بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وثلاثين وستمائة
فيها جاء الكامل، واجتمع بإخوته وبصاحب حمص الملك المجاهد شيركوه، وساروا ليدخلوا الروم من عند النهر الأزرق، فوجدوا عساكر الروم قد حفظوا الدربند ووقفوا على رؤوس الجبال، وسدوا الطرق بالحجارة. وكان الأشرف ضيق الصدر من جهة الكامل؛ لأنه طلب منه الرقة، فقال الكامل: ما يكفيه كرسي بني أمية؟ فاجتمع شيركوه بالأشرف، وقال: إن حكم الكامل على الروم أخذ جميع ما بأيدينا، فوقع التقاعد منهما.
فلما رأى الكامل ذلك عبر الفرات ونزل السويداء، وجاءه صاحب خرت برت (١) الأرتقي، فقال: عندنا طريق سهلة تدخل منها، فجهز الكامل بين يديه ابنه الملك الصالح، وابن أخيه الملك الناصر داود، وصوابا الخادم، فلم يرعهم إلا وعلاء الدين صاحب الروم بالعساكر، وكان صوابٌ في خمسة آلاف، فاقتتلوا، وأسر صوابٌ وطائفةٌ، منهم الملك المظفر صاحب حماة، وقتل طائفة، وهرب الباقون.
فتقهقر الكامل ودخل آمد، ثم أطلق علاء الدين صوابا، والمظفر والأمراء، مكرمين.
وأعطى الكامل إذ ذاك ولده الصالح حصن كيفا، واستناب صوابا بآمد، ورجع إلى الشام خائبا.
وفيها تسمى لؤلؤ صاحب الموصل بالسلطنة، وضرب السكة باسمه؛ قاله أبو الحسن علي بن أنجب ابن الساعي.
стр. 13513
قال: وفيها تكامل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد (١)، ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا، وعدة فقهائها مائتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعةٌ مدرسون، وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طب، وشيخ فرائض.
فرتب شيخ الحديث أبو الحسن ابن القطيعي (٢).
ورتب فيها الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة.
فأنبأني محفوظ ابن البزوري، قال (٣): تكامل بناء المستنصرية وجاءت في غاية الحسن ونهايته، وخلع على أستاذ الدار العزيزة متولي عمارتها (٤)؛ وعلى أخيه علم الدين أبي جعفر ابن العلقمي، وعلى حاجبه، وعلى المعمار، وعلى مقدم الصناع.
ونقل إلى خزانة الكتب كثيرٌ من الكتب النفيسة، فبلغني أنه حمل إليها ما نقله مائة وستون حمالا سوى ما نقل إليها فيما بعد، وأوقفت، وجعل الشيخ عبد العزيز شيخ الصوفية برباط الحريم وخازن كتب دار الخلافة، هو وولده ضياء الدين أحمد ينظران في ترتيبها، فرتبا الكتب أحسن ترتيب.
وفي بعض الأيام اتفق حضور أمير المؤمنين عندهما لينظر، فسلم عليه عبد العزيز وتلا قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ فخشع المستنصر بالله أمير المؤمنين، ورد عليه¬ السلام، وكلمه، وجبر قلبه.
وشرط لكل مدرسٍ أربعة معيدين، واثنان وستون فقيها، وأن يكون بالدار المتصلة بالمدرسة (٥) ثلاثون يتيما يتلقنون.
قلت: رأيت نسخة كتاب وقفها في خمسة كراريس، والوقف عليها عدة رباع وحوانيت ببغداد، وعدة قرى كبار وصغار ما قيمته تسعمائة ألف دينار فيما يخال إلي، ولا أعلم وقفا في الدنيا يقارب وقفها أصلا سوى أوقاف جامع
стр. 13514
دمشق؛ وقد يكون وقفها أوسع.
فمن وقفها بمعاملة دجيل: قصر سميكة (١)، وهي ثلاثة آلاف وسبعمائة جريب، والجمد (٢) وضياعه كلها، ومساحته ستة آلاف وأربعمائة جريب، والأجمة (٣) كلها، وهي خمسة آلاف جريب وخمسون، ومن نهر الملك برفطا (٤) كلها، وهي خمسة آلاف وخمسمائة جريب، وناحية البدو (٥)، وهي ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعون جريبا، وقوسنيثا (٦)، وهي ثلاثة آلاف جريب ونيف، وقرية يزيد (٧) كلها، وهي أربعة آلاف جريب ومائة وثمانون جريبا، ومن ذلك ناحية طبسنى (٨)، ومساحتها ثمانية آلاف ومائة جريب، ومن ذلك سستا (٩)، وهي ثلاثة آلاف جريبٍ وزيادة، وناحية الأرحاء (١٠)، وهي أربعة آلاف جريب، ومن ذلك ناحية البسطامية (١١)، وهي أربعة آلاف جريب، والفراشة (١٢)، ألف جريب، وقرية حد النهرين (١٣)، وهي ألف جريب ومائتا جريب، والخطابية (١٤)، وهي أربعة آلافٍ وثمانمائة جريب، وناحية بزندي (١٥)، وهي ستة آلاف وخمسمائة جريب، ومن ذلك الشدادية (١٦) ومبلغها عشرون
стр. 13515
ألف جريب ومائتان وخمسون جريبا، وحصن بقية (١)، وهو أربعة آلاف جريب وثمانمائة [جريب] (٢)، ومن ذلك فرهاطيا (٣)، ستة آلاف جريب، ومن ذلك حصن خراسان (٤)، وهي خمسة آلاف جريب وتسعمائة جريب، وما أضيف إلى ذلك، وهو سبعة آلاف جريب ومائتا جريب.
ومن أعمال نهر عيسى قرية الجديدة (٥)، وهي ألفا جريب وستمائة جريب، والقطنية (٦)، وهي ستة آلاف وأربعمائة جريب، وقرية المنسل (٧)، وهي خمسة آلاف وخمسمائة جريب، وميثا (٨)، وهي ألفان وخمسمائة جريب، وقرية الدينارية (٩)، وهي أربعة آلافٍ وستمائة جريب، والناصرية (١٠) كلها، وهي تسعة عشر ألف جريب.
فالمرتزقة من أوقاف هذه المدرسة على ما بلغني نحوٌ من خمسمائة نفس؛ المدرسون فمن دونهم، وبلغني أن تبن الوقف يكفي الجماعة ويبقى مغل هذه القرى مع كري الرباع فضلة، فكذا فليكن البر وإلا فلا.
وحدثني الثقة أن ارتفاع وقفها بلغ في بعض السنين وجاء نيفا وسبعين ألف مثقال ذهبٍ.
وفي خامس رجب يوم الخميس فتحت، وحضر سائر الدولة والقضاة والمدرسون والأعيان وكان يوما مشهودا.
وفيها سار ركب العراق، فبلغهم أن العرب قد طموا المياه، وعزموا على
стр. 13516
أخذ الركب، فرد بالناس قيران الظاهري أميرهم ووصل أوائلهم في ذي الحجة إلى بغداد وماتت الجمال والناس، وكانت سنة عجيبة، وكان معهم تابوت مظفر الدين صاحب إربل ليدفن بمكة، فعادوا به ودفنوه بمشهد علي ﵁.
وفيها أقيمت بمسجد جراح الجمعة بالشاغور.
وفيها أمر وزير دمشق، وابن جرير أن يعلق بباب الجامع حبلٌ، فمن دخل من أصحاب الحريري، علق فيه.
سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
فيها شرع الملك الأشرف في بناء جامع العقيبة، وكان قبل ذلك خانا يقال له: خان الزنجاري، فيه الخمور والخواطئ، فأنفق عليه أموالا كثيرة.
وفيها في صفر وصل إلى الديوان العزيز رسولٌ من الأمير عمر بن رسول أنه استولى على بلاد اليمن، وأرسل تقادم وتحفا.
وفيها ختم القرآن عبد الله ابن المستنصر بالله، وهو المستعصم الذي قتلته التتار، ختم على مؤدبه أبي المظفر علي ابن النيار (١)، فعملت دعوةٌ هائلة غرم عليها عشرة آلاف دينار، وأعطى ابن النيار شيئا كثيرا، من ذلك: ألف دينار، وخلعٌ عديدة.
وفيها جلس الوزير نصير الدين ابن الناقد، واستحضر الولاة والتجار والصيارف، ثم فرشت الأنطاع، وأفرغ عليها الدراهم التي ضربت بأمر المستنصر بالله، فقام الوزير والدولة خدمة لرؤيتها، ثم قال: قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمعاملتكم بهذه الدراهم عوضا عن قراضة الذهب، رفقا بكم، وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء والطاعة.
ثم سعرت كل عشرة بدينارٍ إمامي، وأديرت بالعراق، فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد:
لا عدمنا جميل رأيك فينا … أنت باعدتنا عن التطفيف
ورسمت اللجين حتى ألفنا … هُ وما كان قبل بالمألوف
стр. 13517
ليس للجمع كان منعك للصر … ف، ولكن للعدل والتعريف
وفي ربيع الأول كانت وقعة أهل سبتة مع الفرنج، وذلك أن متوليها الينشتي (١) كان قد بالغ في تألفهم، فكانوا يأتون بالتجارات، فكثروا إلى الغاية بسبتة بحيث إنهم صاروا بها أكثر من أهلها، فطمعت الفرنج وراموا تملك البلد، وأعملوا الحيلة.
وكان لأبي العباس الينشتي ابنان؛ أحدهما قائد البحر، والآخر قائد البر.
فخرج قائد البر نوبة بجيشه لأخذ الخراج من القبائل، فعزم الملاعين على أمرهم، ولبسوا أسلحتهم وخرجوا، فطلبوا من سقاءٍ ماء، فأبى، فقتلوه وشرعوا في القتال.
وثار المسلمون إليهم، والتحم الحرب، فقتلوا من أهل الربض خلقا، وسد أهل البلد الباب في وجوههم ورموهم بالنشاب من المرامي، وأسرع الصريخ إلى قائد البر؛ فكر بالجيش ركضا، والإفرنج قد ملكوا الربض، وسدوا بابه الواحد، وهم على أن يغلقوا الثاني، فحمل الجيش عليهم حملة صادقة، فدخلوا عليه، فلم يفلت منهم إلا الشريد، ففروا إلى البحر هاربين، وغنم المسلمون من الأموال ما لا يوصف.
فذهب المنهزمون واستنجدوا بالفرنج، ثم أقبلوا في هيئةٍ ضخمة من الرجال والمراكب وآلات الحصار والمجانيق، ونازلوا سبتة، واشتد الأمر، فطلب المسلمون المصالحة، فقالوا: لا نرد حتى يغرموا لنا جميع ما أخذ لنا في العام الماضي.
فأعطوا جميع ذلك؛ التزم الينشتي لهم بذلك، وعجز عن البعض، فشرع في مصادرة العامة، فتوغلت صدورهم عليه، وقال له الأعيان: الرأي يا أبا العباس أن نصالح صاحب المغرب، فكأنه أحس منهم القيام عليه فأجاب على كرهٍ، فكاتبوا الرشيد عبد الواحد؛ فبعث جيشا مع وزيره، وفتح أهل سبتة له البلد، وأسر الينشتي هو وابنه الواحد ثم قتلا بالسم بمراكش، وهرب ابنه الآخر في البحر، فما استقر إلا بعدن.
وأما الفرنج فنازلوا على إثر ذلك بلنسية، فأخذوها.
стр. 13518
سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
في المحرم دخل بغداد الناصر داود بن المعظم، وتلقاه الموكب وخلع عليه قباءٌ أطلس وشربوش، وأمطي فرسا بسرج ذهب، وأقيمت له الإقامات.
ولما مر بالحلة عمل له زعيمها (١) سماطا عظيما، فقيل: إنه غرم على الدعوة اثني عشر ألف دينار، ولما أراد التوجه، خلع عليه قباءٌ أسود، وفرجية ممزج، وعمامة قصبٍ كحليةٌ مذهبةٌ، وأعطي فرسا بمشدة حريرٍ، يعني الحزام الرقبة، وأعطي علما، وخفتاتين (٢)، وخيما، وكراعا (٣)، وآلاتٍ، وعدة أرؤس من الخيل، وبقج قماشٍ، وخمسة وعشرين ألف دينار، وذلك بعد الصلح بينه وبين عميه الكامل والأشرف. وأرسل في حقه رسولٌ إلى الكامل، وسافر في رمضان.
وفي ربيع الأول جاءت فرقةٌ من التتار إلى إربل فواقعوا عسكرها فقتل جماعةٌ من التتار، وقتل من الأرابلة نفرٌ يسير. ثم إن التتار ساقوا إلى الموصل ونهبوا وقتلوا، فاهتم المستنصر بالله وفرق الأموال والسلاح. فرجع التتار ودخلوا الدربند، ورد عسكر بغداد وكان عليهم جمال الدين قشتمر.
وفيها عزل أبو المعالي بن مقبل عن قضاء القضاة، وتدريس المستنصرية. وولي التدريس أبو المناقب محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي. ثم ولي قضاء القضاة أبو الفضل عبد الرحمن ابن اللمغاني.
وفيها وصل سراج الدين عبد الله بن عبد الرحمن الشرمساحي (٤) المالكي إلى بغداد بأهله، فولي تدريس المالكية بالمستنصرية، وبانت فضائله.
وفيها وصل إلى بغداد أيضا شهاب الدين أحمد بن يوسف ابن الأنصاري الحلبي الحنفي، وولي تدريس المستنصرية.
وفيها عدى الكامل والأشرف الفرات إلى الشرق، واستعاد الكامل حران والرها من صاحب الروم، فأخرب قلعة الرها.
ثم نزل على دنيسر فأخربها.
стр. 13519
فجاءه كتاب صاحب الموصل أن التتار قد قطعوا دجلة في مائة طلبٍ (١)، ووصلوا إلى سنجار، فخرج إليهم معين الدين ابن كمال الدين ابن مهاجر فقتلوه. فرد الكامل والأشرف إلى الشام. فأتت عساكر الروم والخوارزمية إلى ماردين فنزل إليهم صاحبها، وأتوا إلى نصيبين، فأخربوها، وبدعوا، وعملوا فيها أعظم مما فعل الكامل بدنيسر، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
قال سعد الدين ابن شيخ الشيوخ - وأجازه لنا (٢) -: فيها وصلت الأخبار من مصر بأن فيها وباء عظيما، بحيث إنه مات في شهر نيف وثلاثون ألف إنسان.
ثم ساق كيفية حصار الكامل لحران. وقتل عليها عددٌ من المسلمين. وزحف عليها الكامل والأشرف مرات، وجرح خلقٌ كثيرٌ. ثم أخذها بالأمان من نواب صاحب الروم وأخذهم في القيود، وجرت أمورٌ قبيحةٌ جدا.
وفي رمضان كان الملك الكامل بدمشق نازلا في دار صاحب بعلبك التي داخل باب الفراديس، فأعطى آمرية مائة فارس للصاحب عماد الدين عمر ابن الشيخ.
وفي آخر السنة حشد صاحب الروم وجمع ونازل حران وآمد، وتعثرت الرعية بينه وبين أولاد العادل، نسأل الله اللطف. ثم جرت أمورٌ.
وفيها أخذت الفرنج - لعنهم الله - قرطبة بالسيف، واستباحوها، فقال لنا أبو حيان (٣): توفي ابن الربيع (٤) بإشبيلية بعد استيلاء النصارى على شرقي قرطبة سنة ثلاثٍ وثلاثين.
وقال ابن الأبار (٥): استولت الروم على قرطبة في شوال سنة ثلاث وثلاثين.
стр. 13520
قلت: هي أكبر مدائن الأندلس وما زالت دار إسلام من زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن استولت النصارى الآن عليها بالأمان.
سنة أربع وثلاثين وستمائة
في المحرم قصد جماعةٌ عيادة مريضٍ ببغداد، فطلعوا وجلسوا عنده على مشرقةٍ (١)، فانخسفت بهم، فماتوا جميعا سوى المريض، وكانوا سبعة.
وفيها صرع الطير الأمير ركن الدين إسماعيل ابن صاحب الموصل، فادعي لشرف الدين إقبال الشرابي، وبعث بالطير إلى بغداد، فقبله، وعلق ببغداد، ونثر عليه ألف دينار فالتقطها رماة البندق.
ولم يحج أحد هذا العام من العراق.
وجرى على ركب الشام نكبةٌ شديدةٌ من العطش قبل ثجر (٢) وهي على درب خيبر.
وفيها وقع الصلح بأمر الخليفة بين الكامل وبين صاحب الروم في شهر المحرم.
وفيها جاء بدمشق سيل عرم قدر قامةٍ وبسطة، خرب الخانات، والدور التي بالعقيبة من شمالي باب الفرج، وذهب للناس شيءٌ كثيرٌ.
وفيها مات صاحب حلب الملك العزيز، وصاحب الروم علاء الدين.
وفيها كان عرس مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير على بنت بدر الدين صاحب الموصل. وكان عرسا ما شهد مثله. وخلع عليه الخليفة، وأعطاه، ونوه باسمه، ومشى في ركابه الأمراء، ووراءه ألوية الملك. وأعطي أنواعا كثيرة وتحفا، واستمر دخوله إلى دار الخلافة في كل يوم.
وفيها نزل التتار على إربل وحاصروها، ونقبوا السور وأخذوها عنوة، وقتلوا وسبوا، وجافت إربل بالقتلى. وكان باتكين نائب البلد بالقلعة فقاتلهم. ثم إن التتار نقبوا القلعة، وجعلوا تحتها سربا وطرقا، وقلت المياه على أهل القلعة، ومات بعضهم من العطش، ولم يبق إلا أخذ القلعة، ثم لطف الله بمن بقي بالقلعة، ورحلت التتار بمكاسب لا تحصى.
стр. 13521
وفيها وقع بين الكامل والأشرف، لأن الأشرف طلب من أخيه الرقة فامتنع، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار عوضها، فردها. فغضب الكامل وقال: يكفيه عشرته للمغاني، فتنمر الأشرف، وبعث إلى حلب والشرق، فاتفقوا معه. وأما الكامل فإنه خاف ومضى إلى مصر، فلما دخل باس الأرض شكرا، وقال: رأيت روحي في قلعتي؛ أنبأني بذلك سعد الدين: أن ابن عمه فخر الدين حكى له ذلك.
وفي ذي القعدة احتاط الأشرف على ديوان الكامل الذي بدمشق، وأمر بنفي نوابه. وختم على الحواصل من غير أن يتصرف فيها.
سنة خمس وثلاثين وستمائة
فيها اختلفت العساكر الخوارزمية الذين من حيث (١) الصالح نجم الدين أيوب عليه، وهموا بالقبض عليه، فهرب إلى سنجار، وترك خزائنه فنهبتها الخوارزمية. فلما صار في سنجار، سار إليه بدر الدين صاحب الموصل وحاصره. فطلب منه الصلح فأبى. فبعث الملك الصالح قاضي سنجار بدر الدين وحلق لحيته ودلاه من السور، فاجتمع بالخوارزمية وشرط لهم كل ما أرادوا. فساقوا من حران بسرعة فكبسوا بدر الدين، فهرب على فرس النوبة، وانتهبوا خزائنه وثقله، واستغنوا.
وفيها أخذ أسد الدين صاحب حمص عانة من صاحبها صلحا، واحتوى عليها، وجعل له بها واليا من البلد.
وفيها وصل إبراهيم بن الأمير خضر بن السلطان صلاح الدين إلى بغداد في ستمائة فارس؛ لأن الخليفة كان قد سير إلى الشام مالا يستخدم به جيشا لحرب التتار، فدخلها في شوال، ودخل بعده الملك المظفر عمر، والملك السعيد غازي ابنا الملك الأمجد صاحب بعلبك، ومعهما عساكر نفذهم الكامل.
стр. 13522
وفيها كثرت الصواعق ببغداد في تشرين الأول، فوقعت صاعقةٌ على راكب بغل ظاهر السور فأهلكتهما وأخرى في بيت يهودي، وأخرى على نخلة بالمحول، وأخرى في ساحة المستنصرية، الكل في ساعة.
وفيها قدم بغداد الرسول من ملكة الهند بنت السلطان شمس الدين أيتامش مملوك السلطان شهاب الدين الغوري. وسبب ملكها أن أخاها ركن الدين تملك في السنة الماضية بعد والده، فلم ينهض بتدبير الرعية، وتفرقت عليه عساكره. فقبضت عليه أخته هذه، وملكت، وأطاعها الأمراء، ولقبت رضية الدنيا والدين.
وفيها ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الخويي، وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد. وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم.
ولم يحج أحدٌ أيضا في العام من العراق بسبب كسرة التتار لعسكر الخليفة، وأخذ إربل في السنة الماضية.
ومات السلطانان الأخوان الأشرف والكامل.
ولما انقضى عزاء الأشرف تسلطن (١) أخوه الصالح إسماعيل أبو الخيش، وركب، وعن يمينه صاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين، وحمل الغاشية عز الدين أيبك المعظمي.
وفيها وصلت التتار إلى دقوقا، وقلق الناس، خصوصا أهل العراق.
وأخذ أبو الخيش في مصادرة الرؤساء بدمشق، فصادر العلم (٢) تعاسيف، وأولاد ابن مزهر، وابن عريف البدوي (٣). وأخذ أموالهم وحبسهم. وأخرج الحريري من قلعة عزتا، لكنه منعه من دخول دمشق.
ثم جاء عسكر الكامل صاحب مصر إلى قريب دمشق، فحصنها أبو الخيش، وقسم الأبرجة على الأمراء. وجاء عز الدين أيبك من صرخد، فأمر بفتح الأبواب. وجاء لأجل الكامل الناصر داود صاحب الكرك فنزل المزة، ونزل مجير الدين، وتقي الدين ابنا العادل بالقابون، وقدم الكامل، فنزل عند
стр. 13523
مسجد القدم، وقطعت المياه عن المدينة ووقع الحصار، وغلت الأسعار، وسد أكثر أبواب البلد. ورد الكامل ماء بردى إلى ثورى وغيره. وأحرق أبو الخيش العقيبة والطواحين لئلا يحتمي بها المصريون. وزحف الناصر داود إلى باب توما، ووصلت النقوب ولم يبق إلا فتح البلد. ثم تأخر الناصر إلى وطاة برزة؛ جاءه أمر الكامل بذلك لئلا يفتح البلد على يده، وأحرق قصر حجاج والشاغور، وتعثر الناس وتمت قبائح.
ثم آل الأمر إلى أن أعطي الصالح إسماعيل بعلبك وبصرى، وأخذت منه دمشق. ودخل الكامل القلعة في نصف جمادى الأولى (١) وما هنأه الله بها؛ بل مات بعد شهرين بدمشق. فبهت الخلق ولم يتحزنوا عليه لجبروته.
ثم اجتمع عز الدين أيبك، وسيف الدين علي بن قليج، وعماد الدين وفخر الدين ابنا شيخ الشيوخ، والركن الهكاري، وتشاوروا، فانفصلوا على غير شيء. وكان الناصر داود بدار سامة، فجاءه الركن الهكاري فبين له الطريق، ونفذ إليه عز الدين أيبك يقول: أخرج الأموال، وأنفق في مماليك أبيك، والعوام معك، وتملك البلد، ويبقوا محصورين في القلعة، فلم يصر حالٌ (٢)، فأصبحوا واجتمعوا في القلعة، وذكروا الناصر وذكروا الجواد، فكان أضر ما على الناصر عماد الدين ابن الشيخ لأنه كان يتم في مجالس الكامل مباحثاتٍ، فيخطئه الناصر ويستجهله، فحقد عليه، وكان أخوه فخر الدين يميل إلى الناصر، فأشار عماد الدين بالجواد فوافقه الباقون. وأرسلوا أميرا إلى الناصر داود في الحال، فقال: أيش قعودك في بلد القوم؟ فقام وركب وازدحم الناس من بابه إلى القلعة، وما شكوا أنه تسلطن، وساق، فلما تعدى مدرسة العماد الكاتب، وخرج من باب الزقاق، انعطف إلى باب الفرج، فصاحت الناس: لا لا لا، وانقلب البلد، فذهب إلى القابون، ووقع بعض الأمراء في الناس بالدبابيس، فهربوا، وسلطنوا الجواد، وفتح الخزائن وبذل الأموال.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): فبلغني أنه فرق ستمائة ألف دينار، وخلع خمسة آلاف خلعة.
стр. 13524
وقال سعد الدين بن حمويه: بلغت النفقة تسعمائة ألف دينار وضيعوا الخزائن، وأساءوا التدبير. وكانت النفقة في الطواشي عشرين دينارا، وثلاثين دينارا، وللأمير نصف ما لأجناده. وبطلت الخمور والقحاب والمكوس، وهموا بالقبض على الناصر، فراح من القابون، ووصل إلى عجلون، ثم نزل غزة، واستولى على الساحل، فخرج إليه الجواد في عسكر مصر والشام، وقال للأشرفية: كاتبوه وطمعوه. ففعلوا، فاغتر، وساق إلى نابلس بخزائنه ومعه سبعمائة فارس، فأحاطت بهم الجيوش، فانهزم جريدة، وحازوا خزائنه وجنائبه وذخائره، وكانت خزائنه على سبعمائة جملٍ، واستغنوا غناء للأبد، وافتقر هو.
قال أبو المظفر: فبلغني أن عماد الدين ابن الشيخ وقع بسفط جوهر وفصوص، فاستوهبه من الجواد فأعطاه إياه.
وتوجه فخر الدين ابن الشيخ، وعدة أمراء إلى مصر.
وفيها سلطن بمصر الملك العادل ولد الملك الكامل، وانضم إليه حاشية أبيه.
وفي ذي العقدة كانت الوقعة بين التتار وبين الأمير جمال الدين بكلك، وعدة جيشه سبعة آلاف فارس. وعدة العدو عشرة آلاف، فانكسر المسلمون من بعد أن أنكوا وقتلوا خلقا من التتار، وكادوا ينتصرون عليهم، ووصل المنهزمون إلى بغداد، وهلك الأكثر، وعدم في الوقعة مقدمهم بكلك.
ويقال: إنه قتل في الوقعة قريبٌ من خمسين أميرا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكانت التتار يعيثون في الشرق، والأمر شديدٌ بهم.
سنة ست وثلاثين وستمائة
في أولها قبض الملك الجواد صاحب دمشق على الوزير صفي الدين ابن مرزوق، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم، وسجن بقلعة حمص، فبقي ثلاث سنين لا يرى الضوء. وقيل: حبس اثنتي عشرة سنة، ولكن أسد الدين شيركوه أظهر موته.
стр. 13525
وفيها تمهن الجواد وضعف عن سلطنة دمشق، وقايض الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بدمشق سنجار وعانة. وكان الجواد قد سلط على أهل دمشق خادما يقال له: الناصح، فصادرهم، وضرب، وعلق.
(وأما (١) عماد الدين ابن الشيخ، فإنه سار إلى مصر، فلامه الملك العادل ابن الكامل، وتوعده، لكونه قام في سلطنة الجواد، فقال: أنا أمضي إلى دمشق، وأنزل بالقلعة، وأبعث إليك بالجواد. فقدم دمشق، ونزل بالقلعة، فأمر ونهى وقال: أنا نائب السلطان، وقال للجواد: تسير إلى مصر. فاتفق الجواد والمجاهد شيركوه على قتل عماد الدين.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٢): ذكر لي سعد الدين مسعود ابن تاج الدين شيخ الشيوخ قال: خرجنا من القاهرة في ربيع الأول، فودع عماد الدين إخوته فقال له أخوه فخر الدين: ما أرى رواحك رأيا (٣)، وربما آذاك الجواد. فقال: أنا ملكته دمشق فكيف يخالفني؟ قال: صدقت، أنت فارقته أميرا، وتعود وقد صار سلطانا، فكيف يسمح بالنزول عن السلطنة؟ وأما إذا أبيت، فانزل على طبرية وكاتبه، فإن أجاب، وإلا فتقيم مكانك، وتعرف العادل. فلم يلتفت إلى قول فخر الدين، وسار.
قال سعد الدين: فنزلنا المصلى، وجاء الجواد فتلقانا وسار معنا، وأنزل عماد الدين في القلعة. وقدم أسد الدين شيركوه من حمص، وبعث الملك الجواد لعماد الدين الذهب والخلع، فما وصلني من رشاشها مطرٌ مع ملازمتي لعماد الدين في مرضه، فإنه ما خرج من القاهرة إلا في محفةٍ.
ثم إن الجواد رسم عليه في الباطن ومنعه الركوب، واجتمع به وقال: إذا أخذتم مني دمشق وأعطيتموني الإسكندرية، فلابد لكم من نائب بدمشق فاحسبوني ذلك النائب،
стр. 13526
وإلا فقد نفذت إلى الصالح نجم الدين أسلم إليه دمشق، وأذهب إلى سنجار. فقال: إذا فعلت هذا أصلحت بين الصالح وأخيه العادل، وتبقى أنت بغير شيءٍ. فقام مغضبا، وقص على أسد الدين ما جرى، فقال له: والله لئن اتفق الصالح والعادل ليتركونا نشحذ في المخالي. فجاء أسد الدين إلى عماد الدين وقال: مصلحةٌ أن تكتب إلى العادل تستنزله عن هذا الأمر. فقال: حتى أروح إلى مقام برزة وأصلي صلاة الاستخارة. فقال: تروح إلى برزة وتهرب إلى بعلبك؟ فغضب من هذا. ثم اتفق شيركوه والجواد على قتله (١). وسافر شيركوه إلى حمص، ثم بعث الجواد يقول: إن شئت أن تركب وتتنزه، فاركب فاعتقد أن ذلك عن رضى، فلبس فرجية وبعث إليه بحصان، فلما خرج من باب الدار، وقابله النصراني بيده قصةٌ فاستغاث، فأراد حاجبه أن يأخذها، فقال: لا، لي مع الصاحب شغلٌ. فقال عماد الدين: دعوه، فتقدم إليه وناوله القصة، ثم ضربه بسكينٍ على خاصرته بدد مصارينه، ووثب آخر فضربه على ظهره بسكين، فرد إلى الدار ميتا. وأخذ الجواد جميع تركته، وعمل محضرا يتضمن أنه ما مالأ على قتله، وبعث إلى أبي، فقال: اطلع، فجهز ابن أخيك، فجهزناه وأخرجناه. وكانت له جنازةٌ عظيمةٌ، ودفناه بقاسيون في زاوية الشيخ سعد الدين ابن حمويه. وعاش ستا وخمسين سنة.
وقد كتب مرة على تقويم:
إذا كان حكم النجم لا شكّ َواقعا … فما سعينا في دفعه بنجيح
وإن كان بالتدبير يمكن رده … علمنا بأن الكل غير صحيح
قال أبو المظفر: وحبس النصراني أياما وأطلق.
وخرج الجواد عن دمشق فتسلمها الملك الصالح، وعبر في أول جمادى الآخرة، والملك الجواد والملك المظفر الحموي بين يديه يحملان الغاشية بالنوبة، فنزل بالقلعة. ثم ندم الجواد حيث لا ينفعه الندم، وطلب الأمراء وحلف جماعة، فعلم الملك الصالح فهم أن يحرق عليه داره، فدخل ابن جرير في الصلح. وخرج الجواد إلى النيرب، ووقف الناس على باب النصر يدعون عليه ويسمعونه لكونه صادرهم وأساء إليهم. فأرسل إليه الصالح ليرد إلى الناس أموالهم، فما
стр. 13527
التفت، وسافر.
واستوزر الصالح جمال الدين علي بن جرير، وزير الأشرف، فمات بعد أيام.
قلت: ثم ولي الوزارة بعده - على ما ذكر سعد الدين في جريدته - تاج الدين ابن الولي الإربلي.
وحصل بدمشق الغلاء، وأبيعت الغرارة بمائتين وعشرين درهما.
وتوجه الملك الصالح قاصدا ديار مصر، وكاتب عمه عماد الدين إسماعيل صاحب بعلبك ليسير إليه، فسار الصالح نجم الدين إلى نابلس، واستولى على بلاد الناصر داود في شوال، فسار الناصر إلى مصر، وأقام الصالح ينتظر قدوم عمه الصالح إسماعيل. وكان ولد أبي الخيش وعسكره عند الملك الصالح، وعمه في باطن الأمر قد كاتب ولده وناصر الدين ابن يغمور ليحلفان (١) له الجند، والأموال تفرق بدمشق بدار النجم ابن سلام، ولم يكن أحدٌ يجسر أن يعرف الملك الصالح لهيبته. وجبوا أسواق البلد لأجل سوقية العسكر، من كل دكان عشرة دراهم.
وفي شوال سرق النعل (٢) الذي بدار الحديث، فشدد أولو الأمر على القوام وأهل الدار، فرموه في تراب.
وحدثني أبو القاسم بن عمران عن غير واحد من مشايخ سبتة أن الفرنج استولوا على جميع قرطبة سنة ست هذه. وذكر أن استيلاءهم على شرقيها كان في سنة ثلاث وثلاثين، كما ذكرنا.
قال الأبار: وفي صفر سنة ستٍ أخذت الفرنج بلنسية بعد حصار خمسة أشهر.
سنة سبع وثلاثين وستمائة
في صفر خرج الملك الصالح عماد الدين إسماعيل من بعلبك وقد تهيأت له الأمور كما يريد، وذلك بترتيب وزيره الأمين الطبيب السامري، بعث إلى
стр. 13528
دمشق الأموال والخلع ففرقت. ثم خرج من بعلبك بالفارس والراجل على أنه متوجه إلى نجدة ابن أخيه نجم الدين أيوب، إلى نابلس من طريق بانياس، فبات بالمجدل. وسرح بطاقة إلى نجم الدين بأنه واصلٌ إليه، وساق بسحرٍ وقصد دمشق، فوصل إلى عقبة دمر، ووقف. فجاءه صاحب حمص أسد الدين من جهة منين، وقصدوا باب الفراديس وهجموا البلد. فنزل الصالح في داره بدرب الشعارين، ونزل أسد الدين بداره تجاه العزيزة. ثم أصبحوا من الغد - يوم الأربعاء - فزحفوا على القلعة، ونقبوها من عند باب الفرج - وكان بها الملك المغيث عمر ابن الملك الصالح نجم الدين - وكان الصالح عماد الدين يكاتب ابن أخيه ويعده بالمجيء، وسير إليه يطلب منه ولده ليصل إلى بعلبك كي يقيم عوضه في بعلبك، فبعث به إليه. وكان عز الدين أيبك صاحب صرخد قد كاتب الصالح عماد الدين واتفق معه. ثم إن الصالح عماد الدين ملك القلعة بالأمان، ثم نكث وقبض على المغيث عمر، وحبسه في برجٍ. وخربت لذلك دار الحديث الأشرفية ودورٌ وحوانيت من شأن الحصار، ونصب على القلعة سبعة مجانيق، وأخذوا في النقوب، ثم أخذت بالأمان. وبلغ نجم الدين ما جرى، فسير عميه مجير الدين وتقي الدين، وأيدكين وألتميش وأنفق فيهم وقال: سوقوا إلى دمشق قبل أن تؤخذ القلعة، فساقوا، فبلغهم أخذ القلعة، فمالوا عن نجم الدين خوفا على أهليهم وأسبابهم، وانضموا إلى الصالح عماد الدين، وتم له الدست. وبقي الصالح نجم الدين في مماليكه وجاريته أم خليل، فطمع فيه أهل الغور والقبائل.
واتفق عود الملك الناصر من مصر عن غير رضى، فأخبروه بما تم، فأرسل عسكره، فأحاطوا بالملك الصالح نجم الدين وحملوه على بغلة بلا مهماز، وأحضروه إلى الناصر، فاعتقله مكرما بالكرك سبعة أشهرٍ. فطلب الملك العادل أخاه نجم الدين من الملك الناصر، وبذل فيه مائة ألف دينار. وطلبه أيضا عمه الملك الصالح وصاحب حمص، فما أجابهم الناصر. واتفق معه على أيمانٍ وعهود، ثم خرج به، وقصد مصر. فلما بلغ الملوك إخراجه تألموا من الناصر وعادوه. واختلفت على الملك العادل ولد الكامل عساكره، وكاتبوا الملك الصالح أخاه يسألونه الإسراع، فوصل إلى بلبيس في أواخر ذي القعدة، وبها منصوبٌ مخيم الملك العادل، فنزل به.
стр. 13529
وذكر أبو عبد الله الجزري وغيره، قصة نجم الدين أيوب، قال: بقي في غلمانه وطمع فيه أهل الغور والعشران (١)، وكان مقدمهم شيخٌ جاهل يقال له: تبل البيساني، فما زالوا وراءه وهو يحمل فيهم، وأخذوا بعض ثقله، ثم نزل على سبسطية (٢). وكان الوزيري قد عاد إلى نابلس، فأرسل إليه يقول: قد مضى وما زالت الملوك كذا، وقد جئت مستجيرا بابن عمي. ونزل في الدار التي للناصر بنابلس. ثم كتب الوزيري إلى الناصر يخبره الخبر. فبعث الناصر عماد الدين ابن موسك، والظهير ابن سنقر الحلبي في ثلاث مائة فارس، فركب الصالح نجم الدين فتلقاهم، فقالوا: طيب قلبك، إلى بيتك جئت. فقال: لا ينظر ابن عمي إلى ما فعلت وقد استجرت به. فقالوا: قد جارك وما عليك بأسٌ. وأقاموا أياما نازلين حوله، فلما كان في بعض الليالي صرخ بوق النفير، وقيل: جاءت الفرنج. فركب الناس والعساكر ومماليك الصالح وساقوا إلى سبسطية. ثم جاء ابن موسك وابن سنقر إليه، فدخل ابن سنقر إليه، وقال: تطلع إلى الكرك إلى ابن عمك، وأخذ سيفه.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): فبلغني أن جاريته كانت حاملا فأسقطت، وأخذوه إلى الكرك، فحدثني بالقاهرة سنة تسعٍ وثلاثين (٤) قال: أخذوني على بغلةٍ بلا مهمازٍ ولا مقرعةٍ، وساروا بي ثلاثة أيام، والله ما كلمت أحدا منهم كلمة، وأقمت بالكرك أشهرا، ورسموا على الباب ثمانين رجلا. وحكى لي أشياء من هذه الواقعة (٥).
ثم إن الوزيري أطلع خزانته وخيله وحواصله إلى الصلت، وبقيت حاشيته بنابلس، ووصل علاء الدين ابن النابلسي من مصر من عند الملك العادل إلى الناصر يطلب الصالح، ويعطيه مائة ألف دينار، فما أجاب. فلما طال مقامه، استشار عماد الدين ابن موسك وابن قليج، ثم أخرجه، وتحالفا واتفقا في عيد الفطر. فحدثني الصالح، قال:
стр. 13530
حلفني الناصر على أشياء ما يقدر عليها ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب أو الجزيرة والموصل وديار بكرٍ ونصف ديار مصر وأعطيه نصف ما في الخزائن من المال والجواهر والخيل والثياب، فحلفت له من تحت القهر والسيف.
قال: وبرز العادل إلى بلبيس يقصد الشام، فاختلف عليه العسكر وقبضوه، وأرسلوا إلى الصالح نجم الدين يعرفونه ويحثونه على المجيء، فسار ومعه الناصر وابن موسك وجماعة أمراء فقدموا بلبيس، فنزل الصالح في مخيم أخيه، وأخوه معتقلٌ في خركاه (١) من المخيم. وكان محيي الدين يوسف ابن الجوزي بمصر وقد خلع على الملك العادل، وعلى الوزير الفلك المسيري من جهة الخليفة.
وحدثني الصالح نجم الدين قال: والله ما قصدت مجيء الملك الناصر معي إلا خفت أن تكون معمولة علي، ومنذ فارقنا غزة، تغير علي، ولا شك، إلا أن بعض أعدائي أطمعه في الملك، فذكر لي جماعة من مماليكي أنه تحدث معهم في قتلي، ولما أفرج عني ندم وهم بحبسي ثانيا، فرميت روحي على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن نتوجه أولا إلى دمشق فنأخذها، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر.
قال: فلما أتينا بلبيس، شرب الناصر تلك الليلة، وشطح إلى خركاه العادل، فخرج من الخركاه، وقبل الأرض بين يديه فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني؟ فقال: يا خوند التوبة. فقال: طيب قلبك، الساعة أطلقك. ثم جاء فدخل علي الخيمة ووقف، فقلت: بسم الله اجلس. قال: ما أجلس حتى تطلق العادل، فقلت: اقعد - وهو يكرر الحديث - فسكت، ولو أطلقته لضربت رقابنا كلنا، قال: فنام، فما صدقت بنومه، وقمت باقي الليل، فأخذت العادل في محفة ودخلت به القاهرة. ثم بعثت إلى الناصر بعشرين ألف دينار، فردها.
وذكر لي الصالح نجم الدين قول الناصر له: بس يدي ورجلي - يعني ليلة بلبيس - فقلت: ما أظن هذا يبدو منه، هو رجلٌ عاقل. فأقسم بالله أن هذا وقع.
стр. 13531
وأما الصالح إسماعيل، فلما استقر بقلعة دمشق خطب للعادل ابن الكامل صاحب مصر، ثم لنفسه. وقدم عليه عز الدين أيبك من صرخد.
ثم قوي المرض بصاحب حمص فسافر إليها.
وفي ربيع الأول رفع الشهاب القوصي إلى الصالح أنه يستخلص الأموال من أهل دمشق، فصفعه الصالح وحبسه وحبس الوزير تاج الدين ابن الولي الإربلي؛ وزير الصالح أيوب.
وفيها أخذ صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ سنجار من الملك الجواد بموافقةٍ من أهلها، لسوء سيرة الجواد فيهم، فإنه صادرهم. وخرج يتصيد ويحج في البرية، فبعثوا إلى بدر الدين، فجاء وفتحوا له، فمضى الجواد إلى عانة ولم يبق له سواها، ثم باعها للخليفة.
وفيها درس الرفيع عبد العزيز الجيلي بالشامية البرانية.
وفيها أنزل الملك الكامل من القلعة في تابوته إلى تربته التي عملت له، وفتح شباكها إلى الجامع الأموي.
وفي ربيع الآخر ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، فخطب خطبة عرية من البدع، وأزال الأعلام المذهبة، وأقام عوضها سودا بأبيض، ولم يؤذن قدامه سوى مؤذنٍ واحدٍ. وعزل الذي قبله وهو أصيل الدين الإسعردي.
وفيها أمر الملك الصالح إسماعيل خطباء دمشق أن يخطبوا لصاحب الروم معه.
وفيها كانت الزيادة في أيام المشمش، جاء سيلٌ عرم هدم وخرب.
وفيها ولي قضاء دمشق بعد تدريسه بالشامية القاضي الرفيع، وكان قاضي بعلبك في أيام الصالح بها.
وفيها جاء الخبر إلى بغداد أن رجلا ببخارى يعرف بأبي الكرم له أتباع، قال لأصحابه: إني قادرٌ على كسر التتار بمن يتبعني - بقوة الله تعالى - من غير سلاح، فتبعه طائفةٌ، ونهضوا على شحنة البلد ومن معه فهربوا، وقوي أمره، وتبعه الخلق. فبلغ ذلك جرماغون ملك التتار يومئذٍ، فنفذ جيشا وشحنه. فخرج لحربهم أبو الكرم في ألوفٍ كثيرةٍ بلا سلاح، وتقدم أمامهم فأحجم عنهم
стр. 13532
التتار إلا واحدا، فأقدم ليجرب، وحمل على أبي الكرم، فقتله، وشد التتار على الناس قتلا. ويقال: إن عدة الناس كانوا ستين ألفا.
وقال ابن الساعي: فيها رفل الخلائق ببغداد في الخلع في العيد بحيث حرز المخلوع عليهم بأكثر من ثلاثة عشر ألفا.
ولم يحج ركبٌ من العراق.
وفي المحرم حبسوا الحريري بعزتا لأجل صبي من قرائب القيمري، حلق رأسه وصحبه.
وفيها قدم رسول الأمير الذي ملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني، إلى الديوان العزيز. وهذا ولد باليمن وخدم مع صاحبها الملك المسعود أقسيس ابن الكامل، فلما مات أقسيس علت همة هذا، واستولى على البلاد وملكها، وقطع خطبة الملك الكامل وطرد نوابه، وخطب لنفسه، وأرسل يطلب من المستنصر بالله تقليدا بسلطنة اليمن، وبقي الملك في بنيه باليمن إلى اليوم.
وفي ذي القعدة كان الصالح عماد الدين إسماعيل قد قبض على جماعة من أمراء الكاملية، فحبسهم وضيق عليهم فماتوا، وهم: أيبك قضيب البان، وبلبان الدنيسري، وأيبك الكردي، وبلبان المجاهدي، ﵏.
ولم يحج ركب العراق في هذه السنين للاهتمام بأمر التتار.
سنة ثمانٍ وثلاثين وستمائة
فيها سلم الملك الصالح أبو الخيش إسماعيل قلعة الشقيف إلى الفرنج فتملكها صاحب صيدا، فأنكر على الصالح الشيخان عز الدين ابن عبد السلام، وأبو عمرو ابن الحاجب، فعزل عز الدين عن الخطابة، وحبسهما بالقلعة. وولي الخطابة وتدريس الغزالية الخطيب العماد داود بن عمر المقدسي خطيب بيت الآبار. ثم أطلقهما بعد مدة، وأمرهما بلزوم بيتهما.
وفيها قال أبو المظفر ابن الجوزي (١): قدم رسول ملك التتار ومعه كتابٌ إلى صاحب ميافارقين شهاب الدين غازي ابن العادل، وإلى الملوك، عنوان الكتاب: من نائب رب السماء، ماسح وجه الأرض، ملك الشرق والغرب،
стр. 13533
ويأمرهم - أعني ملوك الإسلام - بالدخول في طاعة القاءان الأعظم. وقال لشهاب الدين: قد جعلك سلحداره، وأمرك أن تخرب أسوار بلادك. فقال: أنا من جملة الملوك الذين أرسل إليهم، فمهما فعلوا فعلت.
ثم قال أبو المظفر: وكان هذا الرسول شيخا لطيفا، مسلما، أصبهانيا، حكى لشهاب الدين عجائب، منها قال: بالقرب من بلاد قاقان، قريبا من يأجوج ومأجوج على البحر المحيط، أقوامٌ ليس لهم رؤوس، وأعينهم في مناكبهم، وأفواههم في الرقبة، وإذا رأوا الناس هربوا، قال: وعيشهم من السمك. وهناك طائفةٌ تزرع في الأرض بزرا يتولد منه غنمٌ كما يتولد الدود، ولا يعيش الخروف أكثر من شهرين أو ثلاثةٍ، مثل بقاء النبات، وإن هذه الغنم لا تتناسل، وأخبر أن عندهم آدمي بريٌ، وعلى جسمه شعرٌ كثير، وخيل بريدٍ لا تلحق (١).
وفي ذي (٢) الحجة قدم بغداد شمس الدين بن بركات خان بن دولة شاه، ولد ملك الخوارزمية، وله عشر سنين، فتلقاه الموكب الشريف، وخلع عليه بشربوش، وأركب فرسا بسرج ذهبٍ. ثم قدم بعده ابن كشلي خان أحد أمراء الخوارزمية، فخلع عليه.
ولم يحج أحدٌ في هذا العام من بغداد.
وفي أولها وصل الناصر داود من مصر إلى غزة، فكان بينه وبين الفرنج وقعةٌ، كسرهم فيها.
وفيها وصل الركب الشامي منهوبين، أخذتهم العرب بين تيماء وخيبر.
وفيها قبض الصالح أيوب على خمسة أمراء من أمراء دولة أبيه.
وفيها سار جيش حلب ومعهم الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص إلى حران، فعملوا مع الخوارزمية مصافا، فانكسرت الخوارزمية، وقتلوا، وأسروا. وأخذ المنصور حران، وعصت عليه القلعة.
وفيها هاجت الأمراء بمصر واختلفوا، فمسك منهم الملك الصالح عدة، فسكن الوقت.
стр. 13534
وفيها تسلم عسكر الروم آمد بعد حصارٍ طويل. وقيل: إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار.
وفيها ظهر بالروم البابا التركماني، وادعى النبوة، وكان يقول: لا إله إلا الله، البابا ولي الله، واجتمع عليه خلقٌ عظيم. فجهز صاحب الروم جيشا لقتاله، فالتقوا، وقتل في الوقعة أربعة آلافٍ، وقتل البابا، لا ﵀.
وفيها جاء الملك الجواد والصالح بن شيركوه صاحب حمص ومعهم جيش من الخوارزمية، وقصدوا حلب، فنازلوا بزاعة (١) في خمسة آلاف فارس، فخرج إليهم عسكر حلب في ألفٍ وخمسمائة فارس، فكسروا عسكر حلب، وقتلوا، وأسروا، وقربوا إلى حيلان (٢) وقطعوا الماء عن حلب. ثم ردوا فنهبوا منبج، وقتلوا أهلها، ولهذا عمل المصاف على حران.
سنة تسعٍ وثلاثين وستمائة
استهلت والتتار في هذه السنين بأيديهم من الخطا إلى قريب العراق وإربل، وغاراتهم تبدع كل وقتٍ، والناس منهم في رعبٍ، وراسلهم إلى الآن المستنصر بالله ثلاث مرات.
وأما الخوارزمية فزالت دولتهم، وتمزقوا، وقطشت أذنابهم، وبقوا حرامية، يقتلون ويسبون الحريم، ويفعلون كل قبيحٍ.
وفيها قدم الملك الجواد ملتجئا إلى السلطان الملك الصالح أيوب، فخاف منه الصالح، ونوى أن يمسكه، فرد الجواد من الرمل والتجأ إلى الملك الناصر بالكرك.
وفيها قدم كمال الدين ابن شيخ الشيوخ في جيشٍ من المصريين، فنزل غزة. فجهز الناصر عسكره مع الجواد، فالتقوا، فكسرهم الجواد وأخذ كمال الدين ابن الشيخ أسيرا، وأحضر إلى بين يدي الناصر داود، فوبخه، فقال الجواد: لا توبخه. ثم بعد قليلٍ تخيل الناصر من الجواد فأمسكه، وبعث به إلى بغداد تحت الحوطة، فلما نزل بنواحي الأزرق عرفه بطنٌ من العرب،
стр. 13535
فأطلقوه، فالتجأ إلى الملك الصالح صاحب دمشق. ثم لم يثبت، وقصد الفرنج، وبقي معهم مدة. ثم رجع إلى دمشق فحبسه الصالح بحصن عزتا، وهلك في سنة إحدى وأربعين.
وفيها شرع الصالح صاحب مصر في عمارة المدرسة بين القصرين، وفي عمارة قلعة الجزيرة، وأخذ أملاك الناس، وخرب نيفا وثلاثين مسجدا، وقطع ألف نخلةٍ، وغرم على هذه القلعة دخل مصر عدة سنين. ثم أخربها غلمانه في سنة إحدى وخمسين وستمائة.
وفيها تخلص الوزير صفي الدين إبراهيم بن مرزوق من حبس حمص بعد أن بقي به عدة سنين. وكان الملك الجواد وصاحب حمص قد تعصبا عليه وأخذا منه أموالا عظيمة، فيقال: أخذا أربعمائة ألف درهمٍ.
وفيها دخل الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي إلى ديار مصر، وأقبل عليه السلطان إقبالا عظيما، وولاه الخطابة والقضاء، فعزل نفسه من القضاء مرتين وانقطع.
وفيها دخل بايجو وطائفةٌ من التتار في بلاد الروم فعاثوا، وسفكوا، وهرب منهم السلطان غياث الدين وضعف عن الملتقى.
وفيها ولي تدريس النظامية نجم الدين عبد الله ابن البادرائي مدرس مدرسة الإمام الناصر، وخلع عليه بطرحةٍ.
وفيها أغارت الخوارزمية ونهبت وسبت نصيبين ورأس عين ودنيسر، وقتلوا عددا كبيرا من المسلمين. ثم طلبوا الصلح مع المظفر غازي، فحلف لهم وحلفوا له، ومقدمهم الكبير هو بركة خان، وهم نحو خمسة آلاف فارس. ودون بركة خان في الرتبة اختيار الدين بردي خان، وقد كان أمير حاجب السلطان جلال الدين، وهو شيخٌ داهيةٌ، له رأيٌ ورواءٌ، ودونه صارو خان، شحنة الجمال التي لجلال الدين خوارزم شاه؛ وهو شيخٌ بطينٌ أبله، ثم كشلوخان تربية جلال الدين؛ شابٌ عاقلٌ، وابن أخت جلال الدين، وبهادر، وبكجري، وتبلو، وغيرهم من الأمراء. وهذا بركة خان، شابٌ مليح أول ما طر شاربه. فتزوج الملك المظفر بابنة عم بركة خان، وتسلطت الخوارزمية على بلاد الجزيرة، وبالغوا في العيث والفساد، وخربوا أعمال الموصل حتى
стр. 13536
أبيع الثور بأربعة دراهم، وقنطار الحديد بدرهمين ثلاثة، والحمار بثلاثة دراهم، لكثرة الشيء ولكونه حراما؛ قال سعد الدين هذا كله، وقال: في رمضان نفوا الحريرية من ميافارقين - وأنا بها - لكثرة إفسادهم أولاد الناس.
سنة أربعين وستمائة
فيها عزم الصالح صاحب مصر على قصد الشام، فقيل له: البلاد مختلفةٌ، فجهز الجيش وأقام.
وفيها (١) كانت وقعةٌ هائلةٌ بين صاحب ميافارقين شهاب الدين وبين عسكر حلب. كانت الخوارزمية قد خربوا بلاد الموصل وقراها وماردين. وحلفوا لصاحب ميافارقين وحلف لهم، ووافقهم صاحب ماردين. فجمع صاحب ميافارقين الخانات، وهم مقدموا الخوارزمية وشاورهم، فقال: لا بد من تخريب بلد الموصل، وقالوا هم: لا بد من اللقاء. فلما كان في المحرم ركبوا وطلبوا من جبل ماردين إلى الخابور. وساقوا إلى المجدل، ووقف الخانات ميمنة وميسرة، وغازي صاحب ميافارقين في القلب. وأقبل عسكر حلب فصدموا صدمة رجل واحد، فانهزمت الخوارزمية، وركب الحلبيون أقفيتهم أسرا وقتلا، ونهبوا أثقال غازي وعساكره، وأغنام التركمان ونساءهم. وكانوا خلقا، وأبيع الفرس بخمسة دراهم، والشاة بدرهمٍ، ونهبت نصيبين وسبي أهلها. وقد نهبت قبلها مرارا من المواصلة والخوارزمية. ثم فعلوا كذلك برأس العين والخابور. وجرت قبائح.
وفيها ملك شهاب الدين غازي مدينة خلاط.
وفي شوال قدم أحمد بن محمد بن هود مرسية بجماعةٍ من وجوه الفرنج، فملكهم مرسية صلحا.
وفيها كان الوباء ببغداد، وزادت الأمراض. وتوفي المستنصر بالله، وبويع ابنه المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله بن منصور، الذي استشهد على يد التتار.
стр. 13537
وفيها سار من مصر الجيش لمحاصرة الصالح إسماعيل، وعليهم كمال الدين ابن الشيخ، فمات بغزة، فقيل: إنه سقي السم.
قال سعد الدين الجويني: وفي المحرم أخذت التتار أرزن الروم، وقتلوا كل من فيها. وانجفل أهل خلاط، وتفرقوا خوفا من التتار. ثم حكى كسرة الحلبيين للمظفر وللخوارزمية. ثم قال: حكى شخصٌ من أهل نصيبين، قال: نهبت نصيبين في هذه السنة سبع عشرة مرة: من المواصلة والماردانية والفارقية، ولولا بساتيننا هجينا في البلاد، فما شاء الله كان.
стр. 13538
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ال وفيات)
سنة إحدى وثلاثين وستمائة
١ - أحمد بن أحمد بن إبراهيم بن أسد، المنتجب أبو العباس الدمشقي.
سمع أبا القاسم الحافظ، وأبا سعد بن عصرون، وسمع بعد ذلك بمصر من البوصيري.
وهو جد صاحبنا شرف الدين أحمد بن نصر الله بن أسيدة.
كتب عنه جماعةٌ. وروى عنه بالإجازة فاطمة بنت سليمان، والفخر إسماعيل ابن عساكر، وعلي بن هارون الثعلبي.
وتوفي في رابع عشر ذي الحجة.
وأصله من صور (١).
٢ - أحمد بن إبراهيم بن نصر، أبو العباس ابن المركب، القيسي الطبيب.
حدث عن عبد الرحمن بن علي اللخمي، والقاسم ابن عساكر.
ومات في شعبان.
٣ - أحمد بن أبي بكر جعفر بن أحمد بن علي بن عبد الله، أبو العباس الحربي، المعروف بابن عمارة.
سمع من عمر بن بنيمان المستعمل، وعبد المغيث بن زهير.
وحدث.
وللفخر ابن عساكر، ولمحمد بن يوسف الإربلي، ولمحمد ابن الشيرازي، منه إجازةٌ.
وتوفي في المحرم.
стр. 13539
وعمارة: بالتشديد؛ قيده المنذري (١).
٤ - أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان، الأمير الكبير صلاح الدين الإربلي.
ولد ونشأ بإربل، وقدم مصر. وكان حاجب الملك مظفر الدين صاحب إربل، فتغير عليه، وسجنه مدة، ثم أطلقه، فقصد الشام صحبة الملك القاهر أيوب ابن العادل. فخدم الملك المغيث محمود ابن العادل. فلما توفي المغيث دخل مصر، وخدم السلطان الملك الكامل، وعظم عنده، وأحبه.
وكان فقيها، عالما، أديبا، شاعرا مجودا، ظريفا، فصيحا.
ثم إن الكامل تغير عليه وحبسه سنة ثمان عشرة، فبقي في الحبس خمس سنين، وعمل:
ما أمر تجنّيك على الصّبّ خفي … أفنيت زماني بالأسى والأسف
ما ذا غضبٌ بقدر ذنبي فلقد … بالغتَ وما أردت إلاّ تلفي
ثم أوصلهما لبعض القيان، فغنت به للملك الكامل فأعجبه، وقال: لمن هذا؟ قيل: للصلاح الإربلي فأطلقه، وعاد إلى منزلته.
وله ديوان ودوبيت كثيرٌ. وله:
يوم القيامة فيه ما سمعت به … من كلّ هولٍ فكن منه على حذر
يكفيك من هوله أن لست تبلغه … إلاّ إذا ذقت طعم الموت بالسّفر
وكان في خدمة الكامل حين قصد الروم، فمرض بالمعسكر وحمل إلى الرها فمات قبل دخولها، ودفن بظاهرها في ذي الحجة. وعاش ستين سنة. ثم نقله ابنه بعد أعوام إلى مصر ودفنه بتربته.
وكان الصاحب محيي الدين ابن الجوزي قد توجه رسولا إلى مصر، فانتظروه فتأخر أياما، فعمل الصلاح الإربلي:
قالوا الرسول أتى وقالوا إنّه … ما رام يوما عن دمشق نزوحا
ذهب الزّمان وما ظفرت بمسلمٍ … يروي الحديث عن الرسول صحيحا (٢)
стр. 13540
٥ - أحمد بن علي بن ثبات (١)، الإمام أبو العباس الواسطي الشافعي الفرضي الحاسب.
ولد في حدود سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وسمع ببغداد من أبي طالب المبارك صاحب ابن الخل.
وكان بصيرا بالفرائض والحساب، وصنف فيه. وانتفع به جماعةٌ.
توفي في رجب.
٦ - أحمد ابن الموفق محمد بن أبي الفتح محمود بن أحمد بن علي بن أحمد بن عثمان، الشرف أبو العباس ابن الصابوني، المحمودي الشافعي.
حدث بدمشق ومصر عن السلفي، وأبي الفتح بن شاتيل.
روى عنه ابن عمه الجمال محمد ابن الصابوني، والمحيي محمد ابن الحرستاني الخطيب، وأخوه عبد الصمد، وسعد الخير بن أبي القاسم النابلسي؛ وأخوه أبو الفرج نصرٌ، وإبراهيم بن عثمان اللمتوني؛ وأخوه عليٌ، وأبو الحسين علي بن محمد اليونيني، وجماعةٌ.
قال الحافظ المنذري (٢): سمعت منه، وتوفي في ثالث رمضان بمصر، وسألته عن مولده: فذكر ما يدل تقريبا أنه في سنة تسعٍ وستين وخمسمائة.
قلت: وكان كريم النفس، دائم البشر.
٧ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد، الشريف أبو هاشم الهاشمي العباسي الحلبي الشاعر، بدر الدين.
من ذرية صالح بن علي الهاشمي الأمير عم المنصور، ولم يزل آباؤه بحلب منذ وليها صالحٌ، ولهم وقفٌ عليهم.
وكان شاعرا مجودا.
стр. 13541
توفي في رمضان (١).
٨ - أحمد بن مسلم بن أبي البدر بن عبد الرزاق، أبو العباس الراذاني. بغداديٌ، سمع من أبي المكارم المبارك بن محمد الباذرائي.
وتوفي في ربيع الأول (٢).
٩ - أحمد بن منظور بن ياسين، أبو العباس العسقلاني ثم المصري الحريري التاجر.
كهلٌ، سمع مع زكي الدين عبد العظيم من جعفر بن آموسان.
وكتب عنه زكي الدين، وقال (٣): مات في رجب.
١٠ - أحمد بن يوسف بن علي، أبو العباس الكردي الهكاري الجندي.
حدث عن السلفي. روى عنه الزكي المنذري، وسأله عن مولده، فقال: بدمشق في سنة أربع وخمسين. وله غزواتٌ ورباط. ومات في الثاني والعشرين من ربيع الآخر (٤).
وروى عنه الجمال محمد ابن الصابوني، وغيره.
١١ - إسماعيل بن أبي جعفر أحمد بن علي بن أبي بكر، أبو الحسين القرطبي ثم الدمشقي.
ولد بدمشق سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وسمع من يحيى الثقفي، وعبد الرحمن ابن الخرقي، وإسماعيل الجنزوي، وجماعةٍ.
كتب عنه ابن الحاجب، وغيره.
وروى عنه الزكي البرزالي، والمجد ابن الحلوانية، وغيرهما. وبالإجازة الفخر ابن عساكر، وفاطمة بنت سليمان، والقاضي تقي الدين، وابن الشيرازي.
وكان صالحا، زاهدا، ورعا، تقيا، منقبضا عن الناس. وكان مقرئا فصيحا. أم بالكلاسة مدة. وكان كثير الوسواس في الطهارة.
стр. 13542
قال أبو شامة (١): وفي منتصف (٢) شوال توفي البرهان إسماعيل بن أبي جعفر إمام الكلاسة، وكانت له جنازةٌ عظيمةٌ وكن منقطعا بالمنارة الشرقية.
١٢ - إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن باتكين، أبو محمدٍِ الجوهري.
شيخٌ صالحٌ بغدادي، مسندٌ.
ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
وسمع من هبة الله بن هلال الدقاق، وأبي المعالي عمر بن علي الصيرفي، وابن البطي، وأبي زرعة، ويحيى بن ثابت، والقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيضاوي، وأحمد بن المقرب، وعبد الله بن سعد خزيفة، وشهدة، وجماعةٍ.
روى عنه أحمد ابن الجوهري، وعمر ابن الحاجب، وعز الدين أحمد الفاروثي، والمحب ابن النجار، وابن نقطة.
وأجاز للفخر ابن عساكر، وفاطمة بنت سليمان، والقاضي الحنبلي، وغيرهم.
ومن مسموعه كتاب المغازي لعبد الرزاق (٣)، سمعه من ابن البطي، قال: أخبرنا جعفرٌ الحكاك، قال: أخبرنا محمد بن الحسين الصنعاني، عن النقوي، عن الدبري (٤)، عنه. وسمع كتاب المغازي لموسى بن عقبة، من ابن المقرب، قال: أخبرنا أبو طاهر ابن الباقلاني. وسمع كتاب مسند الطيالسي، من ابن البطي، قال: أخبرنا حمد الحداد. سمع الكتب الثلاثة منه أبو العباس ابن الجوهري.
قال ابن نقطة (٥): سمعت منه، وسماعه صحيح.
وقال غيره: شيخٌ صالح، ثقة، مسندٌ.
توفي في الرابع والعشرين من ذي القعدة.
وقد تفرد بإجازته أبو نصر ابن الشيرازي.
стр. 13543
١٣ - إسماعيل بن أبي طالب المبارك بن عبد الخالق، أبو أحمد ابن الغضائري، البغدادي.
ولد سنة ستين وخمسمائة، وحدث عن شهدة. وكان تاجرا.
روى لنا عنه بالإجازة إسماعيل ابن عساكر، وابن عمه البهاء.
مات في ربيع الأول (١).
١٤ - آمنة بنت الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، الصالحة العابدة أم أحمد المقرئة.
كان البنات بالدير (٢) يقرأن عليها. وكانت حافظة لكتاب الله.
روت بالإجازة عن أبي الفتح ابن البطي، وابن المقرب، وسعد الله ابن الدجاجي.
روى عنها أخوها الشيخ شمس الدين، والفخر عليٌ، والشمس محمد ابن الكمال.
قال ابن الحاجب: قرأت القرآن على والدها. وقال لي الحافظ الضياء: ما أعلم رأيت امرأة ولا رجلا في الخير مثلها. وسافرت معها إلى مكة. وما أظن كاتبيها (٣) كتبا عليها خطيئة، ولا أعرف لها سيئة. وكانت كثيرة الصدقة.
ولدت سنة خمسٍ وخمسين بجبل قاسيون، وتوفيت في سلخ رمضان.
قلت: آخر من روى عنها بالإجازة القاضي تقي الدين سليمان، وهي عمة جده.
وتوفيت أختها خديجة بعد جمعة.
١٥ - بسام بن أحمد بن حبيش (٤) بن عمر بن عبد الله بن شاكر، أبو الرضا الغافقي الجياني. نزيل مالقة.
سمع من أبيه، وأبي عبد الله ابن الفخار، وأبي جعفر بن مضاءٍ، ويحيى ابن نجبة بن يحيى، وأبي القاسم بن بشكوال. وروى أيضا عن أبي زيد السهيلي، وأبي محمد بن عبيد الله، وجماعةٍ.
стр. 13544
قال الأبار (١): وكان من أهل الفضل، والورع، والعناية بالحديث. وله حظٌ من العربية والشعر. وولي القضاء بالمنكب، وغيرها. وحدث. وتوفي في عاشر شعبان بمالقة. وولد سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
١٦ - ثابت بن تاوان بن أحمد، الإمام نجم الدين أبو البقاء التفليسي الصوفي.
حدث عن أبي الفرج ابن الجوزي، وغيره.
وكان صوفيا جليلا، معظما، نبيلا، له معرفة بالفقه والأصول والعربية والأخبار والشعر والسلوك. وكان صاحب رياضات ومجاهدات. وكان من كبار أصحاب الشيخ شهاب الدين السهروردي وأذن له أن يصلح ما رأى في تصانيفه من الخلل.
قدم دمشق وكان شيخ الأسدية (٢)، وشيخ المنيبع. وله كلام في التصوف، وشعرٌ حسن.
قال أبو شامة (٣): كان كبير المحل، حسن الأخلاق، مشتغلا بعلمي الشريعة والحقيقة.
وقال المنذري (٤): قدم مصر رسولا من الديوان العزيز، ولم يتفق لي الاجتماع به.
قلت: وهو مليح الكتابة، نسخ الأجزاء، وعني بالرواية سنة نيفٍ وعشرين، وسمع ولده.
وولد سنة خمسٍ وسبعين وخمسمائة. وتوفي في سابع جمادى الأولى.
روى عنه الجمال ابن الصابوني، وبالإذن البهاء ابن عساكر.
١٧ - ثعلب بن عبد الله بن عبد الواحد، القاضي رضي الدين أبو العباس، المصري الشافعي الفقيه الخطيب العدل.
تفقه على أبي الحسن بن حمويه الجويني شيخ الشيوخ. وشهد عند
стр. 13545
قاضي القضاة أبي القاسم عبد الرحمن ابن السكري، ومن بعده.
وولي القضاء بالجيزة، والخطابة بالجامع المجاور لضريح الشافعي.
وتوفي في ذي الحجة (١).
١٨ - الحسن بن محمد بن سكن، أبو علي الموصلي.
شيخ رئيس، أديب شاعر. توفي في ذي الحجة، وهو في عشر التسعين (٢).
١٩ - الحسن (٣) بن أبي طالب، صفي الدين البغدادي الأديب.
جاور بالمدينة، وكتب لصاحب المدينة، ثم وزر له، واشتد على قمع المفسدين، فوثب عليه جماعةٌ على باب المسجد النبوي فضربوه بأسيافهم وقتلوه داخل المسجد في آخر سنة إحدى وثلاثين.
٢٠ - الحسين بن أبي بكرٍ المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم، الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الربعي الزبيدي الأصل البغدادي الفقيه الحنبلي البابصري الفرسي؛ نسبة إلى ربيعة الفرس.
ولد سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة تقريبا، وقيل: سنة خمسٍ وأربعين.
وسمع من جده، وأبي الوقت السجزي، وأبي الفتوح الطائي، وأبي زرعة المقدسي، وأبي حامد الغرناطي، وأبي زيد جعفر بن زيد الحموي، وغيرهم. وأجاز له أبو علي الخزاز، وغيره. وحدث ببغداد ودمشق وحلب.
وكان فقيها، فاضلا، دينا، خيرا، حسن الأخلاق، متواضعا، درس بمدرسة الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.
وحدث عنه خلقٌ لا يحصون، منهم: أبو عبد الله الدبيثي (٤)، والضياء، والبرزالي، وابن أبي عمر، وسالم بن ركاب، وعمر بن محمود الرقي، ونصر بن عبيدٍ السوادي، والشهاب أحمد بن محمد الخرزي، والشيخ إبراهيم بن عبد الله الأرموي، والتقي عمر بن يعقوب الإربلي، والمنصور محمود ابن الملك الصالح إسماعيل، والحافظ محمد ابن السعد شاهنشاه ابن الأمجد،
стр. 13546
والمفتي تاج الدين عبد الرحمن، والخطيبان محيي الدين محمد ابن الحرستاني وجمال الدين عبد الكافي، ومجد الدين يوسف بن المهتار، ومحيي الدين يحيى ابن القلانسي، ومجد الدين محمد بن أحمد بن أبي طالب الأنصاري، ومحيي الدين يحيى بن علي الموسوي الحسيني، وسعد الخير ونصرٌ ابنا النابلسي، وعلاء الدين علي بن محمد المراكشي، والكمال محمد بن عبد الواحد بن أبي بكر الحموي، والرشيد عثمان بن أبي الفضل بن المحبر الحنبلي، والبدر يوسف بن إبراهيم الزراد سبط ابن الحنبلي، والحاج عبد الرحمن بن عباس الخباز، والمحيي يحيى بن أحمد ابن المعلم، والفخر عمر بن يحيى الكرجي، والعماد عبد الله بن محمد بن حسان الخطيب، وبدرٌ الأتابكي، والمعمر العماد أبو بكر بن هلال بن عياد الحنفي، والصفي إسحاق بن إبراهيم الشقراوي، والكمال علي بن محمد الفرنثي.
وأخبرنا عنه أبو الحسين اليونيني، والكمال عبد الله بن قوام، والشمس محمد بن هاشم العباسي، والنجم أبو تغلب الفاروثي، والعماد يوسف ابن الشقاري، والشرف أحمد ابن عساكر، والأمين أحمد بن رسلان، والعماد أحمد بن محمد بن سعد، والعز إسماعيل ابن الفراء، وعلي بن عثمان اللمتوني، وعليٌ وعمر وأبو بكرٍ بنو ابن عبد الدائم، ومحمد بن نوال الرصافي، وأبو بكر بن عجرمة الحجار، والشمس محمد بن حازم، وعلي بن بقاءٍ الزاهد، والبدر يوسف بن عطاء، والعز أحمد ابن العماد، ونصر الله بن عياش، وأحمد بن إبراهيم الرقوقي، وعمر بن أبي الفتوح الصحراوي، ومحمد بن أبي الذكر الصقلي، والعماد عبد الحافظ بن بدران، ويحيى ابن العدل، وأحمد ابن المجاهد، وأحمد بن عزيز اليونيني، ومحمد بن قايماز الطحان، ومحمد بن علي ابن الواسطي، ومحمد بن أبي بكر المقبري، وسونج التركماني، وعبد الصمد ابن الحرستاني، وعبد الحميد بن خولان، وأحمد بن أبي بكر الهمذاني، ومحمد بن يوسف الذهبي، ونصر بن أبي الضوء الفامي الزبداني، وعبد الدائم بن أحمد القباني، وأحمد بن زيد الجمال، وعيسى بن أبي محمد المغاري، وعلي بن محمد الثعلبي، والتقي أحمد بن مؤمن، وسنقر القضائي الحلبي، والشرف عمر بن محمد الفارسي، والقاضي علي بن أحمد الحنفي، والشهاب محمد بن مشرف التاجر، والمفتي رشيد الدين إسماعيل ابن المعلم،
стр. 13547
والبدر حسن بن أحمد بن عطاء، وعيسى المطعم، والقاضي تقي الدين سليمان ابن قدامة، وعثمان بن إبراهيم الحمصي، وأحمد بن أبي طالب الحجار، وخديجة بنت سعد، وهدية بنت عبد الحميد، وخديجة بنت الرضي، وفاطمة بنت الآمدي، وخديجة بنت المراتبي، وفاطمة بنت البطائحي، وزينب بنت الإسعردي، وست الوزراء بنت المنجى، وهدية بنت عسكر، وفاطمة بنت الفراء.
قرأت بخط السيف ابن المجد، قال: بقي في نفسي عند سفري من بغداد سنة ثلاثين أنني أقدم بلا شيخ يروي البخاري. ثم ذكر قصة ابن روزبة، وأنه سفره في سنة ست وعشرين وأعطوه خمسين دينارا من عند الصالح العادل، فلما وصل إلى رأس عينٍ، أرغبوه، فقعد وسمعوا منه البخاري ثم سار فأرغبوه في حران وسمعوا منه الكتاب، ثم فعل به أهل حلب كذلك وحرصوا أن لا يصل إلى دمشق، وخوفوه من حصار دمشق، فرجع إلى بغداد. قال السيف: فمضيت إليه وقد ذاق الكسب، فإنه حصل له أكثر من مائة دينار فاشتط علينا، واشترط حمله ومن يخدمه، ونفقة عند أهله وتردد مع ذلك، فكلمنا أبا الحسن ابن القطيعي فاشترط مثل ذلك. فمضيت إلى أبي عبد الله ابن الزبيدي، وأنا لا أطمع به فقال: نستخير الله، ثم قال: لا تعلم أحدا، وحرضه على التوجه ابنه عمر، وكان على الشيخ دينٌ نحو سبعين دينارا، فلأجله ذكر أنه يسافر، فرافقناه. فكان خفيف المؤنة، كثير الاحتمال، حسن الصحبة، كثير الذكر، فنعم الصاحب كان.
قلت: ولما قدم، فرح السلطان الأشرف بقدومه وذلك في أثناء رمضان، فأخذه إلى القلعة ولازمه وسمع منه الصحيح في أيام يسيرةٍ. ثم نزل إلى دار الحديث الأشرفية وقد فتحت من نحو شهر، فحشد الناس له وتزاحموا عليه وفرغوا عليه الصحيح في شوال. ثم حدث بالكتاب وبـ مسند الشافعي بالجبل، واشتهر اسمه وبعد صيته. ثم سافر في الحال إلى بلده، فدخل بغداد متمرضا، وتوفي إلى رحمة الله في الثالث والعشرين من صفرٍ، ودفن بمقبرة جامع المنصور.
وقد حدث من بيته جماعةٌ.
стр. 13548
٢١ - خديجة بنت محمد بن عبد الله بن العباس الحراني.
سمعت من والدها جزء الحفار. كتب عنها ابن الجوهري، وغيره. وروى عنها بالإجازة القاضي تقي الدين سليمان، وسعد الدين، والبهاء ابن عساكر، وغيرهم.
ولا أعلم متى توفيت، إنما كتبتها على التخمين هنا.
٢٢ - الخضر بن بدران بن بغزا (١)، الأديب، أبو العباس التركي الشاعر، من أولاد الأمراء المصريين.
وله شعرٌ كثير. وكان شيخا كبيرا. عاش ثمانيا وثمانين سنة. كتب عنه الزكي المنذري، وغيره. ومات في ربيع الأول.
٢٣ - زكريا بن علي بن أبي القاسم حسان بن علي بن حسين، أبو يحيى السقلاطوني الحريمي الصوفي، المعروف بابن العلبي (٢).
ولد في أول سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة، وسمع من أبيه، ومن أبي الوقت، وأبي المعالي ابن اللحاس.
روى عنه ابن النجار، والسيف ابن المجد، والشرف ابن النابلسي، والمجد عبد العزيز ابن الخليلي، والتقي ابن الواسطي، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، والشهاب الأبرقوهي، والعماد إسماعيل ابن الطبال شيخ المستنصرية، وبالإجازة الفخر إسماعيل ابن عساكر، وفاطمة بنت سليمان، وأبو نصرٍ محمد بن محمد ابن الشيرازي، والقاضي تقي الدين.
وكان من صوفية رباط أبي النجيب السهروردي، وكان ساكنا لا يكاد يتكلم إلا جوابا.
وقرأت بخط السيف قال: رأيت اسمه قد ألحق في طبقة مسند عبد (٣).
стр. 13549
وقد كان في الآخر يطلب على السماع أجرا، ويصرح به. فسمع عليه جماعةٌ كتاب الدارمي وكتاب ذم الكلام وعند إنهائه قالوا: قد بقي منه شيء إلى غدٍ أو نعطيك شيئا؟ ثم لم يعودوا إليه، فكان يشتمهم وينال منهم.
قلت: مات في أول ربيع الأول.
٢٤ - سعيد بن أبي المظفر، البندنيجي، عرف بابن عفيجة.
سمع من عبد الحق. ومات في جمادى الأولى (١).
٢٥ - سليمان بن مظفر بن غنائم، الإمام رضي الدين أبو داود الجيلي الشافعي.
تفقه ببغداد بالنظامية، ودرس، وأفتى، وصنف، وبرع في المذهب. وحدث بالإجازة عن الإمام الناصر لدين الله. وتفقه عليه جماعةٌ كثيرة، وندب إلى مشيخة الرباط الكبير فامتنع. وطلب للقضاء فامتنع.
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان (٢): كان من أكابر فضلاء عصره. صنف كتابا في الفقه يدخل في خمس عشرة مجلدة. وعرضت عليه المناصب، فلم يفعل. وكان دينا، نيف على الستين. وتوفي في ثاني ربيع الأول. وكان ملازما لبيته، حافظا لوقته.
• - السيف الآمدي، اسمه علي بن أبي علي (٣).
٢٦ - شهريار بن أبي بكر بن أبي الكرم، أبو أحمد البغدادي النساج الفقير.
رجلٌ صالحٌ. حدث عن محمد بن بركة الحلاج، وعلي بن يحيى ابن الطراح.
كتب عنه ابن الحاجب، وغيره.
ورخه المنذري بالسنة (٤).
٢٧ - صهيب بن عبد المهيمن، أبو يحيى المراكشي.
стр. 13550
سمع الموطأ من أبي بكر ابن الجد، وأبي عبد الله بن زرقون. سمع منه ابن فرتون بفاس.
وقال الأبار (١): توفي في رمضان.
٢٨ - طالب بن شمائل بن أحمد الغساني، المعروف بابن الدندان الداراني.
سمع الحافظ ابن عساكر. وحدث عنه الزكي البرزالي، وغيره. وأجاز لجماعةٍ.
توفي في المحرم عن اثنتين وثمانين سنة.
٢٩ - طغريل، الأمير الكبير شهاب الدين أتابك السلطان الملك العزيز صاحب حلب ومدبر دولته.
كان خادما، رئيسا، من كبار الأمراء الظاهرية. لما توفي أستاذه، قام بأمر ولده الملك العزيز أتم قيام. وحفظ عليه البلاد، واستمال الملك الأشرف حتى أعانهم ودافع عنهم.
وكان طغريل صالحا، دينا، صاحب ليلٍ وبكاءٍ. وكان كثير الصدقات، وافر الخيرات. كان الملك الأشرف يقول: إن كان لله في الأرض وليٌ، فهو هذا الخادم. ولما استعاد الأشرف تل باشرٍ، دفعها له، وقال: هذه تكون برسم صدقاتك، فإنك لا تتصرف في أموال الصغير. وكان قد طهر حلب من الفسق والخمور والمكوس والفجور؛ قاله أبو المظفر الجوزي (٢).
توفي بحلب في حادي عشر المحرم، ودفن بباب أربعين.
وقد حدث عن الصالح أبي الحسن علي بن محمد الفاسي.
٣٠ - طيٌ المصري، الفقير الصالح مريد الشيخ محمد القروي.
قدم الشام وانقطع إلى العبادة بزاويته بدمشق بناحية عقبة الكتان. وكان كيسا، لطيفا، ذا مروءةٍ، صحبه جماعةٌ.