← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 13196–13235 · переход к 13201.

стр. 13196

أستاذ الدّار، وقاضي القضاة محيي الدّين بن فضلان الشّافعيّ، والنّقيب الطّاهر قوام الدّين الحسن بن معدّ الموسويّ، ثمّ بويع يوم عيد الفطر البيعة العامّة، وجلس بثياب بيض، وعليه الطّرحة وعلى كتفه بردة النّبيّ ﷺ في شبّاك القبّة الّتي بالتّاج (١)، فكان الوزير قائماً بين يدي الشّبّاك على منبر، وأستاذ الدّار دونه بمرقاة، وهو الّذي يأخذ البيعة على النّاس، ولفظ المبايعة: أبايع سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام، أبا نصر محمّداً الظّاهر بأمر الله على كتاب الله، وسنّة نبيّه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه. ولمّا أسبلت السّتارة، توجّه الوزير وأرباب الدّولة، وجلسوا للعزاء، ووعظ محيي الدّين ابن الجوزيّ، ثمّ دعا الخطيب أبو طالب الحسين ابن المهتدي بالله، وبعد أيّام عزل ابن فضلان عن قضاء القضاة، وولّي أبو صالح نصر بن عبد الرّزّاق ابن الشّيخ عبد القادر، وخلع عليه. قال ابن الأثير (٢): فيها اشتدّ الغلاء بالموصل والجزيرة جميعها، فأكل النّاس الميتة والسّنانير والكلاب، ففقد الكلاب والسّنانير، ولقد دخلت يوماً إلى داري، فرأيت الجواري يقطّعن اللّحم، فرأيت حواليه اثني عشر سنّوراً، ورأيت اللّحم في هذا الغلاء في الدّار وليس عنده من يحفظه من السّنانير لعدمها، وليس بين المدّتين كثير، ومع هذا فكانت الأمطار متتابعة إلى آخر الربيع وكلما جاء المطر غلت الأسعار، وهذا ما لم يسمع بمثله، إلى أن قال: واشتدّ الوباء، وكثر الموت والمرض، فكان يحمل على النّعش الواحد عدّةٌ من الموتى.

стр. 13197

سنة ثلاث وعشرين وستمائة فيها قدم محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ بالخلع والتقاليد من الظّاهر بأمر الله إلى المعظّم والكامل والأشرف. قال أبو المظفّر سبط الجوزيّ (١): قال لي المعظّم: قال لي خالك: المصلحة رجوعك من هذا الخارجيّ - يعني: جلال الدّين - إلى إخوتك، ونصلح بينكم، وكان المعظّم قد بعث مملوكه أيدكين إلى السّلطان جلال الدّين، فرحّله من تفليس وأنزله على خلاط، والأشرف حينئذٍ بحرّان، قال: فقلت لخالك: إذا رجعت عن جلال الدّين، وقصدني إخوتي تنجدوني؟ قال: نعم، قلت: ما لكم عادة تنجدون أحداً هذه كتب الخليفة عندنا ونحن على دمياط، ونحن نكتب إليه نستصرخ به ونقول: أنجدونا، فيجيء الجواب بأن قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم يفعلوا، وقد اتّفق إخوتي عليّ، وقد أنزلت الخوارزميّ على خلاط، إن قصدني الأشرف منعه الخوارزميّ، وإن قصدني الكامل كان فيّ له. وفيها قدم الأشرف دمشق، وأطاع المعظّم، وسأله أن يسأل جلال الدّين أن يرحل عن خلاط، وكان قد أقام عليها أربعين يوماً، فبعث المعظّم، فرحل الخوارزميّ عن خلاط، وكان المعظّم يلبس خلعة الخوارزميّ، ويركب فرسه، وإذا حادث الأشرف، حلف برأس خوارزم شاه جلال الدّين، فيتألّم الأشرف، وتوجّه خالي إلى الملك الكامل. وقال ابن الأثير (٢): في جمادى الآخرة جاء جلال الدّين الخبر أن نائبه بكرمان قد عصى عليه، وطمع في تملّك ناحيته؛ لاشتغال السّلطان بحرب الكرج وبعده، فسار السّلطان جلال الدّين يطوي الأرض إلى كرمان، وقدّم بين يديه رسولاً إلى متولّي كرمان بالخلع ليطمّنه، فلمّا جاءه الرسول، علم أنّ ذلك مكيدةٌ لخبرته بجلال الدّين، فتحوّل إلى قلعةٍ منيعةٍ، وتحصّن، وأرسل يقول:

стр. 13198

أنا العبد المملوك، ولمّا سمعت بمسيرك إلى البلاد أخليتها لك، ولو علمت أنّك تبقي عليّ؛ لحضرت إلى الخدمة، فلمّا عرف جلال الدّين، علم أنّه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون؛ لأنّه يحتاج إلى تعبٍ وحصار، فنزل بقرب أصبهان، وأرسل إليه الخلع، وأقرّه على ولايته، فبينما هو كذلك، إذ وصل الخبر من تفليس بأنّ عسكر الأشرف الّذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره، فساق كعادته يطوي المراحل حتّى نازل مدينة منازكرد في آخر السّنة، ثمّ رحل من جمعته، فنازل خلاط، فقاتل أهلها قتالاً شديداً، ووصل عسكره إلى السور، وقتل خلق من الفريقين، ثمّ زحف ثانياً وثالثاً، وعظمت نكاية عسكره في أهل خلاط، ودخلوا الرّبض، وشرعوا في السّبي والنّهب، فلمّا رأى ذلك أهل خلاط تناخوا، وأخرجوهم، ثمّ أقام يحاصرها، حتّى كثر البرد والثّلج، فرحل عندما بلغه إفساد التّركمان في بلاد أذربيجان، وجدّ في السّير، فلم يرعهم إلاّ والجيوش قد أحاطت بهم، فأخذتهم السّيوف، وكثر فيهم النّهب، والسّبي. وفي شعبان سار علاء الدّين كيقباذ ملك الرّوم، فأخذ عدّة حصون للملك المسعود صاحب آمد. وفيها جمع البرنس صاحب أنطاكية جموعه، وقصد الأرمن، فمات ملك الأرمن قبل وصوله، ولم يخلف ولداً ذكراً، فملّك الأرمن بنته عليهم، وزوّجوها بابن البرنس، وسكن عندهم، ثمّ ندمت الأرمن، وخافوا أن تستولي الفرنج على قلاعهم وبلادهم، فقبضوا على ابن البرنس وسجنوه، فسار أبوه لحربهم، فلم يحصل له غرضٌ فرجع. قال ابن الأثير (١): وفيها اصطاد صديقٌ لنا أرنباً ولها أنثيان وذكر، وله فرج أنثى، فلما شقّوا بطنه رأوا فيه جروين (٢)، سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه، وقالوا: ما زلنا نسمع أن الأرنب تكون سنةً ذكراً، وسنّة أنثى، ولا

стр. 13199

نصدق، فلمّا رأينا هذا، علمنا أنّه قد حمل وهو أنثى، وانقضت السن فصار ذكراً، ويحتمل أن يكون خنثى. قال ابن الأثير (١): وكنت بالجزيرة ولنا جارٌ له بنت، اسمها صفيّة، فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، وإذا قد طلع لها ذكر رجلٍ، ونبتت لحيته، فكان له فرج امرأة وذكر رجل، ونبتت لحيته، فكان له فرج امرأة وذكر رجل. قال: وفيها ذبح إنسانٌ بالموصل رأس غنم، فإذا لحمه ورأسه ومعلاقه مرّ (٢) شديد المرارة، وهذا شيء لم يسمع بمثله. وفي ذي الحجّة زلزلت الموصل، وغيرها، وخرب أكثر شهرزور، لا سيما القلعة، فإنّها أجحفت بها، وبقيت الزلزلة تتردّد عليهم نيفاً وثلاثين يوماً، وخرب أكثر قرى تلك الناحية. وفي هذه السّنة انخسف القمر مرّتين. وفيها برد ماء عين القيّارة (٣) حتّى كان السّابح يجد البرد، فتركوها، وهي معروفةٌ بحرارة الماء، بحيث إنّ السّابح فيها يجد الكرب، وكان بردها في هذه السّنة من العجائب. وفيها كثرت الذّئاب، والخنازير، والحيّات، وقتل كثير منها. وفيها كان قحطٌ وجراد كثير بالموصل، وجاء بردٌ كبار أفسد الزّرع والمواشي، قيل: كان وزن البردة مائتي درهم، وقيل: رطلاً بالموصلي. وفي رجب توفي أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وكانت خلافته تسعة أشهر ونصفاً. وبويع ابنه الأكبر أبو جعفر المستنصر بالله، فبايعه جميع إخوته وبنو عمّه. قال ابن السّاعي: حضرت بيعته العامّة، فلمّا رفعت السّتارة، شاهدته وقد كمّل الله صورته ومعناه، وعمره إذ ذاك خمسٌ وثلاثون سنة، وكان أبيض مشرباً حمرة، أزج الحاجبين، أدعج العينين، سهل الخدّين، أقنى، رحب

стр. 13200

الصدر، عليه قميص أبيض، وبقيار أبيض مسكّن، عليه طرحة قصب بيضاء، ولم يزل جالساً إلى أن أذن الظهر ثم جلس أن أذن الظّهر، ثمّ جلس كذلك يوم الأحد ويوم الاثنين، وأحضر بين يدي الشبّاك شمس الدّين أحمد ابن النّاقد، وقاضي القضاة أبو صالح الجيليّ، فرقيا المنبر، فقال الوزير مؤيّد الدّين القمّيّ لقاضي القضاة: أمير المؤمنين قد وكّل أبا الأزهر أحمد هذا وكالةً جامعة في كلّ ما يتجدّد من بيعٍ وإقرار وعتق وابتياع. فقال القاضي: أهكذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، فقال القاضي: ولّيتني يا أمير المؤمنين ما ولاّني والدك رحمة الله عليه؟ فقال: نعم، وليتك ما ولاّك والدي، فنزلا، وأثبت القاضي الوكالة بعلمه. وفي شعبان قدم الصّاحب ضياء الدّين نصر الله ابن الأثير (١) رسولاً عن صاحب الموصل بدر الدّين، فأورد الرسالة وهذه نسختها: ما لّيل والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، وما للشمّس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما. فيا وحشة الدّنيا وكانت أنيسةً … ووحدة من فيها لمصرع واحد وهو سيّدنا، ومولانا، الإمام الظّاهر أمير المؤمنين، الّذي جعلت ولايته رحمةً للعالمين، واختير من أرومة النّبيّ ﷺ ؛ الّذي هو سيّد ولد آدم، ثمّ ذكر فصلاً. قال ابن السّاعي: وخلعت الخلع، فبلغني أنّ عدّتها ثلاثة آلاف خلعة وخمسمائة ونيّف وسبعون خلعة، وركب الخليفة ظاهراً لصلاة الجمعة بجامع القصر، وركب ظاهراً يوم الاثنين الآتي في دجلة بأبّهة الخلافة، ثمّ ركب والنّاس كافّةً مشاة، ووراءه الشّمسة (٢)، والألوية المذهّبة، والقصع تضرب وراء السّلاحيّة، فقصد السرادق الّذي ضرب له، ونزل به ساعة، ثمّ ركب وعاد في طريقه. وفيها التقى جلال الدّين ملك الخوارزميّة الكرج، وكانوا في جمعٍ عظيم إلى الغاية، فكسرهم، وأمر عسكره، أن لا يبقوا على أحدٍ، فتتبّعوا المنهزمين،

стр. 13201

ولم يزالوا يستقصون في طلب الكرج إلى أن كادوا يفنونهم. ثمّ نازل تفليس وأخذها عنوةً؛ وكانت دار ملك الكرج، وقد أخذوها من المسلمين من سنة خمس عشرة وخمسمائة، وخرّبوا البلاد، وقهروا العباد، فاستأصلهم الله في هذا الوقت، ولكلّ أجلٍ كتاب. سنة أربع وعشرين وستمائة فيها جرت وقعة بين جلال الدّين الخوارزميّ وبين التتار، وكان بتوريز (١) فجاءه الخبر أنّ التّتار قد قصدوا أصبهان، فجمع عسكره، وتهيّأ للملتقى؛ لكون أولاده وحرمه فيها، فلمّا وصلها، وأزاح علل الجند بما احتاجوا، جرّد منهم أربعة آلاف صوب الريّ ودامغان يزكاً (٢)، فكانت الأخبار ترد من جهتهم وهم يتقهقرون، والتّتار يتقدّمون، إلى أن جاءه اليزك، وأخبروه بما في عسكر التّتار من الأبطال المذكورين مثل باجي نويل (٣)، وباقو نويل، وأسر طغان، ووصلت التّتار، فنزلوا شرقيّ أصبهان. وكان المنجّمون أشاروا على السلطان جلال الدين بمصابرتهم ثلاثة أيام، والتقائهم في اليوم الرابع، فلزم المكان مرتقب اليوم الموعود، وكان أمراؤه وجيشه قد انزعجوا من التّتار، والسّلطان يتجلّد، ويظهر قوّة، ويشجّع أصحابه، ويسهل الخطب، ثمّ استحلفهم أن لا يهربوا، وحلف هو، وأحضر قاضي أصبهان ورئيسها وأمرهما بعرض الرّجّالة في السّلاح. فلمّا رأى التّتار تأخّر السّلطان عن الخروج إليهم، ظنّوا أنه امتلأ خوفاً، فجرّدوا ألفي فارس إلى الجبال يغارون (٤) ويجمعون ما يقوتهم مدّة الحصار، فدخلوا الجبال وتوسّطوها، فجهّز السّلطان وراءهم ثلاثة آلاف فارس، فأخذوا عليهم المضايق والمسالك، وواقعوهم، وقتلوا فيهم وأسروا. ثمّ خرج في اليوم الموعود، وعبّى جيشه للمصافّ، فلمّا تراءى الجمعان خذله أخوه غياث الدّين وفارقه بعسكره، فتبعه جهان بهلوان، لوحشةٍ حدثت له ذلك

стр. 13202

الوقت، وتغافل السّلطان عنه، ووقف التّتار كراديس متفرّقة مترادفة، فلمّا حاذاهم جلال الدّين أمر رجّالة أصبهان بالعود، ورأى عسكره كثيراً، وتباعد ما بين ميمنة السّلطان وميسرته حتّى لم تعرف الواحدة منهما ما حال الأخرى، فحملت ميمنته على ميسرة التّتار هزمتها، وفعلت ميسرته. فلمّا أمسى السّلطان، ورأى انهزام التّتار نزل، فأتاه أحد أمرائه وقال له: قد تمنّينا دهراً نرزق فيه يوماً نفرح فيه، فما حصل لنا مثل هذا اليوم وأنت جالسٌ، فلم يزل به حتّى ركب وعبر الجرف، وكان آخر النهار، فلمّا شاهد التّتار السّواد الأعظم، تجرّد جماعةٌ من شجعانهم، وكمنوا لهم، وخرجوا وقت المغرب على مسيرة السّلطان كالسّيل وحملوا حملةً واحدة، فزالت الأقدام، وانهزموا، وقتل من الأمراء ألب خان، وأرتق خان، وكوج خان، وبولق خان، وماج الفريقان، وحمي الوطيس واشتدّ القتال، وأسر علاء الدّولة آناخان صاحب يزد، ووقف السّلطان في القلب وقد تبدّد نظامه، وتفرّقت أعلامه، وأحاط به التّتار، وصار المخلص من شدّة الاختلاط أضيق من سمّ الخياط، ولم يبق معه إلاّ أربعة عشر نفساً من خواصّ مماليكه، فانهزم على حميّة، فطعن لولا الأجل لهلك. ثمّ أفرج له الطريق، وخلص من المضيق، ثمّ إنّ القلب والميسرة تمزّقت في الأقطار، فمنهم من وقع إلى فارس، ومنهم من وصل كرمان، ومنهم من قصد تبريز. وعادت الميمنة بعد يومين، فلم نسمع بمثله مصافاً لانهزام كلا الفريقين، وذلك في الثّاني والعشرين من رمضان. ثمّ لجأ السّلطان إلى أصبهان، وتحصّن بها، فلم تصل التّتار إليه، وحاصروا أصبهان، وردّوا إلى خراسان. قال ابن الأثير (١): وفي هذه السّنة قتل الإسماعليّة أميراً كان جلال الدّين خوارزم شاه قد أقطعه مدينة كنجة، وكان نعم الأمير ينكر على جلال الدّين ما يفعله عسكره من النّهب والشّر، فعظم قتله على جلال الدّين واشتدّ عليه، فسار بعساكره إلى بلاد الإسماعليّة من حدود الألموت إلى كردكوه بخراسان، فخرّب

стр. 13203

الجميع، وقتل أهلها، وسبى، ونهب، واسترقّ الأولاد، وقتل الرجال وكان قد عظم شرّهم، وزاد ضررهم، فكفّ عاديتهم، ولقّاهم الله بما عملوا بالمسلمين. ثمّ سار إلى التّتار وحاربهم وهزمهم، وقتل وأسر، ثمّ تجمّعوا له وقصدوه. وفيها سارت عساكر الملك الأشرف مع الحاجب حسام الدّين عليّ إلى خويّ بمكاتبةٍ من أهلها، فافتتحها، ثمّ افتتح مرمد، وقويت شوكته. قال ابن الأثير (١): لو داموا لملكوا تلك النّاحية، إنّما عادوا إلى خلاط، واستصحبوا معهم زوجة جلال الدّين خوارزم شاه، وهي ابنة السّلطان طغريل بن أرسلان السّلجوقيّ، وكان قد تزوج بها بعد أزبك بن البهلوان، فأهملها، ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما حرمته من الأمر والنّهي، وكاتبت الحسام عليّاً المذكور تطلبه لتسلّم إليه البلاد. وكان بدمشق في سنة أربع أربع قضاةٍ؛ شافعيّان وحنفيّان: الخوييّ قاضي القضاة، ونائبه نجم الدّين ابن خلف، وشرف الدّين عبد الوهّاب الحنفيّ، والعزيز ابن السنجاريّ. وشنق ابن السّقلاطونيّ نفسه بسبب مالٍ عليه للدّولة، طولب به، وكان عدلاً من نيّف وأربعين سنة من شهود شرف الدّين ابن عصرون. وفيها أحضر البكريّ المحتسب، الجمال ابن الحافظ، والشّرف الإربلّيّ، والبرزاليّ، وقرّر معهم أن يرتّبوا مسند أحمد على الأبواب، وقرّر للجمال في الشّهر خمسين درهماً، وللآخرين ستّين درهماً، وبذل لهم الورق وأجرة النّسّاخ، فما أظنّه تمّ هذا. ومرض الملك المعظّم، فتصدّق وأخرج المسجونين، وأعطى الأشراف ألف غرارة، وفرّقوا على الفقهاء والصّوفيّة وغيرهم ثمانين ألفاً وخمسمائة غرارة. وحلف من بالحضرة لولده النّاصر. واشترى ابن زويزان حصاناً أصفر للمعظّم بألف دينار مصريّة، وأحضرها، فأمر بالتصدّق بها بالمصلّى، فازدحم الخلق لذلك، فمات ثمانية أنفس. ثمّ مات المعظّم في آخر ذي القعدة عن تسعٍ وأربعين سنة. وأوصى أن يغسّله الحصيريّ. مات قبل صلاة الجمعة. ورمى

стр. 13204

ابنه الكلوتة والمماليك، ولطموا في الأسواق، وقرأ النّجيب في العزاء: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ فضجّ النّاس. وقال أبو شامة (١): فيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج من البحر، على المعظّم - بعد اجتماعه بأخيه الكامل - يطلب البلاد الّتي فتحها السّلطان صلاح الدّين، فأغلظ له وقال له: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، ما له عندي إلاّ السّيف. وفيها حجّ بالشّاميّين شجاع الدّين عليّ ابن السّلاّر؛ وهي آخر إمرته على الركّب، وانقطع بعدها ركب الشّام مدّةً بسبب الفتن. وكان قد جاء من ميّافارقين سلطانها شهاب الدّين غازي ابن العادل، ليحجّ أيضاً. قال أبو المظفر (٢): كان ثقله على ستمائة جمل، ومعه خمسون هجيناً عليها خمسون مملوكاً، وسار على الرّحبة وعانة وكبيسات (٣) إلى كربلاء إلى الكوفة. فبعث الخليفة له فرسين وبغلةً وألفي دينار، فلما عاد لم يصل الكوفة، بل سار غربيّ الطريق فكاد يهلك هو ومن معه عطشاً حتى وصل إلى حرّان. وتوفّي الملك المعظّم وقام بعده ابنه النّاصر داود. سنة خمس وعشرين وستمائة في صفر جاء منشور الولاية من الملك الكامل لابن أخيه الملك النّاصر داود. وتحرّكت الفرنج وانبثّوا في السّواحل، لأنّ الهدنة فرغت. وفيها أغار المسلمون على أعمال صور، وغنموا كثيراً من المواشي. وفيها نزل الملك العزيز عثمان ابن العادل على بعلبك ليأخذها من

стр. 13205

الملك الأمجد، فأرسل إليه النّاصر داود يأمره بالرّحيل عنها، فرحل، وقد حقد على النّاصر، فقالوا: إنّه كاتب الملك الكامل، وحثّه على قصد دمشق، وإنّها في يده. فقدم الكامل وانضاف إليه العزيز، وجاءه الملك المجاهد أسد الدين شيركوه من حمص، وكانت عنده ضغينة على المعظّم، لكونه نازل حمص وشعث ظاهرها. فاستنجد الملك النّاصر بعمّه الملك الأشرف، فجاء وأكرمه غاية الإكرام، ونزل بالنّيرب. وكان رسوله إلى الأشرف فخر الدّين ابن بصاقة. ولمّا وصل الكامل إلى الغور، بلغه قدوم الأشرف، فرجع إلى غزّة، وقال: أنا ما خرجت على أن أقاتل أخي. فبلغ ذلك الأشرف، فقال لابن أخيه النّاصر: إنّ أخي قد رجع حردان (١)، والمصلحة أنّني ألحقه وأسترضيه. فنزل الكامل غزّة، وأرسل إليه ملك الفرنج يطلب منه القدس، وقال: أنا قد حضرت أنجدك بمقتضى مراسلتك، ومعي عساكر عظيمة، فكيف أرجع بلا شيء؟ فأعطاه بعض القدس. وسار الأشرف إلى الكامل واجتمع به في القدس، فكان نجدة على النّاصر لا له. واتّفق الأخوان على أخذ البلاد من النّاصر، وأنّ دمشق تكون للأشرف، وانضاف إليهما من عسكر النّاصر أخوهما الملك الصّالح إسماعيل، وابن عمّ النّاصر شهاب الدّين محمود ابن المغيث، وعزّ الدّين أيدمر، وكريم الدّين الخلاطيّ. وجاء المظفّر شهاب الدّين غازي ابن العادل، فاجتمع الكلّ بفلسطين. وقد كان النّاصر خرج ليتلقّ عمّه الكامل، واعتقد أنّ الأشرف قد أصلح أمره عنده، فسار إلى الغور، فلمّا سمع باجتماع أعمامه عليه ليمسكوه رجع إلى دمشق فحصّنها، واستعدّ للحصار. وفيها عزل الصّدر البكري عن مشيخة الشيوخ وعن حسبة دمشق؛ فولي المشيخة عماد الدّين ابن حمويه، والحسبة رشيد الدّين ابن الهادي. وفيها نزل جلال الدّين ابن خوارزم شاه مرّة ثانية على خلاط، ثمّ هجم

стр. 13206

عليه الشّتاء، فترحّل إلى أذربيجان. وخرج الحاجب عليٌّ من خلاط فاستولى على خويّ وسلماس وتلك النّاحية، وساق فأخذ خزائن جلال الدّين وعائلته وعاد إلى خلاط، فقيل له: أيشٍ فعلت؟ تحرّشت به ليهلك البلاد فلم تفكر. وفيها جرى الكويز السّاعي من واسط إلى بغداد في يوم وليلة، ووصل إلى باب سور البصليّة قبل الغروب بساعة، ورزق قبولاً عظيماً، وأعطي خلعاً وأموالاً من الدّولة والتّجّار. ومن جملة ما حصل له نيّف وعشرون فرساً، وقماش بألفٍ وسبعمائة دينار، ومن الذهب خمسة آلاف وأربعمائة دينار، واسمه معتوق الموصليّ. ولازم خدمة الشّرابيّ (١). ذكر هذا ابن السّاعي. وفيها شرعوا في أساس المستنصريّة ببغداد (٢)، وكان مكانها إصطبلاتٌ وأبنيةٌ، وتولّى عمارتها أستاذ دار الخلافة. وفيها - وقيل: في التي قبلها كما تقدم بعبارةٍ أخرى - عادت التّتار إلى الريّ، وجرى بينهم وبين جلال الدّين حروبٌ. وكان هؤلاء التّتار قد سخط عليهم جنكزخان وأبعدهم، وطرد مقدّمهم، فقصد خراسان، فرآها خراباً، فقصد الريّ ليتغلّب على تلك النّواحي، فالتقى هو وجلال الدّين، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثمّ انهزم جلال الدّين، ثمّ عاود بمن انهزم، وقصد أصبهان، وأقام بينها وبين الريّ، وجمع جيشه، وأتاه ابن أتابك سعدٍ بعد وفاة والده. ثمّ عاد جلال الدّين، فضرب مع التّتار رأساً، فبينما هم مصطفّون انفرد غياث الدّين أخو السّلطان، وقصد ناحيةً، فظنّهم التّتار يريدون أن يأتوهم من ورائهم، فانهزموا، وتبعهم صاحب بلاد فارس. وأمّا جلال الدّين، فإنّه لمّا رأى مفارقة أخيه له، ظنّ أنّ التّتر قد رجعوا خديعةً ليستدرجوه، فانهزم أيضاً، ولم يجسر أن يدخل أصبهان خوفاً من الحصار، فمضى إلى شبرم. وأمّا صاحب فارس، فلمّا ساق وراء التّتار، وأبعد ولم ير جلال الدّين

стр. 13207

خاف وردّ عن التّتار، ورأى التّتر أنّه لا يطلبهم أحدٌ فوقفوا، وردّوا إلى أصبهان وحاصروها، وظنّوا أنّ جلال الدّين قد عدم، فبينما هم كذلك، إذ وصل إليهم قاصدٌ من جلال الدّين يعرّفهم بأنّه سالم، وأنّه يجمع، وينجد أهل أصبهان، ففرح أهل البلد، وقويت نفوسهم، وفيهم شجاعة طبعيّة، فقدم عليهم، ودخل إليهم، ثمّ خرج بهم، فالتقوا التّتار، فانهزم التّتار أقبح هزيمةٍ، فساق جلال الدّين وراءهم إلى الريّ قتلاً وأسراً، وأقام بالريّ، فأتته رسل ابن جنكزخان يقول: إنّ هؤلاء ليسوا من أصحابي، وإنّما نحن أبعدناهم، فاطمأن جلال الدّين من جانب ابن جنكزخان، وعاد إلى أذربيجان. وأمّا غياث الدّين أخوه، فقصد خوزستان، فلم يمكّنه نائب الخليفة من دخولها، فقصد بلاد الإسماعيليّة، والتجأ إليهم، واستجار بهم. فقصد جلال الدّين بلاد الإسماعيليّة لينهبها إن لم يسلموا إليه أخاه، فأرسل مقدّمهم يقول: لا يجوز لنا أن نسلّمه إليك، لكن نحن ننزله عندنا، ولا نمكّنه أن يقصد شيئاً من بلادك، والضّمان علينا. فأجابهم إلى ذلك، وعاد فنازل خلاط. وفيها تملّك علاء الدّين كيقباذ صاحب الروم مدينة أرزنكان، وكان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه لها، وجاوز ستّين سنةً، فمات، ولم يزل في طاعة قلج أرسلان وأولاده، فملك بعده ولده علاء الدّين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلب منه عسكراً ليسير معه إلى مدينة أرزن الروم، ليحاصرها، وأن يكون معهم، فأتاه في عسكره، فقبض عليه، وأخذ بلده. وكان له حصن كماخ، وله فيه والٍ فتهدّده إن لم يسلّم الحصن أيضاً، فأرسل إلى نائبه، فسلم الحصن، فلما سمع صاحب أرزن، وهو ابن عم كيقباذ أنه يقصده، استنجد بالأمير حسام الدّين عليّ الحاجب نائب الملك الأشرف على خلاط، فسار الحسام ونجده، فردّ كيقباذ لذلك؛ ولأنّ العدوّ أخذوا له حصن صمصون وهو مطلٌّ على البحر عاصٍ، فأتاه واستعاده منهم، ثمّ أتى أنطاكية يشتّي بها. وفيها ظهر محضر للعناكيّين أثبت على نجم الدّين مهنّا قاضي المدينة أنّ حكّام بن حكم بن يوسف بن جعفر بن إبراهيم بن محمد الممدوح بن عبد الله الجواد بن جعفر الطّيّار سكن بقريةٍ بالشّام تعرف بالأعناك، وأولد بها، وعقبه بها، وبالشّام، ومن نسله فلان وساق نسبه إلى حكام.

стр. 13208

وتقرّر بالمسماريّة بنو المنجّا للتدريس بحكم أنّ نظرها إليهم. وتقدم الخويّي إلى المفتين بأن لا يكتبوا فتوى إلاّ بإذنه. وفيها طلع الفرنج من البحر وعكّا إلى صيدا؛ وكانت مناصفةً لهم وللمسلمين، فاستولوا عليها وحصّنوها، وتمّ لهم ذلك، وقويت شوكتهم، وجاءهم الأنبرور ملك الألمان ومعناه: ملك الأمراء؛ وكان قبيل مجيئه قد استولى على قبرص (١)، وقدم عكّة، وارتاع المسلمون لذلك. وقدم الكامل كما مرّ من مصر، وأقام على تلّ العجول، ثمّ كاتب الأنبرور، واتّفق معه على النّاصر داود ابن المعظّم، ونشب الكامل بالكلام، ولم تكن عساكر الأنبرور وصلت إلى البحر، وخافه المسلمون، وملوك الفرنج بالسّاحل، فكاتبوا الكامل إذا حصل مصافّ نمسك الأنبرور، فسيّر إلى الأنبرور كتبهم، وأوقفه عليها، فعرف الأنبرور ذلك للكامل، وأجابه إلى كلّ ما يريد، وقدمت رسله على الكامل يتشكّر لما أولاه، وتردّدت بينهم المراسلات. وسيّر الأنبرور إلى الكامل يتلطّف معه، ويقول: أنا عتيقك وأسيرك، وأنت تعلم أنّي أكبر ملوك البحر، وأنت كاتبتني بالمجيء، وقد علم البابا وسائر ملوك البحر باهتمامي وطلوعي، فإن أنا رجعت خائباً، انكسرت حرمتي بينهم، وهذه القدس فهي أصل اعتقادهم وحجّهم؛ والمسلمون قد أخربوها، وليس لها دخلٌ طائل، فإن رأى السّلطان - أعزّه الله - أن ينعم عليّ بقصبة البلد، والزيارة تكون صدقة منه، وترتفع رأسي بين الملوك، وإن شاء السّلطان أن يكشف عن محصولها، وأحمل أنا مقداره إلى خزانته فعلت. فلما سمع الكامل ذلك، مالت نفسه وجاوبه أجوبةً مغلّظة، والمعنى فيها نعم. أنبأني ابن البزوريّ (٢)، قال: وفي المحرّم منها استدعي الأمير علاء

стр. 13209

الدّين الدّويدار الظاهريّ أبو شجاع ألطبرس، وخلعت عليه خلعة الزّعامة وهي: قباء أطلس نفطيّ، وشربوش كبير، وفرس بعدّة كاملة، وألحق بالزّعماء. قال: وفيها وصل قاضي الرّيّ رسولاً من عند جلال الدّين منكوبريّ ابن خوارزم شاه. وفيها عقد عقد علاء الدّين الدّويدار المذكور على ابنة بدر الدّين صاحب الموصل، على صداقٍ مبلغه عشرون ألف دينار. وفيها قدم بغداد من الحجّاج أخت السلطان صلاح الدين يوسف، زوجة مظفّر الدّين صاحب إربل؛ وابن أخيها الملك المحسن أحمد، فخلع على المحسن. وفي رمضان خلع على علاء الدّين الدّويدار خلعة عظيمة، وأعطي تسعة أحمال كوسات. وفيها تغلّب ابن هود على معظم الأندلس، فكان ملكه تسعة أعوام. سنة ستّ وعشرين وستمائة في ربيع الأوّل أخلى الكامل البيت المقدّس من المسلمين، وسلّمه إلى الأنبرور، وصالحه على ذلك، وعلى تسليم جملةٍ من القرى فدخلته الفرنج مع الأنبرور. وكانت هذه من الوصمات الّتي دخلت على المسلمين، وتوغّرت القلوب على الكامل - فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. ثمّ أتبعها بحصار دمشق وأذّية المسلمين، فنزل جيشه على الجسورة، وقطعوا عن دمشق باناس والقنوات، ثمّ قطعوا يزيد وثورا (١)، ونهبوا البساتين، وأحرقوا الجواسق. ثمّ جرت بين عسكر النّاصر داود، وبين عسكر عمّه الكامل وقعاتٌ، وقتل جماعةٌ وجرح جماعة، وأخربت حواضر البلد. فلمّا كان يوم رابع جمادى الأولى وقعت بينهم وقعةٌ عظيمة.

стр. 13210

قال أبو شامة (١): قتل فيها خلق كثير، ونهب قصر حجّاج والشّاغور، وأطلق فيها النّيران، وتسلّموا حصن عزّتا صلحاً مع متولّيه. وفي تاسع جمادى الآخرة وصل الكامل، فنزل عند مسجد القدم، فأنفذ النّاصر إليه جماعة من الكبراء: الدّولعيّ، والقاضي، شمس الدّين الخويّيّ، والقاضي شمس الدّين ابن الشّيرازيّ، والشّيخ جمال الدّين الحصيريّ، نيابةً عنه في السّلام والخدمة. ثمّ خرج من الغدّ عزّ الدّين أيبك أستاذ الدّار باستدعاءٍ من الكامل فتحدّثا في الصّلح، فلمّا كان يوم منتصف الشهر، كان بينهم وقعةٌ تلقاء باب الحديد وفي الميدان، وانتصر الدّمشقيّون. ثمّ أصبح من الغد النّهب والحريق بظاهر باب توما، وبدّعوا في الغوطة، وخرّبوها، وغلت الأسعار، وصار اللّحم بستّة دراهم، والجبن بستّة دراهم أيضاً. واشتدّ الحصار، ثمّ إنّهم زحفوا على دمشق من غربيّها مراراً، وتكون الكرّة عليهم، واتّخذوا مسجد خاتون، ومسجد الشّيخ إسماعيل، وخانقاه الطّاحون، وجوسق الميدان، حصوناً وظهراً لهم. وأحرق النّاصر لأجل ذلك مدرسة أسد الدّين، وخانقاه خاتون، وخانقاه الطّواويس، وتلك الخانات. وجرت أمور. ثم زحفوا في تاسع رجب إلى أن قاربوا باب الحديد، ثمّ كان انتظام الصّلح في أوّل شعبان، وذلك أنّ الملك النّاصر داود خرج ليلة رابع عشر رجب إلى الكامل واجتمع به، ثمّ اجتمع به مرّات، وتقرّر الصّلح؛ أنّ النّاصر رضي بالكرك ونابلس وبعض الغور والبلقاء، ثمّ دخل الملك الكامل القلعة، ونزل إلى قبّة والده، ووجّه العسكر، فنازلوا حماة، وحاصروها. وفي أواخر شعبان سلّم الكامل دمشق لأخيه الملك الأشرف، وأعطاه الأشرف عوضها حرّان والرّها، ورأس عين والرّقة، ثمّ توجّه إلى الشّرق ليتسلّم هذه البلاد، فسار في تاسع رمضان فلمّا نزل على حماة، خرج إلى خدمته صاحبها صلاح الدّين قلج أرسلان ابن الملك المنصور محمد بن عمر، وسلّم إلى الكامل حماة، فأعطاها لأخي صاحبها لكونه أكبر سنّاً؛ ولأنّ العهد من أبيه كان إليه. ثمّ سار إلى حرّان، ونزل عسكره على بعلبك؛ وجاء إليها الأشرف

стр. 13211

من دمشق؛ فحاصر الملك الأمجد؛ ثمّ تسلّموا البلد، وبقي الحصار على القلعة، ورجع الأشرف. قال أبو شامة (١): وكان في آخر دولة المعظّم قد كثر الاشتغال بعلوم الأوائل، فأخمده الله بدولة الملك الأشرف. قال أبو المظفّر (٢): بعث الأشرف أخاه الملك الصّالح إسماعيل، فحاصر بعلبكّ، وضربها بالمجانيق، وضايقها؛ ثمّ توجّه إليها الأشرف، فدخل ابن مرزوق بينه وبين صاحبها الملك الأمجد، فأخذت منه، وجاء إلى دمشق، فأقام بداره. وفيها نازل جلال الدّين خلاط وضايقها بأوباشه، فأغاروا، ونهبوا، وهجموا حينة (٣)، وقتلوا أهلها قتلاً ذريعاً، والكامل على حرّان، فأقام اليزك على الطّرق خوفاً من هجمتهم، وتوجّهت طائفةٌ منهم إلى ميّافارقين، فالتقاهم المظفّر غازي، فكسر وجرح، وهو أشجع أولاد العادل. ولم يزل جلال الدّين يجدّ في حصار خلاط حتّى افتتحها في آخر العام. سنة سبع وعشرين وستمائة قال أبو شامة (٤): أخذت بعلبكّ من الأمجد في ربيع الآخر، ورحل الأشرف إلى الشرق واستعمل على دمشق أخاه إسماعيل، فلمّا كان في شوّال جاءنا الخبر: بأنّ السّلطان الملك الأشرف التقى الخوارزميّ - يعني جلال الدّين - وأنّ الأشرف كسره في أواخر رمضان. وقد كان الخوارزميّ استولى على خلاط، وأخذها من نوّاب الأشرف بعد أن أكلوا الجيف والكلاب، وزاد فيهم الوباء، وثبتوا ثباتاً لم يسمع بمثله، لعلمهم بجور خوارزم شاه، ولم يقدر عليها إلاّ بمخامرة إسماعيل الإيوانيّ، تدنّى إليه، واستوثق منه، ثمّ أطلع الخوارزميّة بالجبال ليلاً، واستباحوها، فإنّا لله. فسار الأشرف لحربه، واتّفق هو وصاحب الرّوم على لقائه، فكسرا الخوارزميّة، ووقع منهم خلقٌ في وادٍ، فهلكوا،

стр. 13212

ونهبوا، وتتبّعوا أيّاماً، وضربت البشائر في البلاد. وقال أبو المظفّر ابن الجوزيّ (١): أخذ خوارزم شاه جلال الدّين مدينة خلاط في جمادى الأولى بعد حصار عشرة أشهر، وكان فيها مجير الدّين ابن العادل؛ وأخوه تقيّ الدّين؛ وزوجة الأشرف بنت ملك الكرج، فأسرهم جلال الدّين. فأرسل صاحب الروم إلى الأشرف يأمره بالمسير، فإنّه ينجده، فشاور أخاه الملك الكامل فقال: نعم مصلحة، فجمع جيشه وسار إلى صاحب الروم، وكان معه أخواه شهاب الدّين غازي، والملك العزيز عثمان، وابن أخيه الملك الجواد. وجمع ملك الروم جيوشه أيضاً واجتمعا، والتقاهم الخوارزميّ؛ فانكسر كسرةً عظيمة، وأخذ الأشرف خلاط، وأرسل إلى الخوارزميّ يطلب إخوته، فأرسلهم ولم يرسل المرأة. قال عبد اللّطيف بن يوسف: كسر الله الخوارزميّين بأخفّ مؤنة بأمرٍ لم يكن في الحساب، فسبحان من هدم ذاك الجبل الراسي في لمحة ناظرٍ. وفيها رجعت رسل الخليفة من عند جلال الدّين منكوبريّ (٢) ملك الخوارزميّة، وخلع على رسوله الّذي قدم معهم. وفيها خرج الموكب الشّريف لتلقّي رسول الملك محمد بن يوسف بن هود المغربيّ؛ صحبة رسول الملك الكامل زعيم مصر، فأخبر أنّ ابن هود استولى على أكثر بلاد المغرب التي بيد بني عبد المؤمن، وأنّه خطب بها للمستنصر بالله، فحمد فعله، وكتب له منشور متضمّنٌ شكر همّته العالية. وفيها سيّر جلال الدّين الخوارزميّ إلى المستنصر، وطلب منه سراويل الفتوّة ليتشرّف بذلك؛ فسيّره إليه مع تحفٍ ونعم لا تحصى، وفرس النّوبة، ففرح بذلك وسرّ وقبّل الأرض مرّات. وفيها ملك المايرقي تلمسان، وخطب فيها للمستنصر ب لله. وأمّا أمر الخوارزميّة وكسرتهم، قال الموفّق (٣): فتح بعض الأمراء باب خلاط للخوارزميّة في جمادى الآخرة، لا ركوناً إلى دينهم ويمينهم، بل إيثاراً

стр. 13213

للموت على شدّة القحط، فدخلوا، وقتلوا، وسبوا، واستحلّوا سائر المحرّمات، دخلوا نصف اللّيل فبقوا كذلك إلى آخر صبيحته، ثمّ رفعوا السّيف، وشرعوا في المصادرات والعذاب. وكانوا يتعمّدون الفقهاء والأخيار بالقتل والتّعذيب أكثر من غيرهم. وأمّا الكامل، فانصرف إلى مصر بغتةً، فضعف النّاس، وأيقنوا أنّ الخوارزميّ إنّ ملك الشّام والرّوم عفى آثارها وأباد سكانها. ثمّ اصطلح الأشرف وعلاء الدّين صاحب الروم صلحاً تامّاً بعد عداوةٍ أكيدة، وجيّشوا الجيوش، والقلوب مع ذلك مشحونةٌ خوفاً، ولم يزل على وجلٍ مفرط من التقاء الجيشين، حتّى أتاح الله كسرة الخوارزميّين بأهون مؤنة. فقرأت في كتاب بعض الأجناد: إنّا رحلنا من سيواس، وطلبنا منزلةً يقال لها ياصي جمان في طرف أعمال أرزنجان، إذ بها عشب ومياه؛ فلمّا سمع العدوّ بمجيء العسكرين، ساق سوقاً حثيثاً في ثلاثة أيّام، ونزل المرج المذكور وبه جماعة من عسكر، فكبسهم بكرة الرابع والعشرين من رمضان، وضرب الأشرف المصافّ مع الخوارزميّ، وقامت الحرب على ساقٍ إلى قرب الظهر، ثمّ نصر الله، وكسر العدوّ شرّ كسرة. وكان معه خلق لا يحصون. والمصافّ في اليوم التّاسع والعشرين من رمضان. قال الموفّق: ثمّ تواصل النّاس ومعهم السّبي والأخاديد من المماليك والدّوابّ والأسلحة، والكلّ رديء، يباع الجوشن بثلاثة دراهم، والفرس هناك بخمسة دراهم، وفي حلب بعشرين درهماً وثلاثين في غاية الرداءة. وكذا قسيّهم وسائر أسلحتهم. ووصل منهم أسرى فيهم رجل، حكى لمن أنس به من الفقهاء العجم، قال: إنّ صاحبنا دهش وتحيّر لما شارف عسكر الشّام، فلمّا رأيناه كذلك، انقطعت قلوبنا، ولولا عسكر الشّام، أبدنا عسكر الروم، أنا بنفسي قتلت منهم خمسين فارساً. وحكى نسيب لنا (١) جنديٌّ، قال: وصلنا إلى مرج ياصي جمان، ونحن متوجّهون إلى خلاط على أنّ العدوّ بها، فإذا بعسكر الخوارزميّ محيطٌ بنا، فوقع على طائفة من عسكر الرّوم، فقتل منهم نحو مائتين، ونهب، وأسر. ثمّ

стр. 13214

من الغد وقع جيش الخوارزميّ على عسكر الروم ونحن نرى الغبرة، فأباد فيهم قتلاً وأسراً. وقد كثر القول بأنّهم قتلوا من عسكر الروم سبعة آلاف من خيارهم، وقيل: أكثر وأقلّ. وقال لي (١) رجل من أهل أرزنجان: إنّ جميع الروم كان بها، وعدّتهم اثنا عشر ألفاً، فلم يخلص منهم إلاّ جريحٌ، أو هارب توقّل الجبل، وإنّ صاحب الرّوم بقي في ضعفة من أصحابه نحو خمسة آلاف، وأصبحنا يوم الخميس على تعبئة، ووقعت مناوشات. فكان أصحابنا أبداً يربحون عليهم، وعرفنا قتالهم، ونشّابهم، وضعف خيلهم، وقلّة فروسيتهم، فتبدّل خوفنا منهم بالطّمع، واحتقرناهم، وتعجّبنا كيف غلب هؤلاء أمماً كثيرين؟ وبتنا ليلة الجمعة على تعبئة، وكان الرجل قد عزم على الهرب، ففرّ إليه مملوكان، فشجّعاه، فثبت لشقاوته. وأصبح النّاس، ففرّ من عنده اثنان إلى الملك الأشرف؛ فسألهما عن عدّة أصحابهم، قالا: هم ثلاثون ألفاً. وبقي الأشرف يجول بين الصّفوف، ويشجع النّاس، ويحقر العدوّ. وأصبح النّاس يوم السّبت على تعبئةٍ تامّةٍ، فسأل الأشرف المملوكين عن موضع الخوارزميّ، قالا: هو على ذلك التّلّ، وشعره في كيس أطلس، وعلى رأس كتفه برجمٌ صغير مخيّط بقبائه، فحمل طائفة من الخوارزميّة على عسكر الرّوم؛ فثبتوا، فتقدّم الأشرف إلى سابق الدّين ومعه من عسكر مصر ألف وخمسمائة فارس، وإلى عسكر حمص وحلب وحماة، فانتقى ألف فارس، وندب بعض أمراء العرب في ألف فارسٍ من العرب، فحملوا على التّلّ الّذي عليه الخوارزميّ، فلمّا عاين الموت الأحمر مقبلاً، انهزم، فلمّا رأى جيشه فراره انهزموا. وأمّا الّذين حملوا على عسكر الرّوم، فبقوا في الوسط، فلم يفلت منهم أحد. ثمّ إنّ الخوارزميّين لشدّة رعبهم لم يقدروا على الهرب، ولم يهتدوا سبيلاً، وأكثرهم نزلوا عن خيولهم، وانجحروا في بطون الأودية والبيوت الخربة، فتحكّم فيهم الفلاّحون والغلمان، وقتلهم أضعف النّاس. وانحرف منهم ثلاثة آلاف على بلاد جانيت، فخرج إليهم فلاّحو الرّوم والنّصارى فقتلوهم عن آخرهم. وفلّق

стр. 13215

الخوارزميّ عند هربه نحو مائتي حصان، ووصل خلاط في سبعة أنفس، فأخذ حرمه وما خفّ من الأموال، واجتاز على منازجرد (١) وكانت محصورة بوزيره، ووصل جائعاً فأطعمه وزيره. ثمّ دخل أذربيجان بالخزي والصّغار، فصادر أهل خويّ، ومات منهم جماعة تحت العقوبة. وأمّا الأشرف فلو ساق بعسكره وراءهم لأتى عليهم قتلاً وأسراً. وتسلّم أرزن الرّوم، وسلّمها إلى علاء الدّين كيقباذ، فأخذ ملكاً خيراً من جميع مملكته. وأمّا صاحبها ابن مغيث الدّين ابن عمّ علاء الدّين فإنّه رمي بالخذلان، والتجأ إلى كهفٍ حتّى أخذوه أخذ النّساء. ثمّ نزل الأشرف على منازجرد، وصمّم على أن يدخل وراء الخوارزميّ، وأقام شهوراً، ثمّ تراسلا في الصّلح، فاصطلحا على ما يؤثر الملك الأشرف. فرجع وفرّق العسكر، وأمنت خلاط وشرعت تعمر. وحكى أميرٌ قال: حملنا على الخوارزميّ فوقع عسكره في وادٍ وهلكوا، زحمناهم على سفح يفضي إلى وادٍ عميق، فتكردسوا بخيولهم، فتقطّعوا إرباً إرباً. وأشرفنا على الوادي ثاني يوم فرأيناه مملوءاً بالهلكى لو نجد فيهم حيّاً إلاّ خادم الخوارزميّ مكسور الرّجل، وأقمنا أيّاماً نقلّب القتلى لعلّ أن يكون فيهم جلال الدّين الخوارزميّ. وأسر خلق من خواصّه وأعلامه وسناجقه. وذكروا أنّ العرب أخذوا من خيمته باطية ذهبٍ وزنها خمسةٌ وعشرون رطلاً، فنفلهم إيّاها الملك الأشرف. والعجب أنّ هذه الوقعة لم يقتل فيها من عسكر الشّام أحد، ولا جرح فرس إلاّ رجل من عسكر حمص جرح بسهم. وزالت هيبة الخوارزميّة من القلوب، وزال سعدهم. سنة ثمان وعشرين وستمائة في رجب وصل رجل من المغرب وأخبر أنّ بعض بني عبد المؤمن صعد الجبل، وجمع من أمم البربر نحو مائتي ألف، ونزل بهم، وهاجم مرّاكش وقتل عمّه، وكان قد ولي الأمر دونه، وقتل من أصحابه نحواً من خمسة عشر

стр. 13216

ألفاً. وسيّر إلى الأندلس يهدّد ابن هود، فأطاعه بشرط أن لا يكون عنده أحد من الموحّدين إلاّ إذا احتاج إليهم للغزاة. وفي رجب وصل قزوينيّ إلى الشّام فأخبر أنّ التّتر خرجوا إلى الخوارزميّ، وأنّهم كسروه أقبح كسرة. وأنّ الكفّار الّذين كانوا في جملة عسكره غدروا به، وعادوا إلى أصحابهم، وأنّ المجمّعة كلّهم تفرّقوا عنه، وبقي في ضعفةٍ من أصحابه وهم قليلون لا سبدٌ لهم ولا لبد (١)، وهكذا كلّ ملك يؤسّس على الظّلم يكون سريع الهدم. وقال ابن الأثير (٢) - وهذه السّنة هي آخر كتابه - قال: في أوّلها وصل التّتار من بلاد ما وراء النّهر، وقد كانوا يعبرون كلّ قليل، ينهبون ما يرونه، فالبلاد خاوية على عروشها. فلمّا انهزم جلال الدّين خوارزم شاه في العام الماضي أرسل مقدّم الإسماعليّة يعرّف التّتار ضعف جلال الدّين، فبادرت طائفة وقصدوا أذربيجان، فلم يقدم جلال الدّين على لقائهم، فملكوا مراغة فعاثوا بأذربيجان، فسار هو إلى آمد، وتفرّق جنده، فبيّته التّتار ليلةً، فنجا وتفرّق أصحابه في كلّ وجه. فقصد طائفةٌ منهم حرّان، فأوقع بهم الأمير صواب مقدّم الملك الكامل بحرّان، فقصد طائفة منهم سنجار والموصل وغير ذلك. وتخطّفتهم الملوك والرّعيّة، وطمع فيهم كلّ أحدٍ حتّى الفلاّحون والأكراد، وانتقم الله منهم. ودخل التّتار ديار بكر في طلب جلال الدّين، لا يعلمون أين سلك؟ فسبحان من بدّل عزّهم ذلاًّ، وكثرتهم قلّة، وأخذت التّتار إسعرد بالأمان، ثمّ غدروا بهم، وبذلوا فيهم السّيف. ثمّ ساروا منها إلى مدينة طنزة، ففعلوا فيها كذلك. ثمّ ساروا في البلاد يخرّبونها إلى أن وصلوا ماردين، وإلى نصيبين، إلى أن قال: وخرجت هذه السّنة ولم يتحقّق لجلال الدّين خبر، ولا يعلم هل قتل؟ أو اختفى؟ والله أعلم. قلت: وفي المحرّم وصل الملك مظفّر الدّين صاحب إربل إلى بغداد، واحتفل بقدومه، وجلس المستنصر بالله له، وحضر أرباب الدولة كلّهم، ورفع السّتر عن الشّبّاك، فإذا المستنصر جالس، فقبّل الجميع الأرض. ورقي نائب

стр. 13217

الوزارة مؤيّد الدّين، وأستاذ الدّار مراقي من الكرسيّ المنصوب بين يدي الشّبّاك. واستدعي مظفّر الدّين، فطلع، وأشار بيده بالسّلام على المستنصر، ثمّ قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، فردّ المستنصر عليه¬ السّلام، فقبّل الأرض عدّة مرار، فقال له: إنّك اليوم لدينا مكينٌ أمين في كلام مضمونه: ثبت عندنا إخلاصك في العبوديّة. فقبّل الأرض، وأذن له في الانكفاء، وأسبلت الأستار، وأدخل حجرة، فخلع عليه فرجيّة ممزج، ومن تحتها قباء أطلس أسود، وعمامة قصب كحليّة بطرز ذهب، وقلّد سيفين محلاّيين بالذّهب، وأمطي فرساً بسرج ذهبٍ، وكنبوش ومشدّة حرير، ورفع وراءه سنجقان مذهّبان. ثمّ اجتمع بالخليفة يوماً آخر، وخلع عليه أيضاً، وأعطي رايات وكوسات وستّين ألف دينار، وخلع على جماعة من أصحابه. وفيها جدّد لمشهد أبي بكر من جامع دمشق إمامٌ راتب. وفيها كان الغلاء بمصر لنقص النّيل. وفيها قدم الملك الأشرف دمشق، وحبس الحريريّ بقلعة عزّتا، وأفتى جماعةٌ بقتله وزندقته، فأحجم السّلطان عن القتل. وأمر السّلطان بشراء دار الأمير قيماز النّجميّ، لتعمل دار حديث، فهي الدّار الأشرفية، وأن يكون للشيخ سبعون درهماً، وهو الجمال أبو موسى ابن الحافظ (١)، فمات أبو موسى قبل أن يكمل بناؤها. وفيها درّس بالتّقويّة العماد الحرستانيّ، وبالشّاميّة الجوّانيّة ابن الصّلاح. وحضر الملك الصّالح الدّرس؛ وتكلّموا في هذه المدرسة، وأرادوا إبطالها، وقالوا: وهي وقف على الحنفيّة، وعملوا محضراً أن سودكين المعروفة به أوّلاً وقفها على الحنفيّة، وشهد ثلاثة بذلك بالاستفاضة، فلم ينهض بذلك. وفيها صلب التّاج التّكريتيّ الكحّال؛ لأنّه قتل جماعةً ختلاً في بيته، ودفنهم، ففاحت الرائحة، وعدمت امرأةٌ عنده، فصلب، وسمّروه. ودرّس بالصّاحبيّة - مدرسة ربيعة خاتون - النّاصح ابن الحنبليّ، وكان يوماً مشهوداً، حضرت الواقفة وراء الستر.

стр. 13218

سنة تسع وعشرين وستمائة فيها أنهي إلى الديوان العزيز أنّ التتر قصدوا أذربيجان وعاثوا بها، لأنّ صاحبها جلال الدّين ابن خوارزم شاه قتل؛ قتله كرديّ بحربةٍ؛ وكان قد انهزم من التّتار لمّا بيّتوه، وساقوا وراءه حتّى بقي وحده، وقتل فارسين من التّتار، ولجأ إلى جبل به أكراد، فقتله هذا الكردي بأخ له كما زعم، فعاثوا وأفسدوا، ووصلوا إلى شهرزور. فبذل المستنصر بالله الأموال في الجيوش، وسأل مظفّر الدّين صاحب إربل إعانته بجيش بغداد ليلتقي التّتار، فجاءته العساكر مع جمال الدّين قشتمر النّاصريّ، وشمس الدّين قيران، وعلاء الدّين ألدكز، وفلك الدّين، وسار الكلّ نحو شهرزور. فبلغ التّتار، فهربوا. وتمرّض مظفّر، وعاد إلى بلده. وفي شوّال تقدّم إلى أستاذ دار الخلافة شمس الدين أبي الأزهر أحمد بن محمد ابن النّاقد، وإلى مؤيّد الدّين أبي طالب محمد بن أحمد ابن العلقميّ مشرف دار التّشريفات، بالقبض على نائب الوزارة القمّيّ، وعلى ولده فخر الدّين أحمد، وعلى أخيه وأصحابه، فهيّئ جماعةٌ بسيوفٍ مجرّدةٍ، ودخلوا دار الوزارة، وقبضوا على مؤيّد الدّين القمّيّ، ثمّ على ولده وأخيه، وحبسوا. وكانت مدّة ولايته الوزارة بصورة النّيابة لا الوزارة المحضة ثلاثاً وعشرين سنةً. ثمّ ولي نيابة الوزارة ابن النّاقد المذكور، ثمّ ولي الأستاذ داريّة مؤيّد الدّين ابن العلقميّ الرّافضيّ (١). سنة ثلاثين وستمائة فيها افتتح الملك الكامل ثغر آمد بعد أن ضربها بالمجانيق، فسلّمها صاحبها الملك المسعود مودود ابن الصّالح الأتابكيّ، وخرج وفي رقبته منديلٌ فرسم عليه، واستولى على أمواله وقلاعه، وبقي حصن كيفا عاصياً، فسيّر أخويه الأشرف والمظفّر غازياً، ومعهما المسعود تحت الحوطة، فعذّبه الأشرف عذاباً عظيماً، لكونه لم يسلّم حصن كيفا، ولأنّه كان يبغضه. قال أبو المظفّر ابن الجوزيّ (٢): فقال لي الملك الأشرف: وجدنا في

стр. 13219

قصره خمسمائة حرّةٍ من بنات النّاس للفراش. ثمّ سلّمت القلعة في صفر، وعاد الأشرف إلى دمشق. قال أبو شامة (١): سمعت الصّاحب بدر الدّين جعفراً الآمديّ يحكي عن عظمة يوم دخول الكامل إلى آمد شيئاً ما نحسن نعبّر عنه، قال: وأخذ جميع رؤساء آمد إلى مصر، فكنت أنا؛ وابن أختي الشّمس، وأخي الموفّق فيهم. فلمّا وصلنا الفرات قال أخي: اسمعوا منّي، لا شكّ أنا نعبر إلى بلادٍ ليس فيها أحدٌ يعرفنا، ولا يعضدنا، ولا معنا مال نتّجر فيه، فعاهدوني على أداء الأمانة في خدمنا، فعاهدناه، فرزقنا الله بالأمانة أنّا خدمنا في أجلّ المناصب بمصر والشّام، ورأيت جماعةً ممّن كانوا أكبر منّا ببلدنا في مصر، يستعطون بالأوراق. وافتقر أهل آمد، وتمزّقوا. ونقل الصّلاح الإربلّيّ في أمر الملك المسعود أنّه كثرت عنه الأقاويل، واشتهر أنّ عينه كانت ممتدةً إلى حرم رعيّته، فوكّل نساءً يطفن في آمد، ويكشفن عن كلّ مليحة، فإذا تحقّق ذلك سيّر من يحضرها قهراً، ويخلو بها الأيّام ويردّها. وكان ظالماً. ولمّا كلموه في تسليم بلاده، وأنّ الكامل يعطيه خبزاً (٢) جليلاً بمصر، قال: بشرط أن لا يحجر عليّ، فإنّي ما أصبر عن المغاني والنّساء. فلمّا أدّى الصّلاح الرسالة إلى الكامل، تضاحكوا، وعمل الصلاح؛ وكان شاعراً: ولمّا أخذنا آمداً بسيوفنا … ولم يبق للمخذول صاحبها حسّ غدا طالباً منّا أماناً مؤكّداً … وقال مناي ما تطيب به النّفس سلامة أيري ثمّ كسّ أنيكه … فقلنا له خذ ما تمنّيت يا نحس ثمّ سلّم الكامل جميع ذلك لولده الصّالح نجم الدّين أيّوب. وتوجّه القاضي الأشرف أحمد ابن القاضي الفاضل رسولاً من الكامل، ثمّ عاد مع رسول الخلافة الصّاحب محييّ الدّين ابن الجوزيّ إلى الكامل، ومعه تقليدٌ من المستنصر بالله بسلطنة الكامل، من إنشاء الوزير أبي الأزهر أحمد ابن النّاقد، وبخطّ العدل ناصر بن رشيد، وفي أعلاه بخطّ الوزير: للآراء المقدّسة زادها الله جلالاً وتعظيماً مزيد شرفها في تتويجه، وتحت البسملة علامة المستنصر بخطّه: الله القاهر فوق عباده، وأوّله خطبة وإسراف

стр. 13220

في تعظيم الخليفة، وفيه: وآمره بتقوى الله، وبكذا، وبكذا. وفي أوائله: ولمّا وفّق الله تعالى نصير الدّين محمد ابن سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب من الطّاعة المشهورة، والخدم المشكورة، إلى أن قال: ووسمه - يعني الخليفة - بالملك الأجل، السيّد الكامل، المجاهد، المرابط، نصير الدّين، ركن الإسلام، أثير الإمام، جمال الأنام، سند الخلافة، تاج الملوك والسّلاطين، قامع الكفرة والمشركين، ألب غازي بك محمد بن أبي بكر، معين أمير المؤمنين، رعايةً لسوابق خدمة، وخدم أسلافه. وفيها كان الغلاء ببغداد، وأبيع كرّ القمح بنيّفٍ وثمانين ديناراً. وفيها وقع بين صاحب ماردين، وبين صاحب الروم، والملك الأشرف، فنزل صاحب ماردين، وجاءته عساكر الروم فحاصروا حرّان والرّها والرّقة، فاستولوا على الجزيرة. وفعلت الروم في هذه البلاد كما تفعل التّتار. وفيها جمع راجح بن قتادة جمعاً، وقدم مكّة، فدخلها، وطرد عنها عسكر صاحب الملك الكامل. وفي ربيع الأوّل نفّذ أبو صالح نصر بن عبد الرزّاق الجيليّ رسولاً إلى مظفّر الدّين صاحب إربل، وبدر الدّين صاحب الموصل. وفي رمضان توفّي صاحب إربل، فتقدّم إلى شرف الدّين إقبال الخاصّ الشّرابيّ بالتّوجّه إلى إربل، فتوجّه بالعساكر، وجعل مقدّمها جمال الدّين قشتمر. وكان بقلعة إربل خادمان: برنقش؛ وخالص، فكاتبا عماد الدّين زنكي؛ صهر مظفّر الدّين، يحثّانه على المجيء ليعطياه البلد. فلمّا وصل عسكر الخليفة، عصيا وتمرّدا. فشرعوا في محاصرتهم، وتفاقم الشّرّ، ثمّ زحف العسكر على البلد، وحمي القتال، ثمّ ظهروا على إربل، وألقوا النّار في أبوابها، ودخلوها، ونهب الأوباش بعض الدّور، وسلّمت القلعة، ورتّب بها نواب للخليفة، وضربت البشائر ببغداد. وأمّر على إربل شمس الدّين باتكين أمير البصرة؛ فسار إليها ورتّب بها عارض الجيش تاج الدّين محمد بن صلايا العلويّ. وفيها جاء من جهة الكامل عسكرٌ استولوا على مكّة، وهرب راجح بن قتادة. وفيها فراغ دار الحديث الأشرفيّة، وفتحت ليلة نصف شعبان، وقرئ بها البخاريّ على ابن الزّبيديّ، وسمعه خلائق. وكانت أوّلاً تعرف بدار قايماز النّجميّ مولى نجم الدّين أيّوب.

стр. 13221

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الوفيات) سنة إحدى وعشرين وستمائة ذكر من توفي فيها ١ - أحمد بن عليّ بن أحمد، أبو العباس البردانيّ (١) الضرير (٢). قدم بغداد، وحفظ القرآن، وقرأ بالروايات، ورحل، فقرأ بالعشرة على ابن الباقلاّني، وبرع في التّجويد، وحفظ الحروف. وكان يقرأ في التراويح بالشّواذّ رغبةً في الشّهرة. قال ابن النّجار: لم يكن في دينه بذاك؛ سمعت قراءته وكانت في غاية الحسن، لم أسمع قارئاً أشدّ صوتاً منه. أنشدني أحمد بن عليّ، قال: أنشدنا ابن المعلّم لنفسه بواسط: وَقَفتُ أشكو اشتياقي والسّحاب به … فانْهلّ دمعي وما انهلّت عَزَالِيه النّارُ من زفراتي لا بَوارِقِهِ … والماءُ من عَبَراتي لا عَوَادِيهِ يُوهي قُوَى جَلَدِي مَنْ لا أبوحُ بِهِ … ويَسْتَحِلُّ دمي مَنْ لا أُسَمِّيه لم أدْر حينَ بدا والكأسُ فِي يَدِهِ … مِن رِيقِهِ الخمرُ أمّ عَيْنَيهِ أمّ فيهِ فما المُدَامَة إلّا من ثَنِيَّتِهِ … ولا التَّظَلُّمُ إلّا مِن تَثَنَّيهِ حَكَتَ جواهِرَه أيامُه فَصَفَتْ … وحَدَّثَتْ عن لَيالِيه لآلِيه فيه مِنَ النَّاس ما في النّاسِ مِنْ حَسَن … وليس في الخَلْقِ مَعْنًى من مَعَانِيهِ ٢ - أحمد بن محمد بن عليّ، أبو العبّاس القادسيّ ثمّ البغداديّ الضّرير الحنبليّ المقرئ، والد المؤرخ الّذي ذيّل على المنتظم لابن الجوزيّ أبي عبد الله محمّد.

стр. 13222

ولد في حدود سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة، وقرأ القرآن على عبد الله بن أحمد الدّاهريّ. وسمع من يحيى بن ثابت، وأبي الحسين عبد الحقّ، وغيرهما. وهو من أهل القادسيّة: قرية بين سامرّاء وبغداد، لا قادسية الكوفة المشهورة، ومن أعمال جزيرة ابن عمر قرية القادسية، ومن نواحي إربل، أخرى. توفّي في شوّال، وكان صالحاً خيّراً (١). ٣ - أحمد بن محمد بن الحسين بن مفرّج بن حاتم بن الحسن بن جعفر، القاضي أبو المعالي المقدسيّ ثمّ الإسكندرانيّ، المنعوت بالصّفيّ ابن الواعظ، هو ابن عمّ الحافظ عليّ بن المفضّل. سمع من السّلفيّ، وعبد الواحد بن عسكر، ومحمد بن عليّ ابن العريف. روى عنه الزّكيّ المنذريّ، وقال (٢): توفّي في المحرّم. ٤ - أحمد بن مطيع بن أحمد بن مطيع، أبو العبّاس الباجسرائيّ. صحب الشيخ عبد القادر، وقرأ عليه كتاب الغنية تصنيفه. وحدّث. وكان مقيماً بقرية باجسرا من نواحي بغداد، وبها مات في المحرّم (٣). روى لنا عنه بالإجازة الشّهاب الأبرقوهيّ، وبالسّماع أبو الفضل محمّد بن محمد ابن الدّبّاب. ٥ - أحمد بن يوسف ابن الشيخ أبي الحسن محمّد بن أحمد بن صرما، أبو العبّاس بن أبي الفتح البغداديّ الأزجيّ المشتري. ولد ظنّاً في سنة ستّ وثلاثين. وسمع الكثير من أبي الفضل الأرموي، وابن الطّلاّية، وابن ناصر، وعبد الخالق اليوسفيّ، وسعيد ابن البنّاء، وأبي الوقت، وغيرهم. وقد تقدّم أخوه محمد.

стр. 13223

روى عنه الدّبيثيّ (١)، والضّياء، والفقيه أبو الحرم مكيّ بن بشر، وشهدة، وزينب، ومحمد أولاد القاضي أبي صالح الجيليّ، والكمال عبد الرحمن الفويره، والجمال محمد ابن الدّبّاب؛ البغاددة، والشهاب الأبرقوهيّ. ونقلت من خطّ أبي العلاء الفرضيّ؛ أنّه سمع من الأرمويّ كتاب المصاحف لابن أبي داود، والمهروانيّات الخمسة، وصفة المنافق، وجزء أبي بكر الصّيدلانيّ، والتّاسع من فضائل الصحابة للدّارقطنيّ، والأوّل من صحيح الدّارقطنيّ (٢)، والثالث من البرّ والصّلة لابن المبارك، وجزء ابن شاهين، والثالث من الحربيات وأنّ ذلك كلّه سمعه من ابن صرما الجمال ابن الدّبّاب. أخبرنا أحمد بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن أبي الفتح، والفتح بن عبد الله، قالا: أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا ابن النّقور، قال: أخبرنا عليّ بن عمر الحربيّ، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن الصوفيّ، قال: حدّثنا يحيى بن معين في شعبان سنة سبعٍ وعشرين ومائتين، قال: حدّثنا سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيّوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «الميّت يبعث في ثيابه الّتي قبض فيها». هذا حديث صحيح غريب رواه أبو داود (٣)، عن الحسن بن عليّ، عن سعيد بن أبي مريم. توفّي ابن صرما في سادس عشر شعبان. ٦ - إبراهيم بن عيسى بن أصبغ، الإمام أبو إسحاق الأزديّ القرطبيّ، المعروف بابن المناصف. شيخ العربية، وأوحد زمانه بإفريقية. وكان جدّه أبو القاسم أصبغ من كبار المالكية بقرطبة.

стр. 13224

لأبي إسحاق تصانيف تشهد بالبراعة. قال ابن مسدي: أملى علينا بدانية على قول سيبويه: هذا باب ما الكلم من العربية، نحو عشرين كرّاساً، بسط القول فيها في مائة وثلاثين وجهاً. مات على قضاء سجلماسة بعد سنة عشرين وستمائة. ٧ - إبراهيم بن مجاهد بن محمد، أبو إسحاق اللّخميّ الأندلسيّ، المعروف بابن صاحب الصّلاة، من أهل حصن ألماشة عمل شاطبة. روى عن أبي الحسن بن هذيل، وغيره، وأقرأ القرآن، وحدّث. كان حيّاً في رمضان هذه السّنة (١). ٨ - أمة الرحيم بنت عفيف بن المبارك بن حسين، سيّدة العلماء البغداديّة الأزجيّة. كان أبوها حنبلياً، ناسخاً، فسمّعها من أبي الوقت السّجزيّ. وكانت صالحة خيّرة، روت المائة الشّريحيّة. وأجازت للكمال الفويره. وماتت في شوّال. روى عنها ابن النّجّار (٢). ٩ - الحسن بن عريب بن عمران، الحرشي، من أمراء العرب بالعراق. كان شاعراً، سمحاً، جواداً، كريماً، ربما وهب المائة من الإبل. ومن شعره، وأجاد (٣): صحا قلبه لا من ملام المؤنّب … ولا من سلوّ عن سليمى وزينب سوى زاجرات الحلم إذ وضحت له … حواشي صبحٍ في دياجر (٤) غيهب وطار غراب الجهل عن روض رأسه (٥) … وكّلت قلوص الرّاكب المتحوّب (٦)

стр. 13225

وقضّيت أوطار الشّبيبة والصّبا … سوى رشفةٍ من بارد الظّلم أشنب ١٠ - الحسن بن محمود، العدل نبيه الدّين أبو عليّ القرشيّ المصريّ الشافعيّ الشّروطيّ الكاتب. من كبار العدول، ولي العقود، والفروض، والحسبة بالقاهرة مدّةً، وولي الوكالة السّلطانية بالقاهرة ومصر، وسمع من يوسف بن الطّفيل (١). ١١ - الحسن بن محمود بن علون البعقوبيّ المعدّل. حدّث عن أبي المعالي محمد ابن اللّحّاس، ومات في رجب ببعقوبا. أخذ عنه اللّطيف بن بورنداز (٢). ١٢ - حلل بنت الشيخ أبي المكارم محمود بن محمد بن محمد بن السّكن البغداديّة، وتدعى ستّ الملوك. روت بالإجازة عن أبي الوقت (٣). ١٣ - خديجة بنت عليّ بن الحسن بن أبي الأسود ابن البلّ. روت أيضاً بالإجازة عن أبي الوقت. وماتت في رجب، بعد حلل بشهرٍ (٤). ١٤ - داود بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان بن عمر بن خلف بن عبد الله بن عبد الرؤوف بن حوط الله، المحدّث أبو سليمان الأنصاريّ الحارثيّ الأندي، وأندة: من عمل بلنسية. سكن مالقة، وأخذ عن أبيه، وأخيه أبي محمد عبد الله الحافظ، ورحل في نواحي الأندلس، فسمع ببلنسية من أبي عبد الله بن نوح، وأبي بكر بن مغاور بشاطبة، ومن أبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن حميد بمرسية، ومن أبي القاسم بن بشكوال بقرطبة وأكثر عنه، ومن أبي عبد الله بن زرقون بإشبيلية، ومن أبي عبد الله ابن الفخّار بمالقة، ومن عبد الحقّ بن بونه بالمنكّب، ومن أبي عبد الله بن عروس بغرناطة، ومن أبي محمد بن عبيد الله بسبتة، ومن خلقٍ كثير.

стр. 13226

وأجاز له أبو الطّاهر بن عوف، وغيره من الإسكندرية. قال الأبّار (١): وشيوخه يزيدون على المائتين. وكانت الرواية أغلب عليه من الدّراية. وكان هو، وأخوه أوسع أهل الأندلس روايةً في وقتهما، مع الجلالة والعدالة. وكان أبو سليمان ورعاً، منقبضاً، ولي قضاء الجزيرة الخضراء، ثمّ قضاء بلنسية، وبها لقيته. وتوفّي على قضاء مالقة في سادس ربيع الآخر، وله تسعٌ وستّون سنة. وأخذ عنه ابن مسدي وقال: لم أر أكثر باكياً من جنازته، وحمل نعشه على الأكفّ. ١٥ - رقيّة بنت الزّاهد أحمد بن محمّد بن قدامة، أخت الشيخ الموفّق، أمّ الحافظ الضّياء والمفتي شمس الدّين أحمد المعروف بالبخاريّ. روت بالإجازة عن أبي الفتح ابن البطّي، وأحمد بن المقرّب، وشهدة. روى عنها ابنها الضّياء، وحفيدها الفخر عليّ، وابن أخيها شمس الدّين عبد الرحمن بن أبي عمر. قال الضّياء (٢): كانت امرأةً صالحةً، تنكر المنكر، يخافها الرجال والنّساء، وتفصل بين النّاس في القضايا. وكانت تاريخاً للمقادسة في المواليد والوفيات. وتوفّيت في شعبان، وولدت في حدود سنة ستٍّ وثلاثين (٣). ١٦ - زيد بن أبي المعمّر يحيى بن أحمد بن عبيد الله، أبو بكر الأزجيّ البيّع (٤). ولد في حدود سنة سبعٍ وأربعين. وسمع من أبي الوقت، وأبي بكر ابن الزاغونيّ، وهبة الله ابن الشّبليّ، وأحمد بن قفرجل، وابن البطّي.

стр. 13227

وعمّر، وتفرّد بأشياء؛ روى عنه الدّبيثيّ (١)، والبرزاليّ، والضّياء، والشهاب الأبرقوهيّ، وآخرون. وقرأت مولده بخطّ الضّياء في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وقيل: إنّه سمّع لنفسه فيما لم يسمعه. وقرأت بخطّ ابن نقطة قال (٢): سمع من أبي الوقت صحيح البخاريّ، ومسند الدّارميّ، ومنتخب عبد (٣). وسمع من أبي القاسم بن قفرجل، وأبي القاسم ابن الشّبليّ، وسماعه صحيح من كثير ممّن ذكرنا، وغيرهم. وألحق اسمه في نسخة محمد ابن السّريّ التّمّار، في طبقة، عن ابن الزاغونيّ، وفي جزء لوين على فورجة، وما أعلم أنّه حدّث بشيءٍ من ذلك الملحق البتّة، ولا قرأه عليه أحدٌ. وتوفّي في نصف رمضان، وهو أخو أحمد (٤)، وعبد المنعم (٥)، ووالدهم يروي عن ابن الحصين. وعمّهم يونس: هو والد الوزير جلال الدّين بن يونس. أخبرنا أبو المعالي الهمذانيّ، قال: أخبرنا زيد بن يحيى، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الباقي، قال: أخبرنا عاصم، قال: أخبرنا أبو عمر بن مهديّ، فذكر أحاديث. ١٧ - سعيد بن أبي طاهر هاشم بن هاشم، الإمام أمين الدّين أبو البركات الحلبيّ الخطيب. سمع من محمد بن عليّ بن ياسر الحنّائيّ. روى عنه عبيد الله بن مريم، وشمس الدّين ابن خليل. توفّي في ربيع الأوّل. ١٨ - شهاب بن محمد، أبو الحسين الكلبي الأندلسي. أجاز له السّلفيّ. كان يقرئ، ويكتب المصاحف.

стр. 13228

وكان حيّاً في هذا العام (١). ١٩ - طالب بن أبي طاهر بن أبي الغنائم بن ميشا (٢) البغداديّ النّجّار. روى عن يحيى بن ثابت، ومات في ربيع الأوّل. ٢٠ - عبد الله بن حامد، أبو محمد المعافريّ. رئيس مرسية ومحتشمها. ذكره الأبّار، فقال (٣): سمع، وصحب الأدباء. وكان أحد رجالات الأندلس وجاهةً وجلالةً مع التّحقيق بالكتابة والنّظم، وإليه كانت رئاسة بلده. ٢١ - عبد الله بن الحسن بن عبد الله، أبو الفتوح ابن رئيس الرّؤساء في ديوان واسط (٤). وهو من بيت وزارة وحشمة. روى عن ابن البطّي، ويحيى بن ثابت. توفّي في جمادى الأولى، بواسط. ٢٢ - عبد الله بن حمّاد بن ثعلب، أبو المحاسن البغداديّ الضّرير. روى عن شهدة، وعبد الحقّ اليوسفيّ. ومات في جمادى الآخرة (٥). ٢٣ - عبد الله بن عبد المحسن بن عبد الأحد، أبو محمد ابن الرّبيب الإسكندرانيّ المقرئ. سمع السّلفيّ، وعبد الواحد بن عسكر. روى عنه الحافظ عبد العظيم (٦)، وغيره. ومات في ربيع الآخر. وكان رجلاً صالحاً، خيّراً. ٢٤ - عبد الله بن المبارك بن سعد الله بن وهب البغداديّ الخبّاز. روى عن شهدة، وغير واحد، ومات في سلخ محرّم (٧).

стр. 13229

٢٥ - عبد الله بن أبي البركات بن هبة الله، أبو بكر البغداديّ، المعروف بابن السّمين. سمع من عليّ بن عساكر، وعبد الحقّ اليوسفيّ، ومات في رمضان (١). ٢٦ - عبد الخالق بن عليّ، أبو عليّ القطيعيّ، ويعرف بابن البازبازيّ. عمّر تسعين سنة. وروى بالإجازة عن أبي بكر ابن الزاغونيّ، وسعيد ابن البنّاء، وجماعة (٢). ٢٧ - عبد الرحمن بن أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون، القاضي نجم الدّين التّميميّ، ابن شيخ الشام شرف الدّين. مات بحماة في ثامن عشر رمضان. ٢٨ - عبد الرحمن بن محمد بن عبد السّميع بن أبي تمام عبد الله بن عبد السّميع، الإمام أبو طالب القرشيّ الهاشميّ الواسطيّ المقرئ المعدّل. ولد سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة. وقرأ القرآن على أبي السّعادات أحمد بن عليّ بن خليفة، وأبي حميد عبد العزيز بن عليّ السّماتيّ، قدم عليهم، وسمع من جدّه، ومن محمّد بن محمد بن أبي زنبقة، وأبي يعلى حيدرة الرّشيديّ، وخلقٍ بواسط. وسمع ببغداد من أبي المظفّر هبة الله ابن الشّبليّ، وسعد الله بن حمدي، وابن البطّي، وابن تاج القرّاء، والشيخ عبد القادر، وأبي بكر بن المقرّب، وطائفة. وكتب الكثير لنفسه، ولغيره، وصنّف أشياء حسنةً. وروى الكثير بواسط. وكان من أكابر أهل بلده وعلمائهم، ومن بيت العلم والدّين. وكان ثقةً، حسن النقل. روى عنه الدّبيثيّ (٣)، وأبو الطاهر ابن الأنماطيّ، وجماعةٌ. وروى عنه بالإجازة أبو المعالي الأبرقوهيّ. ومات في سادس المحرّم (٤).

стр. 13230

٢٩ - عبد الرشيد بن محمد بن عبد الرشيد بن ناصر بن عليّ، أبو محمد السّرخسيّ الرّجائيّ، ورجاء: من قرى سرخس. إمامٌ فاضلٌ، ديّن، واعظٌ، مذكّر، رزق القبول التّام بأصبهان. مولده في ذي القعدة سنة خمسين وخمسمائة. سافر به والده، وحجّ به، وأسمعه من هبة الله بن أحمد الشّبليّ، وهبة الله الدّقّاق، وابن البطّي، وبالكوفة من ابن ناقة. وسمع بأصبهان من محمود بن أبي القاسم، وأحمد بن التّرك، وطائفة. وحدّث ببغداد. ولمّا حجّ سنة سبعٍ وستمائة؛ روى عنه الحافظان الضّياء، وابن النّجّار. وقد أجاز لمن أدرك حياته؛ ذكر ذلك أبو رشيد الغزّال في كتابه الجمع المبارك والنفع المشارك. مولده بأصبهان، وبها مات في ذي القعدة من سنة إحدى. وذكر الشيخ (١) أيضاً موته في سنة اثنتين، عندما بلغه (٢). ٣٠ - عبد العزيز بن عليّ، أبو الأصبغ اللّخميّ الإشبيليّ الظّاهريّ، ويعرف بابن صاحب الرّدّ. كان ممّن برع في فقه الظّاهريّة. ذكره ابن مسدي، فقال: كان ذاكراً لـ صحيح مسلم، متظاهراً بمذهب أهل الظّاهر، رافعاً راية تلك المظاهر، مع الثقة، والأصالة. سمع ابن الجدّ، وأبا عبد الله بن زرقون. سمعت منه. ومات في عاشر شعبان عن ثمانٍ وخمسين سنة (٣). ٣١ - عبد الغنيّ بن أبي القاسم عبد العزيز بن أبي البقاء هبة الله بن القاسم بن منصور بن البندار، أبو الفتح البغداديّ الحريميّ العدل. ولد سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت السّجزيّ، وأبي جعفر محمّد بن محمد الطّائي، وابن اللّحّاس. وهو من بيت الحديث؛ روى عنه الدّبيثيّ (٤)، والبرزاليّ، والجمال

стр. 13231

محمد بن أبي الفرج ابن الدّبّاب، وغيرهم. ومات في صفر. ٣٢ - عبد القويّ ابن القاضي الجليس أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، القاضي الأسعد أبو البركات ابن الجبّاب التّميميّ السّعديّ الأغلبيّ المصريّ المالكيّ المعدّل. ولد سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. وسمع من الشريف أبي الفتوح الخطيب، وأبي محمد بن رفاعة، وابن العرقيّ، وأبي طاهر السّلفيّ، وأبي البقاء عمر ابن المقدسيّ. روى عنه عمر ابن الحاجب، وأبو الطّاهر ابن الأنماطيّ، والزّكيّ المنذريّ (١)، والفخر عليّ ابن البخاريّ، وشرف القضاة محمد بن أحمد بن محمد ابن الجّباب، والنّجيب محمد بن أحمد بن محمد الهمذانيّ، والشهاب أحمد بن إسحاق الأبرقوهيّ، وأحمد بن عبد الكريم الأغلاقيّ، وطائفةٌ سواهم. ذكره ابن الحاجب في معجمه فقال: من بيت السّؤدد، والكرم، والفضل، والتّقدّم، ذو كياسة ورئاسة، وله من الوقار والهيبة ما لم يعرف لغيره. وكان ذا حلم، وأناة، وصمت، ولي من أمور المملكة ولايات أبان فيها عن أمانة ونزاهة، كثير اللّطف بالقريب والغريب، وأصلهم من القيروان. وتفرّد بالسيرة عن ابن رفاعة. قال: وقد كنت سمعت بدمشق من بعض الطّلبة: أنّ في سماع شيخنا هذا كلاماً، فلمّا قدمت مصر، بحثت عن سماعه، فوجدت أصل سماعه بالسيرة بيد القاضي فخر القضاة ابن أخيه في عشر مجلدات، وقد سمعها على ابن رفاعة، وكملت في المحرّم سنة ستٍّ وخمسين بقراءة يحيى بن عليّ القيسيّ، وتحت الطّبقة الأمر على ما ذكر ووصف، وكتب عبد الله بن رفاعة. وأوقفت بعض أصحابنا الطّلبة على هذه النسخة، ونقلها إليّ صاحبنا الرفيع إسحاق ابن المؤيّد الهمذانيّ، والنسخة موجودةٌ الآن، وإنّما رأيتهم يقولون: ما وجد سماعه للغريبين إلاّ في بعض الأجزاء، وأنّه قال: جميع الكتاب

стр. 13232

سماعي، فكان الكلام في هذا دون غيره. وكان شيخنا هذا ثقةً ثبتاً، عارفاً بما سمع، لا ينسب في ذلك إلى غرض. قال: ورأيت خطّ تقيّ الدّين الأنماطيّ، وهو يثني على شيخنا هذا ثناءً جميلاً، ويذكر من جملة مسموعاته السيرة على ابن رفاعة. وكان قد صارت السيرة على ذكر الشيخ بمنزلة الفاتحة يسابق القارئ إلى قراءتها، وكان قيّماً بها وبمشكلها. وهو أنبل شيخٍ وجدته بالدّيار المصرية، روايةً ودرايةً. وكان لا يقرأ عليه القارئ إلاّ وأصله بيده، ولا يدع القارئ يدغم. وكان أبوه جليساً لخليفة مصر. قال: وحضرته يوماً وقد أهدى له بعض السّامعين هديّةً، فردّها وأثابه عليها، وقال: ما ذا وقت هديةٍ، ذا وقت سماع. وكان طويل الروح على السّماع مع مرضٍ كان يجده. كنّا نسمع عليه من الصّبح إلى العصر، إلى أن قرأنا عليه السيرة وعدّة أجزاء في أيام. ثمّ قال: أخبرنا الإمام الأوحد الأسعد صفيّ الملك أبو البركات، أحسن الله إليه، وما رأيت في رحلتي شيخاً ابن خمس وثمانين سنة أحسن هدياً وسمتاً واستقامةً منه، ولا أحسن كلاماً، ولا أظرف إيراداً منه، ﵀، فلقد كان جمالاً للدّيار المصرية، في صفر سنة إحدى وعشرين، قال: أخبرنا ابن رفاعة. وقال ابن الحاجب أيضاً: قال لي ابن نقطة: أبو البركات عبد القويّ ابن الجبّاب، حدّثنا عن السّلفيّ، وسمعت الحافظ عبد العظيم يتكلّم في سماعه للسيرة ويقول: إنّه بقراءة يحيى بن عليّ، إمام مسجد العيثم، وكان كذّاباّ. ثمّ قدمت دمشق فذكرت ذلك لأبي الطّاهر ابن الأنماطيّ، فرأيته يثبّت سماعه ويصحّحه. قلت: قرأت السيرة بكاملها في ستّة أيام على الشهاب الأبرقوهيّ، بسماعه لجميعها من أبي البركات في صفر سنة إحدى وعشرين. ومات في سلخ شوّال من السنة. وقد روى كتاب العنوان عن الشريف الخطيب، حدّث به عنه سنة نيّفٍ وثمانين الشيخ أبو (١).

стр. 13233

٣٣ - عبد الكريم بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن الفرج، الرئيس الأثير القاضي أبو القاسم اللّخميّ البيسانيّ ثمّ العسقلانيّ المولد المصريّ الدّار الشافعيّ، أخو القاضي الفاضل. ولد سنة سبعٍ وثلاثين وخمسمائة، وسمع بالإسكندرية من السّلفيّ، وأبي محمد العثماني، وأخيه أبي الطّاهر إسماعيل بن عبد الرحمن العثمانيّ. روى عنه الحافظ المنذريّ، وغير واحد من المصريّين. وكان كثير الرغبة في تحصيل الكتب، مبالغاً في ذلك إلى الغاية، وملك منها جملةً عظيمة، بحيث لم يبلغنا أن أحداً من الرؤساء جمع منها ما جمع هو، اللهمّ إلاّ أن يكون ملكاً أو وزيراً. وقال الموفّق عبد اللّطيف: كان له هوسٌ مفرطٌ في تحصيل الكتب، وكان عنده زهاء مائتي ألف كتاب، من كلّ كتاب نسخ. وقال المنذريّ (١): توفّي في ثالث عشر المحرّم. ٣٤ - عبد اللّطيف بن معمّر بن عسكر بن القاسم بن محمد، أبو محمد الأزجيّ المؤدّب المخرّميّ. ولد في المحرّم سنة ثلاثٍ وأربعين وخمسمائة. وسمع من أبي الوقت، ومن أبيه، وأحمد بن المقرّب، وغيرهم. قال الدّبيثيّ (٢)، وقد روى عنه في تاريخه: كان صاحب لهوٍ وخلاعةٍ. وذكره أيضاً في الشيوخ الذين أجازوا له (٣). وأخبرنا عنه الشّهاب الأبرقوهيّ، وتوفّي في ذي القعدة. ٣٥ - عبد المحسن بن نصر الله بن كثير، الفقيه زين الدّين ابن البيّاع، الشّاميّ الأصل المصريّ الشافعيّ. تفقّه على أبي القاسم عبد الرحمن بن سلامة. وكان طلق العبارة، جيّد

стр. 13234

القريحة، من أعيان الشافعية. خطب بقلعة الجبل، وناب في الحكم بأعمال مصر، وتقلّب في الخدم الدّيوانيّة (١). ٣٦ - عبد الواحد بن عبد العزيز بن علوان، أبو محمد الحربيّ السّقلاطونيّ. سمع من هبة الله ابن الشّبليّ، وأبي الفتح بن البطّي، وأحمد بن عبد الله اليوسفيّ، وعبد الرحمن بن زيد الورّاق. روى عن ابن البطّي، جميع حلية الأولياء بسماعه من حمدٍ، عنه. ومات في ذي الحجّة (٢). روى لنا عنه بالإجازة الأبرقوهيّ. ٣٧ - عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، السلطان أبو محمد القيسيّ، صاحب المغرب. ولي الأمر في ذي القعدة سنة عشرين بعد أبيه يوسف بن محمد. وكان كبير السنّ، عاقلاً، لكن لم يدار (٣) الدّولة ولا أحسن التّدبير، فخلعوه وخنقوه في حدود شعبان. وكانت ولايته تسعة أشهر. ولمّا بويع كان بالأندلس ابن أخيه عبد الله بن يعقوب، فامتنع، ورأى أنه أحقّ بالأمر واستولى على الأندلس بلا كلفة، وتلقّب بالعادل. فلمّا خنق أبو محمد، ثارت الفرنج بالأندلس، فالتقاهم العادل، فانهزم جيشه، وطلب هو مرّاكش، وترك بإشبيلية أخاه إدريس، فأتى مرّاكش في أسوأ حالٍ، فقبضوا عليه، ثمّ بايعوا أبا زكريا يحيى بن محمّد بن يعقوب بن يوسف، أخا يوسف، وهو لمّا بقل وجهه، فلم يلبث أن جاءت الأخبار بأن إدريس ادّعى الخلافة بإشبيليّة، وبايعوه، ثمّ آل أمر يحيى إلى أن حصره العرب بمرّاكش حتّى ضجر أهل مراكش منه، وأخرجوه، فهرب إلى جبل درن، ثمّ تعصّب له طائفة، وعاد، وقتل من بمرّاكش من أعوان إدريس، وهرب إدريس من الأندلس، وقد توثّب عليه بها الأمير محمد بن يوسف بن هود الجذاميّ، ودعى إلى بني العباس، فمال إليه النّاس، وخرجوا

стр. 13235

على إدريس، فانتهى إلى مراكش بجيشه، فواقع يحيى، فانهزم يحيى إلى الجبل. ٣٨ - عبد الوهّاب بن أبي المظفّر بن عبد الوهّاب ابن السّبّاك. توفّي ببغداد في ذي الحجّة. عنده جزء البانياسيّ، عن ابن البطّي. روى عنه ابن النّجّار (١). ٣٩ - عزّ النّساء بنت أحمد بن أحمد بن كرم البندنيجيّ، أخت تميم (٢). سمعت من وجيه ابن السّقطيّ، وأبي الحسين عبد الحقّ، وتوفّيت في ذي الحجّة (٣). ٤٠ - عليّ بن عبد الله بن سلمان بن حسين، قاضي الحلّة أبو الحسن الحنفيّ. قدم بغداد، وعظم شأنه، حتّى ولي قضاء القضاة في سنة ثمانٍ وتسعين. وكان قليل الفقه، فعزل بعد عامين لجهله وإرشائه، فرسم عليه، ونزح إلى بلده. توفّي في ذي الحجّة، وقد جاوز الثّمانين (٤). ٤١ - عليّ بن عبد الرشيد بن عليّ بن بنيمان بن مكّيّ، القاضي أبو الحسن الهمذانيّ الحدّاد المقرئ. ولد سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة، وقرأ القرآن ببعض الروايات على جدّه الحافظ أبي العلاء العطّار، وسمع منه ومن أبي الخير محمّد بن أحمد الباغبان. وحضر على أبي الوقت في الرابعة، وقدم بغداد، فتفقّه بها مدّة على أبي الخير القزوينيّ، واستملى عليه بالنّظاميّة. وخرج إلى الشام ومصر، ثمّ عاد
следующие страницы →