أبي المفاخر المأموني. روى عنه: الحافظ عبد العظيم (١)، والحافظ أبو محمد الدمياطي، وغيرهما. وتوفي في حادي عشر رمضان.
٦٦٥ - عبد الرحمن بن إسماعيل الأزدي، أبو القاسم ابن الحداد، التونسي (٢).
قال الأبار (٣): أخذ عن أبي محمد بن أبي القاسم المؤدب، وعلي بن اليسع، وعبد الولي بن المناصف. ولقي بمكة أبا حفص الميانشي، وبمصر أبا القاسم بن جارة، وأبا القاسم بن فيره الشاطبي، وبالإسكندرية أبا الطاهر بن عوف، فسمع منهم. وسكن إشبيلية وقتاً، وتصدر لإقراء العربية. توفي بمراكش في حدود الأربعين وستمائة، وقد عمر.
٦٦٦ - عبد الرحمن بن يحيى بن أبي الحسن بن ياقوت، أبو القاسم الإسكندراني الصوفي.
حدث عن عبد الرحمن بن موقى (٤). ومات في رجب. ويأتي أخوه محمد.
٦٦٧ - عبد الرزاق بن أبي القاسم بن علي بن دادا، أبو بكر البغدادي، النصري، الخباز.
سمع عبد الحق بن يوسف. كتب عنه ابن النجار.
وعاش ثلاثاً وثمانين سنة، مات في جمادى الآخرة سنة أربعين.
٦٦٨ - عبد العزيز بن أبي القاسم عبد المنعم بن إبراهيم بن يحيى. الأجل، عماد الدين، أبو محمد ابن النقار، المصري، الشافعي، الكاتب، أخو الرشيد عبد المحسن.
كان على ديوان الحشرية (٥) بمصر إلى أن مات.
ولد في سنة خمسٍ وخمسين وخمسمائة. وسمع من السلفي. روى عنه:
стр. 13827
الزكي المنذري (١)، والعلاء بن بلبان، والشرف الدمياطي، والمجد ابن الحلوانية، والقاضي أبو المجد ابن العديم، وموفقية بنت وردان.
توفي في التاسع والعشرين من رمضان.
٦٦٩ - عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي الحرم، أبو محمدٍ، الصالحي المعروف بابن الدجاجية، وبابن أبيه.
ولد سنة أربعٍ وستين، وسمع من الحافظ ابن عساكر.
وكان شيخاً حسناً ملازماً لحلق الذكر والصلاة.
روى عنه: أبو علي ابن الخلال، والشريف حسن بن المظفر المنقذي، والفخر إسماعيل ابن عساكر، والنجم أحمد بن صصرى الكاتب، وأبو محمد ظافر النابلسي. وبالحضور العماد ابن البالسي، والبهاء ابن عساكر.
وتوفي في الخامس والعشرين من المحرم (٢).
٦٧٠ - عبد العزيز بن مكي بن أبي منصور سلمان بن طراد بن كرسا (٣). أبو محمدٍ، البغدادي، الحريري.
شيخٌ طاعنٌ في السن، مسندٌ. سمع من أبي الفتح ابن البطي، وأحمد بن علي العلوي، وأحمد بن بنيمان، ولاحق بن كاره، وأبي الحسين عبد الحق، وغيرهم. وتوفي في ربيع الآخر.
حدثنا عنه: القاضي تقي الدين سليمان، وأبو نصر ابن الشيرازي، وسعدٌ، والمطعم، وهدية بنت عبد الله بن مؤمن. وآخرون بالإجازة.
قال ابن النجار: كتبت عنه، ولا بأس به. جاوز الثمانين.
٦٧١ - عبد القادر بن ذاكر بن كامل. أبو بكر، الخفاف، الأعرج.
شيخٌ بغداديٌ يؤم بمسجدٍ، ويلقن القرآن. وطال عمره. ولم يعتن به أبوه في السماع، فإنه ولد في سنة ستٍ وخمسين، وأدرك الكبار وأكثر ما عنده إجازة يحيى بن ثابت. وسمع من أبيه.
توفي في ثالث عشر شعبان.
стр. 13828
أجاز لسعدٍ، وهدية بنت مؤمن، وستيت بنت الواسطي، وغيرهم.
٦٧٢ - عبد القاهر بن المطهر بن أبي علي الحسن بن عبد القاهر بن شجاع العدل، زين الدين، أبو محمد، ابن ثمامة، الكلبي، الدمشقي، الشروطي، الأديب.
ولد سنة ستٍ وخمسين وخمسمائة. وتفقه على القطب النيسابوري، والفخر الأرموي. وأخذ الأدب عن فتيان الشاغوري. وقال الشعر الوسط. وسمع من يحيى الثقفي.
روى عنه: الشهاب القوصي، والمجد ابن الحلوانية، والبدر ابن الخلال، وجماعةٌ.
ولي في صدر عمره ديوان زرع، وما سلم من آفات الخدم. ثم كتب الشروط بباب الجامع.
وتوفي بحماة في ربيع الآخر.
روى عنه بالإجازة أبو نصر ابن الشيرازي.
٦٧٣ - عبد القوي بن أبي العز عزون بن داود بن عزون بن الليث، أبو محمد، الأنصاري، المصري، المقرئ، الشافعي، والد إسماعيل وشيخنا محمد.
ولد سنة سبعٍ وستين وخمسمائة. وسمع بنفسه من هبة الله البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، والغزنوي، والقاسم ابن عساكر، وطائفة. ورحل، فسمع بالثغر من حماد الحراني، وغيره. وبدمشق من الخشوعي، وغيره. وبحلب والموصل.
وتفقه وقرأ القراءات على أبي الجود اللخمي. وأم بمسجد جهاركس. وكان فاضلاً، عالماً، ديناً، متصوناً، متحرياً.
روى عنه الحافظان: المنذري (١) والدمياطي، وأبو المعالي الأبرقوهي وغيرهم. وما أظن إجازته إلا قد انقطعت.
توفي - هو والعلم ابن الصابوني في يومٍ واحد - في رابع عشر شوال (٢).
стр. 13829
٦٧٤ - عبد الكريم بن غازي بن أحمد. الفقيه، تاج الدين، أبو نصر، ابن الأغلاقي، الواسطي المولد، المصري الدار، الشافعي، المقرئ، الضرير. والد شيخنا أحمد.
قرأ القراءات على أبي الجود. وسمع من البوصيري. وتفقه على مذهب الشافعي. وحدث، وتصدر بالجامع الظافري. وأعاد وأفاد. وكان فاضلاً، ديناً، حاد القريحة.
توفي في نصف رجب (١).
٦٧٥ - عبد الملك ابن الشيخ الزاهد ذيال.
استشهد على يد الفرنج - لعنهم الله - بدير أبي القرطام من الأرض المقدسة في ربيع الآخر.
حكى عنه الحافظ الضياء حكايات.
٦٧٦ - عبد الواحد بن أبي العلى إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي. صاحب المغرب وأمير المؤمنين به، الملقب بالرشيد، ابن المأمون.
ولي الأمر سنة ثلاثين بعد أبيه. وكان أبوه قد قطع خطبة المهدي ابن تومرت، فأعاد ذكرها الرشيد، واستمال بها قلوب جماعةٍ. وبقي إلى أن توفي غريقاً في صهريج بستانٍ له بمراكش، وكتموا موته شهراً. وولي بعده أخوه السعيد علي بن إدريس، فقيل: إنه صنع له مركبٌ في قصره، فكان ينزل فيه هو وإماؤه، فقدمن بالمركب فانقلب بهن، فغرقوا (٢).
٦٧٧ - علي بن إبراهيم البغدادي البزوري.
شيخٌ صالح، معتبرٌ، كثير البر والصدقة والمروءة، راغبٌ في الخيرات، له حجاتٌ عديدة. وفوض إليه سبيل أمير المؤمنين المستنصر بالله، فحمدت فيه سيرته. ولما حضره الموت تصدق بثلث ماله. أنبأني بذلك نسيبه أبو بكر
стр. 13830
ابن البزوري وقال: توفي في المحرم، وصلى عليه الخلق العظيم.
٦٧٨ - علي بن محمد بن إلياس بن عبد الرحمن العدل، بهاء الدين، أبو الحسن، ابن الشيرجي، الأنصاري، الدمشقي.
حدث عن الخشوعي. وتوفي في ربيع الأول.
كتب عنه: الزكي البرزالي، والعز ابن الحاجب. وحدثنا عنه محمد بن يوسف الذهبي (١).
٦٧٩ - علي بن محمود بن أحمد بن علي بن أحمد بن عثمان، علم الدين، أبو الحسن، ابن العارف الزاهد أبي الفتح، ابن الصابوني، المحمودي، الجويثي، الصوفي.
ولد سنة ستٍ وخمسين وخمسمائة بالجويث، وهي حاضرٌ كبيرٌ بظاهر البصرة بينهما دجلة.
واستجاز له والده جماعةٌ من الكبار، وتفرد بالرواية عن بعضهم. أجاز له أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن بنت أبي سعد المصري، وأبو المطهر القاسم بن الفضل الصيدلاني، وأبو جعفر محمد بن الحسن الصيدلاني، وأبو طاهر الخضر بن الفضل المعروف برجل، ومعمر بن الفاخر، وأبو مسعودٍ عبد الرحيم الحاجي، وأبو الفتح ابن البطي. وأسمعه أبوه من السلفي، ومنه.
روى عنه: ابنه الجمال محمد، وحفيده الشهاب أحمد بن محمد، والضياء محمد، والزكي عبد العظيم (٢)، والشرف عبد المؤمن، والضياء السبتي، والتقي بن مؤمن، والتاج بن أبي عصرون، والشرف ابن عساكر، وعلي بن بقاء المقرئ الوزان، والشمس محمد ابن الواسطي، وعبد الرحمن ومحمد ابنا سليمان المشهدي، وسنقر القضائي، والجمال محمد ابن السقطي، وآخرون. وإجازته موجودةٌ لجماعة.
وولي مشيخة الصوفية ببعض الربط. وكان عدلاً، جليلاً، متواضعاً، كيساً، واسع الرواية.
حدث بمصر، ودمشق، وحلب. وأم بالسلطان الملك الأفضل علي بالشام
стр. 13831
مدةً. وولي مشيخة جامع الفيلة، وبالرباط الخاتوني. وله سفراتٌ عديدة من الشام إلى مصر، ثم سكنها إلى أن توفي بها بالرباط المجاور للست نفيسة في ثالث عشر شوال. وقد انفرد بالسماع منه شمس الدين ابن الشيرازي.
٦٨٠ - علي بن النفيس بن أبي منصور، أبو الحسن البغدادي، المعروف بابن المقدسي الإجازاتي، ويعرف أيضاً بابن المكبر.
سمع ببغداد، ومصر، ودمشق. وحدث. وعني بالسماع، وسعى في حمل الإجازات سنين، وسافر بها فعرف بالإجازاتي.
توفي بالقاهرة في المحرم (١).
٦٨١ - علي (٢) بن أبي طالب بن علي، كمال الدين ابن الشواء، الكاتب المجود صاحب الخط المنسوب.
توفي في هذا العام.
٦٨٢ - عمر بن عبد العزيز بن أبي الرضا أحمد بن مسعود ابن الناقد، أبو الفضل، البغدادي، أمين القاضي، ويعرف أيضاً بابن الجصاص.
ولد سنة سبعٍ وستين وخمسمائة. وسمع من تجني الوهبانية، وعبيد الله بن شاتيل، وغيرهما.
وكان رجلاً جيداً مشكوراً.
كتب عنه محب الدين عبد الله المقدسي، وغيره. وأجاز للعماد محمد بن البالسي، وأقرانه. وتوفي في عاشر شوال.
وهو من بيت حديث.
وللقاضي، وابن سعد، وابن الشحنة، والمطعم، والبجدي، وبنت الواسطي، وابن العماد الكاتب - منه إجازةٌ (٣).
٦٨٣ - محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، الإمام سيف الدين، أبو المحامد، الزنجاني.
стр. 13832
شيخٌ جليلٌ. حدث بـ إكرام الضيف للحربي، عن أبي جعفر الصيدلاني بحلب في رمضان سنة أربعين. سمع منه: عبد الله بن أحمد التاذفي، وعباس بن بزوان (١)، وفتح الدين ابن القيسراني.
ومات بعد السماع بأسبوع في رابع شوال، وله سبعٌ وسبعون سنة.
٦٨٤ - محمد بن عبد الله بن محمد بن خلف، أبو عبد الله الأنصاري البلنسي.
سمع من أبي العطاء بن نذير، وأبي عبد الله بن نوح، وأخذ عنهما القراءات والعربية. وسمع أيضاً من أبي الخطاب بن واجب.
ثم زهد وأقبل على العلم، وبرع في التفسير، وجلس لذلك بجامع بلنسية وقتاً. وأخذ عنه القراءات جماعةٌ. وصنف كتاب نسيم الصبا في الوعظ على طريقة البغاددة (٢)، وكتاباً في الخطب (٣).
قال أبو عبد الله الأبار (٤): كتبت عنه وصحبته طويلاً. أقام بشاطبة حال حصار بلنسية؛ لأنه كان وجه إلى مرسية لاستمداد (٥) أهلها. وتوفي بأوريولة في رجب، وازدحم الخلق على نعشه حتى كسروه. وولد سنة أربعٍ وسبعين وخمسمائة.
٦٨٥ - محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد ابن المهتدي بالله، الشريف أبو الحسن الهاشمي العباسي البغدادي العدل.
ولد سنة سبعٍ وخمسين وخمسمائة (٦). وسمع من محمد بن نسيم العيشوني، وأبي العز محمد بن محمد بن مواهب.
وهو من بيت خطابةٍ وجلالةٍ.
كتب عنه أبو الفتح ابن الحاجب وغيره. وله شعر.
стр. 13833
وكان متودداً، كريماً، متواضعاً، رئيساً.
روى لنا عنه بالإجازة: أبو المعالي ابن البالسي، ومحمد البجدي، وبنت الواسطي، وغير واحد. وتوفي في الحادي والعشرين من صفر.
قال ابن النجار: خدم في الأعمال، وعزل من الشهادة مراراً.
٦٨٦ - محمد بن أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد ابن الشيخ أبي طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، أبو الحسن اليوسفي البغدادي.
ولد سنة تسعٍ وستين وخمسمائة في ذي الحجة. وسمع حضوراً من شهدة، وأبي الحسين عبد الحق. كتب عنه الضياء علي ابن البالسي بمكة، وغيره. وأجاز للفخر إسماعيل ابن عساكر، وفاطمة بنت سليمان، والبدر ابن الخلال، والبجدي، وبنت مؤمن، وجماعة.
توفي في ذي الحجة (١).
٦٨٧ - محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي عيسى ابن المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم ابن الرشيد، الشريف، المسند، أبو الكرم، المتوكلي، البغدادي، المعروف بابن شفنين.
ولد سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. وسمع من عمه أبي تمام عبد الكريم بن أحمد الهاشمي، وأبي نصر يحيى بن السدنك. وأجاز له أبو بكر ابن الزاغوني، وأبو القاسم نصر بن نصر العكبري، وأبو الوقت، وأبو المظفر محمد بن أحمد ابن التريكي، ومحمد بن عبيد الله الرطبي، وأحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي، وجماعةٌ.
وكان شيخاً جليلاً، سرياً. حسن الطريقة، جيد الفضيلة، عالي الإسناد.
روى عنه ابن النجار في تاريخه وأثنى عليه، وجمال الدين الشريشي، ومجد الدين ابن العديم. وسمع منه ابن الحاجب، وابن المجد، والطلبة. وبالإجازة: القاضيان ابن الخويي وتقي الدين الحنبلي، وبهاء الدين البرزالي، والعماد ابن البالسي، وعيسى المطعم، وابن سعد، وأحمد ابن الشحنة،
стр. 13834
والبجدي، وبنت الرضي، وبنت مؤمن، وآخرون.
توفي في رابع رجب.
وشفنين: لقب عبيد الله (١).
٦٨٨ - محمد بن علي بن خطلخ، أبو عبد الله البغدادي، الصوفي، الخياط.
سمع حضوراً من تجني، وعبد الحق. وسمع من عبيد الله بن شاتيل. روى عنه جمال الدين الشريشي، وغيره. وبالإجازة إسماعيل ابن عساكر، وابن سعد، وأحمد ابن الشحنة، وعيسى السمسار، والعماد ابن البالسي، وجماعة.
توفي في مستهل جمادى الأولى. وتوفي سميه ابن خطلخ في سنة ست عشرة وستمائة (٢).
٦٨٩ - محمد بن معن بن سلطان، أبو عبد الله، الدمشقي، الصيدلاني، الفقيه، الشافعي.
حدث عن الحافظ أبي المواهب الحسن بن صصرى. ودرس بالمدرسة الظاهرية التي بظاهر دمشق.
أخبرنا عنه شرف الدين الفزاري، والفخر ابن عساكر (٣).
٦٩٠ - معالي بن أبي الخير سلامة بن عبد الله بن علي بن صدقة، أبو الفضل الحراني، العطار، الحنبلي، العدل، التاجر، المعروف بابن سويطلة.
ولد سنة ستٍ وستين وخمسمائة تقريباً بحران. وسمع بأصبهان من أبي الفتح عبد الله بن أحمد الخرقي، وأحمد بن ينال الترك. وأجاز له: أبو سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ، وأبو موسى المديني، وأبو الفتح بن شاتيل، وجماعةٌ.
وكان من كبار التجار بحران.
روى عنه الزكي عبد العظيم وأثنى عليه (٤)، والنجم بن حمدان الفقيه،
стр. 13835
وعبد المنعم ابن النجيب عبد اللطيف، وعلي ابن السيف بن تيمية، والتقي إبراهيم ابن الواسطي، وعبد الملك ابن العتيقة.
وتوفي في شعبان. ومات أخوه محمد قبله (١).
٦٩١ - مكي بن أبي طاهر بن أبي العز بن حمدون. أبو الحرم الطيبي الكتبي الأديب.
ولد سنة ستين وخمسمائة، وسمع من أبي الحسين عبد الحق، وعبيد الله بن شاتيل، وجماعةٍ. وتوفي في سادس عشر رجب.
روى عنه ابن النجار، وأجاز لابن الشيرازي، وجماعةٍ (٢).
٦٩٢ - منصور المستنصر بالله، أمير المؤمنين، أبو جعفرٍ ابن الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد ابن المستضيء بأمر الله الحسن ابن المستنجد يوسف ابن المقتفي الهاشمي العباسي البغدادي.
ولد سنة ثمانٍ وثمانين وخمسمائة. وأمه جاريةٌ تركيةٌ. بويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاثٍ وعشرين.
قال ابن النجار: فنشر العدل في الرعايا، وبذل الإنصاف في القضايا، وقرب أهل العلم والدين، وبنى المساجد والربط والمدارس والمارستانات، وأقام منار الدين، وقمع المتمردة، ونشر السنن، وكف الفتن، وحمل الناس على أقوم سنن، وقام بأمر الجهاد أحسن قيام، وجمع الجيوش لنصرة الإسلام، وحفظ الثغور، وافتتح الحصون. إلى أن قال: وكان أبيض، أشقر الشعر، ضخماً، قصيراً، وخطه الشيب، فخضب بالحناء، ثم ترك الخضاب.
وقال الموفق عبد اللطيف: بويع أبو جعفر، وسار السيرة الجميلة، وعمر طرق المعروف الداثرة، وأقام شعار الدين ومنار الإسلام، وعمر بسخائه وبذله. واجتمعت القلوب على حبه والألسنة على مدحه.
ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معاباً، قد أطبقوا عليه. وكان جده الناصر يقربه ويحبه ويسميه القاضي لعقله وهديه وإنكاره ما يجد من المنكر. والناس معه اليوم في بلهنية هنيةٍ، وعيشةٍ
стр. 13836
مرضيةٍ.
وسير إليه خوارزم شاه يلتمس منه سراويل الفتوة، فسيره إليه مع أموال جمة وتحف. وفيما سير إليه فرس النوبة، فسر بذلك وابتهج، وقبل الأرض مراتٍ شكراً لله على هذه المنزلة التي رزقها وحرمها أبوه، ثم إنه أذعن بالعبودية والطاعة.
وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها ولا أكثر وقفاً، وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة. وعمل فيها بيمارستاناً كبيراً، ورتب فيها مطبخاً للفقهاء، ومزملة للماء البارد.
ورتب لبيوت الفقهاء الحصر، والبسط، والفحم، والأطعمة، والورق، والحبر، والزيت، وغير ذلك. وللفقيه - بعد ذلك - في الشهر ديناران، ورتب لهم حماماً، ورتب لهم بالحمام قومةً. وهذا ما سبق إليه.
وللمدرسة شبابيك على دجلة. وللخليفة منظرةٌ مطلةٌ على المدرسة يحضر فيها الخليفة، ويسمع الدرس (١).
إلى أن قال: واستخدم عساكر عظيمةً لم يستخدم مثلها أبوه ولا جده، وكانت تزيد على مائة ألف وعشرين ألف فارسٍ، وأكثر من ذلك، كذا قال ابن واصل. وكان ذا همة عاليةٍ، وشجاعةٍ وإقدامٍ عظيمٍ.
قصدت التتار البلاد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمةً عظيمةً. وكان له أخٌ يقال له: الخفاجي، فيه شهامةٌ زائدةٌ، كان يقول: إن وليت لأعبرن بالعساكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التتار وأستأصلهم.
فلما مات المستنصر لم ير الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفاً منه، وأقاما أبا أحمد للينه وضعف رأيه؛ ليكون لهما الأمر لينفذ الله أمره في عباده. وقد رثاه الناصر داود بقصيدة فائقةٍ مطلعها:
أيا رنّة الناعي عبثت بمسمعي … وأجّجت نار الحزن ما بين أضلعي
وأخرست منّي مقولاً ذا براعةٍ … يصوغ أفانين القريض الموشّع
نعيت إليّ البأس والجود والحجى … فأوقفت آمالي وأجريت أدمعي
стр. 13837
وقال الحافظ عبد العظيم (١): مولده في صفر سنة ثمانٍ وثمانين، وتوفي في العشرين من جمادى الأولى.
قال: وكان راغباً في فعل الخير، مجتهداً في تكثير أعمال البر. وله في ذلك آثار جميلةٌ كثيرة، وأنشأ المدرسة المعروفة به، ورتب فيها من الأمور الدالة على تفقده لأحوال أهل العلم وكثرة فكرته فيما يقضي براحتهم وإزاحة عللهم ما هو معروفٌ لمن شاهده وسمع به.
وأنبأني ابن البزوري أنه توفي يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، وكذا قال ابن النجار في تاريخه، وغيره. وهو الصحيح. وقول المنذري وهم.
قال ابن البزوري: توفي بكرةً عن إحدى وخمسين سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام. وكتم يومئذٍ موته فخطبوا له يومئذٍ، فحضر شرف الدين إقبال الشرابي ومعه جمعٌ من الخدم إلى التاج الشريف، وحضروا بين يدي ولده أبي أحمد عبد الله، فسلم عليه إقبال بإمرة المؤمنين، واستدعاه إلى سدة الخلافة.
ثم عرف الوزير، وأستاذ الدار ذلك، واستكتماه إلى الليل. ثم استدعي الوزير، فجاء من باب السر الذي بدار الأمير علاء الدين الدويدار المقابل لداره، واستدعي - وهو عاجزٌ - في محفةٍ، وأحضر أيضاً مؤيد الدين محمد ابن العلقمي أستاذ دار (٢). فمثلا بين يدي السدة، فقبلا الأرض وهنآه بالخلافة، وعزياه بالمستنصر وبايعاه.
وأحضر جماعة من الأسرة الشريفة من أعمامه وأولاد الخلفاء، ثم خرج الوزير وسلم إلى الزعماء والولاة محال بغداد، وأمر أن لا ير ب أحد من الأمراء من داره. وفي بكرة السبت رأى الناس أبواب الخلافة (٣) مغلقةً، وجلس عبد اللطيف بن عبد الوهاب الواعظ وأخبر بوفاة الخليفة وجلوس ولده المستعصم بالله، ومولده سنة تسعٍ وستمائة.
ثم لما ارتفع النهار استدعي الأعيان للبيعة وجلس الوزير لعجزه، ودونه بمرقاة أستاذ الدار، وكان يأخذ البيعة على الناس، وصورتها: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيه الشريف وأن لا خليفة
стр. 13838
للمسلمين سواه.
فبايع الناس على درجاتهم. ثم أسبلت الستارة. وبايع من الغد الأمراء الصغار والمماليك الميامين. ثم بايع في اليوم الثالث من تبقى من الأمراء والتجار وبياض الناس.
ثم جلس الملأ للعزاء بالمستنصر، وتكلم المحتسب جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن محيي الدين يوسف ابن الإمام أبي الفرج ابن الجوزي. وتكلم الشعراء، فأول من أورد مقدمهم صفي الدين عبد الله بن جميل حاجب المخزن بقصيدته التي يقول فيها:
عزّ العزاء وأعوز الإلمام … واسترجعت ما أعطت الأيّام
فدع العيون تسحّ بعد فراقهم … عوض الدّموع دماً فليس تلام
بانوا فلا قلبي يقرّ قراره … أسفاً ولا جفني القريح ينام
فعلى الذين فقدتهم وعدمتهم … منّي تحية موجعٍ وسلام
ثم أنشد الشعراء وعزوا بالمستنصر، وهنؤوا بالمستعصم. ثم برزت مطالعةٌ على يد إقبالٍ الشرابي في كيسٍ، وبسمل الخدم بين يديها، فقرأها الوزير، ثم قرأها أستاذ الدار على الناس قائماً، خلاصتها التأسي والتسلي والوعد بالعدل والإحسان.
قلت: بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في بعض الأعوام نيفاً وسبعين ألف مثقال، وتليها في الكبر وكثرة الريع المنصورية بالقاهرة، وبها ضريح السلطان في قبةٍ عظيمة، وبها دار حديث، وبها بيمارستان عديم النظير، إلا أن يكون الذي بدمشق.
فمن جملة القرى الموقوفة على المدرسة المستنصرية ما مساحته مائة ألف جريب، وخمسون ألف جريب سوى الخانات والرباع، وغير ذلك. ويقرب من وقفها وقوف جامع دمشق وهي أكثر منه وقوفاً. لكن اليوم ما يدخل المستنصرية عشر ذلك، بل أقل بكثير (١).
٦٩٣ - منصور بن عبد الله بن جامع بن مقلد. الشيخ شرف الدين، أبو علي الأنصاري الدهشوري المصري المقرئ الضرير.
قرأ القراءات على أبي الجود، وعلى أبي عبد الله محمد بن عمر القرطبي
стр. 13839
صاحب الشاطبي، وقرأ بدمشق بكتاب المبهج (١) على أبي اليمن الكندي. وسمع من عمر بن طبرزد وغيره. وتصدر للإقراء بالفيوم مدةً، وقرأ عليه جماعةٌ منهم الرشيد بن أبي الدر.
توفي في هذا العام أو في الذي بعده، قاله المنذري (٢).
ودهشور: من أعمال جيزة الفسطاط.
٦٩٤ - موسى، العلامة كمال الدين، ابن يونس، الموصلي.
ذكر المنذري وفاته في رابع شعبان من هذه السنة (٣). وقد ذكرناه في سنة تسعٍ (٤). قال: وقرأ شيئاً من الأدب على أبي بكر يحيى بن سعدون القرطبي. وبرع في فنونٍ من العلم، ودرس في عدة مدارس بالموصل. وحدث عن والده.
٦٩٥ - هاشمٌ، الشريف علاء الدين أبو نضلة، العلوي البغدادي. رسول الخلافة المعظمة.
قال المنذري (٥): توفي بالقاهرة في عاشر ربيع الآخر.
٦٩٦ - هبة الله بن أبي بكر بن شنيف بن نجم. أبو الفضل البغدادي دلال الكتب.
حدث عن عبيد الله بن شاتيل. وعاش تسعاً وستين سنة.
стр. 13840
كان قبيح السيرة. وقد حدث. ولابن الشيرازي، وقاسم ابن عساكر منه إجازةٌ (١).
٦٩٧ - أبو بكر لافظ (٢) بن أحمد بن بدر الحربي، ابن الكريدي.
قال ابن النجار: شيخٌ مسنٌ. سمع أجزاء من حلية الأولياء من ابن البطي، قرأت عليه منها. ولعله جاوز التسعين. مات في جمادى الآخرة.
٦٩٨ - يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن ربيع. القاضي، أبو عامرٍ الأشعري القرطبي.
سمع أباه أبا الحسين، وأبا القاسم بن بشكوال. وأجاز له أبو عبد الله بن زرقون، وأبو بكر ابن الجد.
قال الأبار (٣): كان إماماً في علم الكلام وأصول الفقه ماهراً، نوظر عليه في كتب أبي المعالي الجويني كتاب الشامل وكتاب الإرشاد وغير ذلك.
وله تواليف في ذلك. وكان يقرأ عليه صحيح البخاري، وغيره تفهماً.
وولي قضاء قرطبة إلى أن أخذتها الروم في سنة ثلاثٍ وثلاثين، فنزح عنها، فولي قضاء غرناطة. وتوفي بمالقة معزولاً من فالجٍ أصابه وأقعده. وعاش سبعاً وسبعين سنة. وكان أجل أهل بيته.
وأما شيخنا أبو حيان فقال: توفي في ربيع الأول سنة تسعٍ وثلاثين (٤). روى عنه ابنه القاضي أبو الحسين محمد، وأخوه أبو عبد الله محمد، وأبو علي بن أبي الأحوص، وأبو جعفر ابن الطباع.
٦٩٩ - يحيى بن علي بن أحمد بن محمد بن غالب. زين الدين أبو زكريا الحضرمي الأندلسي، المالقي، النحوي، الأديب.
ولد سنة سبعٍ أو ثمانٍ وسبعين بمالقة. وسمع من الحافظ أبي محمد، وأبي سليمان ابني حوط الله. وبمصر من ابن المفضل الحافظ. وبنيسابور من المؤيد الطوسي، والقاسم بن عبد الله الصفار. وبدمشق من التاج الكندي،
стр. 13841
وجماعةٍ. وقرأ على الشيوخ، وأقرأ الناس القراءات والعربية. وله شعرٌ جيد.
روى عنه الشيخ زين الدين الفارقي، والشيخ تاج الدين الفزاري، وأخوه الخطيب شرف الدين، والفخر ابن عساكر، وجماعةٌ. وبالحضور أبو المعالي ابن البالسي.
وأدركه أجله بغزة في وسط جمادى الأولى.
وحدث بـ صحيح مسلم (١).
٧٠٠ - أبو بكر ابن الشيخ أبي المعالي المبارك بن المبارك بن هبة الله بن محمد بن بكري البغدادي.
شيخٌ صالح. حدث عن أبي شاكر يحيى بن يوسف السقلاطوني. وتوفي في المحرم.
ولأبيه روايةٌ عن أبي بكر بن الأشقر. هذا اسمه أحمد وقد ذكر (٢).
٧٠١ - أبو بكر بن وردة الحربي. الحلاوي.
مات في المحرم (٣)، سمع من محمد بن المبارك الحلاوي سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة. أجاز للبجدي، وابن سعد، وبنت مؤمن.
٧٠٢ - أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن القير (٤) الحريمي البواب.
سمع من أبي علي أحمد بن محمد الرحبي. روى لنا عنه بالإجازة سليمان بن حمزة الحاكم، وغيره.
توفي في حادي عشر جمادى الأولى.
٧٠٣ - أبو القاسم بن أبي الحسن بن أبي القاسم الحربي الحاجي المالحاني.
سمع من أبي بكر عتيق بن صيلا.
стр. 13842
والمالحاني: هو الذي يبيع السمك المالح (١).
روى عنه القاضيان ابن الخويي، وتقي الدين سليمان، وغيرهما.
وقال ابن النجار: لا بأس به. توفي في عاشر صفر، وقد قارب الثمانين.
أجاز للبجدي، ورفاقه.
وفيها ولد من المشاهير:
القاضي بهاء الدين يوسف ابن القاضي محيي الدين يحيى ابن محيي الدين محمد ابن الزكي القرشي بدمشق. وقطب الدين موسى ابن الشيخ الفقيه ببعلبك. والشرف عبد الله ابن الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، بخلف فيه، وتاج الدين محمد ابن فخر الدين محمد بن علي المصري، ابن جني. ومحمد بن علي بن عبد الله الحلبي العجوي. والمنتجب علي بن علي الزكوي. والحسن بن أحمد بن مظفر الحظيري، بكنبايت (٢). ومحمود بن أحمد بن يوسف البعلبكي، بدمشق. ومحمد بن عثمان بن عبد الملك المصري النجار.
стр. 13843
المتوفون بعد الثلاثين
٧٠٤ - محمد بن علي بن أبي بكر بن سالم. أبو عبد الله الحداد.
سمع من أبي هاشم الدوشابي جزء الترقفي أو بعضه. روى عنه بالإجازة أبو نصر ابن الشيرازي.
٧٠٥ - المبارك بن محمد بن عبد الله بن عفيجة. أبو البركات البندنيجي. من أولاد الشيوخ.
سمع أبا الحسين بن يوسف. أجاز لابن الشيرازي، وعيسى المطعم، وأحمد ابن الشحنة، وسعد.
٧٠٦ - أبو بكرٍ بن مسعود بن أبي نصر البغدادي. ابن المشهدية.
سمع من عبد الحق بن يوسف. أجاز لابن الشيرازي.
٧٠٧ - أبو بكر بن حديد بن طاهر البزوري. وسموه واثقاً.
سمع من نصر الله القزاز. أجاز لابن الشيرازي.
٧٠٨ - محمد بن جابر بن علي، أبو بكر الأنصاري، الإشبيلي، السقطي.
روى عن نجبة بن يحيى، وأبي ذر الخشني، وجماعة. وكان محدثاً، مفيداً، مقرئا، نحوياً.
توفي سنة نيفٍ وثلاثين وستمائة.
٧٠٩ - محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسن. أبو عبد الله ابن الحصني، الحموي الصوفي.
سمع عبد الرزاق بن نصر النجار، وغيره. وحدث بدمشق ومصر. وكان من صوفية الخانقاه السعيدية.
روى عنه الشرف ابن عساكر، والحافظ الدمياطي، وغيرهما. وأجاز للعماد ابن البالسي، وغيره.
بقي إلى قريب الأربعين.
стр. 13844
وممن كان بعد الثلاثين وستمائة حياً
٧١٠ - السديد بن أبي البيان اليهودي المصري الطبيب. اسمه داود بن سليمان بن إسرائيل بن أبي الطيب.
ولد سنة ستٍ وخمسين وخمسمائة. وكان محققاً للطب ماهراً فيه، بارعاً في الأدوية المفردة والمركبة.
قال الموفق بن أبي أصيبعة (١): لقد شاهدت منه حيث كنا نعالج المرضى بالبيمارستان الناصري بالقاهرة من حسن تأتيه لمعرفة الأمراض وتحقيقها، وذكر مداواتها، والاطلاع على ما ذكره جالينوس فيها ما يعجز عنه الوصف.
وكان أقدر الناس على تركيب الأدوية ومعرفة مقاديرها. أخذ الطب عن الرئيس هبة الله بن جميع اليهودي، وأبي الفضائل ابن الناقد. وخدم السلطان الملك العادل. وعاش فوق الثمانين. وله كتاب الأقراباذين في غاية الحسن.
٧١١ - فتح الدين ابن الجمال عثمان بن أبي الحوافر الدمشقي. ثم المصري، الطبيب. من كبار الأطباء، يقرب من والده.
خدم الملك الكامل بعده ابنه الصالح نجم الدين أيوب، وتوفي في دولته.
وهو والد شهاب الدين طبيب السلطان الملك الظاهر، ورئيس الأطباء في الدولة الظاهرية (٢).
٧١٢ - عمر بن الخضر بن اللمش بن ألدزمش بن إسرائيل، الحافظ العالم الحكيم كمال الدين أبو حفص التركي، ثم الدنيسري الشافعي.
سمع عبد المنعم بن كليب، وأبا الفرج ابن الجوزي، والمبارك بن المعطوش، وطبقتهم ببغداد. وأبا حفص بن طبرزد بإربل. وجعفر بن محمد العباسي بدنيسر.
وكان مولده في سنة أربع وسبعين وخمسمائة. سمع منه جماعةٌ كثيرة بدنيسر وماردين.
روى عنه ابنه أبو محمد عبد الرحمن بن عمر.
стр. 13845
وكان عارفاً بالطب، مجموع الفضائل. جمع تاريخاً لدنيسر.
٧١٣ - عبد الكافي بن حسين بن محمد. أبو محمد القرشي الصقلي ثم الدمشقي المقرئ.
سمع أبا القاسم الحافظ، وأبا الحسين أحمد ابن الموازيني، والمفضل بن حيدرة، وعبد الله بن عبد الواحد بن شواش، والخشوعي، وطائفةً. وخرج له الزكي البرزالي مشيخة. حدث عنه: ابن الحلوانية، وابن عربشاه، وأبو علي بن الخلال. وأجاز لابن البالسي.
٧١٤ - عبد العزيز بن علي بن المظفر ابن المنقى.
شيخٌ بغداديٌ. سمع بعض مشيخة الفسوي من أبي السعادات القزاز. أجاز للبهاء ابن عساكر، والشمس ابن الشيرازي.
٧١٥ - عبد الرزاق بن أبي القاسم بن علي دادا. أبو بكر الخباز.
من محلة النصرية ببغداد، ولد سنة سبعٍ وخمسين. وسمع من أبي الحسين اليوسفي. أجاز لابن الشيرازي، والقاسم ابن عساكر، وجماعة.
٧١٦ - علي بن الأنجب بن ما شاء الله بن حسن. أبو الحسن الجصاص الحنبلي الفقيه.
كان رأساً في معرفة مسائل الخلاف. سمع من شهدة، وعبد الحق. وانحدر، فقرأ بواسط على ابن الباقلاني.
كتب عنه ابن الشيرازي (١).
٧١٧ - محمد بن أبي بكر بن عبد الواحد البغدادي. أبو بكر.
سمع عبد الحق اليوسفي، أجاز لابن الشيرازي.
٧١٨ - محمد بن بزغش، مولى أنوشتكين الجوهري.
قال: أخبرنا علي بن أنوشتكين الجوهري، قال: أخبرنا أبيٌ النرسي.
أجاز لابن الشيرازي.
٧١٩ - مغيث بن أحمد بن أبي بكر بن محمد بن يونس بن محمد بن يونس بن مغيثٍ. القاضي أبو يونس القرطبي.
стр. 13846
من بيت العلم والجلالة بقرطبة. روى عن أبيه، وأبي الوليد بن رشد وهو جده لأمه. وعن أبي جعفر بن يحيى الحميري، وطائفةٍ.
لقيه ابن فرتون بسبتة في سنة خمسٍ وثلاثين وستمائة، ولم يذكر له وفاةً.
٧٢٠ - أبو بكر بن عمر بن علي بن مقلد الدمشقي الفقاعي.
سمع من السلفي، ومن المسعودي، وابن ياسين.
مولده في رجب سنة ستٍ وخمسين.
وأجاز في إجازة ابن الحاجب سنة ثلاثين في مشيخة البهاء عنه.
стр. 13847
الطبقة الخامسة والستون
(٦٤١ - ٦٥٠ هـ)
стр. 13848
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعين وستمائة
فيها (١) ترددت الرسل بين الصالح إسماعيل وبين ابن أخيه الصالح نجم الدين، فأطلق ابنه (٢) الملك المغيث من حبس قلعة دمشق، فركب المغيث وخطب للصالح نجم الدين بدمشق. ولم يبق إلا أن يتوجه المغيث إلى مصر، ورضي صاحب مصر ببقاء دمشق على عمه ومشى الحال، فأفسد أمين الدولة وزير إسماعيل القضية وقال لمخدومه: هذا خاتم سليمان، لا تخرجه من يدك تعدم (٣) الملك.
فتوقف ومنع الملك المغيث من الركوب. وشرع الفساد، وكاتب الصالح نجم الدين الخوارزمية فعبروا، وانقسموا قسمين، فجاءت طائفة على البقاع (٤)، وجاءت طائفة على غوطة دمشق، فنهبوا في القرى وسبوا وقتلوا. وحصن الصالح إسماعيل دمشق وأغلقت، فساروا إلى غزة.
قال شمس الدين ابن الجوزي (٥): ودخلت تلك الأيام إلى الإسكندرية، فوجدتها كما قال الله تعالى: ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعينٍ معمورة بالعلماء والأولياء كالشيخ محمد القباري (٦)، والشاطبي، وابن أبي الشامة. ووعظت بها مرتين.
وفيها حاصر صاحب حمص عجلون، وقتل من أصحابه يوم الزحف نحو
стр. 13849
ثلاثمائة. ويقال: أنفق على الحصار أربعمائة ألف دينار، ولم يقدر عليها فترحل عنها.
وجاءت بدمشق الزيادة العظمى، فوصلت إلى جامع العقيبة.
وفيها استولت التتار على بلاد الروم صلحاً مع صاحبها غياث الدين بأن يحمل إليهم كل يوم ألف دينار، وفرساً، ومملوكاً، وجاريةً، وكلب صيد. وكان ذلك بعد وقعة كبيرة بين التتار والمسلمين، فانكسر المسلمون في المحرم وقتل الحلبيون، وكانوا في المقدمة، فلم ينج منهم إلا القليل.
وحاصرت التتار قيصرية، واستباحوا سيواس. ثم افتتحوا قيصرية واستباحوها. وكان صاحب الروم شاباً لعاباً ظالماً، قليل العقل، يلعب بالكلاب والسباع، فعضه سبع فمات. وأقامت التتار شحنة بالروم (١).
وفيها أُهلك الرفيع قاضي دمشق وصودر أعوانه، وولي القضاء محيي الدين ابن الزكي.
وفيها حج بالعراقيين الأمير مجاهد الدين أيبك الدويدار ومعه والدة المستعصم بالله، وجرد معها أربعمائة مملوك. وكان مع الدويدار أربعمائة فارس، ومع قيران مائتان وأربعون فارساً. وكان عدة السبلانات اثني عشر سبيلاً.
وحدث المولى شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه (٢) عن والده أنه حج في هذا العام من بغداد، وعدت جمال الركب جميعها عند مدائن عائشة فكانوا زيادة على مائة وعشرين ألف جمل. وكان مع الدويدار ستون ألف دينار، وستة آلاف خلعة، الخلعة ثوب وزميطية وشبختانية ليفرقها على العربان والمحاويج. وعطشنا في الطريق.
قلت (٣): وأعطى السلطان إسماعيل الفرنج أماكن، ودخلوا القدس وضربوا الصخرة، كسروا منها قطعتين، ورموا عليها الخمر، وذبحوا عندها خنزيراً. فأعطاهم قرى عدة، وطبرية، وعسقلان فعمروا قلعتيهما. قال ابن
стр. 13850
واصل: فمررت بالقدس، فرأيت القسوس وقد جعلوا على الصخرة قناني الخمر للقربان.
قلت: وكان قد أعطاهم قبلها صفد، والشقيف، فواغوثاه بالله!
سنة اثنتين وأربعين وستمائة
لما نزلت الخوارزمية بأراضي غزة - كما تقدم - طال مقامهم، وبعث إليهم الصالح نجم الدين النفقة والخلع والخيل، وأمدهم بجيش من عنده، وأمرهم أن ينازلوا دمشق. فاتفق الصالح إسماعيل، والناصر داود، والمنصور إبراهيم صاحب حمص، وفرنج الساحل الذين أعطاهم إسماعيل الشقيف وصفد وغير ذلك. وعذب إسماعيل والي الشقيف لكونه تمنع من تسليم الشقيف، وسار بنفسه إلى الشقيف وسلمها إلى الفرنج.
قال الراوي: فخرج الملك المنصور بعسكر دمشق مع الفرنج، وجهز الناصر داود عسكره من نابلس مع الظهير بن سنقر والوزيري.
قال أبو المظفر (١): وكنت يومئذ بالقدس، فاجتمعوا على يافا. وكان المصريون والخوارزمية على غزة، وسار الملك المنصور والعسكر تحت صلبان الفرنج وراياتهم، والقسيسون في الأطلاب (٢) يصلبون (٣) ويقسقسون (٤)، وبيدهم كاسات الخمر يسقون الفرنج.
فأقبلت الخوارزمية والمصريون، فكانت الوقعة بين عسقلان وغزة، وكانت الفرنج في الميمنة، وعسكر الناصر في الميسرة، والملك المنصور في القلب. وكان يوماً مشهوداً. التقوا فانكسرت الميسرة وأُسر الظهير بن سنقر، وانهزم الوزيري، ونهبت خزانة الظهير. ثم انهزم الملك المنصور، وأحاطت الخوارزمية بالفرنج. وكان عسكر المصريين قد انهزموا أيضاً إلى قريب العريش.
وكان عدد الفرنج يومئذ ألفاً وخمسمائة فارس وعشرة آلاف راجل، وما كانت إلا ساعة حتى حصدهم الخوارزميون بالسيوف، وأسروا منهم ثمانمائة.
стр. 13851
قال أبو المظفر (١): فذهبت ثاني يوم إلى موضع المصاف، فوجدتهم يعدون القتلى، فقالوا: هم زيادة على ثلاثين ألفاً. وبعث الخوارزميون بالأسارى وبالرؤوس إلى مصر. ووصل المنصور في نفر يسير، ونهبت خزانته وخيله، وقتل أصحابه. وجعل يبكي ويقول: قد علمت أنا لما سرنا تحت صلبان الفرنج أننا لا نفلح.
ثم جهز الملك الصالح معين الدين ابن الشيخ في العساكر لحصار دمشق، ودخلت الأسارى القاهرة وملئت الحبوس بهم، وخذل الصالح إسماعيل وأخذ يتهيأ للحصار، وخرب أرباعاً عظيمة حول البلد، والله المستعان.
وفيها ورد كتاب بدر الدين صاحب الموصل يقول فيه: إنني قررت على أهل الشام قطيعةً في كل سنة عشرة دراهم على الغني، وعلى الوسط خمسة دراهم، وعلى الفقير درهم. وقرأ القاضي محيي الدين ابن الزكي الكتاب على الناس وشرعوا في الجباية (٢).
قلت: أظن هذا مصالحة عنهم للتتار؛ فإن سعد الدين ذكر في تاريخه أن في آخر سنة إحدى وأربعين وصل رسول قاآن إلى صاحب ميافارقين وطلب الدخول في طاعته، وأن في المحرم سنة اثنتين جهز صاحب ميافارقين رسل التتار بهدية عظيمة. وأن في أواخر المحرم أخذت التتار خلاط وعبروا إلى بدليس، فأتيت مع الملك المظفر إلى حصن كيفا.
ثم نفذ إلى ميافارقين جهز أمه وزوجته وما خف معهما من جواهر ومصاغ، فطلعوا إلى حصن كيفا عند المعظم ولد الملك الصالح. وطلب المظفر ولده الملك السعيد (٣)، وكان شاباً مليحاً، شجاعاً، كريماً، فقال: تعود إلى ميافارقين وتجمع الناس والعسكر لقتال التتر، وأنا فأمضي إلى مصر أو إلى بغداد لجمع الجيوش واستنفار الناس. فأبى وقال: ما أفارق خدمة السلطان. فضربه ابن عمه (٤) بسكين قتله وقتلوه بعده في الحال.
ثم سار المظفر - وأنا معه - إلى نصيبين ثم إلى ماكسين، وأخذنا على بلاد الخابور. ثم سرنا إلى عانة، ثم عدنا إلى
стр. 13852
الجانب الغربي، فوصلتنا إقامة الخليفة. وجاء الخبر أن التتار وصلوا إلى سنجار. وجاءنا رسول من بغداد معه جوسخاناه، وروايا وقرب برسم طريق مصر، فعدنا إلى عانة.
وجاءتنا الكتب برحيل التتار عن البلاد؛ لأن الطبق (١) وقع في حوافر خيلهم، فجئنا إلى مشهد علي (٢)، ثم سرنا إلى أن وصلنا حران، ثم إلى ميافارقين.
وفيها في ثالث صفر خرج الأعيان إلى ملتقى أم الخليفة وقد رفعوا الغرز (٣)، والمدرسون والقضاة، وقد رفعوا الطرحات وجعلوا عددهم حمراً. وخرج ثاني يوم أستاذ دار الخلافة مؤيد الدين محمد ابن العلقمي بالقميص والبقيار والغرزة، متقلداً سيفاً ووراءه ثلاثة أسياف، وتوجهوا إلى زريران (٤)، فكان أحدهم يحضر إلى زعيم الحاج مجاهد الدين الدويدار فيسلم، وقد نصب هناك سرادق عظيم.
فيأتي أحدهم ويقبل الأرض على باب السرادق، فيخرج الأمير كافور ويقول: قد عرف حضورك. فلما قرب ابن العلقمي نزل ولبس بقياراً بلا غرزة، وغير عدة مركوبه فجعلها حمراء، وقصد السرادق ومعه زعيم الحاج، ثم قبل الأرض، فخرج إليه كافور فتشكر له. ثم أُحضرت شبارة (٥) بمشرعة زريران فنزلت فيها والدة الخليفة، قال: وخلع على الدويدار وأُنعم عليه بخمسة عشر ألف دينار.
وفي ربيع الأول ولي وزارة العراق مؤيد الدين محمد ابن العلقمي بعد موت ابن الناقد الوزير. ثم ولي الأستاذ دارية الصاحب محيي الدين يوسف ابن الجوزي.
وفي ذي الحجة وقعت بطاقة ببغداد أن التتار- خذلهم الله - دخلوا
стр. 13853
شهرزور، وهرب صاحبها فلك الدين محمد بن سنقر إلى بعض القلاع، وأنهم قتلوا وفسقوا وبدعوا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي أواخر السنة شرعوا- أعني المصريين والخوارزمية- في حصار دمشق، وعلى العساكر معين الدين ابن الشيخ.
سنة ثلاث وأربعين وستمائة
قيل: في أولها وصل الصاحب معين الدين ابن شيخ الشيوخ بالجيوش والخوارزمية، فنازل دمشق وضايقها، وزحفوا على البلد من نواحيه. فلما كان يوم ثامن المحرم بعث الصالح إسماعيل إلى معين الدين سجادةً وإبريقاً وعكازاً، وقال: اشتغالك بهذا أولى. فبعث إليه المعين بجنك (١) وزمر وغلالة حريري (٢)، وقال: ما بعثت به يصلح لي، وهذا يصلح لك.
ثم أصبح فزحف على دمشق ورموا النيران في قصر حجاج، ورموا بالمجانيق، وكان يوماً عظيماً. وبعث الصالح النفطية (٣) فأحرقوا جوسق العادل والعقيبة، ونهبت بيوت الناس ورموا على الطرق. ودام الحصار إلى ربيع الأول، فخرج الملك المنصور صاحب حمص من عند الصالح، فاجتمع ببركة خان مقدم الخوارزمية ثم عاد. فلما طال الأمر فتحت دمشق في جمادى الأولى.
قال سعد الدين الجويني: كان أمين الدولة في أيام الحصار يشتغل بالطلاسم والسحر، عمل خيلاً من خشب ووجوهها مقلوبة إلى أذنابها، ودفنها بظاهر البلد، وعمل ثوراً من عقاقير، ووضعه على منارة الجامع، ووضع فيه النار، فلم تغن شيئاً.
قال ابن الجوزي (٤): وبعث أمين الدولة السامري إلى ابن الشيخ يطلب منه شيئاً من ملبوسه، فبعث إليه بفرجية وعمامة ومنديل فلبسها، وخرج إليه بعد
стр. 13854
العشاء، وتحدث معه ساعة، ثم عاد إلى البلد. ثم خرج مرة أخرى فوفق الحال.
وخرج الصالح وصاحب حمص إلى بعلبك وسلموا البلد، ودخل من الغد معين الدين ابن الشيخ دمشق. وكان المغيث ابن الصالح نجم الدين قد مات بحبس القلعة ودفن عند جده بالكاملية. وكان معين الدين حسن السياسة، لم يمكن الخوارزمية من دخول البلد خوفاً أن ينهبوها. ثم جهز الوزير السامري تحت الحوطة إلى مصر.
وأما الخوارزمية فلم يطلعوا على الصلح، فرحلوا إلى داريا ونهبوها، وغضبوا على ابن الشيخ ورحلوا عن دمشق. وراسلوا الصالح إسماعيل في أن يكون معهم، وانتقض الصلح، وعادت الخوارزمية تحاصر البلد وبه معين الدين ابن الشيخ.
وجاءهم إسماعيل من بعلبك بعد موت ابن الشيخ وضيقوا على دمشق. وقلت بها الأقوات وأكلوا الجيف، وبلغت الغرارة القمح ألف وستمائة درهم، وأبيعت الأملاك والأمتعة بالهوان، وبلغ الخبز كل وقيتين إلا ربع بدرهم، واللحم رطل بتسعة دراهم. وهلك الناس وماتوا جوعاً على الطرق، وأنتنت الدنيا لهم، ووقع المرض والوباء المفرط. وآل الأمر بأن عجزوا عن دفن أكثر الناس، فكانوا يحفرون لهم حفائر ويرمون الموتى فيهم بلا غسل ولا كفن. هذا، والخمور دائرة، والفسق ظاهر، والمكوس بحالها.
فلما علم الصالح نجم الدين بانقلاب الدست راسل الملك المنصور يفسده ويستميله، فأجابه. وتوفي في وسط الأمر معين الدين ابن شيخ الشيوخ في رمضان. وكان قد نزل بدار سامة. ودخل الشهاب رشيد فتسلم القلعة. وولى معين الدين القضاء صدر الدين ابن سني الدولة، والولاية جمال الدين هارون. ووصل سيف الدين ابن قليج من عجلون منفصلاً عن الناصر، وأوصى بعجلون وبأمواله للصالح نجم الدين، ونزل بدار فلوس فمات (١).
وقال شهاب الدين أبو شامة (٢): في أولها اجتمع على دمشق عساكر عظيمة من المصريين والخوارزمية وغيرهم. وأحرق قصر حجاج والشاغور وجامع جراح ونصبت المجانيق، ورمي بها من باب الجابية وباب الصغير،
стр. 13855
ورمي بمجانيق أيضاً من داخل البلد. وترامى الفريقان، وأمر بتخريب عمارة العقيبة، وأحرق حكر السماق، وغير ذلك (١). واشتد الغلاء وعظم البلاء حتى أُبيع التبن كل أوقية بقرطاس. ثم أُحرقت العقيبة.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٢): فحكي أن رجلاً كان له عشر بنات أبكار، فقال لهن: اخرجن. يعني لما أحرقت العقيبة، فقلن: والله لا نخرج، الحريق أهون من الفضيحة، فاحترقن في الدار.
قلت: هذه حكاية منكرة، وابن الجوزي حاطب ليل وصاحب عجائب.
وقال سعد الدين ابن حمويه في ذكر انتقاله من خدمة صاحب ميافارقين: ثم خرجنا من حماة في أول ربيع الأول مع رسل حماة ومعهم مائتا فارس لخوف الطريق، فنزلنا سلمية وسرنا منها. والخوارزمية على الطرقات يأخذون من كل أحد شيئاً.
إلى أن قال: ونزلت عند ابن عمي معين الدين - بالقرب من المصلى -، فخلع علي. ورأيت دمشق وقد قطع العسكر أكثر أشجارها، ونضبت أنهارها، وخربت أكثر ديارها. وكان الصالح إسماعيل قد خرب أرباضها وأحرقها، وخرب عسكر مصر بقية العمارة التي تليهم بحيث ما بقي بظاهر البلد عمارة تسكن. وكان عليها المجانيق منصوبة من باب الجابية إلى باب النصر. وفي ربيع الأول قفر إلينا ابن صاحب صرخد، فأعطاه ابن عمي ألف دينار وخلعة وفرس، وكان في أكثر الأيام يفرق خمسمائة خلعة وخمسة آلاف دينار على المقفرين.
قال أبو شامة (٣): وفي ثامن جمادى الأولى زال الحصار وترحل عن البلد سلطانه الملك الصالح عماد الدين ورفيقه صاحب حمص إلى بعلبك وحمص، ودخل من الغد نائب صاحب مصر معين الدين حسن ابن شيخ الشيوخ صدر الدين فنزل في دار سامة (٤)، وهي الدار المعظمية الناصرية، وعزل محيي الدين
стр. 13856
ابن الزكي عن القضاء وولي ابن سني الدولة.
وفيها وصلت إلى خلاط الست الخاتون الكرجية ابنة ملك الكرج أيواني ومعها منشور من ملك التتار خاقان بخلاط وأعمالها إطلاقاً. فراسلت الملك شهاب الدين غازي ابن العادل، تقول: أنا كنت زوجة أخيك الملك الأشرف، فإن تزوجت بي فالبلاد لك. فما أجابها. وكان جلال الدين ابن خوارزم شاه قد أخذها لما تملك خلاط فغاب خبرها هذه المدة. وكانت قبل الأشرف عند الملك الأوحد أخيه (١).
وفيها بعث الملك الصالح صاحب مصر الأمير حسام الدين بهرام ليحضر ولده الملك المعظم تورانشاه من حصن كيفا. فبعث إليه الملك المظفر شهاب الدين غازي الخيل والمماليك، وكذا فعل صاحب ماردين. فخاف المعظم ولم يجب أباه (٢).
قال أبو المظفر (٣): فحكى لي الأمير حسام الدين بن أبي علي أن الصالح كان يكره مجيء ابنه إليه، وكنا إذا قلنا له: أرسل أحضره - يغضب وينفض يده، ويقول: أجيبه أقتله؟ وكأن القضاء موكل بالمنطق (٤).
وفيها أخرج الصالح نجم الدين الصاحب فخر الدين ابن شيخ الشيوخ من السجن بعد أن حبسه ثلاث سنين ولاقى شدائد وضراً، حتى كان لا ينام من القمل (٥).
وفيها وجه أمير المؤمنين مع جمال الدين عبد الرحمن ابن الصاحب محيي الدين ابن الجوزي خلعة السلطنة إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب. وهي: عمامة سوداء، وفرجية مذهبة، وثوبان ذهب، وسيفان بحلية ذهب، وعلمان (٦)، وطوق ذهب، وحصان بعدة فاخرة، وترس ذهب، فلبس السلطان
стр. 13857
الخلعة بمصر. ووجهوا أيضاً خلعة للصاحب معين، وهي ثوب واسع مذهب، وعمامة، وسيف، وفرس بعدته. فأعطاها السلطان للأمير فخر الدين لبسها لموت معين الدين، وخلعة وفرساً للملك المعظم ولد السلطان، وخلعاً لأصحابه.
وفيها وصلت التتار إلى بعقوبا فعاثوا وأفسدوا، فخرج من بغداد الدوادار الصغير في عسكر بغداد فالتقاهم في ربيع الآخر فكسرهم، ورد ومعه الأسرى (١).
قال أبو شامة (٢): في ثامن عشر شوال بلغت الغرارة ستمائة درهم وذلك في تاسع آذار بدمشق. وفي آخر شوال بلغت الغرارة القمح مائة دينار صورية.
وفي عاشر ذي القعدة تفاقم الأمر وبيع الخبز الأسود أوقيتان بدرهم، وخبز الشعير أوقيتان ونصف بدرهم (٣). وفي ثاني عشر ذي القعدة بلغت الغرارة ألفاً ومائتي درهم كاملية (٤)، والزبيب كل أوقيتين بدرهم، والباقلا الأخضر رطل بدرهم وربع. ويوم عيد النحر بيع رطل الخبز بسبعة دراهم. ثم نزلت الأسعار. وفي آخر السنة نزل إلى رطل بدرهمين، وبعد شهر رخص، واشتري رطل وثلث بدرهم.
سنة أربع وأربعين وستمائة
في أولها (٥) كانت كسرة الخوارزمية بين حمص وبعلبك، وذلك أن الخوارزمية اجتمعوا على بحيرة حمص، وكتب صاحب مصر فاستمال الملك المنصور إبراهيم، وكاتب الحلبيين بأن هؤلاء الخوارزمية قد أخربوا الشام والمصلحة أن نتفق عليهم، فأجابوه. وسار شمس الدين لؤلؤ بجيش حلب. وجمع صاحب حمص إبراهيم التركمان والعرب، وسار إليهم عسكر السلطان الذي بدمشق. فاجتمعوا كلهم على حمص.
واتفق الخوارزمية والملك الصالح إسماعيل، والناصر داود، وعز الدين أيبك المعظمي، واجتمعوا على مرج الصفر.
стр. 13858
فأشار بركة خان بالمسير لقصدهم فساروا، فكان المصاف على بحيرة حمص في المحرم، فكانت الدائرة على حزب إسماعيل، وقتل رأس الخوارزمية بركة خان، وانهزم إسماعيل وصاحب صرخد والجند عرايا جياعاً. ونهبت أموالهم، ووصلوا إلى حوران في أنحس تقويم. فساق صاحب حمص إلى بعلبك فأخذ البلد وسلمه إلى أمير، وسار الحلبيون ومعهم رأس بركة خان، فنصبت على باب حلب.
وقدم صاحب حمص دمشق ونزل ببستان سامة، وذهبت طائفة كبيرة من الخوارزمية إلى البلقاء، فنزل إليهم الناصر من الكرك وصاهرهم واستخدمهم، وأطلع حريمهم إلى الصلت، وكذا فعل عز الدين صاحب صرخد، وساروا فاستولوا على نابلس. ومرض صاحب حمص بالنيرب، ومات وحمل إلى حمص.
وجهز صاحب مصر الصاحب الأمير فخر الدين ابن الشيخ إلى الشام بعسكر، فقدم غزة، فعاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت، فقصدهم فخر الدين فكسرهم ومزقهم. وكان الناصر معهم ففر إلى الكرك وتبعته الخوارزمية، فلم يمكنهم من دخول الكرك. وأحرق ابن شيخ الشيوخ الصلت، وهي للناصر. ثم ساق فنازل الكرك. وتحصن عز الدين بصرخد. وكان يوم الوقعة المذكورة في ربيع الآخر.
وقيل: إن الناصر كتب إلى فخر الدين وهو منازله:
غدوت على قيسٍ لخفر جواره … لأمنع عرضي إنّ عرضي ممنَّع
وكان الأمير حسام الدين بن أبي علي بدمشق، فسار إلى بعلبك وتسلم قلعتها باتفاق من الساماني (١) مملوك الصالح إسماعيل، وكان واليها. وبعث عيال إسماعيل إلى مصر.
وتسلم نواب الصالح نجم الدين بصرى، وكان بها الشهاب غازي، فأعطوه حرستا القنطرة بالمرج.
وفي ربيع الآخر وصل الصالح إسماعيل بطائفة من الخوارزمية أميرهم كشلوخان إلى حلب، ولم يبق للصالح مكان يلجأ إليه، فتلقاه صاحب حلب الناصر يوسف فأنزله في دار جمال الدين الخادم، وقبض على كشلوخان
стр. 13859
والخوارزمية وملأ بهم الحبوس. وقال الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابك حلب للصالح: أبصر عواقب الظلم كيف صارت (١)؟
وفي ذي القعدة قدم السلطان الملك الصالح نجم الدين دمشق، فدخل يوم تاسع عشره وكان يوماً مشهوداً بكثرة الخلائق والزينة، وأحسن إلى الناس. وأقام نصف شهر، ورحل إلى بعلبك فكشفها، ثم رجع ومضى نحو صرخد فتسلمها من عز الدين أيبك بعد أن نزل إلى خدمته برأي ابن العميد، فدخلها الصالح.
ثم مضى إلى بصرى، وقدم عز الدين أيبك دمشق، وكتب له منشورا بقرقيسيا، والمجدل، وضياعا في الخابور، فلم يحصل له من ذلك شيء. وتوجه السلطان إلى مصر، وتصدق في القدس بألفي دينار، وأمر بعمارة سورها، وقال: اصرفوا دخل البلد في عمارة السور (٢).
وفيها وصلت الأخبار: أن البابا طاغوت النصرانية غضب على الأنبرور (٣) وعامل خواصه الملازمين له على قتله، وكانوا ثلاثة. وقال لهم: قد خرج الأنبرور عن دين النصرانية ومال إلى المسلمين فاقتلوه وخذوا بلاده لكم. وأعطى أحدهم صقلية، والآخر نغفاته، والآخر بوليه. وهذه الثلاثة مملكة الأنبرور.
فكتب مناصحون للأنبرور إليه بذلك، فعمد إلى مملوك له، فجعله مكانه على سرير الملك مكانه وأظهر أنه هو، وأنه قد شرب شربة، فجاء الثلاثة يعودونه والأنبرور في مجلس ومعه مائة بالسلاح.
فأما الثلاثة فإنهم رأوا قتل الأنبرور - لكونه ضعيفاً من الدواء - فرصة، فخطوا عليه، وهو مغطى الوجه، بالسكاكين فقتلوا الغلام. فخرج عليهم المائة فقبضوا عليهم، وذبحهم الأنبرور بيده وسلخهم. فلما بلغ البابا بعث إلى قتاله جيشاً، والخلف بينهم واقع.
وفيها تسلم السلطان نجم الدين أيوب قلعة الصبيبة (٤) من ابن عمه الملك السعيد ابن الملك العزيز. ثم أخذ حصن الصلت من الناصر.
стр. 13860
وفيها كتب توقيع لشرف الدين عبد الله ابن شيخ الشيوخ بن حمويه بمشيخة خوانك دمشق مع الولاية عليها والنظر في وقوفها كوالده. وكتب توقيع للشيخ تاج الدين بن أبي عصرون بتدريس الشامية، فدرس بها دهراً طويلاً، فتوجه المذكوران إلى دمشق.
وبعث السلطان خمسة عشر ألف دينار إلى الأمير فخر الدين ابن الشيخ إلى غزة ليستخدم بها رجاله.
وفي ربيع الأول قال سعد الدين الجويني: جاء الخبر أن المعظم صاحب حصن كيفا جاءته نجدة الموصل وماردين، فضرب مصافاً مع الملك المظفر صاحب ميافارقين فكسره، وشحن على أكثر بلاده. قال: وسافرت إلى مصر فسرت من الغرابي إلى القصير، ثم سريت جئت إلى السائح، نزلت به، وقد بنى به السلطان نجم الدين دوراً وبستاناً وقرية بها جامع وفنادق، وسميت الصالحية.
قلت: وقبل ذلك إنما كان هذا المكان يعرف بالسائح.
وقبض الناصر في الكرك على الأمير عماد الدين ابن موسك وأخذ أمواله (١).
وفيها ختن المستعصم بالله ولديه أحمد وعبد الرحمن، وأخاه علياً (٢)، فذكر ابن الساعي أنه أخرج على الختان نحواً من مائة ألف دينار، فمن ذلك: ألف وخمسمائة رأس شواء.
وفيها قدم رسولان من التتار، أحدهما من بركة، والآخر من باجو، فاجتمعا بالوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، وتعمت على الناس بواطن الأمور.
وفيها توفي المنصور صاحب حمص، وتملك بعده ابنه الملك الأشرف موسى. وعاش أهل الشام بهلاك الخوارزمية، وكانوا كالتتر في الغدر والمكر والقتل والنهب.
وفيها أخذت الفرنج شاطبة صلحاً، ثم أجلوا أهلها بعد سنة عنها.
стр. 13861
سنة خمس وأربعين وستمائة
في أولها رجع السلطان إلى مصر جريدةً وأبقى جيوشه بالشام، فحاصروا بلاد الفرنج عسقلان وطبرية. ففتحت طبرية في صفر، وفتحت عسقلان في جمادى الآخرة.
وفي رجب عزل خطيب البلد عماد الدين داود الآباري، من الخطابة ومن الغزالية، ووليهما القاضي عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني.
قال أبو المظفر (١): نازل فخر الدين ابن الشيخ طبرية فافتتحها، ثم حاصر عسقلان، وقاتل عليها قتالاً عظيماً وأخذها في جمادى الآخرة.
قلت: وانفرد بفتح هذين البلدين، وعظم شأنه عند السلطان، ولم يبق له نظير في الأمراء.
قال سعد الدين بن حمويه: في المحرم أخذ السلطان من السعيد ابن العزيز قلعة الصبيبة، وأعطي خبز مائة وخمسين بمصر ومائة ألف درهم وقيسارية جركس وخمسمائة تفصيلة.
وفيه (٢): نفى السلطان مملوكه البندقدار. وأضاف أجناده إلى الحلقة لكونه صعد قلعة عجلون بلا أمر.
قلت: وفي هذه المرة أخذ السلطان من مماليك البندقدار بيبرس، وصار من أعيان مماليكه، وآل أمره إلى سلطنة البلاد.
قال: وزار السلطان القدس، وأمر أن يذرع سوره، فجاء ستة آلاف ذراع، فأمر أن يصرف مغل القدس في عمارة سوره. وتصدق بألفي دينار في الحرم، وزار الخليل. وكان الأمير فخر الدين نازلاً على طبرية فنصب عليها المجانيق، فخرجوا في بعض الليالي، فقتلوا الأمير سابق الدين الجزري، وقتلوا سبعةً معه.
وركبنا في المراكب في البحيرة لقطع الميرة عن طبرية، فجاءت مراكبهم وقاتلونا ساعة، ثم زحفنا على القلعة من كل مكان، وجرح جماعة.
стр. 13862
قال: ووقعت البدنة التي علقناها من الباشورة، فزحفنا كلنا، وهجم المسلمون الثغرة، وجاء الفرنج بأسرهم إليها، ورموا بالحجارة، وقتلوا خلقاً كثيراً. وصبر الناس، وكلما تعب قوم خرجوا وجاء غيرهم إلى أن تعبت الفرنج فطلبوا الأمان، فأمنهم الأمير على أن يكونوا أسرى. فنزلوا على ذلك، فكانوا مائتين وستين أسيراً.
وأخذ الأمراء خفيةً نحو خمسين أسيراً، وغنم الناس طبرية بما فيها. ووجدنا منهم في القلعة قتلى كثيرة وجرحى، وكان يوماً مشهوداً. وأُخربت القلعة، وقسمت على العسكر.
ورحلنا بآلات الحصار جميعها إلى عسقلان، وقد نزل عليها قبلنا الأمير شهاب الدين ابن الغرز، فأحاطت بها العساكر، ومراكب الفرنج وشوانيهم تحتها، ومراكبنا مرسية على الساحل. وهي قلعة مليحة ستة عشر برجاً، نصفها في البحر. فنزلنا ورمينا بالمجانيق، وجاءت مراكبهم إلى مراكبنا فاقتتلوا، وكانت ساعة مشهودة.
ثم هاج البحر واغتلم، واصطدم موجه فكسر شوانينا وطحنها على الساحل، وهي خمسة وعشرون. وسلمت شواني الفرنج؛ لأنهم كانوا مرسين في وسط البحر، فأخذنا خشب الشواني عملناه ستائر للزحف. وكمل لنا أربع عشرة منجنيقاً ترمي على القلعة، ومناجيقهم (١) لا تبطل ساعةً. وأحرقوا ستائر منجنيقين رموها بنصول زيار (٢) محمية، وكسروا لنا منجنيقين، وخرجوا وقتلوا جماعة.
وبعد أيام شرعنا في طم الخندق من النقب، وجاءهم اثنا عشر مركباً نجدة. وكان المدد يأتيهم ويأتينا أيضاً. وخرجوا غير مرة وقاتلوا، فزحفنا في عاشر جمادى الأولى عليها من كل جهة، وقاتل المسلمون قتالاً عظيماً، وملكوا الباشورة، وقتل نحو ستين نفساً، وجرح خلق. وبتنا على خنادق القلعة، وأخذنا نقوباً في برج ديدنة.
ثم بعد يومين زحفنا عليهم. ثم أخذوا النقوب منا، وهرب أصحابنا منها، ثم من الغد استعدناها منهم. وفي سادس عشر الشهر أحرقنا البرج فنقبوه من عندهم وأطفؤوا النار. ثم تقور (٣) البرج من الغد، ووقع على اثني عشر فارساً منهم، فأخرجهم أصحابنا وغنموا سلبهم. ثم جاءتهم سبع مراكب كبار.
قال: وحجر المنجنيق المغربي الذي لنا وزنه قنطار وربع بالشامي. وطال الحصار،
стр. 13863
وقفز غير واحد، وقفز فارسان من الفرنج، فخلع عليهما فخر الدين. وذكر أن الخلف وقع بين الاسبتار والغرب.
وانسلخت الباشورة، فمات منا تحتها ثمانية أنفس. وليلة الخميس ثاني وعشرين جمادى الآخرة طلع أصحابنا من البرج المنقوب وملكوه وصاحوا، فضربنا الكوسات في الليل، وعلت الصنجات، وتكاثر الناس، فاندهش الفرنج وخذلوا، وهربوا إلى المراكب وإلى الأبراج واحتموا بها.
ودخل المسلمون القلعة في الليل وبذلوا السيف، وربما قتل بعضهم بعضاً لكثرة العالم وظلمة الليل وللكسب. ولم يزالوا ينقلون ذخائرها وأسلحتها طول الليل. ودخلها من الغد الأمير فخر الدين، وأعطى لمن في الأبراج أماناً على أنفسهم دون أموالهم. وكان فيهم ثلاثة أمراء معتبرين، وكانت الأسرى مائتين وستين أسيراً.
ووجدنا غرقى وأيدي مقطعة في البحر، وسببه تعلقهم بالمراكب للهرب، فيخاف الآخرون لا تغرق المراكب، فيضربون بالسيوف على أيديهم يقطعونها. ثم شرعنا في خراب القلعة ورحلنا، وقد تركناها مأوى للبوم والغربان، ومساكن للأراوي والغزلان، فسبحان الباقي الديان.
وفيها أخذ السلطان قلعة شميمس من الأشرف صاحب حمص، فحصنها وبعث إليها الخزائن.
وفيها جاء عسكر حلب فنازلوا حمص وحاصروها مدة، وأخذوها في سنة ست.
وفيها جاءت تذكرة بأن يحمل إلى مصر القاضي محيي الدين ابن الزكي، وابن العماد الكاتب، وابن الحضيري، وأولاد ابن صصرى الأربعة، والشرف ابن المعتمد، وجماعة؛ لأنهم كانوا من أصحاب الصالح إسماعيل، فلما وصلوا مصر أقاموا بحسب اختيارهم، فبقوا بها إلى بعد موت الصالح نجم الدين.
وفي ذي القعدة حبس عز الدين أيبك المعظمي في دار فرخشاه بتواطئ من ابن مطروح وغيره. وصنعوا مترجماً قد جاءه من حلب من عند الصالح إسماعيل، وكتبوا إلى السلطان يخبرونه بذلك، فأمر أن يحمل إلى القاهرة تحت الحوطة، فحمل وأنزل في دار صواب، فاعتقل بها، ورافعه ولده وقال: أموال أبي قد بعثها إلى حلب. فمرض أيبك ومات بغبنه (١).
ثم نقل في
стр. 13864
تابوت، ودفن في قبته التي على الشرف الأعلى.
وفيها كان ببغداد غلاء عظيم، وأبيع الخبز ثلاثة أرطال بقيراط.
وفيها هرب للسلطان نجم الدين مماليك، فمسك منهم أربعون نفساً بحلب، وأرسلوهم إلى دمشق، فشنق الأربعين على أبواب البلد.
سنة ست وأربعين وستمائة
فيها أمر السلطان أن يعمل الُشلاق تحت القلعة ليتفرج، فتشالقوا فقتل سبعة أنفس وجرح جماعة. وسببه دخول المماليك بينهم، فمنعهم السلطان من الشلاق، وكان يترتب عليه شر كثير ومفاسد بدمشق.
وفي شعبان ملكت الفرنج إشبيلية بعد حصارهم لها سبعة عشر شهراً، ودخولها صلحاً.
وفيها مل صاحب حمص الملك الأشرف من محاصرة الحلبيين له، وقايض بها تل باشر من أعمال حلب، وسلم حمص لنواب الملك الناصر يوسف.
وفيها ولدت امرأة ببغداد أربعةً في بطن وشاع ذلك، فطلبهم الخليفة ورآهم وتعجب، ثم أمر لهم بستمائة دينار وثياب، وكان الأبوان من المساكين.
وكان ببغداد الغرق الكبير الذي هو أكبر من غرق سنة أربع عشرة وستمائة، بحيث إن الأمراء والوزير بنفسه نزل وحمل حرزة حطب للسد. ثم زاد الماء بعد شهرين زيادةً أعظم من الأولى وتهدم من السور عدة أبراج، ونبع الماء من أساس المستنصرية، ولا يحصى ما تهدم من الدور. وبقي الماء في النظامية ستة أذرع، وغرقت الرصافة، وجرى ما لا يعبر عنه، وذهبت أموال لا تحصى.
وفيها خرج السلطان نجم الدين من مصر، وجهز الجيش مع فخر الدين بن الشيخ إلى حمص، وتعثر الفلاحون بجر آلة الحصار والمجانيق إلى حمص. ثم نازلوا حمص يحاصرون نواب الناصر صاحب حلب، ونصبت المجانيق، فجاء عسكر حلب في النجدة. وكان الشيخ نجم الدين عبد الله البادرائي قد جاء رسولاً، فدخل في القضية، ورد العسكرين.
стр. 13865
سنة سبع وأربعين (١) وستمائة (٢)
فيها (٣) رجع السلطان إلى مصر مريضاً في محفة، واستعمل على نيابة دمشق الأمير جمال الدين ابن يغمور.
وفيها ولدت امرأة ببغداد ابنين وبنتين في جوف، وشاع ذاك فطلبوا إلى دار الخلافة، فأُحضروا وقد مات واحد فأُحضر ميتاً، فتعجبوا. وأُعطيت الأم من الثياب والحلي ما يبلغ ألف دينار، وكانت فقيرةً مستورة (٤).
وفيها توجه الناصر داود إلى حلب.
وجاء كتاب السلطان نجم الدين إلى ابن يغمور بخراب دار سامة، وقطع شجر بستان القصر الذي للناصر داود بالقابون، وخراب القصر، ففعل ذلك (٥).
وفيها مضى الأمجد حسن ابن الناصر من الكرك إلى مصر، وسلم الكرك إلى السلطان، وخبث على أبيه وخانه. فأعطاه السلطان جملة، وأخرج من الكرك عيال المعظم وأولاده وبناته، وبعث إليهم بأموال وتحف يرضيهم بها (٦).
وأما سعد الدين فقال في تاريخه: وصل كتاب الظاهر ابن الناصر إلى السلطان بأن يسلم الكرك، ويعطيه السلطان خبزا بمصر. ففرح السلطان بذلك، وأنفذ أستاذ داره جمال الدين آقوش النجيبي ليتسلمها. فلما قدم الملك الظاهر أمر السلطان بتلقيه واحترمه، ودفع له أبسوك (٧)، ومائتي فارس، وخمسين ألف دينار، وثلاثمائة قطعة قماش ثم الذخائر التي بالكرك. وأعطى لأخيه الأمجد إخميم (٨)، ومائةً وخمسين فارساً، ثم بعث خزانةً إلى الكرك مع مجير الدين بن أبي زكري مبلغها مائتا ألف دينار.