توفي في ثامن رجب.
٦٦٧ - صالح بن القاسم بن يوسف بن علي، أبو حامد البغدادي النسّاج المؤذّن القزّاز، المعروف بابن كوِّر (١).
شيخ صالح من أهل الحربية. روى عن سعيد ابن البنّاء وحده، وسماعه صحيح. روى عنه: الدبيثي، والبِرزالي، وذاكر الأبَرقوهي، وأخوه أبو المعالي، وتوفي في السادس والعشرين من شوّال.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا صالح بن كَوِّر - وهو لقب أبيه -، قال: أخبرنا سعيد بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن علي الدقّاق، قال: أخبرنا ابن رِزقويه، قال: حدثنا مكرم بن أحمد، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يُقضى قضاؤها فله قيراطان، أحدهما - أو قال أصغرهما - مثل أحُد (٢). رواه الدبيثي في تاريخه عن صالح (٣)، فوقع موافقة بعُلُوّ.
٦٦٨ - الضياء بن الزرّاد الدمشقي، القارئ بالألحان وبالقراءات.
قال أبو المظفر سِبط الجوزي (٤): اجتمعت به بخِلاط، وكان يتردّد إلينا، ويقرأ طيّباً، ثم داخل الدولة، جاءني يوماً يبكي، فقال: البارحة حضرت عند الأشرف، وناولني قدحاً، فامتنعت، وهو ساكت ينظر، فما زالوا بي حتى شربته، فعضّ الأشرف على أصبعه وقال: والَكْ فعلتهَا! حطّيت الخمر على مائة وأربعة عشر سورة؟! والله لو خُيّرت أن أحفظ القرآن كما تحفظه، وأدع مُلكي، لاخترت حفظ القرآن، ثم نزلت حُرمته فكان يدور البلاد على أصحاب القِلاع
стр. 13162
لرسوم له عليهم، فخرج من حرّان ومعه ثلاثة غِلمان مُرد، فنام في وادٍ، فقتلوه، وأخذوا ما معه، فظفر بهم الحاجب علي فقتلهم به.
٦٦٩ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن قُدامة بن مِقدام بن نصر، شيخ الإسلام موفّق الدين أبو محمد المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، صاحب التصانيف.
ولد بقرية جمّاعيل في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وهاجَر فيمن هاجر مع أبيه وأخيه، وله عشر سنين، وحفظ القرآن، واشتغل في صِغره، وسمع من أبيه سنة نيّف وخمسين، وارتحل إلى بغداد في أوائل سنة إحدى وستين في صُحبة ابن خالته الحافظ عبد الغني، فأدركا من حياة الشيخ عبد القادر خمسين يوماً، فنزلا في مدرسته، وشرعا يقرآن عليه في مختصر الخِرَقي، وسمع منه ومن هبة الله بن هِلال الدقّاق، وأبي الفتح ابن البطي، وأبي زُرعة المقدسي، وأحمد ابن المقرَّب، وأحمد بن محمد الرحبي، وأحمد بن عبد الغني الباجِسْرائي، وأبي المناقب حيدرة بن عمر العلَوي، وخديجة النهروانية، وشُهدة الكاتبة، ونفيسة البزّازة، وسعد الله ابن الدجاجي، وعبد الله بن منصور المَوصلي، وأبي بكر ابن النَّقور، وأبي محمد ابن الخشّاب، وعلي بن عبد الرحمن ابن تاج القُرّاء، ومَعْمر بن الفاخر، وعبد الواحد بن الحسين البارزي، وعمر بن بُنَيمان الدلاّل، ومحمد بن محمد بن السكن، والمبارك بن محمد الباذرائي، وأبي شجاع محمد بن الحسين المادرائي، والمبارك بن المبارك السمسار، وأبي طالب المبارك بن خُضير، وأبي حنيفة محمد بن عبيد الله الخطيبي، وهبة الله ابن المحدث عبد الله بن أحمد ابن السمرقندي، ويحيى بن ثابت البقّال، وغيرهم.
وتفقه على أبي الفتح ابن المنّي، وقرأ عليه بقراءة أبي عَمرو، وقرأ على أبي الحسن البطائحي بقراءة نافع.
وسمع بدمشق من أبي المكارم عبد الواحد بن هِلال، وأبي تميم سلمان بن علي الرحبي، وأبي المعالي بن صابر، وطائفة. وبالمَوْصل من أبي الفضل الطوسي الخطيب، وبمكة من المبارك بن علي ابن الطبّاخ.
روى عنه: البهاء عبد الرحمن، وابن نُقطة، والجمال أبو موسى، والضياء،
стр. 13163
وابن خليل، والبِرزالي، والمنذري (١)، والجمال ابن الصيرفي، والشهاب أبو شامة (٢)، والمحب ابن النجار، والزين ابن عبد الدائم، وشمس الدين ابن أبي عمر، والعز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عُمر، والفخر علي، والتقي ابن الواسطي، والشمس ابن الكمال، والتاج عبد الخالق، والعِماد عبد الحافظ بن بدران، والعز إسماعيل ابن الفرّاء، والعز أحمد ابن العماد، وأبو الفهْم السلمي، ويوسف الغسولي، وإبراهيم ابن الفرّاء، وزينب بنت الواسطي، وخلقٌ كثيرٌ آخرهم موتاً التقي ابن مؤمن، حضر عليه قطعةً من الموطأ.
وكان إماماً، حجة، مفتياً، مصنِّفاً، متفنناّ، متبحّراً من العلوم، كبير القدر.
أخبرنا عبد الحافظ بقراءتي، قال: أخبرنا أبو محمد بن قُدامة، قال: أخبرنا عبد الواحد بن الحسين، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة، قال: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن الحسين بن المنذر، قال: حدثنا عمر بن دينار إملاءً، قال: حدثنا أبو يزيد يوسف بن يزيد بن كامل، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا عثمان بن مكتل، وأنس بن عِياض، قالا: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن مولى أبي هُريرة، عن أبي هُريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (٣).
قال ابن النجار: كان - يعني الشيخ موفق الدين - إمام الحنابلة بالجامع. وقد سمع منه ببغداد رفيقه عبد العزيز بن طاهر الخيّاط سنة ثمانٍ وستين وخمسمائة، وكان ثقة، حجة، نبيلاً، غزير الفضل، نزهاً، ورعاً، عابداً، على قانون السلف، على وجهه النور والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه.
وقال فيه عمر ابن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفَضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنّت بذكره الأمصار،
стр. 13164
وضنّت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية، فأما الحديث فهو سابق فرسانه، وأما الفقه فهو فارس ميدانه، أعرف الناس بالفُتيا، وله المؤلفات الغزيرة، وما أظن الزمان يسمح بمثله، متواضع عند الخاصة والعامة، حسن الاعتقاد، ذو أناة وحِلم ووقار، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والمحدّثين وأهل الخير، وصار في آخر عمره يقصده كل أحد، وكان كثير العبادة، دائم التهجّد، لم نر مثله، ولم يرَ مثل نفسه.
وقال الضياء في سيرته (١): كان تام القامة أبيض مشرق الوجه، أدعج العينين، كأن النور يخرج من وجهه لحُسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، قائم الأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، متّعه الله بحواسّه حتى توفي، رحل هو والحافظ عبد الغني، فأقاما ببغداد نحواً من أربع سنين، ثم رجعا وقد حصلا الفقه والحديث والخلاف، أقاما خمسين ليلة عند الشيخ عبد القادر، ومات، ثم أقاما عند أبي الفرج ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط الشيخ محمود النعّال، واشتغلا على ابن المنّي، ثم سافر هو ثانية إلى بغداد سنة سبع وستين، هو والشيخ العماد، فأقاما سنة، وكان لحقهما عبيد الله أخوه، وعبد الملك بن عثمان، فضيّقا عليهما، لكونهما حَدَثين، فرجع بهما إلى دمشق، ثم حج سنة ثلاث وسبعين ووالدي وعمرو بن عبد الله، وردّوا على درب العراق.
ذكر تصانيفه:
البرهان في القرآن جزءان، مسألة العُلوّ جزءان، الاعتقاد جزء، ذم التأويل جزء، كتاب القّدر جزءان، كتاب فضائل الصحابة جزءان، كتاب المتحابّين جزءان، جزء فضل عاشوراء، جزء فضائل العشر، ذم الوسواس جزء، مشيخته جزء ضخم، وغير ذلك من الأجزاء، وصنّف: المغني في الفقه في عشر مجلّدات كبار، والكافي في أربعة مجلّدات، والمُقنِع مجلد، والعُمدة مجلد لطيف، والتوابين مجلد صغير، والرقة مجلد صغير، مختصر الهداية مجلد صغير، التبيين في نسب القرشيين مجلد صغير، الاستبصار في نسب الأنصار مجلد، كتاب قنعة الأريب في
стр. 13165
في الغريب مجلد صغير، كتاب الروضة في أصول الفقه مجلد، كتاب مختصر العِلل للخلاّل، مجلد ضخم.
قال الضياء: رأيت الإمام أحمد بن حنبل في النوم، وألقى عليّ مسألة في الفقه، فقلت: هذه في الخِرَقي فقال: ما قصّر صاحبكم الموفق في شرح الخِرَقي.
قال الضياء: وكان ﵀ إماماً في القرآن وتفسيره، إماماً في علم الحديث ومشكلاته، إماماً في الفقه، بل أوحد زمانه فيه، إماماً في علم الخِلاف، أوحد زمانه في الفرائض، إماماً في أصول الفقه، إماماً في النحو، إماماً في الحساب، إماماً في النجوم السيارة والمنازل، وسمعت الوجيه داود بن صالح المقرئ بمصر، قال: كنت أتردّد إلى الشيخ أبي الفتح ابن المنّي، فسمعته يقول - وعنده الإمام موفق الدين -: إذا خرج هذا الفتى من بغداد، احتاجت إليه، وسمعت البهاء عبد الرحمن بن إبراهيم يقول: كان شيخنا أبو الفتح ابن المنّي يقول للشيخ الموفق: اسكن هنا فإن بغداد مفتقرة إليك، وأنت تخرج من بغداد، ولا تخلف فيها مثلك، وكان الموفق يقول: إن لي أولاداً ولا يمكنني المُقام، وكان شيخنا العماد يعظّم الشيخ الموفق تعظيماً كبيراً، ويدعو له، ويقعد بين يديه كما يقعد المتعلم من العالم، وسمعت الإمام أبا عبد الله محمد بن محمود الأصبهاني يقول: ما رأ أحدٌ في زمانه مثل الشيخ الموفق، وسمعت الإمام المفتى أبا عبيد الله عثمان بن عبد الرحمن الشافعي (١) يقول عن شيخنا موفق الدين: ما رأيت مثله، كان مؤيداً في فتاويه، شاهدت بخطّ شيخنا العماد إبراهيم بن عبد الواحد: وقفت على وَصية شيخنا وسيدنا الإمام العالم الأوحد الصدر شيخ الإسلام موفق الدين، الذي شهد بفضله وعلمه المؤالف والمخالف، الناصر السنّة المحمدية، والسالك الطريقة النبوية الأحمدية، القامع البِدعة المُردية الردية،
وسمعت الإمام المفتي شيخنا أبا بكر محمد بن معالي بن غَنيمة ببغداد يقول: ما أعرف أحداً في زماننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق،
وسمعت الإمام الحافظ الزاهد أبا عبد الله اليونيني يقول - وكتبه لي - قال: أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا موفق الدين، فإنني إلى الآن، ما
стр. 13166
أعتقد أن شخصاً ممن رأيته، حصل له من الكمال في العلوم والصفات الحميدة التي يحصل بها الكمال، سواه، فإنه ﵀ كان كاملاً في صورته ومعناه، من حيث الحسن والإحسان، والحلم والسؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، والأمور التي ما رأيتها كملت في غيره، وقد رأيت من كرم أخلاقه، وحُسن عشرته، ووفور حلمه، وكثرة علمه، وغزير فطنته، وكمال مروءته، وكثرة حَيائه، ودوام بِشره، وعزوف نفسه عن الدنيا وأهلها، والمناصب وأربابها، ما قد عَجَزَ عنه كبار الأولياء، فإن رسول الله ﷺ قال: ما أنعم الله على عبد نعمةً أفضل من أن يُلهمه ذِكره، فقد ثبت بهذا أن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكْر ما يتعدى نفعه إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنّة، وأعظم من ذلك وأحسن ما كان جِبِلّة (١) وطبعاً، كالحلم والكرم والعقل والحياء، وكان الله قد جَبله على خُلُق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغاً، وأسبغ عليه النعم، ولطف به في كل حال.
قال الضياء: وكان لا يكاد يناظر أحداً، إلا وهو يتبسّم، فسمعت بعض الناس يقول: هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسّمه،
وسمعت الفقيه أحمد بن فهْد العَلثي يقول: ناظر الموفّق لابن فَضلان، يعني: يحيى بن محمد الشافعي، فقطعه الموفق.
قلت: وكان ابن فضلان يُضرب به المثل في المناظرة.
وأقام الموفَّق مدة يعمل حلقة يوم الجمعة بجامع دمشق، يناظر فيها بعد الصلاة، ويجتمع إليه أصحابنا، وغيرهم، ثم ترك ذلك في آخر عمره.
وكان يَشتغل عليه الناس من بُكرة إلى ارتفاع النهار، ثم يُقرأ عليه بعد الظهر، إما الحديث وإما من تصانيفه، إلى المغرب، وربما قُرِئ عليه بعد المغرب، وهو يتعشّى، وكان لا يُري لأحد ضَجراً، وربما تضرّر في نفسه ولا يقول لأحد شيئاً، فحدّثني ولده أبو المجد، قال: جاء إلى والدي يوماً جماعة يقرؤون عليه، فطوّلوا، ومن عادته أن لا يقول لأحد شيئاً، فجاء هذا القِطّ الذي لنا، فأخذ القلم الذي يُصلحون به بفمه، فكسرَه، فتعجّبوا من ذلك وقالوا: لعلّنا أطلْنا، وقاموا، واشتغل الناس عليه مدة بـ الخِرَقي والهداية
стр. 13167
ثم بـ مختصر الهداية الذي جمعه، ثم بعد ذلك، اشتغل عليه الخَلْق بتصانيفه: المُقنِع والكافي والعُمدة، وكان يقرأ عليه النحو، ويشرحه، ولم يترك الإشغال (١) إلا من عُذْر، وانتفع به غير واحد من البلدان، ورحلوا إليه، وكان لا يكاد يراه أحد إلا أحبه، حتى كان كثير من المخالفين يحبونه، ويصلّون خلفه ويمدحونه مدحاً كثيراً، وكنت (٢) أعرف في عهد أولاده أنهم يتخاصمون عنده، ويتضاربون وهو لا يتكلم، وكنا نقرأ عليه، ويحضر مَنْ لا يفهم، فربما اعترض ذلك الرجل بما لا يكون في ذلك المعنى، فنغتاظ نحن، ويقول: ليس هذا من هذا، وجرى ذلك غير مرة، فما أعلم أنه قال له قط شيئاً، ولا أوجع قلبه، وكانت له جارية تؤذيه بخُلُقها فما كان يقول لها شيئاً، وكذلك غيرها من نسائه.
وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول: لم أر فيمن خالطت أجمل منه، ولا أكثر احتمالاً.
وكان متواضعاً، يقعد إليه المساكين، ويسمع كلامهم، ويقضي حوائجهم، ويعطيهم، وكان حسَنَ الأخلاق، لا نكاد نراه إلا متبسماً، يحكي الحكايات لجُلَسائه، ويخدمهم، ويمزح، ولا يقول إلا حقاً.
وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول: قد صحِبناه في الغزاة، فكان يمازحنا، وينبسط معنا، يقصد بذاك طيب قلوبنا، فما رأيت أكرم منه، ولا أحسن صُحبة، وكان عندنا صِبيان يشتغلون عليه من حوران، وكانوا يلعبون بعض الأوقات إذا خلوا، فشكى بعض الجماعة إلى الشيخ أبي عمر، فقال: أخرجوهم من عندنا، ثم قال: هؤلاء أصحاب الموفق، فاذكروهم له، فقالوا له، فقال: وهل يصنعون إلا أنهم يلعبون؟ هم صبيان لابد لهم من اللعب إذا اجتمعوا، وإنكم كنتم مثلهم، وكان بعض الأوقات يرانا نلعب فلا ينكر علينا.
ولقد شاورته في أشياء متعددة، فيشير عليّ بشيء، فأراه بعد كما قال، وكم قد جرى على أصحابنا من غمّ وضيق صدر من جهة السلاطين واختلافهم، فإذا وصل الكلام إليه أشار بالرأي السديد الذي يراه، فيكون في
стр. 13168
رأيه اليُمن والبركة، وكان أخوه الشيخ أبو عمر مع كونه الأكبر، لا يكاد يعمل أمراً حتى يشاوره.
سمعت الإمام الزاهد أبا عبد الله محمد بن أبي الحسين اليونيني، قال: كنت بعض الأوقات ألازم القراءة وبعضها أتركها، فقال لي الموفق: يا فُلان، في صورة من يأتيك إبليس؟ قلت: في صورة أويس القَرَني، قال: ما يقول لك؟ قلت: يقول لي: ما أحب أن أكون محدّثاً ولا مفتياً ولا قاصّاً، في نفسي شغل عن الناس، فقال: والله مليح ما يقوله لك، أفيقول لك: هذه ليلة السجود فتسجد إلى الصباح، هذه ليلة البكاء فتبكي إلى الصباح؟ قلت: لا، قال: هذا مقصوده أنك تُبطل العلم وتفوتك فضيلته، وما يحصل لك فعل أويس، فبعد ذلك ما جاءني إبليس في هذا المعنى.
قال الضياء: وكان لا ينافس أهل الدنيا، ولا يكاد أحد يسمعه يشكو، وربما كان أكثر حاجة من غيره، وكان إذا حصل عنده شيءٌ من الدنيا فرّقه ولم يتركه، وسمعت البهاء عبد الرحمن يقول: كان فيه من الشجاعة، كان يتقدّم إلى العدوّ، ولقد أصابه على القُدس جُرح في كفه، ولقد رأيت أنا منه على قلعة صَفَد، وكنا نُرامي الكفّار، فكان هو يجعل النشابة في القوس، ويرى الكافر أنه يرميه فيتَتَرسُ منه، يفعل ذلك غير مرّة، ولا يرمي حتى تمكنه فرصة.
ولما مات ابنه أبو الفضل محمد بهمذان، جاءه خبره، فحدّثني بعض منْ حضره أنه استرجع، وقام يصلّي.
قلت (١): كان فاضلاً، مشتغلاً، عاش نيّفاً وعشرين سنة.
قال: ولما مات ابنه أبو المجد عيسى، وكنا عنده، صَبَر، واحتسب، وسمعت عنه أنه كان لا يطلب من أهل بيته أن يغسلوا ثيابه، ولا يطبخوا، ولا يكلّفهم شيئاً، بل هو عندهم مثل الضيف، إن جاؤوا بشيء أكل، وإلا سكت، وكان يُصلي صلاة حسنة بخشوع، وحسن ركوع، وسجود، ولا يكاد يصلي سُنّة الفجر والمغرب والعشاء، إلا في بيته، اتّباعاً للسُنّة، وكان يصلي كل ليلة بين العشاءين رَكعتين بـ الم تنزيل السجدة، وتبارك الذي بيده المُلك
стр. 13169
وركعتين بـ ياسين والدُّخان، لا يكاد يخلّ بهنّ، وكان يقوم بالليل سَحَراً يقرأ بالسُّبع، وربما رفع صوته بالقراءة، وكان حسن الصوت، رحمة الله عليه.
سمعت الحافظ الزاهد أبا عبد الله اليونيني، قال: لما كنت أسمع شناعة الخلْق على الحنابلة بالتشبيه، عزمت على سؤال الشيخ الموفق عن هذه المسألة، وهل هي مجرّد شناعة عليهم أو قال بها بعضهم؟ أو هي مقالة لا تظهر من علمائهم إلا إلى من يوثق به؟ وبقيت مدة شهور أريد أن أسأله، ما يتّفق لي خلوّ المكان، إلى أن سهّل الله مرة بخلوّ الطريق لي، وصعِدت معه إلى الجبل، فلما كنا عند الدرب المقابل لدار ابن محارب، وما اطّلع على ضميري سوى الله ، فقلت له: يا سيدي، فالتفت إليّ، وأنا خلفه، فقال لي: التشبيه مستحيل، وما نطقت أنا له بأكثر من قولي: يا سيدي، فلما قال ذلك تجلّدت، وقد أخبر بما أريد أن أسأله عنه، وكشف الله له الأمر، فقلت له: لِمَ؟ قال: لأن من شرط التشبيه أن نرى الشيء، ثم نشبّهه، من الذي رأى الله، ثم شبّهه لنا؟
وسمعت أبا عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن جعفر المقرئ يقول: جئت إلى الشيخ الموفق، وعنده جماعة، فسلمت، فردّ عليّ ردّاً ضعيفاً، فقعدت ساعة، فلما قام الجماعة، قال لي: اذهب فاغتسل، فبقيت متفكّراً، ثم قال لي: اذهب فاغتسل، فتفكرت، فإذا قد أصابتني جنابة من أول الليل ونسيتها.
وسمعت الشريف أبا عبد الله محمد بن كبّاس الأعناكي يقول: كنت يوماً أتفكر في نفسي، لو أن لي شيئاً من الدنيا لبنيت مدرسة للشيخ الموفق، وجعلت له كل يوم ألف درهم، ثم إنني قمت، فجئت إليه فسلّمت عليه، فنظر إليّ وتبسّم، وقال: إذا نوى الشخص نية خير كُتب له أجرها!
وقال أبو شامة (١): وذكر الشيخ الموفق فقال: كان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين في العلم والعمل، صنّف كتباً كثيرة حِساناً في الفقه وغيره، ولكن كلامه فيما يتعلق بالعقائد في مسائل الصفات على
стр. 13170
الطريقة المشهورة عن أهل مذهبه، فسبحان من لم يوضح له الأمر فيها على جلالته في العلم ومعرفته بمعاني الأخبار والآثار (١)، سمعت منه مسند الشافعي بِفَوْت ورقتين، وكتاب النصيحة لابن شاهين.
وقال غير واحد عن عز الدين ابن عبد السلام، شيخ الشافعية: إنه سُئل: أيّما كان أعلم فخر الدين ابن عساكر، أم الشيخ الموفق؟ فغضب، وقال: والله موفق الدين كان أعلم بمذهب الشافعي من ابن عساكر، فضلاً عن مذهبه.
قال أبو شامة (٢): ومن أظرف ما يُحكى عن الموفق أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يُرمّل به الفتاوى والإجازات، فخُطِفت عِمامته ليلاً، فقال لخاطفها: يا أخي خذ من العِمامة الورقة بما فيها، ورُدّ العِمامة، أغطّي رأسي، وأنت في أوسع الحِلّ، فظن الخاطف أنها فضّة، ورآها ثقيلة فأخذها، ورمى العِمامة له، وكانت (٣) صغيرة عتيقة.
قال (٤): وكان الموفق بعد موت أخيه هو الذي يؤمّ بالجامع المظفّري ويخطب، فإن لم يحضر فعبد الله ابن أخيه يؤمّ ويخطب، ويصلي الموفق بمحراب الحنابلة إذا كان في البلد، وإلا صلى الشيخ العماد، ثم كان بعد موت الشيخ العماد يصلي فيه أبو سليمان ابن الحافظ عبد الغني، وكان الموفَّق إذا فرغ من صلاة العشاء الآخرة يمضي إلى بيته بالرصيف، ويمضي معه من فقراء الحلقة مَنْ قدّره الله، فيقدّم لهم ما تيسّر، يأكلونه معه.
وقال الضياء: سمعت أختاي، زينب وآسية تقولان: لما جاء خالنا الموت هلّلنا، فهلّل، وجعل يستعجل في التهليل، حتى توفي، ﵀.
قال: وسمعت الإمام أبا محمد إسماعيل بن حمّاد الكاتب يقول: رأيت ليلة عيد الفطر كأني عند المقصورة، فرأيت كأن مصحف عثمان قد عُرِّج به، وأنا قد لحِقني من ذلك غمٌّ شديد، وكأن الناس لا يكترثون لذلك، فلما كان
стр. 13171
الغد، قيل: مات الشيخ الموفق.
وسمعت خالد بن عبد الله الحَبشي يقول: إنه رأى ليلة توفي الشيخ الموفق كأن القرآن قد رُفع من المصاحف، وسمعت الإمام عبد المحسن بن عبد الكريم المصري يقول: رأيت وقت مات الشيخ الموفق في النوم، كأن قد رُفعت قناديل الجامع كلها، وسمعت الشريف عبد الرحمن بن محمد العَلَوي يقول: رأينا ليلة الأحد في قريتنا مُردك - وهي في جبل بني هلال على دمشق - ضوءاً عظيماً جداً حتى أضاء له جبل قاسيون، فقلنا قد احترقت دمشق، قال: وخرج أهل قريتنا الرجال والنساء يتفرّجون على الضوء، فلما جئنا إلى بعض الطريق سألنا: أيش الحريق الذي كان بدمشق؟ فقالوا: ما كان بها حريق، فلما وصلنا إلى هنا قال لي ابني: إن الشيخ الموفق توفي، فقلت: ما كان هذا النور إلا لأجله.
قال الضياء: وقد سمعنا نحو هذا من غير واحدٍ يُحدِّثه، أنه رأى ذلك بحوران، وبالطريق، وسمعت العدْل أبا عبد الله محمد بن نصر بن قوّام التاجر بعد موت الشيخ الموفق بأيام، قال: رأيت ليلة الجُمُعة في الثُّلث الأخير الحق وكأنه عالٍ علينا بنحوٍ من قامة، يعني ليس هو على الأرض، وإلى جانبي رجل خطر في قلبي أنه الخَضِر ﵇، فذُكر الشيخ الموفق، فقال الحق للخَضِر: هل تعرف أخته وابنته؟ فقال: لا، قال: بلى اذهب، فعزّهما في الموفق، وخطر ببالي أنه تعالى يقول: فإني أعددت له ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم انتبهت.
وقد ساق الضياء منامات كثيرة في سيرة الشيخ الموفق، تركتُها خوف الإطالة.
ثم قال: تزوّج ببنت عمّته مريم بنت أبي بكر بن عبد الله بن سعد، فولدت له أولاداً، عاش منهم حتى كبُر: أبو الفضل محمد، وأبو المجد عيسى، وأبو العز يحيى، وصفيّة، وفاطمة، فمات بنوه في حياته، ولم يعقب منهم سوى عيسى، وتسرّى بجارية، ثم ماتت هي وزوجته بعدها، ثم تسرّى بجارية، وجاءه منها بنت، ثم ماتت البنت، وروّح الجارية، ثم تزوّج عزية بنت إسماعيل، وتوفيت قبله، ومن شعره (١):
стр. 13172
أتغفل يا ابن أحمد والمنايا … شوارع يَخْتَرِمْنَكَ عَنْ قريبِ
أغَرَّكَ أنْ تَخَطَّتْكَ الرَّزَايا … فكمْ للموت من سهْمٍ مُصيب
كؤوسُ المَوْتِ دائرةٌ عَلَيْنا … وَمَا لِلْمَرْءِ بُدٌّ من نصيبِ
إِلى كَمْ تَجْعَلُ التَّسْويفَ دأبًا … أما يَكفِيكَ إنذَارُ المَشِيبِ
أما يَكْفيكَ أنَّك كُلَّ حينٍ … تمُرّ بقَبر (١) خِلٍّ أو حبيبِ
كأنَّك قَدْ لحقْت بِهم قريبًا … ولا يُغنيك إفراطُ النَّحِيب
قَالَ الضّياء: تُوُفّي يوم السبت، يوم الفِطْر، ودُفن من الغدّ، وكان الخلْق لَا يُحصي عددَهم إلّا اللَّه ، وكنت فيمن غسَّله، تُوفِّي بمنزله بدمشق.
٦٧٠ - عبد الله بن أحمد بن علي بن هبة الله، الشريف أبو محمد ابن الزوال، الهاشمي العباسي البغدادي.
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع من يحيى بن ثابت، وأبي المعالي الباجِسرائي، وأبي محمد ابن الخشّاب.
وهو من بيت حِشمة وتقدَّم، توفي في ليلة عاشوراء.
وقد ناب في القضاء ببغداد، ثم عُزل من القضاء والعدالة، بسبب تزوير، ولم يكن محمود الشهادة (٢).
٦٧١ - عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميمي، أبو محمد البجائي المغربي، المعروف بابن الخطيب.
سمع من الحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، وأخذ عن أبي القاسم عبد الرحمن بن يحيى القرشي مختصره في القراءات، وسمع صحيح مسلم من أبي عبد الله ابن الفخّار، وأجاز له أبو طاهر السلفي، ولي قضاء سَبتة، ثم قضاء بَلَنسية، وكان وجيهاً، ذا حشمة وثروة، ولم يكن الحديث من شأنه، حدث بيسير، ومات بتونس في ربيع الأول، قاله الأبّار (٣).
стр. 13173
٦٧٢ - عبد الله (١) بن عبد العزيز بن عبد الله، أبو القاسم التَّفليسي المغازلي الصوفي، نزيل بغداد.
شيخ معمَّر، قدم بغداد واستوطنها، وصحب الشيخ أبا النجيب، وسمع معه من: هبة الله بن أحمد الشبلي، وابن البطي، وأبي زُرعة، وحدث.
وقيل: إنه جاوز المائة.
روى عنه: الدبيثي (٢)، والزين خالد، وجماعةٌ، وتوفي في سادس عشر ربيع الأول.
٦٧٣ - عبد الله بن عُبيد الله بن عبد الله بن عبد الملك بن علي، أبو محمد اللخمي الباجي.
أخذ قراءة نافع، وأبي عمرو عن أبي محمد بن معاذ، وسمع من أبي عبد الله ابن المجاهد الزاهد، وكان من كبار أصحابه، وأخذ العربية عن أبي إسحاق بن مَلْكون، وأبي القاسم بن حُبيش.
وحدث بيسير، وعمِّر، وأسنَّ، وكُفّ بصره، وكان يُقرئ القرآن، وتوفي في شعبان، وله ثمان وثمانون سنةً (٣).
٦٧٤ - عبد الله بن عمر بن عبد الله، القاضي جمال الدين أبو محمد الدمشقي الشافعي، قاضي اليَمن.
ولد بدمشق في حدود سنة ثلاثين وخمسمائة، وعاش تسعين سنة، وسمع بالإسكندرية من السلفي، وغيره، وتوجّه من دمشق صُحبة شمس الدولة تورانشاه بن أيّوب، إلى اليمن، وأمّ به، وتقدَّم عنده، فولاه قضاء اليمن، وحصّل أموالاً، وعاد إلى دمشق.
وحدث، روى عنه: الشهاب القوصي، وفَرَج الحَبشي، والزين خالد النابُلُسي، وعِدّة.
وسمع من علي بن أحمد الحَرَستاني.
стр. 13174
ومات في ربيع الأول (١).
٦٧٥ - عبد الله بن محمد بن خَلَف بن اليُسْر (٢)، أبو محمد القُشيري الغَرناطي.
معتنٍ بالقراءات عريق فيها من أعمامه وأخواله، اختصّ بأبي خالد بن رِفاعة، ولزم أبا الحسن بن كوثر، فأكثر عنه، وسمع من عبد الحق بن بونه، وجماعة.
أخذ عنه ابن مسدي، وأرّخ موته بمرّاكش عن نيّف وستين سنة.
٦٧٦ - عبد الحميد بن مَري بن ماضي بن نامي، أبو أحمد الحسّاني المقدسي الحنبلي، نزيل بغداد.
وبها توفي في جمادى الآخرة.
حدث عن: ابن كُليب، وأبي الفَرَج ابن الجوزي. روى عنه الضياء، وغيره.
٦٧٧ - عبد الرحمن بن إسماعيل بن محمد بن يحيى بن مسلِم، أبو محمد الزبيدي ثم البغدادي.
من بيت الحديث والفضل. كان فقيهاً، عالماً، مناظراً، فرَضياً، ولد سنة ثلاث وخمسين، وسمع من: أبي الفتح ابن البطي، وأحمد بن عمر بن بُنَيمان، وجماعة، وولي مشيخة رباط الشونيزي.
روى عنه الدبيثي، وقال (٣): توفي في يوم الجمعة سلخ رمضان.
٦٧٨ - عبد الرحمن بن أبي السعود الطيّب بن أحمد بن علي بن رزقون - بتقديم الراء -، أبو القاسم القيسي من أهل الجزيرة الخضراء.
أخذ عن أبي محمد بن عُبيد الله، توفي بالجزيرة عام عشرين.
٦٧٩ - عبد الرحمن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، الإمام المفتي فخر الدين أبو منصور الدمشقي الشافعي، ابن عساكر شيخ الشافعية بالشام.
стр. 13175
ولد في سنة خمسين وخمسمائة، وسمع من عمّيه الصائن هبة الله وأبي القاسم الحافظ، وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني، وحسان بن تميم الزيّات، وأبي المكارم عبد الواحد بن هِلال، وداود بن محمد الخالدي، ومحمد بن أسعد العراقي، وأبي المعالي بن صابر، وجماعة.
وتفقه على الشيخ قُطْب الدين النيسابوري، حتى برع في الفقه. وزوّجه القطب بابنته، فجاءه منها ولد سماه باسم جده قُطب الدين مسعود، ومات شاباً، ولو عاش لخَلَف جده وأباه.
وقد ولي فخر الدين تدريس الجاروخية، ثم تدريس الصلاحية بالقُدس، ثم بدمشق تدريس التقوية، فكان يقيم بالقدس أشهراً، وبدمشق أشهراً، وكان عنده بالتقوية فضلاء الوقت، حتى كانت تسمى نظامية الشام، وهو أول من درّس بالعَذْراوية، وذلك في سنة ثلاث وتسعين، ماتت الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب، أخت عز الدين فرُخشاه، فدُفنت بدارها، وكانت أمرت بدارها لأمها، فوقفتها الأم على الشافعية والحنفية.
وكان لا يملّ الشخص من النظر إليه؛ لحُسن سمته، واقتصاده في لباسه، ولُطفه، ونور وجهه، وكان لا يخلو لسانه من ذكر الله في قيامه وقعوده، وكان يُسمع الحديث تحت النسر، وهو المكان الذي كان يُسمع فيه على الحافظ أبي القاسم عمّه.
قال أبو شامة (١): سألته مسائل فقهية، وكان الملك المعظّم قد أرسل إليه ليوليه القضاء، فأبى، فطلبه ليلاً، فأتاه، فتلقاه، وأجلسه إلى جانبه، فجلس مستوفزاً، فأحضر الطعام فلم يأكل منه شيئاً، فأمره وألحّ عليه أن يتولى القضاء، فقال: حتى أستخير الله تعالى، فأخبرني من كان معه قال: رجع إلى بيته، ووقف يصلي، ويتضرع، ويبكي إلى الفجْر، ثم صلى الصبح، ودخل بيته الصغير الذي عند محراب الصحابة - وكان أكثر النهار يتعبّد ويُفتي ويُطالع فيه، ويجدد الوضوء من طهارة المئذنة، وهذا البيت هو الذي كان يخرج منه خلفاء بني أمية قبل أن يغير الوليد الجامع - قال: فلما طلعت الشمس أتاه من جهة السلطان جماعة، فأصر على الامتناع، وأشار بتولية ابن الحرستاني،
стр. 13176
فولي، وكان قد خاف أن يُكرَه على القضاء، فجهّز أهله للسفر، وخرجت المحابر إلى ناحية حلب، فردّها الملك العادل، وعز عليه ما جرى.
قال: وكان يتورّع من المرور في رواق الحنابلة لئلا يأثموا بالوقيعة فيه، وذلك أن عوامهم يُبغضون بني عساكر؛ لأنهم أعيان الشافعية الأشعرية.
وعدل الملك المعظّم عن توليته المدرسة العادلية، لكونه أنكر عليه تضمين المُكوس والخُمور، ثم إنه لما حج أخذ منه التقوية، وأخِذت منه قبل ذلك الصلاحية التي بالقدس، وما بقي له إلا الجاروخية.
وقال أبو المظفّر الجوزي (١): كان زاهداً، عابداً، ورِعاً، منقطعاً إلى العلم والعبادة، حَسَن الأخلاق، قليل الرغبة في الدنيا، توفي في عاشر رجب، ولم يتخلّف عن جِنازته إلا القليل.
قال أبو شامة (٢): أخبرني مَنْ حضر وفاته، قال: صلى الظهر، ثم جعل يسأل عن العصْر، فقيل له: لم يقرب وقتها، فتوضأ، ثم تشهّد وهو جالس، وقال: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، ومحمد نبياً، لقنني الله حُجّتي، وأقالني عَثرتي، ورحِم غُربتي (٣)، ثم قال: وعليكم السلام، فعلِمنا أنه قد حضرت الملائكة، ثم انقلب على قفاه ميتاً، وغسّله الفخر ابن المالكي، والتاج (٤) ابن أخيه زين الأمناء، وكان مرضه بالإسهال، وصلى عليه بالجامع أخوه زَين الأمناء، ومن الذي قدر على الوصول إلى سريره؟
وقال عمر ابن الحاجب: هو أحد الأئمة المبرزين، بل واحدهم فضلاً، وكبيرهم قدراً، شيخ الشافعية في وقته، وكان إماماً، زاهداً، ثقة، كثير التهجّد، غزير الدمعة، حسن الأخلاق، كثير التواضع، قليل التعصّب، سلك طريق أهل اليقين، وكان أكثر أوقاته في بيته في الجامع، ويزجي أكثر أوقاته في نشْر العلم، وكان مطَّرح التكلف، وعُرض عليه مناصب وولايات دينية فتركها.
ولد في رجب سنة خمسين، وفي رجب توفي، وكان الجمع لا يَنْحصر من
стр. 13177
الكَثرة، حدّث بمكة، ودمشق والقدس، وصنّف في الفقه والحديث عدة مصنفات، وسمعنا منه.
وقال الشهاب القوصي في معجمه: كان شيخنا فخر الدين كثير البكاء سريع الدموع، كثير الورع والخشوع، وافر التواضع، عظيم الخضوع، كثير التهجّد، قليل الهُجوع، مبرّزاً في علمي الأصول والفروع. جُمعت له العلوم والزهادة. وعليه تفقّهت، وأحرزتُ الإفادة، لازم القطب النيسابوري حتى بَرَع، قرأت عليه من حفظي كتاب الخلاصة للغزالي. وسمعت منه الأربعين البلدية لعمّه، ودُفن جوار تربة شيخه القُطب.
وروى عنه: الزكي البِرزالي، والضياء المقدسي، والتاج عبد الوهّاب ابن زَيْن الأمناء، والزين خالد، والكمال العَديمي، وسمعنا بإجازته على عمر ابن القوّاس، وتفقّه عليه جماعة منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام.
٦٨٠ - عبد الرحمن بن مُقبِل، عفيف الدين المصري الشرابي.
حدث عن أبي طاهر السلفي. روى عنه الزكي المنذري (١)، وغيره. ومات في ذي الحجة.
٦٨١ - عبد الرحمن اليَمَني الزاهد، نزيل دمشق.
ذكره أبو شامة فقال (٢): المقيم بالمنارة الشرقية بالجامع، وكان قوّالاً بالحق، عابداً، ولما خرج الفرنج حضر هو والشيخ فخر الدين ابن عساكر، والشيخ جمال الدين ابن الحصيري، إلى الملك العادل وأنكروا عليه عدَم حِفظ الثغور، وكان هو أشدّهم كلاماً له، توفي في المحرم.
٦٨٢ - عبد السلام بن المبارك بن أبي الغنائم عبد الجبار بن محمد بن عبد السلام، أبو سعد ابن البَرْدَغولي، البغدادي العَتّابي.
شيخٌ صالحٌ متيقظ، عالي الرواية، ولد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وحدّث هو، وأبوه، وعمّه الحسن، وهم من محلّة العتّابيين ببغداد.
سمع من: واثق بن تمام الهاشمي، وأحمد ابن الطَّلاية، وعبد الخالق اليوسفي، وابن البطّي.
стр. 13178
روى عنه: الدبيثي (١)، والبِرزالي، وابن النجار. وآخر من حدّث عنه الجمال محمد بن أبي الفَرَج ابن الدبّاب، سمع منه جزء ابن الطَّلاية.
وتوفي في المحرم.
٦٨٣ - عبد الواحد بن المبارك بن أبي بكر بن المُستَعمل الحريمي، أبو منصور.
ولد سنة خمس، أو ستّ وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت، وأبي علي ابن الخرّاز، وأبي المعالي ابن اللحّاس. روى عنه: الدبيثي (٢)، والبِرزالي، وغيرهما، وتوفي في جمادى الآخرة.
٦٨٤ - عثمان بن محمد بن أبي علي، القاضي الإمام عماد الدين أبو عمرو الكُردي الحُميدي الشافعي.
تفقه بالمَوْصل على غير واحدٍ ثم رحل إلى الإمام أبي سَعد بن أبي عَصرون، واشتغل عليه مدّة. وقدِم مصر، فولي قضاء دِمياط، ثم قدم وناب بالقاهرة عن قاضي القضاة أبي القاسم عبد الملك الماراني، ودرّس بالمدرسة السيفية، وبالجامع الأقمر، ثم حج، وجاور إلى أن مات في ربيع الأول.
وكان فاضلاً، وقوراً، حسن السمْت (٣).
٦٨٥ - علي بن إبراهيم بن تُرَيْك بن عبد المحسن بن تُرَيْك، أبو القاسم الأزجي البيِّع.
ولد سنة خمسين وخمسمائة، وسمع من عمّه أبي الفضل عبد المحسن، ومات في ذي القَعدة (٤).
٦٨٦ - علي بن أبي السعادات المبارك بن علي بن فارس، أبو الحسن ابن الوارث البغدادي.
ولد سنة تسع وأربعين، وسمع من: يحيى بن ثابت بن بُنْدار، وسليمان بن فيروز العَيْشوني، وأبي محمد ابن الخشّاب، وعبد الله بن منصور ابن المَوصلي، وأحمد بن المبارك المُرقّعاتي، وأبي محمد ابن الخشّاب، وخلق كثير.
стр. 13179
وكتب الكثير من الكتب والأجزاء، ولازم السماع مدة طويلة، وكان محدّثاً صدوقاً.
توفي في رمضان (١).
٦٨٧ - القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن دحمان، أبو محمد الأنصاري المالقي.
أخذ عن: عمه القاسم بن عبد الرحمن، وأبي مروان بن قَزْمان، وبقي إلى حدود هذه السنة (٢).
٦٨٨ - قريش بن سُبيع بن مُهنا بن سُبيع، الشريف أبو محمد العلَوي الحسيني المدني، نزيل بغداد.
ولد بالمدينة في رأس الأربعين وخمسمائة، وقدم بغداد، وطلب، وسمع الكثير، وحصّل، وعُني بالحديث، وسمع من: أبي الفتح ابن البطي، وأبي زُرعة، وأبي بكر ابن النَّقور، والمبارك بن خُضير، وطبقتهم.
روى عنه: الدبيثي (٣)، وابن النجار، وأهل بغداد، وغيرهم.
توفي في ذي الحجة.
٦٨٩ - كاملية بنت محمد بن أحمد بن عمر العَلَوي.
سمّعها عمّها المحدِّث علي بن أحمد الزيدي من أبي الفتح ابن البطي، وماتت في المحرّم (٤).
٦٩٠ - محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفوارس، أبو عبد الله البغدادي المالكي، ويعرف بابن العُريِّسة (٥).
ولد سنة أربعين وخمسمائة، وسمع من: أبي الوقت، وأبي الفتح ابن البطي، وأجاز له ابن ناصر. روى عنه: الدبيثي، وابن النجار، وغيرهما.
وحدّث بـ البخاري والدارمي عن أبي الوقت.
وكان شيخاً مَطبوعاً، متودّداً، حسن الأخلاق، من جُملة حُجّاب الخلافة،
стр. 13180
وجدّه محمد بن أبي الفوارس هو الملقّب بالعُريِّسة.
توفي في سادس شعبان (١).
ونسبته بالمالكي؛ لأنه كان يذكر أنه من ولَد مالك بن أنس.
ويقال له: الحمَامي - بالتخفيف -؛ كان يلعب بها.
٦٩١ - محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد البرّ، أبو عبد الله الخَولاني الأندلسي.
سمع من: أبي القاسم بن بُشْكُوال، وأبي بكر بن خَيْر، وأبي القاسم بن غالب؛ وأخذ عنه القراءات والعربية، ولازم ابن بُشْكُوال أعواماً، وحدث.
قال الأبّار (٢): كان فاضلاً، سُنّياً، معدَّلاً، توفي سنة عشرين، وقيل: في المحرم سنة إحدى.
٦٩٢ - محمد بن إسماعيل الإخْميمي الفقيه.
ولد سنة خمسين وخمسمائة، وحدث عن السلفي. روى عنه الشهاب القوصي في معجمه.
٦٩٣ - محمد بن الحسن بن أحمد بن يوسف، أبو عبد الله المغربي السَّبتي التُّجيبي.
سمع من: أبي القاسم بن حُبيش، وأبي عبد الله بن حميد، وأكثر عن أبي محمد بن عُبيد الله الحَجَري، وكان بارعاً في الشروط، سكن إشبيلية، وحدّث بها.
٦٩٤ - محمد بن سليمان بن قترمش، أبو منصور السمرقندي ثم البغدادي حاجب الحُجّاب.
كان من أولاد الأمراء، ولي الحجابة الكبرى سنة خمس عشرة، وكان أديباً، فاضلاً، أخبارياً علامة، لغوياً، متفنّناً، مليح الكتابة، إلا أنه كان قليل الدين لا يعتقد شيئاً، قاله ابن النجار، وقال: حُكي لي عنه أنه كان يُفطِر في رمضان، ولا يصلي، ويرتكب المحرَّمات، ويذهب مذهب الفلاسفة، كتبت
стр. 13181
عنه من شعره، وعاش سبعاً وسبعين سنة (١).
٦٩٥ - محمد (٢) بن عبد الجليل، الإمام تاج الدين الخُواري الحنفي.
له شعر متوسّط. روى عنه القوصي، وقال: كان مناظراً، متفنّنا، توفي بدمشق.
٦٩٦ - محمد بن عبيد الله بن غيّاث، أبو عمرو الجُذامي الشَّريشي الأديب الشاعر.
روى عن: ابن الجدّ، وابن بشْكُوال، وعاش أربعاً وثمانين سنة.
٦٩٧ - محمد بن عُروة، شرف الدين المَوْصلي، المنسوب إليه مشهد ابن عُروة من جامع دمشق.
وإنما نُسب إليه لأنه كان مخزناً فيه آلات تتعلق بالجامع، فعزّله، وبيّضه، وعمل له المحراب والخِزانتين ووقف فيهما كتباً، وجعله دار حديث.
قال أبو المظفّر الجوزي (٣): كان ابن عُروة مقيماً بالقدس، وكان يداخل المعظَّم وأصحابه ويعاملهم، ويؤذي الفقراء خصوصاً الشيخ عبد الله الأرْمني؛ فإنه انتقل عن القدس بسببه، فلما خرّب المعظّم القدس انتقل إلى دمشق.
٦٩٨ - محمد بن علي بن إبراهيم بن خَلَف، أبو عبد الله الأسَدي السبتي، شيخ القرّاء بغَرناطة.
ظاهر الجلالة، بارز العدالة، وله الإسناد العالي، ولد قبل الثلاثين وخمسمائة، وتلا بالسبْع على القاسم بن محمد ابن الزقاق، صاحب منصور بن الخيِّر، وتصدّر للإقراء.
تلا عليه بالروايات أبو بكر ابن مَسدي، وأثنى عليه، وقال: مات سنة عشرين.
٦٩٩ - محمد بن عيسى بن محمد بن أصبَغ، الإمام أبو عبد الله ابن المناصف، الأزدي القرطبي، نزيل إفريقية.
стр. 13182
تفقه على قاضي تونس أبي الحجّاج المخزومي؛ وسمع بها من أبي عبد الله بن أبي دَرقة.
قال الأبّار (١): كان عالماً، متقناً، مدققاً، نظاراً، واقفاً على الاتفاق والاختلاف، معلِّلاً مُرْجِّحاً، مع الحظ الوافر من اللغة والآداب والشعر، سمعت منه كثيراً، ولم يكن له علم بالحديث، وألّف كتاباً في الجهاد، وكتاباً في الأحكام، واستدرك على القاضي عبد الوهاب في التلقين باب السَّلَم لإغفاله ذلك. وولي قضاء بَلَنسية، ثم قضاء مُرسية، وكان ذا سيرة عادلة، وشارة جميلة، صُلباً، في الحق، وكانت فيه حدّةٌ مفرطة فصُرف لذلك، ثم لحق بمرّاكش، وتوفي في ربيع الآخر أو جمادى الأولى، وله سبع وخمسون سنة، رحمه الله تعالى.
٧٠٠ - محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد الغزّال، أبو جعفر بن أبي بكر، الأصبهاني المقرئ، أخو الحافظ أبي رشيد.
وكان أبو جعفر أكبر بسنتين، ولد في المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة بأصبهان، وسمع الكثير بإفادة والده ومؤدّبه، وقرأ القراءات، وصحب العلماء والأولياء، وانقبض عن الناس، ولزم منزله لا يخرج إلا لصلاة، وله مُلك يسير يكفيه، ولا يأخذ من أحد شيئاً، قدم بغداد سنة ثمان وتسعين، فحدّث بها.
قال ابن النجار: سمعنا منه: وكان صدوقاً، أحد عباد الله الصالحين، حميد الأخلاق، كامل الأوصاف، سخياً، نزهاً. روى لنا عن إسماعيل بن غانم بن خالد، وسمعت منه أيضاً بأصبهان، توفي في رمضان سنة عشرين.
٧٠١ - محمد (٢) بن مكي بن أبي بكر بن كخينا، أبو منصور الواسطي البزّاز.
стр. 13183
سكن دمشق، وسمع بها الكثير من الخُشوعي، والقاسم ابن عساكر، وطبقتهما، وكتب، وحصّل الأصول، وعُني بالرواية، ورحل إلى بغداد سنة سبع عشرة وستمائة، وحدث بها، وكان مولده سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة بسواد واسط تقريباً.
قال ابن النجار: رأيته بدمشق، ولم أكتب عنه شيئاً، وكان صدوقاً، وتوفي بحلب سنة عشرين.
قلت: هو الذي انفرد بنقل سماع كريمة الجزء الرافقي، ولم يكن متقناً، ﵀.
٧٠٢ - محمد بن أبي الحسن بن أبي نصر، الشيخ أبو الفضل المقرئ البغدادي الضرير، المعروف بالخطيب.
قرأ بالروايات على أبي الحسن علي بن عساكر، وسعْد الله بن نصر ابن الدَّجاجي، صاحب الزاهد أبي منصور الخيّاط، وسمع منهما ومن: ابن البطي، وأبي زُرعة، وجماعة.
وحدث، وأقرأ الناس، وكان عالي الإسناد في القراءات. روى عنه الدبيثي (١)، وغيره، وتوفي في سابع عشر المحرم.
ولم يكن خطيباً، وإنما لُقّب به.
٧٠٣ - محمد بن أبي المظفّر بن شُتّانة - بمثنّاة لا بموحَّدة -، يُكنى أبا البركات.
سمع: أبا الحسين عبد الحق، وابن شاتيل، كتب عنه بعض الطلبة.
توفي في شعبان.
٧٠٤ - محمد بن أبي المعالي بن محمد بن غَريب، أبو جعفر البغدادي، أحد القُرّاء بتُرَب الخلفاء.
روى عن أبي جعفر ابن البطي.
روى عنه ابن النجّار، وقال: صدوقٌ، توفي في ربيع الأول.
٧٠٥ - محمود بن كي رَسلان، أبو الثناء المَوصلي التركي الجُندي.
стр. 13184
من أجناد صاحب المَوْصل نور الدين رَسلان شاه، وابنه مسعود.
مات في صفر عن أربع وسبعين سنة.
وكان رافضياً غالياً، له ديوان شعر.
روى عنه المبارك ابن الشعّار (١)، فمن شعره:
ألا ما لقلبي لا يُبك عليله … وما لفؤادي لا يُبلّ غليله
بروحي من أصبحت عبد جماله … فهذا الجميل الوجه أين جميله؟
يُحَمّلني عبئاً على القُرب والنوى … يَهُدُّ قُوى العُشّاق منه ثقيله
٧٠٦ - مسافر بن يَعمر بن مسافر، أبو الغنائم المصري الجِيزي الحنبلي المؤدِّب الصوفي الرجل الصالح.
سمع من عَشير بن علي، وغيره، وصحب الصالحين، ولبس الخِرقة من عيسى ابن الشيخ عبد القادر، وكان خيّراً متعبّداً، عَمّالاً مبالغاً في الإيثار مع الإقتار.
سمع منه الزكي المنذري، وقال (٢): توفي في ربيع الأول.
٧٠٧ - المظفر بن أسعد بن حمزة ابن القَلانِسي، التميمي الدمشقي، الرئيس عز الدين.
كان كيّساً، متواضعاً، مُحتشماً، لزم التاج الكِندي مدة وتأدّب به، وسمع من أبي القاسم ابن عساكر، وتوفي في رمضان (٣).
٧٠٨ - منصور بن سيد الأهل بن ناصر، أبو علي المصري الكُتُبي الواعظ، المعروف بالقَزويني؛ لأنه كان يسلك في الوعظ طريقة الواعظ المشهور أبي القاسم محمود بن محمد القَزويني.
سمع من السِّلفي. روى عنه الزكي عبد العظيم (٤)، وغيره. ومات في ربيع الآخر.
стр. 13185
٧٠٩ - يحيى بن سعيد بن أبي نصر محمد بن أبي تمام، القاضي أبو المجد التَّكريتي ثم المارِديني.
تفقه ببغداد، وسمع من: شُهدة، وخطيب المَوصل أبي الفضل، وحدث بدمشق، وبغداد، وولي قضاء مارِدين، ومات في ذي القعدة (١).
٧١٠ - يحيى ابن الشيخ أبي الفتوح محمد بن علي بن المبارك ابن الجَلاجُلي، أبو علي البغدادي.
توفي ببغداد كهلاً، وقد سمع من وفاء بن البَهيّ، وابن شاتيل، وله شعر جيد (٢).
٧١١ - يوسف بن أحمد بن طحلوس، أبو الحجّاج الأندلسي، من جزيرة شَقْر.
صحب أبا الوليد بن رُشد، وأخذ عنه من علومه، وسمع من: أبي عبد الله بن حَميد، وأبي القاسم بن وضّاح. وكان آخر الأطباء بشرق الأندلس، مع التصوّن، ولين الجانب، والتحقّق بالفلسفة، ومعرفة النحو، وغير ذلك.
٧١٢ - يوسف بن محمد بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، السلطان المستنصر بالله الملقب بأمير المؤمنين أبي يعقوب، القَيسي المغربي صاحب المغرب.
لم يكن في بني عبد المؤمن أحسن منه صورة، ولا أبلغ خطاباً. ولكنه كان مشغوفاً باللذات، ومات وهو شابٌ، في هذه السنة، ولم يخلف ولداً، فاتفق أهل دولته على تولية الأمر لأبي محمد عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، فلم يُحسن التدبير ولا المُداراة.
ولد يوسف في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وأمه أم ولد، رومية اسمها قمر، وكان صافي السمرة، شديد الكُحل، يُشبّهونه كثيراً بجده، وكانت دولته عشر سنين وشهرين، وَزَر له أبو يحيى الهَزْرَجي، وحَجَبه مُبشِّر الخصيّ، ثم فارج الخصِي، وقضى له قاضي أبيه أبو عمران موسى بن عيسى، وكتب له الإنشاء أبو عبد الله بن عيّاش، كاتب أبيه وجده، ثم أبو الحسن بن عيّاش، ثم
стр. 13186
توفيا سنة بضع عشرة، فأحضر من مُرسية قاضيها أبا عبد الله محمد بن يَخْلَفتَن الفازازي، فولاّه الكتابة.
وكان الذين قاموا ببيعته عم جده أبو موسى عيسى بن عبد المؤمن، وكان عيسى آخر أولاد عبد المؤمن وفاةً تأخر إلى حدود العشرين وستمائة، ويحيى بن عمر بن عبد المؤمن، وكانا قائمين على رأسه يوم البَيعة، يأذَنان للناس.
قال عبد الواحد بن علي التميمي (١): حضرتُ يوم البيعة فبايعه القرابة، ثم أشياخ الموحّدين، وأبو عبد الله بن عيّاش قائم يقول للناس: تُبايعون أمير المؤمنين ابن أمراء المؤمنين على ما بايع عليه أصحاب رسول الله ﷺ من السمع والطاعة في المَنْشَط والمَكْره واليُسر والعُسر، والنصح له (٢) ولعامّة المسلمين، ولكم عليه أن لا يُجمّر بعوثكم، وأن لا يدّخر عنكم شيئاً مما تعمّكم مصلحته، وأن يُعجّل لكم العطاء (٣)، أعانكم الله على الوفاء، وأعانه على ما قلّده من أموركم.
ولأربعة (٤) أشهر من ولايته قُبض على رجل خارجي يدّعي أنه من بني عُبيد، وأنه وَلَد العاضد لصُلبه اسمه عبد الرحمن، قدم البلاد في دولة أبي يوسف، وطلب الاجتماع به، فلم يأذَن له، فأقام بالبلاد مُطَّرحاً إلى أن حبسه أبو عبد الله في سنة ست وتسعين، فحبسه خمس سنين، ثم أطلقه بعد أن ضمنه يحيى بن أبي إبراهيم الهَزْرَجي، فنزح من مرّاكش إلى صُنهاجة، فاجتمع عليه طائفة وعظّموه، لأنه كان كثير الصمت والإطراق، حسن السمت، عليه سيماء الصالحين، رأيته مرتين، ثم قصد سِجِلْماسة في جمْعٍ كبير، فخرج إليه متولّيها سليمان بن عمر بن عبد المؤمن، فهزمه العُبيدي، فرد سليمان إلى سِجِلْماسة بأسوأ عَوْد، ولم يزل العُبيدي ينتقل في قبائل البربر، ولا يتم له أمر لغُربة بلده ولسانه ولكونه عديم العشيرة، فقبض عليه متولّي فاس إبراهيم بن يوسف بن عبد المؤمن، ثم صلبه، ووجّه برأسه إلى مرّاكش، فهو معلّق هناك مع عدة أرؤس من الثوّار، وكان أبو يعقوب هذا شهماً، فَطِناً، لقيته وجلست بين يديه،
стр. 13187
فرأيت من حِدّة نفسه وسؤاله عن جُزئيات لا يعرفها أكثر السوقة، ما قضيت منه العجب.
توفي في شوال أو ذي القعدة، فاضطرب الأمر، واشرأبّ الناس للخلاف بعده.
٧١٣ - أبو الحسن الرّوزبهاري، المدفون بالبُرج الذي عن يمين باب الفراديس، بالخانكاه الرُّوزبهارية.
توفي في هذه السنة، ﵀ (١).
وفيها ولد:
قاضي نابُلُس الجمال محمد بن محمد بن سالم بن صاعد، والمحيي عبد الله بن عبد الظاهر بن نَشوان الموقّع، والمكين عبد الحميد بن أحمد بن محمد ابن الزجّاج البغدادي، والنجيب عمر بن عبد الله بن عمر ابن خطيب بيت الآبّار، والبدر عبد اللطيف بن محمد ابن المغَيْزِل الخطيب، وجبريل بن إسماعيل الصيدلاني الشارعي بخُلفٍ فيه، والصاحب التقي توبة بن علي بن مهاجر التكريتي يوم عرفة بعرفة، وسونج بن محمد بن سونج التركماني، والفقيه عبد الوليّ بن عبد الرحمن، خطيب يونين، وعلاء الدين محمد بن عبد القادر ابن الصائغ، والبُرهان إبراهيم بن عبد العزيز، خطيب أرْزونا، والكمال أحمد بن عبد الرحمن بن رافع الدّمراوي، والمفتي عَلَم الدين أحمد بن إبراهيم القمني، وأحمد بن عبد الله بن عزيز اليونيني، والشهاب أحمد ابن النصير الدقوقي في رمضان.
стр. 13188
المتوفون على التقريب
٧١٤ - الجمال عثمان (١) بن هبة الله بن أحمد بن أبي الحوافز، القيسي الدمشقي، رئيس الأطباء.
ذكره ابن أبي أصَيبعة، فقال (٢): أفضل الأطباء، وسيّد العلماء، وأوْحد العصر، أتقن الصناعة، وتميز في أقسامها العلمية والعملية، وله عناية بعلم الأدب وشعر كثير، وكان رئيساً، كريماً، تام المروءة، أخذ الطب عن المهذَّب ابن النقّاش، والرضي الرحبي، وخدم الملك العزيز عثمان ابن صلاح الدين، وأقام معه بمصر، فولاّه رئاسة الطب، ثم خدم بعده الملك الكامل سنين إلى أن توفي بالقاهرة، واشتغل عليه جماعة، وتميّزوا، أجلّهم عمي رشيد الدين عليّ.
٧١٥ - محمد (٣) بن عَلوان بن مهاجر، الفقيه الإمام العالم أبو المظفر.
سمع من: الحسين بن المؤمَّل صاحب ابن وَدْعان، ومن محمد بن علي بن ياسر الجيّاني، وبرع في مذهب الشافعي، وكان من فضلاء المَواصلة، ومتميزيهم.
روى عنه: الزكي البِرزالي، والتقيّ اليلداني، وبالإجازة الشهاب القوصي.
وهو ابن عم الصاحب كمال الدين محمد بن علي، نزيل دمشق.
٧١٦ - محمد بن الفضل، أبو عبد الرحمن الزَّنجاني الشاعر.
قال ابن النجار: أنشدني أبو البقاء، خالد بن يوسف النابُلُسي بدمشق، قال أنشدنا أبو عبد الرحمن محمد بن الفضل ابن الزَّنجاني البغدادي، لنفسه، بالنظامية (٤):
стр. 13189
قسماً بأيام الصفا ووصالكم … والجمع في جَمْع وذاك المُلْتَزَم
ما اخترت بعدكم بديلاً لا ولا … نادمتُ بعد فِراقكم إلا الندم (١)
٧١٧ - مسعود بن الحسين بن أبي زَيْد، أبو الفتح المَوْصلي الشاعر المعروف بالنقّاش.
وهو غير النقاش الحَلَبي سميه، فإن الحلبي مرّ في سنة ثلاث عشرة (٢).
ذكرهما ابن الشعّار، ولم يؤرّخ موت هذا، وقال فيه (٣): كان مكثراً من الشعر في المديح، والهجاء، والغزَل، مدح أصحاب الموصل وأمراءها، وقيل: إنه أدرك أيام الأتابك زنكي، والد نور الدين، وعاش إلى أيام القاهر مسعود بن أرسلان، وهو القائل في قصيدة:
يا مَنْ أودّ النوم أرْقُبُ طَيفَه … أنا ضَيفُه أفما لضيفكم قِرى؟
أنا كنتُ أوّل عاشقٍ لكنني … غَفَل الزمانُ بمولدي فتأخَّرا
(آخر الطبقة والحمد لله)
стр. 13190
الطبقة الثالثة والستون
(٦٢١ - ٦٣٠ هـ)
стр. 13191
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن الحوادث
سنة إحدى وعشرين وستمائة
فيها استردّ الأشرف خلاط من أخيه شهاب الدّين غازي، وأبقى عليه ميّافارقين.
وفيها ظهر السّلطان جلال الدّين ابن خوارزم شاه - بعدما انفصل عن بلاد الهند وكرمان - على أذربيجان، وحكم عليها، وراسله الملك المعظّم ليعينه على قتال أخيه الأشرف، وكتب المعظّم إلى صاحب إربل في هذا المعنى، وبعث ولده النّاصر داود إليه رهينةً.
وفيها استولى بدر الدّين لؤلؤٌ على الموصل، وأظهر أنّ محمود ابن الملك القاهر قد توفّي، وكان قد أمر بخنقه.
وفيها بنيت دار الحديث الكامليّة بين القصرين، وجعل أبو الخطّاب بن دحية شيخها (١).
وفيها قدم الملك المسعود أقسيس على أبيه الملك الكامل، من اليمن، طامعاً في أخذ الشام من عمّه المعظّم، وقدّم لأبيه أشياء عظيمة منها: ثلاثة فيلة، ومائتا خادم.
قال ابن الأثير (٢): وفيها عادت التّتار من بلاد القفجاق، ووصلت إلى الرّيّ، وكان من سلم من أهلها قد عمّروها، فلم يشعروا إلاّ بالتّتر بغتةً، فوضعوا فيهم السّيف، وسبوا، ونهبوا، وساروا إلى ساوة، ففعلوا بها كذلك، ثمّ ساروا إلى قمّ وقاشان، وكانت عامرةً، فأخذوها، ثمّ وصلوا إلى همذان فقتلوا أهلها، ثمّ ساروا إلى تبريز، فوقع بينهم وبين الخوارزميّة مصافٌّ.
стр. 13192
وفيها سار غياث الدّين محمد ابن السّلطان علاء الدّين محمد خوارزم شاه إلى بلاد فارس، فلم يشعر صاحبها أتابك سعدٌ إلا بوصوله، فلم يتمكّن من الامتناع، واحتمى بقلعة إصطخر، فملك غياث الدّين شيراز بلا تعب، وأقام بها، واستولى على أكثر بلاد فارس، وبقي لسعدٍ بعض الحصون، وتصالحا على ذلك.
وفيها أو قبلها بيسير جرت واقعةٌ قبيحة، وهي أنّ الكرج - لعنهم الله تعالى - لم يبق فيهم من بيت الملك أحدٌ سوى امرأةٍ، فملّكوها عليهم.
قال ابن الأثير (١): طلبوا لها رجلاً يتزوجها، وينوب عنها في الملك، ويكون من بيت مملكة، وكان صاحب أرزن الرّوم مغيث الدّين طغربل شاه بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان، وهو من الملوك السّلجوقية، وله ولد كبير، فأرسل إلى الكرج يخطب الملكة لولده، فامتنعوا، وقالوا: لا يملكنا مسلمٌ، فقال لهم: إنّ ابني يتنصّر ويتزوّجها، فأجابوه، فتنصّر، وتزوّج بها، وأقام عندها حاكماً في بلادهم، نعوذ بالله من الخذلان، وكانت تهوى مملوكاً لها، وكان هذا الزّوج يسمع عنها القبائح، ولا يمكنه الكلام لعجزه، فدخل يوماً، فرآها مع المملوك، فأنكر ذلك، فقالت: إن رضيت بهذا، وإلا أنت أخبر، ثمّ نقلته إلى بلد، ووكّلت به، وحجرت عليه، وأحضرت رجلين وصفا لها بحسن الصورة فتزوّجت أحدهما، وبقي معها يسيراً، ثمّ فارقته، وأحضرت آخر من كنجة (٢) وهو مسلم، فطلبت منه أن يتنصّر ليتزوّجها، فلم يفعل، فأرادت أن تتزوجه، فقام عليها الأمراء ومعهم إيواني مقدّمهم، فقالوا لها: فضحتنا بين الملوك بما تفعلين، قال: والأمر بينهم متردّد، والرجل الكنجيّ عندهم، وهي تهواه.
стр. 13193
سنة اثنتين وعشرين وستمائة
في ربيع الأوّل وصل السّلطان جلال الدّين إلى دقوقا، فافتتحها بالسّيف، وسبى، ونهب، وفعل مثل ما تفعل الكفّار، وأحرق البلد، لكونهم شتموه، ولعنوه على الأسوار، ثمّ عزم على قصد بغداد، فانزعج الخليفة، ونصب المجانيق، وحصّن بغداد، وفرّق العدد والأهراء (١)، وأنفق ألف ألف دينار.
قال أبو المظفّر (٢): قال لي الملك المعظّم: كتب إليّ جلال الدّين يقول: تحضر أنت ومن عاهدني واتّفق معي حتّى نقصد الخليفة، فإنّه كان السّبب في هلاك أبي، وفي مجيء الكفّار إلى البلاد، وجدنا كتبه إلى الخطا وتواقيعه لهم بالبلاد، والخلع، والخيل، قال المعظّم: فكتبت إليه، أنا معك على كلّ حال، إلاّ على الخليفة، فإنّه إمام المسلمين، قال: فبينا هو على قصد بغداد - وكان قد جهّز جيشاً إلى الكرج إلى تفليس - فكتبوا إليه: أدركنا، فما لنا بالكرج طاقة، فسار إليهم، وخرج إليه الكرج، فعمل معهم مصافّاً، فظفر بهم، فقتل منهم سبعين ألفاً، قاله أبو شامة (٣)، وأخذ تفليس بالسّيف، وقتل بها ثلاثين ألفاً أيضاً، وذلك في سلخ ذي الحجّة.
وقال ابن الأثير (٤): سار جلال الدّين من دقوقا فقصد مراغة فملكها، وأقام بها، وأعجبته، وشرع في عمارتها، فأتاه الخبر أن إيغان طاثي (٥)، خال أخيه غياث الدّين، قد جمع عسكراً نحو خمسين ألفاً، ونهب بعض أذربيجان، وسار إلى البحر من بلاد أرّان فشتّى هناك، فلمّا عاد نهب أذربيجان مرّة ثانية، وسار إلى همذان بمراسلة الخليفة، وإقطاعه إياها، فسمع جلال الدّين بذلك
стр. 13194
فسار جريدةً (١)، ودهمه، فبيّته في اللّيل، وهو نازل في غنائم كثيرة، ومواشي أخذها من أذربيجان، فأحاط بالغنائم، وطلع الضّوء، فرأى جيش إيغان السّلطان جلال الدّين والجتر (٢) على رأسه، فسقط في أيديهم، وأرعبوا.
فأرسل إيغان زوجته وهي أخت جلال الدّين تطلب لزوجها الأمان، فأمّنه، وحضر إليه، وانضاف عسكره إلى جلال الدّين، وبقي إيغان وحده، إلى أن أضاف إليه جلال الدّين عسكراً غير عسكره، وعاد إلى مراغة، وكان أوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان قد سار من تبريز إلى كنجة خوفاً من جلال الدّين، فأرسل جلال الدّين إلى الكبار بتبريز يطلب منهم أن يتردّد عسكره إليهم، ليمتاروا، فأجابوه إلى ذلك، فتردّد العسكر، وباعوا، واشتروا، ثمّ مدّوا أعينهم إلى أموال النّاس، فصاروا يأخذون الشّيء بأبخس ثمن، فأرسل جلال الدّين لذلك شحنة (٣) إلى تبريز، وكان زوجة أوزبك ابنة السّلطان طغرل بن أرسلان شاه بن محمد بن ملكشاه، مقيمةً بالبلد، وكانت الحاكمة في بلاد زوجها، وهو منهمكٌ في اللذّات والخمور، ثمّ شكى أهل تبريز من الشّحنة فأنصفهم جلال الدّين منه، ثمّ قدم تبريز، فلم يمكّنوه من دخولها، فحاصرها خمسة أيّام، وقاتله أهلها أشدّ قتال، ثمّ طلبوا الأمان، وكان جلال الدّين يذمّهم ويقول: هؤلاء قتلوا أصحابنا المسلمين، وبعثوا برؤوسهم إلى التّتار، فلهذا خافوا منه، وطلبوا الأمان، ذكر لهم فعلهم هذا، فاعتذروا بأنّه إنّما فعل ذلك ملكهم، فقبل عذرهم، وآمنهم، وأخذ البلد، وآمن ابنة طغرل، وذلك في رجب، وبعث ابنه طغريل إلى خويّ مخفرةً محترمةً، وبثّ العدل في تبريز، ونزل يوم الجمعة إلى الجامع، فلمّا دعا الخطيب للخليفة، قام قائماً حتّى فرغ من الدّعاء، ثمّ سيّر جيشاً إلى بلاد الكرج - لعنهم الله - ثمّ سار هو وعمل
стр. 13195
معهم مصافّاً هائلاً، قال ابن الأثير (١): فالّذي تحقّقناه أنّه قتل من الكرج عشرون ألفاً، وانهزم مقدّمهم إيواني.
وجّهز جلال الدّين عسكراً لحصار القلعة الّتي لجأ إليها إيواني، وفرّق باقي جيوشه في بلاد الكرج، يقتلون، ويسبون، مع أخيه غياث الدّين، ثمّ تزوّج جلال الدّين بابنة السّلطان طغريل؛ لأنّه ثبت عنده أنّ أزبك حلف بطلاقها على أمرٍ وفعله، وأقام بتبريز مدّة، وجهّز جيشاً إلى كنجة، فأخذوها، وتحصّن أزبك بقلعتها، ثمّ أرسل يخضع لجلال الدّين، ففتر عنه.
وفي سلخ رمضان توفّي النّاصر لدين الله.
قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ (٢): وفيها حججت راكباً في المحمل السّلطانيّ المعظّميّ، فجاءنا الخبر بموت الخليفة بعرفة، فلمّا دخلنا للطّواف، إذا الكعبة قد ألبست كسوة الخليفة، فوجدت اسم النّاصر في الطّراز في جانبين، واسم الخليفة الظّاهر في جانبين، وهو أبو نصر محمد (٣)، بويع بالخلافة وكان جميلاً أبيض مشرباً حمرة، حلو الشّمائل، شديد القوى، بويع وهو ابن اثنتين وخمسين سنة، فقيل له: ألا تتفسّح؟ قال: قد لقس (٤) الزّرع، فقيل: يبارك الله في عمرك، قال: من فتح دكّاناً بعد العصر أيشٍ يكسب؟ ثمّ إنّه أحسن إلى الرّعيّة، وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وفرّق الأموال، وغسّل النّاصر محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ، وصلّى عليه ولده الظّاهر بأمر الله بعد أن بويع بالخلافة.
قال ابن السّاعي (٥): بايعه أولاً أهله وأقاربه من أولاد الخلفاء، ثمّ مؤيّد الدّين محمد بن محمد القمّيّ نائب الوزارة، وعضد الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك
стр. 13196
أستاذ الدّار، وقاضي القضاة محيي الدّين بن فضلان الشّافعيّ، والنّقيب الطّاهر قوام الدّين الحسن بن معدّ الموسويّ، ثمّ بويع يوم عيد الفطر البيعة العامّة، وجلس بثياب بيض، وعليه الطّرحة وعلى كتفه بردة النّبيّ ﷺ في شبّاك القبّة الّتي بالتّاج (١)، فكان الوزير قائماً بين يدي الشّبّاك على منبر، وأستاذ الدّار دونه بمرقاة، وهو الّذي يأخذ البيعة على النّاس، ولفظ المبايعة: أبايع سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام، أبا نصر محمّداً الظّاهر بأمر الله على كتاب الله، وسنّة نبيّه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه.
ولمّا أسبلت السّتارة، توجّه الوزير وأرباب الدّولة، وجلسوا للعزاء، ووعظ محيي الدّين ابن الجوزيّ، ثمّ دعا الخطيب أبو طالب الحسين ابن المهتدي بالله، وبعد أيّام عزل ابن فضلان عن قضاء القضاة، وولّي أبو صالح نصر بن عبد الرّزّاق ابن الشّيخ عبد القادر، وخلع عليه.
قال ابن الأثير (٢): فيها اشتدّ الغلاء بالموصل والجزيرة جميعها، فأكل النّاس الميتة والسّنانير والكلاب، ففقد الكلاب والسّنانير، ولقد دخلت يوماً إلى داري، فرأيت الجواري يقطّعن اللّحم، فرأيت حواليه اثني عشر سنّوراً، ورأيت اللّحم في هذا الغلاء في الدّار وليس عنده من يحفظه من السّنانير لعدمها، وليس بين المدّتين كثير، ومع هذا فكانت الأمطار متتابعة إلى آخر الربيع وكلما جاء المطر غلت الأسعار، وهذا ما لم يسمع بمثله، إلى أن قال: واشتدّ الوباء، وكثر الموت والمرض، فكان يحمل على النّعش الواحد عدّةٌ من الموتى.
стр. 13197
سنة ثلاث وعشرين وستمائة
فيها قدم محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ بالخلع والتقاليد من الظّاهر بأمر الله إلى المعظّم والكامل والأشرف.
قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ (١): قال لي المعظّم: قال لي خالك: المصلحة رجوعك من هذا الخارجيّ - يعني: جلال الدّين - إلى إخوتك، ونصلح بينكم، وكان المعظّم قد بعث مملوكه أيدكين إلى السّلطان جلال الدّين، فرحّله من تفليس وأنزله على خلاط، والأشرف حينئذٍ بحرّان، قال: فقلت لخالك: إذا رجعت عن جلال الدّين، وقصدني إخوتي تنجدوني؟ قال: نعم، قلت: ما لكم عادة تنجدون أحداً هذه كتب الخليفة عندنا ونحن على دمياط، ونحن نكتب إليه نستصرخ به ونقول: أنجدونا، فيجيء الجواب بأن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم يفعلوا، وقد اتّفق إخوتي عليّ، وقد أنزلت الخوارزميّ على خلاط، إن قصدني الأشرف منعه الخوارزميّ، وإن قصدني الكامل كان فيّ له.
وفيها قدم الأشرف دمشق، وأطاع المعظّم، وسأله أن يسأل جلال الدّين أن يرحل عن خلاط، وكان قد أقام عليها أربعين يوماً، فبعث المعظّم، فرحل الخوارزميّ عن خلاط، وكان المعظّم يلبس خلعة الخوارزميّ، ويركب فرسه، وإذا حادث الأشرف، حلف برأس خوارزم شاه جلال الدّين، فيتألّم الأشرف، وتوجّه خالي إلى الملك الكامل.
وقال ابن الأثير (٢): في جمادى الآخرة جاء جلال الدّين الخبر أن نائبه بكرمان قد عصى عليه، وطمع في تملّك ناحيته؛ لاشتغال السّلطان بحرب الكرج وبعده، فسار السّلطان جلال الدّين يطوي الأرض إلى كرمان، وقدّم بين يديه رسولاً إلى متولّي كرمان بالخلع ليطمّنه، فلمّا جاءه الرسول، علم أنّ ذلك مكيدةٌ لخبرته بجلال الدّين، فتحوّل إلى قلعةٍ منيعةٍ، وتحصّن، وأرسل يقول:
стр. 13198
أنا العبد المملوك، ولمّا سمعت بمسيرك إلى البلاد أخليتها لك، ولو علمت أنّك تبقي عليّ؛ لحضرت إلى الخدمة، فلمّا عرف جلال الدّين، علم أنّه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون؛ لأنّه يحتاج إلى تعبٍ وحصار، فنزل بقرب أصبهان، وأرسل إليه الخلع، وأقرّه على ولايته، فبينما هو كذلك، إذ وصل الخبر من تفليس بأنّ عسكر الأشرف الّذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره، فساق كعادته يطوي المراحل حتّى نازل مدينة منازكرد في آخر السّنة، ثمّ رحل من جمعته، فنازل خلاط، فقاتل أهلها قتالاً شديداً، ووصل عسكره إلى السور، وقتل خلق من الفريقين، ثمّ زحف ثانياً وثالثاً، وعظمت نكاية عسكره في أهل خلاط، ودخلوا الرّبض، وشرعوا في السّبي والنّهب، فلمّا رأى ذلك أهل خلاط تناخوا، وأخرجوهم، ثمّ أقام يحاصرها، حتّى كثر البرد والثّلج، فرحل عندما بلغه إفساد التّركمان في بلاد أذربيجان، وجدّ في السّير، فلم يرعهم إلاّ والجيوش قد أحاطت بهم، فأخذتهم السّيوف، وكثر فيهم النّهب، والسّبي.
وفي شعبان سار علاء الدّين كيقباذ ملك الرّوم، فأخذ عدّة حصون للملك المسعود صاحب آمد.
وفيها جمع البرنس صاحب أنطاكية جموعه، وقصد الأرمن، فمات ملك الأرمن قبل وصوله، ولم يخلف ولداً ذكراً، فملّك الأرمن بنته عليهم، وزوّجوها بابن البرنس، وسكن عندهم، ثمّ ندمت الأرمن، وخافوا أن تستولي الفرنج على قلاعهم وبلادهم، فقبضوا على ابن البرنس وسجنوه، فسار أبوه لحربهم، فلم يحصل له غرضٌ فرجع.
قال ابن الأثير (١): وفيها اصطاد صديقٌ لنا أرنباً ولها أنثيان وذكر، وله فرج أنثى، فلما شقّوا بطنه رأوا فيه جروين (٢)، سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه، وقالوا: ما زلنا نسمع أن الأرنب تكون سنةً ذكراً، وسنّة أنثى، ولا
стр. 13199
نصدق، فلمّا رأينا هذا، علمنا أنّه قد حمل وهو أنثى، وانقضت السن فصار ذكراً، ويحتمل أن يكون خنثى.
قال ابن الأثير (١): وكنت بالجزيرة ولنا جارٌ له بنت، اسمها صفيّة، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، وإذا قد طلع لها ذكر رجلٍ، ونبتت لحيته، فكان له فرج امرأة وذكر رجل، ونبتت لحيته، فكان له فرج امرأة وذكر رجل.
قال: وفيها ذبح إنسانٌ بالموصل رأس غنم، فإذا لحمه ورأسه ومعلاقه مرّ (٢) شديد المرارة، وهذا شيء لم يسمع بمثله.
وفي ذي الحجّة زلزلت الموصل، وغيرها، وخرب أكثر شهرزور، لا سيما القلعة، فإنّها أجحفت بها، وبقيت الزلزلة تتردّد عليهم نيفاً وثلاثين يوماً، وخرب أكثر قرى تلك الناحية.
وفي هذه السّنة انخسف القمر مرّتين.
وفيها برد ماء عين القيّارة (٣) حتّى كان السّابح يجد البرد، فتركوها، وهي معروفةٌ بحرارة الماء، بحيث إنّ السّابح فيها يجد الكرب، وكان بردها في هذه السّنة من العجائب.
وفيها كثرت الذّئاب، والخنازير، والحيّات، وقتل كثير منها.
وفيها كان قحطٌ وجراد كثير بالموصل، وجاء بردٌ كبار أفسد الزّرع والمواشي، قيل: كان وزن البردة مائتي درهم، وقيل: رطلاً بالموصلي.
وفي رجب توفي أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفاً.
وبويع ابنه الأكبر أبو جعفر المستنصر بالله، فبايعه جميع إخوته وبنو عمّه.
قال ابن السّاعي: حضرت بيعته العامّة، فلمّا رفعت السّتارة، شاهدته وقد كمّل الله صورته ومعناه، وعمره إذ ذاك خمسٌ وثلاثون سنة، وكان أبيض مشرباً حمرة، أزج الحاجبين، أدعج العينين، سهل الخدّين، أقنى، رحب
стр. 13200
الصدر، عليه قميص أبيض، وبقيار أبيض مسكّن، عليه طرحة قصب بيضاء، ولم يزل جالساً إلى أن أذن الظهر ثم جلس أن أذن الظّهر، ثمّ جلس كذلك يوم الأحد ويوم الاثنين، وأحضر بين يدي الشبّاك شمس الدّين أحمد ابن النّاقد، وقاضي القضاة أبو صالح الجيليّ، فرقيا المنبر، فقال الوزير مؤيّد الدّين القمّيّ لقاضي القضاة: أمير المؤمنين قد وكّل أبا الأزهر أحمد هذا وكالةً جامعة في كلّ ما يتجدّد من بيعٍ وإقرار وعتق وابتياع.
فقال القاضي: أهكذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، فقال القاضي: ولّيتني يا أمير المؤمنين ما ولاّني والدك رحمة الله عليه؟ فقال: نعم، وليتك ما ولاّك والدي، فنزلا، وأثبت القاضي الوكالة بعلمه.
وفي شعبان قدم الصّاحب ضياء الدّين نصر الله ابن الأثير (١) رسولاً عن صاحب الموصل بدر الدّين، فأورد الرسالة وهذه نسختها: ما لّيل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، وما للشمّس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما.
فيا وحشة الدّنيا وكانت أنيسةً … ووحدة من فيها لمصرع واحد
وهو سيّدنا، ومولانا، الإمام الظّاهر أمير المؤمنين، الّذي جعلت ولايته رحمةً للعالمين، واختير من أرومة النّبيّ ﷺ ؛ الّذي هو سيّد ولد آدم، ثمّ ذكر فصلاً.
قال ابن السّاعي: وخلعت الخلع، فبلغني أنّ عدّتها ثلاثة آلاف خلعة وخمسمائة ونيّف وسبعون خلعة، وركب الخليفة ظاهراً لصلاة الجمعة بجامع القصر، وركب ظاهراً يوم الاثنين الآتي في دجلة بأبّهة الخلافة، ثمّ ركب والنّاس كافّةً مشاة، ووراءه الشّمسة (٢)، والألوية المذهّبة، والقصع تضرب وراء السّلاحيّة، فقصد السرادق الّذي ضرب له، ونزل به ساعة، ثمّ ركب وعاد في طريقه.
وفيها التقى جلال الدّين ملك الخوارزميّة الكرج، وكانوا في جمعٍ عظيم إلى الغاية، فكسرهم، وأمر عسكره، أن لا يبقوا على أحدٍ، فتتبّعوا المنهزمين،