محمد بن أبي الفرج ابن الدّبّاب، وغيرهم.
ومات في صفر.
٣٢ - عبد القويّ ابن القاضي الجليس أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الحسين، القاضي الأسعد أبو البركات ابن الجبّاب التّميميّ السّعديّ الأغلبيّ المصريّ المالكيّ المعدّل.
ولد سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. وسمع من الشريف أبي الفتوح الخطيب، وأبي محمد بن رفاعة، وابن العرقيّ، وأبي طاهر السّلفيّ، وأبي البقاء عمر ابن المقدسيّ.
روى عنه عمر ابن الحاجب، وأبو الطّاهر ابن الأنماطيّ، والزّكيّ المنذريّ (١)، والفخر عليّ ابن البخاريّ، وشرف القضاة محمد بن أحمد بن محمد ابن الجّباب، والنّجيب محمد بن أحمد بن محمد الهمذانيّ، والشهاب أحمد بن إسحاق الأبرقوهيّ، وأحمد بن عبد الكريم الأغلاقيّ، وطائفةٌ سواهم.
ذكره ابن الحاجب في معجمه فقال: من بيت السّؤدد، والكرم، والفضل، والتّقدّم، ذو كياسة ورئاسة، وله من الوقار والهيبة ما لم يعرف لغيره. وكان ذا حلم، وأناة، وصمت، ولي من أمور المملكة ولايات أبان فيها عن أمانة ونزاهة، كثير اللّطف بالقريب والغريب، وأصلهم من القيروان. وتفرّد بالسيرة عن ابن رفاعة.
قال: وقد كنت سمعت بدمشق من بعض الطّلبة: أنّ في سماع شيخنا هذا كلاماً، فلمّا قدمت مصر، بحثت عن سماعه، فوجدت أصل سماعه بالسيرة بيد القاضي فخر القضاة ابن أخيه في عشر مجلدات، وقد سمعها على ابن رفاعة، وكملت في المحرّم سنة ستٍّ وخمسين بقراءة يحيى بن عليّ القيسيّ، وتحت الطّبقة الأمر على ما ذكر ووصف، وكتب عبد الله بن رفاعة. وأوقفت بعض أصحابنا الطّلبة على هذه النسخة، ونقلها إليّ صاحبنا الرفيع إسحاق ابن المؤيّد الهمذانيّ، والنسخة موجودةٌ الآن، وإنّما رأيتهم يقولون: ما وجد سماعه للغريبين إلاّ في بعض الأجزاء، وأنّه قال: جميع الكتاب
стр. 13232
سماعي، فكان الكلام في هذا دون غيره. وكان شيخنا هذا ثقةً ثبتاً، عارفاً بما سمع، لا ينسب في ذلك إلى غرض.
قال: ورأيت خطّ تقيّ الدّين الأنماطيّ، وهو يثني على شيخنا هذا ثناءً جميلاً، ويذكر من جملة مسموعاته السيرة على ابن رفاعة. وكان قد صارت السيرة على ذكر الشيخ بمنزلة الفاتحة يسابق القارئ إلى قراءتها، وكان قيّماً بها وبمشكلها. وهو أنبل شيخٍ وجدته بالدّيار المصرية، روايةً ودرايةً. وكان لا يقرأ عليه القارئ إلاّ وأصله بيده، ولا يدع القارئ يدغم. وكان أبوه جليساً لخليفة مصر.
قال: وحضرته يوماً وقد أهدى له بعض السّامعين هديّةً، فردّها وأثابه عليها، وقال: ما ذا وقت هديةٍ، ذا وقت سماع. وكان طويل الروح على السّماع مع مرضٍ كان يجده. كنّا نسمع عليه من الصّبح إلى العصر، إلى أن قرأنا عليه السيرة وعدّة أجزاء في أيام.
ثمّ قال: أخبرنا الإمام الأوحد الأسعد صفيّ الملك أبو البركات، أحسن الله إليه، وما رأيت في رحلتي شيخاً ابن خمس وثمانين سنة أحسن هدياً وسمتاً واستقامةً منه، ولا أحسن كلاماً، ولا أظرف إيراداً منه، ﵀، فلقد كان جمالاً للدّيار المصرية، في صفر سنة إحدى وعشرين، قال: أخبرنا ابن رفاعة.
وقال ابن الحاجب أيضاً: قال لي ابن نقطة: أبو البركات عبد القويّ ابن الجبّاب، حدّثنا عن السّلفيّ، وسمعت الحافظ عبد العظيم يتكلّم في سماعه للسيرة ويقول: إنّه بقراءة يحيى بن عليّ، إمام مسجد العيثم، وكان كذّاباّ. ثمّ قدمت دمشق فذكرت ذلك لأبي الطّاهر ابن الأنماطيّ، فرأيته يثبّت سماعه ويصحّحه.
قلت: قرأت السيرة بكاملها في ستّة أيام على الشهاب الأبرقوهيّ، بسماعه لجميعها من أبي البركات في صفر سنة إحدى وعشرين. ومات في سلخ شوّال من السنة. وقد روى كتاب العنوان عن الشريف الخطيب، حدّث به عنه سنة نيّفٍ وثمانين الشيخ أبو (١).
стр. 13233
٣٣ - عبد الكريم بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن أحمد بن الفرج، الرئيس الأثير القاضي أبو القاسم اللّخميّ البيسانيّ ثمّ العسقلانيّ المولد المصريّ الدّار الشافعيّ، أخو القاضي الفاضل.
ولد سنة سبعٍ وثلاثين وخمسمائة، وسمع بالإسكندرية من السّلفيّ، وأبي محمد العثماني، وأخيه أبي الطّاهر إسماعيل بن عبد الرحمن العثمانيّ.
روى عنه الحافظ المنذريّ، وغير واحد من المصريّين.
وكان كثير الرغبة في تحصيل الكتب، مبالغاً في ذلك إلى الغاية، وملك منها جملةً عظيمة، بحيث لم يبلغنا أن أحداً من الرؤساء جمع منها ما جمع هو، اللهمّ إلاّ أن يكون ملكاً أو وزيراً.
وقال الموفّق عبد اللّطيف: كان له هوسٌ مفرطٌ في تحصيل الكتب، وكان عنده زهاء مائتي ألف كتاب، من كلّ كتاب نسخ.
وقال المنذريّ (١): توفّي في ثالث عشر المحرّم.
٣٤ - عبد اللّطيف بن معمّر بن عسكر بن القاسم بن محمد، أبو محمد الأزجيّ المؤدّب المخرّميّ.
ولد في المحرّم سنة ثلاثٍ وأربعين وخمسمائة. وسمع من أبي الوقت، ومن أبيه، وأحمد بن المقرّب، وغيرهم.
قال الدّبيثيّ (٢)، وقد روى عنه في تاريخه: كان صاحب لهوٍ وخلاعةٍ. وذكره أيضاً في الشيوخ الذين أجازوا له (٣).
وأخبرنا عنه الشّهاب الأبرقوهيّ، وتوفّي في ذي القعدة.
٣٥ - عبد المحسن بن نصر الله بن كثير، الفقيه زين الدّين ابن البيّاع، الشّاميّ الأصل المصريّ الشافعيّ.
تفقّه على أبي القاسم عبد الرحمن بن سلامة. وكان طلق العبارة، جيّد
стр. 13234
القريحة، من أعيان الشافعية. خطب بقلعة الجبل، وناب في الحكم بأعمال مصر، وتقلّب في الخدم الدّيوانيّة (١).
٣٦ - عبد الواحد بن عبد العزيز بن علوان، أبو محمد الحربيّ السّقلاطونيّ.
سمع من هبة الله ابن الشّبليّ، وأبي الفتح بن البطّي، وأحمد بن عبد الله اليوسفيّ، وعبد الرحمن بن زيد الورّاق.
روى عن ابن البطّي، جميع حلية الأولياء بسماعه من حمدٍ، عنه. ومات في ذي الحجّة (٢). روى لنا عنه بالإجازة الأبرقوهيّ.
٣٧ - عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، السلطان أبو محمد القيسيّ، صاحب المغرب.
ولي الأمر في ذي القعدة سنة عشرين بعد أبيه يوسف بن محمد. وكان كبير السنّ، عاقلاً، لكن لم يدار (٣) الدّولة ولا أحسن التّدبير، فخلعوه وخنقوه في حدود شعبان. وكانت ولايته تسعة أشهر. ولمّا بويع كان بالأندلس ابن أخيه عبد الله بن يعقوب، فامتنع، ورأى أنه أحقّ بالأمر واستولى على الأندلس بلا كلفة، وتلقّب بالعادل. فلمّا خنق أبو محمد، ثارت الفرنج بالأندلس، فالتقاهم العادل، فانهزم جيشه، وطلب هو مرّاكش، وترك بإشبيلية أخاه إدريس، فأتى مرّاكش في أسوأ حالٍ، فقبضوا عليه، ثمّ بايعوا أبا زكريا يحيى بن محمّد بن يعقوب بن يوسف، أخا يوسف، وهو لمّا بقل وجهه، فلم يلبث أن جاءت الأخبار بأن إدريس ادّعى الخلافة بإشبيليّة، وبايعوه، ثمّ آل أمر يحيى إلى أن حصره العرب بمرّاكش حتّى ضجر أهل مراكش منه، وأخرجوه، فهرب إلى جبل درن، ثمّ تعصّب له طائفة، وعاد، وقتل من بمرّاكش من أعوان إدريس، وهرب إدريس من الأندلس، وقد توثّب عليه بها الأمير محمد بن يوسف بن هود الجذاميّ، ودعى إلى بني العباس، فمال إليه النّاس، وخرجوا
стр. 13235
على إدريس، فانتهى إلى مراكش بجيشه، فواقع يحيى، فانهزم يحيى إلى الجبل.
٣٨ - عبد الوهّاب بن أبي المظفّر بن عبد الوهّاب ابن السّبّاك.
توفّي ببغداد في ذي الحجّة. عنده جزء البانياسيّ، عن ابن البطّي. روى عنه ابن النّجّار (١).
٣٩ - عزّ النّساء بنت أحمد بن أحمد بن كرم البندنيجيّ، أخت تميم (٢).
سمعت من وجيه ابن السّقطيّ، وأبي الحسين عبد الحقّ، وتوفّيت في ذي الحجّة (٣).
٤٠ - عليّ بن عبد الله بن سلمان بن حسين، قاضي الحلّة أبو الحسن الحنفيّ.
قدم بغداد، وعظم شأنه، حتّى ولي قضاء القضاة في سنة ثمانٍ وتسعين. وكان قليل الفقه، فعزل بعد عامين لجهله وإرشائه، فرسم عليه، ونزح إلى بلده.
توفّي في ذي الحجّة، وقد جاوز الثّمانين (٤).
٤١ - عليّ بن عبد الرشيد بن عليّ بن بنيمان بن مكّيّ، القاضي أبو الحسن الهمذانيّ الحدّاد المقرئ.
ولد سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة، وقرأ القرآن ببعض الروايات على جدّه الحافظ أبي العلاء العطّار، وسمع منه ومن أبي الخير محمّد بن أحمد الباغبان. وحضر على أبي الوقت في الرابعة، وقدم بغداد، فتفقّه بها مدّة على أبي الخير القزوينيّ، واستملى عليه بالنّظاميّة. وخرج إلى الشام ومصر، ثمّ عاد
стр. 13236
إلى همذان، فولي قضاءها، ثمّ قدم بغداد، وولي قضاء الجانب الغربيّ، ثمّ ولي قضاء تستر، واستوطنها.
وروى الكثير ببغداد، وسمع بها من أبي الفرج محمد بن أحمد بن يحيى بن نبهان، وابن شاتيل. روى عنه الدّبيثيّ، والنّجيب عبد اللّطيف، وجماعة (١).
وقد ذكر ابن أنجب مولده في سنة تسعٍ وأربعين.
توفّي بتستر في صفر، وكان يرتشي؛ قاله ابن النجّار (٢).
٤٢ - عليّ بن محمد ابن النّبيه، الأديب صاحب الدّيوان.
قيل: توفّي بها، وقد تقدّم في سنة تسع عشرة (٣). مات بنصيبين.
٤٣ - عليّ بن يوسف بن أبي الكرم، أبو القاسم البغداديّ الظّفريّ الحمّامي (٤)، ابن أخت أبي الكرم بن صبوخا (٥).
كان شيخاً فاضلاً، يرجع إلى تمييزٍ، ونباهةٍ، ومعرفةٍ، وجلالةٍ، وأخلاقٍ، جميلةٍ. وكان ثقة.
سمع من أبي الوقت، والوزير يحيى بن هبيرة، ويحيى بن ثابت، وأبي زرعة، وجماعة. روى عنه ابن النّجّار (٦)، والدّبيثيّ (٧)، والأبرقوهيّ، وجماعة.
ومولده في شوّال سنة ثمانٍ وأربعين، وتوفّي في السّادس والعشرين من رجب.
أخبرنا أبو المعالي الأبرقوهيّ، قال: أخبرنا عليّ بن يوسف ببغداد، ومحمد بن أبي القاسم الكسائيّ حضوراً بأبرقوه، قالا: أخبرنا أبو الوقت، قال: أخبرنا الدّاووديّ، قال: أخبرنا ابن حمّويه، قال: أخبرنا الفربريّ، قال:
стр. 13237
حدّثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدّثنا عمر بن حفص، قال: حدّثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدّثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبّيك ربّنا وسعديك، فينادي (١) بصوتٍ: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذرّيّتك بعثاً إلى النّار … الحديث (٢).
٤٤ - عليّ بن أبي سعد بن أحمد، أبو الحسن ابن تميرة، الحربيّ.
ولد تقريباً في سنة ثلاثٍ وخمسين. وسمع من هبة الله بن أحمد الشّبليّ. وحدّث.
وهو أخو عبد الرحمن (٣)، توفّي في رجب (٤).
٤٥ - عليّ الفرنثي (٥)، الرجلّ الصالح.
كبير القدر، صاحب كرامات، ورياضات، وسياحات، وله أصحابٌ مريدون. وله زاوية بسفح قاسيون.
حكى الشيخ الضّياء في سيرة الشيخ أبي عمر، قال: سمعت الشيخ محمد بن حسن العراقي، خادم الشيخ علي الفرنثي، قال: جئت بالشيخ علي إلى قبر الشيخ أبي عمر، فقال: صاحب هذا القبر حيٌّ في قبره.
وحكى الشيخ تقيّ الدين ابن الواسطي: أنّه حضر عند الشيخ علي في مكان على الشّرف الأعلى، فبينا هو قاعدٌ والناس حوله، إذ صفّق فخرج فقيرٌ، فإذا أناسٌ معهم نعاير (٦) لبن وغيرها، وكان إذا صفّق علموا أنّه قد جاء فتوح، أو ما هذا معناه.
стр. 13238
وذكر الشيخ محمد بن أبي الفضل، قال: شاهدت الشيخ عليّ الفرنثي، والحجر ينزل من المقطع، فيشير إليه: يا مبارك يمين، فينزل يميناً، ويقول: يا مبارك شمال، فينزل شمالاً.
توفّي الشيخ عليٌّ في شهر جمادى الآخرة بقاسيون، وبنوا على قبره قبّةً.
٤٦ - عمر بن محمد بن عمر بن بركة بن سلامة بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي الرّيان، أبو حفص بن أبي بكر الدّاراقزّي الكاغديّ.
ولد سنة خمسٍ وأربعين، وقال مرّة: سنة سبعٍ وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبي الوقت، وابن البطّي.
وكان شيخاً فهماً، حسن الأخلاق؛ روى عنه الدّبيثيّ (١)، وابن النّجار. وحدّثنا عنه الأبرقوهيّ.
ومات في ذي الحجّة.
٤٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو عبد الله الأنصاري الأندلسي، المعروف بابن اليتيم وبابن البلنسي وبالأندرشيّ، من أهل المريّة.
سمع أباه، ولازم أبا محمد بن عبيد الله. ورحل إلى بلنسية، فسمع من أبي الحسن بن هذيل، وابن النعمة، وبمرسية من أبي القاسم بن حبيش، وغيره، وبمالقة أبا إسحاق بن قرقول. وسمع بأشبونة - من عمل قرطبة - من أبي مروان بن قزمان؛ سمع منه بعض الموطأ، وسمع بقرطبة من ابن بشكوال، وبغرناطة من أبي خالد بن رفاعة. ولقي بفاس أبا الحسن بن حنين. وحجّ؛ فسمع ببجاية من الحافظ عبد الحق الإشبيلي، وسمع بالإسكندرية من أبي طاهر السّلفيّ، وأبي محمد العثمانيّ، وبالقاهرة من عثمان بن فرج، وببغداد من شهدة الكاتبة، وبالموصل من الخطيب أبي الفضل الطّوسيّ، وبدمشق من أبي القاسم بن عساكر الحافظ، وبمكّة من عمر الميانشيّ، وسمع من غيرهم ببلاد شتّى. وولي خطابة المريّة.
قال ابن مسدي: لم يكن سليماً من التّركيب حتّى كثرت سقطاته، وقد
стр. 13239
تتبّع عثراته أبو الربيع بن سالم، وقد سمعت منه كثيراً.
وقال أبو جعفر ابن الزبير: قد رأيت بخطّه إسناد صحيح البخاريّ، عن السّلفيّ، عن ابن البطر، عن ابن البيّع، عن المحامليّ عنه.
قلت: ما عند هؤلاء عن المحامليّ سوى حديثٍ واهٍ في الدّعاء له. وقد وثّقه جماعةٌ لفضله، وحملوا عنه، وليس بمتقن.
وقال الأبّار (١): كان مكثراً، رحّالةً. نسبه بعض شيوخنا إلى الاضطراب، ومع ذلك انتابه النّاس، ورحلوا إليه، وأخذ عنه أبو سليمان بن حوط الله، وأكابر أصحابنا. وأجاز لي. وولد سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة، وأوّل رحلته في سنة اثنتين وستّين وخمسمائة، وتوفّي في الثامن والعشرين من ربيع الأول على ظهر البحر قاصداً مالقة، ﵀.
وقال ابن الزّبير: سمع الموطأ من ابن حنين بفاس، عن ابن الطلاّع.
٤٨ - محمّد بن أحمد بن محمد بن خميس، أبو عبد الله المغربيّ الأصل ثمّ الموصليّ الحلبي.
ولد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وسمع من أبي الفضل خطيب الموصل. روى عنه مجد الدّين العديميّ.
وهو والد هدية بنت خميس.
٤٩ - محمد بن عبدان بن عبد الواحد، الطّبيب العلامة البارع المصنّف شمس الدّين ابن اللّبوديّ الدّمشقيّ.
قال فيه ابن أبي أصيبعة (٢): علاّمة وقته، وأفضل أهل زمانه في العلوم الحكميّة، وفي علم الطّبّ. سافر إلى العجم، واشتغل على النّجيب أسعد الهمذانيّ، وغيره. وكان له دلٌّ مفرطٌ، وحرصٌ بليغٌ. وكان له مجلس للإشغال. وخدم بحلب الملك الظّاهر، ثمّ بعد موته قدم إلى بلده، إلى أن توفّي في رابع ذي القعدة، وله إحدى وخمسون سنة.
٥٠ - محمد بن عبد الرشيد بن عليّ بن بنيمان، أبو أحمد الهمذانيّ المقرئ التّاجر، سبط أبي العلاء العطّار، وأمّه هي عاتكة.
стр. 13240
روى عن أبي الخير الباغبان، وعن جدّه.
وتوفّي في التّجارة بأقسرا من بلاد الروم في صفر، كما توفّي أخوه في صفر بتستر.
ويقال: إنّ أبا العلاء أحضر أبا الخير من أصبهان بالقصد الأوّل لأجل محمد، هذا، وقيل: بل توفّي بقونية.
وكان إماماً في القراءات والحديث (١).
٥١ - محمد ابن الفقيه أبي المنصور فتح بن محمد بن خلف السّعديّ، الفقيه زين الدّين، أبو عبد الله الدّمياطيّ الشافعيّ الكاتب.
سمّعه أبوه من السّلفيّ، وبدرٍ الخداداذيّ، وإسماعيل بن قاسم الزّيّات، وأبي المفاخر سعيد المأمونّيّ، وجماعة. وكتب على فخر الكتّاب، وفاق الأقران في حسن الخطّ حتّى فضّلوه على أستاذه. وكتب في ديوان الإنشاء مدّة. وترسّل عن الكامل. وحدّث بدمشق أيضاً.
وكان حسن الأخلاق، فيه دين وخيرٌ.
ولد في أواخر سنة ستّ وستين وخمسمائة، ومات في رابع صفر.
روى عنه الزّكيّ المنذريّ (٢)، وابن الأنماطيّ، والزّكيّ البرزاليّ.
٥٢ - محمد ابن الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعيد بن أحمد بن زرقون (٣)، العلاّمة أبو الحسين الأنصاريّ الإشبيليّ.
قال الأبّار (٤) سمع من أبيه، وأبي بكر بن الجدّ، وتفقّه بهما، وسمع من أبي جعفر بن مضاء. وأجاز له السّلفيّ، وغيره. وكان فقيهاً، حافظاً لمذهب مالك، إماماً مبرزاً، متعصّباً للمذهب؛ حتّى امتحن بالسّلطان من أجله، وحبس مدّة. ومن تصانيفه كتاب المعلّى في الرّدّ على المجلّى والمحلّى وله كتاب قطب الشريعة في الجمع بين الصّحيحين.
وكان أهل بلده يعيبون مقاصده فيها، ويغضّون من أسجاعه في
стр. 13241
أثنائها (١). ولم يكن له بصرٌ بالحديث، وسمع النّاس منه. وتوفّي في شوّال، ودفن بداخل إشبيلية، وله ثلاثٌ وثمانون سنةً. تفقّه به جماعة.
٥٣ - محمد بن محمد بن محمد، الفقيه أبو الفتوح السّمرقنديّ ثمّ البغداديّ الحنفيّ.
ولد سنة إحدى وأربعين، وسمع من أبي الفتح ابن البطّي، وغيره، ومات في ربيع الآخر. روى عنه ابن الدّبيثيّ (٢)، وابن النّجّار.
٥٤ - محمد بن محمد بن أبي الفتح، أبو عبد الله المقدسيّ.
حدّث بـ نسخة أبي مسهر (٣).
٥٥ - محمد بن هبة الله بن المكرّم (٤) بن عبد الله، أبوجعفر البغداديّ الصّوفيّ.
ولد في حدود سنة سبعٍ وثلاثين وخمسمائة، وسمع من أبيه أبي نصر، وأبي الفضل الأرمويّ، وابن ناصر، وأبي الوقت، وأبي المعمّر بن أحمد الأنصاري، والمظفّر بن أردشير العباديّ، وغيرهم.
وكان أبوه يروي عن نصر بن البطر. وأخوه المكرّم بن هبة الله، من شيوخ الضّياء، وابن عبد الدّائم. وهو فحدّث بـ صحيح البخاريّ، بإربل؛ روى عنه الدّبيثيّ (٥)، وابن النّجّار، والبرزاليّ، والجمال محمد ابن الدّبّاب الواعظ، والقاضي شمس الدّين ابن خلّكان (٦)؛ وأخوه البهاء محمد قاضي بعلبكّ.
وكان صوفيّاً، ديّناً. توفّي في خامس المحرّم ببغداد.
стр. 13242
٥٦ - محمد بن يحيى بن يحيى الأنصاريّ، أبو عبد الله الأندلسيّ المقرئ المحقّق.
أخذ القراءات عن يحيى، وأخذ بعض السّبع عن ابن خيرٍ. وعاش نيّفاً وسبعين سنةً. أقرأ النّاس بسبتة.
لقيه ابن مسدي.
٥٧ - محمد بن يخلفتن بن أحمد بن تنفليت، أبو عبد الله اليجفثيّ البربريّ الفازازيّ التّلمسانيّ الفقيه.
قال الأبّار (١): سمع من أبي عبد الله التّجيبيّ. وكان فقيهاً، أديباً، مقدّماً في الكتابة والشّعر. ولي قضاء مرسية، ثمّ قضاء قرطبة. وكان حميد السيرة، جميل الهيئة، شديد الهيبة. حدّثت: أنه كان يحفظ صحيح البخاريّ، أو معظمه، توفّي بقرطبة.
٥٨ - محمد بن أبي الفرج بن أبي المعالي معالي، الشيخ فخر الدّين أبو المعالي الموصليّ المقرئ الشّافعي، معيد النّظاميّة.
قرأ القراءات على الإمام يحيى بن سعدون القرطبيّ، وسمع منه ومن خطيب الموصل أبي الفضل. وقدم بغداد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة؛ فتفقّه بها. وقرأ العربية على الكمال عبد الرحمن الأنباريّ.
وأعاد بالنّظاميّة. وأقرأ القراءات. وحدّث. وولد سنة تسعٍ وثلاثين وخمسمائة.
قرأ عليه القراءات الشيخ عبد الصّمد بن أبي الجيش، والكمال عبد الرحمن المكبّر، وطائفة.
قال ابن النّجّار: له معرفةٌ تامّة بوجوه القراءات وعللها وطرقها، وله في ذلك مصنّفات. وكان فقيهاً، فاضلاً، حسن الكلام في مسائل الخلاف، ويعرف النّحو معرفةً حسنة. وكان كيّساً، متودّداً، متواضعاً، لطيف العشرة، صدوقاً. توفّي في سادس رمضان (٢).
стр. 13243
٥٩ - المظفّر بن المبارك بن أحمد بن محمد، القاضي أبو الكرم الحنفيّ البغداديّ العدل، عرف والده بحرّكها (١).
ولد سنة ستّ وأربعين. وسمع من أبيه، ومن أبي الوقت، وابن البطّي. وولي الحسبة ببغداد، والقضاء بربع الثلاثاء (٢). وكانت له حلقة إشغال بجامع القصر. وكان أبوه أبو السّعادات من كبار الحنفية.
توفّي أبو الكرم في حادي عشر (٣) جمادى الآخرة.
وروى المائة الشريحية أخذ عنه الطلبة.
٦٠ - المظفّر بن أبي الخير بن إسماعيل بن عليّ، الإمام أمين الدّين أبو الأسعد التّبريزيّ الوارانيّ الشّافعيّ.
تفقّه ببغداد على أبي القاسم بن فضلان، وغيره. وأعاد بالنّظامية مدّة، وتخرّج به جماعةٌ. وسمع من ابن كليب، ثمّ حجّ، وقدم مصر، ودرّس بها، بالمدرسة النّاصريّة المجاورة للجامع العتيق. ثمّ توجّه إلى العراق، ثمّ إلى شيراز، وأقام بها إلى حين وفاته.
وحدّث بالبصرة ومصر؛ روى عنه الزّكيّ المنذريّ، وغيره (٤).
٦١ - مقدامٌ، الوزير فخر الدّين أبو الفوارس ابن القاضي الأجلّ أبي العبّاس أحمد بن شكرٍ المصريّ.
ولد سنة إحدى وستين، وتفقّه على مذهب مالكٍ. وسمع من أبي يعقوب بن الطّفيل، وغيره. وكان فيه برٌّ وإيثارٌ.
وهو عمّ الشيخ أبي الحسن علي بن شكرٍ المحدّث، الذي مات سنة ستّ عشرة (٥).
٦٢ - موسى بن عيسى بن خليفة، أبو عمران اللّخميّ القرطبيّ،
стр. 13244
ويعرف بابن الفخّار النّاسخ المقرئ.
أخذ القراءات عن أبي إسحاق بن طلحة، وأبي القاسم الشّراط. وسمع من أبي القاسم بن بشكوال، وغيره. وصحب الصّالحين، وأقرأ القرآن، وكان يكتب المصاحف.
قال الأبّار (١): توفّي في رجب.
٦٣ - هارون بن أبي الحسن بن بركة الصّحراويّ (٢).
سمع من أبي الحسين عبد الحقّ اليوسفيّ، وحدّث، ودفن بمقبرة معروف (٣).
٦٤ - يحيى بن أبي نصر عمر، أبو زكريا البغداديّ المشا، المعروف بالصّحراوي.
سمع من أبي الفتح بن البطّي، وأبي القاسم بن هلال الدّقّاق، وأبي المعالي بن حنيفة. وحدّث.
والمشا: بضمّ الميم وتخفيف الشّين (٤).
٦٥ - يوسف بن أحمد بن عباد، أبو الحكم التّميميّ المليانيّ (٥).
تجوّل في الأقاليم، ولقي السّهرورديّ الفيلسوف بملطية، وأخذ عنه. وسكن دانية، ونوظر عليه بها.
قال الأبّار (٦): أخذ عنه أبو إسحاق ابن المناصف، وأبو عبد الرحيم (٧) بن غالب، ورأيته مراراً. وكان شاعراً، مجوّداً، غالياً في التشيّع. توفّي بدانية ليلة عاشورا.
قلت: له عقيدة خبيثة، وفيه اتّحادٌ ظاهر.
стр. 13245
٦٦ - أبو طالب بن أبي طاهر بن أبي الغنائم النّجّار.
سمع من يحيى بن ثابت جزءاً.
مات في ربيع الأول.
وفيها ولد:
رضيّ الدّين جعفر بن القاسم الرّبعيّ ابن دبوقا المقرئ، بحرّان، والعزّ عمر بن محمد ابن الأستاذ بحلب، وقاضي حماة الكمال عبد الوهّاب ابن المحيي حمزة البهرانيّ، والشمس محمد ابن المحدّث الشاهد ولد عزّ الدّين عبد الرزّاق الرّسعنيّ، والجمال محمد بن حسن ابن البونيّ، بالإسكندرية، والعماد إسماعيل بن عليّ ابن الطبّال في صفر، والبهاء عمر بن محمد بن عبد العزيز بن باقا، روى عن جدّه، والركن يونس بن عليّ بن أفتكين، والعماد الموصليّ، صاحب التّجويد عليّ بن أبي زهران، وسليمان بن قايماز النّوريّ الحلبيّ، ويونس بن خليل الحمويّ الشاهد، نزيل مصر، والمؤيّد عليّ ابن خطيب عقربا إبراهيم بن يحيى، والتّقيّ أحمد بن عبد الرحمن ابن العنيقة العطّار، وشيخنا أبو الحسن عليّ ابن الفقيه اليونينيّ، والبدر أحمد بن عبد الله بن عبد الملك المقدسيّ، والنّفيس عبد الرحمن بن سليمان بن طرخان المشهديّ المصريّ، وفي حدودها ولد الشيخ المعمّر أبو العبّاس أحمد بن أبي طالب ابن الشّحنة الحجّار الصّالحيّ، أو بعدها بعام.
стр. 13246
سنة اثنتين وعشرين وستمائة
٦٧ - أحمد أمير المؤمنين الإمام الناصر لدين الله، أبو العبّاس ابن الإمام المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن ابن الإمام المستنجد بالله أبي المظفّر يوسف ابن الإمام المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد ابن الإمام المستظهر بالله أحمد ابن المقتدي بأمر الله أبي القاسم الهاشميّ العباسيّ البغداديّ.
ولد يوم الاثنين عاشر رجب سنة ثلاثٍ وخمسين وخمسمائة. وبويع أوّل ذي القعدة سنة خمسٍ وسبعين.
وكان أبيض اللّون، تركيّ الوجه، مليح العينين، أنور الجبهة، أقنى الأنف، خفيف العارضين، أشقر اللّحية، مليح المحاسن. نقش خاتمه رجائي من الله عفوه.
أجاز له أبو الحسين عبد الحقّ اليوسفيّ، وأبو الحسن عليّ بن عساكر البطائحي، وشهدة، وجماعة. وأجاز هو لجماعةٍ من الكبار، فكانوا يحدّثون عنه في حياته، ويتنافسون في ذلك، وما غرضهم العلّو ولا الإسناد، بل غرضهم التّفاخر، وإقامة الشعار والوهم.
ولم تكن الخلافة لأحد أطول مدّةً منه، إلاّ ما ذكر عن الخوارج العبيديّين، فإنّه بقي في الأمر بديار مصر المستنصر نحواً من ستين سنة. وكذا بقي الأمير عبد الرحمن صاحب الأندلس خمسين سنةً.
وكان المستضيء أبوه قد تخوّف منه، فاعتقله، ومال إلى أخيه أبي منصور. وكان ابن العطّار، وأكثر الدّولة مع أبي منصور، وحظيّة المستضيء بنفشا، والمجد ابن الصّاحب، ونفرٌ يسير مع أبي العبّاس. فلمّا بويع أبو العبّاس، قبض على ابن العطّار وسلّمه إلى المماليك. وكان قد أساء إليهم، فأخرج بعد أيّام ميتاً، وسحب في شوارع بغداد. وتمكّن المجد ابن الصّاحب فوق الحدّ وطغا، وآلت به الحال إلى أن قتل.
قال الموفّق عبد اللّطيف: وكان النّاصر لدين الله، شاباً مرحاً، عنده ميعة الشّباب. يشقّ الدّروب والأسواق أكثر اللّيل والناس يتهيّبون لقاءه. وظهر
стр. 13247
التّشيّع بسبب ابن الصّاحب، ثمّ انطفى بهلاكه. وظهر التّسنّن المفرط ثمّ زال. وظهرت الفتوة والبندق والحمام الهادي، وتفنّن الناس في ذلك. ودخل فيه الأجلاّء ثمّ الملوك، فألبسوا الملك العادل وأولاده سراويل الفتوّة، وكذا ألبسوا شهاب الدّين الغوريّ ملك غزنة والهند، وصاحب كميش، وأتابك سعد صاحب شيراز، والملك الظّاهر صاحب حلب، وتخوّفوا من السّلطان طغريل. وجرت بينهم حروبٌ. وفي الآخر استدعوا تكش لحربه، وهو خوارزم شاه، فخرج في جحفلٍ لجبٍ، والتقى معه على الريّ، واحتزّ رأسه، وسيّره إلى بغداد. ثمّ تقدّم تكش نحو بغداد يلتمس رسوم السلطنة، فتحرّكت عليه أمّة الخطا، فرجع إلى خوارزم، وما لبث أن مات. وكان النّاصر لدين الله قد خطب لولده الأكبر أبي نصر بولاية العهد، ثمّ ضيّق عليه لمّا استشعر منه، وعيّن أخاه، ثمّ ألزم أبا نصر بأن أشهد على نفسه أنّه لا يصلح، وأنّه قد نزل عن الأمر. وأكبر الأسباب في نفور الناصر من ولده هو الوزير نصير الدّين ابن مهديّ العلويّ، فإنّه خيّل إلى الخليفة فساد نيّة ولده بوجوهٍ كثيرة. وهذا الوزير أفسد على الخليفة قلوب الرعية والجند، وبغّضه إليهم وإلى ملوك الأطراف، وكاد يخلي بغداد عن أهلها، بالإرهاب تارةً وبالقتل أخرى، ولا يقدر أحد أن يكشف للخليفة حال الوزير، حتّى تمكّن الفساد وظهر، فقبض عليه برفق. وفي أثناء ذلك، ظهر بخراسان وما وراء النهر خوارزم شاه محمد بن تكش وتجبّر وطوى البلاد، واستبعد الملوك الكبار وفتك بكثيرٍ منهم، وأباد أمماً كثيرةً من التّرك، فأباد أمّة الخطا، وأمّة التّرك، وأساء إلى باقي الأمم الّذين لم يصل إليهم سيفه. ورهبه النّاس كلّهم. وقطع خطبة بني العبّاس من بلاده، وصرّح بالوقيعة فيهم. وقصد بغداد فوصل إلى همذان وبوادره إلى حلوان فوقع عليهم ثلج عظيمٌ عشرين يوماً، فغطّاهم في غير إبّانه، فأشعره بعض خواصّه أنّ ذلك غضبٌ من الله، حيث نقصد بيت النّبوة. والخليفة مع ذلك قد جمع الجموع، وأنفق النفقات، واستعدّ بكلّ ما تصل المكنة إليه، لكنّ الله وقى شرّه وردّه على عقبه. وسمع أنّ أمم التّرك قد تألّبوا عليه وطمعوا في البلاد لبعده عنها، فقصدهم، فقصدوه، ثمّ كايدوه، وكاثروه إلى أن مزّقوه في كلّ وجهة، وبلبلوا لبّه، وشتّتوا شمله، وملكوا عليه أقطار الأرض، حتّى ضاقت عليه بما رحبت، وصار أين توجّه، وجد سيوفهم متحكّمة فيه، فتقاذفت به البلاد حتّى
стр. 13248
لم يجد موضعاً يحويه، ولا صديقاً يؤويه، فشرّق وغرّب، وأنجد وأسهل، وأصحر وأجبل، والرّعب قد ملك لبّه، فعند ذلك قضى نحبه.
قال: وكان الشيخ شهاب الدّين (١) لمّا جاء في الرسالة خاطبه بكلّ قولٍ ولاطفه، ولا يزداد إلاّ طغياناً وعتوّاً، ولم يزل الإمام النّاصر مدّة حياته في عزٍّ وجلالةٍ، وقمع للأعداء، واستظهارٍ على الملوك، لم يجد ضيماً، ولا خرج عليه خارجيّ إلاّ قمعه، ولا مخالفٌ إلاّ دمغه، وكلّ من أضمر له سوءاً رماه الله بالخذلان. وأباده. وكان مع سعادة جدّه شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارهم وصغارهم. وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة حتّى يشاهد جميع البلاد دفعةً واحدة. وكانت له حيلٌ لطيفة، ومكايد غامضة، وخدعٌ لا يفطن لها أحد. يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون، ويوقع العداوة بين ملوكٍ متّفقين وهم لا يفطنون.
قال: ولو أخذنا في نوادر حكاياته، لاحتاجت إلى صحفٍ كثيرة.
ولمّا دخل رسول صاحب مازندران بغداد، كانت تأتيه ورقةٌ كلّ صباح بما عمل في اللّيل، فصار يبالغ في التّكتّم، والورقة تأتيه، فاختلى ليلةً بامرأةٍ دخلت من باب السّرّ، فصبّحته الورقة بذلك، وفيها: كان عليكم دواجٌ فيه صورة الأفيلة. فتحيّر، وخرج من بغداد وهو لا يشك أنّ الخليفة يعلم الغيب؛ لأنّ الإمامية يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل، وما وراء الجدار.
وقيل: إنّ النّاصر كان مخدوماً من الجنّ (٢).
وأتى رسول خوارزم شاه برسالةٍ مخفيّة وكتابٍ مختوم، فقيل: ارجع، فقد عرفنا ما جئت به، فرجع وهو يظنّ أنّهم يعلمون الغيب.
ووصل رسول آخر فقال: الرسالة معي مشافهة إلى الخليفة، فحبس،
стр. 13249
ونسي ثمانية أشهر، ثمّ أخرج وأعطي عشرة آلاف دينار، فذهب إلى خوارزم شاه، وصار صاحب خبرٍ لهم، وسيّر جاسوساً يطلعه على أخبار عسكر خوارزم شاه لمّا وجّه إلى بغداد، وكان لا يقدر أحدٌ أن يدخل بينهم إلاّ قتلوه، فابتدأ الجاسوس وشوّه خلقته وأظهر الجنون، وأنّه قد ضاع له حمار فأنسوا به، وضحكوا منه، وتردّد بينهم أربعين يوماً، ثمّ عاد إلى بغداد، فقال: هم مائة وتسعون ألفاً إلاّ أن يزيدوا ألفاً أو ينقصوا ألفاً.
وكان النّاصر إذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع، وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصل رجلٌ معه ببّغاء تقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تحفةً للخليفة من الهند، فأصبحت ميتةً، وأصبح حيران، فجاءه فرّاش يطلب منه البّبغاء، فبكى، وقال: اللّيلة ماتت، فقال: قد عرفنا هاتها ميتة، وقال: كم كان في ظنّك أن يعطيك الخليفة؟ قال: خمسمائة دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار خذها، فقد أرسلها إليك أمير المؤمنين، فإنّه علم بحالك مذ خرجت من الهند!
وكان صدر جهان قد صار إلى بغداد ومعه جمعٌ من الفقهاء، وواحد منهم لمّا خرج من داره من سمرقند على فرسٍ جميلة، فقال له أهله: لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد؟ فقال: الخليفة لا يقدر أن يأخذها منّي، فأمر بعض الوقّادين أنّه حين يدخل بغداد يضربه، ويأخذ الفرس ويهرب في الزّحمة، ففعل، فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث، فلمّا رجعوا من الحجّ خلع على صدر جهان وأصحابه سوى ذلك الفقيه، وبعد الفراغ منهم، خلع عليه، وأخرج إلى الباب وقدّمت له فرسه وعليها سرجٌ من ذهب وطوق، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنّما أخذها أتونيٌّ، فخرّ مغشياً عليه، وأسجل بكراماتهم.
قلت: يجوز أن يكون الخليفة أو لبعض خواصه رئي من الجنّ، فيخبره بأضعاف هذا، والخطب في هذا سهل، فقد رأينا أنموذج هذا في زماننا بل وأكثر منه (١).
قال الموفق عبد اللّطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث،
стр. 13250
واستناب نواباً في ذلك، وأجرى عليهم جراياتٍ، وكتب للملوك والعلماء إجازات. وجمع كتاباً سبعين حديثاً ووصل على يد شهاب الدّين إلى حلب، وسمعه الملك الظّاهر وجماهير الدّولة، وشرحته شرحاً حسناً، وسيّرته صحبة شهاب الدّين. وسبب انعكافه على الحديث أنّ الشريف العباسيّ قاضي القضاة نسب إليه تزوير، فأحضر القاضي وثلاثة شهود، فعزّز القاضي بأنّ حرّكت عمامته فقط، وعزّز الثلاثة بأن أركبوا جمالاً وطيف بهم المدينة يضربون بالدّرّة، فمات واحد تلك اللّيلة، وآخر لبس لبس الفسّاق ودخل بيوتهم، والثالث لزم بيته واختفى وهو البندنيجيّ المحدّث رفيقنا. فبعد مدّةٍ احتاج، وأراد بيع كتبه، ففتّش الجزاز، فوجد فيه إجازة للخليفة من مشايخ بغداد، فرفعها، فخلع عليه، وأعطي مائة دينار، وجعل وكيلاً عن أمير المؤمنين في الإجازة والتّسميع (١).
قلت: أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه منهم: أبو أحمد بن سكينة، وأبو محمد ابن الأخضر، وقاضي القضاة أبو القاسم ابن الدامغاني، وولده الظاهر بأمر الله، والملك العادل، وبنوه المعظم والكامل والأشرف.
قال ابن النجار: شرفني بالإجازة، فرويت عنه بالحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وحلب، وبغداد، وأصبهان، ونيسابور، ومرو، وهمذان. ثم روى عنه حديثاً بالإجازة التي أذن له بخطه.
وقال الموفق عبد اللطيف: وأقام سنين يراسل جلال الدين حسن صاحب ألموت يراوده أن يعيد شعار الاسلام من الصلاة والصيام وغير ذلك مما رفعوه في زمان سنان، ويقول: إنكم إذا فعلتم ذلك كنا يداً واحدة، ولم يتغير عليكم من أحوالكم شيء، ومن يروم هذا من هؤلاء، فقد رام منال العيوق (٢)، واتفق أن رسول خوارزم شاه بن تكش ورد في أمر من الأمور، فزور على لسانه كتب في حق الملاحدة تشتمل على الوعيد، وعزم الإيقاع بهم، وأنه سيخرب
стр. 13251
قلاعهم، ويطلب من الخليفة المعونة في ذلك، وأحضر رجل منهم كان قاطناً ببغداد، ووقف على الكتب، وأخرج بها وبكتب أخرى على وجه النصيحة نصف الليل على البريد، فلما وصل ألموت، أرهبهم، فما وجدوا مخلصاً إلا التظاهر بالإسلام، وإقامة شعاره. وسيروا إلى بغداد رسولاً ومعه مائتا شاب منهم، ودنانير كبارا في مخانق، وعليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، وطافوا بها في بغداد، وجميع من حولها يعلن بالشهادتين (١).
وكان الناصر لدين الله قد ملأ القلوب هيبة وخيفة. فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد، فأحيى هيبة الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته. ولقد كنت بمصر والشام في خلوات الملوك والأكابر، فإذا جرى ذكره، خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالاً.
وورد بغداد تاجرٌ معه متاع دمياط المذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأعطي علاماتٍ فيه من عدده وألوانه وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات أنّك نقمت على مملوكك التّركيّ فلان، فأخذته إلى سيف (٢) بحر دمياط خلوةً، وقتلته ودفنته هناك، ولم يشعر بذلك أحد.
قال ابن النجار في ترجمة النّاصر: دانت له السلاطين، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلّت له العتاة والطّغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة والبغاة، واندحض أضداده وأعداؤه، وكثر أنصاره وأولياؤه، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه من تقدّمه من الخلفاء والملوك أحد، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصّين، وكان أسد بني العباس، تتصدّع لهيبته الجبال، وتذلّ لسطوته الأقيال. وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظّرف، فصيح اللّسان، بليغ البيان، له التّوقيعات المسدّدة، والكلمات المؤيّدة، كانت أيامه غرّةً في وجه الدّهر، ودرّةً في تاج الفخر. وقد حدّثني الحاجب أبو طالب عليّ بن محمد بن جعفر قال: برز توقيعٌ من الناصر لدين
стр. 13252
الله إلى جلال الدّين ابن يونس صدر المخزن: لا ينبغي لأرباب هذا المقام أن يقدموا على أمرٍ لم ينظروا في عاقبته، فإنّ النظر قبل الإقدام خيرٌ من الندم بعد الفوات، ولا يؤخذ البرآء بقول الأعداء، فلكلّ ناصح كاشح، ولا يطالب بالأموال من لم يخن في الأعمال، فإنّ المصادرة مكافأةً للظالمين، وليكن العفاف والتقى رقيبان عليك. قال الحاجب أبو طالب: وبرز توقيعٌ آخر منه إلى ابن يونس: قد تكرر تقدّمنا إليك ممّا افترضه الله علينا، ويلزمنا القيام به؛ كيف يهمل حال الناس حتّى تمّ عليهم ما قد بيّن في باطنها، فتنصف الرجل، وتقابل العامل إن لم يفلج بحجّة شرعية.
وقال القاضي ابن واصل (١): كان الناصر شهماً، شجاعاً، ذا فكرةٍ صائبةٍ وعقلٍ رصينٍ، ومكرٍ ودهاءٍ، وكانت هيبته عظيمة جدّاً، وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف، يطالعونه بجزئيات الأمور (٢)، حتّى ذكر أنّ رجلاً ببغداد عمل دعوةً، وغسّل يده قبل أضيافه، فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك. فكتب في جواب ذلك: سوء أدبٍ من صاحب الدّار، وفضولٍ من كاتب المطالعة.
قال (٣): وكان مع ذلك رديء السّيرة في الرعية، مائلاً إلى الظّلم والعسف، فخربت في أيامه العراق، وتفرّق أهلها في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل أفعالاً متضادّة، إلى أن قال: وكان يتشيّع، ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه، إلى أن قال (٤): وبلغني أنّ شخصاً كان يرى صحّة خلافة يزيد، فأحضره الخليفة ليعاقبه، فقيل له: أتقول بصحّة خلافة يزيد؟ فقال: أنا أقول: إن الإمام لا ينعزل بارتكاب الفسق، فأعرض النّاصر عنه، وأمر بإطلاقه، وخاف المحاققة.
قال (٥): وسئل ابن الجوزيّ، والخليفة يسمع: من أفضل الناس بعد
стр. 13253
رسول الله ﷺ ؟ فقال: أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته، وهذا جوابٌ محتمل لأبي بكر وعليّ ﵄.
وكتب إلى الناصر خادمٌ له اسمه يمن ورقة فيها يعتب، فوقع فيها: بمن يمنّ يمن، ثمن يمنٍ ثمن (١).
وقال أبو المظفّر الجوزيّ (٢): قلّ بصر الخليفة في الآخر، وقيل: ذهب جملةً. وكان خادمه رشيقٌ قد استولى على الخلافة، وأقام مدّة يوقّع عنه. وكان بالخليفة أمراض مختلفة، منها عسر البول، والحصى، ووجد منه شدّةً وشقّ ذكره مراراً، وما زال يعتريه حتّى قتله. وغسّله خالي محيي الدّين يوسف.
وقال الموفّق: أمّا مرض موته، فسهوٌ نسيان، بقي به ستّة أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكنه حاله، حتّى خفي على الوزير وأهل الدّار. وكان له جاريةٌ قد علّمها الخطّ بنفسه، فكانت تكتب مثل خطّه، فتكتب على التّواقيع بمشورة قهرمانة الدّار. وفي أثناء ذلك نزل جلال الدّين محمد خوارزم شاه على ضواحي بغداد هارباً منفّضاً من المال والرجال والدّواب، فأفسد بقدر ما كانت تصل يده إليه. وكانوا يدارونه ولا يمضون فيه أمراً لغيبة رأي الخليفة عنهم، إلى أن راح إلى أذربيجان، ونهب في ذهابه دقوقاً واستباحها. وكانت خلافته سبعاً وأربعين سنة. توفّي في سلخ رمضان، وبويع لولده أبي نصر ولقّب بالظّاهر بأمر الله؛ فكانت خلافته تسعة أشهر.
وذكر العدل شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزريّ، قال: حدّثني والدي قال (٣): سمعت الوزير مؤيّد الدّين ابن العلقميّ لمّا كان
стр. 13254
على الأستاذداريّة (١)، يقول: إنّ الماء الّذي يشربه الإمام النّاصر كانت تجيء به الدّواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبعة غلوات، كلّ يوم غلوة، ثمّ يحبس في الأوعية سبعة أيّام، ثمّ يشرب منه، وبعد هذا ما مات حتّى سقي المرقّد ثلاث مرار وشقّ ذكره وأخرج منه الحصى.
وقال ابن الساعي: فأصبح الناس يوم الأحد - يعني يوم الثلاثين من رمضان - وقد أغلقت أبواب دار الخلافة، وتولّى غسله محيي الدّين ابن الجوزيّ، وصلّى عليه ولده الظاهر بأمر الله بعد أن بويع، بايعه أولاً أقاربه، ثم نائب الوزارة مؤيّد الدّين محمد القمي وولده فخر الدّين أحمد، والأستاذ دار عضد الدّولة أبو نصر ابن الضّحّاك، وقاضي القضاة محيي الدّين ابن فضلان الشافعيّ، والنقيب قوام الدّين أبو عليّ الموسويّ. ودفن بصحن الدّار، ثمّ نقل بعد شهرين إلى التّرب (٢)، ومشى الخلق بين يدي جنازته. وأمّا بيعة الظّاهر، فهي في سنة اثنتين (٣) في الحوادث.
وقال ابن الأثير (٤): بقي الناصر ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة بالكلّية وقد ذهبت إحدى عينيه، وفي الآخر أصابه دوسنطاريا (٥) عشرين يوماً، ومات ولم يطلق في طول مرضه شيئاً ممّا كان أحدثه من الرسوم. وكان سيئ السّيرة خرب في أيّامه العراق، وتفرّق أهله في البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم. قال: وكان يفعل الشيء وضدّه، جعل همّه في رمي البندق والطّيور المناسيب، وسراويلات الفتوّة.
ونقل الظّهير الكازرونيّ في تاريخه وأجازه لي (٦) أنّ الناصر في وسط خلافته همّ بترك الخلافة، والانقطاع إلى التّعبد. وكتب عنه ابن الضّحّاك
стр. 13255
توقيعاً (١) فقرئ على الأعيان، وبنى رباطاً للفقراء (٢)، وأتخذ إلى جانب الرّباط داراً لنفسه كان يتردّد إليها، ويحادث الصوفية وعمل له ثياباً كثيرةً بزيّ الصوفية.
قلت: ثمّ ترك ذلك، وملّ، الله تعالى يسامحه ويرحمه.
٦٨ - أحمد بن عبد القادر بن أبي الجيش القطفتيّ، والد الشيخ عبد الصّمد المقرئ.
مات في رجب، وقد روى عن أحمد بن طارق الكركيّ (٣).
٦٩ - أحمد بن محمد بن طغان (٤) بن بدر بن أبي الوفاء، الفقيه أبو العباس المصريّ.٠
سمع من عبد الله برّي النّحويّ، وعبد الرحمن بن محمد السّبيي. وأمّ بمسجد سوق وردان مدّة. وتوفّي بمدينة سمنّود (٥) من الغربية في المحرّم.
٧٠ - أحمد بن محمد بن إسماعيل، أبو القاسم الأميني الطّرسونيّ (٦) ثمّ المرسيّ.
سمع أبا القاسم بن حبيش، وأبا عبد الله بن حميد. وأجاز له من مصر عبد الله بن برّي النّحويّ.
قال الأبار (٧): كان فقيهاً، مدرّساً. حدّث، واستشهد في وقعة بنوط (٨)
стр. 13256
من أعمال مرسية، مقبلاً غير مدبر، في رجب وله بضعٌ وستّون سنةً.
وقال ابن مسدي: كان بارعاً في فنونٍ نقليةٍ وعقليةٍ، وغلب عليه الفقه على طريقة السّلف فاجتهد وللقياس اعتمد، فكثيراً ما كان يميل إلى رأي الكوفيّين. وله يدٌ في الطّب، ومعرفةٌ بالحديث، ومجلس عامٌ للعامّة.
وقال ابن فرتون: هو أديبٌ بارع، روى عن ابن هذيل، وابن النّعمة. قال: وأجاز لي.
٧١ - أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، أبو القاسم القرطبيّ.
روى عن جدّه أبي القاسم، وأبيه أبي الوليد، وأبي القاسم بن بشكوال. وتوفي في رمضان (١).
٧٢ - أحمد ابن الشيخ كمال الدّين أبي الفتح موسى ابن الشيخ رضيّ الدّين أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم، الإمام شرف الدّين أبو الفضل ابن يونس الإربليّ الأصل الموصلي الفقيه الشافعيّ.
ولد سنة خمسٍ وسبعين وخمسمائة، وتفقّه على والده، وبرع في المذهب. وكان إماماً فقيهاً، مفتياً، مصنّفاً، عاقلاً، حسن السّمت. شرح كتاب التّنبيه فأجاد، واختصر كتاب الأحياء للغزاليّ مرّتين. وكان يلقي الإحياء دروساً من حفظه.
قال ابن خلّكان (٢): كان إماماً، كثير المحفوظات، غزير المادة، من بيت الرياسة والفضل. نسج على منوال والده في التّفنّن في العلوم، وتخرّج عليه جماعةٌ كبيرة، وولي التّدريس بمدرسة الملك المعظّم مظفّر الدّين ابن صاحب إربل بإربل - بعد والدي - في سنة عشر بعد موت والدي، وكنت أحضر دروسه، وأنا صغير، وما سمعت أحداً يلقي الدّروس مثله. ثمّ حجّ وقدم، وأقام قليلاً، وانتقل إلى الموصل سنة سبع عشرة، وفوّضت إليه المدرسة القاهرية إلى أن توفّي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر. ولقد كان من
стр. 13257
محاسن الوجود، وما أذكره إلاّ وتصغر الدّنيا في عيني، ولقد فكّرت فيه مرّةً فقلت: هذا الرجل عاش مدّة خلافة الإمام النّاصر لدين الله.
قلت: شرحه للتّنبيه يدلّ على توسّطه في الفقه، ﵀.
٧٣ - أحمد بن يونس بن حسن، أبو العبّاس المقدسيّ المرداويّ.
هاجر من مردا إلى دمشق بأولاده. وسمع من أبي المعالي بن صابر، وغيره.
روى عنه الضّياء، وقال: كان ممّن يضرب به المثل في الأمانة، والخير، والمروءة، والدّين، والعقل، والصّلاح. تولّى عمارة الجامع بالجبل، فأحسن فيها. توفّي في سابع عشر ذي الحجّة.
٧٤ - أحمد بن أبي المكارم، الخطيب أبو العبّاس المقدسي المرداويّ.
توفي بمردا في شعبان. وقد رحل، وروى عن أبي الفتح بن شاتيل، وغيره (١).
٧٥ - إبراهيم بن إسماعيل بن خليفة الحربيّ.
روى عن يحيى بن ثابت، وغيره. ومات في رجب.
روى عنه ابن النّجار، وقال: لا بأس به (٢).
٧٦ - إبراهيم بن إسماعيل بن غازي، أبو إسحاق الحرّانيّ الكحّال الصّائغ الشّاعر، المعروف بالنّقيب.
له معرفةٌ حسنة بالطّبّ والكحل. وكان طريفاً، كيّساً، مطبوع العشرة.
ذكره الصّاحب أبو القاسم في تاريخ حلب، وقال: دخل حلب غير مرّةٍ، وروى عن أبيه يسيراً. روى لنا عنه أبو محمد بن شحانة الحرّانيّ، وسليمان بن بنيمان. وأنشدني أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن شحانة بحرّان، قال: أنشدني إبراهيم النقيب لنفسه:
خيالٌ لسلمى زَارَ وَهْنًا فَسَلَّما … فَشَفَّ ولَمْ يَشْفِ الغَليلَ مِنَ الظَّما
وما زَارَني إلّا خِدَاعًا وعَاتِبًا … عَلَى نعسةٍ كَانَتْ لِلُقْيَاهُ سُلَّمَا
وأعجبُ ما في الأَمْرِ أَنَّى اهْتَدَى لَهُ … خيالٌ إلى مِثْلِ الخيال وأسقما
стр. 13258
أَظُنُّ أَنِيني دلّه أيْنَ مَضْجَعِي … ودَلَّهَهُ حَرُّ الهَوى فَتَضَرَّمَا (١)
ولَوْلا انطِبَاقُ الْجَفْنِ بالْجَفْنِ لَمْ يذر … وَلَكِنَّني وَهَّمْتُه فَتَوهَّما
أَيا رَاكِبًا يَطْوي الفَلا لشملّة … أمونٍ تُبارِي الرِّيحُ في أُفُقِ السَّمَا (٢)
لَكَ اللهُ إنْ جُزْتَ العَقِيقَ وَبَابَه … وشَارَفْتَ أَعْلَى الوَادِيَيْنِ مُسَلِّما
فَقِفْ بِرُبَى نجدٍ لَعَلَّكَ مُنْجِدِي … وَرُمَ رَامةً ثُمّ الوِهَا بلوى الحِمَى
وسَلِّم وَسَلْ لِمَ حَلَّلُوا قَتْلَ عاشقٍ … عَلى جَفْنِه أَضْحَى الرُّقَادُ مُحَرَّمَا
أَيَجْمُلُ أَنْ أَقْضِي ولم يقض لي شفا … وأظلم لا ظُلْمًا رَشَفْتُ ولا لَما (٣)
لَئِن كَانَ هذا في رِضَى الحُبِّ أَوْ قَضَى … بِهِ الحُبُّ صَبْرًا لِلقَضَاءَ ونعْمَ مَا
قال لي ابن شحانة: تُوُفّي إبراهيم النقيب بحرَّان في سَنَةِ إحدى وعشرين.
وقرأتُ في " تاريخ " أبي المحاسن بن سلامة المكشوف: وفي سابع جُمَادَى الآخرة مات الحكيمُ الأجلّ، الشاعرُ، الكحَّال، الصّائغ للذَّهب والفضّة والكلام، أبو إسحاق إبراهيم ابن الحكيم إسماعيل بن غازي النقيب، وكان رجلًا كريماً، سخيّاً، شجاعًا ذكيًّا، طَيِّبَ الأخلاق، حسن العِشرة، مليحَ الشمائل، لَهُ شعر رقيق يُغَنَّى به (٤).
٧٧ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن الحسين بن أبي ياسر، أبو إسحاق القطيعيّ المواقيتي الخيّاط الأزجيّ، من أهل قطيعة العجم بباب الأزج.
سمع أبا الوقت السّجزيّ، وأبا المكارم الباذرائيّ، وغيرهما. روى عنه ابن نقطة، والدّبيثيّ (٥)، وابن النّجّار، ومحمد بن أبي الفرج ابن الدّبّاب، وأبو المعالي الأبرقوهيّ، وغيرهم.
стр. 13259
وكان ثقةً، صالحاً، فاضلاً، عارفاً بالمواقيت والمنازل. وحدّث بـ صحيح البخاريّ مرّاتٍ. ومات في خامس شعبان.
سمعت من طريقه الدّعاء للمحاملّيّ.
٧٨ - إبراهيم بن عثمان بن عيسى بن درباس المارانيّ، الفقيه المحدّث جلال الدّين أبو إسحاق.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وأجاز له السّلفيّ، وتفقّه على مذهب الشّافعيّ، ثمّ أحبّ الحديث. وسمع فاطمة بنت سعد الخير، والأرتاحيّ، وطبقتهما. ورحل رحلةً كبيرةً؛ فسمع بدمشق من ابن طبرزد، والكنديّ، والطّبقة. وسمع بنيسابور من المؤيّد، وزينب الشّعرية، وبهراة من أبي روح. وكتب الكثير. وله شعر حسن.
روى عنه الزّكيّ المنذريّ (١)، وغيره. وتوفّي في هذه السنة فيما بين الهند واليمن.
وكان مائلاً إلى الآخرة، متقلّلاً من الدّنيا جدّاً، صالحاً، زاهداً، ﵀.
وكان أبوه (٢) من كبار الشافعية، وعمّه (٣) كان قاضي ديار مصر.
٧٩ - إبراهيم بن المظفّر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ، الواعظ الإمام أبو إسحاق ابن البرنيّ البغداديّ الأصل الموصليّ.
ولد سنة ستّ وأربعين وخمسمائة، وتفقّه على مذهب أحمد ببغداد. وسمع من ابن البطّي، وأبي عليّ ابن الرّحبيّ، وشهدة، وأحمد بن عليّ العلويّ، وأبي بكر ابن النّقور، وأخذ الوعظ عن أبي الفرج ابن الجوزيّ. وحدّث بالموصل وسنجار، ووعظ، وولي مشيخة دار الحديث الّتي لابن مهاجر بالموصل. وكان صالحاً، فاضلاً.
روى عنه الدّبيثيّ (٤)، والزّين ابن عبد الدّائم، وإبراهيم بن عليّ
стр. 13260
العسقلاني، ومحمد بن منصور بن دبيس الموصليّ، والشيخ عبد الرحيم ابن الزجّاج - فيما أرى -. وروى لنا عنه بالإجازة أبو المعالي الأبرقوهيّ.
وتوفّي في غرّة المحرّم.
وقد قرأ عليه بالروايات ركن الدّين إلياس بن علوان.
قال ابن نقطة (١): كان فيه تساهلٌ في الرواية، يحدّث من غير أصوله، سمعت منه بالموصل.
٨٠ - أسعد بن عليّ بن عليّ بن محمد بن صعلوك، أبو القاسم البغداديّ.
ولد سنة سبعٍ وثلاثين وخمسمائة. وسمع من أبي الوقت، وأبي الكرم المبارك بن الحسن الشّهرزوريّ، وابن البّطّي. روى عنه الدّبيثيّ، وابن النّجّار، وغيرهما؛ وأورداه في تاريخيهما (٢).
توفّي في المحرّم.
٨١ - أسعد بن يحيى بن موسى، الشيخ بهاء الدّين أبو السّعادات السّلميّ السّنجاريّ الفقيه الشافعيّ الشاعر.
طوّف البلاد، ومدح الكبار والملوك، وأخذ جوائزهم، وطال عمره، وعاش بضعاً وثمانين سنة. ذكره العماد في الخريدة (٣).
ومن شعره:
وَهَواكَ ما خَطَر السُّلُوُّ بِبَاله … ولأَنْتَ أَدْرَى في الغَرامِ بِحَالِهِ
وفتَى وَشَى شخصٌ إِلَيْكَ بأنَّه … سالٍ هَوَاكَ فَذَاكَ مِنْ عُذَّالِهِ
أَوَلَيْسَ لِلْكَلِف المعنّى شاهدٌ … مِنْ حَالِه يُغْنِيك عَنْ تَسْآلِهِ
جَدَّدْتَ ثَوْبَ سَقَامِهِ وهَتَكْتَ ستـ … ـر غَرَامِهِ وصَرَمْتَ حَبْلَ وِصَالِهِ
يا لِلعَجائِبِ مِنْ أسيرٍ دَأبُه … يَفْدي الطَّلِيقَ بِنَفْسِهِ وَبِمَالِهِ
стр. 13261
ريّان مِنْ مَاءِ الشَّبِيبة والصِّبرَ … شَرِقَتْ مَعَاطِفُه بطيف (١) زُلالِهِ
وقد تَفَقَّه على المجير البَغْداديُّ، ويحيى بن فضلان.
قال ابن الساعي: تُوُفّي في أوّل سَنةَ أربعٍ وعشرين بسِنجار.
وقال آخر: تُوُفّي سَنةَ ثلاثٍ وعشرين في ربيع الآخر.
وديوانه مجلد كبير، وقد ولي قضاء دُنَيْسر. وخَدَمَ تقيّ الدِّين عُمَر صاحب حماة، وله مدح في السّلطان صلاح الدّين.
٨٢ - توبة بن أبي البركات التّكريتيّ الزّاهد، صاحب الشيخ عبد الله اليونينيّ.
فقير، صالحٌ، كبير القدر. حدّث عن ابن طبرزد. وتوفّي في شوال (٢).
قال السيف ابن المجد: كان أحد من يشار إليه بالزّهد، صحب الشيخ عبد الله ولازمه، وكان يكرمه ويأنس به، وينزل - إذا قدم - في مغارته على جبل الصّوان بقاسيون.
وقال ابن العز عمر الخطيب: حدّثتني فاطمة بنت أحمد بن يحيى بن أبي الحسين الزّاهد، قالت: حدّثتني أمّي ربيعة بنت الشيخ توبة أنّها كانت تقعد في اللّيل فتجد والدها قاعداً وهو يقول: يا سيّدي اغفر لعبيدك توبة. قالت: وكانت أمّي ربيعة ترجف. وقالت: كنت أحكي للنّاس كرامات الشيخ فرأيته في المنام وهو يقول: كم تهتكيني؟ وسلّ عليّ سيفاً، فبقيت أرجف وما عدت أجسر أن أحكي عنه شيئاً.
٨٣ - جعفر ابن شمس الخلافة، هو الأمير الكبير مجد الملك أبو الفضل ابن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن مختار الأفضليّ المصريّ القوصيّ الشاعر الأديب.
ولد في المحرّم سنة ثلاثٍ وأربعين وخمسمائة، ولقي الأدباء، وكتب الخطّ المنسوب، وكان من الأذكياء، وله تصانيف تدلّ على فضله، وحدّث بديوانه، وامتدح جماعةً من الأعيان.
روى عنه الزّكيّ المنذريّ، والشهاب القوصيّ.
стр. 13262
وذكره ابن الشعار في تاريخه فقال (١): هو جعفر بن إبراهيم بن عليّ، من كبراء بلده. خدم مع السلطان صلاح الدّين أميراً؛ ومع ابنه العزيز، ثمّ قدم حلب، وخدم مع صاحبها غازي، ثمّ رجع إلى مصر. وكان شاعراً، فاضلاً، ذكيّاً، له هجوٌ مقذع في الملك العادل، وفي القاضي الفاضل. توفّي بمصر سنة عشر.
قلت: غلط في وفاته وفي اسمه.
قال المنذريّ في الوفّيات (٢) وفي معجمه (٣): توفّي في ثاني عشر المحرّم.
ومن شعره:
دع جاهلاً غرّه تمكّنه … وضنّ بالجود وهو مقتدر
فكم غنى للنّاس عنه غنى … وكم فقيرٍ إليه يفتقر
٨٤ - الحسن بن عليّ بن الحسن، محيي الدّين الموصليّ الخطيب، المعروف بابن عمّار.
شيخٌ واعظ، حلو الوعظ، له تصانيف، وشعرٌ جيّد، فمنه:
ما بين منعرج اللّوى والأبرق … ريمٌ رماني في الغرام الموثق (٤)
أسر الفؤاد المستهام بحسنه … ووقعت منه في العذاب المطلق
يصمي القلوب بطرفه السّاجي الّذي … يرنو به وإذا رمى لا يتّقي
بانت صباباتي ببانات اللّوى … في حبّه ورثت لشجوي أينقي
وأنا الّذي لا أستفيق من الهوى … طفلاً وها قد شاب فيه مفرقي
توفي في سادس جمادى الأولى بالموصل (٥).
٨٥ - الحسن بن المرتضى بن محمد بن زيد، النقيب السيّد بهاء الدين العلويّ الحسينيّ، نقيب الموصل.
стр. 13263
كان من أكابر البلد رياسةً، وديناً، وعقلاً، وكرماً، وأدبا.
ومن شعره (١):
لو كنت شاهد عبرتي … وصبابتي عند التّلاقي
لرحمتنا ممّا بنا … وعجبت من ضيق العناق
٨٦ - الحسين بن عمر بن نصر بن حسن بن سعد بن عبد الله بن باز، أبو عبد الله الموصلّيّ.
ولد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وسمع من خطيب الموصل أبي الفضل، وببغداد من شهدة، وأبي الحسين عبد الحق، ولاحق بن كاره، وعيسى الدّوشابيّ، وطائفةٍ.
ودخل الشام ومصر ولم يسمع، وكأنّه قدم تاجراً. وحدّث بالموصل وإربل. وولي مشيخة دار الحديث المظفّرية بالموصل. وقد كتب بخطّه، وله فهم ومعرفةٌ ما.
روى عنه الدّبيثي (٢)، والبرزاليّ، والضّياء، وآخرون. وحدّثنا عنه الأبرقوهيّ.
ومات في ثاني ربيع الآخر، ﵀.
٨٧ - راجية الأرمنية (٣)، أمّ محمد عتيقة عبد اللّطيف ابن الشيخ أبي النّجيب السّهرورديّ.
سمعت من أبي الوقت، وابن البطّي، وجماعةٍ. وروت ببغداد وإربل. وكانت امرأةً صالحة.
توفّيت بإربل في جمادى الأولى.
٨٨ - سعادة بنت الإمام عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيليّ.
روت عن أبي الحسين عبد الحقّ، والحسن بن عليّ بن شيرويه.
стр. 13264
توفّيت في جمادى الآخرة، وصلّى عليها أخوها القاضي أبو صالح (١).
٨٩ - شاكر بن مكّي بن أبي البركات، أبو البركات البغداديّ النّجّاد.
ولد في حدود سنة خمسٍ وأربعين، وسمع من أبي زرعة المقدسيّ، وتوفّي في ذي الحجّة (٢).
روى لنا عنه الأبرقوهيّ بالإجازة.
٩٠ - صدقة بن منصور بن صدقة القطيعيّ البقّال.
سمع من أبي المكارم المبارك الباذرائيّ؛ وحدّث. ومات في صفر (٣).
٩١ - طغرل بن قلج (٤) أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السّلجوقيّ الرّوميّ، الملك مغيث الدّين صاحب أرزن الروم.
توفي في هذه السنة، وتملّك بعده ولده، وقد كان بعث ولده الآخر من سنتين إلى الكرج فتنصّر، وتزوّج بملكة الكرج (٥).
٩٢ - ظفر بن سالم بن عليّ بن سلامة ابن البيطار، أبو القاسم البغداديّ الحريميّ (٦)، أخو شجاع وياسمين.
سمّعه أبوه من أبي الوقت، وابن البنّاء، وهبة الله ابن الشّبليّ. ومولده في حدود سنة ثمانٍ وأربعين (٧). روى عنه الدّبيثيّ (٨)، والرفيع الهمذانيّ. وحدّثنا عنه الأبرقوهيّ. وتوفّي في جمادى الآخرة.
стр. 13265
قال ابن النّجّار: لم يكن به بأسٌ.
٩٣ - عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عليّ، الفقيه الصّالح أبو محمد الهمذانيّ الخطيب.
ولد بهمذان في سنة خمسٍ وأربعين. وسمع من أبي الوقت، ومن أبي الفضل أحمد بن سعدٍ البيّع. وقدم بغداد، وتفقّه بالنّظاميّة على أبي الخير القزوينيّ، وأعاد بالنظاميّة للشيخ أبي طالب صاحب ابن الخلّ، وغيره. وحدّث.
وكان فقيهاً، ورعاً، عفيفاً، إماماً، عارفاً بالمذهب والأصول والخلاف. قال الدّبيثيّ (١): أخبرنا أبو محمد، قال: أخبرنا أحمد بن سعد، قال: أخبرنا الإمام أبو إسحاق الشيرازيّ، فذكر حديثاً.
قال ابن النجّار (٢): قدم بغداد سنة سبعين وخمسمائة، فسكنها، وتفقّه على أبي طالب ابن الكرخيّ، وأبي الخير القزوينيّ. وبرع في المذهب، وأفتى. وكان متقشفاً على منهاج السّلف.
قلت: روى عن ابن النجّار، وعليّ ابن الأخضر، والجمال يحيى ابن الصّيرفيّ؛ سمعوا منه جزء العبّادانيّ، وقد خطب بأعمال همذان (٣).
توفّي في حادي عشر شعبان.
٩٤ - عبد الله بن باديس، أبو محمد اليحصبيّ.
سكن بلنسية، وتفقّه بأبي عبد الله بن نوح، وتعلّم العربية، وتحقّق بالعلوم النظرية. ونوظر عليه في المستصفى للغزاليّ. وتعبّد في آخر عمره.
توفّي في شعبان (٤).
٩٥ - عبد الله بن صدقة، أبو البركات البغداديّ البزّار (٥)، ويعرف بابن
стр. 13266
أبي قربة؛ بكسر القاف وسكون الراء ثمّ باء موحّدة.
سمع من أبي الحسين عبد الحقّ؛ وحدّث. ومات في شعبان.
٩٦ - عبد الله بن عليّ بن الحسين بن عبد الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور، الصاحب الوزير الكبير صفيّ الدّين أبو محمد الشّيبيّ المصريّ الدّميريّ المالكيّ، المعروف بابن شكر.
ولد سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة. وتفقّه على الفقيه أبي بكر عتيق البجائيّ وبه تخرّج. ورحل إلى الإسكندرية، وتفقّه بها على شمس الإسلام أبي القاسم مخلوف بن جارة، وسمع منه ومن السّلفيّ إنشاداً، وأجاز له. وسمع من أبي الطّاهر إسماعيل بن عوف، وأبي الطّيّب عبد المنعم بن يحيى بن الخلوف. وأجاز له أبو محمد بن بريّ، وأبو الحسين أحمد بن حمزة ابن الموازينيّ، وجماعة.
وحدّث بدمشق ومصر؛ روى عنه الزّكيّ المنذريّ، والشهاب القوصيّ، وأثنيا عليه، فقال الزّكيّ (١): كان مؤثراً للعلماء والصّالحين، كثير البرّ بهم، والتفقّد لهم، لا يشغله ما هو فيه من كثرة الإشغال عن مجالستهم ومباحثتهم، وأنشأ مدرسة قبالة داره بالقاهرة.
وقال أبو المظفّر الجوزيّ (٢): كان الملك العادل قد نفاه، فلما مات قدم من آمد بطلبٍ من السّلطان الملك الكامل.
قال أبو شامة (٣): وكان خليقاً للوزارة لم يتولّها بعده مثله، كان متواضعاً، يسلّم على النّاس وهو راكب، ويكرم العلماء ويدرّ عليهم، فمضى إلى مصر.
وقال القوصيّ: هو الّذي كان السبب فيما وليته وأوليته في الدّولة الأيوبية من الإنعام، وهو الّذي أنشاني وأنساني الأوطان، ولقد أحسن إلى الفقهاء والعلماء مدّة ولايته، وبنى مصلّى العيد بدمشق، وبلّط الجامع، وأنشأ الفوّارة، وعمّر جامع المزّة وجامع حرستا. ومولده بالدّميرة سنة أربعين.
стр. 13267
وكذا قال ابن الجوزيّ (١) في مولده، وقول المنذريّ أصحّ، فإنه قال (٢): سمعته يقول: ولدت في تاسع صفر سنة ثمانٍ وأربعين. قال: وتوفّي بمصر في ثامن شعبان. وقال الموفّق عبد اللّطيف: هو رجل طوال، تامّ القصب فعمها، درّيّ اللّون، مشرق (٣) بحمرة، له طلاقة محيّا، وحلاوة لسان، وحسن هيئة، وصحة بنية، ذو دهاء في هوج، وخبثٌ في طيشٍ مع رعونةٍ مفرطةٍ، وحقد لا تخبو ناره، ينتقم ويظنّ أنّه لم ينتقم، فيعود ينتقم، لا ينام عن عدوّه، ولا يقل منه معذرةً ولا إنابةً، ويجعل الرؤساء كلّهم أعداءه، ولا يرضى لعدوّه بدون الإهلاك، ولا تأخذه في نقماته رحمةٌ، ولا يتفكّر في آخره.
وهو من دميرة - ضيعةٍ بديار مصر - واستولى على العادل ظاهراً وباطناً، ولم يمكّن أحداً من الوصول إليه حتّى الطّبيب والحاجب والفرّاش، عليهم عيونٌ، فلا يتكلّم أحدٌ منهم فضل كلمة خوفاً منه، ولمّا عزل، دخل الطّبيب والوكيل وغيرهما، فانبسطوا، وحكوا، وضحكوا، فأعجب السّلطان بذلك وقال: ما منعكم أن تفعلوا هذا فيما مضى؟ قالوا: خوفاً من ابن شكر، قال: فإذاً قد كنت في حبسٍ، وأنا لا أشعر.
وكان غرضه إبادة أرباب البيوتات، ويقرّب الأراذل وشرار الفقهاء مثل الجمال المصريّ، الّذي صار قاضي دمشق، ومثل ابن كسا البلبيسيّ، والمجد البهنسيّ؛ الّذي وزر للأشرف. وكان هؤلاء يجتمعون حوله، ويوهمونه أنّه أكتب من القاضي الفاضل، بل ومن ابن العميد والصّابي، وفي الفقه أفضل من مالك، وفي الشعر أكمل من المتنبّي وأبي تمّام، ويحلفون على ذلك بالطّلاق وأغلظ الأيمان.
وكان لا يأكل من الدّولة ولا فلساً، ويظهر أمانةً مفرطةً، فإذا لاح له مالٌ عظيم احتجنه، وعملت له قبسة العجلان (٤)، فأمر كاتبه أن يكتبها ويردّها وقال:
стр. 13268
لا نستحلّ أن نأخذ منك ورقاً. وكان له في كلّ بلدٍ من بلاد السلطان ضيعة أو أكثر في مصر والشام إلى خلاط، وبلغ مجموع ذلك مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار يعني مغلّه. وكان يكثر الإدلال على العادل، ويسخط أولاده وخواصّه، والعادل يترضّاه بكلّ ما يقدر عليه، وتكررّ ذلك منه، إلى أن غضب منه على حرّان، فلمّا صار إلى مصر وغاضبه على عادته، فأقرّه العادل على الغضب، وأعرض عنه. ثمّ ظهر منه فسادٌ، وكثرة كلام، فأمر بنفيه عن مصر والشام، فسكن آمد، وأحسن إليه صاحبها، فلمّا مات العادل عاد إلى مصر، ووزر للكامل، وأخذ في المصادرات، وكان قد عمي، ورأيت منه جلداً عظيماً أنّه كان لا يستكين للنوائب، ولا يخضع للنكبات، فمات أخوه ولم يتغيّر، ومات أولاده وهو على ذلك. وكان يحمّ حمّى قوية، ويأخذه النافض (١)، وهو في مجلس السلطان ينفّذ الأشغال، ولا يلقي جنبه إلى الأرض، وكان يقول: ما في قلبي حسرةٌ إلاّ أنّ ابن البيسانيّ ما تمرّغ على عتباتي - يعني القاضي الفاضل - وكان يشتمه وابنه حاضر فلا يظهر منه تغيرٌ، وداراه أحسن مداراة، وبذل له أمولاً جمّةً في السّرّ. وعرض له إسهالٌ دمويٌ وزحير، وأنهكه حتّى انقطع، ويئس منه الأطباء، فاستدعى من حبسه عشرةٌ من شيوخ الكتّاب، فقال: أنتم تشمتون بي، وركّب عليهم المعاصير وهو يزحر وهم يصيحون إلى أن أصبح وقد خفّ ما به (٢)، وركب في ثالث يوم، وكان يقف الرؤساء والناس على بابه من نصف اللّيل، ومعهم المشاعل والشمع، ويركب عند الصّباح، فلا يراهم ولا يرونه، لأنّه إمّا أن يرفع رأسه إلى السماء تيهاً، وإمّا أن يعرّج على طريقٍ أخرى، والجنادرة (٣) تطرد النّاس.
وكان له بوابٌ اسمه سالم يأخذ من الناس أموالاً عظيمة، ويهينهم إهانةً مفرطة، واقتنى عقاراً وقرى (٤).
стр. 13269
٩٧ - عبد الله بن عليّ بن أحمد بن أبي الفرج ابن الزّيتوني البوازيجيّ (١).
سمع من يحيى بن ثابت، ومعمر ابن الفاخر، وأبي عليّ ابن الرّحبيّ. وتوفّي في ربيع الآخر (٢).
٩٨ - عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، أبو محمد ابن سعدون الأزديّ البلنسيّ.
أخذ العربية عن الأستاذ عبدون، ومهر في فنون العربية. وأجاز له من الإسكندريّة أبو الطّاهر بن عوف، وغيره. وكان بديع الخطّ، أنيق الوراقة.
ذكره الأبّار (٣).
٩٩ - عبد الله بن محمد بن محمد ابن اليازوريّ، البغداديّ.
حدّث عن عبد الحقّ اليوسفيّ. وتوفّي في رجب (٤).
١٠٠ - عبد الله بن نصر الله بن هبة الله بن عبد الله بن محمد، الشريف أبو جعفر ابن أبي الفتح الهاشميّ البغداديّ، المعروف بابن شريف الرّحبة.
ولد سنة أربعين وخمسمائة. وسمع الصحيح من أبي الوقت، وسمع من شهدة (٥).
قال ابن النّجّار: كتبت عنه، ولم يكن مرضيّاً في سيرته، ولا محمود الطّريقة. وكان أبوه من ذوي الثروة الواسعة. ثم روى عنه، وقال: مات في رابع رمضان.
قلت: روى لنا الأبرقوهيّ عنه من البخاريّ.
١٠١ - عبد الحقّ بن الحسن ابن الشيخ سعد الله بن نصر ابن الدّجاجيّ.
стр. 13270
ولد سنة سبعٍ وخمسين ظنّاً. وروى عنه جدّه. روى عنه ابن النّجّار، وأبو الفضل ابن الدّبّاب، وجماعة.
توفّي في رجب (١).
١٠٢ - عبد الحقّ ابن الفقيه الزّاهد أبي الغنائم عبد الرحمن بن جامع ابن غنيمة، أبو عبد الله البغداديّ.
روى عن عبد الحقّ اليوسفيّ، وغيره (٢).
١٠٣ - عبد الحقّ بن محمد بن عليّ بن عبد الرحمن، أبو محمد الزّهريّ الأنديّ نزيل بلنسية.
ولد سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين، وحجّ عام اثنتين وسبعين.
وسمع من السّلفيّ الأربعين والمحامليات. وكان عدلاً، تاجراً.
قال الأبّار (٣): سمعت منه الأربعين، وقد سمعها منه أبو محمد، وأبو سليمان ابنا ابن حوط الله. وعمّر، وأسنّ، حتّى ألحق الصّغار بالكبار.
وتوفّي في ربيع الآخر.
١٠٤ - عبد الخالق بن أبي الفضل بن أبي المعالي المحوّلي.
سمع من عبد الرحمن بن زيد الورّاق. وأجاز له أبو الوقت. وتوفّي في جمادى الأولى.
١٠٥ - عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك، أبو سعيد ابن المرقّعاتيّ.
ولد في حدود سنة ثلاث وخمسين. وسمع من أبيه، ويحيى بن ثابت، والمبارك بن خضير. وحدّث. ومات في جب (٤).
١٠٦ - عبد الرحمن ابن العلاّمة أبي سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون التّميميّ، قاضي القضاة نجم الدّين.
أحد الأكابر والأعيان. حدّث عن والده.