٤٤٥ - الحسن بن مظفّر بن علي بن مطر الأنصاري، أبو علي الموصلي.
حدّث في هذه السنة بدمشق عن خديجة بنت النهرواني، وشُهدة.
ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.
روى عنه ابن الحاجب، والزكي البِرزالي، وأبو بكر ابن الأنماطي.
٤٤٦ - الحسين بن عبد الله بن محمد، أبو علي ابن المالقي، الأنصاري الفقيه، قاضي قرطبة.
سمع أبا محمد بن عبيد الله الحَجْري، وأبا عبد الله ابن الفخّار. وأخذ العربية عن الأستاذ أبي عبد الله ابن الدرّاج. وأجاز له أبو بكر ابن الجدّ. وحدث عنه ابن الطيلسان، وغيره.
ونزل مرّاكش. وتوفي كهلاً.
٤٤٧ - الحسين بن أبي بكر أحمد بن الحسين، أبو عبد الله البغدادي الغزّال، ويعرف بابن الخياري (١).
سَمع من سعيد ابن البنّاء، وأبي الوقت، وعمر الحربي. وحدث. ومات في ثامن عشر رمضان. روى عنه البِرزالي، وجماعة.
٤٤٨ - سعيد بن أحمد بن علي، أبو منصور البصري المالكي، الشيخ الصالح المعروف بابن محاوش (٢).
حدث بـ سنن أبي داود عن الشريف أبي طالب محمد بن محمد العلوي، من غير أصل. وحدث عن طلحة بن علي المالكي، وعلي بن عبد الملك الواعظ، وإبراهيم بن عطية الإمام.
وكان مولده في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. ومات بالبصرة في شعبان، أو رمضان.
وذكره ابن نُقطة فقال (٣): سعيد بن علي بن أحمد هكذا.
стр. 13057
سَمع مع أخيه لأمه علي ابن المعلمة (١)، وسمع المقامات من ابن الحريري، عن أبيه. ومات في أوائل رمضان.
٤٤٩ - سعيد (٢) بن طاهر بن علي المؤيّد بن رضوان، الفقيه أبو الشكر البلخي ثم الواسطي، نزيل بغداد.
وُلد سنة خمس وثلاثين بواسط، وصَحِب صدقة بن وزير الواعظ، وقدم بغداد معه. وتفقه على مذهب الشافعي. وسَمع من أحمد بن المبارك بن قَفَرجل، وأبي الحسن بن غَبرة، وابن البطّي.
ومات في جمادى الأولى.
٤٥٠ - صدقة بن مكارم بن شجاع الرَّقّي.
حدث عن الحسن بن جعفر المتوكلي. ومات في صفر (٣).
٤٥١ - الطاهر، زكي الدين أبو العباس، قاضي القضاة ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد ابن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن علي ابن قاضي القضاة المنتجب أبي المعالي محمد بن يحيى القرشي الدمشقي الشافعي.
ولي القضاء مرتين قبل ابن الحرستاني، وبعده. وكان مُعرّقاً في القضاء، رئيساً، نبيلاً، محتشماً، عالماً، ماضي الأحكام. ألبسه في العام الماضي الملك المعظّم القباء والكلوته بمجلس حكمه بداره.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٤): كان في قلبه منه حزازات يمنعه من إظهارها حياؤه من والده الملك العادل، وشكى إليّ منه مراراً. ومرضت ست الشام عمة المعظّم فأوصت بدارها مدرسة، فأحضرت قاضي القضاة زكي الدين الطاهر، والشهود، وأوصت إلى القاضي. وبلغ ذلك المعظّم فعز عليه، وقال: يحضر إلى دار عمتي بغير إذني، ويسمع كلامها. واتفق أن القاضي زكي
стр. 13058
الدين أحضر جابي العزيزية، وطلب الحساب؛ فأغلظ له في الخطاب، فأمر بضربه بين يديه كما يفعل الولاة. فوجد المعظّم سبيلاً إلى إظهار ما في نفسه. وكان الجمال المصري وكيل بيت المال عدواً للقاضي، فجاء فجلس عند القاضي والشهود حاضرون؛ فبعث المعظّم بُقجة فيها قباء وكَلوته، وأمره أن يحكم بين الناس وهما عليه، فقام ولبسها، وحكم بين اثنين.
قال أبو شامة (١): والجابي المذكور هو السديد سالم بن عبد الرزاق، خطيب عَقربا، وجاء الذي لبّسه الخِلعة إلى عند شيخنا السخاوي، فحدثه، فتأوّه شيخنا؛ فضرب بيده على الأخرى. فكان مما حكى، قال: أمرني السلطان أن أقول له: السلطان يسلّم عليك، ويقول لك: إن الخليفة سلام الله عليه، إذا أراد أن يُشرّف أحداً خلع عليه من ملابسه، ونحن نسلك طريقه، وقد أرسل إليك من ملابسه، وأمر أن تحكم بها. وفتحتُ البقجة، فلما نظر إليها وَجَم، فأمرته بترك التوقف؛ فمد يده، ووضع القباء على كتفيه، ووضع عمامته وحطّ الكَلوتَه على رأسه، ثم قام، ودخل بيته.
قال أبو شامة (٢): ومن لُطف الله به أن كان مجلس الحكم في داره، ثم لزم بيته، ولم تطُل حياته بعدها، ومات في صفر. رمى قطعاً من كبده، وتأسف الناس لما جرى عليه. وكان يحب أهل الخير، ويزور الصالحين. وبقي نوّابه يحكمون بين الناس بالجامع: القاضي شمس الدين أبو نصر ابن الشيرازي، والقاضي شمس الدين ابن سنيّ الدولة؛ وكان ابن سَنيّ الدولة يجلس للحكم بشبّاك الكلاّسة، والنائب الثالث شرف الدين ابن الموصلي الحنفي؛ وكان يحكم بالطرخانية بجَيرون، ثم بعد مدة أضيف إليهم الجمال المصري.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): وكانت واقعة قبيحة، ولقد قلت له يوماً: ما فعلت إلا بصاحب الشرع؟ ولقد وجب عليك دية القاضي. فقال: هو أحوجني إلى هذا، ولقد ندمت. واتفق أن المعظّم بعث إلى الشرف بن عُنين، حين تزهّد خمراً ونرداً، وقال: سبِّح بهذا، فكتب إليه:
стр. 13059
يا أيها الملك المعظَّم سُنَّةً … أحدثتها تبقى على الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزهّاد (١)
توفي في الثالث والعشرين من صفر، ودُفن بتربتهم بسفح قاسيون.
• - عبد الله بن أحمد بن مسعود بن مطر الهاشمي، هو الأكمل (٢).
٤٥٢ - عبد الله بن عثمان بن جعفر بن محمد اليونيني الزاهد، أسد الشام، رحمة الله عليه.
كان شيخاً طُوالاً مَهيباً، حاد الحال، كأنه نار، كان يقوم نصف الليل إلى الفقراء، فمن رآه نائماً ضربه، وكان له عصاة اسمها العافية.
حكى الشيخ عبد الله بن شُكر اليونيني، قال: كان الشيخ ﵀ في شبوبيته قد انقطع في الجبل؛ وكانت أخته تأتيه كل يوم بقرص وبيضتين، فأتته بذلك مرة؛ وإذا بفقير قد خرج من عنده ومعه قرص وبيضتان، فقالت له: من أين لك هذا؟ قال: من ذاك القاعد، له شهر كل يوم يعطيني قرصاً وبيضتين. فأتته وسألته، فنهرها، وزعق فيها.
قلت: وكان أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، شُجاعاً، صاحب سلاح (٣) ظاهر وباطن، مقبلاً على شأنه، مجدّاً لا يفتر، حاضر القلب، دائم الذكر، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان من حين اشتد يخرج وينطرح في شعراء (٤) يونين، فإذا رآه السفّارة حملوه إلى أمه؛ وكانت امرأة صالحة. فلما انتشى كان يتعبّد بجبل لبنان. وكان كثير الغزو أيام السلطان صلاح الدين.
وقد جمع مناقبه خطيب زَمْلَكا أبو محمد عبد الله ابن العز عمر المقدسي، فقال: حدثني الشيخ إسرائيل، عن الشيخ علي القصّار، قال: كنت إذا رأيت الشيخ عبد الله أهابه، كأنه أسد، فإذا دنوت منه وددت أني أشق قلبي وأجعله فيه.
стр. 13060
قال ابن العز: وحدثني الزاهد خليل بن عبد الغني بن مقلَّد، قال: كنت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشيخ عبد الله، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلاّسة، ليتوضأ، وإذا برجل متختّلٍ يفرّق ذهباً، فلما وصل إليّ أعطاني خمسة دنانير، وقال: أين سيدي الشيخ؟ قلت: يتوضأ. فجعل تحت سجّادته ذهباً، وقال: إذا جاء قل له: مملوكك أبو بكر التكريتي يُسلّم عليك، ويشتهي تدعو له. فجاء الشيخ وأنا ألعب بالذهب في عُبّي، ثم ذكرت له قول الرجل، فقال توبة: من ذا يا سيدي؟ قال: صاحب دمشق؛ وإذا به قد رجع، ووقف قدّام الشيخ، والشيخ يُصلي، فلما سلم أخذ السواك ودفع به الذهب، وقال: يا أبا بكر، كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق؟ وتغزل امرأة وقيّة تبيعها فيؤخذ منها قرطيس؟ فلما راح أبطل ذلك، وكان الملك العادل.
قال ابن العز: وأخبرني المعمَّر محمد بن أبي الفضل، قال: كنت عند الشيخ وقد جاء إليه المعظَّم، فلما جلس عنده، قال: يا سيدي ادعُ لي. قال: يا عيسى لا تكن نحس (١) مثل أبيك. فقال: يا سيّدي وأبي كان نحس؟ قال: نعم؛ أظهر الزغل (٢)، وأفسد على الناس المعاملة، وما كان محتاج. قال: فلما كان الغد أخذ الملك المعظم ثلاثة آلاف دينار، وطلع إلى عند الشيخ بها، وقال: هذه تشتري بها ضيعة للزاوية. فنظر إليه، وقال: قم يا ممتحن يا مبتَدع، لا أدعو الله تنشق الأرض وتبتلعك، ما قعدنا على السجاجيد حتى أغنانا؛ تحتي ساقية ذهب وساقية فضة! أو كما قال.
وأخبرني إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي طالب النجّار، قال: أنكر الشيخ عبد الله على صاحب بعلبك، وكان يسميه مجيد، فأرسل إليه الأمجد يقول: إن كانت بعلبك لك فأشتهي أن تُطلقها لي، فلم يبلّغه رسول الأمجد ذلك.
قال: وأخبرني الإمام أبو الحسن الموصلي، قال: حضرت مجلس الشيخ الفقيه ببعلبكّ، وهو على المنبر، فسألوه أن يحكي شيئاً من كرامات الشيخ عبد الله، فقال بصوت جهير: كان الشيخ عبد الله عظيم، كنت عنده؛ وقد ظهر
стр. 13061
من ناحية الجبل سحابة سوداء مظلمة، ظاهر منها العذاب، فلما قرُبت قام الشيخ وقال: إلى بلدي؟ ارجعي، فرجعت السحابة. ولو لم أسمع هذه الحكاية من الفقيه ما صدّقت.
حدثني الشيخ إسرائيل، أن الشيخ محمداً السكاكيني حدثه، وكان لا يكاد يفارق الشيخ، قال: دعاني إنسان وألحّ عليّ فأتيته، وخرجت في الليل من السور من عند عمود الراهب، وجئت إلى الزاوية، فإذا الشيخ وهو يقول: يا مولاي، ترسل إلي الناس في حوائجهم؟ من هو أنا؟ اقضِها أنت لهم يا مولاي، إبراهيم النصراني من جبة بشرين يا مولاي، ودعا له، فبهت لذلك، ونمت ثم قمت إلى الفجر، وبقيت يومئذ عنده. فلما كان الليل وأنا خارج الزاوية، إذا بشخص فقلت: أيش تعمل هنا؟ وإذا به إبراهيم النصراني، قلت: أيش جابك؟ قال: أين الشيخ؟ قلت: يكون في المغارة. قال: رأيت البارحة رسول الله ﷺ في النوم، وهو يقول: تروح إلى الشيخ عبد الله، وتسلّم على يده فقد ينتفع فيك. فأتينا الشيخ، وإذا به في المغارة، فقصّ على الشيخ الرؤيا؛ فتغرغرت عينا الشيخ بالدموع، وقال: سماني رسول الله ﷺ شويخ. فأسلم إبراهيم، وجاء منه رجل صالح.
وأخبرني العماد أحمد بن محمد بن سعْد، قال: طلعنا جماعة إلى زيارة الشيخ الفقيه محمد، فقلت: يا سيّدي، حدثنا عن منام الشيخ عبد الله الثقة، فقال: أخبرني الشيخ عبد الله الثقة، قال: كنت قد رأيت من ثلاث عشرة سنة كأني في مكان واسع مضيء، وفيه جماعة فيهم رسول الله ﷺ ، فجئت إليه، وقلت: يا رسول الله خذ عليّ العهد، ومددت يدي إليه، فقال: بعد الشيخ عبد الله - أعدتها عليه ثلاثاً - وهو يقول: بعد الشيخ عبد الله. فلما كان البارحة جاء إليّ شخص، وقال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم، وهو يقول لي: قل لعبد الله الثقة يخرج من المدينة وإلا يُمسَك. قلت: يا رسول الله، ما يُصدّقني؟ قال: قل له بعلامة ما رآني، وقال لي: خذ عليّ العهد، فقلت له: بعد الشيخ عبد الله. قال: ولو لم يرَ لي هذا المنام، ما أعلمت بمنامي أحداً. قال: فقلت: ما بعد هذا شيء، أخرج، قال: فمُسك بعد أيام. أو ما هذا معناه.
أخبرني الشيخ إسرائيل، حدثني عبد الصمد. قال: والذي لا إله إلا هو
стр. 13062
مذ خدمت الشيخ عبد الله ما رأيته استند إلى شيء، ولا سعل، ولا تنحنح، ولا بصق.
وقال الشيخ الفقيه: حضرت الشيخ عبد الله مرتين، وسأله ابن خاله حُميد بن بَرق، فقال: زوجتي حامل، إن جاءت بولد ما أسميه؟ قال: سمِّ الواحد: سليمان، والآخر: داود، فولدت اثنين توأما. وقال له ابنه محمد: امرأتي حامل إن جاءت بولد ما أسمّيه؟ قال: سمِّ الأول: عبد الله، والثاني: عبد الرحمن.
وعن سعيد المارديني، قال: جاء رجالٌ من بعلبكّ إلى الشيخ، فقالوا: جاءت الفرنج، قال: فمسك لحيته وقال: هذا الشيخ النحس ما قعوده هاهنا؟ فردت الفرنج.
وقال أبو المظفر سِبط ابن الجوزي في ترجمة الشيخ عبد الله اليونيني (١): كان صاحب رياضات ومُجاهدات وكرامات وإشارات. لم يقم لأحدٍ تعظيماً لله؛ وكان يقول: لا ينبغي القيام لغير الله. صحِبتُه مدة، وكان لا يدّخر شيئاً، ولا يمسّ ديناراً ولا دِرهماً، وما لبس طول عمره سوى الثوب الخام، وقَلَنْسُوة من جِلد ماعز تساوي نصف درهم، وفي الشتاء يبعث له بعض أصحابه فروة، فيلبسها، ثم يؤثر بها في البرد. قال لي يوماً ببعلبكّ: يا سيد أنا أبقى أياماً في هذه الزاوية ما آكل شيئا، فقلت: أنت صاحب القبول كيف تجوع؟ قال: لأنّ أهل بعلبكّ يتّكل بعضهم على بعض، فأجوع أنا. فحدّثني خادمه عبد الصمد قال: كان يأخذ ورق اللوز يفركه ويستفّه.
وكان الأمجد يزوره، فكان الشيخ يهينه ويقول: يا مُجَيد أنت تظلم وتفعل، وهو يعتذر إليه.
وأظهر العادل قراطيس سوداً، فقال الشيخ: يا مسلمون انظروا إلى هذا الفاعل الصّانع يفسد على الناس معاملاتهم. فبلغ العادل ذلك، فأبطلها. سافرتُ إلى العراق سنة أربع وحججت، فصعدت على عرفات، وإذا بالشيخ عبد الله قاعدٌ مستقبل القبلة، فسلّمت عليه، فرحّب بي وسألني عن طريقي، وقعدت عنده إلى الغياب، ثم قلت: ما نقوم نمضي إلى المزدلفة؟ فقال: اسبقني؛ فلي رفاق. فأتيت مزدلفة ومِنى، فدخلت مسجد الخِيف فإذا بالشيخ توبة، فسلّم عليّ،
стр. 13063
فقلت: أين نزل الشيخ؟ قال: أيّما شيخ؟ قلت: عبد الله اليونيني. قال: خلفته ببعلبكّ. فقطبتُ وقلت: مبارك. ففهم وقبض على يدي وبكى، وقال: بالله حدثني، أيش معنى هذا؟ قلت: رأيته البارحة على عرفات. ثم رجعت إلى بغداد ورجع توبة إلى دمشق، وحدّث الشيخ عبد الله، ثم حدّثني الشيخ توبة قال: قال لي ما هو صحيح منك، فلان فتى، والفتى لا يكون غمّازاً. فلما عدت إلى الشام عتَبَني الشيخ. وحدثني الجمال يعقوب قاضي البِقاع، قال: كنت عند الجسر الأبيض وإذا بالشيخ عبد الله قد جاء ونزل إلى ثورا، وإذا بنصراني عابر، ومعه بغل عليه حِمل خَمْر فعثر البغل ووقع، فصعد الشيخ وقال: يا فقيه، تعال. فعاونته حتى حمّلناه، فقلت في نفسي: أيش هذا الفعل؟ ثم مشيت خلف البغل إلى العُقيبة فجاء إلى دّكان الخمّار، فحلّ الظرف وقلَبَه، وإذا به خَلّ، فقال له الخمّار. ويحك هذا خلّ، فبكى، وقال: والله ما كان إلا خمراً من ساعة، وإنما أنا أعرف العلة، ثم ربط البغل في الخان، وردّ إلى الجبل، وكان الشيخ قد صلى الظُّهر عند الجسر في مسجدٍ، قال: فدخل عليه النصراني، وأسلم، وصار فقيراً.
قال أبو المظفّر (١): وكان الشيخ شجاعاً ما يبالي بالرجال قلّوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلاً، وما فاتته غزاة في الشام قط، وكان يتمنى الشهادة ويُلقي نفسه في المهالك. حدّثني خادمه عبد الصمد قال: لما دخل العادل إلى بلاد الفرنج إلى صافيتا قال لي الشيخ ببعلبك: انزل إلى عبد الله الثقة، فاطلب لي بغلته. قال: فأتيته بها، فركبها، وخرجت معه فبِتنا في يونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا المُحدثَة الفجَر، فقلت له: لا تتكلم فهذا مكمن الفرنج. فرفع صوته وقال: الله أكبر، فجاوبته الجبال، فيَبستُ من الفَزَع، ونزل فصلى الفجر، وركب، فطلعت الشمس، وإذا قد لاح من ناحية حِصن الأكراد طلب أبيض، فظنّهم الاسبتار، فقال: الله أكبر، ما أكبرك من يوم، اليوم أمضي إلى صاحبي. وساق إليهم وشهر سيفه، فقلت في نفسي: شيخ وتحته بغلة وبيده سيف يسوق إلى طلب فرنج. فلما كان بعد لحظة وقربوا، إذا هم بمائة حمير
стр. 13064
وحش، فجئنا إلى حِمص، فجاء الملك المجاهد أسد الدين، وقدّم له حصاناً، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب.
وكان الشيخ عبد الله يقول للفقيه محمد: في وفيك نزلت: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (١).
وقال ابن العديم في تاريخ حلب: أخبرني الفقيه محمد اليونيني أن الشيخ عبد الله كان يصلي بعد العشاء الآخرة وِرداً إلى قريب ثلث الليل، فكان ليلة يعاتب (٢) ربه ويقول: يا رب الناس ما يأتوني إلا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية والرجل الفلاني أن تقضي حاجته، وما قضيتَها، فهكذا يكون؟ وكان يتمثّل بهذه الأبيات كثيراً ويبكي:
شفيعي إليكم طول شوقي إليكم … وكل كريمٍ للشفيع قُبول
وعُذري إليكم أنني في هواكم … أسيرٌ ومأسور الغرام ذليل
فإن تقبلوا عُذري فأهلاً ومرحباً … وإن لم تُجيبوا فالمُحبُّ حمول
سأصبر لا عنكم ولكن عليكم … عسى لي إلى ذاك الجَنابِ وصول
قال الصاحب أبو القاسم: وقد صحِبته ووهب لي قميصاً له أزرق، وقال لي يوماً ببيت المقدس: يا أبا القاسم، اعشق تفلح! فاستحييت، وذلك في سنة ثلاث وستمائة، ثم بعد مدة سارّني بجامع دمشق، وقال: عشقت بعد؟ فقلت: لا. قال: شُهْ عليك. واتفق أني تزوجت بعد ذاك بسنة، ومِلْتُ إلى الزوجة ميلاً عظيماً، فما كنت أصبر عنها.
قال ابن العزّ عمر: قرأت في تاريخ ابن العديم، بغير خطه، قال سيدنا العلاّمة أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين اليونيني: كنت عند الشيخ يوماً فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟ قال: لا، فذهب أحدهما وجلس الآخر، فقال الشيخ: فأما الزَّبَد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أياماً، فقال له الشيخ: تحبّ أن أريك قبرك؟ قال: نعم، فأتى به المقبرة، فقال: هذا قبرك. فأقام بعد ذلك اثني عشر يوماً أو أربعة عشر يوماً، ثم مات، فدُفن في ذلك المكان. وكان له
стр. 13065
زوجة ولها بنت، فطلبتُ أن يزوّجني بها، فتوقفت أمها، وقالت: هذا فقير ما له شيء. فقال: والله إني أرى داراً قد بُنيت له وفيها ماءٌ جارٍ وابنتك عنده في الإيوان، وله كفاية على الدوام، فقالت: ترى هذا؟ قال لها: نعم.
فزوّجَتنيها، ورأت ذلك، وأقامت معي سنين، وذلك سنة محاصرة الملك العادل سِنجار.
وكانت امرأة بعد موتها تطلب زواجي، وتشفّعت بزوجة الشيخ، فلما أكثرت عليّ، شكوتها إلى الشيخ، فقال: طوّل روحك يومين، ثلاثة ما تعود تراها. قال: فقدِم ابن عمّها من مصر أميرٌ كبيرٌ بعد أيام، فتزوج بها، وما عدت رأيتها. وكراماته في هذا كثير.
كتب الفقيه تحت هذا الكلام: صحيح ذلك، كتبه محمد بن أبي الحسين اليونيني.
وقال أبو القاسم ابن العديم: توفي في عشْر ذي الحجة، وهو صائم، وقد جاوز الثمانين. فقال لي الفقيه محمد: كنت عند الشيخ، فالتفت إلى داود المؤذّن، فقال: وصيّتك بي غداً، فظنّ المؤذّن أنه يريد يوم القيامة. وكان ذلك يوم الجمعة، وهو صائم، فلما جاء وقت الإفطار قال لجاريته: يا درّاج أجد عطشاً، فسقته ماء لينوفر، فبات تلك الليلة، وأصبح وجلس على حجَر موضِع قبر مستقبل القِبلة، فمات وهو جالس، ولم يُعلم بموته، حتى حرّكوه، فوجدوه ميتاً، فجاء ذلك المؤذّن وغسّله، ﵀.
قلت: وله أصحاب كبار منهم: ولده محمد، والشيخ الفقيه، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز، والشيخ عيسى بن أحمد، والشيخ توبة، ومحمد بن سيف؛ وأقدمهم الشيخ عبد الخالق اليونيني، توفي بيونين في هذه السنة أيضاً؛ وكان صالحاً زاهداً، كبير القدر، صاحب كرامات، وهو عم الشيخ عيسى اليونيني.
٤٥٣ - عبد الرحمن بن أحمد بن هديّة، أبو عمر البغدادي الوراق الدارقَزّي.
آخر من حدّث عن الحافظ عبد الوهاب الأنماطي؛ سمع منه في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. روى عنه الدُّبيثي، والزكي البِرزالي، والضياء، وجماعة. وكان شيخاً صالحاً.
стр. 13066
توفي في السادس والعشرين من ربيع الأول، وقد جاوز التسعين (١).
٤٥٤ - عبد الرحيم ابن الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار، الإمام فخر الدين أبو المظفّر ابن السمعاني، المروزي، الشافعي.
ولد في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. واعتنى به أبوه أتمّ عناية، ورحل به وسمّعه الكثير، وأدرك الإسناد العالي، ووقع له عالياً من الكتب: صحيح البخاري، وسنُن أبي داود، وجامع الترمذي، وسُنن النسائي، ومسند أبي عَوانة، وتاريخ يعقوب الفسَوي. وسمع الكتب الكبار مثل الحِلية لأبي نُعيم، ومسند الهيثم بن كُليب، وأشياء كثيرة.
فسمع من أبي تمّام أحمد بن محمد ابن المختار العباسي التاجر، حدثه عن أبي جعفر ابن المسلمة، ومن الرئيس أسعد بن علي ابن الموفق الهَرَوي، ووجيه الشحّامي، وأبي الفتوح عبد الله بن علي الخَركُوشي (٢)، والحسين بن علي الشحّامي، والجُنيد بن محمد القايني، وأبي الوقت عبد الأول السِّجزي، وأبي الأسعد هبة الرحمن القُشيري، وأبي الخير جامع السقاء الصوفي، ومحمد بن إسماعيل بن أبي صالح المؤذّن، ومحمد بن منصور الحَرضي، وأبي طاهر محمد بن محمد السِّنجي الحافظ، وأبي الفتح محمد بن عبد الرحمن الكُشمِيهَني؛ آخر من روى البخاري عن ابن أبي عمران، وأبي طالب محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكَنْجَروذي، ومحمد بن الحسن بن تميم الطائي، ومحمد بن إسماعيل الخُراجي (٣) المَروزي؛ سمع البخاري من ابن أبي عِمران، وأبي الفتح محمد بن عبد الله بن أبي سعد الشيرازي الهَروي؛ يروي عن بيبى الهَرْثمية، وأبي سعد محمد بن إسماعيل الشاماتي، ومحمد بن عبد الواحد المَغازلي الأصبهاني، ومحمد بن المفضّل بن سيّار الدهّان،
стр. 13067
ومحمد بن جامع خيّاط الصوف، وأبي عبد الرحمن أحمد بن الحسن الكاتب، وأبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن العَصائدي، والحسن بن محمد السَّنجَبَستي (١) وسعيد (٢) بن علي الشجاعي، وعبد الله بن محمد ابن الفراوي، وعبد الملك بن عبد الواحد ابن القُشيري، وعبد السلام بن أحمد الهَرَوي بكَبْرة، وأبي منصور عبد الخالق بن زاهر الشحّامي، وأبي عَروبة عبد الهادي بن عبد الخلاّق الهَرَوي، وعمر بن أحمد الصَّفار، وعثمان بن علي البيكَندي، وخلقٍ كثير لقيهم بمرو، ونيسابور، وهَراة، وبخارى، وسمرقند، ونواحي خُراسان.
وخرّج له أبوه معجماً في ثمانية عشر جزءا. وحجّ سنة ستّ وسبعين وخمسمائة. وحدّث ببغداد، وعاد إلى مرْو، وروى الكثير، ورحل الناس إليه.
وسمِع منه الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي؛ ومات قبله بدهرٍ. وحدث عنه الأئمة أبو عمرو ابن الصَّلاح، والضياء أبو عبد الله، والزكي البِرزالي، والمحب ابن النجّار، والمحب عبد العزيز بن هِلالة، والشرف المُرسي، وأحمد بن عبد المحسن الغَرافي، وطائفةٌ سواهم.
وسمعنا بإجازته من الشرف ابن عساكر، والتاج بن عَصرون. وآخر من روى عنه بالإجازة زينب بنت عمر البعلبكية.
وكان فقيهاً، مُفتياً، عارفاً بالمذهب، وله أنس بالحديث؛ خرّج لنفسه أربعين حديثاً، سمعناها.
قال أبو عمرو ابن الصلاح: قرأت عليه في أربعين أبي البركات الفَراوي حديثاً ادّعى فيه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري، فقال الشيخ أبو المظفّر: ليس لك بعالٍ، لكنه للبخاري نازل. قلت: أعجبني هذا القول من أبي المظفّر.
وانقطع بموته شيءٌ كثير من المَرويات. وعُدم في دخول التتار مَرْو في آخر هذه السنة، أو في أوائل السنة الآتية.
стр. 13068
وكان أخوه الصدر الرئيس أبو زيد محمد قد اختصّ بخدمة السلطان محمد بن تكش الخُوارزمي، وتقدّم عنده، ونفّذه رسولاً غير مرة إلى بغداد، فوعظ بها، وحدّث سنة إحدى وستمائة عن أبي الفتح محمد بن عبد الرحمن الحَمْدويي (١) حضوراً، وعن مسعود بن محمد المَرْوَزي. روى عنه الحافظ الضياء.
قرأت في تاريخ ابن النجّار: إن أبا المظفر توفي بمرو ما بين سنة أربع عشرة أو ست عشرة وستمائة.
قال ابن النجار: سماعاته بخطوط المعروفين صحيحة، فأما ما كان بخطّه فلا يُعتمد عليه؛ كان يلحق اسمه في الطباق (٢).
٤٥٥ - عبد السلام بن الحسن بن عبد السلام بن أحمد، القاضي المرتضى، أبو محمد الفِهري القَيسراني ثم المِصري الكاتب، المعروف بابن الطُّوير.
سمع من السلفي في كبره. وخدم في دولة بني عُبيد المِصريين، ثم خدم في الدواوين في الدولة الصلاحية. وشهد ستين سنة.
وجده من أهل العدالة والحديث والتقدم، كتب عنه الحافظ السلفي، وأما أخوه هبة الله بن الحسن، فيروي عن أبي الحسن ابن الفرّاء، روى عنه الحافظ ابن المفضَّل، وغيره.
وهذا فله شعر، وكتابة حسنة. روى عنه الزكي المنذري (٣)، وغيره. وتوفي عن اثنتين وتسعين سنة وسبعة وعشرين يوماً، عن ذهن حاضر وكتابة جيّدة، وهو القائل:
بالله ربي ثقتي … دخلت عَشر المائة
تِسعون عاماً كمَلَت … في النصف من ذي الحجة
ممتعاً بناظري … ومسمعي وقوتي
وإنني أطمع أن … تغفِر لي خطيئتي
стр. 13069
٤٥٦ - عبد العزيز ابن الأمير القائد أبي علي الحسين بن عبد العزيز بن هِلالة اللخمي الأندلسي، الصالح الحافظ أبو محمد محب الدين.
ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة تقريباً، ورحل، فسمع بمكة من زاهر بن رستم، وببغداد من أبي أحمد عبد الوهاب بن سُكينة، وعمر بن طَبرْزَد، والحسين بن أبي نصر بن أبي حنيفة، وطائفة. وبواسط من أبي الفتح ابن المَندائي. وبأصبهان من أسعد بن سعيد، وعين الشمس، وجماعة. وبخُراسان من المؤيد الطوسي، وأبي رَوْح، وزينب، وأصحاب الفُراوي، وهذه الطبقة. وخطّه مليح مغربي في غاية الدقة. وحدث. وكان كثير الأسفار، ديّناً، متصوناً، كبير القدر.
قال الحافظ الضياء: توفي رفيقنا وصديقنا أبو محمد بن هِلالة بالبصرة في عاشر رمضان، وما رأينا من أهل المغرب مثله. ودُفن بجنب قبر سهل بن عبد الله التُّستَري (١).
وقال ابن نُقطة (٢): كان ثقة، فاضلاً، صاحب حديث وسُنّة، كريم الأخلاق.
وقال مفضَّل القُرشي: كان كثير المروءة، غزير الإنسانية.
وقال عمر ابن الحاجب: رأيته ولم أسمع منه، وهو من طَبيرة (٣): بُلَيدة بالأندلس، من كبار أهلها، رأيته ولم أسمع منه. قال: وكان كيّس الأخلاق، محبوب الصورة، ليِّن الكلام، كريم النفس، حلو الشمائل، مُحسناً إلى أهل العلم بماله وجاهه.
قيل: إنه أوصى بكتبه للشرف المرُسي.
وممن روى عنه الكمال ابن العديم (٤).
قلت: آخر من روى عنه السيف عبد الرحمن بن محفوظ الرَّسعَني المُعدّل.
стр. 13070
٤٥٧ - عبد العظيم بن أبي البركات عبد اللطيف بن أبي نصر بن محمد بن سهل، أبو المكارم الأصبهاني المِلنجيّ الشَّرابي القزّاز نزيل بغداد.
وُلد بمحلة مِلَنجة من أصبهان سنة خمسين وخمسمائة. وسمع من أبيه، وأبي مسعود عبد الجليل كُوتاه، وأبي الخير محمد بن أحمد الباغبان، ومسعود الثقفي، والرُّستُمي، وشاكر الأسواري، ومحمد بن محمود الفارفاني، وجماعة. وحدث بأصبهان، وبغداد. وسماعه من كُوتاه حُضور.
وقد كتبت في إجازة أنه من عشيرة سلمان الفارسي.
روى عنه أبو عبد الله الدبيثي (١)، والزكي البِرزالي، وجماعة. وآخر من روى عنه بالإجازة زينب بنت كِندي.
ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة ببغداد.
أخبرتنا زينب الكِندية، قالت: أنبأنا عبد العظيم بن عبد اللطيف، أن ضوء النساء بنت عبد الرزاق بن محمد بن سَهل الشَّرابي، أخبرته، قالت: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الهَرَوي، قال: أخبرنا ثابت بن محمد السعدي، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق القُرشي، قال: حدثنا عثمان بن سعيد الدَّارمي، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مُغيرة، عن عاصم بن أبي النجود، قال: قالت أم سلمة: نِعم اليوم يوم ينزل فيه ربّ العِزّة إلى سماء الدنيا يوم عرفة (٢). فيه انقطاع.
٤٥٨ - عبد الكبير بن محمد بن عيسى بن محمد بن بقي، أبو محمد الغافقي المُرسي، نزيل إشبيلية.
روى عن أبيه، وأبي عبد الله بن سَعادة، وأبي عبد الله بن عبد الرحيم، وجماعة. وأجاز له أبو الحسن بن هُذيل، وغيره.
قال الأبّار (٣): كان فقيهاً حافظاً، حسن الهَدْي والسَّمت، مشاركاً في الحديث، بصيراً بالشروط، متقدماً في الفُتيا. وله مختصر في الحديث،
стр. 13071
وصنّف تفسيراً نحا فيه الجمع بين تفسير ابن عطيّة وتفسير الزَّمخشري.
وولي القضاء برُندة، وناب في الحكم عن القاضي أبي الوليد بن رُشد بقرطبة. وحدّث، وأخذ الناس عنه. وتوفي في صفر، ومولده في سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
٤٥٩ - عبد اللطيف ابن قاضي القضاة أبي طالب علي بن علي بن هبة الله ابن البخاري، القاضي أبو الفتوح البغدادي.
ولي القضاء بالجانب الشرقي جميعه، وولي نظر المخزن المعمور. وهو من بيت القضاء والحِشمة.
توفي في ربيع الآخر (١).
٤٦٠ - عبد المجيد بن محمد بن محمد بن الحسن بن علي، أبو المفضَّل الربعي الكِركَنتي الأصل الإسكندراني المالكي العدْل.
قال: إنه دخل هَمَذان مع أبيه، وسمع بها من الحافظ أبي العلاء العطّار، وقد سمع من أبي محمد العثماني.
وتفرّد بالإجازة من القاضي أبي المظفر محمد بن علي بن الحسين الشيباني الطبري، وحدث بها.
وتوفي في رابع عشر ذي الحجة (٢).
٤٦١ - عبد الوهاب بن عبد الله بن هبة الله بن عبد الله بن حسن، أبو الحسن الأزجي القصّار الصوفي.
سمع من أبي محمد ابن المادح، وأبي المعالي عُمر بن علي الصيرفي. وتوفي في رمضان.
روى عنه البِرزالي، والدُّبيثي (٣)، وغيرهما.
٤٦٢ - علي بن محمد بن يوسف، أبو الحسن الفهمي اليابُري (٤) الضرير.
стр. 13072
نشأ بقرطبة، وأخذ القراءات سنة ثمان وستين بغَرناطة عن عبد المنعم بن الخلوف. وأخذ القراءات بإشبيلية عن أبي بكر بن خَير، ونجَبة بن يحيى؛ وسمع منهم ومن أبي العباس بن مضاء، فأكثر عنه. وله إجازة من السِّلفي، وجماعة.
قال الأبّار (١): وكان محقّقاً للقراءات، ذكياً. أدّب ولد السلطان بمرّاكش، ونال دُنيا عريضة. وحدّث. وتوفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة.
٤٦٣ - علي بن محمد شاه، الأمير الكبير بهاء الدين، صاحب كِرمان.
توفي بدمشق في ذي الحجة، ودفن بمقبرة باب الصغير. وعلى قبره أبيات شعر (٢).
٤٦٤ - علي بن أبي المجد المبارك بن أحمد بن محمد ابن الطاهري، الحَريمي أبو الحسن.
سمع من أبي المعالي محمد ابن اللحّاس، وأبي الفتح ابن البطي، وجماعة. يقال: إنه من ولد الأمير طاهر بن الحسين الخُزاعي.
توفي في ربيع الآخر (٣).
٤٦٥ - علي (٤) بن مسعود بن هيّاب، أبو الحسن الواسطي المقرئ الجَماجمي.
كان يَعمل الجَماجم.
قرأ القراءات على هبة الله بن قسّام الواسطي، وجماعة. وأقرأ وكان يحفظ المشهور والشواذ. وتوفي في جمادى الأولى بواسط.
стр. 13073
قال ابن نُقطة (١): قرأت عليه، وكان متساهلاً في الأخذ جداً.
٤٦٦ - علي بن مسعود بن أحمد ابن المقرئ، الحاجب الجليل أبو القاسم البغدادي.
سمع من عبد الملك بن إلكيا الهرّاسي، وحدّث، ومات في جمادى الآخرة (٢).
٤٦٧ - علي بن أبي بكر بن علي بن سُرور، الإمام الفقيه مجد الدين أبو الحسن المقدسي، الجمّاعيلي الحنبلي.
سمع من ابن كُليب، ورحل إلى أصبهان، فسمع من جماعة.
روى عنه الضياء المقدسي وقال: كان إماماً، ديّناً، فقيهاً، حصّل الفقه والحديث. وكان كثير الاجتهاد في نفع الناس من الإقراء والإشغال بالفقه والحديث. وتوفي في ثامن عشر رجب (٣).
٤٦٨ - عمر بن الحسن بن المبارك، أبو القاسم ابن البوّاب، أمين القضاة بالحريم (٤) وما يليه.
سمع من أبي علي أحمد ابن الرحَبي، ودَهْبل بن كاره، وجماعة. وحدث.
٤٦٩ - فاطمة بنت الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني العطّار.
سمعَت من نصر بن المظفر البرمكي. ومن أبيها. روى عنها الضياء المقدسي، وغيره. وأجازت لشيوخنا. وتوفيت في الخامس والعشرين من ذي الحجة بهمذان (٥).
٤٧٠ - فَريدون بن كَشْوارة، الأجلّ الأمير الدوني (٦).
стр. 13074
توفي بمصر، وحدث عن أبي طاهر السلفي، ومات في ربيع الآخر.
٤٧١ - القاسم بن الحسين بن أحمد، أبو الفضل الخوارزمي النحوي.
من كبار أئمة العربية، صنف شرحا للمفصل في نحو ثلاث مجلدات، وغير ذلك.
قتلته التتار بخوارزم فيمن قتلوا في ثاني عشر ربيع الأول شهيدا، ﵀ (١).
٤٧٢ - قتادة، صاحب مكة، الشريف أبو عزيز ابن الأمير الشريف أبي مالك إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي الحسني.
يقال: إنه بلغ التسعين سنة، ولد بوادي ينبع، وبه نشأ. وولي إمرة مكة مدة.
قال الحافظ عبد العظيم (٢): رأيته يطوف ويدعو بتضرع وخشوع كثير، وكان مهيبا قوي النفس مقداما فاضلا، وله شعر، وقدم مصر غير مرة، أملى علي نسبه أخوه الشريف عيسى؛ فذكر ما تقدم.
وقال أبو شامة (٣): كان قتادة شيخا مهيبا طوالا، وما كان يلتفت إلى
стр. 13075
أحد؛ لا خليفة ولا غيره. وكان تحمل إليه من بغداد الخلع والذهب، وكان يقول: أنا أحق بالخلافة من الناصر لدين الله. وكان في زمانه يؤذن بالحرم بـ حي على خير العمل على مذهب الزيدية؛ وقد كتب إليه الخليفة يقول: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغني شهامتك وحفظك للحجيج وعدلك، وشرف نفسك ونزاهتك، وأنا أحب أن أراك وأحسن إليك. فكتب إلى الناصر لدين الله:
ولي كف ضرغام أدل (١) ببطشها … وأشري بها بين الورى وأبيع
وكل ملوك الأرض تلثم ظهرها … وفي بطنها (٢) للمجدبين ربيع
أأجعلها تحت الرحى ثم أبتغي … خلاصا لها إني إذا لرقيع
وما أنا إلا المسك في كل بقعة … يضوع، وأما عندكم فيضيع
توفي بمكة في جمادى الأولى، وقال المنذري (٣): توفي في أواخر جمادى الآخرة (٤).
وقال ابن واصل (٥): وثب ابنه حسن بن قتادة على عمه فقتله، فتألم قتادة، وغضب على ابنه وتهدده، فدخل حسن مكة وقصد دار أبيه فدخل، فلما رآه أبوه - وهو شيخ كبير متمرض - شتمه وتهدده، فوثب على أبيه فخنقه لوقته، ثم خرج وقال: قد اشتد مرض أبي، وقد أمركم أن تحلفوا لي. فحلفوا له وتأمر، ثم طلب أخاه من قلعة ينبع، فلما حضر قتله أيضا، فلم يمهله الله. وكان ظالما جبارا عسافا.
٤٧٣ - قيصر بن مظفر بن يلدرك، أبو محمد البغدادي.
أديب فاضل، أخباري مليح الخط. صحب أبا الفوارس سعد بن محمد حيص بيص وانقطع إليه، وسمع منه الكثير.
توفي في جمادى الأولى وله ثمان وثمانون سنة (٦).
стр. 13076
٤٧٤ - محمد بن أحمد بن سليمان، أبو عبد الله الزهري الأندلسي الإشبيلي.
رحل، وحج. وسمع ببغداد من ابن كليب، وذاكر بن كامل، ويحيى بن بوش، وعبد الخالق ابن الصابوني، وطبقتهم. ورحل إلى أصبهان فكتب بها عن أصحاب أبي علي الحداد. ثم سافر إلى الكرج واستوطنها، وحدث بها وبإربل.
وكان عارفا بالأدب، فاضلا، نحويا. صنف شرحا لكتاب الإيضاح، وله شعر حسن.
قال الزكي المنذري (١): توفي ببروجرد شهيدا بيد التتر في رجب.
٤٧٥ - محمد بن أحمد بن حسان القصار.
سمع من مسعود بن عبد الواحد بن الحصين، والمبارك بن المبارك بن نصر السراج. روى عنه ابن النجار، وكان صالحا.
٤٧٦ - محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز، أبو جعفر الرازي، الفقيه العلامة الحنفي، نزيل الموصل.
درس وأفتى، وتفنن في العلوم، وله شعر جيد، وصنف في المذهب، وكان كبير القدر.
توفي في رجب (٢).
٤٧٧ - محمد بن إسماعيل بن علي بن حمزة الموسوي، الشريف أبو بكر الهروي.
سمع من جده علي وغيره، وولد سنة ثمان وعشرين، روى عنه الضياء وغيره، وكان حيا في هذه السنة.
وأخبرنا ابن عساكر قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل إجازة قال: أخبرنا جدي - فذكر حديثا.
٤٧٨ - محمد بن تكش بن إيل أرسلان بن آتسز بن محمد بن نوشتكين، السلطان علاء الدين خوارزم شاه.
стр. 13077
قد ذكرنا قطعة من أخباره في الحوادث.
أباد ملوك العالم، ودانت له الممالك، واستولى على الأقاليم.
قال ابن واصل (١): نسب علاء الدين ينتهي إلى إيلتكين أحد مماليك السلطان ألب أرسلان بن جغر بيك السلجوقي.
قال الإمام عز الدين ابن الأثير (٢): كان صبورا على التعب وإدمان السير، غير متنعم ولا مقبل على اللذات؛ إنما نهمته في الملك وتدبيره وحفظه وحفظ رعيته.
قال: وكان فاضلا، عالما بالفقه والأصول وغيرهما، وكان مكرما للعلماء محبا لهم، محسنا إليهم، يحب مناظرتهم بين يديه، ويعظم أهل الدين ويتبرك بهم؛ فحكى لي بعض خدم حجرة النبي ﷺ لما عاد من خراسان قال: وصلت إلى خوارزم ودخلت الحمام، ثم قصدت باب السلطان، فلما أدخلت عليه أجلسني بعد أن قام لي، ومشى واعتنقني، وقال لي: أنت تخدم حجرة النبي ﷺ ؟ قلت: نعم. فأخذ بيدي وأمرها على وجهه، وسألني عن حالنا وعيشنا، وصفة المدينة ومقدارها، وأطال الحديث معي، فلما عزمت قال: لولا أننا على عزم السفر الساعة لما ودعتك، وإنا نريد أن نعبر جيحون إلى الخطا، وهذا طريق مبارك حيث رأينا من يخدم الحجرة الشريفة. ثم ودعني، وأرسل إلي جملة من النفقة.
وقال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): إنه توفي سنة خمس عشرة، فغلط، وقال: كان قد أفنى ملوك خراسان وما وراء النهر، وقتل صاحب سمرقند، وأخلى البلاد من الملوك واستقل بها، فكان ذلك سببا لهلاكه. ولما نزل همذان كاتب الوزير مؤيد الدين محمد ابن القمي نائب الوزارة الإمامية عن الخليفة عساكر خوارزم شاه، ووعدهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطا على قتله، وبعث القمي إليهم بالأموال والخيول سرا، فكان ذلك سببا لوهنه؛ وعلم بذلك، فسار من همذان إلى خراسان ونزل مرو، فصادف في طريقه الخيول والهدايا والكتب إلى الخطا، وكان معه منهم سبعون ألفا، فلم يمكنه الرجوع
стр. 13078
لفساد عسكره. وكان خاله من أمراء الخطا، وقد حلفوه أن لا يطلع خوارزم شاه على ما دبروا عليه، فجاء إليه في الليل، وكتب في يده صورة الحال، ووقف بإزائه، فنظر إلى السطور وفهمها، وهو يقول: خذ لنفسك، فالساعة تقتل. فقام وخرج من تحت ذيل الخيمة ومعه ولداه جلال الدين والآخر، فركب وسار بهما، ثم دخل الخطا والعساكر إلى خيمته فلم يجدوه، فنهبوا الخزائن والخيول، فيقال: إنه كان في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار وألف حمل قماش أطلس وغيره، وكانت خيله عشرين ألف فرس وبغل، وله عشرة آلاف مملوك. فهرب وركب في مركب صغير إلى جزيرة فيها قلعة ليتحصن بها، فأدركه الأجل، فدفن على ساحل البحر، وهرب ولداه، وتفرقت الممالك بعده، وأخذت التتار البلاد.
قلت: وكانت سلطنة علاء الدين محمد بن تكش في سنة ست وتسعين وخمسمائة عند موت والده السلطان علاء الدين تكش.
قال الموفق عبد اللطيف: كان تكش أعور قميئا كثير اللعب بالملاهي، استدعي من الديوان العزيز لدفع أذى طغريل السلجوقي صاحب همذان، فقتل طغريل وسير برأسه، وتقدم بطلب حقوق السلطنة، فتحركت أمة الخطا إلى بلاده، أو حركت، فألجأته الضرورة أن يرجع - يعني إلى خوارزم - وتولى بعده الأمر ولداه، فكان ابنه محمد شجاعا شهما مغوارا مقداما، سعد الوجهة غزاء، لا ينشف له لبد، ويقطع المسافات الشاسعة في زمان لا يتوهم العدو أنه يقطعها في أضعافه، وكان هجاما فاتكا غدارا، فأول ما فتك بأخيه، فأحضر رأسه إليه وهو على الطعام فلم يكترث، وكان قليل النوم كثير اليقظة، طويل النصب قصير الراحة، يخدم في الغارات أصحابه، ويهجعون وهو يحرسهم، وثيابه وعدة فرسه لا تبلغ دينارا، لذته في نصبه، وراحته في تعبه، كثير الغنائم والأنفال، سريع التفريق لها والإنفاق. وكان له معرفة ومشاركة للعلماء، وصحب الفخر الرازي قبل الملك، فلما تملك رعى له ذلك، فوسع عليه الدنيا وبسط يده. لكن هذا الملك أفسد رأيه العجب والتيه والثقة بالسلامة، وأوجب له ذلك أن يستبد برأيه، وينكب عن ذكر العواقب جانبا، واستهان بالأعداء، ونسي عواقب الزمان؛ فمن عجبه كان يقول: محمد ينصر دين محمد. ثم قطع خطبة بني العباس من مملكته، وترك
стр. 13079
غزو الكفار، وأخذ يتصدى لعداوة قبلة الإسلام وقلب الشريعة بغداد، وعزم على قصد تفليس ليجعلها سرير ملكه، ويحكم منها على بلاد الروم والأرمن والقفجق (١)، وسائر بلاد العرب والعجم؛ فأفسد الأمور بإساءة التدبير، وقتل نفسه بشدة حرصه وحركته قبل وقته، وأراد أن يتشبه بالإسكندر، وأين الأعمى من المبصر؟! وأين الولي من رجل تركي؟! فإن الإسكندر مع فضله وعدله وإظهاره كلمة التوحيد؛ كان في صحبته ثلاثمائة حكيم، يسمع منهم ويطيع، وكان معلمه أرسطو طاليس نائبه على بلاده، ولا يحل ولا يعقد إلا بمشورته ومراسلته في استخراج رأيه.
كذا قال الموفق، وأخطأ في هذا كغيره، فليس إسكندر صاحب أرسطو طاليس هو الذي قص الله سبحانه قصته في القرآن، فالذي في القرآن رجل مؤمن، وأما الآخر فمشرك يعبد الوثن؛ واسمه إسكندر بن فلبس المقدوني، على دين الحكماء - لا رعاهم الله - ولم يملك الدنيا ولا طافها؛ بل هو من جملة ملوك اليونان.
ثم قال الموفق: وقد علم بالتجربة والقياس أن كل ملك لا يكون قصده إقامة وبسط العدل والعمارة فهو وشيك الزوال؛ فأول ما صنع هذا أنه ظاهر أمة الخطا، فنازلهم بأمة التتر حتى استأصلهم، ولم يبق منهم إلا من دخل تحت طاعته وصار من عسكره. واستخدم سبعة أمراء من أخواله وجعلهم من قلب عسكره وخواصه، ثم انتقل إلى أمة التتر فمحقهم بالسيف، ولم يبق منهم إلا مستسلم في زمرته. وكانت بلاد ما وراء النهر في طاعة الخطا، وملوك بخارى وسمرقند وغيرهما يؤدون الأتاوة إلى الخطا، والخطا يبسطون فيهم العدل. وكانت هذه الأمم سدا بين ترك الصين وبيننا، ففتح هذا الملك بقلة معرفته هذا السد الوثيق. ثم أفسد تلك الممالك والأمصار، وأتى على إخراب البلاد وإفساد القلوب، وإيداعها أصناف الإحن والعداوات، وظن أنه لم يبق فيهم من يقاومه، فانتقل إلى خراسان وسجستان وكرمان ثم العراق وأذربيجان، وطمع في الشام ومصر، وحدثته نفسه بجميع أقطار الأرض. وكان ذلك سهلا عليه قد يسره الله له لو ساعده التوفيق بحسن التدبير وأصالة
стр. 13080
الرأي والرفق وعدم العسف. وكان يستحضر التجار ويكشف منهم أخبار الممالك النائية، وفي بعض الليالي قال لي ابن يعلى وزير الملك الظاهر غازي: إن السلطان الليلة مهموم؛ لما اتصل به من أخبار خوارزم شاه وطمعه في الشام. فقلت له: هذا سعادة للسلطان ولك ولي. قال: وكيف؟ قلت: هذا ملك واسع الدائرة لا يقدر أن يقيم بالشام، وغرضه القهر والاستيلاء، وسلطاننا فيه ملق وحسن تودد ومداراة، فإذا قرب لاطفه وأتحفه، فإذا استولى على ممالك الشام لم يجد من يستنيبه عليها سواه. قال: وكيف عرفت هذا؟ قلت: من التجار. فلما أصبح قص عليه ما جرى فسري عنه، وأمر أن يحقق ذلك، فاستدعى بتاجر خبير بغدادي وحادثه، فزعم أنه حاضره وبايعه، وذكر من أحواله أنه يبقى أربعة أيام أو نحوها على ظهر فرسه ولا ينزل، وإنما ينتقل من فرس إلى فرس، ويتضمر، ويطوي البلاد. وأنه ربما أتى البلد الذي يقصده في نفر يسير فيهجمه ثم يصبحه من عسكره عشرة آلاف ويمسيه عشرون ألفا، وفي كثير من الأوقات يأتي المدد وقد قضى الحاجة بنفسه. وفي كثير من الأوقات يبعث البعوث ويأتي أخيرا وقد قضيت الحاجة أولا. وربما هجم البلد في نفر دون المائة فيقضي حاجته، وربما قتل ملك ذلك البلد أو أسره ثم تتدفق جموعه. وقال: إن سرجه ولجامه لا تبلغ قيمتها دانقا، ولا تبلغ قيمة ثيابه دانقين. وحكى أنه في بعض غاراته نزل بأصحابه آخر الليل وكانوا نحو سبعين فارسا، فأمرهم بالهجعة، وأخذ خيلهم يسيرها بعدما استقى من بئر وسقى الجميع، فلما علم أنهم قد أخذوا من النوم بنصيب أيقظ بعضهم وأمرهم بالحراسة، ثم هجع يسيرا، ونهض ونهضوا كالعفاريت وهجموا على المدينة، وقتل ملكها. وسألني الوزير عنه مرة أخرى، فقلت: لا يمكنه أن يدخل الشام؛ لأنه إن أتى بجمع قليل لم ينل غرضا مع شجاعة أهل الشام، والفلاحون يكفونه، وإن أتى بجمع كثير لم تحمله الشام؛ لأن خيلهم تأكل الحشيش، ولا حشيش بالشام، وأما الشعير ففي كل مدينة كفاية دوابها. ثم أخذت أحسب معه ما في حلب من الدواب فبلغت مع التكثير خمسين ألفا، فإذا ورد سبعمائة ألف فرس أخذوا عليق شهر في يوم أو يومين، ثم إنهم ليس لهم صناعة في الحرب سوى المهاجمة، وأخذهم البلاد إنما هو بالرعب والهيبة لا بالعدل والمحبة، وهذه الحال لا تنفع مع شجاعة أهل الشام. وعقيب موت الملك الظاهر
стр. 13081
غازي، وصل رسوله إلى حلب، فاحتفل الناس، وخرجت الدولة للقائه، وإذا به رجل صوفي، وخلفه صوفي قد رفع عكازا على رأسه، ومعه اثنان من عسكره ورسول صاحب إربل، فصعد القلعة، وقال بحضرة الأمراء: سلطان السلاطين يسلم عليكم، ويعتب إذ لم تهنئوه بفتح العراق وأذربيجان، وإن عدد عسكره قد بلغ سبعمائة ألف؛ فأحسنوا المعذرة بأن قالوا: نحن في حزن بموت ملكنا وضعف في نفوسنا، وإذا بسطنا فنحن عبيده. وكان كلامه وشكله يشهد بقلة عقل مرسله، ثم توجه إلى الملك العادل بدمشق فقال: سلطان السلاطين يسلم عليك، وقال: تصل الخدمة، فقد ارتضيناك أن تكون مقدم الركاب. فقال: السمع والطاعة؛ ولكن لنا شيخ هو كبيرنا نشاوره، فإذا أمر حضرنا. قال: ومن هو؟ قال: أمير المؤمنين. فانصرف والناس يهزؤون منه.
قال: وسمعنا أنه جعل عز الدين كيكاوس صاحب الروم أمير علم له، والخليفة خطيبا، وكل ملك جعل له خدمة!
وأما الملوك الدين كانوا بحضرته، فكان يذلهم ويهينهم أصنافا من الإهانات؛ فكان إذا ضرب له النوبة يجعل طبول الذهب في أعناق الملوك وهم قيام يضربون، وهذا يدل على اغتراره بدنياه وقلة ثقته بالله تعالى.
ثم إنه وصل همذان وأصبهان، وبث عساكره إلى حلوان وتخوم إربل، وواصله مظفر الدين بالمؤن والأزواد، وخافه أهل بغداد؛ فجمعوا وحشدوا واستعدوا للحصار واللقاء جميعا، ثم إن الله أجراهم على جميل عادته في أن يدافع عنهم؛ وذلك أنه اختلت عليه بلاد ما وراء النهر، فرجع على عقبيه، وقهقر، لا يدري ما خلفه مما بين يديه. وأيضا فإنه لما وصل حلوان نزل عليهم ثلج ونوء عظيم، فقال بعض خواصه: هذا من كرامات بيت النبوة.
ولما أباد أمتي الخطا والتتر وهم أصحاب الجند وتركستان وتنكت ظهرت أمم أخر يسمون التتر أيضا، وهم صنفان: صنف يسكنون طمغاج وما يليها ويسمون الإيوانية، وصنف يسكنون مما يلي الهند وصين الصين بجبل يسمى سنك سلاخ وفيه خرق إلى الهند، ومنه دخل السلطان محمد هذا إلى
стр. 13082
الهند، فجاءهم من حيث لا يحتسبون، فوقع بين طائفتي التتر، فانهزمت الإيوانية من الطمغاجية إلى أن خالطوا أطراف بخارى وسمرقند، واتصل بهم أن السلطان محمدا بنواحي بغداد، وأن المسافة بعيدة، فطمعوا في البلاد بخلوها عنه، فأتاه الخبر وهو بهمذان، فارتد على عقبيه حتى قدم بخارى، فجمع وحشد وعزم على لقائهم، وسير ولده جلال الدين بخمسة عشر ألفا وجعلهم كمينا، فنم الخبر إلى الطمغاجية، وملكهم هو جنكزخان فوقعوا على الكمين فطحنوه. وهرب جلال الدين بعد جهد جهيد حتى اتصل بأبيه، فأجمع رأيه على أن يضرب معهم مصافا، فثبتوا عند اللقاء أول يوم، فعجب من ذلك السلطان محمد إذ لم تجر له عادة أن يثبت بين يديه عدو، فلما ثبتوا اليوم الثاني والثالث ضعفت منته ومنة (١) أصحابه، وتغيرت نياتهم، واستشعروا الخوف والخور، ثم وصلت الجواسيس تخبره بأن العدو على نصف عسكره في العدد، فخيل إليه تعس الجد أن في أصحابه مخامرين، فقبض على كبرائهم، فازدادت النيات فسادا، وتوهم أن عسكره قد صفا، فضرب معهم مصافا آخر فتطحطح ووصل بخارى منهزما، ونادى في الناس: استعدوا للحصار ثلاث سنين. فتخلوا عنه، فرأى من الرأي أن يرجع إلى نيسابور ويجمع بها الجيوش، ولم يظن أن الطمغاجية يتعدون جيحون، فأخذوا بخارى في ثمانية أيام وأبادوا أهلها، ثم هجموا خراسان، فأشار عليه وزيره عماد الملك أن يلحق بهمذان، وضمن له أن يجمع له من العساكر والأموال مقدار حاجته، فما وصل الري إلا وطلائعهم على رأسه، فانهزم إلى قلعة برجين (٢) وقد نصب، فأقام بها يومين وإذا بهم عليه، فسحب نفسه إلى دربند قارون - موضع في تخوم بارس - ومعه ثلاثمائة فارس عراة ليس فيهم رمق، فلما مضهم الجوع استطعموا من أكراد هناك فلم يحتفلوا بهم، فقالوا: السلطان معنا. فقالوا: ما نعرف السلطان. فلما ألحفوا في المسألة أعطوهم شاتين وقصعتي لبن، فتوزعوها. ثم رجع إلى نهاوند، ومر على أطراف البلاد إلى همذان ثم إلى مازندران؛ وقعقعة رماحهم وسيوفهم قد ملأت مسامعه ومناظره، فنزل ببحيرة هناك بموضع يعرف بآوكرم، فمرض بالإسهال الذريع، وطلب دواء فأعوزه
стр. 13083
الخبز، ومات هناك. وذكر أنه حمل في البحر إلى دهستان، وذكر آخرون أنه لما صار في السفينة لم يزل يضرب رأسه بجدرانها إلى أن مات.
وأما ابنه جلال الدين فتقاذفت به البلاد فرمته بالهند، ثم ألقته الهند إلى كرمان، كما يأتي في ترجمته إن شاء الله.
وقال شمس الدين الجزري - أبقاه الله (١) - في تاريخه: كان لخوارزم شاه علاء الدين تضرب النوبة في أوقات الصلوات الخمس كعادة الملوك السلجوقية، فلما قصد العراق في سنة أربع عشرة وستمائة تركها تضرب لأولاده جلال الدين وغيره، وجعل لنفسه نوبة ذي القرنين كانت تضرب وقت المطلع والمغيب، فعملها سبعة وعشرين دبدبة من الذهب، ورصعها بالجواهر. ونص يوم اختير لضربها على سبعة وعشرين ملكا من أكابر الملوك وأولاد السلاطين، وقصد التجبر والعظمة. ثم قصد العراق في أربعمائة ألف فوصل إلى همذان، وقيل: كان معه ستمائة جتر (٢)، تحت كل جتر (٣) ألف فارس. وكان قد أباد الملوك واستحوذ على الأقاليم، ثم قال: هذا ما نقله ابن الأثير وغيره.
قال شمس الدين: وحكى لي تقي الدين أبو بكر بن علي بن كمجون الجزري السفار، سنة نيف وسبعين قال: حدثني ابن عمي شمس الدين محمد التاجر - وكان صاحب الجزيرة يبعث معه إذا سافر إلى العجم هدايا إلى السلطان خوارزم شاه، فكانوا يحترمون ما يبعث به لكونه من بقايا بني أتابك زنكي - قال: فكنت في جيش الملك خوارزم شاه ومعه يومئذ مقدار ستمائة ألف راكب ومعهم أتباع تقاربهم، وتلك البراري تموج بهم كالبحر، فبينما هو في بعض الليالي في المخيم، وإذا بصوت ينادي: يا كفرة، اقتلوا الفجرة. فتتبع ذلك الصوت فلم ير أحد إلا طيور طائرة، فلما كان ثاني ليلة سمع ذلك الصوت بعينه ورأى الطيور، فلما كانت الليلة الثالثة سمع ذلك الصوت بعينه، فما سكت إلا وقد دخل إليه خاله، فحذره من الفتك به - كما ذكرنا.
стр. 13084
قال: وحكى لي الصالح غرس الدين أبو بكر الإربلي قال: كان ابن خالتي من حجاب مظفر الدين صاحب إربل، فحدثني قال: أرسلني مظفر الدين إلى خوارزم شاه رسولا فأكرمني، وأجلسوني فوق رسول الخليفة، وفوق الملوك الذين هم في خدمته، فكان عدة من التقينا من عسكره وممن هو داخل في طاعته ثلاثمائة ألف وخمسين ألفا، وكنا كلما جئنا إلى مكان يقولون: هذا رسول الفقير مظفر الدين. فسألت بعض الوزراء: كم تكون عدة جيش السلطان؟ قال: المدونة ثلاثون تومانا، التومان: عشرة آلاف.
قلت: وكانت دولته إحدى وعشرين سنة.
ثم رأيت سيرته وسيرة ولده لشهاب الدين محمد بن أحمد بن علي النسوي في مجلد (١)، فذكر فيه سعة ممالكه وقهره البلاد والعباد، واستيلائه على خراسان وخوارزم وأطراف العراق ومازندران وكرمان ومكران وكيش وسجستان والغور وغزنة وباميان وما وراء النهر والخطا، وما يقارب أربعمائة مدينة. وذكر من عظمة أمه تركان الخطائية (٢) أمورا لم يسمع بمثلها؛ من عظمتها ونفوذ أمرها، وقتلها النفوس، وجبروتها، وأن جنكزخان أسرها؛ ورأت الذل والهوان والجوع.
قال النسوي: ولما رحل من حافة جيحون إلى نيسابور والناس يتسللون لم يقم بها إلا ساعة رعبا تمكن من صدره، وذعرا داخل صميم قلبه، فحكى لي الأمير تاج الدين عمر البسطامي قال: وصل السلطان بسطام، فاستحضرني وأحضر عشرة صناديق، وقال: هذه كلها جوهر، وفي هذين الصندوقين جوهر يساوي خراج الدنيا بأسرها، فأمرني بحملها إلى قلعة أردهن (٣)، ففعلت، وأخذت خط متوليها بوصولها مختومة، فحاصر التتار القلعة إلى أن صالحهم متوليها على تسليم الصناديق إليهم بختومها، فحملت إلى جنكزخان. ووصل السلطان إلى أعمال همذان في عشرين ألفا، فلم ترعه إلا صيحة العدو، فقاتلهم بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، ونجا هو في نفر يسير إلى مازندران
стр. 13085
حافة البحر، فأقام بقرية هناك يحضر المسجد ويصلي مع إمام القرية، ويبكي، وينذر النذور إن سلم، إلى أن كبسه التتار بها، فبادر إلى مركب فوقعت فيه سهامهم، وخاض خلفه ناس؛ فغرقوا. وحدثني غير واحد ممن كانوا مع السلطان في المركب، قالوا: كنا نسوق المركب، وبالسلطان من علة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وهو يظهر الاكتئاب ضجرا، ويقول: لم يبق لنا من ملكنا قدر ذراعين، تحفر فنقبر، فما الدنيا لساكنها بدار. فلما وصل إلى الجزيرة سر بذلك، وأقام بها فريدا طريدا والمرض يزداد. وكان في أهل مازندران ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب وما يشتهيه، فقال في بعض الأيام: أشتهي أن يكون عندي فرس ترعى حول خيمتي. فلما سمع الملك حسن أهدى له فرسا. ومن قبل كان اختيار الدين أمير آخر السلطان مقدما على ثلاثين ألف فارس يقول: لو شئت لجعلت أصحابي ستين ألفا من غير كلفة، وذلك أنني أستدعي من كل جشار (١) للسلطان في البلاد جوبانا (٢) فينيفون على ثلاثين ألفا. فتأمل يا هذا بعد ما بين الحالتين!
ومن حمل إليه في تلك الأيام شيئا من المأكول وغيره كتب له توقيعا بمنصب جليل، وربما كان الرجل يتولى كتابة توقيع نفسه لعدم موقع، فأمضاها بعد ولده جلال الدين. ثم حل به الحمام، وانقضت الأيام، فغسله شمس الدين محمود الجاويش ومقرب الدين الفراش، وما كان عنده كفن، ودفن بالجزيرة.
أذلَّ المُلُوكَ وصادَ القُرُومَ … وصيَّرَ كُلَّ عزيزٍ ذليلا
وحفَّ الملوكُ بِهِ خاضعين … وزُفُّوا إِلَيْهِ رَعيلًا رعيلا
فَلَمَّا تمكَّنَ منْ أمرِه … وصارت لهُ الْأرضُ إِلَّا قليلا
وأوهَمَهُ العزُّ أَنَّ الزمانَ … إِذَا رامهُ ارتدَّ عَنْهُ كليلا
أتتْه المنية مغتاظة … وسلت عليه حساما صقيلا
стр. 13086
فلم تغن عنه حماة الرجال … ولم يجد فيل عليه فتيلا
كذلك يُفعل بالشّامتينِ … ويُفنيهم الدهرُ جيلًا فجيلا
٤٧٩ - محمد بن ثروان بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الباقي، الزاهد القدوة، أبو عبد الله القضاعي القيسي التدمري، شيخ تدمر.
توفي في رمضان من السنة وله ثلاث وستون سنة، وقد صحب والده الشيخ الكبير ثروان صاحب الشيخ أبي البيان القرشي الدمشقي، ﵏.
نقلته من تعاليق علم الدين البرزالي.
٤٨٠ - محمد بن الحسن بن علي، أبو الحسن ابن النجار البغدادي الضرير المقرئ.
قرأ بالروايات الكثيرة على أبي الحسن بن المرحب البطائحي؛ وسمع منه ومن شهدة، وأقرأ وحدث. وعاش سبعين سنة، ومات في جمادى الأولى.
٤٨١ - محمد بن ريحان بن عبد الله، مولى ثقة الدولة أبي الحسن زوج شهدة الكاتبة (١)، الشيخ أبو علي.
سمع من شهدة، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن المبارك السمسار. روى عنه الدبيثي (٢) وغيره، ومات في شعبان أو في صفر، وهو أصح (٣).
٤٨٢ - محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو بكر ابن العربي، الإشبيلي، من أقارب (٤) القاضي أبي بكر ابن العربي.
قرأ لنافع على قاسم بن محمد الزقاق صاحب شريح، وحج فسمع من السلفي وغيره (٥)، ثم رحل بعد نيف وعشرين سنة إلى الشام والعراق (٦)، وأخذ عن عبد الوهاب بن سكينة وطبقته، ورجع فأخذوا عنه بقرطبة وإشبيلية،
стр. 13087
ثم سافر سنة اثنتي عشرة، وتصوف وتعبد، وتوفي بالإسكندرية (١).
٤٨٣ - محمد بن عبد السيد بن علي، أبو نصر ابن الزيتوني، البغدادي.
عني بطلب الحديث على كبر السن؛ وسمع من ابن شاتيل، والقزاز، وعلي ابن الطراح، وابن بوش، وأكثر على ابن الجوزي. ونسخ الكتب الكبار كالمسند، وتاريخ الخطيب، والطبقات لابن سعد، والتفاسير، وقرأ الكثير.
وكان صدوقا، صالحا متوددا، ذا مروءة. ولد سنة بضع وثلاثين، ومات في سادس وعشرين ربيع الآخر.
روى عنه ابن النجار وغيره (٢).
٤٨٤ - محمد (٣) بن عبد الكريم بن محمد بن منصور، الفقيه أبو زيد ابن الحافظ العلامة أبي سعد، السمعاني المروزي.
روى عن أبي الفتح محمد بن عبد الرحمن الحمدويي (٤)، وجماعة؛ سمع منهم قبل الستين وخمسمائة. وسمع من أبيه، وقدم بغداد رسولا ووعظ بها، وروى أحاديث في مجلس وعظه من حفظه.
وكان مولده في سنة أربع وخمسين، وانقطع خبره من هذا الوقت.
أخبرنا ابن عساكر قال: أخبرنا أبو زيد إجازة - فذكر حديثا.
وهو أيضا من شيوخ الضياء محمد (٥).
٤٨٥ - محمد بن عثمان بن يوسف، أبو عبد الله الأنصاري الجزري (٦) الشافعي.
стр. 13088
سمع بمصر من علي بن هبة الله الكاملي، والتاج المسعودي، وأبي المفاخر سعيد المأموني، وبدمشق من محمد بن أبي الصقر. وحدث، ومات في شوال بالقاهرة.
٤٨٦ - محمد بن عثمان بن حسن، أبو بكر، السلماسي ثم البغدادي، البزاز.
ولد سنة تسع وأربعين، وسمع حضورا من أبي الوقت، وحدث، ومات في ربيع الآخر (١).
٤٨٧ - محمد بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه بن محمد، شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتح، الجويني البحيراباذي الصوفي.
ولد بجوين، وتفقه على أبي طالب محمود بن علي بن أبي طالب الأصبهاني صاحب التعليقة المشهورة. وقدم الشام مع والده، وتفقه بدمشق على القطب مسعود بن محمد النيسابوري حتى برع في المذهب. وسمع من أبيه، ويحيى الثقفي.
وولي المناصب الكبار، وتخرج به جماعة، ودرس وأفتى. وزوجه القطب النيسابوري بابنته، فأولدها الإخوة الأربعة الأمراء الصدور: عماد الدين عمر، وفخر الدين يوسف، وكمال الدين أحمد، ومعين الدين حسن. ثم إنه عظم في الدولة الكاملية وارتفع قدره، وولي تدريس الشافعي ومشهد الحسين وغير ذلك، وسيره الكامل رسولا إلى الخليفة يستنجد به على الفرنج في نوبة دمياط فمرض بالموصل، ومات بعلة الذرب في جمادى الآخرة أو في جمادى الأولى.
قال المنذري (٢): سمعت منه، وخرجت له عن المجيزين له كأبي علي
стр. 13089
الحسن بن أحمد الموسياباذي، ونصر بن نصر العكبري، وأبي الوقت السجزي، وجماعة. وسألته عن مولده فقال: في شوال سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وكان جده ممن رحل إلى الغزالي وتفقه عنده وصحبه، وكانت داره مجمع الفضلاء، وكان جد أبيه علم الزهاد وشيخ العارفين بجوين؛ له أحوال ومقامات.
قلت: وكان صدر الدين حسن السمت، كثير الصمت، كبير القدر، غزير الفضل، صاحب أوراد وورع وحلم وأناة.
٤٨٨ - محمد، السلطان الملك المنصور ابن السلطان الملك المظفر تقي الدين عمر ابن الأمير نور الدولة شاهنشاه ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، صاحب حماة وابن صاحبها.
سمع بالإسكندرية من الإمام أبي الطاهر بن عوف الزهري، وجمع تاريخا على السنين في عدة مجلدات فيه فوائد.
قال أبو شامة (١): كان شجاعا، محبا للعلماء يقربهم ويعطيهم.
قلت: وروى أيضا عن أسامة بن منقذ؛ روى عنه القوصي في معجمه وقال: قرأت عليه قطعة من كتابه مضمار الحقائق في سر الخلائق وهو كبير نفيس يدل على فضله، لم يسبق إلى مثله.
قلت: وتوفي والده المظفر في سنة سبع وثمانين؛ كما تقدم، وتوفي جده في وقعة الفرنج شهيدا على باب دمشق سنة ثلاث وأربعين شابا، ﵀، وخلف ولدين: أحدهما تقي الدين (عمر)، والآخر فروخ شاه نائب دمشق.
وكانت دولة الملك المنصور مدة ثلاثين سنة، وقد ذكرنا من أخباره في الحوادث، وأنه كسر الفرنج مرتين.
وكان مزوجا بملكة ابنة السلطان الملك العادل، وهي أم أولاده، وماتت قبله، فتأسف عليها بحيث أنه لبس الحداد واعتم بعمامة زرقاء؛ قال ذلك ابن
стр. 13090
واصل في تاريخه، وقال (١): ورد عليه السيف الآمدي، فبالغ في إكرامه واشتغل عليه.
قال: وصنف كتاب طبقات الشعراء، وكتاب مضمار الحقائق وهو نحو من عشرين مجلدة. وقد جمع في خزانته من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمشتغلين بالعلوم الحكمية والمنجمين والكتاب، وكان كثير المطالعة والبحث، بنى سور القلعة والمدينة بالحجر، وكانت القلعة قد بناها أبوه باللبن، وكان موكبه جليلا تجذب بين يديه السيوف الكثيرة حتى كان موكبه يضاهي موكب عمه الملك العادل والملك الظاهر، وجمعت أشعاره في ديوان.
قلت: شعره جيد، أورد منه ابن واصل قصائد مليحة (٢).
وتملك حماة بعده ولده الملك الناصر قلج رسلان، فأخذ منه السلطان الملك الكامل حماة، وأعطاها لأخيه الملك المظفر ابن المنصور، وحبس الناصر بالجب بمصر، فمات على أسوأ حال.
توفي المنصور في ذي القعدة.
٤٨٩ - محمد بن الفضل بن بختيار، أبو عبد الله البعقوبي الواعظ، المعروف بالحجة.
توفي بدقوقا في جمادى الأولى. سمع من أبي الفتح بن شاتيل وغيره، وذكر أنه سمع (٣) من أبي الوقت، وصنف غريب الحديث، وولي خطابه بعقوبا.
قال ابن النجار: سكن دقوقا ووعظ بها، وروى بها عن أبي الوقت وعن جماعة مجاهيل، وظهر كذبه وتخليطه.
٤٩٠ - محمد بن أبي الفتوح محمد بن أبي سعد محمد بن محمد بن عمروك، نجم الدين أبو عبد الله والد صدر الدين، البكري النيسابوري الصوفي الشافعي.
стр. 13091
ولد سنة خمسين وخمسمائة. وسمع من أبي طاهر السلفي، وبدمشق من أبي البركات الخضر بن عبد، وأبي القاسم ابن عساكر. وحدث، وكان مولده بحلب، وتوفي بدمشق.
حدث عنه الشهاب القوصي وغيره.
وتوفي في ثامن عشر شوال (١).
٤٩١ - محمد بن محمد بن يبقى (٢)، أبو بكر الأنصاري الخزرجي المرسي العدل، المعروف بابن جبلة.
سمع من السلفي، وبمكة من علي بن عمار. وسكن القاهرة، وأم بمسجد حارة الديلم مدة.
روى عنه الزكي المنذري، وقال (٣): توفي في العشرين من ذي القعدة (٤).
٤٩٢ - محمد بن المسلم بن مكي بن خلف، أبو الفضل بن علان، القيسي الدمشقي العدل، أخو أسعد ومكي، ووالد شمس الدين أبي الغنائم المسلم.
سمع من الحافظ ابن عساكر، وحدث؛ روى عنه ابنه نسخة أبي مسهر، وتوفي في سادس رجب (٥).
٤٩٣ - محمد بن أبي طاهر المؤمل بن نصر بن المؤمل، أبو بكر البعقوبي.
ولد سنة أربعين وخمسمائة ببعقوبا، ودخل بغداد مرارا؛ وسمع بها من أبي الوقت السجزي وغيره، وحدث.
ويقال له: القبابي؛ نسبة إلى قرية قباب (٦) بقرب بعقوبا.
стр. 13092
توفي في جمادى الأولى.
روى عنه ابن النجار وغيره.
٤٩٤ - محمد بن ناصر بن أبي القاسم سلمان بن ناصر، أبو المعالي الأنصاري النيسابوري.
سمع من عبد الوهاب بن الحسن الكرماني وغيره. روى عنه البرزالي، والضياء. وسمعنا من الشرف ابن عساكر بإجازته منه.
انقطع خبره في هذه السنة، وكان شيخا معمرا من أبناء التسعين.
٤٩٥ - محمود بن محمد بن قرا رسلان (١) بن أرتق، السلطان الملك الصالح ناصر الدين صاحب آمد.
قال الإمام أبو شامة (٢): كان شجاعا عاقلا سخيا جوادا، محبا للعلماء. قام بعده ولده الملك المسعود؛ وكان بخيلا فاسقا، وهو الذي أخذ منه الملك الكامل آمد، وحبسه بمصر ثم أطلقه، فمضى إلى التتار ومعه أمواله، فأخذت منه.
وقيل: توفي الصالح في العام الآتي.
٤٩٦ - محمود بن واثق بن الحسين بن علي ابن السماك، الحريمي العطار.
حدث عن أبي الوقت وجماعة، ومات في جمادى الأولى. روى عنه ابن الدبيثي (٣)، وابن النجار.
٤٩٧ - الموفق بن عبد الرشيد بن المظفر، أبو الفضل العبدوسي النيسابوري العطار.
شيخ ثقة، سمع من أبي البركات عبد الله ابن الفراوي، روى عنه الضياء المقدسي وغيره. وأجاز للشرف ابن عساكر، والتاج بن عصرون، وزينب بنت كندي.
وانقطع خبره في هذا العام.
стр. 13093
٤٩٨ - المؤيد بن عمر بن عبد الله النيسابوري السكري.
سمع من ابن عبد الخالق بن زاهر وغيره، روى عنه الزكي البرزالي، وحدثنا عنه بالإجازة الشرف ابن عساكر وغيره.
وانقطع خبره أيضا.
٤٩٩ - المؤيد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن أبي صالح، رضي الدين أبو الحسن، الطوسي ثم النيسابوري، المقرئ، مسند خراسان في زمانه.
ولد سنة أربع أو خمس وعشرين وخمسمائة. وسمع صحيح مسلم في سنة ثلاثين من أبي عبد الله الفراوي، وصحيح البخاري من وجيه الشحامي وأبي المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي وعبد الوهاب بن شاه، والموطأ من هبة الله بن سهل السيدي سوى الفوت العتيق، وتفسير الثعلبي من عباسة (١) العصاري، وأكثر الوسيط للواحدي في التفسير من عبد الجبار بن محمد الخواري، والغاية في القراءات لابن مهران من زاهر بن طاهر الشحامي، والأربعين للحسن بن سفيان من فاطمة بنت زعبل؛ وتفرد بالرواية عنها وعن هبة الله والفراوي وغيرهم.
وطال عمره، ورحل الناس إليه من الأقطار، وكان ثقة مقرئا جليلا.
روى عنه خلق كثير؛ منهم العلامة جمال الدين محمود الحصيري شيخ الحنفية، والإمام تقي الدين عثمان ابن الصلاح شيخ الشافعية، والقاضي شمس الدين أحمد بن الخليل الخويي، وابن نقطة، والبرزالي، وابن النجار، والضياء، والمرسي، والصريفيني، والكمال بن طلحة، والبكري، والمجد محمد بن محمد الإسفراييني، وأبو الحسن علي بن يوسف الصوري، والمجد محمد بن سعد الهاشمي، ومحمد بن عمر بن الخوش الإسعردي، وإسحاق بن عبد المحسن الحنبلي، وشمس الدين زكي بن حسن البيلقاني، ومفضل بن علي القرشي، والقاسم بن أبي بكر الإربلي، وغيرهم. وبالإجازة خلق؛ منهم: شمس الدين عبد الواسع الأبهري، وتاج الدين محمد بن أبي عصرون، وشرف الدين أحمد ابن عساكر، وزينب البعلبكية.
стр. 13094
وأجاز له القاضي أبو بكر الأنصاري، وأبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، وجماعة.
وتوفي ليلة الجمعة العشرين من شوال، وأراحه الله من التتار - خذلهم الله - فإنهم بعد شهر أو أكثر أخذوا البلاد واستباحوها (١).
٥٠٠ - ناصر بن مهدي بن حمزة، الوزير نصير الدين أبو الحسن المازندراني.
قدم بغداد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقلد وزارة أمير المؤمنين سنة اثنتين وستمائة، ثم قبض عليه سنة أربع.
ونشأ بالري، ومات في ثامن جمادى الأولى (٢).
٥٠١ - هبة الله بن أبي العلاء وجيه بن هبة الله بن المبارك، ابن السقطي أبو البركات.
ولد سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وسمع من أبيه، وأبي الفتح ابن البطي، وغيرهما. وسكن أوانا (٣)، وبها مات في هذا العام.
روى عنه الدبيثي (٤).
٥٠٢ - هبة الله بن أبي فراس أحمد بن بركات ابن الزجاج السلمي، الحراني ثم البغدادي، المؤدب، أبو القاسم.
روى عن أبي بكر بن النقور وغيره.
ولم يكن جدهم زجاجا، بل قيل: إنه كان يزج نفسه في الحرب، فلقب بذلك (٥).
٥٠٣ - يونس بن أبي بكر بن كرم، الحافظ أبو محمد البغدادي، ويعرف بالمفيد.
стр. 13095
سمع من ابن طبرزد، وابن سكينة، فمن بعدهما. وله إجازة من أبي الحسين بن يوسف، وكان ثقة مكثرا.
مات كهلا في ذي الحجة (١).
وفيها ولد:
الشيخ نجم الدين أحمد بن محسن بن مكي، والكمال محمد بن أحمد ابن النجار وكيل بيت المال، وشمس الدين محمد بن سلمان ابن بنت غانم الموقع، والبهاء أيوب بن أبي بكر ابن النحاس مدرس القليجية، والعماد أحمد بن محمد بن سعد، والضياء دانيال بن منكلي الكركي، والشمس خضر بن أبي الحسين بن عبدان الأزدي، والعماد محمد بن علي بن أحمد بن القسطة، والتاج كندي بن عمر بن كندي، والشيخ يونس بن أحمد المؤذن بجامع دمشق، وعمر بن أبي الفتح الصحراوي نزيل مصر، وعلي بن أحمد بن عبد الدائم، وإدريس بن محمد بن عبد العزيز الإدريسي، وسعد الخير بن أبي القاسم النابلسي الشروطي، ونصر الله بن محمد بن عياش السكاكيني، وشيخنا حسن ابن عبد الكريم سبط زيادة المقرئ وعاش خمسا وتسعين سنة، والتقي أحمد بن مؤمن.