمن استخدمه من التركمان والرجال، ليقاتل قتادة صاحب مكة، فمات في الطريق، وقام ابن أخيه جماز بعده، فمضى بأولئك وقصد قتادة، فانهزم إلى الينبع، فتبعوه وحصروه بقلعتها، وحصل لحميد بن راجب من الغنيمة مائة فرس، وحميد من عرب طي، وعاد الذي استخدموا صحبة الناهض بن الجرخي خادم المعتمد، ومعهم كثير مما غنموه من عسكر قتادة، ومن وقعة وادي الصفراء، من نساء وصبيان سبوهم، وظهر فيهم أشراف علويون، فتسلمهم أشرافُ دمشق ليواسوهم من الوقف. وفيها كسر كيكاوس صاحب الروم الفرنج الذين ملكوا أنطاكية، وأخذها منهم. وفيها أخذ خوارزم شاه غزنة بغير قتال. وأخذ ابن لاون أنطاكية من الفرنج، ثم عاد أخذها صاحبُ طرابلس من ابن لاون. ويقال: فيها كانت حركة التتار إلى قصد بلاد الترك. وفيها انهزم منكلي الذي غلب على همذان وأصبهان والري فقتل، واستقرت القواعد على أن بعض بلاده للخليفة، وبعضها لجلال الدين الصباحي ملك الإسماعيلية وصاحب الألموت وقلاعها، وبعضها لأزبك بن البهلوان. ولكن كان الخليفة في شغل شاغل، وحُزن عظيم بموت ابنه علي عن المسرة بهلاك منكلي. سنة ثلاث عشرة وستمائة. قال أبو شامة (١): فيها أحضرت الأوتار الخشب لأجل نسر قبة الجامع (٢)، وعدتها أربعة، كل واحد منها اثنان وثلاثون ذراعاً بالنجار (٣)، قطعت من الغوطة، وكان الدخول بها من باب الفرج إلى المدرسة العادلية إلى

стр. 12832

باب الناطفانيين، وأقيم لها هناك الصواري، ورفعت لأجل القرنة، ثم مددت. وفيها (١) شرع في تحرير خندق باب السر، وهو الباب المقابل لدار الطعم العتيقة المجاورة لنهر باناس، وكان المعظم ومماليكه والجُند ينقلون التراب بالقفاف على قرابيس سروجهم، وكان عمله كل يوم على طائفة من أهل البلد، وعمل فيه الفقهاء والصوفية. قال (٢): وفيها كانت الحادثة بين أهل الشاغور والعقيبة وحملهم السلاح، وقتالهم بالرحبة والصيارف، وركوب العسكر ملبساً للفصل بين الفريقين، وحضر المعظم بنفسه لإطفاء الفتنة، فقبض على جماعة من كبار الحارات، منهم رئيس الشاغور، وحبسهم. وفيها (٣) سار المعظم على الهجنُ إلى أخيه الملك الأشرف، واجتمع به بظاهر حران، ففاوضه في أمر حلب عندما بلغه موت صاحبها الملك الظاهر، وكان قد سبق من الأشرف الاتفاق مع القائم بأمرها، فرجع المعظم بعد سبعة عشر يوماً، ولم يظهر إلا أنه كان يتصيد. وفيها (٤) فرغ من بناء المصلى بظاهر دمشق، ورتب له خطيبٌ، وهو الشيخ صدر الدين، مُعيد الفلكية، ثم ولي بعده بهاء الدين بن أبي اليسر، ثم بنو حسان. قلت: وهم إلى الآن. قال سبط الجوزي (٥): وفيها ذهبتُ إلى خلاط ووعظتُ بها، وحضر الملك الأشرف. وفيها ذهب شهابُ الدين عبد السلام بن أبي عصرون، رسولاً من الملك العزيز محمد ابن الظاهر صاحب حلب، يسأل تقليداً من الديوان بحلب. وفيها وعظ ابن الجوزي (٦) بحران، وحضره الأشرف، وفخر الدين ابن تيمية، وكان يوماَ مشهوداً.

стр. 12833

قال ابن الأثير (١): فيها وقع بالبصرة برد، قيل: إن أصغره كان مثل النارنجة الكبيرة. قال: وقيل في أكبره ما يستحي الإنسان أن يذكره (٢). قلت: أرض العراق قد وقع فيه هذا البرد الكبار غير مرة. سنة أربع عشرة وستمائة. فيها كان الغرق ببغداد بزيادة دجلة، وركب الخليفة شبارة، وخاطب الناس، وجعل يتأوه لهم ويقول: لو كان هذا يرد عنكم بمال أو حرب، دفعتهُ عنكم؛ قال أبو شامة (٣) - وقد نقله من كلام أبي المظفر سبط الجوزي (٤)، إن شاء الله -: فانهدمت بغداد بأسرها، والمحال، ووصل الماء إلى رأس السور، ولم يبق له أن يطفح على السور إلا مقدار إصبعين، وأيقن الناسُ بالهلاك، ودام ثمانية أيام، ثم نقص الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تلولاً لا أثر لها!. قلت: هذا من خسف أبي المظفر، فهو مجازفٌ. قال أبو المظفر (٥): وفيها قدم خوارزم شاه محمد بن تكش في أربعمائة ألف، وقيل: في ستمائة ألف، فوصل همذان قاصداً بغداد، فاستعد الخليفة، وفرق الأموال والعدد، وراسله مع الشيخ شهاب الدين السهروردي، فأهانه ولم يحتفل به، واستدعاه، وأوقفه إلى جانب الخيمة، ولم يجلسه، قال: فحكى شهابُ الدين، قال: استدعاني إلى خيمة عظيمة لها دهليز لم أر مثله في الدنيا، وهو من أطلس، والأطنابُ حرير، وفي الدهليز ملوك العجم على طبقاتهم، كصاحب أصبهان، وصاحب همذان، والري، قال: ثم دخلنا إلى خيمة أخرى وفي دهليزها ملوك ما وراء النهر، ثم دخلنا عليه وهو شاب، له شعرات، قاعد على تخت ساذج، وعليه قباء بخاري يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه قطعة جلد تساوي درهماً، فسلمت عليه فلم يرد، ولا أمرني بالجلوس، فشرعتُ فخطبتُ خطبة بليغة، ذكرتُ فيها فضل بني العباس،

стр. 12834

ووصفت الخليفة بالزهد والورع والتقى والدين، والترجمان يعيد عليه قولي، فلما فرغت قال للترجمان: قل له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد، بل أنا أجيء وأقيم خليفة يكون بهذه الصفة، ثم ردنا بغير جواب، ونزل عليهم بهمذان الثلج، فهلكت خيلهم، وركب الملك خوارزم شاه يوماً فعثر به فرسه، فتطير، ووقع الفساد في عساكره، وقلت الميرة، وكان معه سبعون ألفاً من الخطا، فرده الله تعالى عن بغداد. قال أبو شامة (١): ذكر محمد بن محمد النسوي في كتابه الذي ذكر فيه وقائع التتار مع علاء الدين محمد، ومع ولده جلال الدين (٢)، قال: حكى لي القاضي مجير الدين عمر بن سعد الخوارزمي، أنه أرسل إلى بغداد مراراً، آخرها مطالبة الديوان بما كان لبني سلجوق من الحكم والملك ببغداد، فأبوا ذلك، وأصحب المذكور في عوده شهاب الدين السهروردي رسولاً مدافعاً. قال: وكان عند السلطان من حسن الاعتقاد برفيع منزلته ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام والاحترام تمييزاً له عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان، فوقف قائماً في صحن الدار، فلما استقر المجلس بالشيخ، قال: إن من سنة الداعي للدولة القاهرة أن يقدم على أداء رسالته حديثاً. فأذن له السلطانُ، وجلس على ركبتيه تأدباً عند سماع الحديث، فذكر الشيخ حديثاً معناه التحذير من أذية آل العباس. فقال السلطان: ما آذيتُ أحداً من آل العباس ولا قصدتهم بسوء وقد بلغني أن في محابس أمير المؤمنين خلقاً منهم يتناسلون بها، فلو أعاد الشيخُ هذا الحديث على مسامع أمير المؤمنين كان أولى وأنفع. فعاد الشيخُ والوحشة قائمة، ثم عزم على قصد بغداد، وقسم نواحيها إقطاعاً وعملاً، وسار إلى أن علا عقبة أسدآباد، فنزلت عليه ثلوج غطت الخراكي والخيام، وبقي ثلاثة أيام، فعظم إذ ذاك البلاء، وشمل الهلاك خلقاً من الرجال، ولم ينج شيء من الجمال، وتلفت أيدي رجال وأرجل آخرين، فرجع السلطان عن وجهه ذلك على خيبة مما هم به. وفيها تجمع الفرنج وأقبلوا من البحر بفارسهم وراجلهم لأجل قصد بيت

стр. 12835

المقدس، وتتابعت الأمداد من رومية الكبرى، التي هي دار الطاغية الأعظم المعروف بالبابا، لعنه الله، وتجمعوا كلهم بعكا، عازمين على استيفاء الثأر مما تم عليهم في الدولة الصلاحية، فجفل الملك العادل لما خرجوا عليه، ووصلوا إلى عين جالوت، وكان على بيسان فأحرقها، وتقدم إلى جهة عجلون، ووصل الفوار (١)، فقطع الفرنج خلفه الأردن، وأوقعوا باليزك، وعادوا (٢) على البلاد، وجاء الأمر إلى المعتمد والي دمشق بالاهتمام والاستعداد واستخدام الرجال، وتدريب دروب قصر حجاج، والشاغور، وطرق البساتين، وتغريق أراضي داريا، واختبط البلد، وأرسل العادل إلى ملوك البلاد يستحث العساكر، ونزل مرج الصفر، وضج الناس بالدعاء، ثم رجع الفرنج نحو عكا بما حازوه من النهب والأسارى، فوصل الملك المجاهد صاحب حمص، ففرح به الناس. قال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): فيها انفسخت الهدنة بين المسلمين والفرنج، وجاء العادل من مصر بالعساكر، فنزل بيسان، والمعظم عنده في عسكر الشام، فخرج الفرنج من عكا، عليهم ملك الهنكر، فنزلوا عين جالوت في خمسة عشر ألفاً، وكان شجاعاً، خرج معه جميع ملوك الساحل، فقصد العادل، فتأخر العادل وتقهقر، فقال له المُعظم: إلى أين؟ فشتمه بالعجمية، وقال: بمن أقاتل؟ أقطعت الشام مماليكك وتركت أولاد الناس. وساق فعبر الشريعة. وجاء الهنكر إلى بيسان، وبها الأسواق والغلال والمواشي وشيء كثيرٌ، فأخذت الفرنج الجميع، ورحلوا منها بعد ثلاثة أيام إلى قصير الغور (٤)، ووصل أوائلهم إلى خربة اللصوص والجولان، وأقاموا يقتلون ويسبون، ثم عادوا إلى الغور، ونزلوا تحت الطور، فأقاموا أياماً يقاتلون من فيه ويحاصرونهم، وكان معهم سلم عظيم، فزحفوا ونصبوه، فأحرقه المسلمون بالنفط، وقتل تحته جماعة من أعيان الفرنج، منهم بعض الملوك. واستشهد يومئذ الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم، وسيف الدين ابن المرزبان، وكان في الطور أبطال

стр. 12836

المسلمين، فاتفقوا على أنهم يقاتلون قتال الموت، ثم رحل الفرنج عنهم إلى عكا، وجاء المعظم فأطلق لأهل الطور الأموال، وخلع عليهم. ثم اتفق العادل وابنه المعظم على خراب الطور كما يأتي. وأما ابن أخت الهنكر فقصد جبل صيدا في خمسمائة من الفرنج إلى جزين، فأخلاها أهلها، فنزلها الفرنج ليستريحوا، فتحدرت عليهم الرجال من الجبل، فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم، وأسر مقدمهم ابن أخت الهنكر، وقيل: إنه لم يسلم من الفرنج إلى ثلاثة أنفس. قلت: وكثرت جيوش الفرنج بالساحل، وغنموا ما لا يوصف، ثم قصدوا مصر لخلوها من الجيش، وكان عساكر الإسلام مفرقة، ففرقة كانت بالطور محصورين، وفرقة ذهبت مع المعظم يزكاً على القدس عسكروا بنابلس، وفرقة مع السلطان في وجه العدو عن دمشق، وأشرف المسلمون على خطة صعبة، وكان الملك العادل مع جبنٍ فيه، حازماً سائساً، خاف أن يلتقي العدو وهو في قل من الناس أن ينكسر ولا تقوم للإسلام بعده قائمة، فاندفع بين أيديهم قليلاً قليلاً حتى كفى الله شرهم. سنة خمس عشرة وستمائة. في ربيع الأول نزلت الفرنج على دمياط، فبعث الملك العادل العساكر التي عنده بمرج الصفر إلى ابنه الملك الكامل، وطلب ابنه المعظم وقال له: قد بنيت هذا الطور وهو يكون سبب خراب الشام، وأرى المصلحة أن تخربه ليتوفر من فيه على حفظ دمياط. فتوقف المُعظم، ثم أرضاه بمالٍ ووعده ببلاد، فأجاب وأخلاه وخربه، وكان قد غرم على بنائه أموالاً لا تحصى. قال ابن واصل (١): لما طالت إقامة جيوش الفرنج بمرج عكا، أشار عقلاؤهم بقصد الديار المصرية وقالوا: صلاح الدين إنما استولى على البلاد بتملكه مصر. فصمموا، وركبوا البحر إلى دمياط، فنزلوا على بر جيزتها، وزحفوا على برج السلسلة، وكان مشحوناً بالرجال، وكان الكامل قد أقبل ونزل ببر دمياط، ودام الحصار والنزال أربعة أشهر، وجاءت الكامل النجداتُ

стр. 12837

من الشام، ومات الملك العادل في وسط الشدة، واستراح. وفي ربيع الآخر كسر الملك الأشرف ابن العادل ملك الروم كيكاوس. ثم جمع الأشرف عساكره وعسكر حلب، ودخل بلد الفرنج ليشغلهم بأنفسهم عن قصد دمياط، فنزل على صافيثا وحصن الأكراد، فخرج ملك الروم ووصل إلى رعبان يريد أن يملك حلب، فنزل إليه الملك الأفضل من سميساط، فأخذا رعبان وتل باشر، فرد الملكُ الأشرفُ إلى حلب، ونزل على الباب وبزاعة، وقدم بين يديه العرب. وقدم الروم يعملون (١) مصافاً مع العرب فكسرهم العرب، وبعث الأشرف نجدة من عسكره إلى دمياط. وفي جمادى الأولى أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة، فبعث الكامل يستصرخ بأبيه، فدق أبوه - لما بلغه الخبر - بيده، ومرض مرضة الموت. قال أبو شامة (٢): وضرب شيخنا علم الدين السخاوي بيد على يد، ورأيته يعظم أمر البرج، وقال: هو قفل الديار المصرية (٣). وقد رأيته (٤) وهو برج عالٍ في وسط النيل، ودمياط بحذائه من شرقيه، والجيزة بحذائه على حافة النيل من غربيه، وفي ناحيته سلسلتان، تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط، والأخرى على النيل إلى الجيزة، تمنعان عُبور المراكب من البحر المالح. وفي جمادى الآخرة التقى المعظم والفرنج على القيمون (٥)، فنصره الله، وقتل منهم خلقاً، وأسر مائة فارس. قال: وفيها وصل رسول خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش إلى العادل، فبعث في جوابه الخطيب جمال الدين محمد الدولعي، والنجم خليل قاضي العسكر، فوصلا إلى همذان، فوجدا خُوارزم شاه قد اندفع من بين يدي الخطا والتتار، وقد خامر عليه عسكره، فسار إلى بخارى، فاجتمع المذكوران بولده جلال الدين، فأخبرهما بوفاة العادل الذي أرسلهما. وكان الخطيب قد استناب ابنه يونس ولم تكن له أهلية، فولي الموفق عمر بن يوسف خطيب

стр. 12838

بيت الآبار إلى أن يقدم الدولعي. وفي رجب أدار الملك المعظم المكوس والخمور وما كان أبوه أبطله، فقيل: إنه ضمن الخمر بدمشق والخنا (١) بثلاثمائة ألف درهم. قال أبو المظفر (٢): فقلت له: قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين، فإنه كذا فعل لما مات نور الدين. فاعتذر بقلة المال ودفع الفرنج، ثم سار إلى بانياس، وراسل الصارم متولي تبنين، بأن يسلم الحصون، فأجابه، وخرب بانياس وتبنين، وقد كانت قفلاً للبلاد وملجأ للعباد، وأعطى جميع التي كانت لسركس لأخيه العزيز عثمان، وزوجه بابنة سركس، وأظهر أنه ما خرب هذا إلا خوفاً من استيلاء الفرنج. وبعث الكامل إليه يستنجد به، وعدى الفرنج دمياط، فأخلى لهم العساكر الخيام فطمعوا، ثم عاد عليهم الكامل فطحنهم وقتل خلقاً، فعادوا إلى دمياط. وفيها توفي صاحب الروم كيكاوس، وكان ظالماً، فاتكاً، جباراً فاسقاً. وفيها توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن رسلان بن مسعود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صاحب الموصل، مسموماً فيما قيل، وترك ابنه محموداً وهو صغير، فأخرج الأمير بدرُ الدين لؤلؤ أخا القاهر زنكياً من الموصل، ثم استولى عليها، وتسمى بالملك الرحيم، وقيل: إنه أدخل محموداً حماماً حامياً حتى اشتد كربه، فاستغاث: اسقوني ماء، ثم اقتلوني، فسقوه، ثم خنق. وفيها عاد السلطان خوارزم شاه محمد إلى نيسابور، وأقام بها مدة، وقد بلغه أن التتار، خذلهم الله تعالى، قاصدون مملكة ما وراء النهر، وجاءه من جنكس (٣) خان رسلٌ وهو محمود الخوارزمي، وخواجا علي البخاري، ومعهم من طرف هدايا الترك من المسك وغيره، والرسالة تشتمل على التهنئة بسلامة خوارزم شاه، ويطلب منه المسالمة والهدنة، وقال: إن الخان الأعظم يسلم عليك ويقول: ليس يخفى علي عظم شأنك، وما بلغت من سُلطانك، ونفوذ حكمك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي

стр. 12839

مثل أعز أولادي، وغير خاف عنك أنني ملكت الصين، وأنت أخبرُ الناس ببلادي، وإنها مثارات العساكر والخيول، ومعادن الذهب والفضة، وفيها كفاية عن طلب غيرها، فإن رأيت أن نعقد بيننا المودة، وتأمر التجار بالسفر لتعم المصلحتين (١)؟ فعلت. فأحضر السلطان خُوارزم شاه محموداً الخوارزمي وقال: أنت منا وإلينا، ولا بد لك من مولاة فينا. ووعده بالإحسان؛ إن صدقهُ، وأعطاه معضدة مجوهرة نفيسة، وشرط عليه أن يكون عيناً له على جنكز خان، فأجابه، ثم قال له: اصدقني، أجنكز خان ملك طمغاج الصين؟ قال: نعم. فقال: ما ترى في المصلحة؟ قال الاتفاق. فأجاب إلى ملتمس جنكز خان. قال فسر جنكز خان بذلك، واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجارٌ، وكان خال السلطان خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التجار وكاتب السلطان يقول: إن هؤلاء القوم قد جاؤوا بزي التجار، وما قصدهم إلا إفساد الحال وأن يجسوا البلاد، فإن أذنت لي فيهم. فأذن له بالاحتياط عليهم. وقبض عليهم، واصطفى أموالهم. فوردت رسل جنكز خان إلى خوارزم شاه تقول: إنك أعطيت أمانك للتجار، فغدرت، والغدر قبيحٌ، وهو من سلطان الإسلام أقبحٌ، فإن زعمت أن الذي فعلهُ خالك بغير أمرك، فسلمه إلينا، وإلا فسوف (٢) تشاهد مني ما تعرفني به. فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقلهُ، فتجلد، وأمر بقتل الرسل، فقتلوا، فيا لها حركة لما هدرت من دماء الإسلام؛ أجرت بكل نقطة سيلاً من الدم، ثم إنه اعتمد، من التدبير الرديء لما بلغه سير جنكز خان إليه أنه أمر بعمل سور سمرقند، ثم شحنها بالرجال، فلم تغن شيئاً، وولت سعادته، وقضي الأمر. قال المؤيد عماد الدين في تاريخه: قال النسوي كاتبُ الإنشاء الذي لخوارزم شاه: مملكة الصين دورها ستة أشهر، وهي ستة أجزاء، كل جزء عليه ملك، ويحكم على الكل الخان الأكبر يقال له الطرخان، وهذا كان معاصر خوارزم شاه محمد، وقد ورث الملك كابراً عن كابر، بل كافراً عن كافر.

стр. 12840

وإقامته بطوغاج في وسط الصين. وكان دوشي خان أحد الستة متزوجاً بعمة جنكز خان الذي فعل الأفاعيل وأباد الأمم. وجنكز خان من أمراء بادية الصين، وهم أهل شر وعتو، فمات دوشي المذكور، فعمدت زوجته إلى ابن أخيها جنكز خان وقد جاءها زائراً فملكته، وكان الملكان اللذان هما مجاوران لهم هما: كشلي خان، وفلان خان، فرضياً بجنكز خان، وعاضداه، فلما أنهي الأمر إلى القان ألطور أنكر ولم يرض، واستحقر جنكز خان، فغضب له المذكوران وخرجا معه وعملوا المصاف، فانهزم ألطور خان وذل، ثم طلب الصلح، فصالحوه، وقووا واتفقوا، فمات أحدهما، ثم مات كشلوخان، وتملك ولده، فطمع جنكز خان في الولد، وتمكن وكثر جنده وهم المغل، وحارب الولد، وهزمه واستولى على بلاده، ثم نفذ رسولاً إلى خُوارزم شاه كما ذكرنا. سنة ست عشرة وستمائة. فيها وصل الخبر بانجفال السلطان خوارزم شاه عن جيحون، فاضطربت مدينة خوارزم، وقلقت خاتون والدة السلطان، وأمرت بقتل من كان معتقلاً بخوارزم من الملوك، وكان بها نحو عشرين ملكاً، وخرجت من خوارزم ومعها خزائن السلطان وحرمه، وساقت إلى قلعة إيلال بمازندران، ثم أسرت. وأما السلطان فإنه لم يزل منهزماً إلى أن قدم نيسابور، ولم يقم بها إلا ساعة واحدة رعباً من التتار، ثم ساق إلى أن وصل إلى مرج همذان ومعه بقايا عسكره نحو عشرين ألفاً، ولم يشعر إلا وقد أحدق به العدو، فقاتلهم بنفسه، وشمل القتل كل من كان في صحبته، ولجأ في نفر يسير إلى الجبل، ثم منها إلى الأستدار وهي أمنع ناحية في مازندران، ثم سار إلى حافة البحر، وأقام بقرية ينور المسجد ويصلي فيه إماماً بجماعة، ويقرأ القرآن، ويبكي، فلم يلبث حتى كبسه التتار، فهرب، وركب في مركب، فوقع فيه النشاب، وخاض خلفه طائفة، فصدهم عمق الماء عن لحوقه، فبقي في لجةٍ ولحقته علة ذات الجنب، فقال: سبحان الله مالك الملوك لم يبق لنا من مملكتنا مع سعتها قدر ذراعين ندفن فيها، فاعتبروا يا أولي الأبصار. فلما وصل إلى الجزيرة التي هناك، أقام بها طريداً وحيداً، والمرض يزداد به، ثم مات وكفن في شاش فراش كان معه، في سنة سبع عشرة.

стр. 12841

وفي أول السنة أخرب المعظم أسوار القدس خوفاً من استيلاء الفرنج عليه، وقد كان يومئذ على أتم العمارة وأحسن الأحوال وكثرة السكان. قال أبو المظفر (١): كان المعظم قد توجه إلى أخيه الكامل إلى دمياط والكشف عنها، وبلغه أن طائفة من الفرنج على عزم القدس، فاتفق هو والأمراء على تخريبه، وقالوا: قد خلا الشام من العساكر، فلو أخذته الفرنج حكموا على الشام. وكان بالقدس أخوه الملك العزيز وعز الدين أيبك أستاذ دار، فكتب المعظم إليهما يأمرهما بخرابه، فتوقفا. وقال: نحن نحفظه، فأتاهما أمر مؤكد بخرابه، فشرعوا في الخراب في أول المحرم، ووقع في البلد ضجة، وخرج الرجال والنساء إلى الصخرة، فقطعوا شعورهم، ومزقوا ثيابهم، وخرجوا هاربين، وتركوا أثقالهم، وما شكوا أن الفرنج تصبحهم، وامتلأت بهم الطرقات، فبعضهم قصد مصر، وبعضهم إلى الكرك، وبعضهم إلى دمشق، وهلكت البنات من الحفاء، ومات خلقٌ من الجوع والعطش، ونهب ما في البلد، وبيع الشيء بعشر ثمنه، حتى أبيع قنطار الزيت بعشرة دراهم، ورطل النحاس بنصف درهم، وعلى هذا النمط، وذم الشعراء المعظم، وقالوا: في رجب حلل المحرم … وخرب القدس في المحرم وقال مجد الدين محمد بن عبد الله قاضي الطور: مررت على القدس الشريف مسلما … على ما تبقى من ربوع كأنجم ففاضت دموع العين مني صبابة … على ما مضى في عصرنا المتقدم وقد رام علج أن يعفي رسومه … وشمر عن كفي لئيم مذمم فقلت له: شلت يمينك خلها … لمعتبر أو سائل أو مسلم فلو كان يفدى بالنفوس فديته … وهذا صحيح الظن في كل مسلم قال ابن الأثير (٢): لما ملكت الفرنج برج السلسلة قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم في النيل ويتحكموا (٣) في البر، فنصب الملك الكامل عوض

стр. 12842

السلاسل جسراً عظيماً، فقاتلوا عليه قتالاً شديداً حتى قطعوه، فأخذ الكامل عدة مراكب كبار، وملأها حجارة وغرقها في النيل، فمنعت المراكب من سلوك النيل. فقصدت الفرنج خليجاً يُعرف بالأزرَق، كان النيل يجري قديماً عليه، فحفروه وعَمّقوه، وأجروا الماء فيه، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى بورة، فلما صاروا في بورة حاذوا الملك الكامل وقاتلوه في الماء، وزحفوا إليه غير مرة. وأما دمياط فلم يتغير عليها شيء، لأن المسيرة متصلة بهم، والنيلُ يَحجز بينهم، وأبوابُها مُفتحة، فاتفقَ موتُ الملك العادل، فضَعُفَت النُّفوس. وكان عماد الدّين أحمد بن المشطوب أكبر أمير بمصر، والأمراء ينقادون له، فاتفقَ مع جماعةٍ، وأرادوا خَلع الكامل وتمليك أخيه الفائز، فبلغ الخبرُ الكامل، ففارق المنزلة ليلاً، وسار إلى قرية أشمون، فأصبح العسكر وقد فقدوا سُلطانهم، فلم يقف الأخ على أخيه، وتركوا خيامهم، وعبرت الفرنج النيل إلى برِّ دمياط آمنين في ذي القعدة، وحازوا المُعسكر بما فيه، وكان شيئاً عظيماً، فَمَلكهُ الفرنجُ بلا تعبٍ. ثم لَطَفَ الله ووصل المُعظم بعد هذا بيومين، والنّاس في أمرٍ مريج (١)، فقوى قلبَ أخيه وثبتهُ، وأخرجوا ابن المشطوب إلى الشام. وأمّا العُربان فتجمعت وعاثت، فكانوا أشد على المُسلمين من الفرنج. قال: وأحاط الفرنج بدمياط وقاتلوها براً وبحراً، وعملوا عليهم خندقاً يمنعهم، وهذه عادتهم، وأداموا القتال، واشتد الأمرُ على أهلها، وتعذرت عليهم الأقوات وغيرها، وسئموا القتال؛ لأنَّ الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم، ولم يكن بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال عليهم بالنوبة، ومع هذا فصبروا صبراً لم يسمع بمثله، وكثر القتل فيهم +والجراح والموتُ، ودام الحصار عليهم إلى السابع والعشرين من شعبان من سنة ست عشرة، فعجز من بقي بها عن الحفظ لقلتهم، وتعذر القُوت عليهم، فسَلَّموا بالأمان، وأقامَ طائفة عَجزوا عن الحركة. وبَثَّت الفرنج سراياهم ينهبون ويقتلون، وشرعوا في تحصين دمياط وبالغوا في ذلك، وبقي الكامل في أطراف بلاده يحميها. وتسامعَ الفرنجُ بفتح

стр. 12843

دمياط، فأقبلوا إليها من كل فجِّ عميق، وأضحت دارَ هجرتهم، وخافَ الناس كافةً من الفرنج. وأشرف الإسلام على خطَة خسف؛ أقبل التتار من المشرق، وأقبل الفرنج من المغرب، وأراد أهل مصر الجلاء عنها فمنعهم الكامل، وتابع كتبه على أخويه المعظم والأشرف يحثهما على الحضور، وكان الأشرف مشغولاً بما دهمهُ من اختلاف الكلمة عليه ببلاده عند موت القاهر صاحب الموصل. وبقي الكاملُ مدة طويلة مرابطاً في مقابلة الفرنج إلى سنة ثمان عشرة، فنجده الأشرف. وكان الفرنج قد ساروا من دمياط وقصدوا الكامل، ونزلوا مقابله وبينهما بحر أشمون (١)، وهو خليج من النيل، وبقوا يرمون بالمنجنيق والجَرْخ (٢) إلى عسكر المسلمين، وقد تَيَقّنوا هُم وكلُّ النَّاس أنهم يملكون الدّيار المصرية. وأمّا الكامل فتلقى الأشرف وسُرَّ بقدومه، وسار المُعَظَّم فقصدَ دمياط، واتفق الأشرفُ والكاملُ على قتال الفرنج، وتقربوا، وتقدمت شواني المسلمين، فقابلت شواني الفرنج، وأخذوا للفرنج ثلاث قطعٍ بما فيها، فقويت النّفوس، وترددت الرسل في الصلح، وبذل المسلمون لهم تسليم بيت المقدس، وعَسقلان، وطبريّة، وصَيدا، وجَبَلَة، واللاذقية، وجميع ما فتحهُ صلاح الدين، ﵀، سوى الكرك، فلم يرضوا، وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضاً عن تخريب بيت المقدس ليعمروه بها، فلم يتم أمر، وقالوا: لا بد من الكرك. فاضطر المسلمون إلى قتالهم، وكان الفرنج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدة أيام؛ ظناً منهم أنّ العساكر الإسلامية لا تقوم لهم، وأنَّ القرى تبقى بأيديهم وتكفيهم. فعبر طائفةٌ من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج ففجّروا النيل، فركب أكثر تلك الأرض، ولم يبقَ للفرنج جهةٌ يسلكونها غير جهةٍ واحدة ضيقة، فنصب الكامل الجسور على النيل، وعبرت العساكر، فملكوا الطريق التي يسلكها الفرنج إلى دمياط، ولم يبق لهم خلاص، ووصل إليهم مركب كبير وحوله عدّة حراقات، فوقع عليها شواني المسلمين، وظفرَ

стр. 12844

المسلمون بذلك كلِّه، فسُقِط في أيدي الفرنج، وأحاطت بهم عساكر المسلمين، واشتد عليهم الأمر، فأحرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثقالهم، وأرادوا الزحف إلى المسلمين فعجزوا وذلوا فراسلوا الكامل يطلبون الأمان ليسلموا دمياط بلا عوض، فبينما المراسلات مترددة، إذ أقبلَ جمعٌ كبير لهم رهجٌ (١) شديدٌ وجلبة عظيمةٌ من جهة دمياط، فظنه المسلمون نجدة للفرنج، فإذا به الملك المُعظم، فخُذل الفرنج، لعنهم الله، وسَلَّموا دمياط، واستقرّت القاعدة في سابع رجب سنة ثمان عشرة، وتسلمها المسلمون بعد يومين، وكان يوماً مشهوداً فدخلها العسكر، فرأوها حصينة قد بالغ الفرنج في تحصينها بحيثُ بقيت لا تُرام، فلله الحمد على ما أنعمَ به. وهذا كله ساقه ابن الأثير، ﵀، متتابعاً في سنة أربع عشرة (٢). وقال غيره، وهو سعد الدين مسعود بن حمويه فيما أنبأنا: لمّا تقرر الصلح جلس السلطان في خيمته، وحضر عنده الملوك، فكان على يمين السلطان صاحبُ حمص الملك المُجاهد، ودونه الملك الأشرف شاه أرمن، ودونه الملك المعظم عيسى، ودونه صاحب حماة، ودونه الحافظ صاحب جعبر، ومُقدم نجدة حلب، ومُقدم نجدة الموصل، ومُقدم نجدة ماردين، ومقدّم نجدة إربل، ومقدم نجدة ميافارقين، وكان على يساره نائب البابا، وصاحب عكا، وصاحب قبرص، وصاحب طرابلس، وصاحب صيدا، وعشرون من الكنود لهم قلاع في المغرب، ومقدم الداوية، ومُقدم الإسبتار. وكان يوماً مشهوداً، فرسم السلطان بمبايعتهم، وكان يحمل إليهم في كل يوم خمسين ألف رغيف، ومائتي إردب شعير، وكانوا يبيعون عددهم بالخبز ممّا نالهم من الجُوع. فلمّا سَلَّموا دمياط أطلق السلطانُ رهائنهم، وبقي صاحبُ عكا حتى يطلقوا رهائن السلطان فأبطؤوا، فركب السلطان ومعه صاحب عكا وكان خلقة هائلة فأخرج السلطان من صدر قبائه صليب الصلبوت، الذي كان صلاح الدين أخذه من خزائن خلفاء مصر فلما رآه صاحب عكا رمى بنفسه إلى الأرض، وشكر السلطان، وقال: هذا عندنا أعظم من دمياط. وقال له

стр. 12845

السلطان: خذ هذا تذكاراً من عندي، واركب في مركب، ورُح نفذ رهائننا، فلم يفعل، وبعث الصّليب مع قسيس. وحكى بعضهم قال: وفي شعبان أخذت الفرنج دمياط، وكان المُعَظم قد جهّز إليها ناهض الدين ابن الجرخي في خمسمائة راجل، فهجموا على الخندق، فقُتل الناهضُ ومن كان معه، وضعف أهل دمياط المساكين، ووقع فيهم الوباء والغلاء، وعجز الملكُ الكامل عن نُصرتهم، فسلّموها بالأمان، وفتحوا للفرنجُ، فغدروا، لعنهم الله، وقتلوا وأسروا، وجعلوا الجامعَ كنيسةً، وبعثوا بالمصاحف ورؤوس القتلى إلى الجزائر. وكان بدمياط الشّيخ أبو الحسن بن قُفل الزاهد صاحب زاوية، فما تعرضوا له، قال أبو شامة (١): أنا رأيته بدمياط سنة ثمانٍ وعشرين. وبلغَ الكاملَ والمُعَظم فبكيا بكاءً شديداً، وقال الكامل للمُعظم: ما في مقامك فائدة، فانزل إلى الشّام وشوش خواطر الفرنج، واجمع العساكر من الشرق. قال ابن واصل في أخذ دمياط (٢): وحين جرى هذا الأمر الفظيع، ابتنى الملك الكامل مدينة، وسماها المنصورة عند مفرق البحرين الآخذ أحدهما إلى دمياط، والآخر إلى أشمون، ومصبهُ في بحيرة تِنّيس، ثمّ نزلها بجيشه، وبنى عليها سوراً. وذكر ابن واصل: أنّ تملّك الفرنج دمياط كان في عاشر رمضان. قال أبو المظفر (٣): فكتب إلي المعظم وأنا بدمشق بتحريض الناس على الجهاد ويقول: إني كشفتُ ضياع الشام فوجدتها ألفي قرية، منها ألف وستمائة قرية أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية، وكم مقدار ما يقيم هذه الأربعمائة من العساكر؟ فأريد أن تُخرج الدماشقة ليذبوا عن أملاكهم. فقرأتُ عليهم كتابهُ في المِيعاد، فتقاعدوا، فكان تقاعدهم سبباً لأخذ الخمس والثمن من أموالهم، وكتب إلي: إذا لم يخرجوا فسر أنت إلي. فخرجتُ إلى الساحل، وقد نزل

стр. 12846

على قيسارية، فأقمنا حتى افتتحها عنوة، ثم نزل على حصن البقر فافتتحه وهدمه، وقدم دمشق. وفيها ألبس الملك المعظم قاضي القضاة زكي الدين الطاهر القباء والكلوتة بمجلس الحكم بداره. قال أبو المظفر (١): كان في قلب المُعظم منه حزازات، كان يمنعه من إظهارها حياؤه من أبيه (٢)، وكان يشكو إلي مراراً. ومرضت ستُّ الشام عمة المُعَظَّم، وكانت أوصت بدارها مدرسةً، فأحضرت القاضي المذكور والشهود، وأوصت إلى القاضي، وبلغَ ذلك المعظم فعزَّ عليه، وقال: يحضر إلى دار عمتي بغير إذني ويسمع كلامها. ثم اتفق أنّ القاضي أحضر جابي العزيزية وطلب منه حساباً، فأغلظ له، فأمر بضربه، فضُرب بين يديه كما تفعل الوُلاة. فوجد المُعظم سبيلاً إلى إظهار ما في نفسه، وكان الجمال المصري وكيل بيت المال عدواً للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي والشهود حاضرون، فبعث المعظم بقجةً فيها قباء وكلوتة، وأمر أن يحكم بهما بينَ الناس، فقام من خوفه فلبسهما، وحكم بين اثنين. قال أبو شامة (٣): جابي المدرسة هو السديد سالم بن عبد الرزاق خطيب عقربا، وجاء الذي ألبسه الخلعة إلى عند شيخنا السخاوي، فتأوه الشيخ وضرب بيده على الأخرى، فكان مما حكى أن قال: أمرني السلطان أن أقول له: السلطان يسلّم عليك ويقول لك: الخليفة سلام الله عليه إذا أراد أن يُشرف أحداُ خلعَ عليه من ملابسه؛ ونحن نسلك طريقه. وفتحتُ البقجة، فلمّا رآها وجم، فأمرته بترك التوقف، فمد يدهُ ووضع القباء على كتفيه، ووضع عمامته وحط الكلوتة على رأسه، ثم قام ودخل بيته. قال أبو شامة (٤): ومن لطف الله به أن كان المجلس في داره، ثم لزم بيته، ولم تطُل حياته بعدها، ومات في صفر سنة سبع عشرة، رمى قطعاً من كبده، وتأسف الناس لما جرى عليه، وكان يحبّ أهل الخير، ويزور الصّالحين.

стр. 12847

وبقي نوابهُ يحكمون بين الناس: ابن الشيرازي، وابن سني الدولة، وشرف الدّين ابن الموصلي الحنفي، كان يحكم بالطرخانية بجيرون، ثم بعد مدّة أضيف إليهم الجمال المصري. وقال أبو المظفر (١): كانت واقعة قبيحة، ولقد قلتُ له يوماً: ما فعلتَ هذا إلا بصاحب الشرع؟ ولقد وجب عليك دية القاضي، فقال: هو أحوجني إلى هذا، ولقد ندمتُ. واتفق أنّ المُعظم بعثَ إلى الشرف ابن عُنين - حين تزهد - خمراً ونرداً، وقال: سبح بهذا! فكتبت إليه (٢): يا أيها الملكُ المُعظمُ، سُنّةً … أحدثتها تبقى على الآباد تجري المُلوكُ على طريقك بعدها … خَلع القُضاة وتُحفةُ الزهاد سنة سبع عشرة وستمائة فيها قصد مظفر الدين صاحب إربل الموصل، فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ، فكسره مظفر الدين، وأفلت لؤلؤ وحده، ونازل مظفرُ الدين الموصل، فجاء الملك الأشرفُ من حران نجدةً للؤلؤ، ثم وقع الصلح. وفيها كانت فتنة ابن المشطوب، لما كان المعظم بديار مصر عام أول، بلغه أن الملك الفائز أخاه قد اتفق مع الأمير عماد الدين ابن المشطوب أحد الأمراء الكبار على أخيه الكامل، وقد استحلف للفائز العساكر. فعرف الكاملُ فرحل إلى أشموم، وهم بالتوجه إلى اليمن، ويئس من البلاد، فقال له المُعظم: لا بأس عليك، وركب وجاء إلى خيمة ابن المشطوب، فخرج إلى خدمته بغير خف، وركب معه، فسير معه، فأبعد به، وقال: أخي الأشرف قد طلبك فسر إليه مسرعاً. فقال: ما معي غلماني ولا قماشي، فوكل به جماعة، وقال: هؤلاء في خدمتك. وأعطاه نفقة خمسمائة دينار، وقال: كل شيء تريد يلحقك في الحال. فسار، وجهز المعظم جميع أحواله خلفه، ثم رجع إلى مخيمه، فجاء الكامل إليه وقبل الأرض بين يديه. وأما الفائز فخاف خوفاً عظيماً، واجتاز ابن المشطوب على دمشق وحماة، وعدى الفرات إلى الأشرف فتلقاه وأكرمه، فصار يركب بالشبابة،

стр. 12848

ويعمل له موكباً كالأشراف، فأعطاه أرجيش (١)، فتجبر، وخامر على الأشرف، وطلع إلى ماردين، ثم قصد سنجار في هذه السنة، وساعدهُ صاحبُ ماردين، فسار لحربه الملكُ الأشرف، فدخل ابن المشطوب إلى تلعفر (٢)، فأنزله بدرُ الدين لؤلؤ صاحبُ الموصل بالأمان، وحملهُ معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الأشرف، فألقاه في الجُبِّ، فمات بالقملِ والجوع. وكان عماد الدين ابن نور الدين صاحب قرقيسيا مع الأشرف، فكاتب ابن المشطوب، فعلم الأشرفُ فحبسه وبعث به مع العلم قيصر المعروف بتعاسيف إلى قرقيسيا وعانة، فعلقه تحت القلعتين وعذبه، وتسلم تعاسيفُ جميع بلاده، وأراد الأشرف أن يرميه في الجب، فشفع فيه الملك المُعظم، فأطلقه، فسار إلى دمشق فأحسن إليه المعظم، واشترى بُستان ابن حيوس بنواحي العُقيبة، وبنى فيه قبة، وأقام به إلى أن مات، ودُفن بالقُبة، وهي على الطريق في آخر عمارة العُقيبة من شماليها بغربٍ. وفيها تزوج الأخوان المنصور إبراهيم، والمسعود أحمد، ابنا أسد الدّين بابنتي الملك العادل، أختي الصالح إسماعيل لأبويه، وتزوج أخوهُما يعقوب بابنة المُعظم، وتزوج عُمر ابن المُعظم بابنة أسد الدِّين، ومهر كل منهن ثلاثون ألف دينار. ودرس بالعزيزية القاضي ابن الشيرازي. وفيها عمل عزاء شيخ الشيوخ ابن حمويه بجامع دمشق، فتكلم واعظ وأنشد أبيات ابن سينا: هبطت إليك من المحل الأرفع. فأنكر القاضي الجمال المصري وقال: هذه الأبيات قول زنديق، وأمره بالنزول فتعصب له جماعة فتمم ونزل، وسكن المُعتمد العصبية بعد أن جذبت سكاكين. ثم عزل ابن الشيرازي من العزيزية بالآمدي. وفيها قتل صاحب سنجار أخاه، فسار الملك الأشرف إليها فأخذها، وعوض صاحبها الرقة، فنزل من سنجار بأهله، وهو آخر ملوك البيت الأتابكي، ومدة ملكهم أربعٌ وتسعون سنة، ومات بعد أن تسلم الرقة بقليلٍ،

стр. 12849

وانقصف شبابهُ ولم يُمتع بعد قتل أخيه. وفي رجب كانت وقعة البرلس، وكانت وقعة هائلة بين الفرنج والكامل، قتل الكامل منهم عشرة آلاف، وأخذ غنائمهم وخيلهم (١)، وانهزموا إلى دمياط. وفيها عزل المعتمد عن ولاية دمشق، وولي الغرس خليل. وحج فيها المعتمد بالركب، وحج بركب بغداد آقباش الناصري، فقُتل بمكة، وعاد ركبُ العراق مع الشاميين، وكان مع آقباش تقليدٌ بإمرة مكة لحسن بن قتادة بن إدريس، لأن أباه مات في وسط العام، فجاءهُ بعرفات راجحٌ أخو حسن وقال: أنا أكبر ولد قتادة فولني، وظن حسنٌ أن آقباش قد ولى راجحاً، فغلق مكة، ثم نزل آقباش بشبيكة، وركب ليسكن الفتنة ويصلح بين الأخوين، فبرز عبيدُ حسن يقاتلونه، فقال: ما قصدي القتال. فلم يلتفتوا إليه، وثاروا به، فانهزم أصحابه وبقي وحده، فجاء عبدٌ فَعرقَبَ فرسهُ، فوقع، فقتلوه، وحملوا رأسه على رُمحَ فنصب بالمسعى. وأرادوا نهب العراقيين، فقام المُعتمد في الأمر، وخوف الحسن من الكامل والمُعظم. وكان آقباش قد اشتراه الناصر لدين الله وهو أمرد بخمسة آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أحسنُ منه صورةً، وكان عاقلاً متواضعاً، وحزن عليه الخليفة. خروجُ التتار قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي (٢): كان أول ظهورهم بما وراء النهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بُخارى وسمرقند وقتلوا أهلها، وحاصروا خوارزم شاه، ثم بعد ذلك عبروا النهر، فوجدوا الخطا قد كسروا خوارزم شاه، فانضم إليهم الخطا وصاروا تبعاً لهم. وكان خوارزم شاه قد أباد المُلوك من مدن خُراسان، فلم يجد التتار أحداً في وجههم، فطووا البلاد قتلاً وسبياً، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة، وتوجهوا إلى أذربيجان. وقال ابن الأثير في كامله (٣): لقد بقيتُ مدة معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، أقدمُ رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه

стр. 12850

أن يكتب نعي الإسلام، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مُتُ قبل حدوثها. ثم حثني جماعةٌ على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل (١) يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت (٢) الدهور عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المُسلمين، فلو قال قائل: إنَّ العالم منذ خلقهُ الله إلى الآن لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها. ومن أعظم ما يذكرون فعل بختُ نصر ببني إسرائيل بالبيت المُقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟! فهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريحُ، فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تُركستان، مثل كاشغر، وبلاشغون (٣)، ثم منها إلى بخارى، وسمرقند فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبُرُ طائفةٌ منهم إلى خُراسان فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلاً وإبادة إلى الري وهمذان إلى حد العراق، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة، أمر لم يسمع بمثله. ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنهُ، ولم يسلم غير القلعة التي فيها ملكهم، وعبروا من عندها إلى بلد اللان واللكز فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم من أكثر الترك عدداً، فقتلوا من وقف، وهرب الباقون إلى الشعراء (٤) والغياض ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى التتر عليها. ومضى طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها، وسجستان وكرمان، ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد، هذا ما لم يطرق الأسماع مثله؛ فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، وإنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحداً، إنما رضي بالطاعة. وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض
следующие страницы →