الفارسيّ الحنفيّ. وسمع من أبي الجود المقرئ، وجماعة.
وتصدّر بالجامع العتيق. وكان بصيراً بالمذهب. ولي الوكالة السّلطانية ونظر دمياط. ثمّ درّس بالصاحبيّة بالقاهرة. وكان من الأذكياء الموصوفين. وله شعرٌ، وفضائل، وتفنّن.
توفّي في ثامن عشر رجب.
وفي بيته جماعةٌ فضلاء (١).
٤٣٠ - محمد بن عطاء الله بن خلف بن محمد بن غنيّ، أبو عبد الله الكلابيّ البدويّ الزّاهد نزيل سفح قاسيون.
سمع من أبي عبد الله بن صدقة، ويحيى الثّقفيّ، وأحمد ابن الموازينيّ. ولازم أبا الخير سلامة الحدّاد، وأكثر عنه. وصار ينوب في محراب الحنابلة. ولد في حدود سنة ستّ وخمسين وخمسمائة. وكان معدوداً من العبّاد الأخيار المسابقين إلى الطّاعات. وكان يكرّر على مختصر الخرقيّ.
كتب عنه ابن الحاجب، وابن سلاّم، وغيرهما. وتوفّي بدمشق في ربيع الأوّل، وحمل إلى الجبل، وشيّعه خلق (٢).
٤٣١ - محمد بن مقبل بن قاسم، أبو عبد الله الياسريّ البغداديّ، والياسرية: قرية منسوبة إلى ياسر مولى زبيدة.
روى عن أبي شاكر السّقلاطونيّ، ونصر الله القزّاز. ومات في جمادى الآخرة (٣).
٤٣٢ - محمد بن النفيس بن منجب بن أبي بكر العدل العالم أبو عبد الله البغداديّ ابن الرّزّاز (٤). ولد سنة ستّ وستّين وخمسمائة. وسمع من محمد بن المبارك الحلاوي، ويحيى بن بوش، وابن كليب، وذاكر بن كامل، وجماعة.
стр. 13407
وقرأ القراءات، وتفقّه على مذهب أحمد على أبي إسحاق ابن الصّقّال. وتكلّم في مسائل، وناظر، وطلب الحديث، وقرأ، وحصّل الأصول. وكان ثقةً، نبيلاً.
روى عنه ابن النجّار، وغيره. وبالإجازة أبو المعالي الأبرقوهيّ.
قال ابن النّجّار: ما رأيت في الطّلبة أميز منه. كان ثقةً، ثبتاً.
٤٣٣ - محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد القاضي الزّاهد أبو غانم ابن القاضي أبي الفضل ابن العديم العقيلي الحلبي.
ولد في المحرم سنة أربعين وخمسمائة، وسمع من أبي المظفر سعيد الفلكي في سنة ثلاث وخمسين، ومن عمه أبي المجد عبد الله بن محمد. وتفقه على مذهب أبي حنيفة. وتعبّد وانقطع إلى الصّلاة والصّيام والتّلاوة والمسجد. وعرض عليه قضاء حلب، فامتنع. وهو عمّ الصاحب كمال الدّين عمر.
روى عنه هو، وولده القاضي أبو المجد. وكتب عنه عمر ابن الحاجب الأميني، وجماعةٌ. وتوفّي في الخامس والعشرين من شوّال.
وقال ابن الأثير في آخر الكامل (١): فلو قال قائل: إنّه لم يكن في زمانه أعبد منه، لكان صادقاً، ﵁ وأرضاه، فإنّه من جملة شيوخنا، سمعنا عليه الحديث.
وقال شيخنا ابن الظّاهريّ: لقبه عمرو الدّين.
٤٣٤ - مسعود بن صدقة بن عليّ بن مسعود، أبو المظفّر الأنصاريّ الأوسيّ البغداديّ الكاتب.
حدّث عن شهدة. وتوفّي في رجب (٢).
٤٣٥ - نصر بن جرو بن عنان بن محفوظ، أبو الفتح السّعديّ المصريّ الفقيه الحنفيّ.
ولد قبل الخمسين. وتفقّه على الجمال عبد الله بن محمد بن سعد الله ابن الوزّان. وسمع بالإسكندريّة من السّلفيّ، وأبي طاهر بن عوف، وأبي طالب أحمد بن المسلّم، وجماعة، وبمصر من منجب المرشديّ، وإسماعيل
стр. 13408
الزّيّات، وأبي المفاخر المأمونيّ، وجماعةٍ.
وسكن طوخ (١) مدّة. وقدم مصر في آخر عمره.
وحدّث؛ روى عنه الزّكيّ المنذريّ (٢)، وغيره. وحدّثنا عنه أحمد بن عبد الكريم الأغلاقي، وكان شيخاً صالحاً، فاضلاً.
٤٣٦ - نصر بن عبد الله بن عبد العزيز، أبو عمرو الغافقي الفرغليطيّ (٣) القيحاطيّ.
سمع من جدّه لأمّه نصر بن عليّ، عن أبي عليّ الصّدفيّ. وسمع بقرطبة من عبد الرحمن بن أحمد بن بقيّ، وابن بشكوال. وأجاز له ابن هذيل، والسّلفيّ.
وتصدّر بقيحاطة للإقراء. وكان مجاب الدّعوة، معمّراً.
ولد سنة خمسٍ وثلاثين وخمسمائة. وأجاز في هذا العام لابن فرقد.
وأمّا ابن فرتون، فقال: توفّي سنة ثلاثٍ وثلاثين وستمائة (٤)، فسأعيده فيها إن شاء الله.
٤٣٧ - هبة الله بن وجيه بن هبة الله بن المبارك، أبو البركات ابن السّقطيّ.
شيخٌ حسن. سمع ابن البطّي، ومحمد بن مسعود بن السّدنك. وعنه ابن النّجّار (٥).
٤٣٨ - يحيى بن أحمد بن خليل، أبو بكر السّكونيّ اللّبليّ، نزيل إشبيلية.
سمع أباه، وأبا بكر بن الجدّ، وغيرهما.
стр. 13409
قال الأبّار (١): كان عالماً بأصول الفقه، وصناعة الكلام متقدّماً فيها. له النّظم والنّثر والبلاغة. ولي قضاء الجزيرة الخضراء، ثمّ ولي قضاء شريش، وأقبل على التّدريس، وأخذ عنه جماعةٌ. وغمزه بعضهم بعدم التنزّه في أحكامه. وتوفّي في ربيع الأوّل، وقد نيّف على السبعين.
٤٣٩ - يعقوب، الملك الأعزّ شرف الدّين أبو يوسف ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب.
ولد بمصر سنة اثنتين وسبعين. وسمع من العلاّمة عبد الله بن برّي. وأجاز له جماعة. وحدّث بعرفة وبدمشق. وكأنّه توفّي بحلب.
وقد مرّ في سنة أربعٍ (٢)، فتحقّق السّنة.
٤٤٠ - يونس بن أحمد بن غنيمة بن أحمد، أبو نصر البغداديّ البوّاب الخرّاط، المعروف بابن زعرورة.
سمع من عبد الله بن هبة الله ابن النّرسيّ، وعبد الله بن عبد الصمد السّلميّ، ووفاء التركيّ.
٤٤١ - أبو الحسن المزاليّ المغربيّ الأصوليّ المتكلّم الزّاهد.
كان مع تقدّمه في الكلام تؤثر عنه كراماتٌ، وكان لا يأكل إلاّ من كسب يمينه، كان نسّاخاً، وكان يردّ جوائز الدّولة مع فقره.
توفّي بمدينة فاس، وقبره يزار.
أخذ عنه المتكلم أبو الحسن البصريّ.
٤٤٢ - أبو زيد الفازازي المغربيّ الأديب، صاحب العشرينيات النبوية، هو عبد الرحمن (٣).
توفّي فيها وهو في عشر السبعين بمراكش.
стр. 13410
٤٤٣ - أبو القاسم بن جعفر بن أحمد بن عليّ بن عمّارة (١) الحربيّ النّجّار.
سمع من يحيى بن ثابت، ولاحق بن كاره. وحدّث. وأجاز لأبي الفرج محمد ابن الدّبّاب، وغيره. ومات في ذي القعدة.
وفيها ولد:
شهاب الدّين عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، وبهاء الدّين محمد بن إبراهيم بن النّحّاس النّحويّ، وشمس الدّين محمد بن أحمد بن نعمة مدرّس الشامية، والفخر عثمان بن إبراهيم الحمصي النّسّاج، وعليّ بن مكّيّ القلانسيّ والد السّرّاج، والشهاب أحمد بن سليمان بن مروان ابن البعلبكّيّ، ومحمد بن درباس بن باساك الجاكي، ومحمد بن عليّ بن ساعد الحلبيّ، وأبو محمد ظافر بن أبي القاسم النابلسيّ، وأحمد بن أبي العزّ بن مشرّف الأنصاريّ، وأبو القاسم بن سليمان بن عزاز المؤدّب، والكمال محمد بن محمد ابن المغاري بالثغر.
стр. 13411
سنة ثمان وعشرين [وستمائة] (١)
٤٤٤ - أحمد بن الحسين بن عبد الله ابن الشيخ أبي نصر أحمد بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون، أبو نصر النّرسيّ البغداديّ البيّع.
ولد ظنّاً سنة خمسٍ وأربعين وخمسمائة. وسمع من جدّه أبي محمد عبد الله بن أحمد ابن النّرسيّ عن الطّريثيثيّ، وغيره، ومن أبي الوقت.
وكان شيخاً صالحاً، منقطعاً في بيته. وهو من بيت الحديث والعدالة. أضرّ بأخرةٍ.
روى عنه الدّبيثيّ (٢)، وابن نقطة (٣)، وجماعةٌ، وتقيّ الدّين ابن الواسطيّ، وأبو عبد الله محمد بن أبي منصور بن معلّى الدّباهيّ. وروى عنه بالإجازة أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم شيخ المستنصرية، وفاطمة بنت سليمان.
والنّرس: نهر بين الحلّة والكوفة. وممّن ينسب إليه أيضاً أبيّ النّرسيّ، بخلاف العبّاس النّرسيّ فإنّه ينسب إلى جدّه.
مات أبو نصر في ثالث رجب (٤).
٤٤٥ - أحمد بن عبد الغنيّ بن أحمد النّفيس اللّخميّ القطرسيّ الأديب.
له ديوان مشهورٌ أجاد فيه. وذكره العماد في الخريدة.
وروى عنه الشهاب القوصيّ، ووهم في وفاته قال: في سنة ثلاثٍ وستمائة.
ومن شعره:
يا راحلاً وجميل الصّبر يتبعه … هل من سبيلٍ إلى رؤياك يتّفق
стр. 13412
ما أنصفتك جفوني وهي داميةٌ … ولا وفى لك قلبي وهو يحترق (١)
توفّي في شعبان بالقاهرة، وقد قارب الثمانين.
٤٤٦ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عيّاش، أبو جعفر الكنانيّ المرسيّ.
سمع الموطّأ من أبي القاسم بن بشكوال. وحجّ وقدم دمشق فسمع المقامات الحريرية من الخشوعيّ. وسمع من عمر الميانشيّ بمكّة.
وكان أديباً عارفاً بالتّعبير، وكفّ بصره بأخرةٍ (٢).
ذكره الأبّار (٣).
٤٤٧ - أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد، أبو القاسم الطّائيّ ابن الجبرانيّ الحلبيّ المقرئ النّحويّ الحنفيّ.
ولد سنة إحدى وستّين وخمسمائة. وروى عن أبيه، ويحيى الثّقفيّ. روى عنه مجد الدّين عبد الرحمن العديميّ، وسنقر القضائيّ. وكان بصيراً باللّغة والعربية.
والجبرانيّ: بفتح الجيم (٤)، وشكله بعضهم بضمّها (٥).
توفّي في سابع عشر رجب. وكانت له حلقة إشغال بحلب.
وقد ذكره ابن نقطة (٦).
وذكره الفرضيّ، فقال: هو تاج الدّين أحمد بن هبة الله بن سعد الله بن سعيد بن سعد بن مقلّد بن صالح بن مقلّد بن عليّ بن يحيى بن أبي جعفر أحمد بن عبيد أخي أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتريّ، الشّاعر، النّحويّ، المقرئ. إمامٌ، شاعرٌ، له حلقة بجامع حلب يقرئ بها العلم والقرآن. قرأ النّحو على
стр. 13413
فتيان الحلبيّ، وأبي الرجاء محمد بن حرب. وقرأ القرآن على الدّقّاق المغربيّ.
٤٤٨ - أحمد (١) بن أبي الفتح بن أبي غالب، أبو حامد القطيعيّ المعروف بالمسدّي (٢).
حدّث عن أبي شاكر يحيى السّقلاطونيّ. وحجّ وانقطع بالمدينة لمرضه، فتوفّي بعد أيّامٍ في صفر.
٤٤٩ - إسفنديار بن سنقر، أبو محمد المراتبيّ، ويدعى صهيباً الرّوميّ.
روى عن أبي طالب المبارك بن خضير. ومات في شعبان (٣).
٤٥٠ - بهرام شاه بن فرّوخشاه بن شاهنشاه بن أيّوب بن شادي بن مروان، السلطان الملك الأمجد مجد الدّين أبو المظفر، صاحب بعلبكّ.
ولي إمرة بعلبكّ خمسين سنةً بعد والده. وكان أديباً، فاضلاً، شاعراً، محسناً، جواداً، ممدّحاً، له ديوان شعر.
أخذت منه بعلبكّ في سنة سبعٍ وعشرين وتملّكها الملك الأشرف موسى، وسلّمها إلى أخيه الصالح، فقدم هو دمشق، وأقام بها قليلاً، وقتله مملوك له مليح، ودفن بتربة والده الّتي على الشرف الشماليّ في شهر شوّال.
ومن شِعره:
لَكُم في فؤادي شاهدٌ لَيْسَ يَكْذبُ … وَمِنْ دَمْعِ عيني صامتٌ وَهُوَ مُعْربُ
وَلِيَ مِنْ شُهُود الوَجْدِ خدٌّ مُخَدَّد … وقلبٌ على نَارِ الغَرَام يُقَلَّبُ
стр. 13414
وَلِيَ بالرُّسُوم الخُرْسِ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا … غرامٌ عَلَيْه ما أَزَالُ أُؤَنَّبُ
وإنْ عنَّ ذِكْر الرَّاحِلين عَن الحِمَى … وَقَفْتُ فلا أَدْرِي إلى أَيْن أَذْهَبُ
فربعٌ أُنَاجِيهِ وقَدْ ظَلّ خَالِيًا … وَدَمْعٌ أُعَانِيهِ وقَدْ بَاتَ يُسْكبُ
ومنها:
حنينٌ إذَا جَدَّ الرَّحِيلُ رَأيتُه … بنفسي في إثر الظَّعَائنِ يَلْعَبُ
وشوقٌ إلى أَهْل الدِّيار يَحُثُّه … غرامٌ إلى العذريّ يعزى ويُنْسَبُ
وَمَا مزنةٌ أَرْخَتْ عَلَى الدَّار وَبْلَهَا … فَفِي كُلِّ أرضٍ جدولٌ مِنْهُ يَثْعَبُ
بِأَغْزَرَ مِنْ دَمْعِي وقَد أَحْفَزَ السُّرى … وأَمْسَتْ نِياقُ الظّاعنين تقرّب
حصره الملك الأشرف، وأعانه عليه صاحب حمص أسد الدّين شيركوه، فأخذت منه بَعْلَبَكّ، فَقَدِمَ إلى دمشق، واتَّفق أنَّه كَانَ له غلام محبوس في خزانة في الدّار، فجلس ليلةً يلهو بالنّرد فوكع الغلامُ برزّة الباب ففكَّها، وهجم على الأمجد، فقتله ليلة ثاني عشر شوَّال. ثمّ هرب الغلامُ، ورمى نفسه من السطح فمات، وقيل: لحِقه المماليكُ عند وقعته فقطَّعوه (١).
وقيل: إنّ الأمجد رآه بعضُ أصحابه فِي النوم، فَقَالَ لَهُ: ما فعل اللَّه بك؟ فقال (٢):
كُنْتُ مِنْ ذَنبي عَلَى وجلٍ … زَالَ عنِّي ذَلِكَ الوَجَلُ
أَمِنَتْ نَفْسِي بَوَائِقَها … عِشْتُ لَمّا مِتُّ يا رجل
٤٥١ - ثابت بن محمد بن يوسف بن خيار، أبو الحسن الكلاعيّ الأندلسيّ اللّبليّ، الملقّب بأبي رزين، نزيل غرناطة.
أخذ القراءات عن أبي العباس أحمد بن نوّار، وحمل عنه تصانيف أبي عمرو الدّاني. وسمع بقرطبة من ابن بشكوال، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي بكر القشالشنيّ، وجماعة. وقرأ كتاب سيبويه على أبي عبد الله بن مالك المرشانيّ (٣). وحمل جامع التّرمذيّ عن أبي الحسن بن كوثر. وأخذ بوادي
стр. 13415
آش عن أبي تمّام العوفيّ. وأجاز له السّلفيّ، وغيره. وأقرأ القرآن والنّحو بجيّان وغرناطة.
قال الأبّار (١): روى عنه أبو العباس النّباتيّ، وغيره.
٤٥٢ - خوارزمشاه (٢)، السّلطان جلال الدّين منكوبري ابن السّلطان علاء الدّين محمد بن تكش بن أرسلان بن آتسز بن محمد بن نوشتكين الخوارزميّ.
لمّا قصد جنكزخان بجيوشه بلاد ما وراء النّهر لخلوّها من العساكر إذ هم مع السّلطان علاء الدّين بهمذان، رجع علاء الدّين مسرعاً وسيّر ولده جلال الدّين هذا في خمسة عشر ألفاً بين يديه، فتوغّل في البلاد، فأحاط به جنكزخان بجيوشه، فطحنوه، وتخلّص بعد الجهد، وتوصّل إلى أبيه.
ولمّا زال ملك أبيه ومات غريباً تقاذفت بجلال الدّين البلاد، فرمته بالهند، ثمّ ألقته الهند إلى كرمان، ثمّ إلى سواد العراق، وساقته المقادير إلى بلاد أذربيجان وأرّان، وغدر بأتابك أزبك، وأخرجه من بلاده، وأخذ زوجته بنت السلطان طغريل وتزوّج بها، وعمل مصافّاً مع الكرج، فكسرهم كسرةً لا انجبار معها، وقتل ملوكهم، وقوي أمره وكثرت جموعه، وافتتح تفليس، وتقلّبت به الأحوال.
حكى الشهاب النّسويّ في سيرة خوارزم شاه (٣) قال: كان جلال
стр. 13416
الدّين أسمر قصيراً، تركيّ الجسارة والعبارة. وكان يتكلّم بالفارسية أيضاً. وأمّا شجاعته، فحسبك منها ما أوردته من وقعاته، فكان أسداً ضرغاماً، أشجع فرسانه إقداماً. وكان حليماً لا غضوباً ولا شتّاماً، وقوراً، لا يضحك إلاّ تبسّماً، ولا يكثر كلاماً. وكان يختار العدل غير أنّه صادف أيام الفتنة فغلب. وهذه السيرة في مجلّد فيها عجائب له من ارتفاع وانخفاض وفرط شجاعة. وفي الآخر تلاشى أمره، وكبسه التّتار في اللّيل، فنجا في نحو مائة فارس، ثمّ تفرّقوا عنه إلى أن بقي وحده وساق خلفه خمسة عشر من التّتار وألحّوا في طلبه، فثبت لهم، وقتل منهم اثنين، فوقفوا. وطلع إلى جبلٍ بنواحي آمد به أكراد، فأجاره رجلٌ كبيرٌ منهم، فعرّفه أنّه السلطان ووعده بكلّ جميل، ففرح الكرديّ، ومضى ليحضر خيله، ويعلم بني عمّه، وينهض بأمره، وتركه عند أمّه، فجاء كرديٌ جريء فقال: أيشٍ هذا الخوارزميّ تخلّونه عندكم؟ فقيل له: اسكت، ذا هو السّلطان. فقال: إن كان هكذا، فذا قد قتل - بخلاط - أخي، ثمّ شدّ عليه بحربةٍ معه، فقتله في الحال.
وقال الموفّق عبد اللّطيف: كان أسمر أصفر نحيفاً، سمجاً، لأنّ أمّه هندية. وكان يلبس طرطوراً فيه من شعر الخيل، مصبغاً بألوان. وكان أخوه غياث الدّين أجمل النّاس صورة وأرقّهم بشرة، لكنّه ظلومٌ غشوم وهو ابن تركية.
قال: والزّنا فيهم - يعني في الخوارزميّة - فاش، واللّواط ليس بقبيحٍ ولا معذوقاً (١) بشرط الكبر والصّغر. والغدر خلقٌ لا يزايلهم؛ أخذوا قلعةً عند تفليس بالأمان، فلمّا نزل أهلها، وبعدوا يسيراً، عادوا عليهم، فقتلوا من كان يصلح للقتل، وسبوا من كان يصلح للسبيّ. ورد عليّ رجلٌ من تفليس كان يقرأ علي الطبّ، فذكر لي ذلك كلّه، وأنّه أقام بتفليس ستّ سنين، واكتسب مالاً جمّاً بالطّبّ. فلمّا قرب الخوارزميون جاء رسولهم إلى الملكة بكلام ليّن، فبينا هو في مجلسها وقد وصل قاصدٌ يخبر بأن القوم في أطراف البلاد يعيثون،
стр. 13417
فقالت للرسول: أهكذا تكون الملوك يرسلون رسولاً بكلام، ويفعلون خلافه؟ وأمرت بإخراجه. وبعد خمسة عشر يوماً وصلوا، فخرج إليهم جيش الكرج، فقال إيواني: نرتّب العسكر قلباً وميمنة وميسرة، فقال شلوه: هؤلاء أحقر من هذا، أنا أكفي أمرهم. فنزل في قدر سبعة آلاف أكثرهم تركمان بتهوّر، وكان في رأسه سكرٌ، فتقدّم فصار في وسطهم، وأحاطوا به، ووقع علمه. فقال إيواني: هذا شلوه قد كسر، ردّوا بنا، وأخذ في مضيقٍ، وتبعه المنهزمون، فتحطّموا في مضيقٍ عميق حتّى هلك أكثرهم، وتحصّن إيواني بمن معه في القلاع. فبقي الخوارزميّون يعيثون، ويفسدون أيّ شيءٍ وجدوه، واعتصمت الملكة بقلاع في مضايق. ثمّ إنّ ابن السّديد التّفليسيّ قصد الإصلاح ظنّاً منه أنّهم يشبهون النّاس، وأنّ لهم قولاً وعهداً، فخرج يطلب الأمان لأهل المدينة أجمعين المسلمين والكرج واليهود، فأخذ خطّ جلال الدّين وأخيه غياث الدّين وحميّه وختومهم، ولوحاً من فضّة مكتوباً بالذهب يسمّى بايزة، وتوثّق. فساعة دخلوا، نهبوا مماليك ابن السّديد ونعمته وندم، وعملوا بجميع الناس كذلك، وسمّوا المسلمين مرتدّين، واستحلّوا أموالهم وحريمهم، وصاروا لا يتركون زوجةً حسناء، ولا ولداً حسناً، ويهجم الواحد منهم على قوم، فيستدعي بطعام وشراب، ويؤاخي زوجة صاحب الدّار، ويطلبها للفراش ويقول: هكذا أخوّتنا، ثمّ يصبح، فإن وجد لهم ولداً يعجبه، أخذه معه، وإن كان عند أحدٍ سلعة فأراد بيعها، فنادى عليها بخمسين ديناراً، أخذها بخمسة دنانير، فإن تكلّم صاحبها ضربه بمقرعةٍ معه، رأسها مطرقة، فربّما مات، وربّما غشي عليه.
قال: وعددهم لا يبلغ مائة ألف، ربّما كان ستّين ألفاً، كلّهم جياع، مجمّعة ليس لهم مدد، وكلّهم عليهم أقبية القطن، وسلاحهم النّشّاب القليل الصنعة يرمون على قسيّ ضعاف لا تؤثّر في الدّروع. وليس لهم ديوان ولا عطاء، إنّما لهم نهب ما وجدوه، ولا يمكنه أن يكفّهم عن شيء.
قال لي: وجميع من جرّب التّتر يشهد أنّ سيرتهم خيرٌ من سيرة الخوارزميّين.
ثمّ قال الموفّق: ولمّا توجّه جلال الدّين إلى غزنة والهند فارّاً من جنكزخان واستنجد بملكها، فأرسل معه جيشاً، فأقاموا في قتال التّتر أياماً
стр. 13418
كثيرة، ثمّ انهزم وحيداً فقيداً، وتوجّه نحو كرمان، وكان هناك ملكان كبيران، فأحسنا إليه، فلمّا قوي شيئاً غدر بهما، وقتل أحدهما، وفرّ فأتى شيراز على بقر وحمير، وأكثر من معه رجالة، فدفع به صاحبها نحو بغداد، فأفسد في شهرابان وتلك النّواحي. وكان أخوه غياث الدّين قد انفرد في ثلاثين رجلاً هارباً، ومعه صوفيّ يصلّي به، فلمّا نام توامر الجماعة على قتله والتّقرّب برأسه إلى التّتر، فأحسّ بذلك الصّوفيّ، فتركهم حتّى ناموا وأيقظه وأعلمه، فعاجلهم فذبحهم، وترك منهم قوماً يشهدون بما عزموا عليه. ثمّ دخل أصبهان فقيراً وحيداً، فأحسنوا إليه، واجتمع إليه شذّاذ عسكر أبيه، وجاءته خلعٌ من بغداد وتشريف، ووعد بالسلطنة، فسمع بوصول أخيه فقال: لا تصل إلاّ بأمر الدّيوان، فاستأذن، فأذن له، فلمّا وصل جلال الدّين خاف من أخيه، فاعتقله، وقيّده مدّة حتّى قويّ واستظهر، ثمّ أطلقه.
وفي الآخر ضعف دست جلال الدّين، ومقته الناس لقبح سيرته، ولم يترك له صديقا من الملوك بل عادى الكلّ، ثمّ اختلف عليه جيشه لمّا فسد عقله بحبّ مملوكٍ، فمات المملوك فأسرف في الحزن عليه، وأمر أهل توريز بالنّوح واللّطم، وما دفنه، بل بقي يستصحبه، ويصرخ عليه، والويل لمن يقول: إنّه ميّت، فاسخفّ به الأمراء وأنفوا منه، وطمعت فيه التّتار لانهزامه من الأشرف واستولوا على مراغة وغيرها.
قلت: وفي الحوادث على السنين قطعة من أخباره. ولقد كان سدّاً بين التّتر وبين المسلمين، والتقاهم غير مرّة. وقد ذهب إليه في الرّسليّة الصاحب محيي الدّين يوسف ابن الجوزيّ، فدخل إليه، فرآه يقرأ في المصحف ويبكي، واعتذر عمّا يفعله جنده بكثرتهم وعدم طاعتهم. وفي آخر أمره كسره الملك الأشرف، وصاحب الروم، فراح رواحاً بخساً، ثمّ بعد أيام اغتاله كرديّ، وطعنه بحربةٍ، فقتله في أوائل سنة تسعٍ وعشرين بأخٍ له كان قد قتل على يد الخوارزميّة. وتفرّق جيشه من بعده وذلّوا.
قلت: لم يشتهر موته إلا في سنة تسع، وإنما كان في نصف شوّال سنة ثمانٍ.
стр. 13419
٤٥٣ - جلدك، الأمير الكبير شجاع الدّين، أبو المنصور المظفّريّ التّقويّ.
سمع من السّلفيّ، وروى عنه وعن مولاه الملك تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بشيءٍ من شعره. وولي نيابة الإسكندرية، ودمياط، وشدّ (١) الدّيار المصرية. وكان فاضلاً، له أدب، وشعر جيّد وخطٌّ مليح. ذكر أنّه نسخ بيده أربعاً وعشرين ختمة. وكان سمحاً جواداً، مكرماً للعلماء، مساعداً لهم بماله وجاهه. وله غزواتٌ مشهودة ومواقف بالساحل، ومدح بالشعر.
روى عنه الشهاب القوصيّ، والزّكيّ المنذريّ، والرشيد العطّار، والجمال ابن الصّابونيّ.
واستفك مائة وثلاثين أسيراً من المغاربة عند موته بمبلغ من الذّهب، والله يرحمه ويغفر له، وبنى بحماة مدرسة.
وتوفّي في الثامن والعشرين من شعبان.
وللنفيس أحمد القطرسيّ فيه قصيدةٌ منها:
أحرقت يا ثغر الحبيـ … ـب حشاي لما ذقت بردك
أتظنّ غصن البان يعـ … ـجبني وقد عاينت قدّك
أم خلت آس عذارك الـ … ـمنشوق يحمي منك وردك
يا قلب من لانت معا … طفه علينا ما أشدّك
أتظنّني جلد القوى … أو أنّ لي عزمات جلدك
٤٥٤ - الحارث، القاضي الجليل مجد الدّين أبو الأشبال ابن الرئيس العالم النّحويّ مهذّب الدّين أبي المحاسن المهلّب بن حسن بن بركات بن عليّ بن غياث المهلّبيّ المصريّ الشافعيّ المجد البهنسيّ.
اتّصل بالصاحب صفيّ الدّين ابن شكر، وسافر معه إلى الشام وغيرها، وترسّل إلى الدّيوان العزيز، وإلى ملوك النواحي. ووقف وقفاً بمصر على الزاوية الّتي كان والده يقرئ بها بالجامع العتيق.
وقد تقدّم ذكر أخيه موفّق الدّين عقيل.
стр. 13420
وكان المجد ذا يد طولى في اللّغة، وله شعر حسن.
توفّي بدمشق في صفر، وقد جاوز السبعين.
كتب عنه القوصيّ، وغيره شعراً.
وقد وزر بحرّان للأشرف، ثمّ نكبه وصادره وحبسه مدّةً (١).
٤٥٥ - الحسين بن أحمد بن أبي الفرج بن حفاظ البغداديّ اللّبّان (٢).
شيخ ديّن، صالح. حدّث عن محمد بن نسيم العيشونيّ. ومات في ذي الحجّة.
٤٥٦ - خاموش (٣) ابن الأتابك أزبك صاحب أذربيجان.
ولد هذا أصمّ أبكم، فكان يفهّمه ويفهم عنه رجلٌ ربّاه. ولمّا استولى خوارزم شاه على بلاد خاموش جاء خاموش إلى خدمته بكنجة خاضعاً، فقدّم تحفاً من جملتها حياصة (٤) كيكاوس ملك الفرس في الزّمن القديم، فيها عدّة جواهر لا تقوّم منها قطعة بذخشانيّ ممسوح طولانيّ في قدر كفّ، أفخر ما يكون، قد نقر فيها اسم كيكاوس، فكان السلطان خوارزم شاه يشدّها في الأعياد إلى أن كبسه التتار بآمد، فظفروا بهذه الحياصة ونفذوها إلى القان جنكزخان.
وأقام الملك خاموش مديدةً في الخدمة، فلم يحظ بعناية إلى أن رقّت حاله، ففارق خوارزم شاه، ودخل إلى حصن الألموت (٥)، فأدركه الموت بعد شهر.
ذكر ذلك الشهاب النّسويّ في سيرة خوارزم شاه.
٤٥٧ - خليل بن إسماعيل بن عليّ بن علوان بن زويزان، المولى جمال الدّولة رئيس قصر حجّاج، وإليه تنسب قطائع ابن زويزان.
стр. 13421
مات في شهر ربيع الأوّل. وخلّف عقاراً وعيناً بما يزيد على مائتي ألف دينار، وتصدّق بثلث ماله، ووقف من ذلك على القرّاء والعلماء بتربته بميدان الحصى (١). والّذي ترك من الذّهب أحدٌ وعشرون ألف دينار.
٤٥٨ - زبيدة بنت إسماعيل بن الحسن البغدادية.
أجاز لها أبو الوقت (٢).
٤٥٩ - الزّين الكرديّ المقرئ المجوّد نزيل دمشق أبو عبد الله، محمد بن عمر بن حسين.
كان ممن أخذ القراءات عن الشّاطبيّ، وتصدّر للإقراء بدمشق. وجلس في حلقته بعده بمعلومه أبو عمرو ابن الحاجب.
٤٦٠ - صالح بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو البقاء الأنصاريّ الخزرجيّ القليوبيّ (٣) المصريّ المالكيّ.
ولد في حدود الخمسين وخمسمائة. وذكر أنّه سمع بدمشق من ابن عساكر. وحدّث عن أبي المفاخر المأمونيّ.
وكان فقيهاً، عالماً، صالحاً، خيّراً، متعففاً، مقبلاً على ما يعنيه.
روى عنه الزّكيّ المنذريّ، وقال (٤): مات في رابع عشر ذي الحجّة.
٤٦١ - عائشة بنت الإمام الحافظ عبد الرّزّاق ابن الشيخ عبد القادر الجيليّ، أمّ محمد.
روت عن أبي الحسين عبد الحقّ، وماتت في ربيع الأوّل (٥).
٤٦٢ - عبد الله بن ثابت بن عبد الخالق بن عبد الله بن رومي، الخطيب الشّاعر الأديب أبو ثابت التّجيبيّ الشّنهوريّ.
خطيب شنهور - بالمعجمة - وهي بلدةٌ بقرب قوص؛ قيّده الحافظ
стр. 13422
عبد العظيم، وقال (١): سمعت منه من شعره. وتوفّي في رمضان، وله بضعٌ وخمسون سنة.
٤٦٣ - عبد الحقّ بن إسماعيل، أبو سونج (٢) الفيّاليّ الصّالحيّ.
روى عن أبي نصر عبد الرحيم بن يوسف، وأبي الفتح عمر بن عليّ الجوينيّ. روى عنه الزّكيّ البرزاليّ، والشمس ابن الكمال، والشمس محمد ابن الواسطيّ، وجماعةٌ.
وتوفّي في صفر.
٤٦٤ - عبد الخالق بن أبي عبد الله بن عليّ بن أحمد بن هلال القطفتيّ البوّاب (٣).
شيخٌ صالحٌ. حدّث عن أبي نصر يحيى بن السّدنك. ومات في أوّل رمضان.
٤٦٥ - عبد الرحمن بن محمد بن بدر بن جامع، الفقيه أبو القاسم الواسطيّ البرجونيّ الشافعيّ.
ولد في حدود السّتين، وسمع من أبي طالب الكتّانيّ. وتفقّه بواسط على القاضي أبيّ على يحيى بن الرّبيع، وببغداد على أبي القاسم يحيى بن فضلان. وأعاد لأبي الحسن عليّ بن عليّ الفارقيّ، وغيره. ودرّس، وأفاد. وسمع من ابن شاتيل، وغيره.
ويعرف بابن المعلّم (٤).
٤٦٦ - عبد الرحيم بن عليّ بن حامد، الشيخ مهذّب الدّين الطّبيب، المعروف بالدّخوار (٥)، شيخ الأطبّاء ورئيسهم بدمشق.
وقف داره بالصّاغة العتيقة مدرسةً للطّبّ. وكان مولده في سنة خمسٍ
стр. 13423
وستّين وخمسمائة. وتوفّي في صفر، ودفن في تربة له بقاسيون فوق الميطور.
روى عنه الشهاب القوصيّ، وغيره شعراً. وتخرّج به جماعةٌ كبيرة من الأطبّاء. وصنّف في الصّنعة كتباً، منها كتاب الجنينة (١) واختصار الحاوي لابن زكريّا الرّازيّ، ومقالة في الاستفراغ (٢) وغير ذلك.
وقد أطنب ابن أبي أصيبعة في وصفه، وقال (٣): كان أوحد عصره، وفريد دهره، وعلاّمة زمانه، وإليه انتهت رياسة صناعة الطّبّ - على ما ينبغي - أتعب نفسه في الاشتغال حتّى فاق أهل زمانه، وحظي عند الملوك ونال المال والجاه. وكان أبوه كحّالاً مشهوراً، وكذلك أخوه حامد بن عليّ. وكان هو في أول أمره يكحّل. وقد نسخ كتباً كثيرة بخطّه المنسوب (٤) أكثر من مائة مجلّد في الطّبّ وغيره. وأخذ العربية عن الكنديّ، وقرأ على الرّضيّ الرّحبيّ، ثمّ لازم الموفّق ابن المطران مدّةً حتّى مهر، ثمّ أخذ عن الفخر الماردينيّ لمّا قدم دمشق في أيام صلاح الدّين. ثمّ خدم الملك العادل، ولازم خدمة صفيّ الدّين ابن شكر بعد الحكيم الموفّق عبد العزيز، ونزل على جامكيّة (٥) مائة دينارٍ في الشهر من الذّهب الصّوريّ. ثمّ حظي عند العادل بحيث إنه حصل له منه في مرضة صعبةٍ سنة عشر وستمائة سبعة آلاف دينار مصرية. ومرض الملك الكامل بمصر، فعالجه الدّخوار، فحصل له من جهته أموالٌ.
قال ابن أبي أصيبعة: فكان ملبغ ما وصل إليه من الذّهب نوبة الكامل نحو اثني عشر ألف دينار، وأربع عشرة بغلة بأطواق ذهب والخلع الأطلس وغيرها؛ وذلك في سنة اثنتي عشرة وستمائة.
قال: وولاّه السلطان الكبير في ذلك الوقت رياسة أطبّاء مصر والشام. وكان خبيراً بكلّ ما يقرأ عليه. وقرأت عليه مدّةً، وكان في كبره يلازم
стр. 13424
الإشغال (١)، ويجتمع كثيراً بالسّيف الآمدي، وحفظ شيئاً من كتبه وحصّل معظم مصنّفاته. ثمّ نظر في الهيئة والنّجوم، ثمّ طلبه الأشرف فتوجّه إليه سنة اثنتين وعشرين وستمائة. فذكر لي أنّه لحقه في هذه السفرة من شري بغلات وخيم ورخت (٢) عشرون ألف درهم، فأكرمه الأشرف، وأقطعه ما يغلّ في السنة نحو ألف وخمسمائة دينار. ثمّ عرض له ثقلٌ في لسانه واسترخاء، فجاء إلى دمشق لمّا ملكها الأشرف سنة ستٍّ وعشرين فولاّه رئاسة الطّبّ، وجعل له مجلساً لتدريس الصّنعة، ثمّ زاد به ثقل لسانه حتّى بقي لا يكاد يفهم كلامه، فكان الجماعة يبحثون قدّامه، ويجيب هو وربّما كتب لهم ما يشكل في اللّوح. واجتهد في علاج نفسه، واستفرغ بدنه مرّات، واستعمل المعاجين الحارّة فعرضت له حمّى قوية، فأضعفت قوّته، وتوالت عليه أمراضٌ كثيرة. وتوفّي في منتصف صفر، ولم يخلّف ولداً.
قرأت بخطّ الناصح ابن الحنبليّ: وفاة الدّخوار بعدما أسكت أشهراً وظهر فيه عبرٌ من الأمراض، وسالت عينه، ودفن في الجبل.
٤٦٧ - عبد السّلام ابن العالم الفاضل عبد الله أحمد بن بكران، أبو الفضل الدّاهريّ (٣) الخفّاف الخرّاز (٤)؛ كان يخرز في الخفاف بالحرير.
ولد في حدود سنة ستٍّ وأربعين.
وسمع من أبي بكر ابن الزّاغونيّ، ونصر بن نصرٍ العكبريّ، وأبي الوقت السّجزيّ، وأبي القاسم بن قفرجل، والعون بن هبيرة، وأحمد بن ناقة، وأبي المظفّر هبة الله ابن الشّبليّ، وهبة الله الدّقّاق، وابن البطّي، وجماعة.
روى عنه البرزاليّ، والدّبيثيّ (٥)، وابن نقطة (٦)، والسيف بن قدامة، وابن الحاجب، والشرف النابلسيّ، والشمس ابن الزّين، والتّقيّ ابن الواسطيّ، والمجد عبد العزيز الخليليّ، والعماد أحمد ابن العماد، والفخر ابن البخاريّ،
стр. 13425
ومحمد بن مؤمن الصّوريّ، ومحفوظ بن عمران الحامض.
وكان شيخاً حسناً، أمّيًّا لا يكتب، سهل القياد، محبّاً للرواية.
ومن مسموعاته: صحيح البخاريّ رواه مرّاتٍ، ومسند الدّارميّ، والمنتخب لعبد بن حميد، واللّمع للسّراج، وشمائل الزّهّاد سمع ذلك من أبي الوقت، والجزء الأول من المخلّصيات، وبعض الخامس والنصف الثاني من السادس من المخلّصيات، وبعض الخامس والنصف الثاني من السادس من المخلّصيات، وغير ذلك.
وتوفّي في تاسع ربيع الأوّل، قرأته بخطّ عمر ابن الحاجب (١).
وآخر من روى عنه بالإجازة فاطمة بنت سليمان.
٤٦٨ - عبد العزيز بن عليّ بن عبد الله بن عليّ بن مفرّج، أبو محمد القرشيّ الأمويّ النابلسيّ ثمّ المصريّ المالكيّ العطار.
كان أبوه من الصّالحين فولد له هذا بمكّة في سنة ثمانٍ وخمسين. وأجاز له السّلفيّ، وأبو محمد العثمانيّ، وجماعةٌ. وسمع من البوصيريّ.
قال المنذري (٢): سمعت منه، وكان شيخاً صالحاً، مقبلاً على ما يعنيه، عفيفاً، وأقعد سنين. ومات في صفر.
٤٦٩ - عتيق بن حسن بن رملي بن عبد الله بن عمر، أبو بكر الأنصاري الإسكندرانيّ.
سمع من السّلفي، وأبي الطّاهر بن عوف، ومخلوف بن جارة. وحدّث بالإسكندرية ومصر؛ روى عنه الزّكيّ عبد العظيم (٣).
وكان مشهوراً بالأمانة محمود السيرة فيما يتولاّه.
ولد سنة أربعٍ وخمسين.
٤٧٠ - عثمان بن محمد بن أحمد بن الفرج، أبو عبد الله ابن الدّقّاق البغداديّ.
стр. 13426
ولد سنة اثنتين وستّين. وسمع من أبيه أبي منصور، وشهدة، وابن شاتيل.
وهو من بيت حديثٍ ورواية. كتب عنه جماعةٌ. وأجاز لفاطمة بنت سليمان. ومات في سادس المحرّم (١).
٤٧١ - عليّ بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الكتاميّ، الحميريّ المغربيّ الفاسيّ، الحافظ أبو الحسن ابن القطّان.
سمع أبا عبد الله ابن الفخّار فأكثر عنه، وأبا الحسن بن النقرات، وأبا جعفر بن يحيى الخطيب، وأبا ذر الخشنيّ، وطائفة.
قال الأبّار (٢): كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدّهم عنايةً بالرّواية، رأس طلبة العلم بمرّاكش، ونال بخدمة السّلطان دنيا عريضةً. وله تواليف. درّس، وحدّث.
وقال ابن مسدي: معروفٌ بالحفظ والإتقان، إمامٌ من أئمّة هذا الشأن، مصريّ الأصل، مرّاكشيّ الدّار. كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدّولة المؤمنية فتمكّن من الكتب، وبلغ غاية الأمنية. وولي قضاء الجماعة في أثناء تقلّب تلك الدّول، فنسخت أواخره الأول، ونقمت عليه أغراضٌ انتهكت فيها أعراض. سمع أبا عبد الله بن زرقون، وأبا بكر بن الجدّ، وخلقاً. عاقت الفتن المدلهمّة عن لقائه. وأجاز لي.
قلت: طالعت جميع كتابه الوهم والإيهام الّذي عمله على تبيّين ما وقع من ذلك لعبد الحقّ في الأحكام (٣) يدلّ على تبحّره في فنون الحديث، وسيلان ذهنه، لكنّه تعنّت وتكلّم في حال رجالٍ فما أنصف، بحيث إنّه زعم أنّ هشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح ممّن تغيّر واختلط. وهنا فاتته سكتة، ولكنّ محاسنه جمّة.
стр. 13427
وتوفّي في ربيع الأوّل، وهو على قضاء سجلماسة.
٤٧٢ - عليّ بن محمد بن يحيى بن الحسين بن عليّ بن رحّال (١)، العدل الأجلّ نظام الدّين أبو الحسن.
ولد في رمضان سنة ستٍّ وأربعين وخمسمائة. وسمع من السّلفيّ، وعليّ بن هبة الله الكامليّ، القاسم ابن عساكر، وغيرهم.
وكان أخوه أبو المفضّل عبد المجيد مدرّس القطبيّة (٢)، سمع أيضاً من السّلفيّ، وتفقّه بالعراق.
روى عن النّظّام زكيّ الدّين المنذريّ، والشهاب الأبرقوهيّ، والجمال أبو حامد ابن الصّابونيّ.
ولد بالإسكندرية، ومات بالقاهرة، ودفن عند أخيه في الخامس والعشرين من شوّال.
ومن حديثه: أخبرنا الأبرقوهيّ، قال: أخبرنا عليّ بن رحّال، قال: أخبرنا السّلفيّ، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الغفّار، قال: حدّثنا محمد بن عليّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن عليّ الهجيميّ، قال: حدثنا محمد بن غالب بن حرب، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: حدثنا عبد الله بن زياد اليماميّ، قال: حدّثنا عكرمة بن عمّار، قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال: نحن بنو عبد المطّلب سادة أهل الجنّة، أنا وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (٣).
رواه ابن ماجه (٤) عن هديّة بن عبد الوهّاب، عن سعيد نحوه، فوقع بدلاً عالياً.
٤٧٣ - محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أسد بن نصر الدّمشقيّ، أبو
стр. 13428
طالب، عمّ والد الشرف بن أسيدة صاحبنا.
يروي عن الحافظ ابن عساكر.
توفّي في ذي القعدة (١).
٤٧٤ - محمد (٢) بن أحمد بن أبي الفتح بن أبي غالب، أبو أحمد ابن القطيعي، ويعرف بالمسديّ.
روى عن أبي شاكر السّقلاطونيّ.
مات بطريق مكّة، وقد قارب السبعين سنة.
٤٧٥ - محمد بن علي بن حماد بن عيسى، أبو عبد الله الصّنهاجيّ القلعيّ، نزيل بجاية، من أهل قلعة حمّاد.
روى عن أبي الحسن عليّ بن محمد التّميميّ المعمّر، والحافظ عبد الحقّ بن عبد الرحمن الإشبيليّ، ومحمد بن عليّ بن مخلوف الجزائريّ.
ودخل الأندلس، فسمع بها. وولي قضاء الجزيرة الخضراء، ثمّ صرف، وولي قضاء مدينة سلا.
قال الأبّار (٣): وكان شاعراً، كاتباً مترسّلاً، وله ديوان شعر. وله كتاب الإعلام بفوائد الأحكام لعبد الحقّ، وله شرح مقصورة ابن دريد. وقد أخذوا عنه.
قلت: روى عنه ابن مسدي.
٤٧٦ - محمد (٤) بن عليّ بن موسى، الإمام أبو بكر الأنصاريّ الشّريشيّ المقرئ، المعروف بالغزّال.
من كبار القرّاء المعمّرين؛ عاش تسعين سنةً. وهو آخر من حدّث عن
стр. 13429
عليّ بن محمد بن ناصر المقرئ. وسمع من يحيى بن أزهر، وجماعةٍ، وأنفرد بإجازة إبراهيم بن خلف بن فرقد.
قال ابن مسدي: سمعت منه بشريش، وقال لي: ولدت سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة. وبلغني موته في حدود سنة ثمانٍ وعشرين. أنشدنا لنفسه:
يا أيّها المدمن في غيّه … لا يرهب الموت ولا يرتدع
قد اتخذ الشّهوة معبوده … فما سوى شهوته يتّبع
يجرّ في اللذات أذياله … وبات في خلوته ما متع
أنذرك الشّيب فلم تتّعظ … خاطبك القبر فلم تستمع
فتب إلى ربك من قبل أن … تفجأك الصّرعة فيمن صرع
٤٧٧ - محمد بن عمر بن مالك، أبو عبد الله المعافريّ المغربيّ المقرئ.
روى عن أبي عبد الله محمد بن عليّ ابن الرّمّامة. ومات في شعبان.
٤٧٨ - محمد بن أبي الفتح المبارك بن عبد الرحمن بن عليّ بن عصيّة، أبو الرضا الكندي البغداديّ الحربيّ.
ولد سنة خمسٍ وأربعين وخمسمائة. وحدّث عن أبي الوقت، وعبد الرحمن بن زيد الورّاق. وكان شيخاً حسناً، متيقظاً.
روى عنه الدّبيثيّ في تاريخه (١)، والسيف ابن المجد، والتّقيّ ابن الواسطيّ، والشهاب الأبرقوهيّ، وجماعة.
وعصيّة: مختلفٌ فيه، وكان أبو الرضا يقول: إنّما هو بالضمّ (٢).
توفّي في الثالث والعشرين من المحرّم.
وقال ابن نقطة (٣): من قال: عصيّة - بالضمّ - أخطأ.
وعصيّة بالضمّ: محمد بن عبد الله بن عصيّة الفاروثيّ، مقدّم الباطنية.
стр. 13430
٤٧٩ - محمد بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل، المحدّث أبو الفضائل الرّافعيّ القزوينيّ، نزيل بغداد، وأخو العلاّمة إمام الدّين عبد الكريم صاحب الشرح الكبير.
ولد في حدود الستّين وخمسمائة. وأجاز له ابن البطّي. وسمع من أبيه. ورحل إلى أصبهان، والرّي، وأذربيجان، والعراق. وسمع من أبي السعادات نصر الله القزّاز، ويحيى بن بوش، وابن الجوزيّ. وتفقّه على أبي القاسم بن فضلان.
وولي مشارفة النّظامية وأوقافها، ونفّذ رسولاً من الدّيوان إلى بعض النّواحي. وقد كتب الكثير بخطّه من الفقه والحديث والتّفسير والأدب، وكان ضعيف الخطّ جدّاً. وكان صدوقاً، فاضلاً، ديّناً، متودّداً، طيّب الأخلاق. له معرفة حسنة بالحديث.
قال ابن النّجار: كان يذاكرني بأشياء، وله فهم حسن ومعرفةٌ. توفّي في الثامن والعشرين من جمادى الأولى، وقد قارب السبعين، ﵀ (١).
٤٨٠ - محمد بن محمود بن أبي نصر بن فرج، الأمير معين الدّين أبو عبد الله الدّوينيّ الجنديّ.
ولد بالدّوين في سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة. وسمع من السّلفيّ بالثّغر، ومن محمد بن عبد الرحمن المسعوديّ، وجماعة بمصر.
وقد نشأ بدمشق، ودخل مصر صحبة شمس الدّين تورانشاه بن أيوب في سنة أربعٍ وستّين. وكان من كبار الأجناد، وله غزوات عديدة. وانقطع في آخر عمره في بيته فكان لا يخرج إلاّ إلى الجمعة.
روى عنه المنذريّ، وقال (٢): توفّي في ذي القعدة.
٤٨١ - محمد بن أبي البركات بن أبي السعادات بن أبي القاسم، أبو
стр. 13431
السعادات وأبو بكر الحريميّ الطّاهريّ الصّيّاد، عرف بابن صعنين (١).
سمع من أبي الفتح ابن البطّي، وأبي المعالي محمد ابن اللّحّاس، وأحمد بن عليّ النّقيب، ولاحق بن كاره. وكان شيخاً صالحاً، عابداً.
روى عنه الدّبيثيّ (٢)، ومحمد بن أبي الفرج ابن الدّبّاب، وأبو إسحاق ابن الواسطيّ، وجماعة. وتوفّي في سابع ذي الحجّة.
وهو من بيت حديثٍ ورواية. وكان يتعفّف بصيد السمك.
٤٨٢ - محمد بن أبي الحسن بن يمن، أبو عبد الله الأنصاريّ الموصليّ، ويعرف بابن الأردخل الشاعر، نديم صاحب ميّافارقين غازي.
مات في رمضان عن إحدى وخمسين سنة. وكان من فحول الشعراء، مدح الأشرف موسى، وغيره (٣).
٤٨٣ - محمود بن محمد بن إبراهيم بن محمد، الشريف أبو القاسم العلويّ الحسينيّ الدّمشقيّ، نقيب الأشراف.
ولد سنة أربعٍ وسبعين وخمسمائة. وسمع من عبد الرّزّاق النّجّار، وأحمد ابن الموازينيّ، ويحيى الثّقفيّ، وغيرهم. وتوفّي في ثاني عشر المحرّم (٤).
٤٨٤ - مظفّر بن عقيل بن حمزة بن عليّ، أبو العزّ الشيبانيّ الدّمشقيّ الصفّار، والد المحدّث نجيب الدّين ابن الشقيشقة.
ولد سنة سبعٍ وخمسين وخمسمائة، وسمع من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر. روى عنه ابنه (٥).
٤٨٥ - موسى بن عبد الرحمن، أبو عمران الغرناطيّ ابن السّخّان.
روى عن أبي القاسم بن بشكوال، وأبي القاسم بن حبيش، وطبقتهما.
стр. 13432
قال الأبّار (١): كان مقرئاً، نحويّاً، لغويا، معلّماً بذلك. توفّي لعلّ في أواخر سنة ثمانٍ هذه.
وقال ابن مسدي: أخبرنا السّخّان سنة أربع عشرة وستمائة - فذكر أحاديث.
٤٨٦ - يحيى بن عبد المعطي بن عبد النّور، الشيخ زين الدّين أبو الحسين الزّواويّ المغربيّ النّحويّ الفقيه الحنفيّ.
ولد سنة أربعٍ وستّين وخمسمائة. وسمع بدمشق من القاسم ابن عساكر، وغيره. وصنّف التّصانيف الأدبية كـ "الفصول" (٢) والألفية. وأقرأ النّحو بدمشق مدّة، ثمّ بمصر. وتصدّر بالجامع العتيق، وحمل الناس عنه.
وكان إماماً مبرّزاً في علم اللّسان، شاعراً محسناً. وكان أحد الشهود بدمشق وما له ما يقوم بكفايته؛ فحضر مع العلماء عند الملك الكامل، وكان الكامل على ذهنه مسائل من العربية، فسألهم فقال: زيد ذهب به يجوز في زيدٍ النصب؟ فقالوا: لا، فقال ابن معط: يجوز النصب على أن يكون به المرتفع يذهب المصدر الّذي دلّ عليه ذهب وهو الذّهاب. وعلى هذا فموضع الجار والمجرور الّذي هو به النّصب، فيجيء من باب: زيد مررت به. إذ يجوز في زيد النصب وكذلك هاهنا. فاستحسن السلطان جوابه وأمره بالسفر إلى مصر، فسافر إليها، وقرّر له معلوماً جيداً، لكنّه لم تطل حياته بعد.
قال القاضي ابن خلّكان (٣): هو أحد أئمّة عصره في النّحو واللّغة. أقرأ بدمشق خلقاً كثيراً، وصنّف. ثمّ أرغبه الملك الكامل فانتقل إلى مصر، وأشغل بها. وزاواوة: قبيلة كبيرةٌ بظاهر بجاية من عمل إفريقية.
قلت: وهو من أهل الجزائر.
قرأ العربيّة على أبي موسى عيسى بن يللبخت الجزوليّ. وورد دمشق، وخدم في مواضع جليلة. وكانت له حلقة إشغال بالتّربة العادلية. ولمّا حضر
стр. 13433
الملك الكامل إلى دمشق تكلّم عنده، فأعجبه كلامه، وخلع عليه. وله مصنّف في علم العروض.
ومن آخر من قرأ عليه العربيّة شيخنا رضيّ الدّين أبو بكر القسنطينيّ النّحويّ.
وله قصيدة طنّانة في الملك الأمجد صاحب بعلبكّ، وهي طويلة منها:
ذَهَبَ الشَّبابُ ورَوْنَقُ العُمْرِ الشَّهِي … وأَتَى المَشِيبُ ورَوْنَقُ النّورِ البَهِي
وجَلَا بِهِ لَيْلُ الذُّؤابَة فجرُه … وأَتَى بناهٍ من نُهاه مُمَوَّهِ
وأَطَارَ نَسرُ الشيبِ غِرْبَانَ الصِّبا … فَنَعيْنَ في إثر الشَّبابِ المُنتهي
وَوَهَتْ قُوى الآمالِ مِنْهُ ومَا وَهَتْ … هممٌ أَبَيْنَ على الحَوادِثِ أنْ تَهِي
ما أَنْسَ لا أَنْسَ اللَّوى وتَنَعُّمي … فِيه بِخُرَّدِهِ الحِسانِ الأَوْجُهِ
تُوُفّي في سَلْخ ذي القِعْدَة، ودُفن بالقَرَافة، ولَهُ أربعٌ وستّون سَنَة.
٤٨٧ - يحيى بن أبي غالب بن حامد البغداديّ الحمّاميّ.
سمع من عبد الحقّ اليوسفيّ. ومات في رجب (١).
٤٨٨ - يونس بن محمد بن محمد بن محمد، الخطيب العالم بدر الدّين أبو منصور الفارقيّ ثمّ الدمشقيّ، وأصله من بخارى.
وسمع من أبي عليّ الحسن بن عليّ البطليوسيّ، والحافظ أبي القاسم الدّمشقيّ، والقاضي أبي سعد بن أبي عصرون، ومحمد بن أبي الصّقر، والسّلطان صلاح الدّين، ويحيى الثّقفيّ، وجماعة.
وولي خطابة المزّة مدّة. وكان فقيهاً، فاضلاً، حسن الأخلاق، ديّناً. تفقّه على ابن أبي عصرون، واختص بصحبته.
وولد تقريباً بميّافارقين سنة ثلاثٍ وخمسين.
روى عنه البرزاليّ، والقوصيّ، وأبو المجد العديميّ، وسبطه الجمال ابن الصّابونيّ. وحدّثنا عنه الجمال عبد الصّمد ابن الحرستانيّ.
ومات في ليلةٍ شريفةٍ؛ ليلة السابع والعشرين من رمضان (٢).
стр. 13434
وفيها ولد:
القاضي تقيّ الدّين سليمان بن حمزة في رجب، والشهاب أحمد بن عبد الرحمن النابلسي العابر في شعبان، والزّين محمد بن محمد بن رشيق قاضي الإسكندرية، والملك الأوحد يوسف ابن النّاصر داود ابن المعظّم، والعماد إبراهيم بن أحمد بن محمد الماسح، وداود بن أحمد بن سنقر المقدّمي، وعزّ الدّين موسى بن عليّ بن أبي طالب الموسويّ، وناصر الدّين محمد بن عبد الرحمن بن نوح ابن المقدسيّ، ونجم الدّين أحمد بن يحيى بن طي البعلبكّيّ، وواقف النّفيسية النفيس إسماعيل بن محمد بن صدقة، ونجم الدّين عبد الله بن أبي السعادات شيخ المستنصرية، وعلي بن عثمان بن عنان الطّيبيّ، والشيخ تاج الدّين موسى بن محمد المراغي بها ويعرف بالحيوان، والفخر يوسف بن أحمد بن عيسى المشهديّ الصوفيّ، وتاج الدّين عليّ بن أحمد العلويّ الغرّافيّ، في أولها.
стр. 13435
سنة تسع وعشرين وستمائة
٤٨٩ - أحمد بن أحمد بن أبي غالب، أبو القاسم بن أبي الفضل البغداديّ الكاتب الدّقّاق ابن السّمّذيّ، ويعرف أيضاً بالشّاماتي.
سمع جزء أبي الجهم من أبي الوقت. وولد سنة ثلاثٍ وأربعين وخمسمائة. روى عنه الدّبيثيّ (١)، وابن النجّار. وكان يطلع أميناً في البرّ.
وأجاز للزّكيّ المنذريّ، وقال (٢): توفّي في سلخ المحرّم. وهو معروف بكنيته. وقد سمّاه بعضهم علياّ، وبعضهم لاحقاً. وإنّما قيل له الشاماتي، لأنّه كان في وجهه شامة.
وكان شيخاً متيقّظاً لا بأس به. روى لنا عنه بالإجازة فاطمة بنت سليمان.
٤٩٠ - أحمد بن إسماعيل بن حمزة بن أبي البركات الأزجيّ، ابن الطّبّال أبو العباس.
ولد سنة خمسٍ أو ستٍّ وخمسين وخمسمائة. وكان مقدّم الطّبّالين بدار الخلافة.
سمع - وهو كبير - من ابن شاتيل، ونصر الله القزّاز، وجماعة ويقال: إنّه سمع من أبي طالب بن خضير.
وهو جدّ العماد إسماعيل بن عليّ شيخ المستنصرية.
توفّي في الرابع والعشرين من شوّال (٣).
وروى لنا عنه بالإجازة (فاطمة) (٤) بنت سليمان.
٤٩١ - أحمد بن عليّ بن أبي محمد، الأديب نجيب الدّين الشّيبانيّ النّحويّ الكاتب، خال النّجيب الصفّار.
стр. 13436
روى عنه القوصيّ، وقال: توفّي بدمشق. له شعر حسن.
٤٩٢ - أحمد بن عمر بن أبي المعالي أحمد بن الحسن بن عليّ بن عليّ بن عمر بن أحمد بن الهيثم بن بكرون، المعدّل الرئيس أبو المعالي النّهروانيّ ثم البغداديّ، إمام النّظامية.
ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستّين وخمسمائة. وسمّعه أبوه (١) في صغره من: النقيب أحمد بن عليّ العلويّ، والمبارك بن محمد البادرائيّ، ويحيى بن ثابت، وأحمد بن المبارك المرقّعاتيّ، وشهدة، وتجنّي الوهبانية، وخلقٍ سواهم.
وكان ثقةً، متحرّياً في الشّهادة والرّواية. روى عنه ابن النّجّار، وجماعة.
توفّي في ذي القعدة (٢).
٤٩٣ - إبراهيم بن ريحان بن ربيع، أبو إسحاق الدّيريّ الرّقّيّ الضّرير المقرئ.
سمع الحافظ ابن عساكر. وعنه أبو المجد العديميّ. وتوفّي في شوّال بحلب، وقد قارب الثّمانين أو جاوزها. وكان يلقّن بجامع حلب.
وسمع أيضاً من أبي سعد بن أبي عصرون.
٤٩٤ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الحربيّ النّسّاج، ويعرف جدّه ببرهان (٣).
سمع من عبد الرحمن بن زيد الورّاق، وغيره. وتوفّي في سلخ جمادى الأولى.
روى عنه ابن النجّار في تاريخه، وقال: دفن بباب حرب، وقد جاوز السّبعين.
٤٩٥ - إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، صاحب المغرب المأمون أبو العلى.
стр. 13437
لم يخلص إليّ من أخباره (١).
مات في سلخ هذه السنة.
وتملّك أعواماً، وبويع بعده ابنه عبد الواحد ولقّب بالرشيد مع خلاف ابن عمّه يحيى له.
وكان أبو العلى قد عصى عليه أهل سبتة مع أبي العباس الينشتيّ وأخذوا منه طنجة وقصر عبد الكريم، فجاء بجيشه، ونازل سبتة وبالغ في حصرها. فخرج أهل سبتة قبله فبيّتوا الجيش فهزموهم. وركب بعض الأوباش مركباً في البحر، وساروا إلى أن حاذوا الملك أبا العلى، فصيّحوا به، فوقف لهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين أصبح أهل سبتة فيك فرقتين، فلمّا سمع هذا، أنصت ورجا خيراً، فقال: ما يقولون؟ قالوا: قوم يقولون: أمير المؤمنين أقرع، وقومٌ يقولون: أصلع، فبالله أعلمنا حتّى نخبرهم، فغضب وتبرّم من هذا. ومات بعد يسير (٢).
(كان بطلاً شجاعاً، ذا رأي ودهاء وسعادة. كان بالأندلس مع أخيه العادل عبد الله، فلمّا ثارت الفرنج عليه - كما ذكرنا في ترجمة عبد الواحد المتوفّى سنة إحدى وعشرين - نزح من الأندلس واستخلف على إشبيلية أبا العلى هذا، وجرت أمور. ثمّ إنّ أبا العلى ادّعى الخلافة بالأندلس - كما قدّمنا - ثمّ جاء وملك مرّاكش، وانتزع المغرب من الملك يحيى بن محمد - وهو نسيبه - وحاربه مراراً، ويهزم يحيى فاستجار يحيى بقومٍ في حصن بنواحي تلمسان فقتل غيلة. واستقلّ المأمون بالأمر. وكان صارماً، سفّاكاً للدّماء.
مات في الغزو في هذه السنة (٣).
وكان قد أزال ذكر ابن تومرت من خطبة الجمعة. وتملّك بعده ابنه عبد الواحد الرشيد عشرة أعوام).
стр. 13438
٤٩٦ - إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد، القاضي شرف الدين أبو الفضل ابن الموصليّ الشّيبانيّ الدّمشقيّ الفقيه الحنفيّ.
كان شيخاً، ديّناً، خيّراً، لطيفاً. ولد سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة. وكان ينوب في الحكم بدمشق بالمدرسة الطّرخانية بجيرون. وحدّث عن يوسف بن معالي البزّاز، وهبة الله بن محمد ابن الشّيرازيّ. روى عنه الزّكيّ البرزاليّ، والشهاب القوصيّ، والمجد ابن الحلوانية، وجماعةٌ سواهم.
وكان مولده ببصرى، وتوفّي بدمشق في ثامن جمادى الأولى (١).
وكان جدّه شيرازيّاً، سكن الموصل مدّةً، وولي قضاء الرّها، وقدم أبوه القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم، وولي قضاء دمشق نيابةً، وطلع أبو الفضل هذا من أعيان الحنفية. درّس بالطّرخانية مدّة، ثم ترك القضاء والتّدريس، ولزم بيته مع حاجته، وذلك لأنّ المعظّم بعث إليه يأمره بإظهار إباحة الأنبذة، فأبى وقال: لا أفتح على أبي حنيفة ﵀ هذا الباب، وأنا على مذهب محمد في تحريمها، وقد صحّ عنه أنّه ما شربها قطّ، وحديث ابن مسعود لا يصحّ، وما روي فيه عن عمر لا يثبت. فغضب عليه المعظّم، وأخرجه من الطّرخانية، فأقام في بيته، وأقبل على التّحديث والفتوى والإفادة.
وأجاز لتاج العرب بنت علاّن، وهي آخر من روى عنه.
٤٩٧ - إسماعيل بن حسن بن أحمد بن أحمد بن الحسن بن عبد الكريم، أبو السعود النّهروانيّ ويعرف بابن الغبيريّ (٢).
ولد سنة إحدى وخمسين. وحدّث عن عمّة أبيه خديجة النّهروانية. وهو من بيت رياسة ببغداد. توفّي في حادي عشر شعبان.
٤٩٨ - أكمل بن مسعود بن عمر بن عمّار، الشريف أبو هاشم الهاشميّ البغداديّ.
حدّث بشيءٍ من كلام الشيخ عبد القادر (٣) ﵇ (٤).
стр. 13439
٤٩٩ - حسام بن غزّي (١) بن يونس، الفقيه عماد الدّين أبو المناقب المصريّ المحلّيّ الشّافعيّ الأديب.
تفقّه على الإمام شهاب الدّين محمد بن محمود الطّوسيّ. وسمع من البوصيريّ، وغيره. وأقام بدمشق مدّة، بها توفّي في ربيع الأوّل.
وكان ذا فضلٍ، ودين، وتفنّن، وفضائل.
روى عنه الشهاب القوصيّ، وغيره.
ومن شعره:
قيل لي من تحبّه عبث الشّعـ … ـر بخدّيه قلت ما ذاك عاره
جمر خدّيه أحرقت عنبر الـ … ـخال فمن ذلك الدّخان عذاره
٥٠٠ - الحسن بن الحسين بن محمد بن المفرّج، سديد الدّين أبو محمد القيسرانيّ ثمّ المصريّ المعروف بابن الذّهبيّ.
كان فاضلاً، شاعراً، مليح الخطّ. وجمع لنفسه مجموعاً هائلاً ذكر أنّه يكون خمسين مجلّداً.
روى عنه الزّكيّ المنذريّ شعراّ (٢). وتوفّي في صفر، وله ثمانون سنة.
٥٠١ - الحسن بن عليّ ابن العلاّمة أبي الفرج ابن الجوزيّ، أبو عليّ.
حدّث عن أبي الفتح بن شاتيل. ومات قبل أبيه. توفّي في سادس ذي الحجّة (٣).
٥٠٢ - الحسن بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن عليّ بن المسلّم، الفقيه الصالح أبو عليّ ابن الزّبيديّ (٤)، البغداديّ الحنفيّ، أخو سراج الدّين الحسين.
ولد سنة ثلاثٍ وأربعين. وقيل: سنة اثنتين وأربعين. وسمع من أبي
стр. 13440
الوقت السّجزيّ، وأبي عليّ أحمد ابن الخرّاز (١)، وأبي جعفر الطّائيّ، وأبي زرعة، ومعمر ابن الفاخر، وجماعة. وحدّث ببغداد ومكّة. وكان حنبلياً، ثمّ تحوّل شافعياً، ثمّ استقرّ حنفياً. وكان فقيهاً جليلاً، نبيلاً، غزير الفضل، ذا دينٍ وورع. وله معرفةٌ تامّة بالعربية. سمع صحيح البخاري قبل أخيه من أبي الوقت.
روى عنه الدّبيثيّ (٢)، والسيف ابن المجد، وعبد الله بن محمد العامريّ، وعبد العزيز بن الحسين الخليليّ، والضّياء عليّ ابن البالسيّ، والعزّ أحمد بن إبراهيم الفاروثيّ، والشهاب الأبرقوهيّ، وآخرون. وأجاز لفاطمة بنت سليمان.
وتوفّي في سلخ ربيع الأوّل.
وقد ترجمه ابن الحاجب وكتب: رأيتهم يرمونه بالاعتزال. وقد كتب السّيف تحته: قصّر - يعني ابن الحاجب - في وصف شيخنا هذا فإنّه كان إماماً عالماً لم نر في المشايخ إلاّ يسيراً مثله.
وقال ابن النّجّار: كان عالماً، متديّناً، حسن الطّريقة، له معرفة بالنّحو. كتب كثيراً من التّفاسير والحديث والتّواريخ. كانت أوقاته محفوظة.
٥٠٣ - الحسن بن يوسف بن الحسن بن عبد الحقّ، أبو محمد الصّنهاجيّ الشّاطبيّ، أخو الحسين وأخو عبد الله بن عبد الجبّار العثمانيّ لأمّه.
ولد بالإسكندرية في المحرّم سنة إحدى وستّين وخمسمائة. وروى عن السّلفيّ. روى عنه (٣).
وتوفّي في السنة (٤).
٥٠٤ - ذاكر بن مكّي بن أبي البركات، أبو القاسم النّجّاد.
стр. 13441
شيخٌ صالحٌ. حدّث عن أبي الحسين عبد الحقّ، وغيره. ومات في المحرّم (١).
٥٠٥ - رافع بن عليّ بن رافع، أبو البدر الحسينيّ الموسويّ البغداديّ.
شيخٌ صالحٌ، له شعر. وحدّث عن أبي عليّ الرّحبيّ.
روى لنا عنه أبو المعالي الأبرقوهيّ بالإجازة في معجمه. والدّبيثيّ في تاريخه وقال: مات في شعبان، وقد جاوز المائة (٢).
٥٠٦ - زيادة بن عمران بن زيادة، الفقيه أبو النماء المصريّ المالكيّ المقرئ الضرير.
قرأ بالروايات على أبي الجود. وتفقّه على أبي المنصور ظافر بن الحسين، وأبي محمد عبد الله بن شاس. وقرأ العربية على أبي محمد عبد الله بن عبد العزيز العطّار، وسمع من الأرتاحيّ، وغيره.
وتصدّر للإقراء بالجامع العتيق، وبالمدرسة الفاضلية، وتخرّج به جماعة.
قرأ عليه من شيوخنا سبطه أبو محمد الحسن بن عبد الكريم، والنّظام محمد التّبريزيّ.
وتوفّي في مستهلّ شعبان (٣).
٥٠٧ - طاهر بن سلّوم بن طاهر بن أحمد بن طاهر الأزجيّ البيّع، ابن الشّيرجيّ.
стр. 13442
روى عن وجيه بن هبة الله السّقطيّ. ومات في صفر، وقد شاخ (١).
٥٠٨ - عبد الله بن عبد الرحمن بن طلحة، أبو العلاء البصريّ المالكيّ.
سمع من عبد الله بن عمر بن سليخ. روى عنه بالإجازة أبو المعالي الأبرقوهيّ. وتوفّي بالبصرة في شوّال (٢).
٥٠٩ - عبد الله (٣) بن عبد الغنيّ بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور، الحافظ المحدّث جمال الدّين أبو موسى ابن الحافظ الأوحد أبي محمد المقدسيّ ثمّ الدّمشقيّ الصّالحيّ الحنبليّ.
ولد في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وسمع من عبد الرحمن بن عليّ ابن الخرقيّ، وإسماعيل الجنزويّ، والخشوعيّ. ورحل به أخوه عزّ الدّين محمد، فسمع ببغداد من ابن كليب، والمبارك ابن المعطوش، وابن الجوزي، وطائفة من أصحاب ابن الحصين. وسمع المسند من عبد الله بن أبي المجد بالحربية. ورحلا إلى أصبهان فسمعا سنة أربع وتسعين من مسعود الجمّال، وخليل بن أبي الرجاء، وأبي جعفر الطّرسوسيّ، وأبي المكارم اللّبّان، وأبي جعفر الصّيدلانيّ، وطائفة. فلمّا رجعا رحلا إلى مصر، وسمع عند والده من فاطمة بنت سعد الخير، وأبي عبد الله الأرتاحي، وابن نجا، وجماعة. ثمّ ارتحل مرّةً ثانية إلى العراق، فدخل إلى واسط، وسمع من أبي الفتح المندائي، ورحل إلى نيسابور فسمع من منصور الفراوي، والمؤيّد الطّوسيّ، وجماعة. وسمع بالحجاز، والموصل، وإربل. وعني بالحديث، وكتب الكثير بخطه، وخرّج، وأفاد.
وقرأ القرآن على عمّه الشيخ العماد. وتفقّه على الشيخ الموفّق. وقرأ العربية ببغداد على الشيخ أبي البقاء.
قال ابن الحاجب: سألت عنه الحافظ الضّياء، فقال: حافظٌ، متقنٌ، ديّنٌ، ثقةٌ. وسألت عنه الزّكيّ البرزاليّ، فقال: حافظ، ديّن، متميّز.
стр. 13443
وقال الضياء: كانت قراءته سريعةٌ صحيحة مليحة.
وقال عمر ابن الحاجب: لم يكن في عصره مثله في الحفظ والمعرفة والأمانة. قال: وكان كثير الفضل، وافر العقل، متواضعاً، مهيباً، وقوراً، جواداً، سخيّاً. له القبول التّامّ مع العبادة والورع والمجاهدة.
ونقلت من خطّ الضياء: كان ﵀ اشتغل بالفقه والحديث وصار علماً في وقته. ورحل إلى أصبهان ثانياً، ومشى على رجليه كثيراً. وصار قدوةً، وانتفع الناس بمجالسه الّتي لم يسبق إلى مثلها. وكان جواداً كريماً، واسع النّفس، وعوّد الناس شيئاً لم نره من أحد من أصحابنا، وذلك أنّ أصحابنا من الجبل والبلد كلّ من احتاج إلى قرض أو شراء غلّة أو ثوب أو غير ذلك يمضي إليه، فيحتال له حتّى يحصل له ما يطلب، حتّى كنت يضيق صدري عليه ممّا يصير عليه من الدّيون، وكثيرٌ من الناس لا يرجع يوفّيه حتّى سمعته مرّةً يقول: عليّ نحو ثلاثة ألف درهم. سمعت الحافظ أبا إسحاق الصّريفينيّ قال: مضيت إلى الحافظ أبي موسى فذكرت له مرض ابني، وأننا في شدّةٍ من مرضه فقال لي: هذه اللّيلة تخلّيه الحمّى. قال: فخلته الحمّى تلك اللّيلة. سمعت الإمام أبا إبراهيم حسن بن عبد الله يقول: رأيت والدي بعد موته بأيام وهو في حالٍ حسنة فقلت: ما لقيت من ربك؟ فقال: لقيت خيراً. فقلت: فكيف الناس؟ قال: متفاوتون على قدر أعمالهم. وسمعت الإمام أبا عمر أحمد بن عمر بن أبي بكر، قال: رأيت الجمال عبد الله فقلت: أيشٍ عمل معك ربّك؟ قال: أسكنني على بركة الرضوان. سمعت الفقيه عبد العزيز بن عبد الملك بن عثمان المقدسيّ أنّ يوسف بن عثمان القريريّ حدّثه قال: رأيت الجمال عبد الله في النوم في سطح جامع دمشق، ووجهه مثل القمر، وعليه ثيابٌ ما رأيت مثلها فقلت: يا جمال الدّين ما هذه الثياب؟ ما رأيتك تلبس مثل هذه؟ فقال: هذه ثياب الرضا. فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: نظر إليّ وتفضّل عليّ، أو ما هذا معناه. سمعت الملك الصالح إسماعيل ابن العادل يقول: قال رجل من أصحابي اسمه أحمد البرددار وفيه خير، وكان يتردّد إلى الجمال ﵀ وكان يكتب له أحاديث، فرأى الجمال في النوم فقال: أوصيك بالدّعاء الّذي حفّظتك إياه، فقال: ما بقيت أحفظه، فقال: هو مكتوب في
стр. 13444
الْوَرَقَةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لَكَ، وَسَلِّمْ عَلَى فُلَانٍ - يَعْنِينِي - وَقُلْ لَهُ: يَحْفَظُ هَذَا الدُّعَاءَ، فَمَا نَفْعَنِي مِثْلُهُ، وَهُوَ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ " (١). . . الْحَدِيثَ.
قلت: روى عنه الضّياء، والشيخ شمس الدِّين عبد الرحمن، والفَخْر عليٌّ، ونصر الله بن عَيّاش، والشمس مُحَمَّد بن حازم، ونصرُ الله بن أبي الفرج النابلسيّ، والشمس محمد ابن الواسطيّ، وآخرون. وتفرّد القاضي تقيّ الدِّين بإجازته من سنوات.
وقرأت بخطّ الضّياء: قال الإمام أبو عبد الله يوسُف بن عبد المنعم بن نعمة يرثي الحافظ أبا موسى:
لَهْفِي على ميّتٍ مَاتَ السُّرُورُ بِهِ … لَوْ كَانَ حيّاً لأحيى الدّين والسّننا
لو كُنْتُ أُعْطَى بِه الدُّنيا مُعَاوَضَةً … إذًا لَمَا كَانَتِ الدُّنيا لَهُ ثَمَنَا
يا سَيِّدِي ومكان الرُّوحِ من جسدي … هَلَّا دَنَا المَوْتُ مِني حين مِنْكَ دَنَا
وقال فيه الإِمام أبو محمد عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد المنعم بْن نِعمة المَقْدِسيُّ؛ أخو المذكور:
هَذَا المُصَابُ قَدِيمًا المَحْذُورُ … قَدْ شَاطَ مِنْهُ أضلُعٌ وصُدُورُ
وتَقَلَّبَتْ مِنْهُ القُلُوبُ حَرَارَةً … والدَّمْعُ مِنْهُ ساجمٌ مَوْفُورُ
حمدًا فَكَمْ بَلْوى بِفَقْدِ أحبّةٍ … كَادَتْ لِفَقْدِهِم السَّماءُ تَمُورُ
كَانُوا نُجُومًا يَهْتَدِي السَّاري بِهِم … بَلْ هُمْ عَلى مَرِّ الزَّمَانِ بُدُورُ
فَقَدَتْ جَمَالَ الدِّين سُنَّةُ أحمدٍ … ومساجدٌ ومجالسٌ وصُدُورُ
مَنْ ذَا يَقُومُ بِوعْظِهِ فِي قَلْبِ مَنْ … غَطَّى عَلَيْه غفلةٌ وَغُرُورُ
стр. 13445
حتّى تلين قلوبهم من بعدما … حَاكَى قَسَاوَتَها صَفًا وصُخُورُ
مِنْ لِلحَدِيثِ وأَهْلِه يا خَيْرَ مَنْ … قَرَأَ الأَحَادِيثَ الَّتي هِيَ نور
من لليتامى والأرامل من لذي الـ … حاجات إنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ أُمُورُ
أَمَّا القُبُورُ فَلَا تَزَالُ أَنيسَة … بِمَكَانِ قَبْرِكَ وَالدِّيار قُبُورُ
جَلَّتْ صَنائِعُهُ فَعمَّ مُصَابُه … فَالنَّاس فِيهِ كُلُّهُم مَأْجُورُ
في أبيات أخر.
وقرأت بخطّ محمد بن سلاّم في ترجمة الجمال أبي موسى قال: وعقد مجلس التّذكير وقراءة الجمع، ورغب الناس في حضوره. وكان جمّ الفوائد. كان يطرّز مجلسه بالخشوع والبكاء، وإظهار الجزع. قال: وسمعت أبا الفتح ابن الحاجب يقول: لو اشتغل أبو موسى حقّ الاشتغال ما سبقه أحد، ولكنّه تارك. قال: وسمعت أبا الفرج بن أبي العلاء الحنبليّ الفقيه يقول: الجمال كثير الميل إليهم - يعني السلاطين -. وسمعت أبا عبد الله الحافظ مذاكرةً يصف ما قاسى أبو موسى من الشدائد والجوع والعري في رحلته إلى أصبهان وإلى نيسابور.
وقال أبو المظفّر الجوزيّ (١): كان الجمال ابن الحافظ، أحواله مستقيمة حتّى خالط الصالح إسماعيل وأبناء الدنيا، فتغيّرت أحواله، وآل أمره إلى أن مرض في بستان الصالح على ثورا ومات فيه (٢)، فكفّنه الصالح وصلّى عليه.
وقال غيره: وقف الملك الأشرف دار الحديث بدمشق، وجعل للجمال أبي موسى وذرّيته رزقاً معلوماً، ومسكناً بعلوّ دار الحديث.
وقال الضياء: توفي يوم الجمعة خامس رمضان (٣).
٥١٠ - عبد الله بن قيصر، أبو بكر الموصلائيّ الحاجب.
روى عن أبي الفتح بن شاتيل. ومات في رجب (٤).