← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 12846–12885 · переход к 12851.

стр. 12846

على قيسارية، فأقمنا حتى افتتحها عنوة، ثم نزل على حصن البقر فافتتحه وهدمه، وقدم دمشق. وفيها ألبس الملك المعظم قاضي القضاة زكي الدين الطاهر القباء والكلوتة بمجلس الحكم بداره. قال أبو المظفر (١): كان في قلب المُعظم منه حزازات، كان يمنعه من إظهارها حياؤه من أبيه (٢)، وكان يشكو إلي مراراً. ومرضت ستُّ الشام عمة المُعَظَّم، وكانت أوصت بدارها مدرسةً، فأحضرت القاضي المذكور والشهود، وأوصت إلى القاضي، وبلغَ ذلك المعظم فعزَّ عليه، وقال: يحضر إلى دار عمتي بغير إذني ويسمع كلامها. ثم اتفق أنّ القاضي أحضر جابي العزيزية وطلب منه حساباً، فأغلظ له، فأمر بضربه، فضُرب بين يديه كما تفعل الوُلاة. فوجد المُعظم سبيلاً إلى إظهار ما في نفسه، وكان الجمال المصري وكيل بيت المال عدواً للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي والشهود حاضرون، فبعث المعظم بقجةً فيها قباء وكلوتة، وأمر أن يحكم بهما بينَ الناس، فقام من خوفه فلبسهما، وحكم بين اثنين. قال أبو شامة (٣): جابي المدرسة هو السديد سالم بن عبد الرزاق خطيب عقربا، وجاء الذي ألبسه الخلعة إلى عند شيخنا السخاوي، فتأوه الشيخ وضرب بيده على الأخرى، فكان مما حكى أن قال: أمرني السلطان أن أقول له: السلطان يسلّم عليك ويقول لك: الخليفة سلام الله عليه إذا أراد أن يُشرف أحداُ خلعَ عليه من ملابسه؛ ونحن نسلك طريقه. وفتحتُ البقجة، فلمّا رآها وجم، فأمرته بترك التوقف، فمد يدهُ ووضع القباء على كتفيه، ووضع عمامته وحط الكلوتة على رأسه، ثم قام ودخل بيته. قال أبو شامة (٤): ومن لطف الله به أن كان المجلس في داره، ثم لزم بيته، ولم تطُل حياته بعدها، ومات في صفر سنة سبع عشرة، رمى قطعاً من كبده، وتأسف الناس لما جرى عليه، وكان يحبّ أهل الخير، ويزور الصّالحين.

стр. 12847

وبقي نوابهُ يحكمون بين الناس: ابن الشيرازي، وابن سني الدولة، وشرف الدّين ابن الموصلي الحنفي، كان يحكم بالطرخانية بجيرون، ثم بعد مدّة أضيف إليهم الجمال المصري. وقال أبو المظفر (١): كانت واقعة قبيحة، ولقد قلتُ له يوماً: ما فعلتَ هذا إلا بصاحب الشرع؟ ولقد وجب عليك دية القاضي، فقال: هو أحوجني إلى هذا، ولقد ندمتُ. واتفق أنّ المُعظم بعثَ إلى الشرف ابن عُنين - حين تزهد - خمراً ونرداً، وقال: سبح بهذا! فكتبت إليه (٢): يا أيها الملكُ المُعظمُ، سُنّةً … أحدثتها تبقى على الآباد تجري المُلوكُ على طريقك بعدها … خَلع القُضاة وتُحفةُ الزهاد سنة سبع عشرة وستمائة فيها قصد مظفر الدين صاحب إربل الموصل، فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ، فكسره مظفر الدين، وأفلت لؤلؤ وحده، ونازل مظفرُ الدين الموصل، فجاء الملك الأشرفُ من حران نجدةً للؤلؤ، ثم وقع الصلح. وفيها كانت فتنة ابن المشطوب، لما كان المعظم بديار مصر عام أول، بلغه أن الملك الفائز أخاه قد اتفق مع الأمير عماد الدين ابن المشطوب أحد الأمراء الكبار على أخيه الكامل، وقد استحلف للفائز العساكر. فعرف الكاملُ فرحل إلى أشموم، وهم بالتوجه إلى اليمن، ويئس من البلاد، فقال له المُعظم: لا بأس عليك، وركب وجاء إلى خيمة ابن المشطوب، فخرج إلى خدمته بغير خف، وركب معه، فسير معه، فأبعد به، وقال: أخي الأشرف قد طلبك فسر إليه مسرعاً. فقال: ما معي غلماني ولا قماشي، فوكل به جماعة، وقال: هؤلاء في خدمتك. وأعطاه نفقة خمسمائة دينار، وقال: كل شيء تريد يلحقك في الحال. فسار، وجهز المعظم جميع أحواله خلفه، ثم رجع إلى مخيمه، فجاء الكامل إليه وقبل الأرض بين يديه. وأما الفائز فخاف خوفاً عظيماً، واجتاز ابن المشطوب على دمشق وحماة، وعدى الفرات إلى الأشرف فتلقاه وأكرمه، فصار يركب بالشبابة،

стр. 12848

ويعمل له موكباً كالأشراف، فأعطاه أرجيش (١)، فتجبر، وخامر على الأشرف، وطلع إلى ماردين، ثم قصد سنجار في هذه السنة، وساعدهُ صاحبُ ماردين، فسار لحربه الملكُ الأشرف، فدخل ابن المشطوب إلى تلعفر (٢)، فأنزله بدرُ الدين لؤلؤ صاحبُ الموصل بالأمان، وحملهُ معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الأشرف، فألقاه في الجُبِّ، فمات بالقملِ والجوع. وكان عماد الدين ابن نور الدين صاحب قرقيسيا مع الأشرف، فكاتب ابن المشطوب، فعلم الأشرفُ فحبسه وبعث به مع العلم قيصر المعروف بتعاسيف إلى قرقيسيا وعانة، فعلقه تحت القلعتين وعذبه، وتسلم تعاسيفُ جميع بلاده، وأراد الأشرف أن يرميه في الجب، فشفع فيه الملك المُعظم، فأطلقه، فسار إلى دمشق فأحسن إليه المعظم، واشترى بُستان ابن حيوس بنواحي العُقيبة، وبنى فيه قبة، وأقام به إلى أن مات، ودُفن بالقُبة، وهي على الطريق في آخر عمارة العُقيبة من شماليها بغربٍ. وفيها تزوج الأخوان المنصور إبراهيم، والمسعود أحمد، ابنا أسد الدّين بابنتي الملك العادل، أختي الصالح إسماعيل لأبويه، وتزوج أخوهُما يعقوب بابنة المُعظم، وتزوج عُمر ابن المُعظم بابنة أسد الدِّين، ومهر كل منهن ثلاثون ألف دينار. ودرس بالعزيزية القاضي ابن الشيرازي. وفيها عمل عزاء شيخ الشيوخ ابن حمويه بجامع دمشق، فتكلم واعظ وأنشد أبيات ابن سينا: هبطت إليك من المحل الأرفع. فأنكر القاضي الجمال المصري وقال: هذه الأبيات قول زنديق، وأمره بالنزول فتعصب له جماعة فتمم ونزل، وسكن المُعتمد العصبية بعد أن جذبت سكاكين. ثم عزل ابن الشيرازي من العزيزية بالآمدي. وفيها قتل صاحب سنجار أخاه، فسار الملك الأشرف إليها فأخذها، وعوض صاحبها الرقة، فنزل من سنجار بأهله، وهو آخر ملوك البيت الأتابكي، ومدة ملكهم أربعٌ وتسعون سنة، ومات بعد أن تسلم الرقة بقليلٍ،

стр. 12849

وانقصف شبابهُ ولم يُمتع بعد قتل أخيه. وفي رجب كانت وقعة البرلس، وكانت وقعة هائلة بين الفرنج والكامل، قتل الكامل منهم عشرة آلاف، وأخذ غنائمهم وخيلهم (١)، وانهزموا إلى دمياط. وفيها عزل المعتمد عن ولاية دمشق، وولي الغرس خليل. وحج فيها المعتمد بالركب، وحج بركب بغداد آقباش الناصري، فقُتل بمكة، وعاد ركبُ العراق مع الشاميين، وكان مع آقباش تقليدٌ بإمرة مكة لحسن بن قتادة بن إدريس، لأن أباه مات في وسط العام، فجاءهُ بعرفات راجحٌ أخو حسن وقال: أنا أكبر ولد قتادة فولني، وظن حسنٌ أن آقباش قد ولى راجحاً، فغلق مكة، ثم نزل آقباش بشبيكة، وركب ليسكن الفتنة ويصلح بين الأخوين، فبرز عبيدُ حسن يقاتلونه، فقال: ما قصدي القتال. فلم يلتفتوا إليه، وثاروا به، فانهزم أصحابه وبقي وحده، فجاء عبدٌ فَعرقَبَ فرسهُ، فوقع، فقتلوه، وحملوا رأسه على رُمحَ فنصب بالمسعى. وأرادوا نهب العراقيين، فقام المُعتمد في الأمر، وخوف الحسن من الكامل والمُعظم. وكان آقباش قد اشتراه الناصر لدين الله وهو أمرد بخمسة آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أحسنُ منه صورةً، وكان عاقلاً متواضعاً، وحزن عليه الخليفة. خروجُ التتار قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي (٢): كان أول ظهورهم بما وراء النهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بُخارى وسمرقند وقتلوا أهلها، وحاصروا خوارزم شاه، ثم بعد ذلك عبروا النهر، فوجدوا الخطا قد كسروا خوارزم شاه، فانضم إليهم الخطا وصاروا تبعاً لهم. وكان خوارزم شاه قد أباد المُلوك من مدن خُراسان، فلم يجد التتار أحداً في وجههم، فطووا البلاد قتلاً وسبياً، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة، وتوجهوا إلى أذربيجان. وقال ابن الأثير في كامله (٣): لقد بقيتُ مدة معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، أقدمُ رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه

стр. 12850

أن يكتب نعي الإسلام، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مُتُ قبل حدوثها. ثم حثني جماعةٌ على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل (١) يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت (٢) الدهور عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المُسلمين، فلو قال قائل: إنَّ العالم منذ خلقهُ الله إلى الآن لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها. ومن أعظم ما يذكرون فعل بختُ نصر ببني إسرائيل بالبيت المُقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟! فهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريحُ، فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تُركستان، مثل كاشغر، وبلاشغون (٣)، ثم منها إلى بخارى، وسمرقند فيملكونها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبُرُ طائفةٌ منهم إلى خُراسان فيفرغون منها ملكاً وتخريباً وقتلاً وإبادة إلى الري وهمذان إلى حد العراق، ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة، أمر لم يسمع بمثله. ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنهُ، ولم يسلم غير القلعة التي فيها ملكهم، وعبروا من عندها إلى بلد اللان واللكز فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم من أكثر الترك عدداً، فقتلوا من وقف، وهرب الباقون إلى الشعراء (٤) والغياض ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى التتر عليها. ومضى طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها، وسجستان وكرمان، ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد، هذا ما لم يطرق الأسماع مثله؛ فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، وإنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحداً، إنما رضي بالطاعة. وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض

стр. 12851

وأحسنه وأعمرهُ في نحو سنة، ولم يبقَ أحدٌ في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائفٌ يترقب وصولهم إليه. ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة، ومددهم يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام والبقرُ والخيل يأكلون لحومها لا غير. وأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عُروق النبات، ولا تعرف الشعير. وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئاً، ويأكلون جميع الدواب وبني آدم (١). ولا يعرفون نكاحاً، بل المرأة يأتيها غيرُ واحد، فإذا جاء الولدُ لا يعرف أبوه. وتهيأ لهم أخذ الممالك، لأن خُوارزم شاه محمداً كان قد استولى على البلاد، وقهر ملوكها وقتلهم، فلما انهزم من التتار لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهم نوع من التُرك، مساكنهم جبال طمغاج، بينها وبين بلاد الشرق أكثر من ستة أشهر، وكان ملكهم جنكزخان قد فارق بلاده، وسار إلى نواحي تُركستان، وسير معه جماعة من الأتراك التجار، ومعهم شيء كثير من النقرة والقندز (٢) وغير ذلك، إلى بلاد ما وراء النهر ليشتروا له ثياباً وكسوةً، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى أوترار، وهي آخر ولاية خُوارزم شاه، وله بها نائبٌ. فلما ورد عليه هذه الطائفة، أرسل عرف السلطان (٣)، فبعث يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم، وكان شيئاً كثيراً. وكان بعد مملكته مملكة الخطا، وقد سد الطرق من بلاد تُركستان وما بعدها من البلاد، لأن طائفةً من التتار أيضاً كانوا قد خرجوا من قديم الزمان والبلاد للخطا. فلما ملك خُوارزم شاه، وكسر الخطا، واستولى على بلادهم، استولى هؤلاء التتار على تُركستان، وصاروا يحاربون نواب خُوارزم شاه، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوة وغيرها. وقيل غير ذلك. فلما قتل أولئك التجار، بعث جواسيس يكشفون له جيش جنكزخان، فمضوا وسلكوا المفاوز والجبال، وعادوا بعد مدة، وأخبروا بأنهم يفوقون

стр. 12852

الإحصاء، وأنهم من أصبر خلق الله على القتال، لا يعرفون هزيمة، ويعملون سلاحهم بأيديهم، فندم خوارزم شاه على قتل تجارهم، وحصل عنده فكر زائدٌ، فأحضر الفقيه شهاب الدين الخيوقي فاستشاره، فقال: اجمع عساكرك ويكون التغير عاماً، فإنه يجب على الإسلام ذلك، ثم تسير بالجيوش إلى جانب سيحون، وهو نهر كبير يفصل بين الترك وبلاد ما وراء النهر، فتكون هناك، فإذا وصل إليه العدو وقد سار مسافة بعيدة، لقيناه، ونحن مستريحون، وهم في غاية التعب. فجمع الأمراء واستشارهم، فلم يوافقوه على هذا، بل قالوا: الرأي أن نتركهم يعبرون سيحون إلينا، ويسلكون هذه الجبال والوعر، فإنهم جاهلون بطُرقٌها، ونحن عارفون بها، فنقوى حينئذٍ عليهم ويهلكون. فبينما هم كذلك إذ قدم رسول جنكزخان يتهدّد خُوارزم شاه ويقول: تقتلون تُجاري وتأخذون أموالهم، استعدوا للحرب، فها أنا واصلٌ إليكم بجمع لا قبل لكم به. وكان قد سار وملك كاشغر وبلا ساغون وأزال عنها التتار الأولين، فلم يظهر لهم أثر، ولا بقي لهم خبر، بل أبادهم، فقتل خُوارزم شاه الرسول، وأما أصحابه فحلق لحاهم، وردهم إلى جنكزخان يقولون له: إنه سائر إليك. وبادر خُوارزم شاه ليسبقَ خبرهٌ ويكبس التتار، فقطع مسيرة أربعة أشهر (١)، فوصل إلى بيوت التتار، فما وجد فيها إلى الحريم فاستباحها، وكان التتار قد ساروا إلى محاربة ملك من ملوك التُرك يقال له كشلوخان فهزموه، وغنموا أمواله، وعادوا فجاءهم الصريخ بما جرى، فجدوا في السير فأدركوا خوارزم شاه، وعملوا معه مصافاً لم يسمع بمثله، واقتتلوا أشد قتال، وبقوا في الحرب ثلاثة أيام ولياليها، وقتل من الطائفتين خلق لا يحصون، وثبت المسلمون وأبلوا بلاء حسناً، وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبقَ للمسلمين باقية، وأنهم يؤخذون لبُعدهم عن الديار. وأما الكفار التتار فصبروا لاستنقاذ أموالهم وحريمهم، واشتد بهم الأمر حتى كان أحدهم ينزل عن فرسه وقرنه (٢) راجل، فيقتتلان بالسكاكين. وجرى الدم حتى زلقت الخيل فيه من كثرته، واستفرغ

стр. 12853

الفريقان وسعهم في الصبر. وهذا القتال كله مع ابن جنكزخان، فإن أباه لم يحضر الوقعة، ولم يشعر بها، وقتل من المسلمين عشرون ألفاً، ومن الكفار ما لا يُحصى. فلما كانت الليلة الرابعة نزل بعضهم مقابل بعضهم، فلما كان الليل أوقد التتار نيرانهُم، وتركوها بحالها وساروا، وكذلك فعل المسلمون أيضاً، كل منهم قد سئم القتال. ورجع المسلمون إلى بخارى، فاستعدوا للحصار لعلم خُوارزم شاه بعجزه، لأن طائفة من التتار لم يقدر أن يظفر بهم، فكيف إذا جاؤوا بأجمعهم مع ملكهم جنكزخان؟ فأمر أهل بخارى وسمرقند يستعدون للحصار، وجعل ببخارى عشرين ألف فارس، وفي سمرقند خمسين ألف فارس، وقال: احفظوا البلاد حتى أعود إلى خُوارزم وأجمع العساكر وأعود. ثم عبر النهر ونزل على بلخ، فعسكر هناك. وأما التتار فإنهم أقبلوا، فنازلوا بخارى وحاصروها ثلاثة أيام وزحفوا، ففر من بها من العساكر، وطلبوا خُراسان في الليل، فأصبح البلدُ خالياً من العسكر، فأخرجوا القاضي بدر الدين ابن قاضي خان ليطلب لهم الأمان، فأعطوهم الأمان، واعتصم طائفة من العسكر بالقلعة، ففتحت أبواب بُخارى للتتار في رابع ذي الحجّة سنة ست عشرة، فدخلت التتار ولم يتعرضوا إلى أحد، بل طلبوا الحواصل السلطانية، وطلبوا منهم المساعدة على قتال من بالقلعة، وأظهروا العدل. ودخل جنكزخان؛ لعنه الله، وأحاط بالقلعة، ونادى في البلد أن لا يتخلف أحدٌ، من تخلف قتل، فحضروا كلهم لطم الخندق، وطموه بالتراب والأخشاب، حتى إن التتار كانوا يأخذون المنابر وربعات الكتاب العزيز فيلقونها في الخندق، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم زحفوا على القلعة وبها أربعمائة فارس، فمنعوها اثني عشر يوماً، فوصلت النقوب إلى سورها. واشتد القتال، فغضب جنكزخان ورد أصحابهُ ذلك اليوم، وباكرهم من الغد، وجدوا في القتال، فدخلوا القلعة، وصدقهم أهلها (١) حتى قتلوا عن آخرهم. ثم أمر جنكزخان أن يُكتب له رؤوس البلد، ففعلوا، ثم أحضرهم فقال: أريد منكم النقرة التي باعكم خُوارزم شاه فإنها لي. فأحضر كل من عند شيء منها،

стр. 12854

ثم أمرهم بالخروج من البلد، فخرجوا مجردين، فأمر التتار أن ينهبوا البلد، فنهبوه، وقتلوا من وجدوا به، وأمر التتار أن يقتسموا المُسلمين، فتمزقوا كل مُمُزق، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها، وسبوا النساء. ومن الناس من قاتل حتى قُتل، وكذا فعل الإمام ركن الدين إمام زادة، والقاضي صدر الدين وأولادهم. ثم ألقت التتار النار في البلد والمدارس والمساجد. وعذبوا الرؤساء في طلب المال. ثم رحلو نحو سمرقند وقد تحققوا عجز خُوارزم شاه عنهم واستصحبوا أسارى بُخارى معهم مشاةً في أقبح حالٍ، ومن عجز قتلوهُ، فأحاطوا أيضاً بسمرقند، وبها خمسون ألف مقاتل، فخرج إليهم الشجعان من الرّجالة وغيرهم، فانهزموا لهم وأطمعوهم، ولم يخرج من الخمسين ألف أحدٌ لما قد وقر في قلوبهم من الرعب، وكان التتار قد أكمنوا لهم، فلما جازت الرجالُ ذلك الكمين، خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد، فلم يسلم منهم أحدٌ. قال: وكانوا على ما قيل سبعين ألفاً ﵏، فضعفت نفوسُ الجُند والعامة، وأيقنوا بالهلاك، وطلب الجند الأمان، فأجابوهم، وفتحوا البلد، وخرجوا إلى التتار بأهاليهم وأموالهم، فقال لهم التتار: ادفعوا إلينا سلاحكم وخيلكم وأموالكم، ونحن نسيركم إلى مأمنكم. ففعلوا ذلك، فلما كان رابع يوم نادوا في العوام: ليخرجوا كلهم، ومن تأخر قتل، فخرج الجميعُ، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بُخارى، نهبوا وسبوا وأحرقوا الجامع، وذلك في المُحرم من هذه السنة. ثم سير جنكزخان عشرين ألف فارس خلف خُوارزم شاه، فأتوا جيحون، فعملوا من الخشب مثل الأحواض، وألبسوها جلود البقر لئلا يدخلها الماءُ، ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم، وألقوا الخيل في الماء، وأمسكوا بأذنابها، وتلك الحياض مشدودة إليهم، فكان الفرسُ يجذب الرجل، والرجل يجذب الحوض، فعبروا كلهم، فلم يشعر خُوارزم شاه إلا وقد خالطوه. واختلفت الخطا عليه، كما ذكرنا، وانهزم، وساقوا وراءه إلى أن ركب البحر إلى قلعة له فأيسوا منه، وقصدوا الري وبلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت، وصادفوا في الطريق والدة خُوارزم شاه ونساءهٌ وخزائنه، وكان قصدها أصبهان، فأخذوها وسيروها برمتها إلى جنكزخان وهو بسمرقند.

стр. 12855

ثم دخلوا الري وقتلوا وسبوا، ووصلوا إلى زنجان فبدعوا، ثم عطفوا إلى قزوين فحاصروها وأخذوها بالسيف، وقتل من الفريقين ما لا يحصى، قيل: بلغوا أربعين ألفاً. ثم ساروا إلى أذربيجان فاستباحوها. ثم نازلوا تبريز وبها ابن البهلوان، فصالحهم على مالٍ وتحفٍ، فساروا عنه ليشتوا على ساحل البحر، لأنه قليل البرد وبه المرعى، فوصلوا إلى مُوقان، وتطرقوا إلى بلاد الكُرج، فبرز لهم من الكرج عشرةٌ آلاف مقاتل، فحاربوهم ثم انهزموا، فتبعهم التتار إلى قرب تفليس وذلك في ذي القعدة من سنة سبع عشرة. ثم ساروا إلى مراغة، وكانت لامرأة، فحاصروها، ثم ملكوها بالسيف، وقتلوا ما لا يحصى، واختفى خلق، فكان التتار يأخذون الأسرى ويقولون: نادوا في الدروب: إن التتار قد رحلوا. فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيقتلونه حتى قيل إن رجلاً من التتار دخل درباً فيه ما يزيد على مائة رجل، فما زال يقتل واحداً واحداً حتى أفناهم، ولا يمد أحد منهم يدهُ إليه بسوء، نعوذ بالله من الخذلان. ثم رحلوا إلى نحو إربل فاجتمع بعض عسكر العراق وعسكر الموصل مع مظفر الدين، فلما سمعوا باجتماع العساكر تقهقروا ظناً منهم أن العسكر يتبعهم، فلما لم يروا أحداً تبعهم أقاموا. وأقام العسكر عند دقوقاً، ثم عادوا إلى بلادهم إلى همذان وغيرها، وجعلوا لهم بها شحنة، وأرسلوا إليه يأمرونه ليطلب لهم من أهلها أموالاً وقماشاً، ولم يكن خلوا لهم شيئاً، فاجتمع العامة عند الرئيس بهمذان، ومعهم رجل فقيه قد قام في اجتماع الكلمة على الكفار، فقال لهم الرئيس العلوي: كيف الحيلة ونحن نعجز عنهم؟ فما لنا إلا مصانعتهم بالأموال. فقالوا له: أنت أشد علينا من الكفار، وأغلظوا له، فقال: أنا واحدٌ منكم فاصنعوا ما شئتم، فوثبوا على الشحنة فقتلوه، وتحصنوا، فتقدم التتار وحاصروهم، فخرج لحربهم العامة والرئيس والفقيه في أوائلهم، فقتلوا من التتار خلقاً، وجُرح الفقيهُ عدة جراحاتٍ، وافترقوا، ثم خرجوا من الغد، فاقتتلوا أشد قتال، وقُتل من التتر أكثر من اليوم الأول. وأرادوا الخروج في اليوم الثالث فعجز الفقيه عن الركوب من الجراحات، وطلب الناسُ الرئيس، فإذا به قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله إلى قلعة هناك،

стр. 12856

فتحصن بها. وبقي الناس حيارى، إلا أنهم اجتمعت كلمتهم على الجهاد إلى أن يموتوا. وكان التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم، فلما لم يروا أحداً خرج لقتالهم طمعوا، واستدلوا على ضعفهم، فقصدوهم وقاتلوهم وذلك في رجب من سنة ثمان عشرة وستمائة. ودخلوا البلد بالسيف، وقاتلهم الناس في الدروب، وبطل السلاح للزحمة، واقتتلوا بالسكاكين، فقتل ما لا يحصى. ثم ألقي في همذان النار فأحرقوها، ورحلوا إلى تبريز وقد فارقها صاحبها أوزبك بن البهلوان، وكان لا يزال منهمكاً على الخمور، يبقى الشهر والشهرين لا يظهر، وإذا سمع هيعة طار، وله جميع بلاد أذربيجان وأران، ثم قصد نقجوان، وسير نساءه وأهله إلى خوي، فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائي، وجمع كلمة أهلها، وحصن البلد، فلما سمع التتار بقوتهم أرسلوا يطلبون منهم مالاً وثياباً، فسيروا لهم ذلك. ثم رحلوا إلى بيلقان فحصروها، فطلب أهلها رسولاً يقررون معه الصلح، فأرسل إليهم مقدماً كبيراً فقتلوه، فزحفت التتارُ على البلد وافتتحوه عنوة في رمضان من سنة ثمان عشرة، ولم يبقوا على صغير ولا كبير، وكانوا يفجرون بالمرأة، ثم يقتلونها. ثم ساروا إلى كنجة وهي أم بلاد أران، فعلموا كثرة أهلها وشجاعتهم، فلم يقدموا عليها وطلبوا منها حملاً، فأعطوا ما طلبوا. وساروا عنهم إلى الكرج، والكرج قد استعدوا لهم، فالتقوا، فانهزم الكرج وأخذهم السيف، فلم يُفلت منهم إلى الشريد، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفاً، وعاث التتار في بلاد الكرج وأفسدوا. ثم قصد دربند شروان، فحاصروا مدينة شماخي ثم افتتحوها عنوة. ثم أرادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولاً إلى شروان شاه، يقولون: أرسل إلينا رسولاً. فأرسل عشرة من كبار أصحابه، فأخذوا أحدهم، فقتلوه، ثم قالوا للباقين: إن أنتم عرفتمونا طريقاً نعبر فيه فلكم الأمان وإلا قتلناكم. فقالوا: إن هذا الدربند ليس فيه طريق البتة، ولكن فيه موضع هو أسهل ما فيه من الطرق. فساروا معهم في تلك البلاد إلى ذلك الطريق فعبروا فيه. فلما عبروا دربند شروان ساروا في تلك الأراضي وفيها أمم كثيرة منهم

стр. 12857

اللان واللكز وطوائف من الترك، فنهبوا وقتلوا كثيراً من اللكز وهم كفار ومسلمون. ثم وصلوا إلى اللان وهم أمم كثيرةٌ، فجمعوا جمعاً من القفجاق فقاتلوهم فلم يظفروا بهم. فأرسلت التتارُ إلى القفجاق يقولون: نحنُ وأنتم جنسٌ واحد، وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم، ولا دينهم مثل دينكم، ونحن نعاهدكم أننا لا نتعرض إليكم، ونحمل إليكم من الأموال والمتاع ما شئتم. فوافقوهم على ذلك، وانعزلوا عن اللان، فأوقع التتار باللان وقتلوا منهم خلقاً، وسبوا، وساروا بعد ذلك إلى القفجاق وهم آمنون متفرقون فبيتوهم وأوقعوا بهم، كعادتهم ومكرهم؛ لعنهم الله، ففر من سلم واعتصم بالغياض، وبعضهم التحق ببلاد الروس. وأقام هؤلاء التتار في بلاد القفجاق، وهي كثيرة المرعى في الشتاء، ووصلوا إلى مدينة سوداق وهي مدينة القفجاق وهي على بحر خزرية (١)، وإليها تصل التجار والمراكب يشترون الرقيق والبرطاسي (٢) وغير ذلك. وبحر خزرية هذا متصل بخليج قسطنطينية. ولما وصلت هذه الطائفة من التتار إلى سوداق ملكوها، وتفرق أهلها، فبعضهم هرب إلى الجبال، وبعضهم ركب البحر، ثم أقام التتار ببلاد القفجاق إلى سنة عشرين وستمائة. وأما الطاغية جنكزخان فإنه - بعدما سير هذه الطائفة المذكورة، فهزمت خوارزم شاه - قسم أصحابه عدة أقسام، فسير كل قسم إلى ناحية؛ فسير طائفة إلى ترمذ، وطائفة إلى كلاثى وهي حصينة على جانب جيحون. وسارت كل طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها واستولت عليها قتلاً وسبياً وتخريباً، فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى الملك جنكزخان وهو بسمرقند، فجهز جيشاً عظيماً مع أحد أولاده لحرب جلال الدين ابن علاء الدين خُوارزم شاه، وسير جيشاً آخر فعبروا جيحون. آخر كلام عز الدين ابن الأثير ﵀. قلت: ونازلت التتارُ خُوارزم، فحاصروها ثلاثة أشهر، واستولوا عليها في صفر سنة ثماني عشرة، ونزل عليها أوكتاي الذي ولي الأمر بعد أبيه

стр. 12858

جنكزخان، ومعه باجي ملك في جيش عرمرم مائة ألف أو يزيدون. ولما لم يجدوا بها حجارة عمدوا إلى أصول التوت فقطعوها ودوروها، ورموا بها بدلاً عن حجارة المنجنيق، وحرص أوكتاي كل الحرص أن يتسلمها بالأمان ولا يؤذي فيها، فأجابه الأكابر، غير أن السفهة غلبوهم على رأيهم بإغرائهم، وجرى عليها حربٌ لم يُسمع بمثله؛ بحيث إنه كانت تؤخذ المحلة منها فيقاتل أهلها، ثم ينضمون إلى المحلة التي تليها فيقاتلون، إلى أن أخذت محلةٌ بعد محلة، حتى لم يبق معهم إلا ثلاث محال، فتزاحم بها الخلائق، فطلبوا الأمان حينئذ، فلم يؤمنوا وقتلوهم صبراً. هذا معنى ما ذكره أبو سعد شهاب الدين النسوي. قلت: ومما أخذت التتار: نيسابور، ومرو، وهراة، وبلخ، وترمذ، وسرخس، وطوس، وخوارزم، وسائر مدن خُراسان. وذهب تحت السيف أمم لا يحصيها إلا الله تعالى. وقال الموفق عبد اللطيف: انشعب من التتار فرقتان كما ينشعب من جهنم لسانان، فرقة قصدت أذربيجان وأران ثم بلاد الكرج، وفرقة أتت على همذان وأصبهان، وخالطت حُلوان تقصد بغداد. أما الأولى فأفسدت البلاد التي مرت عليها، فلما وصلوا إلى بلاد الخزر جمع الكرج جموعهم ولقوهم، فانهزموا، يعني الكرج، وقتل من صميمهم ثمانية آلاف، ومن الأتباع والفلاحين عددٌ كثير. وتقنطر ملكُ الكرج فتداركه الأمراء فاستنقذوه من أنيابهم العُضل، واعتصم ببعض القلاع، والتتر يموجون في البلاد بالإفساد، ويعضون على من سلم الأنامل من الغيظ، انفرد منهم فارس، فقال ملك الخزر: أما عندنا من يخرج إليه؟ فانتخى بطل من الكرج وخرج إليه، فما عتم أن قتله التتري واقتاد فرسهٌ ورجع رويداً، وأخذ يفسر الفرس ليعلم سنه، فعجب ملك الخزر وقال: انظروا كأنه قد وزن فيه الثمن. ثم حشد الكرج نوبة أخرى، واستنجدوا بعسكر أرزن الروم، وقال الناس: إنهم لا يرجعون. فلما اشتدت شوكة الكرج رجع التتر بغير أمر معروف، ولا سبب مخوفٍ، بل لسعادة لحقت، وأيام بقيت، وكان هذا سنة ثمان عشرة، وأنا بأرزن. ورجع التتر إلى شروان فأخذوها بالسيف وقتلوا أهلها، وتجاوزوا

стр. 12859

الدربند قسراً بالسيف، وعبروا إلى أمم القفجق (١) واللان فغسلوهم بالسيف. ثم مات ملكُ الخزر وكان شاباً، وتولت أختُه، وسيرت إلى الملك المُغيث صاحب أرزن تخطب أحد ولديه، الصغير، وهو ابن بنت بكتمر صاحب خلاط، وهو مليح عمره سبع عشرة سنة فزوجها به، وشاع الخبرُ أنه تنصر. وخرج في هذه السنة من رقيق الترك ما لم تجر به العادة، حتى فاضوا على البلاد، وكلهم وصلوا من ناحية تفليس، وهم من فضلات سيوف التتر، وكل واحد يحكي هول ما عاين؛ حكت جارية منهم قالت: عوت كلاب بلادنا عوياً (٢) شديداً وقامت على أذنابها، وأهلها يضربونها فلا ترتد، فبعد ثلاث ساعات أو أربع فاض الجبل بعساكر التتر، فابتدؤوا بالكلاب ثم بالناس. وأرض القفجاق واسعة، معتدلة الهواء، عذبة المياه، تتفجر ينابيعها، وتتخرق عيونها، وهي أرض حرة طيبة التربة، وغنمهم كثيرةٌ النتاج، تلدُ النعجة الأربعة في البطن والخمسة، وقلما تلد واحداً، وغنمهم عالي الهضبة، يكاد الكبش يركب. وأما الفرقة التي قصدت بغداد، فردهم الله بقوة العقل وحسن التدبير، أما أولاً، فإن صاحب إربل شحن الدربندات بالأكراد، وإليهم ينتهي العلم باللصوصية، فسلطهم عليهم يسرقونهم ويقتلونهم صبراً في نومهم، فيصبحون وقد نكبوا نكبات في جهات لا يدرون من أين ولا كيف. ثم إن الخليفة جمع الجموع وعسكر العساكر وحشر، فنادى، وأقبلت إليه البُعوث من كل حدبٍ ينسلون، فلما سمعوا بوصول رسول التتر تقدموا إلى صاحب إربل بأن يحتفل ويظهر جميع عسكره، ويدخل بينهم من العوام والفلاحين من يشتبه بهم. فلما وصل الرسول إربل تلقاه عساكر قطعت قلبه، وصاروا يتكررون عليه، كلما مر بقوم سبقوه وعادوا وقفوا بين يديه، فلما دخل في ولاية دقوقا عبئ له من العساكر أضعاف ذلك وصاحبها من مماليك الخليفة، فأمر أن تضرب خيم عظيمة، وبسط بين يديها بسطاً قدر نصف فرسخ، ونُصبت سدة عالية فوق

стр. 12860

تخت يُصعد إليه بدرج، وأظهر زينة عظيمة، ووقف عشرون ألفاً بسيوف مجردة. فلما وصل الرسول يشق تلك العساكر أتى حد البسط، فأمر أن يترجل فتمنع من ذلك، فهموا به، فلما وصل إلى بين يدي التخت، أمر بالسجود كرهاً والصيحات تأخذهُ، وروعات السيوف تذهله. ثم أخرج إلى بغداد فلقيته عساكر بغداد، صغرت في عينه ما رأى، لم يتركوا ببغداد فرساً ولا جملاً ولا حماراً حتى أركبوه رجلاً ومعه شيء من السلاح، وأكثرهم بالأعلام والبرك أسطوانات (١)، وخلق يلعبون بالنفط ويرمون بالبندق الزجاج فيه النفط، فامتلأت البرية بالنيران. فلما وصل إلى بغداد خرج إليه صميم العسكر بأصناف العدد الفاخرة المُسجفة بالأطلس المكلل بالجواهر على الخيل المسومة. فلما وصل إلى باب النوبي إلى الصخرة التي يقبلها الملوك قيل لهم: مرتبتكم دون ذلك، فأمر أن يقبل أسفل منها، ثم حمل إلى دار، ثم أخرجوا بالليل خفية على طريق غير مسلوكة، وردوا إلى إربل، وقيل للرسول: إنما هربناك في الخفية خوفاً عليك من العامة، ففصل وقد امتلأ قلبه رعباً ودماغه خبالاً، وأبث قومه ما أثبته عيانه، فعلموا أنهم لا قبل لهم ببغداد، فرجعوا خائبين. وأما أهل أصبهان ففتحوا أبواب المدينة، وقالوا لهم: ادخلوا، فدخل منهم قوم، فما شربوا أنفاسهم حتى أهريقت دماؤهم، فكروا راجعين. وكذلك فعل أهل رستاقاتهم. قال: وسئل الملك الأشرف عنهم، فقال: ما أقول في قوم لم يؤخذ منهم أسير قط، لكن يقاتل إلى أن يقتل أو يخلص. ولما وصلت إلى أرزن الروم وجدتُ هذه الكلمة قد سيرها ملك الكرج فيما وصف من حروبهم، وأما قتلاهم فلا ينتهي العاد إلى حد إلا والحال توجب أضعافه، ولا يقال: كم قتل من بلد كذا؟ وإنما يقال: كم بقي؟! واجتمعت بتاجر سروج كان يترجم لهم، قال: اجتمع التجار من جميع البلاد إلى نيسابور يتحصنون بها، فنزل عليها التتر فأخذوها في أربعة وعشرين يوماً، وأتوا على أهلها بالقتل، وعليها بالإحراق والخراب حتى غادروها كأن لم تغن بالأمس. وهربت منهم مرات

стр. 12861

وأقع في الأسر. ثم هرب في المرة الأخيرة وتعلق بجبل، فلما رحلوا طالبين هراة، قال: نزلنا وكنا سبعة، فأحصينا القتلى خمسمائة ألف وخمسين ألفاً، ووجدنا الأموال مُلقاة، وجزنا ببلاد الملاحدة وهي على عمارتها لم يتشعث منها شيء. وحكى لنا تاجر آخر واسطي قال: إنه اختفى بجبل وخرج بعد أيام، فرأى الأرض مسطوحة بالقتلى والأموال والمواشي، وكنتُ أنا وعشرة سلمنا، ولو كانت معنا عقولنا لأخذنا من الأموال ما يفوت الآمال، وإنما أخذنا حمل دقيق على جمل. قال الموفق: ومما أهلكوه بلاد فرغانة وهي سبع ممالك، مسيرة أربعة أشهر، وكل من هرب منهم تحيلوا في قتله بكل ممكن، وإذا اجتمعوا في مجالس أنسهم ونزهة قلوبهم أحضروا قوماً من الأسارى، وأخذوا يمثلون بواحدٍ، واحدٍ، بأن يقطعوا منه عضواً بعد عضو، وكلما اضطرب وصاح تضاحكوا وأعجبوا، وربما حطوا السيف في جوفه أو ليته قليلاً، ومتى التمس الشخص رحمتهم ازدادوا قساوة. وإذا وقع لهم نساءً فائقات في الحسن تمتعوا بهن أياماً ثم قتلوهن. وحكت لي امرأة بحلب أنهم ذبحوا ولدها وشربوا الدم، ثم نام الذابحُ فقامت فذبحته، وهربت هي وزوجها. وقد كان السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش سارقاً هجاماً، وكان عسكره أوشاباً (١)، ليس لهم ديوان ولا إقطاع، وأكثرهم أتراك كفار أو مسلمون جُهال، لا يعرف تعبئة العسكر في المصاف، ولم يتعود أصحابهُ إلا المهاجمة، وليس لهم زرد ولا دروع، وقتالهم بالنشاب. وكان يقتل بعض القبيلة، ويستخدم باقيها، وفي قلوبهم الضغائن. ولم يكن فيه شيءٌ من المداراة لا لأصحابه ولا لأعدائه، فخرج عليه هؤلاء التتار وهم بنو أب، بكلمة واحدة، وقلب واحدٍ، ورئيس واحد مطاع، فلم يمكن أن يقف مثل خُوارزم شاه بين أيديهم، وورد إلى البلاد منهم ما لم يعهد، والبلاد خالية عن ملكٍ، فلم يبق عند أحد منهم دفاع، وصاروا كالغنم لا تدفع عنها ذابحاً. فلما وصل التتر إلى أصبهان لم يرتع أهلها لأنهم معودون بحمل السلاح، فلم يكن عندهم أحقر من هذا العدو. إلى أن قال: والله سُبحانه يحب العدل والعمارة ويأمر بهما،

стр. 12862

وهؤلاء الملاعين يبغضونهما، إذ لا دين لهم ولا عقل، وكل حيوان رديء الخلق ففيه خلق آخر حميد كالكلب والخنزير والذئب والنمر، وهؤلاء فقد جمعوا من كل حيوان رديء خُلقه، فاجتمعت فيهم الرداءات محضة. قال ابن واصل (١): بعث جنكزخان جيشاً فعبروا جيحون، وتسلموا بلخ بالأمان، وقرروا بها شحنة ولم ينهبوها، ثم قصدوا قلعة الطالقان وهي لا ترام حصانة وارتفاعاً، وبها الشجعان فحصروها ستة أشهر وعجزوا عنها، فسار إليها جنكزخان بنفسه، وحصرها ومعه خلائق من المسلمين أسرى، فنازلها أربعة أشهر وقتل عليها خلائق، ثم أمر فجمع له من الأخشاب ما أمكن، وصاروا يعملون صفاً من خشب وصفاً من تُراب، وما زالوا حتى صار تلاً يوازي القلعة، وصعدت الرجال فيه، ونصبوا عليه المجانيق فرمت إلى وسط القلعة، فخرج من بها على حمية وحملوا على التتر، فنجت الخيالة وسلكوا الجبال، وقتلت الرجالة، واستباحت التتر القلعة. ثم (٢) جهز جنكزخان الجيش إلى مرو وبها من المقاتلة نحو مائتي ألف من جند وعرب وتجار، فعسكروا بظاهرها عازمين على لقاء العدو، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزم المسلمون وقتل أكثرهم. ثم نازلت التتر مرو وجدوا في حصارها أربعة أيام فتسلموها بالأمان، وخرج إليهم أميرها، فخلع عليه ابنُ جنكزخان ووعده بولاية مرو، وقال: أريد أن تعرض علي أصحابك لننظر من يصلح لخدمتنا حتى نعطيه إقطاعاً. فلما حضروا قبض عليهم، وأمرهم أن يكتبوا له تجار البلد وأعيانه في جريدة (وأرباب) الصنائع (في جريدة)، ففعلوا. ثم ضربت أعناق الجند والأمير، ثم صادر الأعيان وعذبهم حتى استصفاهم، وقسم نساء مرو وذراريها وأسراها، ثم أمر بإحراق البلد فأحرق ثلاثة أيام، ثم أمر بقتل العامة كافة، فأحصيت القتلى بها فكانوا سبعمائة ألف. ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيام، وبها عسكر عجزوا عن التتر، فأخذ البلد ثم أخرجوا الناس فقتلوهم، وسبوا الحريم، وعاقبوا ذوي المال.

стр. 12863

وسارت فرقة إلى طوس فبدعوا بها. ثم ساروا إلى هراة فحصروها عشرة أيام وأخذوها بالأمان، ثم قتلوا بعض أهلها، وجعلوا بها شحنة. ثم ساروا إلى غزنة فالتقاهم السلطان جلال الدين فكسرهم، فوثب أهل هراة وقتلوا الشحنة، فلما رجع المنهزمون قتلوا عامة أهل هراة، وسبوا الذرية وأحرقوا البلد. ورجعوا إلى جنكزخان وهو بالطالقان يبث جيوشه، وكان قد نفذ جيشاً عظيماً لحصار خوارزم، فنازلوها خمسة أشهر، وبها عسكر وشجعان (١)، فقتل خلائق من الفريقين، ثم أخذت عنوة، وقتل أهلها، ثم سلطوا عليها نهر جيحون فغرقت وتهدمت. سنة ثمان عشرة وستمائة فيها التقى السلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه هو وتولي خان مقدم التتار، فكسرهم جلال الدين وركب أكتافهم قتلاً بالسيف، وقتل مقدمهم تولي خان بن جنكزخان، وأسر خلقاً من التتار. فلما وصل الخبرُ إلى جنكزخان قامت قيامته ولم يقر له قرار دون أن جمع التتار، وسار يجد السير إلى حافة السند. وكان جلال الدين قد انثنى عنه أخوه وجماعة من العسكر فضاق عليه الوقت في استرجاعهم لقرب التتار منه، فكرب في شوال سنة ثمان عشرة فالتقى الجمعان، وثبت السلطان جلال الدين في شرذمة، ثم حمل بنفسه على قلب جنكزخان فمزقه، وولى جنكزخان منهزماً وكادت الدائرة تدور عليه لولا أنه أفرد كميناً قبل المصاف نحو عشرة آلاف، فخرجوا على ميمنة السلطان وعليها أمين ملك، فانكسرت وأسر ابن جلال الدين، فتبدد نظامهُ، وتقهقر إلى حافة السند، فرأى والدته ونساءه يصحن: بالله اقتلنا وخلصنا من الأسر. فأمر بهنّ فغرقن. وهذه من عجائب المصائب، نسأل الله حسن العواقب. فلما سدت دونه المهارب وأحاطت به النوائب؛ فالسيوف وراءه، والبحر أمامه، فرفس فرسه في الماء على أنه يموت غريقاً فعبر به فرسه ذلك النهر العظيم لُطفاً من الله به، وتخلص إلى تلك الجهة زهاء أربعة آلاف رجل من

стр. 12864

أصحابه حُفاة عراة. ثم وصل إليه مركبُ من بعض الجهات وفيه مأكول وملبوس، فوقع ذلك منه بموقع. فلما علم صاحب الجودي أن جلال الدين وصل إلى بلاده طلبهُ بالفارس والراجل، فبلغ ذلك جلال الدين، فعظُم عليه، لأن معه أصحابه مجرحين وضعفاء، فانجفل من مكانه، وأمر من معه من أصحابه أن كل جريح يقدر على الحركة فليصحبه، وإلا فليحز رأسه. وسار عازما على أن يقطع نهر السند ويختفي بمن معه في بعض الجبال والآجام، ويعيشوا من الغارات. واعتقد الهنود أنه وقومه من التتار، فتأخر جلال الدين بمن معه من الجبل، وتقدم ملك الهند بجمعه، فلما رأى جلال الدين حمل عليه ملك الهند بجيشه، وثبت له جلال الدين إلى أن قاربه، فاستوفى عليه بسهم في فؤاده فسقط قتيلاً وانهزم جيشه، وحاز جلال الدين الغنائم والأموال فعاش بذلك. ثم رحل إلى سجستان، وأخذ ما له بها من الأحوال، وأنفق فيمن معه، وتماثل أمره. وقال القاضي ابن واصل (١): كان جلال الدين بغزنة في ستين ألفاً، فقصده عسكر جنكزخان في اثني عشر ألفاً فكسرهم. فسير جنكزخان مع ابنه عسكراً، فوصل إلى كابل، فالتقى الجمعان فاقتتلوا قتالاً عظيماً فانهزمت التتار، وقتل خلق وأخذت أموالهم، ثم جرت فتنة لما يريده الله، وهو أن الأمير سيف الدين بغراق التركي كان شجاعاً مقداماً، وقع بينه وبين قرابة للسلطان أمير فتنة لأجل الغنيمة، فاقتتلوا فقتل أخو بغراق، فغضب، وقال: أنا أهزم الكفار ويُقتل أخي على السحت. وفارق العسكر وقصد الهند فتبعه شطر الجيش فلاطفه السلطان جلال الدين، وسار بنفسه إليه، وذكر الجهاد وخوفهُ من الله، وبكى بين يديه فلم يرجع، وسار مغاضباً. فوصل الخبر بوصول جنكزخان في جموعه، فتحيّر السطان وسار فوصل إلى ماء السند، وهو نهر كبير، فلم يجد من السفن ما يعبر فيه. وتبعه جنكزخان وألح في طلبه، فالتقى الجمعان واشتد الحربُ حتى قيل: إن ما مضى من الحروب كان لعباً بالنسبة إليه، ودام القتال ثلاثة أيام،

стр. 12865

وقتل خلقٌ من الفريقين وفي التتار أكثر، فتحيز التتر ونزلوا (١). وضعف المسلمون، وجاءتهم سفن فعبروا فيها، وما علموا بما أصاب التتار من القتل والجراح، ولو عرفوا لكدوا عليهم، فنازلت التتر غزنة وملكوها لوقتها، فقتلوا وسبوا، ولم يبقوا على أحد، ثم أحرقوها. وقال أبو شامة (٢): فيها توجه الملك المُعظم إلى أخيه الملك الأشرف، فاجتمع به بحران. ثم دعاه صاحب ماردين، فبالغ في الخدمة، وقدم له تحفاً. وزوج المعظم بنته الواحدة بناصر الدين صاحب ماردين (٣). وفيها جاءت الأخبار بأن التتر قاربوا بغداد، فانزعج الخليفة، وأمر الناس بالقنوت، واستخدم، وأنفق وحصن البلد. وفي جمادى الآخرة استرد المصريون دمياط من الفرنج. ورجع المعظم من حران، وحضر معه الملك الأشرف بجيشه. قال أبو المظفر (٤): فاجتمعتُ به وحرضته على نصرة الإسلام وقلت: المسلمون في ضائقة وإذا أخذت الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار الحرمين وأنت تلعب؟! اجتمعت به بسلمية، فقال: ارموا الخيام. فسبقته إلى حمص وبشرت المعظم، وأصبحت أطلابُ الأشرف مارة على حمص، وجاء طلب الأشرف، والله ما رأيت أجمل منه ولا أحسن رجالاً وعدة، فاتفقا على أن يدخلا في السحر إلى طرابلس يشوشون على الفرنج. فأنطق الله الأشرف فقال: يا خوند! عوض ما ندخل الساحل وتضعفُ خيلنا ويضيع الوقت ما نروح إلى دمياط ونستريح. فقال المعظم: قولُ رماة البندق؟ قال: نعم. فقبل (٥) المعظم قدمه. ونام الأشرف، فخرج المعظم يصيح: الرحيل إلى دمياط، وساق إلى دمشق، وتبعته العساكر، وانتبه الأشرف فدخل الحمام، فلم ير حول مخيمه أحداً، فأخبروه فسكت، ثم سار فنزل القصير، فأقام أياماً ثم عرض العساكر هو وأخوهُ،

стр. 12866

وجلسا في الطيارة، والناس يدعون لهما بالنصر. وأما فرنج دمياط فإنهم خرجوا بالفارس والراجل، وكان البحر زائداً جداً، فجاؤوا إلى ترعة فأرسوا (١) عليها، وفتح المسلمون عليهم الترع من كل مكان، وأحدقت بهم عساكر الكامل، فلم يبق لهم وصول إلى دمياط، وجاء أصطول المُسلمين فأخذوا مراكبهم، ومنعوا عنهم الميرة من دمياط، وكانوا خلقاً عظيماً، وانقطعت أخبارهم عن دمياط، وكان فيهم مائة كند (٢)، وثمانمائة من الخيالة، وصاحب عكا، ومن الرجالة ما لا يحصى. فلما عاينوا الهلاك أرسلوا إلى الكامل يطلبون الصلح ويسلمون إليه دمياط، فأجابهم، ولو طول روحه يومين لأخذ برقابهم. فبعث إليهم ولده نجم الدين أيوب وابن أخيه شمس الملوك، وجاءت ملوكهم إلى الكامل فتلقاهم وأنعم عليهم، فوصل إليه المعظم والأشرف بالجيوش في تلك الحال في رجب، فعمل الكامل سماطاً عظيماً، وأحضر ملوك الفرنج، ووقف في خدمته الأخوان والأمراء، وكان يوماً مشهوداً. وقام راجح الحلي الشاعرُ فأنشد قطعةً مليحة منها: ونادى لسانُ الكونِ في الأرض رافعاً … عقيرتهُ في الخافقين ومُنشداً أعباد عيسى، إن عيسى وحزبه … وموسى جميعاً ينصران محمداً وأشار إلى الإخوة الثلاثة. ثم سار الفرنج في البر والبحر إلى عكا، ورجعت العساكر، وأقام الأشرفُ بمصر وصافى أخاه بعدما كان في النفس ما فيها، واتفقا على المعظم! وفيها كتب الخليفة إلى الآفاق بإعادة أبي نصر محمد إلى ولاية العهد. وفيها ولي قضاء دمشق جمال الدين المصري. وعين لبناء سور دمشق مائتا ألف دينار، وقد ذرع فجاء دوره ستة آلاف ذراع. قال المؤيد: طمعت الفرنج بأخذ الديار المصرية، وبذل لهم الكامل بيت المقدس، وعسقلان، وطبرية، وجبلة، وأماكن، فأبوا، ثم جاءته أمداد الشام والجزيرة، ونزل النصر.

стр. 12867

سنة تسع عشرة وستمائة. قال أبو شامة (١): فيها ظهر بالشام جراد عظيم أكل الزرع والشجر، فأظهر الملك المعظم أن ببلاد العجم طيراً يقال له السمرمر يأكل الجراد، فأرسل الصدر البكري المُحتسب، ورتب معه صوفية، وقال: تمضي إلى العجم فهناك عين يجتمع عليها السمرمر، فتأخذ من مائها في قوارير، وتعلقها على رؤوس الرماح، فإذا رآها السمرمر تبعك. وما كان مقصوده إلا أن بعثه إلى السلطان جلال الدين ابن علاء الدين ليتفق معه، وذلك لما بلغه اتفاق أخويه بمصر عليه. فسار البكري واجتمع بجلال الدين، وقرر معه الأمور بأذربيجان، وجعله سنداً له. فلما عاد ولاه مشيخة الشيوخ مع حسبة دمشق. وفيها حج خلق كثير لكونها وقفة الجمعة، وازدحم الناس بمكة حتى مات جماعة؛ قال ابن بنت الجوزي (٢): وحج من اليمن صاحبها الملك المسعود ابن الكامل في عسكر عظيم، ومنع علم الناصر لدين الله أن يصعد الجبل، وأصعد علم أبيه، ولبس السلاح وقال لجنده: إن أصعدوا علم الخليفة فاكسروه، وانهبوا البغاددة. ويقال: إنه أذن في العلم في آخر شيء، وبدا منه جبروتٌ عظيم. حكى لي (٣) شيخنا جمال الدين الحصيري، قال: رأيته وقد صعد على قُبة زمزم وهو يرمي حمام مكة بالبندق، ورأيتُ غلمانه يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم في المسعى ويقولون: اسعوا قليلاً قليلاً، فإن السلطان نائم سكران في دار السلطنة التي في المسعى، والدم يجري على ساقات الناس! قال أبو شامة (٤): استولى المسعود على مكة وبنى القبة على مقام إبراهيم، وكثر الجلب إلى مكة في أيامه، ولعظم هيبته قلت الأشرار، وأمنت الطرق. قال: وفيها نقل تابوت العادل إلى تربته، فأحضر إلى صحن الجامع وصلى عليه الخطيب الدولعي، وألقى الدرس بمدرسته القاضي جمال الدين المصري، وحضر السلطان الملك المعظم، وبحث، وجلس المدرس عن يسار السلطان، وعن يمينه شيخ الحنفية جمال الدين الحصيري، ويليه فخر

стр. 12868

الدين ابن عساكر شيخ الشافعية، ثم القاضي شمس الدين ابن الشيرازي، ثم محيي الدين ابن الزكي، وتحت المدرس السيف الآمدي، ثم القاضي شمس الدين ابن سني الدولة، ثم نجم الدين خليل قاضي العسكر. ودارت حلقة صغيرة، والخلق ملء الإيوان، وكان قبالة المعظم في الحلقة شيخنا تقي الدين ابن الصلاح. وفيها ملك بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل قلعة شوش على مرحلتين من الموصل، وكان صاحبها عماد الدين زنكي قد سار إلى أزبك بن البهلوان سلطان أذربيجان، وخدم معه، وأقطعه خبزاً، وأقام عنده. وفيها استولت التتار على بلاد القفجاق. وفيها، أو في حدودها، بلغ جلال الدين ابن خوارزم شاه أن شمس الدين أيتمش قاصده في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل، فتجلد جلال الدين على ملتقاه، وسار، وقدم قدامه جهان بهلوان أزبك، فخالفه يزك أيتمش فهجم على جماعة منهم، وحضر إلى جلال الدين من أعلمه، ثم وصل بعد ذلك رسول أيتمش يطلب الصلح ويقول: ليس يخفى عليك ما وراءنا من عدو الدين وأنت سلطان المُسلمين وابن سلطانهم، وإن رأيت أن أزوجك ابنتي. فمال السلطان جلال الدين إلى ذلك ولم يضر من ذلك حاله. ثم جاءته الأخبار أن أيتمش وقباجة وسائر ملوك الهند قد اتفقوا على جلال الدين، وأن يمسكوا عليه حافة البحر، فعظم ذلك عليه، واستناب جهان على ما ملكه من الهند، وسار إلى العراق وقاسى الشدائد والمشاق في تلك البراري التي بين الهند وكرمان، فوصل في أربعة آلاف منهم من هو راكب البقر والحمير وذلك في سنة إحدى وعشرين وستمائة. ثم قدم شيراز فأتاه الأتابك علاء الدولة مذعناً بالطاعة، لأنه كان قد استوحش من أخيه غياث الدين، فرغب جلال الدين فيه، وخطب بنته، فزوجه بها، واستظهر جلال الدين بمصاهرته. ثم رحل إلى أصبهان ففرحوا بقدومه وأخرجوا له الخيل والسلاح، فلما بلغ غياث الدين توسطه في البلاد ركب إليه في ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين عند ذلك آيساً مما كان يؤمله، وسير إلى غياث الدين رسولاً يقول: حتى ضاقت علي الأرض بما رحبت، قصدتك لأستريح عندك أياماً، وحيث علمت أن ما عندك للضيف غير السيف رجعت. فلما بلغت غياث الدين الرسالة، عاد عما كان عزم عليه من قتال أخيه جلال الدين، وتفرقت عساكره.

стр. 12869

وكان جلال الدين قد سير مع رسوله عدة خواتيم يوصلها إلى جماعة الأمراء، منهم من تناول الخاتم وسكت وأجاب إلى القدوم عليه، ومنهم من سارع بالخاتم إلى غياث الدين فغضب وقبض على الرسول، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف، وأسرع حتى أناخ بغياث الدين وهو على غير أهبة للمصاف، فركب فرس النوبة وهرب. ودخل جلال الدين خيمة غياث الدين وبها والدة غياث الدين، فزاد في احترامها، وأنكر هروبه وقال: ما بقي من بني أبي سواه. فسيرت والدته خلفهُ، فعاد إليه فأكرمه. وحضر إلى باب جلال الدين من كان بخراسان والعراق ومازندران من المتغلبين على البلاد؛ ففرق العمال على البلاد، وسار نحو خوزستان، وسير رسولاً إلى بغداد، فأكرموه وفرحوا بسلامة جلال الدين في مثل هذا الوقت الصعب. سنة عشرين وستمائة قال أبو شامة (١): فيها عاد الملك الأشرف من مصر فالتقاه المعظم وعرض عليه النزول بالقلعة، فامتنع ونزل بجوسق والده العادل، وبدت الوحشة بين الإخوة الثلاثة، وأصبح الأشرف رحل من السحر، ونزل على ضمير (٢)، ثم سار إلى حران، وكان قد استناب أخاه شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين على خلاط، وجعله ولي عهده ومكنه من بلاده، فسولت له نفسه العصيان، وحسّن له ذلك الملك المعظم، وكاتبه، وأعانه. وكذا كاتبه صاحب أربل وقالوا: نحن وراءك. فأرسل الأشرف إلى غازي يطلبه فامتنع، فأرسل إليه: يا أخي لا تفعل، وأنت ولي عهدي والبلاد بحكمك. فأظهر العصيان، فجمع الأشرف عساكره وعسكر حلب، وقصد خلاط. وقال ابن الأثير (٣): فيها كانت الوقعة بين التتار الذين جازوا دربند، وبين القفجاق والروس، وصبر الفريقان أياماً، ثم انهزم القفجاق والروس، ولم يسلم منهم إلا اليسير. والحمد لله.

стр. 12870

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) سنة إحدى عشرة وستمائة ١ - أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن عبيد الله بن ودعة، أبو العباس، أبو علي (١) البغدادي النصري (٢) الخباز المعروف بابن دادا (٣). سمع أحمد بن منصور بن المؤمل الغزال، والمبارك بن كامل بن حبيش. وكان يذكر أنه سمع من قاضي المارستان (٤)، وأنه ولد قبل العشرين وخمسمائة. روى عنه الدبيثي (٥)، وابن النجار. ٢ - أحمد ابن القاضي أبي يعلى محمد ابن القاضي أبي خازم (٦) محمد ابن القاضي الكبير أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء، أبو العباس الحنبلي البغدادي المعدل. ولد بواسط بعد الأربعين إذ أبوه قاضيها، وسمع من سعيد ابن البناء، وأبي بكر ابن الزاغوني، وأبي الوقت، وغيرهم. وهو من بيت القضاء والعلم والحديث، كتب بخطه كثيراً لنفسه

стр. 12871

وللناس، وتوفي في الثاني والعشرين (١) من شعبان. روى عنه أبو عبد الله الدبيثي (٢)، وابن النجار، والطلبة. وأجاز لابن مسدي، وجماعة. ٣ - أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو جعفر الخشني القرطبي، المعروف بالآجري، وآجر حصن بالأندلس بقرب قرطبة. أخذ القراءات عن أبي خالد المرواني، وحج فسمع من أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، وأبي عبد الله الحضرمي، وأقرأ، وحدَّث (٣). ٤ - أحمد بن محمد بن حسن بن عبد الملك، أبو جعفر الفهري المرسي القرطاجني. أخذ قراءتي نافع وابن كثير عن أبي الحسن بن هذيل. وأقرأ القراءات؛ وتوفي في ربيع الأول (٤). ٥ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي المطرف بن سعيد بن جرج، أبو القاسم القرطبي. سمع مصنف النسائي على أبي جعفر البطروجي، وسمع صحيح مسلم من أبي إسحاق بن ثبات. حدث عنه ابن الطيلسان، وقال: توفي في رجب وله تسعون سنة وأشهر (٥). قلتُ: هذا من كبار الرواة بقرطبة. أجاز لابن مسدي. ٦ - أحمد بن هبة الله بن العلاء، أبو العباس المخزومي البغدادي ابن الزاهد أبي المعالي. أديبُ بارعٌ، وشاعر محسن. تأدب على ابن الخشاب، وسمع من

стр. 12872

عبد الوهاب الأنماطي، وجماعة. روى عنه العماد الكاتب من شعره، وابن الدبيثي (١)، وابن النجار. نيف على الثمانين، وتوفي في رجب. ٧ - إبراهيم ابن الفقيه علي بن أبي بكر محمد بن المبارك بن أحمد ابن بكروس، الفقيه أبو محمد الحنبلي المعدل. تفقه على أبيه وعمه أبي العباس أحمد، وسمع منهما، ومن أبي الفتح ابن البطي، وحدث، وتوفي في عشر الستين. وقد درس، وأفتى، وناظر، وكتب الكثير، وعني بالحديث أتم عناية ثم إنه انخلع من ذلك، وصار صاحب خبر بباب النوبي، ولبس الثوب المزند، وتقلد السيف، وظلم وفتك، وكان آخر أمره أن ضرب حتى مات، ورمي في دجلة (٢). ٨ - إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق، أبو إسحاق الأوسي المالقي، المعروف بابن المرأة. روى الموطأ عن أبي الحسن بن حنين، وعلي بن إسماعيل بن حرزهم. قال الأبار (٣): وكان فقيهاً، حافظاً للرأي، أديباً، غلب عليه علم الكلام فرأس فيه. وشرح كتاب الإرشاد لأبي المعالي الجويني، وصنف كتاباً في الإجماع. وكانت العامة حزبهُ. وأقرأ علم الكلام بمرسية. ٩ - بدر بن جعفر بن عثمان، أبو النجم النميري الواسطي الضرير الشاعر. كان من كبار الشعراء بالعراق.

стр. 12873

توفي في رمضان عن أربع وسبعين سنة (١). ١٠ - تاج النساء، أخت زاهر بن رستم الأصبهاني. سكنت مكة، وكانت مقدمة الصوفيات. وعاشت بضعاً وتسعين سنة. وروت بالإجازة عن أبي المنصور عبد الرحمن بن زريق القزاز، وأبي الحسن بن عبد السلام. روى عنها ابن خليل، وتوفيت بمكة. ١١ - الحسين بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن الحسين، أبو الفضل الآمدي ثم الواسطي العدل. سمع من جده أبي محمد أحمد بن عبيد الله، وحدث ببغداد والموصل (٢). ١٢ - حمزة بن إبراهيم بن عبد الله، أبو يعلى الدمشقي الجوهري الخياط بالمزة الزاهد. حدث عن أبي يعلى حمزة بن كروس، وأبي القاسم بن عساكر، وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني. روى عنه الضياء المقدسي، وتوفي في ربيع الأول (٣). ١٣ - دلدرم، الأمير الكبير بدر الدين الياروقي صاحب تل باشر. ورخه أبو شامة (٤). وعمل عزاؤه بحلب. وكان مقدم الجيوش الحلبية مدة. ١٤ - زيد بن ثابت بن مقلد بن هداب، أبو عبد الله البغدادي الوراق. سمع من المبارك بن كامل بن حبيش، وعلي بن المبارك الجصاص، وتوفي في شعبان (٥). ١٥ - سالم بن أحمد بن سالم بن أبي الصقر، أبو المرجى البغدادي النحوي العروضي.

стр. 12874

أخذ الأدب عن جماعةٍ، ومدح بالشعر غير واحدٍ، وتوفي في ذي القعدة (١). ١٦ - سعد الله بن محمد بن سعد الله بن عبد الباقي بن مجالد، أبو محمد البجلي الكوفي. سمع من عمه يحيى بن سعد الله الكوفي. وحدث من بيته جماعة (٢). ١٧ - صالح بن سعيد بن إسماعيل بن الحسين، [أبو] (٣) التقى الفهري القرشي العياضي المصري، المعروف بابن قادوس. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وأجاز له عبد الله بن رفاعة، وجماعةٌ، وولي الخطابة بالجامع الذي بسفح المقطم مدة، وتوفي في رمضان. روى عنه الزكي المنذري. ١٨ - صلف بنت أبي البركات بن أبي حرب الواسطي، أم الخير الواعظة. صحبت الشيخ أبا النجيب السهروردي، وسمعت معه من أبي الوقت، وحدثت (٤). ١٩ - عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن منتال (٥)، أبو محمد الأندلسي المربيطري (٦) الوراق. سمع من أبي العطاء بن نذير، وجماعة، وحج فسمع ببجاية من أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، وبالإسكندرية من أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحضرمي.

стр. 12875

قال الأبار (١): وكتب علماً كثيراً بخطه على رداءته. وكان يتجر في الكتب. ولد قبل الخمسين وخمسمائة، وتوفي في ذي القعدة، وأجاز لي. ٢٠ - عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى، أبو بكر ابن القرطبي، الأنصاري الأندلس المالقي. سمع أباه أبا علي، وأبا بكر ابن الجد، وأبا عبد الله بن زرقون، وأبا القاسم بن حبيش، وخلقاً نحوهم. وأجاز له أبو مروان بن قزمان، وابن هذيل، وجماعة. وعني بالحديث، وروى العالي والنازل. قال الأبار (٢): وكان من أهل المعرفة التامة بصناعة الحديث والبصر بها، والإتقان والحفظ لأسماء الرجال، والتقدم في ذلك، مع المعرفة بالقراءات، والمشاركة في العربية، وقد نوظر عليه في كتاب سيبويه. ورث براعة الحديث عن أبيه، ولم يكن أحدٌ يدانيه في الحفظ والجرح والتعديل إلا أفراد من عصره. قال أبو محمد بن حوط الله (٣): المحدثون بالأندلس ثلاثة: أبو محمد ابن القرطبي، وأبو الربيع بن سالم، وسكت عن الثالث. فيرونه عنى نفسه. قلت (٤): ولم يكن أبو القاسم الملاحي بدونهم. وكان ابن القرطبي كريم الخلال، محبباً إلى الناس، معظماً في نفوس الخاصة والعامة. أخذ الناسُ عنه وانتفعوا به، وفاتني أن ألقاه. توفي بمالقة في ربيع الآخر. وولد سنة ست أو ثمان وخمسين وخمسمائة، ﵀. قلت: وقد اختص بأبي القاسم السهيلي ولازمه، وولي خطابة مالقة. ٢١ - عبد الله بن المبارك بن عبيد الله بن الحسن، أبو القاسم الصوفي البغدادي البزاز. سمع من نصر بن نصر العكبري، وأبي الوقت السجزي، وغيرهما، وحدث، وتوفي في ثالث شعبان (٥).

стр. 12876

٢٢ - عبد السلام ابن الفقيه عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر الجيلي، ركن الدين أبو منصور الذي أحرقت كتبهُ وتكلموا فيه. وكان صديقاً لعلي ابن جمال الدين ابن الجوزي، والجامع بينهما قلة الدين. قال شمس الدين أبو المظفر الواعظ (١): قال لي خالي أبو القاسم علي يوماً بعد موت جدي بيسير: لي صديقٌ يشتهي أن يراك، ولم يعرفني من هو، فمشيت معه، فأدخلني داراً فشممتُ رائحة الخمر، وإذا الركن عبد السلام وعنده مردان، وهو في حالة قبيحة، فلم أقعد، وخرجتُ، فصاح خالي والركن، فلم ألتفت، فتبعني خالي وقال: خجلتني من الرجل!! فقلت: لا جزاك الله خيراً! وأغلظتُ له (٢). ولد الركن في سنة ثمانٍ وأربعين. وسمع من جده، وابن البطي، وجماعة. وقرأ بنفسه، وكتب، وأنكر عليه نظرهُ في علم النجوم، ثم درس بمدرسة جده وغيرها. وولي عدة ولايات، وتوفي في ثالث رجب (٣). قال ابن النجار (٤): ظهر عليه أشياء بخطه من العزائم وتبخير الكواكب ومخاطبتها بالإلهية، وأنها المدبرة للخلق، فأحضر وأوقف على ذلك، فأقر أنه كتبهُ مُعجباً لا معتقداً، فأحرق ذلك مع كتبٍ بخطه في الفلسفة، وكان يوماً مشهوداً وذلك في سنة ثمان وثمانين. وسلم ما كان بيديه في المدرستين إلى ابن الجوزي. ثم بعد مدة أعيدتا إليه. ثم بعد الستمائة رتب عميداً ببغداد مستوفياً للمكس وللضرائب، ومُكنت يده، وشرع في الظلم والعسف. ثم بعد مدة حبس وغرم وخمل. سمع من أحمد ابن المقرب، ومن جده. ولم يحدث

стр. 12877

بشيء. وكان لطيف الأخلاق، ظريفاً، إلا أنه فاسد العقيدة. عاش ثلاثاً وستين سنة. ٢٣ - عبد العزيز بن أبي نصر محمود بن المبارك بن محمود، الحافظ أبو محمد ابن الأخضر الجنابذي (١) الأصل البغدادي التاجر البزاز. ولد سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وسمع سنة ثلاثين وخمسمائة وبعدها وهلم جرا. وكتب الكثير، وعني بالفن أتم عناية. سمع من أبي بكر قاضي المارستان، وأبي القاسم ابن السمرقندي، ويحيى ابن الطراح، وعبد الوهاب الأنماطي، وعبد الجبار بن توبة، وأبي منصور بن خيرون، وأبي الحسن بن عبد السلام، وأبي سعد البغدادي، وأبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وخلق كثير. وحصل الأصول، وغالى في أثمانها. وحدث نحواً من ستين سنة، وصنف تصانيف مفيدة (٢). وكان حافظ العراق في زمانه، وكانت له حلقة بجامع القصر للحديث. وتخاريجه تدل على حفظه وتبحره. وكان ثقة صالحاً ديناً عفيفاً. وكان والده قد سمع من إسماعيل بن ملة، وحج سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وله أربعون سنة، فلم يرجع وعدم. قال الدبيثي (٣): لم أر في شيوخنا أوفر شيوخاً منه، ولا أغزر سماعاً، وحدث بجامع القصر سنين كثيرة. وقال ابن نقطة (٤): كان ثبتاً، ثقة، مأموناً، كثير السماع، واسع الرواية، صحيح الأصول؛ منه تعلمنا واستفدنا، وما رأينا مثله. قلتُ: روى عنه الحفاظ: ابن نقطة، والدبيثي، وابن النجار، والضياء، والبرزالي، وابن خليل، والزين خالد، وأحمد بن محمد بن بنيمان الهمذاني،

стр. 12878

ومحمد بن نصر بن عبد الرزاق الجيلي، وعلي بن ميران (١) سبط العاقولي، والعفيف علي بن عدلان الموصلي النحوي، وعلي بن محمد بن زريق، وأحمد بن الحسين الداري الخليلي، ومحمد بن سعيد بن النشف الواسطي، والجمال يحيى ابن الصيرفي، والنجيب عبد اللطيف وأخوه العز عبد العزيز، والنجيب مقداد بن أبي القاسم القيسي، والعلم أبو محمد القاسم بن أحمد الأندلسي، وإسرائيل بن أحمد القرشي، وابنه علي بن الأخضر، وخلق سواهم. وتوفي في سادس شوال. قال ابن النجار (٢): سمعه أبوه من جماعة، وأول طلبه من الأرموي وابن ناصر، وما زال يسمع حتى قرأ على شيوخنا. كتب كثيراً لنفسه، وتوريقاً (٣) للناس في شبابه. قرأت عليه (٤) كثيراً في حلقته وفي حانوته للبز بخان الخليفة. وكان ثقة، حُجة، نبيلاً. ما رأيتُ في شيوخنا مثلهُ في كثرة مسموعاته، وحسن أصوله، وحفظه، وإتقانه. وكان أميناً، ثخين الستر، متديناً، ظريفاً. قلت: وأجاز للكمال عبد الرحمن المكبر (٥). ٢٤ - عبد الكريم بن أحمد بن محمد، الإمام أبو الفضل القرشي البوازيجي (٦) الضرير المقرئ، نزيل الموصل. قرأ بها القراءات على يحيى بن سعدون. وتفقه على يونس بن منعة الإربلي. وسمع المقامات من أبي سعد محمد بن علي الحلي صاحب الحريري. وسمع من تاج الإسلام ابن خميس. قرأ عليه بالروايات تقي الدين أحمد بن نوفل النصيبي. وروى عنه ولده

стр. 12879

عز الدين محمد بن عبد الكريم ويعرف بابن حزمية. مات في هذا العام بالموصل؛ أرخه الفرضي (١). ٢٥ - عبد اللطيف بن محمد بن ثابت، الخطيب أبو القاسم الخوارزمي، ثم الأصبهاني. ولد في سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وسمع حضوراً من زاهر الشحامي، وسمع من فاطمة بنت البغدادي. روى عنه الضياء، وابن خليل، وجماعة، والزكي البرزالي. وأجاز للشيخ الفخر، وللشيخ شمس الدين عبد الرحمن، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، وجماعة. ورخه الضياء. ٢٦ - علي بن عبد الله بن أبي البركات فضل الله بن محمد بن محمد ابن مخلد، القاضي الأجل أبو المكارم الأزدي المخلدي الواسطي المعدل، المعروف بابن الجلخت. ولد سنة ثلاثين وخمسمائة، وسمع بواسط من عم أبيه أبي الكرم نصر الله بن محمد بن محمد، وأبي عبد الله محمد بن علي الجلابي. وحدث ببغداد، وواسط، وكان من بقايا الرواة المسندين، وولي نيابة الحكم بواسط، وسمع منه يوسف بن محمد بن بختيار، ومحمد بن أحمد الزهري، وأبو عبد الله الدبيثي (٢)، وجماعة. توفي في ثاني شوال، وقد نيف على الثمانين. ٢٧ - علي بن علي بن أبي السعادات المبارك بن الحسين ابن نغوبا (٣)، أبو المظفر الواسطي العدل. ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وسمع من جده أبي السعادات، وعلي ابن البسري، ومن أبي الكرم نصر الله ابن الجلخت، وأبي عبد الله الجلابي.

стр. 12880

وكان شيخاً جليلاً مسنداً، سمع أيضاً ببغداد من أبي الفضل الأرموي، وابن ناصر، وأنوشتكين الرضواني، وعبد الباقي بن أحمد النرسي. وهو أخو أبي بكر عبد الله، وأبي المعالي عبيد الله. سمع منه أحمد بن طارق، وجعفر بن محمد العباسي، وتميم البندنيجي، وأبو عبد الله الدبيثي (١)، وجماعة. وتوفي بمارستان واسط في سادس عشر رمضان. ٢٨ - علي بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن موسى، الفقيه أبو الحسن الخزرجي الإشبيلي ثم الفاسي المعروف بالحصار (٢). أخذ عن أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله محمد بن حميد. وكان إماماً فاضلاً، كثير التصانيف، بارعاً في أصول الفقه. حج، وجاور، وصنف في أصول الفقه وصنف كتاباً في الناسخ والمنسوخ، وكتاب البيان في تنقيح البرهان. وله أرجوزةٌ في أصول الدين شرحها في أربع مجلدات. وله شعر حسن. روى عنه زكي الدين المنذري، وقال (٣): توفي بالمدينة النبوية في شعبان. وأجاز (٤) لابن مسدي، وقال: وقفت له على كتاب سماه: تقريب المدارك في رفع الموقوف ووصل المقطوع من حديث مالك، اختصر فيه بعض معاني كتاب التمهيد لابن عبد البر. ٢٩ - علي بن محمد بن أبي تمام، أبو الحسن القرطبي الطائي. قرأ علي أبيه الموطأ بروايته عن أبي عبد الله ابن الطلاع، وأبي الوليد بن رشد. وأخذ القراءات والعربية عن أبي محمد بن دحمان. وكان إماماً فاضلاً ورعاً.

стр. 12881

توفي في ذي القعدة (١). ٣٠ - علي بن محمود بن الحسن بن هبة الله ابن النجار، أبو الحسن أخو الحافظ محب الدين محمد ابن النجار البغدادي. قتل في ليلة خامس عشر رمضان عن سبع وأربعين سنة، وكان قد سمع من ابن الجوزي، وجماعة، وولي النظر على الأيتام، وكان بارعاً في الحساب والفرائض (٢). ٣١ - علي بن المفضل بن علي بن أبي الغيث مفرج بن حاتم بن الحسن بن جعفر، العلامة الحافظ شرف الدين أبو الحسن ابن القاضي الأنجب أبي المكارم اللخمي المقدسي الأصل الإسكندراني الفقيه المالكي القاضي. ولد في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتفقه بالثغر على الإمام أبي طالب صالح بن إسماعيل ابن بنت مُعافى، والإمام أبي الطاهر بن عوف، وأبي محمد عبد السلام بن عتيق السفاقسي، وأبي طالب أحمد بن المسلم اللخمي التنوخي. وسمع منهم، ومن السلفي فأكثر عنه وانقطع إليه وتخرج به، ومن أبي عبيد نعمة الله بن زيادة الله الغفاري، وهو من قدماء شيوخه، حدثه عن عيسى بن أبي ذر الهروي. وسمع أيضاً من أبي الضياء بدر الخُداداذي، وسالم بن إبراهيم الأموي، ومحمد بن علي بن خلف، وعبد الرحمن بن خلف الله المقرئ، وطائفة. وقدم مصر سنة أربع وسبعين فشهد بها عند قاضي القضاة أبي القاسم عبد الملك بن درباس. وسمع من العلامة عبد الله بن بري، وعلي بن هبة الله بن عبد الصمد الكاملي، وهبة الله ابن الطوير، ومحمد بن علي الرحبي، وطائفة. وجاور بمكة، وسمع بالحجاز من أحمد ابن الحافظ أبي العلاء العطار، وأبي سعد عبد الواحد بن علي الجويني، وجماعة. وحدث بالحرمين، ومصر، والثغر (٣). وناب في القضاء بالإسكندرية

стр. 12882

مدةً، ودرس بالمدرسة المعروفة به، ودرس بالقاهرة بالمدرسة الصاحبية إلى حين وفاته. وكان إمامًا بارعًا في المذهب، مفتيًا، محدثًا حافظًا، له تصانيف مفيدة في الحديث، وغيره. وكان ورعًا خيرًا، حسن الأخلاق، كثير الإغضاء متفننًا في العلم، كبير القدر، عديم النظير. روى عنه الزكي البرزالي، والزكي المنذري، والرشيد العطار، والعلم عبد الحق بن مكي ابن الرصاص، والشرف عبد الملك بن نصر الفهري الفوي (١) اللغوي، والمجد علي بن وهب ابن دقيق العيد المالكي، وإسحاق بن ملكويه الصوفي، ومحتسب الإسكندرية الحسن بن عثمان القابسي، والجمال محمد بن سليمان الهواري التونسي، ومحمد بن مرتضى بن أبي الجود، والشهاب إسماعيل القوصي، والشرف عمر بن عبد الله السبكي القاضي، ومحمد بن عبد الخالق بن طرخان، والنجيب أحمد بن محمد بن الحسن السفاقسي، والمحيي عبد الرحيم بن عبد المنعم ابن الدميري، وخلقٌ سواهم. قال الحافظ المنذري (٢): وكان ﵀ جامعًا لفنون من العلم حتى قال بعض الفضلاء لما مر به محمولًا على السرير ليدفن: رحمك الله يا أبا الحسن، فقد كنت أسقطت عن الناس فروضًا. قال (٣): وتوفي في مستهل شعبان بالقاهرة، ودفن من يومه بسفح المقطم. وله ﵀ مقاطيع مليحة منها (٤): ولمياء تحيي من تحيي بريقها … كأن مزاج الراح بالمسك من (٥) فيها وما ذقت فاها غير أني رويته … عن الثقة المسواك وهو موافيها وله:

стр. 12883

أيا نفس بالمأثور عن خير مرسل … وأصحابه والتابعين تمسكي عساك إذا بالغت في نشر دينه … بما طاب من نشر له أن تمسكي وخافي غدا يوم الحساب جهنما … إذا لفحت نيرانها أن تمسكي قلت: ليت نفسه قبلت منه، وتمسكت بإمرار الصفات من غير تأويل! ٣٢ - علي بن أبي بكر الهروي الزاهد السائح، تقي الدين الذي طوف الأقاليم. وكان يكتب على الحيطان، فقل ما تجد موضعًا مشهورًا في بلد إلا وعليه خطه. ولد بالموصل، واستوطن في آخر عمره حلب، وله بها رباط. وله تواليف حسنة. وكان يعرف سحر السيمياء، وبه تقدم عند الظاهر صاحب حلب، وبنى له مدرسة بظاهر حلب، فدرس بها. وصنف خطبًا، ودفن في قبة المدرسة في رمضان. قال فيه القاضي ابن خلكان (١): كاد يطبق الأرض بالدوران، ولم يترك برًا ولا بحرًا ولا سهلًا، ولا جبلًا مما يمكن رؤيته إلا رآه وكتب خطه في حائط ذلك الموضع، وبه ضرب المثل ابن شمس الخلافة فقال في رجل يستجدي بالأوراق: أوراقُ كديته في بيتِ كل فتى … على اتفاق معانٍ واختلاف روي قد طبق الأرض من سهل إلى جبل … كأنه خط ذاك السائح الهروي قال جمال الدين ابن واصل (٢): كان عارفًا بأنواع الحيل والشعبذة، صنف خطبًا وقدمها للناصر لدين الله، فوقع له بالحسبة في سائر البلاد، وإحياء ما شاء من الموات والخطابة بحلب. وكان هذا التوقيع بيده له به شرف، ولم يباشر شيئا من ذلك. قلتُ: سمع من عبد المنعم الفراوي تلك الأربعين السباعية (٣). روى عنه الصدر البكري، وغيره. ورأيت له كتاب المزارات

стр. 12884

والمشاهد (١) التي عاينها في الدنيا فرأيته حاطب ليلٍ وعنده عامية، لكنه دور الدينا، ودخل إلى جزائر الفرنج، ورأى العجائب. ٣٣ - عمر بن يوسف بن محمد بن نيروز (٢)، أبو حفص البغدادي المقرئ. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقرأ القراءات على أبي الحسن علي بن عساكر البطائحي، وغيره. وسمع من أبي الفتح ابن البطي، ويحيى بن ثابت، وجماعة. ويُعرف بصاحب ابن الشعار (٣). روى عنه الدبيثي، وقال (٤): كان خيرًا ثقةً، توفي في تاسع جُمادى الأولى. وكان ختن شيخنا محمود بن نصر الشعار. ٣٤ - محمد بن أحمد بن الحسن، أبو عبد الله الدوري. قرأ القراءات الكثيرة على بدل بن أبي طاهر الجيلي، ويعقوب بن يوسف الحربي ونصر الله بن علي ابن الكيال، وتوفي في جمادى الأولى (٥). ٣٥ - محمد بن خلف بن إبراهيم بن أيوب بن إبراهيم بن عبادة بن بالغ، أبو بكر وأبو عبد الله القرشي الهاشمي الأندلسي، من أهل بسطة، وخطيبها. روى عن أبي عبد الله ابن الفرس، وإبراهيم بن منبه، وعبد الرحمن بن القصير، وعلي بن عبد العزيز بن مسعود. وولي قضاء بسطة فحمدت سيرته. وأقرأ القرآن، وحدث. وكان ورعًا متقنًا. روى عنه أبو القاسم الملاحي، وغيره، وعاش ستًا وثمانين سنة (٦).

стр. 12885

٣٦ - محمد بن داود بن عثمان الدربندي الصوفي الصالح. سمع أبا طاهر السلفي. حدث بدمشق، وبالخليل، وأقام به يخدم بمعلوم له، وبه توفي في ربيع الأول. روى عنه الزكيان البرزالي والمنذري، وابن خليل، والشهاب القوصي، وقال: ولد بدربند سنة ثلاثين وخمسمائة، ولقيته بالخليل سنة إحدى وتسعين وخمسمائة (١). ٣٧ - محمد بن العباس بن يحيى بن أبي تمام محمد ابن نور الهدى الحُسين بن محمد، الشريف الزاهد أبو تمام الزينبي الهاشمي البغدادي. ولد سنة ثلاث وثلاثين، وسمع من أبي المعالي اللّحاس، ولم يسمع في صغره، وكان زاهدًا عابدًا، كبير الشأن، كثير المجاهدة، انقطع إلى العبادة في مسجد جده نور الهدى. روى عنه الدبيثي (٢). ٣٨ - محمد بن عبد الغني بن إبراهيم، القاضي أبو عبد الله ابن المنجم الربعي الشافعي الصواف المصري. سمع أبا طاهر السلفي، وأبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن ثابت ابن الكيزاني. روى عنه الحافظ عبد العظيم المنذري (٣)، وغيره، وتوفي في عاشر رمضان. ٣٩ - محمد بن علي، أبو العشائر ابن التلولي اللبان الحنبلي. قرأ القراءات والفقه. وسمع من ابن البطي، وجماعة. روى عنه ابن النجار، ومات في السجن بواسط في شوال (٤). ٤٠ - محمد بن علي بن نصر ابن البل، أبو المظفر الدوري الواعظ ابن الحنبلي.
следующие страницы →