← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 13476–13515 · переход к 13481.

стр. 13476

٥٧٢ - بلد (١) بن سنجار بن بلد، أبو نصر الضّرير المقرئ شيخ بغداد. حدّث عن المبارك بن علي الحلاوي. ومات في ذي القعدة. ٥٧٣ - بكر بن إبراهيم بن مجاهد، أبو عامر الإشبيليّ الظّاهريّ. سمع ابن الجدّ، وأبا عبد الله بن زرقون. أخذ عنه ابن مسدي، وقال: مات في ذي الحجّة عن بضعٍ وثمانين سنة. ٥٧٤ - حسّان بن رافع بن سمير العامريّ، أبو النّدى الدّمشقيّ، إمام مسجد قصر حجّاج. حدّث عن أبي الحسين أحمد بن الموازينيّ. وكان رجلًا صالحًا، خيّرًا. وهو والد خطيب المصلّى. مات في ثالث رجب، وشيّعه خلقٌ كثير إلى الجبل (٢). ٥٧٥ - الحسن بن أحمد بن يوسف، الزّاهد القدوة أبو علي الإوقيّ. منسوب إلى أوه؛ قاله عبد القادر الرّهاويّ، وهي من أعمال العجم (٣). سمع الكثير من السّلفيّ، وسمع من عبد الواحد بن عسكر، والمفضّل بن عليّ المقدسيّ، ومحمد بن عليّ بن محمد الرّحبيّ، والمشرف بن المؤيّد الهمذانيّ. وأقام بالقدس أربعين سنةً. وكان زاهدًا، عابدًا، قانتًا، كثير المجاهدة. من أصحاب الأحوال والمقامات، ما له شغلٌ إلا التلاوة والانقطاع بالمسجد الأقصى. قال عمر بن الحاجب: سألت أبا عبد الله البرزاليّ عنه فقال: زاهد أهل

стр. 13477

زمانه، كثير التلاوة والعبادة والاجتهاد، معرضٌ عن الدنيا، صليبٌ في دينه. قلت: وكان له أجزاء يحدّث منها. روى عنه الضياء، والكمال بن الدّخميسي (١)، والكمال العديميّ (٢) وابنه أبو المجد، والقاضي محمد بن محمد بن صاعد، والرضي أبو بكر القسنطيني، وأبو المعالي الأبرقوهيّ، وغيرهم. توفّي الإوقيّ - بكسر الهمزة - في عاشر صفر. ٥٧٦ - الحسن بن عبد الله بن محمد بن أحمد، أبو المعالي الأنباريّ العدل، المعروف بابن الخلاّل. سمع من عبيد الله بن شاتيل، ونصر الله القزّاز. وكان شيخًا صالحًا، عابدًا، متنسّكًا، صحب الصّالحين. توفّي في رمضان (٣). ٥٧٧ - الحسن ابن الأمير السيّد أبي الحسن علي بن المرتضى أبي الحسين بن عليّ، الأمير أبو محمد العلويّ الحسينيّ البغداديّ. روى عن الحافظ محمد بن ناصر كتاب الذّرية الطاهرة للدّولابيّ. وهو آخر من سمع من ابن ناصر، وسمع من هبة الله الدّقّاق. وعاش ستًا وثمانين سنة، وتوفّي في الخامس والعشرين من شعبان. وكان شريفًا، سريًا، محتشمًا، كبير القدر. روى عنه أبو نصر محمد بن المبارك المخرّمي شيخٌ للفرضيّ، وأبو العباس الفاروثيّ، والعماد إسماعيل بن الطبّال، وهو آخر من روى عنه بالسّماع، والرشيد محمد بن أبي القاسم. وروى لنا عنه بالإجازة جماعةٌ من آخرهم القاضي تقيّ الدّين. وسماعه من ابن ناصر في السنة الخامسة من عمره. وهو من ذرّية جعفر بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب. وكان

стр. 13478

يسكن بالجوسق، ويجيء أحيانًا إلى بغداد (١). ٥٧٨ - الحسن بن عليّ بن ألفكون، أبو علي القسنطينيّ، رئيس الكتّاب، وعلم الآداب. قال ابن مسدي: انقاد العلم إلى بنانه، وسلّم قسٌّ (٢) إلى بيانه، فبذّ أهل زمانه نظمًا ونثرًا، ونفث في الأسماع سحرًا. لقيته ببجاية، ومات على رأس الثلاثين، وله نيّف وستون سنة. ٥٧٩ - الحسنة، أمّ الكمال بنت القاضي عليّ بن عثمان القرشيّ المخزوميّ. توفّيت في المحرّم عن خمسٍ وستّين سنة، وروت بالإجازة عن شهدة، وعبد الحقّ، وغيرهما. وتوفّيت بالقاهرة (٣). ٥٨٠ - الحسين بن أبي البركات محمد بن أبي الفتوح عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن يحيى، ابن الوكيل، العدل المحتسب أبو عبد الله الكرخيّ الشّطويّ. سمع حضورًا من جدّه، وسمع من أبيه، وأبي الفرج محمد بن أحمد بن نبهان. وهو من بيت حديثٍ وتقدّم ببغداد (٤). مات في شعبان. روى عنه ابن النّجّار وقال: كان أديبًا، جمع تاريخًا ذيّل به على ابن جرير. وطلب بنفسه. ٥٨١ - حميراء بنت إبراهيم بن سفيان بن إبراهيم بن عبد الوهّاب ابن الحافظ ابن مندة الأصبهانية، أخت أبي الوفاء محمود. كانت أكبر من أخيها. سمعت حضورًا من أبي الوقت، وسماعًا من غيره. وتوفّيت في جمادى الأولى بأصبهان.

стр. 13479

روى عنها بالإجازة أبو الفضل ابن عساكر، والقاضي تقيّ الدّين سليمان، وغيرهما. ٥٨٢ - خلف بن محمد بن شمدون، أبو سعيد الأنصاريّ خطيب توزر (١). كان من العبّاد والعلماء. رحل إلى البلاد، وسمع. وكان سريع القلم جدًا. كتب تاريخ ابن جرير مرّات، وتاريخ ابن عساكر. سمع من السّلفيّ يسيرًا، ومن ابن الجوزيّ، ومن العماد الكاتب تواليفه. أخذ عنه ابن مسدي وأرّخه. ٥٨٣ - رضوان بن عبد الحق بن عبد الواحد، أبو النّعيم الأنصاريّ الحنبليّ. سمع ابن صدقة الحرّانيّ. وأجاز له التّرك (٢). كتب عنه ابن الحاجب. وأجاز للبهاء ابن عساكر عامًّا. توفّي في ربيع الأوّل عن ستٍّ وسبعين سنة. ٥٨٤ - سليمان بن محمود بن أبي غالب، القاضي الأجلّ فخر الدّين الدّمشقيّ الكاتب. كان أديبًا منشئًا، وقورًا، حسن السّمت، وافر العقل. كتب في الديوان العادليّ والدّيوان الكامليّ كتابة الإنشاء مدّة. وله شعر حسن. وتوفّي بظاهر حرّان في ربيع الأوّل (٣). ٥٨٥ - شريفة بنت إبراهيم بن سفيان بن مندة. ماتت في ذي القعدة بعد أختيها أسماء وحميراء. ٥٨٦ - صالح بن بدر بن عبد الله، الفقيه تقيّ الدّين المصريّ الزّفتاويّ الشافعيّ. تفقّه على الشهاب محمد بن محمود الطّوسيّ. ودخل الثّغر (٤) وسمع من

стр. 13480

أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، وعبد المجيد بن دليل، وبمصر من البوصيريّ. وأفاد، وأعاد، وناب في القضاء، ودرّس. وزفتى: بليدةٌ من بحريّ الفسطاط (١). توفّي في ذي القعدة، وهو من أبناء السبعين. ٥٨٧ - عبد الخالق بن عبيد الله بن أحمد بن هبة الله المنصوريّ. سمع من ابن كليب. وحدّث (٢). ٥٨٨ - عبد الرحمن بن سلامة بن نصر بن مقدام، أبو محمد المقدسيّ المقرئ الصّالحيّ. شيخٌ صالحٌ، ديّن. ولد سنة ثلاثٍ وخمسين. وسمع من أبي المعالي بن صابر، والفضل بن البانياسيّ، ومحمد بن حمزة القرشيّ. روى عنه الضياء، والزكيّ البرزاليّ. توفّي في العشرين من المحرّم (٣). ٥٨٩ - عبد الرحمن بن أبي المجد فاضل بن عليّ، الفقيه أبو القاسم الإسكندرانيّ، المعروف بابن السّيوري (٤). رحل إلى بغداد، وقرأ بواسط القراءات. وسمع ببغداد من أحمد بن علي الغزنويّ، وأبي الحسن عليّ بن محمد بن السقّاء، وجماعة، وبدمشق من زين الأمناء أبي البركات. وحدّث بمصر والإسكندرية. وكان بصيرًا بالقراءات واختلافها. مات في صفر. ٥٩٠ - عبد الرحمن بن محفوظ بن أبي بكر بن أبي غالب بن البزن (٥)، أبو بكر البغداديّ الحنبليّ المقرئ الرجل الصّالح.

стр. 13481

سمع من شهدة، وعبد الحقّ، ويحيى بن يوسف السّقلاطوني. وحدّث. توفّي في رجب. روى لنا عنه بالإجازة القاضي تقيّ الدين سليمان. ٥٩١ - عبد العزيز بن أبي الفتح أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا العدل، صفيّ الدين أبو بكر البغداديّ الحنبلي التّاجر السّيبيّ (١) الأصل. ولد في رمضان سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة. وسمع من أبي زرعة، ويحيى بن ثابت، وأبي بكر بن النّقور، وعليّ ابن عساكر البطائحيّ، وعليّ بن أبي سعد الخبّاز، وأبي الحسين عبد الحقّ، وأحمد بن محمد بن بكروس، وأخيه عليّ بن محمد. وسكن مصر وشهد عند قاضي القضاة عبد الملك بن درباس، وغيره. وكان شيخًا حسنًا، كثير التلاوة. حدّث بالكثير؛ روى عنه ابن نقطة، والزكيّ المنذريّ، ومحمد بن عثمان الشّارعيّ، والرشيد عمر الفارقيّ، وداود بن عبد القويّ، ومحمد بن إبراهيم الميدوميّ، ومحمد بن عبد المنعم بن الخيميّ الشاعر، وأخوه إسماعيل، والنّجيب محمد بن أحمد الهمذانيّ، والنّور عليّ بن نصر الله بن الصوّاف الخطيب، ومحمد بن عبد المنعم بن شهاب. وحدّثنا عنه الشهاب الأبرقوهيّ، ومحمد بن عبد القويّ بن عزّون، وجعفر بن محمد الإدريسيّ، وجبريل بن الخطّاب، ومحمد بن صالح الجهنيّ، وغازي بن أيوب المشطوبيّ، والزّين وهبان بن عليّ المؤذّن، وإسحاق بن درباس المارانيّ، وأحمد بن عبد الكريم الواسطيّ، وعيسى بن عبد المنعم المؤدّب، وأبو الحسن عليّ بن عيسى بن القيّم الكاتب. وتفرّد القاضي الحنبليّ (٢) بإجازته الآن. وذكر ابن نقطة أنّه سمع أيضًا من أبي المعالي أحمد بن عبد الغنيّ بن

стр. 13482

حنيفة، وقال (١): سمعت منه بمصر أحاديث من مسند الشافعيّ بروايته عن أبي زرعة، وسمع منه أيضًا سنن ابن ماجه القزوينيّ سوى الجزء الأول، والجزء العاشر، وأوّل المسموع أول أبواب الطهارة، وهو أول الثاني، وأول العاشر: من أعتق عبدًا واشترط خدمته، وآخره: آخر فضل الرّباط في سبيل الله. وقال المنذريّ (٢): توفّي في سحر التاسع عشر من رمضان. وقرئ عليه الحديث في ليلة وفاته إلى قريبٍ من نصف الليل، وفارقهم. وتوفّي في أواخر اللّيلة. قلت: سمع من أبي زرعة مسند الشافعيّ، وسنن ابن ماجه بفوتٍ، وسنن النّسائيّ بفوتٍ أيضًا، وكتاب صفوة التصوّف لابن طاهر، وكتاب فضائل القرآن لأبي عبيد. وعاش خمسًا وسبعين سنة. وذكره ابن النجّار مختصرًا وقال: قرأت عليه سنن ابن ماجه، وكتبتها بخطّي عنه. وكان صدوقًا، جليلًا. قرأ في الفقه على أبي الفتح بن المنّي. ٥٩٢ - عبد القادر بن محمد بن سعيد بن جحدر، القاضي أبو محمد الأنصاريّ الجزري الشافعيّ الصوفيّ. سمع ببغداد من محمود بن نصر بن الشّعار. وشهد بالقاهرة، وولي القضاء بنواحي الصّعيد. روى عنه الزكيّ المنذريّ وقال (٣): توفّي في ثاني المحرّم، وولد بجزيرة ابن عمر في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ٥٩٣ - عبد الواحد بن المسلّم بن الحسين، العدل تاج الدّين بن أبي الخوف الحارثيّ الدّمشقيّ. من بيت عدالةٍ وذكر. حدّث عن المحدّث أبي الفوارس الحسن بن شافع. كتب ابن الحاجب عنه، وعن أخيه محمد (٤).

стр. 13483

٥٩٤ - عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن جعفر بن هارون بن محمد بن أحمد بن محبوب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ﵁، الأنصاريّ العبّاديّ المحبوبيّ النجاري العلاّمة جمال الدّين أبو الفضل (١). كان محدّثًا، مدرّسًا، عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وكان ذا هيبةٍ وعبادةٍ، وإليه انتهت رياسة الحنفية بما وراء النهر. أخذ المذهب عن عماد الدين بن أبي العلاء عمر بن بكر بن محمد الزّرنجريّ البخاريّ، عن أبيه شمس الأئمة، وبرهان الأئمّة عبد العزيز بن محمد بن مازة البخاريّ؛ كليهما عن شمس الأئمّة أبي بكر محمد بن أبي سهل السّرخسيّ، عن شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحلوائيّ البخاريّ، عن القاضي أبي علي الحسين بن الخضر النسفي، عن أبي بكر محمد بن الفضل الكماري البخاريّ، عن الأستاذ أبي محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثيّ البخاريّ السّدمونيّ، عن أبي عبد الله بن أبي حفص أحمد بن حفص البخاريّ، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الشيبانيّ، عن أبي حنيفة. وتفقّه أيضًا على القاضي فخر الدّين بن أبي المحاسن الحسن بن منصور بن محمود الأوزجنديّ المعروف بقاضي خان. وسمع الحديث منهما ومن أبي المظفّر عبد الرحيم بن السّمعانيّ، وجماعة. تفقّه عليه خلقٌ، وسمعوا منه، منهم سيف الدّين سعيد بن المطهّر الباخرزيّ، والقاضي شرف الدّين محمد بن محمد بن عمر العدويّ. وقال لنا أبو العلاء الفرضيّ: روى لنا عنه جمال الدين محمد بن محمد بن إبراهيم الحسينيّ البخاريّ، والإمام شهاب الدّين أبو منصور محمد بن أبي بكر بن أبي اللّيث، والإمام معزّ الدّين محمد بن محمد الدّيزقيّ، والعلاّمة حافظ الدّين أبو الفضل محمد بن محمد بن نصرٍ البخاريّ. ولد في جمادى الأولى سنة ستٍّ وأربعين وخمسمائة. وتوفّي في جمادى الأولى أيضًا سنة ثلاثين وستمائة، وصلّى عليه ابنه شمس الدّين أحمد بكلاباذ - محلّتنا - أنبأني بذلك الفرضيّ.

стр. 13484

٥٩٥ - عثمان، الملك العزيز بن العادل. كان شقيق الملك المعظّم، وهو الذي بنى قلعة الصبيبة، وكانت له هي وبانياس وتبنين وهونين. وكان عاقلًا، قليل الكلام تبعًا لأخيه المعظّم. عامل بعد موت أخيه على قلعة بعلبك، وأخذها من الأمجد. وكتب إليه ولد الأمجد: قد نشرت لك باب السّر، فأت إلينا سحرًا، فساق من الصبيبة في أول اللّيل وفي المسافة بعدٌ، فجاء بعلبك وقد أسفر (١) وفات المقصود، فنزل مقابل قلعة بعلبك، فبعث صاحبها يستنجد بالسلطان الملك النّاصر داود، فأرسل الغرس خليل إلى العزيز يقول: ارحل من كلّ بدّ فإن أبى، فارم الخيمة عليه. وعلم العزيز بذلك، فردّ إلى بلاده. فلمّا قصد الكامل دمشق، كان العزيز معه إلبًا على الناصر، وعلم الأمجد بما فعل ولده معه، فيقال: إنّه أهلكه. توفّي العزيز ببستانه المعروف بالنّاعمة ببيت لهيا في عاشر رمضان، ودفن بالتّربة المعظّميّة بقاسيون. ٥٩٦ - عليّ بن بركات بن إبراهيم بن طاهر، أبو الحسن بن الخشوعيّ الدّمشقيّ. حدّث عن أبيه، ويحيى بن محمود الثّقفي. ومات في المحرّم كهلًا (٢). ٥٩٧ - عليّ بن عبد الله بن عبد الرحمن بن لحسن (٣) بن علّوش (٤)، أبو الحسن الصّنهاجي الفاسيّ المغربيّ الخطيب بمسجد الخليل. ولد بفاس في رجب سنة ثمانٍ وخمسين. وسمع بالمغرب من جماعة، وبدمشق من الخشوعيّ، والبهاء ابن عساكر، وببغداد من الحافظ ابن الجوزيّ. كتب عنه ابن الحاجب، والزكيّ عبد العظيم. وكان إمام بلد الخليل وخطيبه. ومات في جمادى الأولى.

стр. 13485

٥٩٨ - عليّ ابن العلاّمة الحافظ جمال الدّين أبي الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمد بن عليّ، بدر الدّين أبو الحسن، ابن الجوزي البغداديّ الناسخ. ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة في شوّال أو رمضان. وسمع من أبي الفتح بن البطّي، وأبي زرعة، وأبي بكر بن المقرّب، ويحيى بن ثابت، وشهدة، وجماعة. وتكلّم في الوعظ في شبيبته، ثمّ تركه. وكان كثير المحفوظ، حلو الدّعابة، لزم اللّعب والعشرة، والبطالة مدّة، ثم في الآخر لزم النّسخ، وكان منه عيشته. وكان مطّرح التّكلف، يخدم نفسه. وكان يتكلّم في أبيه. كتب عنه الحفّاظ. وقال ابن نقطة - ومن خطّه نقلت (١) -: سمعت منه، وهو صحيح السّماع، ثقةٌ، كثير المحفوظ، حسن الإيراد. سمع صحيح الإسماعيليّ من يحيى بن ثابت، ومسند الشافعيّ من أبي زرعة. قلت: روى عنه السّيف، والعزّ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الغنيّ، والشمس عبد الرحمن بن الزّين، والتّقيّ بن الواسطيّ، والكمال عليّ بن وضّاح، والشمس محمد بن يحيى بن هبيرة نزيل بلبيس، والفاروثيّ، وجماعة. وبالإجازة الفخر إسماعيل ابن عساكر، والقاضي الحنبلي، وأبو نصر بن الشيرازيّ. مات في سلخ رمضان (٢). ٥٩٩ - عليّ بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، العلاّمة عز الدين أبو الحسن بن الأثير أبي الكرم الشّيبانيّ الجزريّ المؤرّخ الحافظ، أخو اللّغوي مجد الدّين (٣) صاحب النّهاية وجامع الأصول، والوزير ضياء الدّين نصر الله (٤).

стр. 13486

ولد بالجزيرة العمريّة سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها، ثمّ تحوّل بهم والدهم إلى الموصل، فسمعوا بها، واشتغلوا. سمع من خطيب الموصل أبي الفضل، ويحيى الثّقفيّ، ومسلم بن عليّ الشّيحي، وغيرهم. وسمع ببغداد - لمّا سار إليها رسولًا - من عبد المنعم بن كليب، ويعيش بن صدقة الفقيه، وعبد الوهّاب بن سكينة. وكان إمامًا، نسّابةً، مؤرّخًا أخباريًا، أديبًا، نبيلًا، محتشمًا. وكان بيته مأوى الطّلبة. وأقبل في أواخر عمره على الحديث، وسمع العالي والنّازل حتّى سمع لمّا قدم دمشق من أبي القاسم بن صصرى، وزين الأمناء. وصنّف التاريخ المشهور المسمّى بـ الكامل على الحوادث والسنين في عشر مجلّدات، واختصر الأنساب لأبي سعد السّمعانيّ، وهذّبه، وأفاد فيه أشياء، وهو في مقدار النّصف وأقلّ. وصنّف كتابًا حافلًا في معرفة الصّحابة جمع فيه بين كتاب ابن مندة، وكتاب أبي نعيم، وكتاب ابن عبد البرّ، وكتاب أبي موسى في ذلك، وزاد وأفاد. وشرع في تاريخٍ للموصل، وقدم الشام رسولًا. وحدّث بحلب ودمشق. روى عنه الدّبيثيّ (١)، والشّهاب القوصيّ، والمجد بن أبي جرادة، ووالده أبو القاسم في تاريخه (٢)، وآخرون من أهل الشام والجزيرة. وحدّثنا عنه الشرف ابن عساكر، وسنقرٌ القضائي. وقال ابن خلّكان (٣): كان بيته بالموصل مجمع الفضلاء، اجتمعت به بحلب، فوجدته مكمّلًا في الفضائل والتّواضع، وكرم الأخلاق، فترددت إليه. وكان طغريل الخادم أتابك الملك العزيز قد أكرمه وأقبل عليه. فصل في نسبته إلى جزيرة ابن عمر: نسبة إلى عبد العزيز بن عمر البرقعيديّ (٤) هو الّذي بناها، فنسبت إليه؛ قاله ابن خلّكان. وقال (٥): رأيت في تاريخ ابن المستوفي (٦) في ترجمة أبي السعادات

стр. 13487

المبارك ابن الأثير أنه من جزيرة أوس وكامل ابني عمر بن أوس التّغلبي، قال: وقيل: إنها منسوبة إلى يوسف بن عمر الثقفي أمير العراق، فالله أعلم. فصل في نسبه: كان يكتب بخطّه: عليّ بن محمد بن عبد الكريم الجزريّ. وكذا ذكره الحافظ المنذريّ (١)، والقوصيّ في معجمه، وابن الظاهريّ في تخريجه للصاحب مجد الدّين العقيليّ، وأبو الفتح بن الحاجب في معجمه وغيرهم. وهو على سبيل الاختصار. وله أشباه ونظائر، وإنما هو: عليّ بن محمد بن محمد بلا ريب، كما هو في تسمية أخويه، وابن أخيه شرف الدّين. وكذا ذكره القاضي ابن خلّكان، وأبو المظفّر بن الجوزيّ، وابن السّاعي، وغيرهم. ويوضّحه أنّ المنذري ذكر أخويه فقال: محمد بن محمد - مرّتين. فصل في وفاته: رأيت تصحيحه على طبقةٍ تاريخها في نصف شعبان سنة ثلاثين. ثمّ رأيت وفاته في رمضان من السنة بخطّ أبي العباس أحمد بن الجوهريّ. وأمّا المنذريّ، وابن خلّكان، وابن الساعي، وأبو المظفّر الجوزيّ، وشيخنا ابن الظّاهريّ فقالوا: توفّي في شعبان ولم يعيّنوا اليوم. وأمّا القاضي سعد الدّين الحارثيّ، فقال: توفّي في الخامس والعشرين من شعبان. ٦٠٠ - عليّ بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن بختيار بن عليّ بن محمد، أبو جعفر بن المندائيّ الواسطيّ. ولد سنة تسعٍ وخمسين وخمسمائة. وسمع من جده لأمّه هبة الله بن الجلخت، وأبي محمد الحسن بن عليّ بن السّوادي، وأبي طالب محمد بن عليّ الكتّاني، وجماعة. وحدّث ببغداد. وهو أخو أحمد. توفّي ليلة عرفة (٢). ٦٠١ - عليّ بن محمد بن إبراهيم بن أبي العافية، أبو الحسن السّبتيّ التّاجر الأمين.

стр. 13488

حجّ مرّات. وتلا بالسبع على أبي محمد بن عبيد الله، ثمّ على محمد بن إبراهيم الزّنجانيّ، وغيره. قال ابن مسدي (١): سمعت منه. مولده في حدود الستّين وخمسمائة. وعاش نحوًا من سبعين سنةً. قال: ومات بسبتة قريبًا من سنة ثلاثين وستمائة. ٦٠٢ - عليّ بن محمد بن يبقى بن جبلة، أبو الحسن الأنصاريّ الأندلسيّ، خطيب أوريولة. شيخٌ عالم، حجّ سنة ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة، وسمع من السّلفيّ، وأحمد بن المسلّم اللّخمي، وأبي الطاهر بن عوف، وجماعة. قال الأبّار (٢): وكان صالحًا، حسن السّمت. توفّي بأوريولة سنة ثلاثين. وقال ابن مسدي: كان من أهل الخير والصّلاح، والبرّ والسّماح. حجّ مع أخيه في صغره، فسمع من السّلفيّ، وعليّ بن هبة الله الكامليّ، وعليّ بن عمار. ولم يحصّل من سماعاته شيئًا، تركها مع أخيه، فسكن أخوه مصر، وبعث إليه ببعضها. قرأت عليه صحيح البخاري بسماعه من ابن عمّار. مات وقد قارب الثمانين. ٦٠٣ - عليّ ابن الإمام أبي القاسم بن فيرّه بن خلف الرّعينيّ، الشاطبيّ ثم المصريّ الشافعيّ العدل ضياء الدّين. سمع من أبيه، وأبي القاسم البوصيريّ، والأرتاحيّ. وكان على طريقةٍ حسنة. توفّي جمادى الآخرة (٣). ٦٠٤ - عمر بن محمد بن منصور، الحافظ المفيد عزّ الدين أبو حفص وأبو الفتح ابن الحاجب الأمينيّ الدّمشقيّ. عني بالحديث أتمّ عناية، وأوّل سماعه سنة عشر بعد موت ابن ملاعب فسمع من هبة الله بن الخضر بن طاووس - وهو أقدم شيخٍ له - وموسى بن

стр. 13489

عبد القادر، والشيخ الموفّق، وابن أبي لقمة، وابن البنّ، وطبقتهم بدمشق. والفتح بن عبد السّلام، وطبقته ببغداد. وعبد القويّ بن الجبّاب، وطبقته بمصر. وسمع بإربل، والموصل، والإسكندرية، والحجاز. وعمل معجم البقاع والبلدان التي سمع بها، ومعجم شيوخه وهو ألف ومائة وبضعة وثمانون نفسًا. قال الحافظ زكيّ الدّين المنذريّ (١): يقال: إنّه لم يبلغ الأربعين. وكان فهمًا، متيقّظًا، محصّلًا. جمع مجاميع. وكانت له همّة. وشرع في تصنيف تاريخ دمشق مذيّلًا على الحافظ أبي القاسم. وقرأت بخطّ السيف بن المجد، قال: خرّجه خالي الحافظ، ثمّ طلب وسافر، وسمع منه الزكيّ البرزاليّ، وأبو موسى الرّعينيّ، والجمال بن الصّابونيّ، وغيرهم، وخرج له وللمشايخ تخاريج كثيرة. وقد كتب ابن الكريم على معجمه بالبقاع: هذا كتابٌ حوى فضلًا مؤلّفه … الحافظ الخير عزّ الدّين ذو الفطن من فضله شاع في شامٍ وسار إلى … أرض العراق إلى مصرٍ إلى عدن قال السيف: وسمعت غير واحد يحكي أنّ جماعةً منهم البرزاليّ سمعوا أجزاء على شيخ، ثمّ تقاسموا أنّهم لا يظهرون ذلك - زادني عبد الرحمن بن هارون أنّ الشيخ كان عبد الرحمن بن عمر النسّاج - فسهّل الله ظهور عمر بن الحاجب عليه من غير جهتهم، فجمع جماعةً، وجاء فسمعه عليه، واشتهر، وحجّ معادلًا للتقيّ أحمد بن العزّ، فكان يمشي كثيرًا لطلب السماع في الأماكن من أقوامٍ في الرّكب، وكان التقيّ يتأذّى بركوبه وسط الجمل. ورأيته حين قدم بغداد صام أوّل يوم قدمها، إذ قيل: إنّ الفتح بن عبد السلام في الأحياء. وكان يصوم كثيرًا يستعين بذلك على طلب الحديث. وأقام ببغداد مدّة أشهر، فما ونى ولا فتر، كان يسمع ويكتب، وكان المحدّثون ببغداد يتعجّبون منه ومن كثرة طلبه. وقال الضياء: توفّي في ثامن وعشرين شعبان صاحبنا الشاب الحافظ أبو حفص بن الحاجب بدمشق ولم يبلغ أربعين سنة. وكان ديّنًا، خيّرًا، ثبتًا، متيقّظًا، قد فهم وجمع.

стр. 13490

قلت: وسمع منه الحافظ أبو إسحاق الصّريفينيّ، وأبو الحسن بن البالسيّ أيضًا. وكان جده منصور بن مسرور حاجبًا لأمين الدّولة صاحب بصرى. وأنبأنا الجمال أبو حامد، قال: أخبرنا ابن الحاجب، قال: أخبرنا عبد السلام بن عبد الرحمن بن سكينة، قال: أخبرنا فورجة، فذكر حديثًا. ثمّ قرأت مولد ابن الحاجب بخطّه سنة ثلاثٍ وتسعين وخمسمائة. ٦٠٥ - كامرو بن أبي بكر عليّ بن محمد بن سعد الأنصاريّ الأنسيّ (١) الصّوفيّ. شيخٌ صالحٌ، معمّرٌ. حدّث بالإجازة العامّة عن سعيد بن أبي الرجاء الصّيرفيّ، وغيره. قال المنذري (٢): ذكر أنّ مولده سنة ستٍّ وعشرين. رأيته غير مرّةٍ. وعرف أيضًا بالأثريّ؛ لأنه كان يذكر أنّ معه أثرًا من أثر رسول الله ﷺ ، وكان له قبولٌ من الناس، وكان يذكر عنه - على علوّ سنّه - قوةٌ على الحركة والتّصرّف والمأكل. مات في شعبان. ٦٠٦ - كوكبوري (٣) بن عليّ بن بكتكين بن محمد، السّلطان الملك المعظّم مظفّر الدين أبو سعيد ابن صاحب إربل الأمير زين الدين أبي الحسن عليّ كوجك التّركمانيّ، وكوجك: لفظ أعجميّ معناه لطيف القدّ. كان شجاعًا، شهمًا، ملك بلادًا كثيرة - أعني عليّ كوجك - ثمّ فرّقها على أولاد الملك قطب الدين مودود صاحب الموصل. وكان موصوفًا بالقوّة المفرطة، وطال عمره، وحجّ هو والأمير أسد الدّين شيركوه بن شاذي في سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة، ومات في آخر سنة ثلاثٍ وستين بإربل، وله مدرسةٌ بالموصل وأوقاف. فلمّا مات ولي إربل مظفّر الدين هذا وهو ابن أربع عشرة سنة. وكان

стр. 13491

أتابكه مجاهد الدّين قايماز، ثمّ تعصّب عليه مجاهد الدّين وكتب محضرًا أنّه لا يصلح واعتقله، وشاور الخليفة في أمره. وأقام موضعه أخاه زين الدّين يوسف بن عليّ، وطرد مظفّر الدّين عن البلاد فتوجّه إلى بغداد، فلم يلتفتوا عليه، فقدم الموصل، وبها الملك سيف الدّين غازي بن مودود، فأقطعه حرّان، فأقام بها مدّة، ثمّ اتّصل بخدمة السّلطان صلاح الدّين، ونفق عليه، وتمكّن منه، وزاد في إقطاعه الرّها سنة ثمانٍ وسبعين، وزوّجه بأخته ربيعة خاتون وكانت قبله عند سعد الدّين مسعود ابن الأمير معين الدّين أنر الذي ينسب إليه قصر معين الدّين. وتوفّي سعد الدّين (١) في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وشهد مظفّر الدّين مع السّلطان صلاح الدّين مواقف كثيرةً أبان فيها عن نجدةٍ وقوّةٍ، وثبت يوم حطّين، وبيّن (٢). ثمّ وفد أخوه زين الدّين يوسف على صلاح الدّين نجدة، وخدمةً من إربل، فمرض في العسكر على عكّا وتوفّي في رمضان سنة ستٍّ وثمانين. فاستنزل صلاح الدّين مظفّر الدّين عن حرّان والرّها ففعل، وأعطاه إربل وشهرزور فسار إليها وقدمها في آخر السنة. ذكره القاضي شمس الدّين وأثنى عليه، وقال (٣): لم يكن شيء أحبّ إليه من الصّدقة، وكان له كلّ يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرّقها، ويكسو في السنة خلقًا ويعطيهم الدّينار والدّينارين. وبنى أربع خوانك (٤) للزّمنى والعميان، وملأها بهم، وكان يأتيهم بنفسه كلّ خميس واثنين، ويدخل إلى كلّ واحد في بيته، ويسأله عن حاله، ويتفقّده بشيءٍ، وينتقل إلى الآخر حتّى يدور على جميعهم، وهو يباسطهم ويمزح معهم. وبنى دارًا للنّساء الأرامل، ودارًا للضعفاء الأيتام، ودارًا للملاقيط رتّب بها جماعة من المراضع. وكان يدخل البيمارستان. ويقف على كل مريض مريض ويسأله عن حاله. وكان له دارٌ مضيف يدخل إليها كلّ قادم من فقيرٍ أو فقيهٍ فيها الغداء والعشاء، وإذا عزم

стр. 13492

على السفر، أعطوه ما يليق به. وبنى مدرسة للشافعية والحنفية وكان يأتيها كلّ وقتٍ، ويعمل بها سماطًا ثمّ يعمل سماعًا (١)، فإذا طاب وخلع من ثيابه سيّر للجماعة شيئًا من الإنعام، ولم تكن له لذّةٌ سوى السّماع، فإنّه كان لا يتعاطى المنكر، ولا يمكن من إدخاله البلد. وبنى للصّوفية خانقاتين، فيهما خلقٌ كثير، ولهما أوقافٌ كثيرة، وكان ينزل إليهم ويعمل عندهم السّماعات. وكان يبعث أمناءه في العام مرتين بمبلغ يفتكّ به الأسرى، فإذا وصلوا إليه أعطى كلّ واحد شيئًا. ويقيم في كلّ سنة سبيلًا للحجّ، ويبعث في العام بخمسة آلاف دينارٍ للمجاورين. وهو أول من أجرى الماء إلى عرفات، وعمل آبارًا بالحجاز، وبنى له هناك تربة. قال: وأمّا احتفاله بالمولد، فإنّ الوصف يقصر عن الإحاطة به، كان الناس يقصدونه من الموصل، وبغداد، وسنجار، والجزيرة، وغيرها خلائق من الفقهاء والصّوفية والوعّاظ والشعراء، ولا يزالون يتواصلون من المحرّم إلى أوائل ربيع الأوّل ثمّ تنصب قباب خشب نحو العشرين، منها واحدة له، والباقي لأعيان دولته، وكلّ قبة أربع خمس طبقات ثمّ تزيّن من أول صفر، ويقعد فيها جوق المغاني والملاهي وأرباب الخيال (٢)، ويبطل معاش الناس للفرجة. وكان ينزل كلّ يومٍ العصر، ويقف على قبّة قبة، ويسمع غناءهم، ويتفرّج على خيالاتهم، ويبيت في الخانقاه يعمل السّماع، ويركب عقيب الصبّح يتصيّد، ثم يرجع إلى القلعة قبل الظّهر، هكذا يفعل كل يوم إلى ليلة المولد، وكان يعمله سنةً في ثامن الشهر وسنة في ثاني عشره للاختلاف (٣)، فيخرج من الإبل والبقر والغنم شيئًا زائدًا عن الوصف مزفوفة بالطّبول والمغاني إلى الميدان، ثمّ تنحر وتطبخ الألوان المختلفة، ثمّ ينزل وبين يديه الشّموع الكبيرة وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشكّ - من الشموع الموكبية التي تحمل كلّ واحدةٍ على بغلٍ يسندها رجل، حتّى إذا أتى الخانقاه نزل. وإذا كان صبيحة يوم

стр. 13493

المولد أنزل الخلع من القلعة على أيدي الصّوفية في البقج (١)، فينزل شيءٌ كثير، ويجتمع الرؤساء والأعيان وغيرهم، ويتكلّم الوعاظ، وقد نصب له برج خشب له شبابيك إلى النّاس وإلى الميدان وهو ميدان عظيم يعرض الجند فيه يومئذٍ ينظر إليهم تارةً وإلى الوعّاظ تارةً، فإذا فرغ العرض، مدّ السّماط في الميدان للصّعاليك وفيه من الطّعام شيء لا يحدٌ ولا يوصف، ويمدّ سماطًا ثانيًا في الخانقاه للناس المجتمعين عند الكرسي، ولا يزالون في الأكل ولبس الخلع وغير ذلك إلى العصر، ثمّ يبيت تلك الليلة هناك، فيعمل السّماعات إلى بكرة. وقد جمع له أبو الخطّاب بن دحية أخبار المولد، فأعطاه ألف دينار. وكان كريم الأخلاق، كثير التّواضع، مائلًا إلى أهل السّنّة والجماعة، لا ينفق عنده سوى الفقهاء والمحدّثين، وكان قليل الإقبال على الشّعر وأهله. ولم ينقل أنّه انكسر في مصافّ. ثمّ قال: وقد طوّلت ترجمته لما له علينا من الحقوق التي لا نقدر على القيام بشكره، ولم أذكر عنه شيئًا على سبيل المبالغة، بل كلّ ذلك مشاهدة وعيان. ولد بقلعة إربل في المحرّم سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. وقال ابن السّاعي: طالت على مظفّر الدّين مراعاة أولاد العادل ولم يجد منهم إعانةً على نوائبه كما كان هو لهم في حروبهم. فأخذ مفاتيح إربل وقلاعها وسار إلى بغداد وسلّم ذلك إلى المستنصر بالله في أول سنة ثمانٍ وعشرين فاحتفلوا له، وجلس له الخليفة، ورفع له السّتر عن الشّبّاك (٢) فقبّل الكلّ الأرض ثمّ طلع إلى كرسيّ نصب له وسلّم وقرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. فردّ عليه المستنصر السلام، فقبّل الأرض مرارًا. فقال المستنصر: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ وقال ما معناه: ثبت عندنا إخلاصك في العبودية. ثمّ أسبلت السّتارة، ثمّ خلعوا على مظفّر الدّين وقلّد سيفين، ورفع وراءه سنجقان (٣) مذهّبة. ثم اجتمع بالخليفة يومًا آخر،

стр. 13494

وخلع أيضًا عليه، ثمّ أعطي راياتٍ وكوساتٍ، وستّين ألف دينار، وخلعوا على خواصّه. قلت: وأمّا أبو المظفّر الجوزيّ فقال في مرآة الزمان (١) - والعهدة عليه، فإنّه خسّاف مجازف لا يتورع في مقاله -: كان مظفّر الدّين ابن صاحب إربل ينفق في كلّ سنة على المولد ثلاثمائة ألف دينار، وعلى الخانقاه مائتي ألف، وعلى دار المضيف مائة ألف، وعلى الأسارى مائتي ألف دينار (٢)، وفي الحرمين والسبيل ثلاثين ألف دينار. وقال: قال من حضر المولد مرّةً: عددت على السّماط مائة فرس قشلمش، وخمسة آلاف رأسٍ شوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبديّة، وثلاثين ألف صحن حلواء. ثمّ قال ابن الجوزيّ (٣)، وأبو شامة (٤): توفّي سنة ثلاثين. وقال الحافظ زكيّ الدّين (٥): توفي في هذه السنة بإربل. سمع من حنبل الرصافي، وغيره. وحدّث. وقال ابن خلّكان (٦): توفّي ليلة الجمعة رابع عشر رمضان سنة ثلاثين. ثمّ حمل وقت الحجّ بوصيّته إلى مكّة، فاتّفق أنّ الحاجّ رجعوا تلك السنة لعدم الماء، وقاسوا شدّةً فدفن بالكوفة. وكوكبريّ: كلمة تركية معناها: ذئب أزرق. ٦٠٧ - كوكبريّ بن قتربا بن عبد الله، أبو الطّلائع الجنديّ المستنجديّ. سمع من أحمد بن المبارك المرقّعاتيّ، وعبيد الله بن شاتيل. وحدّث. ومات في سابع عشر المحرّم (٧).

стр. 13495

٦٠٨ - محمد (١) بن إبراهيم بن عيسى بن صلتان، أبو عبد الله الأنصاريّ البلنسيّ، نزيل جيّان. روى عن أبي القاسم بن بشكوال، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد بن الفرس. قال الأبّار (٢): عدلٌ، مرضيّ. كان يحترف بالتّجارة. توفّي سنة ثلاثين أو بعدها بيسير. ٦٠٩ - محمد بن الحسن بن سالم بن سلاّم المحدّث المفيد الشابّ أبو عبد الله الدّمشقيّ. سمع الكثير، وعني بهذا الشأن أتمّ عناية، ونسخ، وحصّل، وخرّج، وكان ذكيًا، نبيهًا، له حفظٌ وإتقان، وفيه ديانة وافرة وصلاح على صغره. سمع من داود بن ملاعب، وأبي محمد بن البنّ، وأبي القاسم بن صصرى، وطائفة كبيرة. وأجزاؤه موقوفة بالضّيائية، وعدم أكثرها في نوبة غازان (٣). رأيت الضياء بن البالسيّ قد سمع حديثًا من عمر بن الحاجب، قال: أخبرنا ابن سلاّم، قال: أخبرنا داود بن ملاعب. وأثنى عليه ابن الحاجب وقال: حفظ علوم الحديث لأبي عبد الله الحاكم. وكان قد حجّ، وزار البيت المقدّس، وقدم مريضًا، فتوفّي إلى رحمة الله في الرابع والعشرين من صفر. وولد في سنة تسعٍ وستمائة. وفجع به والده وأصحابه (٤).

стр. 13496

٦١٠ - محمد بن عمر بن نصر، أبو عبد الله الفزاريّ السّلاويّ المغربيّ. قدم الشام، وسمع من الخشوعيّ، والقاسم ابن عساكر. وحجّ، وعاد إلى بلاده. قال الأبّار (١): حدّث عنه عبيد الله بن عاصم خطيب رندة، وأجاز له في شعبان سنة ثلاثين. ٦١١ - محمد بن عمر بن محمد الطّوابيقيّ. سمع وفاء بن البهيّ التّركيّ. وعنه ابن النّجّار، وقال: مات في العشرين من ذي الحجّة. ٦١٢ - محمد بن عمر بن أبي بكر بن عبد الله، أبو بكر بن النخّال (٢) البغداديّ المقرئ الخيّاط. شيخٌ صالحٌ، صاحب زهدٍ وعبادةٍ. ولد سنة ثلاثٍ وخمسين. وسمع من أبي الفتح بن البطّي، وأحمد بن مسعود العبّاسيّ. كتب عنه السّيف بن المجد، وغيره. وروى لنا عنه بالإجازة الفخر ابن عساكر، وفاطمة بنت سليمان، والقاضي سليمان، وأبو نصر بن الشيرازيّ. ومات في الرابع والعشرين من ذي القعدة. وهو أخو عبد الله الرّاوي عن شهدة. ٦١٣ - محمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز، الوزير مؤيّد الدّين القميّ أبو الحسن الكاتب البليغ. قال ابن النّجّار: قدم بغداد في صحبة الوزير ابن القصّاب وكان خصّيصًا به، فلمّا توفّي، قدم القمّي بغداد، وقد سبقت له معرفةٌ بالدّيوان؛ ويقال: إنّ ابن القصّاب وصفه للنّاصر لدين الله، فحصلت له مكانةٌ بذلك. ولمّا رتّب ابن مهدي في نيابة الوزارة، ونقابة الطّالبيّين، اختصّ به، وتقدّم عنده، وكانا

стр. 13497

جارين في قمّ، ومتصاحبين هناك. ولمّا مات أبو طالب بن زبادة (١) كاتب الإنشاء، رتّب القمّي مكانه في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ولم يغيّر هيئة القميص والشربوش على قاعدة العجم. ثمّ ناب أبو البدر بن أمسينا في الوزارة وعزل في سنة ستّ وستمائة، فردّت النّيابة وأمور الدّيوان إلى القمّي، ونقل إلى دار الوزارة، وحضر عنده الدّولة، ولم يزل في علوّ من شأنه وقربٍ وارتفاع، حتّى إنّ الناصر لدين الله كتب بخطّه ما قرئ في مجلس عام: محمد بن محمد القمّي نائبنا في البلاد والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصانا، ومن عصانا فقد عصى الله. ولم يزل إلى أن ولي الظاهر بأمر الله، فأقرّه على ولايته، وزاد في مرتبته، وكذلك المستنصر بالله قرّبه ورفع قدره وحكّمه في العباد. ولم يزل في ارتقاء إلى أن كبا به جواد سعده، فعزل، وسجن بدار الخلافة وخبت ناره، وذهبت آثاره، وانقطعت عن الخلق أخباره. قال: وكان كاتبًا سديدًا بليغًا وحيدًا، فاضلًا، أديبًا، عاقلًا، لبيبا، كامل المعرفة بالإنشاء، مقتدرًا على الارتجال، متصرّفًا في الكلام، متمكّنًا من أدوات الكتابة، حلو الألفاظ، متين العبارة، يكتب بالعربيّ والعجميّ كيف أراد، ويحلّ التّراجم المغلقة. وكان متمكّنًا من السياسة وتدبير الممالك، مهيبًا، وقورًا، شديد الوطأة، تخافه الملوك وترهبه الجبابرة. وكان ظريفًا لطيفًا، حسن الأخلاق، حلو الكلام، مليح الوجه، محبًّا للفضلاء، وله يد باسطة في النّحو واللّغة، ومداخلةٌ في جميع العلوم. إلى أن قال: أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري، قال: أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ، قال: أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية، قال: أنشدني جمال الدّين النّحويّ لنفسه في قينة: سمّيتها شجرًا صدقت لأنّها … كم أثمرت طربًا لقلب الواجد يا حسن زهرتها وطيب ثمارها … لو أنّها تسقى بماءٍ واحد وبه قال: وأنشدنا لنفسه:

стр. 13498

يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا … فإذا ما جاءه أنكره فهو لا يرضى بعيشٍ واحدٍ … قتل الإنسان ما أكفره ولد مؤيّد الدّين القمّي في سنة سبعٍ وخمسين وخمسمائة. وقبض عليه في شوّال سنة تسع وعشرين، وعلى ولده أحمد (١)، وسجنا بدار الخلافة، فهلك الابن أوّلًا، ومات أبوه بعده سنة ثلاثين. ٦١٤ - محمد بن محمود بن عون بن فريح (٢) بن جريّ، أبو عبد الله موفّق الدّين الرّقيّ. سمع ببغداد من منوجهر بن تركانشاه، وعبيد الله بن شاتيل، والكمال عبد الرحمن الأنباريّ النحويّ، ونصر الله القزّاز. وبدمشق من يحيى الثّقفيّ. وحدّث بحلب ودمشق. حدّثنا عنه العزّ أحمد بن العماد، وسنقرٌ القضائيّ. وولد سنة ثلاثٍ وخمسين وخمسمائة. وكان يتعانى التّجارة. وروى عنه مجد الدّين العديمي في مشيخته، قال: فقد في رجب بدمشق، وظهر مقتولًا بعد سنة. وقد دفن في درب الفواخير، فأظهرت عظامه وظهر أنّه قتله أربعة فواخرة وأخذوا له نحو أربعين ألف درهم. قال ابن النجّار: دخل بغداد، وقرأ بها العربية على الكمال عبد الرحمن، وقرأ بواسط القراءات على أبي بكر ابن الباقلاّنيّ. وتفقّه ببغداد على ابن فضلان. وكان شديد الإمساك على نفسه، مقتّرًا عليها، ظاهره الفقر. أتيته بالرقّة فرأيت منزله صغيرًا وسخًا، وثيابه وأثاث بيته في غاية من الضّر، فساءني ما هو فيه، فأخرج لي عدّة أجزاء، فقرأت عليه ثمّ أخرجت شيئًا من الفضّة ودفعته إليه فأبى، قال: أنا في غنى ولي دنيا، فظننته يتعفّف. ثمّ إنّه قدم علينا بغداد، واستعمل ثيابًا بنحو ثلاثة آلاف دينارٍ أو أكثر، وإذا رأيته حسبته فقيرًا. ثمّ ذكر باقي ترجمته. ٦١٥ - محمد بن محمود بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين، ابن السّكن، الشيخ أبو غالب البغداديّ الحاجب، ويعرف بابن المعوّج.

стр. 13499

ولد سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة. وسمع من محمد بن محمد بن السّكن. كتب عنه ابن الحاجب، وغيره. ومات في ربيع الآخر. وحدّث عنه ابن النّجار (١). ٦١٦ - محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن بن عنين الأديب الرئيس شرف الدين أبو المحاسن الأنصاريّ الكوفيّ الأصل الزرعيّ المنشأ الدّمشقيّ الشاعر، صاحب الديوان المشهور. وُلِدَ بدمشق في سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. وسمع من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر. وكان شاعرًا محسنًا، رقيق الشعر، بديع الهجو. ولم يكن في عصره آخرُ مثله بالشام. طوّف وجال في العراق، وخراسان، وما وراء النهر، والهند، ومصر في التجارة. ومدح الملوك والوزراء، وهجا الصّدور والكبراء، وكان غزير المادّة من الأدب، مطلعًا على أشعار العرب، ومن نظمه: وصلت منك رقعةٌ أسأمتني … وثنت صبري الجميل ملولا كنهار المصيف ثقلًا وكربًا … وليالي الشتاء بردًا وطولا ولَهُ: وما حيوانٌ يتقي النَّاس بطشه … على أنَّه واهي القوى واهن البطش إذا ضعّفوا نصف اسمه كَانَ طائرًا … وإن كرروا ما فيه كَانَ من الوحش يعني: العقرب. ولَهُ: وصاحبٍ قال في معاتبتي … وظن أن الملال من قبلي قلبك قد كَانَ شافعي أبدًا … يا مالكي كيف صرت معتزلي فقلت إذ لج في معاتبتي … ظلمًا وضاقت عن عذره حيلي خدك ذا الأشعري حنفني … فقال ذا أحمد الحوادث لي قال ابن خَلّكان (٢): بَلَغني أنَّه كَانَ يستحضر " الْجَمْهرة " لابن دُريد. ولَهُ

стр. 13500

قصيدة طويلةٌ هجا فيها خَلْقًا من رؤساء دمشق وسمَّاها " مِقراض الأعراض " ونفاهُ صلاحُ الدِّين على ذلك. فقال (١): فعلام أبعدتم أخا ثقةٍ … لم يجترم ذنبًا ولا سرقا انفوا المؤذن من بلادكم … إن كَانَ ينفى كلّ من صدقا ودخلَ اليمن، ومدحَ صاحبها سيفَ الإسلام طغتكين أخا الملك صلاح الدِّين. ثمّ قَدِمَ مصر. ورأيته بإربل، وقَدِمَها رسولًا من الملك المعظم عيسى. وكان وافر الحرمة، ظريفًا، من أخف النَّاس روحًا. ولي الوزارة في آخر دولة المعظم ومُدَّة سلطنة ولده النّاصر بدمشق. ولَمّا تملك الملك العادل، بعث إليه بقصيدة يستأذنه في الدخول إلى دمشق ويستعطفه، وهي (٢): ماذا على طيف الأحبة لو سرى … وعليهم لو سامحوني بالكرى جنحوا إلى قول الوشاة وأعرضوا … والله يعلم أن ذلك مفترى يا معرضًا عني بغير جنايةٍ … إلّا لَمّا اختلق الحسود وزوّرا منها: فارقتها لا عن رضا وهجرتها … لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا أشكو إليك نوى تمادى عمرها … حَتّى حسبت اليوم منها أشهرا ومن العجائب أنّ يقيل بظلكم … كلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى … يعفو ولا جفني يصافحه الكرا ولَهُ: مال ابن مازة دونه لعفاته … خرط القتادة وامتطاء الفرقد مال لزوم الجمع يمنع صرفه … في راحة مثل منادى المفرد وقال أبو حفص بن الحاجب: اشتغل بطرفٍ من الفقه على القطب النَّيْسَابوريّ، والكمال الشهرزوريّ. وقرأ الأدب على أبي الثناء محمود بن رسلان، وذكر أنَّه سَمِعَ ببغداد من منوجهر بن تركانشاه راوي " المقامات ". واشتغل بالرَّيّ على ابن الخطيب. وكانت أدواته في الأدب كاملةً. ذو نوادر للخاصّة والعامة، وله الشعر الرّائق، كان أوحد عصره في نظمه ونثره، يخرج

стр. 13501

جدّه معرض المزح، وقّاد الخاطر على كبر السنّ. أقامه الملك المعظّم مقام نفسه في ديوانه، كان محمود الولاية، كثير النّصفة، مكفوف اليد عن أموال الناس مع عظم الهيبة، إلاّ أنّه في الآخر ظهر منه سوء اعتقادٍ، وطعنٌ على السّلف، واستهتارٌ بالشّريعة، وكثر عسفه وظلمه، وترك الصلاة، وسبّ الأنبياء، ولم يزل يتناول الخمر إلى قبل وفاته بقليل. توفّي في العشرين من ربيع الأول سنة ثلاثين. قلت: وله ترجمةٌ في تاريخ ابن النجّار وقال (١): نظر في الدّيوان بدمشق مدّةً ولم تحمد سيرته، فعزل ولزم بيته عاجزًا عن الحركة لعلوّ سنّه. وهو من أملح أهل زمانه شعرًا، وأحلاهم قولًا وأرشقهم رصفًا، ظريف العشرة، ضحوك السّنّ، طيّب الأخلاق، مقبول الشخص، من محاسن الزمان. ٦١٧ - محمد بن أبي القاسم هبة الله بن عليّ بن سعود بن ثابت، أبو عبد الله البوصيريّ ثمّ المصريّ. سمع من أبيه. وذكر أنه سمع من السّلفيّ. روى عنه الزّكيّ المنذريّ (٢)، وغيره. وولد سنة تسعٍ وخمسين، وتوفّي في ربيع الآخر. ٦١٨ - مبارك بن أحمد بن وفاء، أبو المعالي البغداديّ الدقّاق، المعروف بابن الشّيرجيّ. روى عن عبد الله بن أحمد بن حمتيس (٣). ومات في جمادى الآخرة. ٦١٩ - مبارك بن يحيى بن قاسم الحبّال. شيخٌ بغداديّ يعرف بالدّويك. حدّث عن أبي الحسين عبد الحقّ. ومات في ربيع الآخر (٤). ٦٢٠ - مسعودٌ الأثيريّ الشافعيّ الصّوفيّ، أبو العزّ. سمع من التّاج المسعوديّ. وذكر أنّه سمع من السّلفيّ.

стр. 13502

روى عنه الزّكيّ المنذريّ وقال (١): هو منسوب إلى الأثير الهمذانيّ. وعاش خمسًا وثمانين سنة. توفّي في رجب. ٦٢١ - مظفّر بن إسماعيل البغداديّ، عرف بابن السّوادي. حدّث عن أبي بكر عتيق بن صيلا. ومات في جمادى الأولى (٢). ٦٢٢ - المعافى بن إسماعيل بن الحسين بن أبي السّنان، الفقيه أبو محمد ابن الحدوس الموصليّ الشافعيّ. سمع من أبي الربيع سليمان بن خميس، ومسلم بن عليّ الشّيحيّ. وولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وألّف كتاب الموجز في الذّكر، وكتاب أنس المنقطعين. وكان فاضلًا، ديّنًا، عارفًا بالمذهب. درّس، وأفتى، وناظر. وكان مليح الشكل والبزّة. روى عنه الزّكيّ البرزاليّ، والمجد بن العديم، والخضر بن عبدان الكاتب، وهو آخر من حدّث عنه. توفّي في رمضان أو في شعبان بالموصل. ٦٢٣ - معافى بن أبي السعادات بن أبي محمد، القاضي سديد الدّين أبو الفضل. سمع من محمد بن المؤيّد الهمذانيّ. وكان يورق بالقاهرة مدّةً. ثمّ دخل اليمن وولي قضاء القضاة بها مدّة، ثمّ عاد إلى مصر، وشهد عند قاضي القضاة أبي المكارم محمد بن عين الدّولة (٣). ٦٢٤ - موسى (٤) ابن الأمير الكبير شمس الخلافة محمد ابن الأمير شمس الخلافة مختار، الأمير فخر الدّين أبو محمد المصريّ. من بيت الإمرة والحشمة. ولي شدّ الدّواوين بمصر مدّة. وعاش تسعًا

стр. 13503

وثمانين سنةً. وتوفّي في الثاني والعشرين من جمادى الأولى (١). ٦٢٥ - نجا بن أنجب بن نجا الفرّاش. شيخٌ بغداديٌّ. روى عنه ابن النجّار، وقال: صحيح السّماع، سمع الكثير من أحمد بن عليّ بن المعمّر، ويحيى بن ثابت، وابن الخشّاب. توفّي في صفر (٢). ٦٢٦ - نصر بن أبي نصر محمد بن المظفّر بن عبد الله بن محمد بن أبي الفنون، الأديب جمال الدّين أبو الفتوح الموصليّ الأصل البغداديّ النّحويّ اللّغويّ. سمع من أبي الفتح بن البطّي. وذكر أنّه قرأ الأدب على أبي محمد بن الخشّاب، والمهذّب عليّ بن العصّار، والكمال عبد الرحمن الأنباريّ. وقدم مصر، وسمع بها من أبي المفاخر سعيد المأمونيّ، والبوصيريّ. وغيرهما. وتصدّر بالجامع الأزهر بالقاهرة مدّةً. ومدح جماعةً من الملوك والوزراء. وأقرأ، وحدث. وولد سنة خمسين وخمسمائة. روى عنه الزكيّ المنذريّ (٣)، والعزّ بن الحاجب، وجماعة. وله رسالة في الضّاد والظّاء بديعة. توفّي في مستهلّ المحرّم بمصر. ٦٢٧ - النّفيس بن خطّاب بن محسن، أبو محمد البغداديّ الحريميّ. روى عن أبي المعالي بن اللحّاس جزءًا. قال ابن النّجار: سمعت منه. وكان صالحًا معمّرًا. وروى لنا عنه بالإجازة القاضي تقيّ الدّين سليمان. وتوفّي في ذي القعدة، وقد قارب المائة (٤).

стр. 13504

٦٢٨ - همام بن راجي الله بن سرايا بن ناصر بن داود، الفقيه العالم جلال الدّين أبو العزائم المصريّ الشافعيّ الأصوليّ، إمام الجامع الصّالحيّ الذي بظاهر القاهرة وخطيبه هو وأولاده. ولد بونا (١) من الصّعيد في ذي القعدة، أو ذي الحجّة سنة تسعٍ وخمسين وخمسمائة. وقدم القاهرة، وقرأ العربية على العلاّمة ابن برّي. وارتحل إلى العراق فسمع بها من أبي سعد عبد الواحد بن عليّ بن حمويه، وعبد المنعم بن كليب. وتفقّه على الإمامين المجير محمود بن المبارك الواسطيّ، وأبي القاسم يحيى بن فضلان. وقرأ الأصول على أبي المنصور ظافر بن الحسين. وصنّف، ودرّس، وأفتى، وقال الشعر الجيّد، وأمّ بالجامع المذكور إلى حين وفاته. وله كتبٌ في الأصول، والخلاف، والمذهب. روى عنه المحبّ ابن النجّار، والزكيّ المنذريّ، والرفيع الأبرقوهيّ، وابنه أبو المعالي شيخنا. توفّي بالشارع بظاهر القاهرة في السادس والعشرين من ربيع الأول. وهمام: بالضمّ. ٦٢٩ - الهيثم بن أحمد بن جعفر بن أبي غالب، أبو المتوكّل السّكونيّ الإشبيليّ الشّاعر. ذكره الأبّار، فقال (٢): هو أحد فحول الشّعراء المجوّدين بديهةً ورويّةً. وكان عالمًا بالآداب وضروبها، أخباريا، علّامة. سمعت منه كثيرًا من شعره، وفقد في طريق غرناطة، وله بضعٌ وستّون سنة. ٦٣٠ - يحيى بن جعفر بن عبد الله ابن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي، القاضي الأجلّ ظهير الدّين أبو جعفر بن أبي منصور، ابن الدّامغانيّ، البغداديّ الحنفيّ الصوفيّ. ولد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وسمع من أبيه، وعمّته تركناز، وقدم حلب وسكنها مدة. وكان شيخًا حسنًا. روى عنه أبو القاسم بن العديم، وابنه أبو المجد، وعمر بن محمد ابن

стр. 13505

الأستاذ، وأحمد بن عبد الله ابن الأشتريّ، وسنقرٌ القضائيّ. ومات بحلب في ربيع الآخر (١). ٦٣١ - يحيى بن شبيب، أبو زكريا قاضي الملّوحة، والملّوحة: من نقرة بني أسد (٢). حدّث عن يحيى الثّقفي. ومات في صفر. وعنه مجد الدّين العديمي. ٦٣٢ - يحيى بن عبد الله بن عبد المحسن، أبو زكريا، أخو الحافظ أبي الطّاهر إسماعيل بن الأنماطيّ. توفّي في المحرّم بمصر. حدّث عن البوصيريّ. ٦٣٣ - يونس بن سعيد بن مسافر بن جميل، أبو محمد البغداديّ المقرئ القطّان الحلاّج. ولد في أول سنة اثنتين وستّين. وسمع من شهدة، وعبد الحقّ، وأبي هاشم الدّوشابيّ، وابن شاتيل، وتجنّي الوهبانية. قال ابن نقطة (٣): سمع منه وسماعه صحيح. وكان حسن التلاوة للقرآن. وقال عمر ابن الحاجب: كان إمام مسجد البصليّة. وهو عالم، زاهد، خيّر. قلت: روى عنه التّقيّ بن الواسطيّ، والعماد إسماعيل ابن الطبّال، وجماعة. وسمعنا بإجازته من القاضي الحنبليّ، وفاطمة بنت سليمان، وإسماعيل ابن عساكر. وتوفّي في الحادي والعشرين من ذي القعدة. وهو أخو يوسف (٤).

стр. 13506

وقد ختم عليه خلق كثير. وسمع منه الفاروثيّ كتاب الشمس المنيرة في التّسعة الشهيرة بسماعه من عوض بن إبراهيم البردانيّ، والمبارك بن عبد الله البغداديّ، بسماعهما من المؤلّف. وفيها ولد: الخطيب شرف الدّين أحمد بن إبراهيم الفزاريّ النّحويّ في رمضان، وفخر الدّين عليّ بن عبد الرحمن النابلسيّ الحنبليّ، والزاهد فخر الدّين إسماعيل ابن عزّ القضاة عليّ بن محمد، ووجيه الدّين محمد بن عثمان بن المنجى، والمحدّث فخر الدّين عثمان بن محمد التّوزريّ، وشمس الدّين محمد بن عبد القويّ النّحويّ، والمحيي محمد بن يوسف ابن المصريّ النّحويّ، والمحيي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عقبة الحنفيّ، والجمال محمد بن مكرم المصريّ الموقّع، والضياء عبد الرحمن بن عبد الكافي الرّبعيّ، كاتب الحكم، والنّبيه حسن بن حسين الأنصاريّ المصريّ، والشهاب أحمد بن الجمال ابن الصّابونيّ، والشرف عبد الأحد ابن تيميّة، وفاطمة بنت شهاب الدّين أبي شامة، والقطب حسن ابن الفلك المسيريّ، والشيخ عليّ بن إلياس الغرادي، ورئيس المؤذّنين الشهاب أحمد بن محمد الأصبهاني، والحاج محمد بن أيوب الكتبي ابن الأطروش، والإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الحقّ الدّلاصيّ المقرئ، وقاضي نابلس فخر الدين عثمان بن أحمد بن عمرو الزّرعي، وستّ الأجناس موفّقيّة بنت أحمد بن وردان.

стр. 13507

ذكر من توفّي بعد العشرين وستمائة (١) ٦٣٤ - صدقة السّامريّ الطّبيب، أحد الكبار في الطّبّ والفلسفة. درّس صناعة الطّبّ. وخدم الملك الأشرف، وبقي معه سنين عديدة بالشّرق. وكان الأشرف يكرمه، ويبالغ. ومات بحرّان سنة نيّفٍ وعشرين. وخلّف أموالًا، ولم يخلف ولدًا. ومن كلامه، لا ﵀، وأجاد: كلّ الطاعات ترى إلاّ الصوم لا يراه إلاّ الله، وهو ثلاث درجات: صوم العموم وهو كفّ البطن والفرج عن الشهوات، وصوم الخصوص: وهو كفّ السّمع والبصر والجوارح عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص: وهو صوم القلب عن الهمم الدّنيّة، والأفكار الدّنياوية، وكفّه عمّا سوى الله تعالى. قال ابن أبي أصيبعة (٢): له من الكتب شرح التّوراة، وكتاب النفس، تعاليق في الطبّ (٣)، مقالة في التّوحيد (٤)، كتاب الاعتقاد (٥). ٦٣٥ - محمد بن عمر بن يوسف بن محمد بن بيروز - كذا هذه الكلمة في تاريخي ابن الدّبيثي (٦) وابن النجّار - الفقيه أبو بكر ابن الشيخ أبي حفص، البغداديّ الشافعيّ المقرئ الخيّاط، سبط المحدث محمود بن نصر الشعّار.

стр. 13508

سمع حضورًا من صالح ابن الرّخلة، ومن جدّه محمود. وسمع من شهدة، وعبد الحقّ، وجماعة. وولد سنة ستّ وستين تقريبًا. روى عنه ابن النجّار؛ لقيه بحماة، وقال: كان هناك مدرّسا وخطيبًا بقلعتها، وهو صدوقٌ متديّن. ذكر لي أنّه تفقّه على أبي طالب غلام ابن الخلّ وحفظ عنه تعليقته، وقرأ عليه المهذّب وتعليقة الشريف. ثمّ تفقّه على عليّ بن عليّ الفارقيّ شيخنا. وخرج من بغداد سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فوصل إلى حمص، ثمّ عاد إلى المعرّة فأقام بها عشرين سنة يدرّس، ثمّ تحوّل إلى حماة ودرّس بها (١). وقال أبو محمد البرزاليّ: هو ابن هرّور. براءَيْن (٢). ٦٣٦ - محمد، الشيخ جمال الدّين السّاوجيّ الزّاهد، شيخ الطائفة القلندريّة. قدم دمشق، وقرأ القرآن والعلم، وسكن بجبل قاسيون بزاوية الشيخ عثمان الرّوميّ، وصلّى بالشيخ عثمان مدّة. ثمّ حصل له زهدٌ وفراغٌ عن الدّنيا. فترك الزّاوية وانملس (٣) وأقام بمقبرة باب الصغير بقرب موضع القبّة التي بنيت لأصحابه، وبقي مديدةً في قبّة زينب بنت زين العابدين، فاجتمع فيها بالجلال الدّركزينيّ، والشيخ عثمان كوهي الفارسيّ الذي دفن بالقنوات بمكان القلندرية،

стр. 13509

ثمّ إنّ السّاوجيّ حلق وجهه ورأسه، فانطلى على أولئك حاله الشيطانيّ فوافقوه وحلقوا. ثمّ فتّش أصحاب الشيخ عثمان الرّوميّ على السّاوجيّ فوجدوه بالقبّة فسبّوه وقبّحوا فعله، فلم ينطق، ولا ردّ عليهم. ثمّ اشتهر وتبعه جماعةٌ، وحلقوا، وذلك في حدود العشرين وستمائة، فيما أظنّ. ثمّ لبس دلق شعر وسافر إلى دمياط، فأنكروا حاله وزيّه المنافي للشرع فريّق بينهم ساعةً، ثمّ رفع رأسه، وإذا هو بشيبة - فيما قيل - كبيرة بيضاء. فاعتقدوا فيه، وضلّوا به حتى قيل: إنّ قاضي دمياط وأولاده وجماعةً حلقوا لحاهم وصحبوه، والله أعلم بصحّة ذلك. وتوفّي بدمياط، وقبره بها مشهور، وله هناك أتباع. وذكر الأجلّ شمس الدّين الجزريّ في تاريخه: أنه رأى كراريس من تفسير القرآن العظيم للشيخ جمال الدّين السّاوجيّ وبخطّه. وجلس في المشيخة بعده بمقبرة باب الصّغير جلال الدّين الدّركزينيّ وبعده الشيخ محمد البلخيّ وهو - أعني البلخيّ - من مشاهير القوم، وهو الذي شرع لهم الجولق الثقيل، وأقام الزاوية، وأنشأها، وكثر أصحابه. وكان للملك الظاهر فيه اعتقاد، فلما تسلطن طلبه، فلم يمض إليه. فبنى لهم السلطان هذه القبة من مال الجامع. وكان إذا قدم يعطيهم ألف درهم وشقتين من البسط ورتّب لهم ثلاثين غرارة قمحٍ في السنة وعشرة دراهم في اليوم. وكان السّويداويّ منهم يحضر سماط السّلطان الملك الظّاهر ويمازح السّلطان. ولمّا أنكروا في دولة الأشرف موسى على عليّ الحريريّ أنكروا على القلندرية - وتفسيرها بالعربيّ المحلّقين - ونفوهم إلى قصر الجنيد. وذكر ابن إسرائيل الشاعر أنّ هذه الطائفة ظهرت بدمشق سنة نيّف عشرة وستمائة. ثمّ أخذ يحسّن حالهم الملعون، وطريقتهم الخارجة عن الدّين. فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله. ٦٣٧ - يحيى بن أبي طي النجّار بن ظافر بن عليّ بن عبد الله بن أبي الحسن ابن الأمير محمد بن حسن الغسّانيّ الحلبيّ الشيعيّ الرافضيّ. مصنّف تاريخ الشيعة وهو مسودّةٌ في عدّة مجلّدات، نقلت منه كثيرًا.

стр. 13510

ومات في آخر الكهولة. فينظر في التّاريخ العديميّ إن كان له ذكر (١). (آخر الطبقة والحمد لله)

стр. 13511

الطبقة الرابعة والستون (٦٣١ - ٦٤٠ هـ)

стр. 13512

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الحوادث) سنة إحدى وثلاثين وستمائة فيها جاء الكامل، واجتمع بإخوته وبصاحب حمص الملك المجاهد شيركوه، وساروا ليدخلوا الروم من عند النهر الأزرق، فوجدوا عساكر الروم قد حفظوا الدربند ووقفوا على رؤوس الجبال، وسدوا الطرق بالحجارة. وكان الأشرف ضيق الصدر من جهة الكامل؛ لأنه طلب منه الرقة، فقال الكامل: ما يكفيه كرسي بني أمية؟ فاجتمع شيركوه بالأشرف، وقال: إن حكم الكامل على الروم أخذ جميع ما بأيدينا، فوقع التقاعد منهما. فلما رأى الكامل ذلك عبر الفرات ونزل السويداء، وجاءه صاحب خرت برت (١) الأرتقي، فقال: عندنا طريق سهلة تدخل منها، فجهز الكامل بين يديه ابنه الملك الصالح، وابن أخيه الملك الناصر داود، وصوابا الخادم، فلم يرعهم إلا وعلاء الدين صاحب الروم بالعساكر، وكان صوابٌ في خمسة آلاف، فاقتتلوا، وأسر صوابٌ وطائفةٌ، منهم الملك المظفر صاحب حماة، وقتل طائفة، وهرب الباقون. فتقهقر الكامل ودخل آمد، ثم أطلق علاء الدين صوابا، والمظفر والأمراء، مكرمين. وأعطى الكامل إذ ذاك ولده الصالح حصن كيفا، واستناب صوابا بآمد، ورجع إلى الشام خائبا. وفيها تسمى لؤلؤ صاحب الموصل بالسلطنة، وضرب السكة باسمه؛ قاله أبو الحسن علي بن أنجب ابن الساعي.

стр. 13513

قال: وفيها تكامل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد (١)، ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا، وعدة فقهائها مائتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعةٌ مدرسون، وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طب، وشيخ فرائض. فرتب شيخ الحديث أبو الحسن ابن القطيعي (٢). ورتب فيها الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة. فأنبأني محفوظ ابن البزوري، قال (٣): تكامل بناء المستنصرية وجاءت في غاية الحسن ونهايته، وخلع على أستاذ الدار العزيزة متولي عمارتها (٤)؛ وعلى أخيه علم الدين أبي جعفر ابن العلقمي، وعلى حاجبه، وعلى المعمار، وعلى مقدم الصناع. ونقل إلى خزانة الكتب كثيرٌ من الكتب النفيسة، فبلغني أنه حمل إليها ما نقله مائة وستون حمالا سوى ما نقل إليها فيما بعد، وأوقفت، وجعل الشيخ عبد العزيز شيخ الصوفية برباط الحريم وخازن كتب دار الخلافة، هو وولده ضياء الدين أحمد ينظران في ترتيبها، فرتبا الكتب أحسن ترتيب. وفي بعض الأيام اتفق حضور أمير المؤمنين عندهما لينظر، فسلم عليه عبد العزيز وتلا قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فخشع المستنصر بالله أمير المؤمنين، ورد عليه¬ السلام، وكلمه، وجبر قلبه. وشرط لكل مدرسٍ أربعة معيدين، واثنان وستون فقيها، وأن يكون بالدار المتصلة بالمدرسة (٥) ثلاثون يتيما يتلقنون. قلت: رأيت نسخة كتاب وقفها في خمسة كراريس، والوقف عليها عدة رباع وحوانيت ببغداد، وعدة قرى كبار وصغار ما قيمته تسعمائة ألف دينار فيما يخال إلي، ولا أعلم وقفا في الدنيا يقارب وقفها أصلا سوى أوقاف جامع

стр. 13514

دمشق؛ وقد يكون وقفها أوسع. فمن وقفها بمعاملة دجيل: قصر سميكة (١)، وهي ثلاثة آلاف وسبعمائة جريب، والجمد (٢) وضياعه كلها، ومساحته ستة آلاف وأربعمائة جريب، والأجمة (٣) كلها، وهي خمسة آلاف جريب وخمسون، ومن نهر الملك برفطا (٤) كلها، وهي خمسة آلاف وخمسمائة جريب، وناحية البدو (٥)، وهي ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعون جريبا، وقوسنيثا (٦)، وهي ثلاثة آلاف جريب ونيف، وقرية يزيد (٧) كلها، وهي أربعة آلاف جريب ومائة وثمانون جريبا، ومن ذلك ناحية طبسنى (٨)، ومساحتها ثمانية آلاف ومائة جريب، ومن ذلك سستا (٩)، وهي ثلاثة آلاف جريبٍ وزيادة، وناحية الأرحاء (١٠)، وهي أربعة آلاف جريب، ومن ذلك ناحية البسطامية (١١)، وهي أربعة آلاف جريب، والفراشة (١٢)، ألف جريب، وقرية حد النهرين (١٣)، وهي ألف جريب ومائتا جريب، والخطابية (١٤)، وهي أربعة آلافٍ وثمانمائة جريب، وناحية بزندي (١٥)، وهي ستة آلاف وخمسمائة جريب، ومن ذلك الشدادية (١٦) ومبلغها عشرون

стр. 13515

ألف جريب ومائتان وخمسون جريبا، وحصن بقية (١)، وهو أربعة آلاف جريب وثمانمائة [جريب] (٢)، ومن ذلك فرهاطيا (٣)، ستة آلاف جريب، ومن ذلك حصن خراسان (٤)، وهي خمسة آلاف جريب وتسعمائة جريب، وما أضيف إلى ذلك، وهو سبعة آلاف جريب ومائتا جريب. ومن أعمال نهر عيسى قرية الجديدة (٥)، وهي ألفا جريب وستمائة جريب، والقطنية (٦)، وهي ستة آلاف وأربعمائة جريب، وقرية المنسل (٧)، وهي خمسة آلاف وخمسمائة جريب، وميثا (٨)، وهي ألفان وخمسمائة جريب، وقرية الدينارية (٩)، وهي أربعة آلافٍ وستمائة جريب، والناصرية (١٠) كلها، وهي تسعة عشر ألف جريب. فالمرتزقة من أوقاف هذه المدرسة على ما بلغني نحوٌ من خمسمائة نفس؛ المدرسون فمن دونهم، وبلغني أن تبن الوقف يكفي الجماعة ويبقى مغل هذه القرى مع كري الرباع فضلة، فكذا فليكن البر وإلا فلا. وحدثني الثقة أن ارتفاع وقفها بلغ في بعض السنين وجاء نيفا وسبعين ألف مثقال ذهبٍ. وفي خامس رجب يوم الخميس فتحت، وحضر سائر الدولة والقضاة والمدرسون والأعيان وكان يوما مشهودا. وفيها سار ركب العراق، فبلغهم أن العرب قد طموا المياه، وعزموا على
следующие страницы →