← История

История · id 35100

تاريخ الإسلام - ت بشار

شمس الدين الذهبي

Полный текст (15 404 стр.). Показаны 13861–13900 · переход к 13866.

стр. 13861

سنة خمس وأربعين وستمائة في أولها رجع السلطان إلى مصر جريدةً وأبقى جيوشه بالشام، فحاصروا بلاد الفرنج عسقلان وطبرية. ففتحت طبرية في صفر، وفتحت عسقلان في جمادى الآخرة. وفي رجب عزل خطيب البلد عماد الدين داود الآباري، من الخطابة ومن الغزالية، ووليهما القاضي عماد الدين عبد الكريم ابن الحرستاني. قال أبو المظفر (١): نازل فخر الدين ابن الشيخ طبرية فافتتحها، ثم حاصر عسقلان، وقاتل عليها قتالاً عظيماً وأخذها في جمادى الآخرة. قلت: وانفرد بفتح هذين البلدين، وعظم شأنه عند السلطان، ولم يبق له نظير في الأمراء. قال سعد الدين بن حمويه: في المحرم أخذ السلطان من السعيد ابن العزيز قلعة الصبيبة، وأعطي خبز مائة وخمسين بمصر ومائة ألف درهم وقيسارية جركس وخمسمائة تفصيلة. وفيه (٢): نفى السلطان مملوكه البندقدار. وأضاف أجناده إلى الحلقة لكونه صعد قلعة عجلون بلا أمر. قلت: وفي هذه المرة أخذ السلطان من مماليك البندقدار بيبرس، وصار من أعيان مماليكه، وآل أمره إلى سلطنة البلاد. قال: وزار السلطان القدس، وأمر أن يذرع سوره، فجاء ستة آلاف ذراع، فأمر أن يصرف مغل القدس في عمارة سوره. وتصدق بألفي دينار في الحرم، وزار الخليل. وكان الأمير فخر الدين نازلاً على طبرية فنصب عليها المجانيق، فخرجوا في بعض الليالي، فقتلوا الأمير سابق الدين الجزري، وقتلوا سبعةً معه. وركبنا في المراكب في البحيرة لقطع الميرة عن طبرية، فجاءت مراكبهم وقاتلونا ساعة، ثم زحفنا على القلعة من كل مكان، وجرح جماعة.

стр. 13862

قال: ووقعت البدنة التي علقناها من الباشورة، فزحفنا كلنا، وهجم المسلمون الثغرة، وجاء الفرنج بأسرهم إليها، ورموا بالحجارة، وقتلوا خلقاً كثيراً. وصبر الناس، وكلما تعب قوم خرجوا وجاء غيرهم إلى أن تعبت الفرنج فطلبوا الأمان، فأمنهم الأمير على أن يكونوا أسرى. فنزلوا على ذلك، فكانوا مائتين وستين أسيراً. وأخذ الأمراء خفيةً نحو خمسين أسيراً، وغنم الناس طبرية بما فيها. ووجدنا منهم في القلعة قتلى كثيرة وجرحى، وكان يوماً مشهوداً. وأُخربت القلعة، وقسمت على العسكر. ورحلنا بآلات الحصار جميعها إلى عسقلان، وقد نزل عليها قبلنا الأمير شهاب الدين ابن الغرز، فأحاطت بها العساكر، ومراكب الفرنج وشوانيهم تحتها، ومراكبنا مرسية على الساحل. وهي قلعة مليحة ستة عشر برجاً، نصفها في البحر. فنزلنا ورمينا بالمجانيق، وجاءت مراكبهم إلى مراكبنا فاقتتلوا، وكانت ساعة مشهودة. ثم هاج البحر واغتلم، واصطدم موجه فكسر شوانينا وطحنها على الساحل، وهي خمسة وعشرون. وسلمت شواني الفرنج؛ لأنهم كانوا مرسين في وسط البحر، فأخذنا خشب الشواني عملناه ستائر للزحف. وكمل لنا أربع عشرة منجنيقاً ترمي على القلعة، ومناجيقهم (١) لا تبطل ساعةً. وأحرقوا ستائر منجنيقين رموها بنصول زيار (٢) محمية، وكسروا لنا منجنيقين، وخرجوا وقتلوا جماعة. وبعد أيام شرعنا في طم الخندق من النقب، وجاءهم اثنا عشر مركباً نجدة. وكان المدد يأتيهم ويأتينا أيضاً. وخرجوا غير مرة وقاتلوا، فزحفنا في عاشر جمادى الأولى عليها من كل جهة، وقاتل المسلمون قتالاً عظيماً، وملكوا الباشورة، وقتل نحو ستين نفساً، وجرح خلق. وبتنا على خنادق القلعة، وأخذنا نقوباً في برج ديدنة. ثم بعد يومين زحفنا عليهم. ثم أخذوا النقوب منا، وهرب أصحابنا منها، ثم من الغد استعدناها منهم. وفي سادس عشر الشهر أحرقنا البرج فنقبوه من عندهم وأطفؤوا النار. ثم تقور (٣) البرج من الغد، ووقع على اثني عشر فارساً منهم، فأخرجهم أصحابنا وغنموا سلبهم. ثم جاءتهم سبع مراكب كبار. قال: وحجر المنجنيق المغربي الذي لنا وزنه قنطار وربع بالشامي. وطال الحصار،

стр. 13863

وقفز غير واحد، وقفز فارسان من الفرنج، فخلع عليهما فخر الدين. وذكر أن الخلف وقع بين الاسبتار والغرب. وانسلخت الباشورة، فمات منا تحتها ثمانية أنفس. وليلة الخميس ثاني وعشرين جمادى الآخرة طلع أصحابنا من البرج المنقوب وملكوه وصاحوا، فضربنا الكوسات في الليل، وعلت الصنجات، وتكاثر الناس، فاندهش الفرنج وخذلوا، وهربوا إلى المراكب وإلى الأبراج واحتموا بها. ودخل المسلمون القلعة في الليل وبذلوا السيف، وربما قتل بعضهم بعضاً لكثرة العالم وظلمة الليل وللكسب. ولم يزالوا ينقلون ذخائرها وأسلحتها طول الليل. ودخلها من الغد الأمير فخر الدين، وأعطى لمن في الأبراج أماناً على أنفسهم دون أموالهم. وكان فيهم ثلاثة أمراء معتبرين، وكانت الأسرى مائتين وستين أسيراً. ووجدنا غرقى وأيدي مقطعة في البحر، وسببه تعلقهم بالمراكب للهرب، فيخاف الآخرون لا تغرق المراكب، فيضربون بالسيوف على أيديهم يقطعونها. ثم شرعنا في خراب القلعة ورحلنا، وقد تركناها مأوى للبوم والغربان، ومساكن للأراوي والغزلان، فسبحان الباقي الديان. وفيها أخذ السلطان قلعة شميمس من الأشرف صاحب حمص، فحصنها وبعث إليها الخزائن. وفيها جاء عسكر حلب فنازلوا حمص وحاصروها مدة، وأخذوها في سنة ست. وفيها جاءت تذكرة بأن يحمل إلى مصر القاضي محيي الدين ابن الزكي، وابن العماد الكاتب، وابن الحضيري، وأولاد ابن صصرى الأربعة، والشرف ابن المعتمد، وجماعة؛ لأنهم كانوا من أصحاب الصالح إسماعيل، فلما وصلوا مصر أقاموا بحسب اختيارهم، فبقوا بها إلى بعد موت الصالح نجم الدين. وفي ذي القعدة حبس عز الدين أيبك المعظمي في دار فرخشاه بتواطئ من ابن مطروح وغيره. وصنعوا مترجماً قد جاءه من حلب من عند الصالح إسماعيل، وكتبوا إلى السلطان يخبرونه بذلك، فأمر أن يحمل إلى القاهرة تحت الحوطة، فحمل وأنزل في دار صواب، فاعتقل بها، ورافعه ولده وقال: أموال أبي قد بعثها إلى حلب. فمرض أيبك ومات بغبنه (١). ثم نقل في

стр. 13864

تابوت، ودفن في قبته التي على الشرف الأعلى. وفيها كان ببغداد غلاء عظيم، وأبيع الخبز ثلاثة أرطال بقيراط. وفيها هرب للسلطان نجم الدين مماليك، فمسك منهم أربعون نفساً بحلب، وأرسلوهم إلى دمشق، فشنق الأربعين على أبواب البلد. سنة ست وأربعين وستمائة فيها أمر السلطان أن يعمل الُشلاق تحت القلعة ليتفرج، فتشالقوا فقتل سبعة أنفس وجرح جماعة. وسببه دخول المماليك بينهم، فمنعهم السلطان من الشلاق، وكان يترتب عليه شر كثير ومفاسد بدمشق. وفي شعبان ملكت الفرنج إشبيلية بعد حصارهم لها سبعة عشر شهراً، ودخولها صلحاً. وفيها مل صاحب حمص الملك الأشرف من محاصرة الحلبيين له، وقايض بها تل باشر من أعمال حلب، وسلم حمص لنواب الملك الناصر يوسف. وفيها ولدت امرأة ببغداد أربعةً في بطن وشاع ذلك، فطلبهم الخليفة ورآهم وتعجب، ثم أمر لهم بستمائة دينار وثياب، وكان الأبوان من المساكين. وكان ببغداد الغرق الكبير الذي هو أكبر من غرق سنة أربع عشرة وستمائة، بحيث إن الأمراء والوزير بنفسه نزل وحمل حرزة حطب للسد. ثم زاد الماء بعد شهرين زيادةً أعظم من الأولى وتهدم من السور عدة أبراج، ونبع الماء من أساس المستنصرية، ولا يحصى ما تهدم من الدور. وبقي الماء في النظامية ستة أذرع، وغرقت الرصافة، وجرى ما لا يعبر عنه، وذهبت أموال لا تحصى. وفيها خرج السلطان نجم الدين من مصر، وجهز الجيش مع فخر الدين بن الشيخ إلى حمص، وتعثر الفلاحون بجر آلة الحصار والمجانيق إلى حمص. ثم نازلوا حمص يحاصرون نواب الناصر صاحب حلب، ونصبت المجانيق، فجاء عسكر حلب في النجدة. وكان الشيخ نجم الدين عبد الله البادرائي قد جاء رسولاً، فدخل في القضية، ورد العسكرين.

стр. 13865

سنة سبع وأربعين (١) وستمائة (٢) فيها (٣) رجع السلطان إلى مصر مريضاً في محفة، واستعمل على نيابة دمشق الأمير جمال الدين ابن يغمور. وفيها ولدت امرأة ببغداد ابنين وبنتين في جوف، وشاع ذاك فطلبوا إلى دار الخلافة، فأُحضروا وقد مات واحد فأُحضر ميتاً، فتعجبوا. وأُعطيت الأم من الثياب والحلي ما يبلغ ألف دينار، وكانت فقيرةً مستورة (٤). وفيها توجه الناصر داود إلى حلب. وجاء كتاب السلطان نجم الدين إلى ابن يغمور بخراب دار سامة، وقطع شجر بستان القصر الذي للناصر داود بالقابون، وخراب القصر، ففعل ذلك (٥). وفيها مضى الأمجد حسن ابن الناصر من الكرك إلى مصر، وسلم الكرك إلى السلطان، وخبث على أبيه وخانه. فأعطاه السلطان جملة، وأخرج من الكرك عيال المعظم وأولاده وبناته، وبعث إليهم بأموال وتحف يرضيهم بها (٦). وأما سعد الدين فقال في تاريخه: وصل كتاب الظاهر ابن الناصر إلى السلطان بأن يسلم الكرك، ويعطيه السلطان خبزا بمصر. ففرح السلطان بذلك، وأنفذ أستاذ داره جمال الدين آقوش النجيبي ليتسلمها. فلما قدم الملك الظاهر أمر السلطان بتلقيه واحترمه، ودفع له أبسوك (٧)، ومائتي فارس، وخمسين ألف دينار، وثلاثمائة قطعة قماش ثم الذخائر التي بالكرك. وأعطى لأخيه الأمجد إخميم (٨)، ومائةً وخمسين فارساً، ثم بعث خزانةً إلى الكرك مع مجير الدين بن أبي زكري مبلغها مائتا ألف دينار.

стр. 13866

وفيها هجمت الفرنج دمياط، وأحاطت بها في ربيع الأول، وكان عليها فخر الدين ابن الشيخ والعساكر، فخرجوا عنها، وخرج أهلها منها من الجهة الأخرى. وملكتها الفرنج صفواً عفواً بلا قتال ولا كلفة، بل مجرد خذلان نزل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا من أغرب ما تم في الوجود حتى أن الفرنج اعتقدوا أن المسلمين فعلوا هذا مكيدةً. ثم بان لهم الأمر، وابتلى الله العسكر بالعدو وذهاب أموالهم. فقيل: سبب هروبهم أنهم بطقوا (١) مرةً بعد أخرى إلى السلطان ليكشف فما جاء خبر، وكان قد سقاه الطبيب دواء مخدراً، وأوصى بأن لا يزعج ولا ينبه، فكتموه الخبر، فوقع إرجاف في دمياط بموته، ونزل بهم الخذلان. وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب على المنصورة نازلاً، فغضب كيف يسيبها أهلها؟ وشنق من أعيان أهلها ستين رجلاً. ولما أمر بشنقهم قالوا: ما ذنبنا إذا كانت عساكره وأمراؤه هربوا وأحرقوا الزردخاناه، فأيش نعمل نحن؟ وقامت القيامة على العسكر، وخرج أهل دمياط حفاةً عراة جياعاً فقراء حيارى بالحريم والأطفال، قد سلم لهم بعض ما يعيشون به، فنهبهم المسلمون في الطريق! وأما العسكر فاستوحشوا من السلطان ودعوا بهلاكه. قال أبو المظفر (٢): بلغني أن مماليكه أرادوا قتله، فقال لهم فخر الدين ابن الشيخ: اصبروا عليه فهو على شفا. فمات ليلة نصف شعبان وهو على المنصورة. وكانت أم خليل زوجته معه، وهي المدبرة لأموره أيام مرضه، فلم تغير شيئاً، بل الدهليز بحاله، والسماط يمد كل يوم، والأمراء يجيؤون للخدمة، وهي تقول: السلطان مريض، ما يصل إليه أحد. فبعثوا إلى الملك المعظم تورانشاه ولده، وهو بحصن كيفا، الفارس أقطاي أكبر مماليك أبيه، فسلك على البرية وكاد يهلك عطشاً، وأسرع به أقطاي، فقدم دمشق في آخر رمضان، وخلع على أمراء دمشق وأحسن إليهم.

стр. 13867

قال أبو المظفر (١): بلغني أنه وجد في دمشق ثلاثمائة ألف دينار فأنفقها، واستدعى من الكرك مالاً فأنفقه. وأمر فخر الدين ابن الشيخ الأمراء فحلفوا للمعظم. وأخفوا موت السلطان وكانت أم خليل تعلم على التواقيع على هيئة خط السلطان. وقيل: بل كان يعلم على التواقيع خادم يشبه خطه خط السلطان، يقال له: السهيلي. قال: وكان قد نسر (٢) مخرجه وامتد إلى فخذه، وعمل عليه جسده، وهو يتجلد ولا يطلع أحداً على حاله حتى هلك. وكان المسلمون مرابطين بالمنصورة مدة أشهر، وجرت لهم مع الفرنج فصول طويلة ينال هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، فمنها وقعة عظمى يوم مستهل رمضان استشهد فيها جماعة من كبار المسلمين. ونزلت الفرنج بقرب المنصورة، وكانت وقعة المنصورة الوقعة التي اشتهرت في ذي القعدة على المنصورة، وذلك أن الفرنج ساقوا ووصلوا إلى دهليز السلطان، فخرج مقدم العساكر فخر الدين ابن الشيخ، فقاتل فقتل فانهزم المسلمون، ثم تناخوا وكروا على الفرنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وكان الفتح. ووصل المعظم إلى مصر بعد أن أقام بدمشق سبعة وعشرين يوماً، فدخل الديار المصرية في ذي الحجة بعد الوقعة. وكان في عزمه الفتك بابن الشيخ؛ لأنه بلغه أنه يريد الملك والناس يريدونه، فقتل. وقال ابن الساعي: في أول السنة أخذت الفرنج دمياط، نزلوا عليها، فأرسل الصالح نجم الدين عسكراً نجدة لمن بها، وكان مريضاً، فكسروا الفرنج. ثم ظهرت الفرنج عليهم، فانتخى أميران وهما: ابن شيخ الإسلام، والجولاني، فحملا عليهم، فاستشهد ابن شيخ الإسلام، وسلم الجولاني، وغلقت أبواب دمياط، وأرسلوا بطاقة. وكان السلطان قد سقي دواء مخدراً، وأمرهم الطبيب أن لا ينبهوه، فوقعت البطاقة فكتمها الخادم، ثم وقعت أخرى

стр. 13868

فلم يرد عليهم جواب، والسلطان لا يعلم بشيء. فقيل في دمياط: إن السلطان مات، فضعفت النفوس، وعزم أهل دمياط على الهرب، فأحرقوا باباً وخرجوا، فأخذ العسكر في ردهم فلم يلتفتوا، فعاد العسكر ونهب البلد. فخرج أهل البلد عن آخرهم، وهلك خلق في زحمة الأبواب. وأخلوا البلد، فأخذه الفرنج بلا كلفة. فلما علم السلطان غضب وهم بقتل ذلك العسكر الذين نهبوا دمياط، ثم صلب منهم نيفاً وثمانين أميرا، وغيرهم ترك، وأمر أن لا تضرب النوبة إلا للجولاني وحده. قال: وفيها قتل شيحة أمير المدينة، وكان قد خرج عن المدينة في نفر يسير فوقع عليه قوم من العرب بينه وبينهم دم فحاربوه، فقتل وسلبوه، وكان موصوفاً بالخير والتواضع، وولي مكانه ولده الأكبر عيسى. قال: وفي نصف ذي الحجة سعى علي الإربلي الساعي من دقوقا إلى بغداد (١) فوصل بعيد العصر، فأنعم عليه الأمير مبارك بما قيمته عشرة آلاف دينار. وفيها جاء سيل عظيم على السلامية من عمل الموصل، فأهلك خلقاً، وأتلف الزروع، وهدم الأسواق، وغرق كثيرا من المواشي، وغرقت السلامية كلها، وكان بها أكثر من ثلاثة آلاف نفس. وجاءت الزيادة على جزيرة ابن عمر حتى كادت تدخل من شراريف سور البلد، وكان أمراً مهولاً (٢). وفيها كتبت فتيا ببغداد: هل الإيمان يزيد وينقص؟ فامتنع الفقهاء من الجواب خوفاً من الفتنة، وكتب فيها الكمال علي بن وضاح والمحدث عبد العزيز القحيطي وبالغا في ذم من يقول: لا يزيد ولا ينقص. فأخذ الفتيا بعض الحنفية، وعرضها على الديوان العزيز، وقال: قد تعرض لسب أبي حنيفة. فأُمر بإخراج ابن وضاح من المستنصرية وبنفي القحيطي (٣). وفيها وصل إلى بغداد أبو منصور الأصبهاني، رجل كهل، صغير الخلقة جدا، طوله ثلاثة أشبار وثلاثة أصابع، ولحيته طولها أكثر من شبر، فحمل إلى

стр. 13869

دار الخلافة، فأُنعم عليه، ودار على الأكابر (١). وفيها قتلت التتار بخانقين خلقاً عظيماً من النزال ونهبوا أغنامهم وأبقارهم، ثم نهبوا ناحية البت (٢) والراذان (٣) وأخربوا تلك النواحي، فخرج من بغداد عسكر لذلك. وأُمر الناس في جمادى الآخرة بالمبيت في أسواق بغداد وفي دروبها وبالوقيد. وفيها سار عسكر حلب فالتقوا بالمواصلة بنصيبين، فانهزمت المواصلة واستولى الحلبيون على خيامهم، وتسلموا نصيبين، ودارا، وقرقيسيا. سنة ثمان وأربعين وستمائة استهلت والفرنج على المنصورة والجيش المصري بإزائهم، وقد ضعف حال الفرنج لانقطاع الميرة عنهم، ووقع في خيلهم مرض وموت، وعزم ملكهم الفرنسيس (٤) على أن يركب في أول الليل ويسير إلى دمياط، فعلم المسلمون بذلك. وكان الفرنج قد عملوا جسراً عظيماً من الصنوبر على النيل، فسهوا عن قطعه، فعبر منه المسلمون في الليل إلى برهم، وخيامهم على حالها وثقلهم، فبدؤوا في المسير. وأحدق المسلمون بهم يتخطفونهم طول الليل قتلاً وأسراً، فالتجؤوا إلى قرية تسمى منية أبي عبد الله وتحصنوا بها. ودار المسلمون حولها. وظفر أصطول المسلمين بأصطولهم فغنموا جميع المراكب بمن فيها. واجتمع إلى الفرنسيس خمسمائة فارس من أبطال الفرنج وقعد في حوش المنية، وطلب الطواشي رشيد والأمير سيف الدين القيمري، فحضروا إليه. فطلب منهم الأمان على نفسه وعلى من معه، وأن لا يدخلوا بين السوقة والرعاع، فأجاباه وآمناه، وهرب باقي الفرنج على حمية. وأحدق المسلمون بهم وبقوا حملةً وحملةً حتى أُبيدت الفرنج، ولم يبق منهم سوى فارسين رفسوا بخيولهم في البحر فغرقوا. وغنم المسلمون منهم ما لا يوصف، واستغنى خلق. وأُنزل الفرنسيس في حراقة، وأحدقت به مراكب المسلمين تضرب فيها

стр. 13870

الكوسات والطبول، وفي البر الشرقي أطلاب العساكر سائرة منصورة، والبر الغربي فيه العربان والعوام في لهو وسرور بهذا الفتح العظيم، والأسرى تقاد في الحبال (١). فذكر سعد الدين في تاريخه أن الفرنسيس لو أراد أن ينجو بنفسه خلص على خيل سبق أو في حراقة، لكنه أقام في الساقة يحمي أصحابه، وكان في الأسرى ملوك وكنود (٢). وأُحصي عدة الأسرى فكانوا نيفاً وعشرين ألف آدمي، والذي غرق وقتل سبعة آلاف نفس، فرأيت القتلى وقد ستروا وجه الأرض من كثرتهم. وكان الفارس العظيم يأتيه وشاقي يسوقه وراءه كأذل ما يكون، وكان يوماً لم يشاهد المسلمون ولا سمعوا بمثله، ولم يقتل في ذلك اليوم من المسلمين مائة نفس. ونفذ الملك المعظم للفرنسيس وللملوك والكنود خلعاً، وكانوا نيفاً وخمسين، فلبس الكل سواه وقال: أنا بلادي بقدر بلاد صاحب مصر كيف ألبس خلعته؟ وعمل من الغد دعوةً عظيمة، فامتنع الملعون أيضاً من حضورها، وقال: أنا ما آكل طعاما، وما يحضرني إلا ليهزأ بي عسكره، ولا سبيل إلى هذا. وكان عنده عقل وثبات ودين، فهم كانوا يعتقدون فيه (٣). وكان حسن الخلقة. وانتقى المعظم الأسرى فأخذ أصحاب الصنائع، ثم أمر بضرب أعناق الجميع. وقال غيره: ثم حبسوا الإفرنسيس بالمنصورة بدار الطواشي صبيح مكرماً غاية الكرامة. وفي ذلك يقول الصاحب جمال الدين ابن مطروح (٤): قل للفرنسيس إذا جئته … مقال صدق (٥) من قؤول فصيح أتيت مصر تبتغي ملكها … تحسب أن الزمر بالطبل ريح فساقك الحين إلى أدهم … ضاق به عن ناظريك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم … بحسن تدبيرك بطن الضريح تسعين ألفا لا ترى منهم … إلا قتيلا أو أسيرا جريح

стр. 13871

وقل لهم إن أضمروا عودة … لأخذ ثأر أو لعقد صحيح دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشي صبيح وكان هذا النصر العزيز في أول يوم من السنة. وبقي الفرنسيس في الاعتقال إلى أن قتل السلطان الملك المعظم ابن الصالح، فدخل حسام الدين بن أبي علي في قضيته على أن يسلم إلى المسلمين دمياط ويحمل خمسمائة ألف دينار، فأركبوه بغلةً وساقت معه الجيوش إلى دمياط، فما وصلوا إلا والمسلمون على أعلاها بالتهليل والتكبير، والفرنج الذين بها قد هربوا إلى المراكب وأخلوها. فخاف الفرنسيس واصفر لونه، فقال الأمير حسام الدين: هذه دمياط قد حصلت لنا، وهذا الرجل في أسرنا وهو عظيم النصرانية وقد اطلع على عوراتنا، والمصلحة أن لا نطلقه. وكان قد تسلطن الملك المعز أيبك الصالحي، فقال: ما أرى الغدر! وأمر به فركب في البحر الرومي في شيني (١). وذكر حسام الدين أنه سأله عن عدة العسكر الذين قدم بهم، فقال: كان معي تسعة آلاف وخمسمائة فارس، ومائة ألف وثلاثون ألف طقشي، سوى الغلمان والسوقية والبحارة. وقال سعد الدين في تاريخه: اتفقوا على أن يسلم الإفرنسيس دمياط، وأن يعطي هو والكنود ثمانمائة ألف دينار عوضاً عما كان بدمياط من الحواصل، ويطلقوا أسرى المسلمين. فحلفوا على هذا، وركب العسكر ثاني صفر، وسقنا وقفنا حول دمياط إلى قريب الظهر. ودخل الناس إليها ونهبوا وقتلوا من بقي من الفرنج، فضربتهم الأمراء وأخرجوهم، وقوموا الحواصل التي بقيت بها بأربعمائة ألف دينار، وأخذوا من الملك الإفرنسيس أربعمائة ألف دينار. وأطلقوه العصر هو وجماعته، فانحدروا في شيني إلى البطس، وأنفذ رسولاً إلى الأمراء يقول: ما رأيت أقل عقلا ولا دينا منكم؛ أما قلة الدين فقتلتم سلطانكم، وأما قلة العقل فكون مثلي ملك البحر وقع في أيديكم بعتموه بأربعمائة ألف دينار، ولو طلبتم مملكتي دفعتها لكم حتى أخلص. وجاء إلى دمشق كتاب الملك المعظم، وفيه: ولما كان يوم أول السنة

стр. 13872

فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال وفرقنا السلاح، وجمعنا العربان والمطوعة واجتمع خلائق. فلما رأى العدو ذلك طلب الصلح على ما كان أيام الكامل فأبينا، فلما كان الليل تركوا خيامهم وأثقالهم، وقصدوا دمياط هاربين. وطلبنا وما زال السيف يعمل في أقفيتهم عامة الليل وإلى النهار، فقتلنا منهم ثلاثين ألفاً، غير من ألقى نفسه في اللجج. وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج. وطلب الفرنسيس الأمان فأمناه وأخذناه وأكرمناه، وتسلمنا دمياط. وأرسل المعظم إلى نائب دمشق ابن يغمور بغفارة الإفرنسيس فلبسها، وهي سقرلاط أحمر بفرو سنجاب، فكتب إلى السلطان بيتين لابن إسرائيل: أسيِّد أملاك الزّمان بأسرهمُ … تنجّزت من نصر الله وُعوده فلا زال مولانا يبيح حمى العدى … ويُلبسُ أسلاب الملوك عبيده وفيها وصل الملك السعيد ابن الملك العزيز صاحب بانياس، والصبيبة من مصر، وحبس بعزتا. وفي الثامن والعشرين من المحرم قتلوا السلطان الملك المعظم (١)، وسلطنوا عليهم عز الدين أيبك التركماني، ورجعوا إلى القاهرة، وكاتبوا أمراء الشام. قال سعد الدين: جاء الترك إلى دهليز السلطان وحلفوا لشجر الدر ولنائبها الأمير عز الدين التركماني. وفي صفر سرعت الست شجر الدر في الخلع للأمراء، وأعطتهم الذهب والخيل. وأطلقوا خمسمائة أسير من الفرنج، فيهم مائة فارس. وفي أول ربيع الأول دفعوا خبز فخر الدين ابن الشيخ، وزيادة ثلاثة وضياع للفارس أقطاي الجمدار، وجردوا عشرة أمراء إلى غزة مقدمهم خاص ترك الكبير، ونفوا أولاد الناصر داود. وفي ربيع الآخر خرج عسكر مصر جميعه لأجل حركة الحلبيين. قلت: فسار الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب بمن معه من الملوك والعساكر لأخذ البلاد والانتقام ممن قتل السلطان.

стр. 13873

وقال غيره (١): فلما قرب الناصر من دمشق أرسل النائب جمال الدين ابن يغمور والقيمرية إلى عزتا، فأخرجوا ابن الملك العزيز إلى دمشق واحترموه، وأسكنوه دار فرخشاه. ونزل الملك الناصر بالقصير، ثم انتقل إلى داريا، وزحفوا على دمشق في ثامن ربيع الآخر عند باب الصغير، وكان مسلماً إلى ضياء الدين القيمري. ومن عند باب الجابية، وكان مسلماً إلى ناصر الدين القيمري. فلما وصلوا إلى البابين كسرت لهم الأقفال من داخل، وفتحت لهم الأبواب فدخلوا، ونهبت دار جمال الدين ابن يغمور وسيف الدين المشد ودور عسكر دمشق، وأُخذت خيولهم وأمتعتهم. ودخل ابن يغمور القلعة ثم نودي بالأمان، ودخل الملك الناصر يوسف القلعة. وكان الملك الناصر داود ابن المعظم نازلاً بالعقيبة، فجاءه ابن الملك العزيز الذي كان محبوساً بعزتا فبات عنده، ثم قام بليل فساق إلى الصبيبة، وكان بها خادم له قد كاتبه، ففتح له الخادم بابها فدخل وتسلمها. وأما الملك الناصر فتسلم بعلبك وصرخد. ثم تمرض السلطان الناصر وخرج إلى المزة، فبعث ناصر الدين القيمري ونظام الدين ابن المولى الحلبي إلى الناصر داود، وكان نازلاً بالقابون، فحضر معهما إلى السلطان فقبض عليه، ثم بعث به إلى قلعة حمص فاعتقله بها، وأنزل حرمه وأولاده بالخانقاه الشبلية عند ثورا. قال سعد الدين: في ربيع الآخر أراد جماعة من البحرية الفتك بعز الدين التركماني، فمسك منهم قوماً، وحلف الأمراء مرة أخرى. وفي هذين الشهرين كل يوم يتزوج اثنين ثلاثة من البحرية، والمماليك تزوجهم الست بجواري القلعة، وأخرجت معهم نعماً عظيمة. ثم مسكوا أمراء الأكراد سيف الدين القيمري، وجمال الدين هارون، والشرف الشيزري، والعز القيمري، وعلاء الدين ابن الشهاب، والحسام ابن القبيسي، وقطب الدين قرابة صاحب آمد، وقطب الدين صاحب السويداء، وناصر الدين التبنيني، وشرف الدين ابن المعتمد الذي كان والي قلعة دمشق، وشمس الدين ابن بكا الذي كان ولي دمشق، والشجاع الحاجب. ثم في الثامن والعشرين منه تسلطن عز الدين أيبك وركب بأُبهة الملك، ثم في ثاني جمادى الأولى استقال منها، وحلف العسكر

стр. 13874

للملك الأشرف ابن صلاح الدين بن المسعود أقسيس ابن الكامل، وله ثمان سنين، وبقي عز الدين أتابكه، وقطعوا خبزي. وفيه أمروا البندقدار، وأخرجوا جماعة أمراء من حبس الصالح، وهم: بدر الدين يونس، وعلم الدين شمائل، ولؤلؤ الباسلي، وناصر الدين ابن برطاس، وآخرين. وهرب خاص ترك الكبير، والشهاب رشيد الكبير، وشهاب الدين ابن الغرز، وجماعة أمراء، وراحوا إلى الكرك. وجاء الخبر أن الملك المغيث ابن العادل ابن الكامل استولى على الكرك، فبعد أيام قبض المغيث على رشيد الكبير، وعلى ابن الغرز لمكاتبتهم الحلبيين، ومسك المعز عدة أمراء فأسرف. قلت: ثم سار السلطان الملك الناصر يريد الديار المصرية بإشارة نائبه شمس الدين لؤلؤ وإلحاحه عليه، وكان يستهزئ بعسكر مصر، ويقول: آخذها بمائتي فارس. وكانت تأتيه كتب من مصر فساروا، وتقدم جمال الدين ابن يغمور وسيف الدين المشد بجمهرة الجيش. وانفرد لؤلؤ وضياء الدين القيمري، وبرز الصالحيون، فكان الملتقى في ذي القعدة عند الصالحية في آخر الرمل، فانكسرت الصالحية ونهبت أثقالهم. وانهزم طائفة منهم إلى الصعيد، وخطب في ذلك اليوم بالقاهرة وبقلعة مصر للملك الناصر، وبات جمال الدين ابن يغمور تلك الليلة بالعباسية، وأحمى الحمام للسلطان، وهيأ الإقامات. هذا، والسلطان ما عنده خبر من نصرته، وهو واقف بسناجقه وخزائنه وخواصه. وأما الصالحية فلما رأوا الكسرة ساق منهم عز الدين أيبك التركماني- الذي تسلطن- والفارس أقطايا (١) في ثلاثمائة فارس هاربين طالبين الشام، فمروا في طريقهم بالشمس لؤلؤ، والضياء القيمري، فالتقوا على غير تعبئة، فحمل عليهم لؤلؤ وحملوا عليه، فظفروا به وأسروه، وقتلوا ضياء الدين، ثم قتلوا لؤلؤا صبراً بين يدي التركماني؛ لأنهم بلغهم استخفافه بهم، وقوله: أنا آخذ مصر بمائتي قناع. ثم ساقوا فاعترضوا طلب السلطان، فخامر جماعة من الأمراء العزيزية عليه، وانحازوا إلى التركماني وجسروه على السلطان، وعطفوا به على الطلب، وكسروا سناجق السلطان، ونهبوا الخزائن، ورموا بالنشاب.

стр. 13875

فأخذ نوفل البدوي السلطان والخاصكية، ومضى بهم سوقاً إلى دمشق، وكان معه الملك المعظم تورانشاه ولد السلطان صلاح الدين، فأسروه مجروحاً، وجرحوا ولده تاج الملوك بن تورانشاه، وأسروا أخاه النصرة ابن صلاح الدين، والملك الأشرف موسى ابن صاحب حمص، والملك الصالح إسماعيل ابن العادل، والملك الزاهر ابن صاحب حمص، والشريف المرتضى. فمات تاج الملوك من جراحه، فحمل ودفن بالقدس. وجرح حسام الدين القيمري، فحمل إلى القدس، فمات به. وجاءت الشريف المرتضى هذا ضربة سيف في وجهه، فقال: بقيت ملقى في الرمل يوما وليلة والدماء تخرج، فمن الله علي بالملك الصالح ابن صاحب حمص فخيط وجهي بمسلة وحملني وعاينت الموت. وتمزق طائفة كبيرة من الجيش الشامي، ومشوا في الرمال وتعثروا، ودخلت الصالحية بالأسارى، والسناجق منكسة مكسرة، والخيول والطبول مشققة. فلما عبروا على تربة السلطان الملك الصالح نجم الدين أحاطوا بالصالح إسماعيل وصاحوا: يا خوند أين عينك ترى عدوك؟ ثم رموا الأسارى في الجب، وجمعوا بين الصالح وبين أولاده أياماً، ثم أفردوه وأعدموه سراً، ولم يدر أين دفن. ذكر سعد الدين أنه قتل في هذه الوقعة مع شمس الدين لؤلؤ حسام الدين المذكور، وناصر الدين ابن الأمير سيف الدين القيمري، والأمير ضياء الدين القيمري، والأمير سعد الدين الحميدي، ﵏. وقال ابن الساعي: لما قتل المعظم ثارت أسرى الفرنج وفكوا قيودهم وقتلوا خلقاً، فأحاط بهم العسكر وقتلوا منهم زيادة على ثلاثة عشر ألفاً. وكان أمين الدولة السامري محبوساً في قلعة مصر هو وابن يغمور ناصر الدين، وسيف الدين القيمري ومقدم الخوارزمية صهر الملك الناصر يوسف، فخرجوا من الحبس لما خطب ذلك اليوم للناصر وصاحوا: الملك الناصر يا منصور. فجاء الترك ودخلوا القلعة وشنقوهم، سوى ابن يغمور؛ فإنه لم يوافقهم، بل جاء وقعد على باب دار حريم التركماني وحماها. وكان الملك الناصر يوسف بعث الصاحب كمال الدين ابن العديم رسولاً إلى بغداد إلى الخليفة ليجيئه بتقليد السلطنة، فدخلها في شعبان.

стр. 13876

وفي وسط السنة أخلى الملك المعز قلعة الجزيرة التي قبالة مصر، وقطعوا جسرها الذي على النيل، وترك بها نحو مائة نفس يحفظون أبراجها. وكان الملك الصالح قد أنشأها في أيامه، وغرم عليها أموالاً عظيمة لا تحصى. وكان مكانها دور ومساجد ونخل وبستان، فخرب المساجد والدور، وكثر الدعاء عليه لذلك. ثم بعثوا حجارين لخراب سور دمياط باتفاق من أمراء الترك، ثم أحضروا بعد أيام أبوابها إلى مصر. وقبض المعز في هذه الأيام على خلق من الأمراء والمفاردة. وفيها كثرت الحرامية ببغداد، وصار لهم مقدم يقال له: غيث، وتجرؤوا على دور الأمراء. وفيها ثارت طائفة من الجند ببغداد، ومنعوا يوم الجمعة الخطيب من الخطبة، واستغاثوا لأجل قطع أرزاقهم وفاقتهم. وكل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي، وكان حريصاً على زوال دولة بني العباس ونقلها إلى العلويين. والرسل في السر بينه وبين التتر، والمستعصم بالله تائه في لذاته لا يطلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة. وفيها حج طائفة من العراق، ولم يحج أحد من الشام ولا مصر لاضطراب الأمور، فأغلق صاحب مكة أبو سعد أبواب مكة، وأخذ على الرأس ديناراً، ورتب إماماً للزيدية في الحرم عناداً وتقرباً إلى العلوي الخارج باليمن. ومن زمان المستنصر بالله إلى الآن لم يخرج من بغداد ركب، إنما يتجمع ناس ويحجون مع عرب البصرة يخفرونهم، وذلك لضعف الخلافة وخبث الوزير قاتله الله. وفيها فرغوا من حروب دمياط، وتفرق أهلها، ونقلوا أخشاب بيوتهم وأبوابها، وتركوها خاويةً على عروشها. ثم بنيت بليدة قريباً منها تسمى المنشية، وكان سور دمياط من عمارة المتوكل على الله. سنة تسع وأربعين [وستمائة] فيها وصل الملك الناصر دمشق، فإنه أقام على غزة حتى تراجع أكثر عسكره (١). وفيها جاء عسكر مصر فنزلوا على غزة والساحل ونابلس، وحكموا على بلاد فلسطين. فجهز الملك الناصر جيشاً، وجاءته النجدة، فسار عسكره إلى

стр. 13877

غزة، وتقهقر المصريون إلى بلادهم، وأقام عسكر الشام على غزة سنتين وأشهرا، وترددت الرسل بين الملك المعز أيبك، وبين الملك الناصر يوسف. وفيها تملك الملك المغيث ابن الملك العادل ابن الكامل الكرك والشوبك، أعطاه إياها الطواشي صواب متوليها (١). وفيها قصد الفارس أقطايا غزة في ألف فارس. وفيها تزوج الملك المعز بشجر الدر حظية الملك الصالح أستاذه على صداق مبلغه ثلاثون ألف دينار (٢). وفيها حاصر لؤلؤ صاحب الموصل لزوج بنته الملك المسعود ابن المعظم الأتابكي صاحب الجزيرة، وأخذها منه، وأنزله من القلعة وقيده، ثم غرقه. وسلطن بالجزيرة ولده، وأزال عن أهلها كثيراً من المكوس (٣). وكان المصريون في هذا العام في جور عظيم، ومصادرة لكل أحد حتى آحاد الناس، وأخذوا مال الأوقاف ومال الأيتام على نية القرض، ومن أرباب الصنائع، ومن الأطباء، ومن الشهود. سنة خمسين وستمائة فيها وصلت التتار إلى أطراف ديار بكر، وميافارقين، وسروج، فعاثوا وقتلوا أكثر من عشرة آلاف، وأخذوا قفلاً كبيراً قد قدم من الشام يكون ستمائة جمل. وقتل مقدمهم كشلوخان في هذه السنة (٤). وفيها حج الركب العراقي بعد انقطاعه عشر (٥) سنين. وفيها توجه نجم الدين الباذرائي رسول الخليفة من دمشق إلى الملك المعز أيبك فأصلح بين الناصر والمعز، وكان كل واحد من الطائفتين قد سئم وضرس من الحرب. وقرر أن تكون غزة والقدس للمعز، ونابلس وما يليها للناصر. وكان معه نظام الدين ابن المولى، فرجع بالصلح في أول سنة إحدى وخمسين، وسكنت الفتنة، ولله الحمد على كل حال (٦).

стр. 13878

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (ال وفيات) سنة إحدى وأربعين وستمائة ذكر من توفي فيها ١ - أحمد بن سعيد بن يعقوب بن إبراهيم ابن البناء البغدادي الأزجي (١). شيخ صالح، سمع: أبا الحسين عبد الحق، وأبا العلاء بن عقيل، ونصر الله القزاز. وطلب بنفسه وكتب الأجزاء، وكان يعبر الرؤيا. توفي في التاسع والعشرين من رمضان. وإجازته موجودة للفخر إسماعيل ابن عساكر، وفاطمة بنت جوهر، والقاضي تقي الدين، وابن سعد، وعيسى المطعم، وأحمد ابن الشحنة، وجماعة. روى عنه ابن النجار، وقال: هو صالح صدوق حافظ لكتاب الله، له معرفة بالعلم والتعبير. ٢ - أحمد بن عبد الرحمن بن أبي القاسم شمس الدين، أبو العباس التونسي الشافعي. سمع: الخشوعي، والبهاء ابن عساكر. روى عنه: ابن الحلوانية، والفخر ابن عساكر، والخطيب شرف الدين الفزاري. وبالحضور العماد محمد ابن البالسي. توفي في شعبان. ٣ - أحمد بن محمد بن مفلح المقدسي.

стр. 13879

توفي بسفح قاسيون كهلاً. وله رواية نازلة. ٤ - أحمد بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن بختيار بن علي، أبو العباس المندائي، الواسطي. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وسمع بواسط من الحسن بن علي السوادي، وأبي طالب محمد بن علي الكتاني، وغيرهما. روى عنه عز الدين أحمد الفاروثي، وغيره. وتوفي بطريق الحج بوادي الصفراء (١). وروى عنه مجد الدين ابن العديم (٢). ٥ - إبراهيم بن جابر، أبو إسحاق المخزومي، المراكشي الواعظ، المعروف بالقفال. قال الأبار (٣): كان عالماً عاملاً. أقام بإشبيلية مدةً، ثم بمراكش، فوعظ بها إلى أن مات. وعاش إحدى وثمانين (٤) سنة. ٦ - إبراهيم بن شكر (٥) بن إبراهيم بن علي. وجيه الدين أبو إسحاق السخاوي، أخو الشيخ علم الدين لأمه. حدث عن أبي القاسم البوصيري بدمشق، روى عنه الشيخ تاج الدين، وأخوه الخطيب شرف الدين أحمد، وأبو علي ابن الخلال، والفخر ابن عساكر، ومحمد بن يوسف الذهبي، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وجماعة. توفي في سابع عشر ذي القعدة، وله سبعون سنة. وكان فقيهاً عالماً. ٧ - إبراهيم بن محمد بن الأزهر بن أحمد بن محمد. الحافظ تقي الدين أبو إسحاق الصريفيني (٦)، العراقي الحنبلي.

стр. 13880

ولد بصريفين سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وكان أحد أوعية العلم. رحل في الحديث إلى الشام، والجزيرة، وخراسان، وأصبهان. وصحب الحافظ عبد القادر مدة، وتخرج به. وسمع من المؤيد الطوسي، وزينب الشعرية، وأبي روح الهروي، وعلي بن منصور الثقفي الأصبهاني، وعمر بن طبرزد، وحنبل بن عبد الله سمع منهما بإربل، وأبي (١) اليمن الكندي، وأبي القاسم الأنصاري الحاكم، وأبي محمد ابن الأخضر، وخلق (٢) من هذه الطبقة. روى عنه: الحافظ الضياء وهو أكبر منه، والمجد ابن العديم، والمجد ابن الحلوانية، والتاج عبد الرحمن، وأخوه الشرف الخطيب، والزين الفارقي، والبدر ابن الخلال، والفخر ابن عساكر، وآخرون. قال أبو محمد المنذري (٣): كان ثقة حافظاً صالحاً، له جموع حسنة لم يتمها. وقال العز عمر ابن الحاجب: إمام صدوق، ثبت، واسع الرواية، سخي النفس، مع القلة. سافر الكثير، وكتب وأفاد. وكان يرجع إلى فقه وورع. ولي مشيخة دار الحديث بمنبج، ثم تركها وسكن حلب. وولي مشيخة دار الحديث التي لابن شداد. سألت الضياء عنه فقال: إمام حافظ ثقة حسن الصحبة، له معرفة بالفقه. قال العز: قرأ القرآن على والده وعلى الشيخ عوض الصريفيني. وتفقه على عبد الله بن أحمد البوازيجي. وقرأ الأدب على هبة الله بن عمر الدوري. قلت: وقدم دمشق أخيراً، وروى بها. وبها مات في سادس عشر جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون. وتخاريجه وتواليفه تدل على حفظه ومعرفته. ٨ - أسعد ابن القاضي أبي نصر محمد بن هبة الله بن محمد ابن الشيرازي الأجل، أبو الفتح الدمشقي، الشافعي. هو أصغر من أخيه تاج الدين أحمد، سمع من عبد الرحمن بن علي

стр. 13881

الخرقي، والتاج محمد بن عبد الرحمن المسعودي، ويوسف بن معالي، والخشوعي، وجماعة. روى عنه الحافظ عبد العظيم (١)، وأخوه أبو الفضل ابن الشيرازي، وآحاد الطلبة. وبالإجازة: أبو المعالي ابن البالسي، وغيره. توفي في ذي القعدة. ٩ - إسماعيل بن محمود الفقيه أبو البركات القزويني الصوفي. ولد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وسمع من أبي الخير القزويني الطالقاني، وولي مشيخة رباط والدة الناصر لدين الله (٢)، وتوفي في جمادى الأولى ببغداد. ١٠ - أعز بن كرم بن محمد بن علي أبو محمد وأبو الشكر الحربي، البزاز ويعرف بابن الإسكاف. شيخ جليل مسند مسن. ولد سنة خمس وخمسين وسمع من يحيى بن ثابت، وأبي الحسين عبد الحق، وعمر بن بنيمان. كتب عنه عمر ابن الحاجب، وقال: لا بأس به. وروى عنه بالإجازة: القاضيان ابن الخويي وتقي الدين الحنبلي، وبهاء الدين ابن البرزالي، وأبو نصر ابن الشيرازي، ومحمد البجدي، وبنت مؤمن، وأبو المعالي ابن البالسي. وتوفي في التاسع والعشرين من صفر. ١١ - جبريل بن محمود بن موسى أبو الأمانة المصري، الحريري (٣). سمع من العلامة عبد الله بن بري، وسعيد المأموني، روى عنه: الحافظان المنذري والدمياطي، وجماعة. وبالإجازة: أبو الفضل ابن البرزالي، وأبو المعالي ابن البالسي، وتوفي في جمادى الآخرة.

стр. 13882

١٢ - حرمي بن موسى بن هلوات، الشيخ الصالح أبو موسى الجذامي الناتلي، الشافعي، الخراط (١). ولد بمصر في سنة تسع وخمسين، وسمع من أبي المفاخر سعيد المأموني. روى عنه: الحافظان المنذري والدمياطي. وناتل: بطن من جذام، وناتل أيضاً في قضاعة، وفي الصدف. أما أبو عبد الله الناتلي فمنسوب إلى ناتل، بليدة بنواحي آمل طبرستان وقد خرج منها جماعة من الفضلاء. توفي في أوائل السنة. ١٣ - الحسن ابن الأجل العالم أبي القاسم عبد الرحمن بن علي بن هبة الله، أبو علي الأنصاري المصري المقرئ المصحفي. شيخ معمر جاوز التسعين، وحدث عن علي بن نصر الأرتاحي. روى عنه الزكي المنذري، وقال (٢): كان مشهوراً بالخير والصلاح والعفة، وكان قارئ المصحف بجامع مصر كوالده. توفي في خامس ربيع الآخر. ١٤ - حمزة بن عمر بن عتيق بن أوس، أبو القاسم الإسكندراني الأنصاري، المالكي، الغزال (٣). حدث عن السلفي. وكان فقيهاً متيقظاً. له حانوت بقيسارية الغزل، وكان دلالاً. كتب عنه عمر ابن الحاجب، وابن الجوهري، وحدث عنه: المجد ابن الحلوانية، والشرف الدمياطي، والضياء عيسى السبتي، والجمال ابن الصابوني، وغيرهم. وتوفي في ثالث ذي الحجة. ١٥ - خديجة بنت الحسن بن علي بن محمد بن يحيى بن عبد العزيز، أم البقاء القرشية الدمشقية.

стр. 13883

كانت صالحة زاهدة قارئة، تحفظ القرآن وتشتغل بالفقه. وهي بنت عم القاضي محيي الدين الزكوي. سمعت من أبي الحسين أحمد ابن الموازيني، وحدثنا عنها بالإجازة أبو المعالي ابن البالسي. وهي عمة والد المعين القرشي المحدث. توفيت في رجب. ١٦ - الخضر بن أحمد بن عبد الله، أبو منصور الحربي. روى عن يحيى بن غالب الحربي، وتوفي في المحرم (١). ١٧ - خليل بن علي بن حسين، أبو النجم الحموي الحنفي، مدرس الزنجيلية التي عند خان الطعم، وقاضي العسكر. ذهب في الرسلية إلى بغداد، وخدم الملك المعظم، وناب في القضاء عن الرفيع الجيلي. لقبه نجم الدين. توفي في ربيع الأول. ١٨ - سلطان بن محمود البعلبكي الزاهد، من أصحاب الشيخ عبد الله اليونيني. كان من كبار أولياء الله. توقت مدةً من مباح جبل لبنان، وله كرامات وأحوال. حكى العماد أحمد بن محمد بن سعد أن الشيخ معالي خادم الشيخ سلطان حدثه أنه سأل الشيخ سلطان، فقال له: يا سيدي، كم مرة رحت إلى مكة في ليلة؟ قال: ثلاث عشرة مرة. قلت: فالشيخ عبد الله اليونيني؟ قال: الشيخ عبد الله لو أراد أن لا يصلي فريضةً إلا في مكة لفعل. وقال الشيخ عبد الدائم بن أحمد بن عبد الدائم: لما أُعطي الشيخ سلطان الحال جاء إليه سائس كردي، فقال: قد عزلت أنا ووليت أنت، وبعد ثلاثة أيام ادفني. قال: فمات بعد ثلاث ودفنه.

стр. 13884

وحكى الشيخ الصالح محمود بن سلطان أن أباه كانت تفتح له أبواب بعلبك بالليل. وقال أبي: إذا كانت لك حاجة تعال إلى قبري، واسأل الله؛ فإنها تقضى. فهذا ما وجدت من أخبار هذا الشيخ، وفي النفس شيء من ثبوت هذه الحكايات. والدعاء عند القبور جائز، لكن في المسجد أفضل، وفي السحر أفضل، ودبر الصلاة أفضل. والصلاة لا تجوز عند القبور الفاضلة. وأما مضي الولي إلى مكة فممكن، لكن ذلك بلطيفته لا بهذا الجسد، فالذي أُسري به ليلاً إلى المسجد الأقصى هو سيد البشر، وذلك كان بجسده ولا يشاركه في ذلك بشر إلا أن يشاء الله. ١٩ - عائشة بنت أبي المظفر محمد بن علي بن نصر بن البل الدوري، الواعظ أمة الحكم (١) الواعظة. سمعت من والدها. وأجاز لها مثل أبي الحسن بن غبرة، والشيخ عبد القادر وابن البطي. روى عنها: المجد ابن الحلوانية وغيره، وبالإجازة: أبو المعالي ابن البالسي. توفيت في خامس وعشرين جمادى الأولى. ٢٠ - عبد الله بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز، أبو الفضل (٢) العباسي المكي ثم البغدادي. من بيت علم وشرف، وهو أخو المحدث جعفر. عاش ستاً وخمسين سنة، وحدث عن عبد المنعم بن كليب (٣). ٢١ - عبد الله بن يوسف، الفقيه أبو محمد الأنصاري الأندلسي. أخذ عن أبي جعفر أحمد بن محمد خطيب قرطبة ورحل فتفقه بمصر، وأخذ عن زاهر بن رستم بمكة، وعن الحافظ ابن المفضل. ومات في جمادى الأولى بالأندلس (٤).

стр. 13885

٢٢ - عبد الحق بن خلف بن عبد الحق، ضياء الدين أبو محمد الدمشقي الصالحي الحنبلي المغسل، إمام مسجد الأرزة الذي بطريق الجسر الأبيض. ولد سنة سبع وأربعين وخمسمائة تقريباً، وسمع من أبي الفهم عبد الرحمن بن أبي العجائز، وأبي الغنائم هبة الله بن محفوظ بن صصرى، وعبد الصمد بن سعد النسوي، وأحمد بن أبي الوفاء، وأبي المعالي بن صابر، وأحمد بن حمزة ابن الموازيني، والفضل ابن البانياسي، وعبد الرزاق النجار، ومحمد بن حمزة بن أبي الصقر، وجماعة. وله مشيخة، وسماعه من ابن أبي الوفاء بحران. روى عنه: الحافظان البرزالي والضياء محمد، وحفيده عز الدين عبد العزيز بن محمد المعدل، وسبطه كمال الدين علي بن أحمد القاضي، وأبو علي ابن الخلال. والمحدث إسماعيل ابن الخباز، والعز أحمد ابن العماد، وآخرون. وبالحضور: القاضي تقي الدين سليمان، والعماد ابن البالسي. قال الضياء: هو دين خير. وقال غيره: هو شيخ معمر صالح، حسن المحاضرة، حلو النادرة. وقال الزكي عبد العظيم (١): هو مشهور بالصلاح والخير، وعجز في آخر عمره عن التصرف، وتوفي في العشرين من شعبان (٢). ٢٢ م- عبد الرحمن بن عبد السلام ابن سكينة الضرير، فيها. ٢٣ - عبد الرحمن بن يونس بن إبراهيم، أبو محمد (٣) الأنصاري، المغربي، التونسي. ولد بتونس سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وقدم الشام فسمع بها من عمر بن طبرزد وكتب بخطه. وكان خيراً، نزهاً، منقبضاً. أقام بدمشق، وكتب عنه: ابن الحاجب، والضياء ابن البالسي. وتوفي في شعبان.

стр. 13886

٢٤ - عبد العزيز، الرفيع الجيلي. قيل: إنه هلك في آخر السنة، وقيل: في أول السنة الآتية. وقد ذكرناه هناك (١). ٢٥ - عبد الغني بن أحمد بن فهد العلثي (٢). سمع ابن كليب، وتوفي في ذي القعدة. ٢٦ - عبد اللطيف بن جوهر بن عبد الرحمن البغدادي، المطرز، الزاهد. كان يطرز، ثم تزهد وتعبد وتصوف، وتكلم في الحقيقة، ورزق القبول التام، وصار له أتباع. توفي في ربيع الأول، وشيعه أمم. ٢٧ - عبد اللطيف بن أبي الفرج محمد بن علي بن حمزة بن فارس، أبو طالب ابن القبيطي (٣)، الحراني ثم البغدادي، التاجر، الجوهري، مسند العراق في وقته. ولد في شعبان سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وسمع من جده أبي الحسن، والشيخ عبد القادر الجيلي، وابن البطي، وأبي زرعة، وأحمد ابن المقرب، وهبة الله بن الحسن الدقاق، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، ويحيى بن ثابت، وأبي بكر ابن النقور، وسعد الله ابن الدجاجي، وعبد الله بن منصور الموصلي، وأبي محمد ابن الخشاب، وشهدة، وجماعة. وروى الكثير، وسمع منه الحفاظ. وكان ديناً، خيراً، حافظاً للقرآن، محباً للرواية. تكاثر عليه الطلبة، وحملوا عنه الكثير. وروى المقامات عن ابن النقور عن الحريري، وروى سنن النسائي بفوت سبعة أجزاء، أول الفوت باب الإحداد في الجزء التاسع عشر إلى باب عفو النساء عن الدم في الجزء الخامس والعشرين. ثم الجزء السابع والعشرين بكماله، عن أبي زرعة. وروى عنه سنن ابن ماجه بفوت نصف جزء أوله من ترجمة (من لبد رأسه)، وآخره (الأضاحي واجبة أم لا)، عن أبي زرعة أيضاً. وروى مسند

стр. 13887

الحميدي عن الباجسرائي، وديوان المتنبي عن ابن الوكيل، وغريب الحديث لأبي عبيد عن عبد الحق، وفصيح ثعلب عن غلام التبريزي، ومغازي الأموي عن عبد الله بن منصور، ومصافحة البرقاني، عن شهدة، وسنن الدارقطني عن عبد الحق، وفضائل القرآن لأبي عبيد عن أبي زرعة. وروى جزء الحفار وتذكرة الحميدي، وأخلاق حملة القرآن للآجري، وجزء ابن مخلد، وجزء البانياسي وأربعة مجالس ابن أبي الفوارس. وروى المستنير في القراءات عن ابن المقرب، عن مؤلفه. وولي مشيخة المستنصرية بعد ابن القطيعي، وعفي من المجيء إليها، فكان يقيم الوظيفة في بيته. روى عنه جمال الدين أبو بكر الشريشي، والعلاء بن بلبان، وتقي الدين بن الواسطي، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، والرشيد محمد بن أبي القاسم، والعماد إسماعيل ابن الطبال، والشيخ شمس الدين محمد ابن العماد، والمجد عبد العزيز ابن الخليلي، والشيخ عبد الساتر بن عبد الحميد، والقطب سنجر النحوي، وأحمد بن عبد الله بن عبد الهادي، ومحمد بن أحمد بن معضاد الصرصري، والإمام أبو محمد عبد الجبار بن عبد الخالق بن عكبر الواعظ. وأخبرنا عنه: أبو بكر ابن البزوري، وأبو الحسن الغرافي، وسنقر القضائي. وتوفي في منتصف جمادى الآخرة. وقد تفرد بالسماع من الشيخ عبد القادر. وإجازته متيسرة لجماعة منهم البجدي، وبنت الواسطي، وابن العماد الكاتب. وقبيط حران: حلاوة تعمل من العسل. قال السيف ابن المجد: شيخ متيقظ، حافظ لأمره، رأيته بأخرة ملازماً لبيته طول الزمان، يخرج إلى الجمعة فقط. وكان يؤثر الخمول، وكان كثير الحكايات، ويتشدد في إعارة كتبه. وقد عمل التجارة إلى مصر والروم

стр. 13888

والشام سنين. ثم تجر ابن امرأته إلى المغرب وذهب ماله وبقي له دويرات فيها كراء. ٢٨ - عبد الملك بن عبد الحق بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي مجد الدين أبو الوفاء (١) ابن الحنبلي الأنصاري، العبادي، السعدي، الشيرازي الأصل، الدمشقي ابن عم الناصح ابن الحنبلي. ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة (٢)، ورحل إلى الإسكندرية، وسمع من السلفي الأربعين وسمع بمكة من المبارك ابن الطباخ، وبدمشق من أبي الحسين ابن الموازيني وأم بمسجد الرماحين مدة. روى عنه الزكي البرزالي في حياته، والمجد ابن الحلوانية، والبدر ابن الخلال، والشهاب بن مشرف، وعبد الرحمن ابن الإسفراييني، وجماعة سواهم وبالحضور العماد ابن البالسي. وتوفي في ثامن (٣) جمادي الآخرة. ٢٩ - عبد الواحد بن عبد الرحمن بن أبي المكارم عبد الواحد بن محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال بن الحسن، العدل، مخلص الدين أبو المكارم الأزدي الدمشقي. ولد سنة خمس وستين، وسمع سنة سبعين من الحافظ أبي القاسم ابن عساكر وسمع من أبي سعد بن أبي عصرون، وأسامة بن منقذ، وابن صدقة الحراني، وغيرهم. وكتب عنه الحفاظ، وحدث عنه: الزكي البرزالي، وابن الحلوانية، ومجد الدين العديمي، وأبو علي ابن الخلال، وأبو الفداء ابن عساكر، والنجم بن صصرى الكاتب، والشرف ابن عساكر، وجماعة سواهم من شيوخنا. وتوفي في الخامس والعشرين من رجب (٤).

стр. 13889

٣٠ - عثمان بن أسعد بن المنجى بن أبي البركات. الأجل عز الدين، أبو عمرو (١)، وأبو الفتح التنوخي، الدمشقي، الحنبلي، والد شيخينا زين الدين المنجى ووجيه الدين محمد، وصدر الدين أسعد واقف المدرسة الصدرية. ولد سنة سبع وستين وخمسمائة. وسمع بمصر من البوصيري، وببغداد من ابن بوش، وعبد الوهاب ابن سكينة. ودرس بالمسمارية نيابةً عن أخيه القاضي شمس الدين عمر. وكان ذا مال وثروة، ويتعانى التجارات والمعاملة. روى عنه المجد ابن الحلوانية، وأبو علي ابن الخلال، وابناه الوجيه وزين الدين. وتوفي في مستهل ذي الحجة. وفيها توفي أخوه كما يأتي. ٣١ - علي (٢) بن إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن، أبو الحسن ابن الفخار الشريشي. شيخ فاضل، عالم. حدث عن، أبي الحسن بن لبال (٣)، وأبي عبد الله ابن الفخار، وأبي محمد بن عبيد الله. روى عنه: أبو عبد الله الأبار (٤). وذكر الشريف عز الدين وفاته في ربيع الأول، وقال (٥): كان مدار الفتوى عليه ببلده. وزاد أنه روى عن أبي عبد الله بن زرقون، وأنه توفي سنة اثنتين وأربعين. ٣٢ - علي بن إسماعيل بن خلف بن سكين (٦)، أبو الحسن الإسكندراني المالكي. سمع من محمد بن عبد الرحمن الحضرمي القاضي. وذكر أنه سمع من السلفي.

стр. 13890

وولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة روى عنه الدمياطي، وقال: توفي في ذي الحجة. ٣٣ - علي بن زيد بن علي بن مفرج أبو الرضا الجذامي السعدي التسارسي (١)، - وتسارس من قرى برقة -، ثم الإسكندراني، المالكي، الخياط، ثم الضرير. ولد سنة ستين وخمسمائة، وسمع من السلفي. وقدم دمشق في شبيبته. سمع منه: عمر ابن الحاجب وقال: كان شاعراً فاضلاً حسن السمت. قلت: روى عنه المجد ابن الحلوانية، والشرف الدمياطي، والضياء السبتي، ونصر الله بن عياش، والتاج الغرافي، وجماعة وقد تفرد بالرواية عنه أبو القاسم بن جماعة بالإسكندرية وروى عنه بالإجازة: أبو المعالي بن البالسي، وغيره. وتوفي في الثامن والعشرين من رمضان. أخبرنا نصر الله، قال: أخبرنا علي بن زيد، قال: أخبرنا السلفي، قال: أخبرنا الفضل بن عبد العزيز قال: حدثنا أحمد بن محمد الأنماطي، قال: أخبرنا أبو بكر الشافعي، قال (٢): حدثنا محمد بن غالب، قال: حدثنا عبد الصمد بن النعمان، قال: حدثنا ورقاء عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه (٣). قال ابن عباس: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام (٤). ٣٤ - علي بن محمد بن علي بن أبي الفرج مهران بن علي بن مهران، الإمام محيي الدين أبو الحسن القرميسيني ثم الإسكندراني، الفقيه الشافعي.

стр. 13891

ولد سنة سبع وستين وخمسمائة. وتفقه على جماعة، وأتقن المذهب ولازم أبا العز مظفر بن عبد الله الشافعي المعروف بالمقترح. وسمع من الإمام: أبي طاهر إسماعيل بن عوف، وعبد العزيز بن فارس الشيباني الطبيب، ومحمد بن محمد الكركنتي. وتأدب وقال الشعر، وولي جامع الشافعية بالثغر، ودرس وأفتى وتخرج به جماعة مع الدين والصيانة. وهو من بيت فضل وتقدم. روى جده عن كتائب الفارقي، وغيره. حدث عنه: الحافظ أبو الحسن ابن المفضل، وكان أبو الفرج من نبلاء التجار المسافرين، كتب عنه السلفي. روى عن المحيي: الحافظان المنذري (١) والدمياطي. وتوفي في الحادي والعشرين من جمادى الأولى. ٣٥ - علي بن أبي الفخار هبة الله بن أبي منصور محمد بن هبة الله بن محمد، الشريف أبو التمام الهاشمي العباسي، من ولد أخي السفاح العباس بن محمد. ولي خطابة جامع فخر الدولة ابن المطلب. وسمع من أبي الفتح ابن البطي، وأبي زرعة، وأحمد ابن المقرب، وسعد الله ابن الدجاجي، وغيرهم. وهو ممن جاوز التسعين، فإنه ولد في أول يوم من عام أحد وخمسين. وحدث عن ابن المادح بنسخة محمد ابن السري - فيما بلغني -، فهو آخر من أدرك ابن المادح. روى عنه: ابن الحلوانية، وأبو القاسم بن بلبان، والتقي ابن الواسطي، وسنقر القضائي الحلبي، وجماعة. وكتب عنه: عمر ابن الحاجب، والقدماء. وقال ابن نقطة (٢): الثناء عليه غير طيب. قلت: قد عاش بعد هذا القول زماناً ولعله انصلح. وقد روى عنه بالإجازة: أبو المعالي ابن البالسي، وأحمد بن سلمان

стр. 13892

الأرزوني، وفاطمة بنت الناصح بن عياش، وهدية بنت عبد الله بن مؤمن، وجماعة سواهم. توفي في ثاني جمادى الآخرة (١). ٣٦ - علي بن يحيى بن أحمد بن عبد العزيز الرئيس زين الدين أبو الحسن ابن السدار الأنصاري، المصري، الكاتب، المنشئ البليغ. ولد بالقاهرة في الدولة العبيدية المصرية (٢) في سنة خمس وخمسين، وخدم في شبيبته. قال الحافظ عبد العظيم (٣): كتب في ديوان الإنشاء للدولة الناصرية والعادلية والكاملية. وهو أخو الوجيه محمد المتوفى قبله (٤). توفي في رابع شعبان. وقد حدث عن: العلامة أبي الطاهر بن عوف. روى عنه: الحافظ عبد العظيم. وأجاز: للعماد ابن البالسي، وأضرابه. ٣٧ - علي بن يحيى بن حسن الواسطي الأديب، أبو الحسن ابن بطريق الشاعر. كان فقيهاً فاضلاً أصولياً، قدم الشام ومدح ملوكها، ثم عاد إلى بغداد. فمن شعره (٥): إجمال من أحببته وجماله … حُلوان لولا هجره ودلاله وعتابه وملامه لمحبّه … مُرّان لولا عطفه ووصاله كم ذا أغضّ على القذا جفن الرّضا … وأقول يا قلبي عسى إقباله وأرى اللّيالي ينقضين وما انقضى … عمري ووجدي وما انقضت أشغاله قلبي الّذي حمل الهوى وشكا الضنى … ما باله لا خففت أثقاله

стр. 13893

قد كان يوعدني التّسلّي عنهم … لكن يوم البين بان مُحاله لو أنّهم رحموه كنت عذرتُهُ … فيهم ولكنّ دأبهم إهماله توفي في عاشر صفر، وهو في عشر السبعين. خدم في ديوان الإنشاء مدة. ٣٨ - علي بن يرنقش. الأمير أبو الحسن شجاع الدين الدمشقي. توفي بالقاهرة في المحرم عن سن عالية. روى عن: أبي الحسن علي ابن الساعاتي شعراً. روى عنه: الزكي المنذري (١)، وسأله عن مولده فقال: بدمشق في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وهو أخو الأمير أبي شامة المسعود. ٣٩ - عمر بن أسعد بن المنجى بن أبي البركات. القاضي شمس الدين أبو الفتح (٢) التنوخي المعري الأصل، الدمشقي، الفقيه الحنبلي، مدرس المسمارية. ولي قضاء حران مدة، وكذا ولي أبوه قضاء حران. وكان عارفاً بالقضايا، بصيراً بالشروط، صدراً نبيلاً. ولد بحران إذ أبوه على قضائها في الدولة النورية، ونشأ بها وتفقه على والده. ثم قدم دمشق معه وسمع من أبي المعالي بن صابر، وأبي سعد بن أبي عصرون، وأبي الفضل ابن الشهرزوري قاضي دمشق، وابن صدقة الحراني، ورحل هو وأخوه عز الدين عثمان فسمعا من يحيى بن بوش، وعبد الوهاب بن سكينة، وعبد الوهاب بن أبي حبة. روى عنه: الحافظ أبو عبد الله البرزالي، ومجد الدين ابن العديم، وسعد الخير ابن النابلسي، وأبو علي ابن الخلال، وجماعة، وبالحضور: أبو المعالي ابن البالسي، وآخر من حدث عنه بنته المعمرة المسندة ست الوزراء. توفي في ثامن عشر ربيع الآخر وله أربع وثمانون سنة.

стр. 13894

٤٠ - فاطمة بنت أبي الفتح، محمد بن محمد ابن المعز الحراني، ثم البغدادي، عين النساء. روت عن: عبد الحق اليوسفي، وعبيد الله الشاتيلي. وتوفيت في تاسع ربيع الأول. روى لنا عنها بالإجازة: الفخر ابن عساكر، وبنت سليمان. ٤١ - قريش بن عبد الله بن نادر، أبو العرب (١) الكتامي المصري المنادي. ولد في بضع وستين. وسمع من: البوصيري، وغيره، روى عنه: الزكي المنذري. ونادر: بالنون (٢). ٤٢ - قيصر (٣) بن فيروز، أبو محمد الرومي ثم البغدادي القطيعي المقرئ البواب. راوي التاريخ الكبير للبخاري، عن عبد الحق اليوسفي. ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وكان شيخاً حسناً، مليح الشكل والبزة. من مسموعه أيضاً كتاب الغرباء للآجري. روى عنه: جمال الدين محمد الشريشي، وتاج الدين علي الغرافي، وغيرهما. وبالإجازة: القاضيان ابن الخوبي وتقي الدين سليمان، وأبو الفضل ابن البرزالي، وأبو المعالي ابن البالسي، وجماعة. وتوفي في الحادي والعشرين من شعبان. ٤٣ - كريمة بنت أبي صادق عبد الحق بن هبة الله بن ظافر بن حمزة القضاعي المصري الشافعي. أم الفضل (٤). شيخة صالحة، وهي أخت محمد. سمعت من: إسماعيل بن قاسم الزيات. روى عنها: الحافظان عبد العظيم (٥) وعبد المؤمن، وجماعة. وبالإجازة:

стр. 13895

أبو المعالي ابن البالسي، وغيره. وتوفيت في منتصف ذي الحجة. وقد حدث أبوها، وجدها. ٤٤ - كريمة، فخر النساء بنت المحدث أبي الوحش عبد الرحمن بن أبي منصور بن نسيم بن الحسين. الدمشقية. سمعت من: الخشوعي، وست الكتبة بنت الطراح. روى عنها: المجد ابن الحلوانية، ولم يحدثنا أحد عنها. توفيت في ثالث عشر ذي الحجة عن نحو خمسين سنة (١). ٤٥ - كريمة بنت المحدث العدل الأمين أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي، الشيخة المعمرة، مسندة الشام، أم الفضل القرشية الزبيرية الدمشقية، بنت الحبقبق. ولدت سنة خمس أو ست وأربعين وخمسمائة. وسمعت أجزاء يسيرة من: أبي يعلى حمزة ابن الحبوبي، وعبد الرحمن بن أبي الحسن الداراني، وحسان بن تميم الزيات، وعلي بن مهدي الهلالي، وعلي بن أحمد الحرستاني - على مقال فيه -. وتفردت في الدنيا بالرواية عنهم. وروت بالإجازة: صحيح البخاري عن أبي الوقت، وهي آخر من روى عنه بالإجازة، وروت أيضاً الكثير كتابةً عن: مسعود الثقفي، وأبي عبد الله الرستمي، وأبي الخير محمد بن أحمد الباغبان، والقاسم بن الفضل الصيدلاني، ورجاء بن حامد المعداني، وعبد الحاكم بن ظفر، ومحمود فورجة، وأبي الفتح ابن البطي، والشيخ عبد القادر الجيلي، وخلق سواهم. وخرج لها الحافظ أبو عبد الله البرزالي مشيخة في ثمانية أجزاء؛ قد تفرد بروايتها عنها الزين إبراهيم ابن الشيرازي. وكانت امرأة صالحةً صينة، جليلة، طويلة الروح إلى الغاية على الطلبة، لا تضجر من التسميع. أخذ عنها حفاظ وأئمة، وحدثت نيفاً وأربعين سنة. روى عنها: الحفاظ شمس الدين ابن خليل، وزكي الدين البرزالي، وضياء الدين المقدسي، وزكي

стр. 13896

الدين المنذري (١)، وشرف الدين ابن النابلسي، وجمال الدين ابن الصابوني، وجمال الدين ابن الظاهري، وعلاء الدين ابن بلبان، وشمس الدين ابن هامل، وخديجة بنت غنيمة، والشرف عمر بن خواجا إمام، والصدر محمد بن حسن الأرموي، وزين الدين عبد الله الفارقي، والتقي ابن مؤمن، وداود بن حمزة، وأخوه القاضي تقي الدين، وست الفخر بنت عبد الرحمن ابن الشيرازي، وبنت عمها ست القضاة، والزين إبراهيم ابن القواس، والشرف عبد المنعم ابن عساكر، وفاطمة بنت سليمان الأنصاري، وعيسى بن عبد الرحمن المطعم، والتاج علي بن أحمد الغرافي، وأبو المحاسن ابن الخرقي، وأبو علي ابن الخلال، ومحمد بن يوسف الذهبي، وخلق كثير، وبالحضور: أبو المعالي ابن البالسي، ومحمد ابن الكركرية، وأبو الفضل ابن البرزالي. وتوفيت ببستانها بالميطور في رابع عشر جمادى الآخرة، ودفنت بسفح قاسيون. وروى الحديث أخواها علي وصفية، وأبوها وعمها الحافظ عمر بن علي القرشي، وابنه عبد الله بن عمر. ٤٦ - محمد (٢) بن أحمد بن علي الفقيه الإمام أبو عبد الله ابن جارة الأزدي الإسكندراني. روى عنه الدمياطي حديثاً عن فتوح بن خلف صاحب السلفي. ٤٧ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الصمد، أبو عبد الله ابن الطرسوسي الحلبي. سمع: أباه، وأبا سعد بن أبي عصرون، وأبا الفتح عمر بن علي الجويني، ويحيى بن محمود الثقفي. وحدث بحلب ودمشق. وكان صالحاً متزهداً منقبضاً. وكان والده من الزهاد الفضلاء. روى عن أبي عبد الله الصاحب أبو المجد ابن العديم، وغيره. وتوفي في المحرم وله سبعون سنة (٣).

стр. 13897

٤٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن خلف. قاضي الجماعة أبو الوليد ابن الحاج التجيبي الأندلسي، القرطبي، المالكي. ذكره الأبار فقال (١): سمع من مشايخ بلده، ودخل بلنسية وسمع من شيخنا أبي الربيع بن سالم، قال: وأجاز له: أبو القاسم بن بشكوال، وأبو بكر ابن الجد، وأبو عبد الله بن زرقون، ونظراؤهم، وولي قضاء قرطبة فحمدت سيرته، وعرف بالفضل ولين الجانب. ثم خرج من قرطبة لدخول الروم - لعنهم الله - إليها فولي قضاء إشبيلية، وقد حدث، وأخذ عنه، وتوفي بإشبيلية في أوائل جمادى الأولى. قلت: هو جد شيخنا الإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي الوليد ابن الحاج إمام مقصورة المالكية - بارك الله في عمره -. وقال الشريف عز الدين أبو القاسم الحسيني في الوفيات له (٢): إن القاضي أبا الوليد هذا روى عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش، ويحيى بن عبد الرحمن المجريطي، قال: وله مشيخة. وكان يفهم الحديث. توفي هو وابن عمه قاضي غرناطة في عام. ٤٩ - محمد بن أبي جعفر وقيل: ابن جعفر بن يحيى بن محمد ابن أبي فراس الأمير حسام الدين، أبو فراس الحلي. كان بطلاً شجاعاً محترماً ببغداد. ولي نيابة واسط، وحج بالناس خمس عشرة حجة نيابةً واستقلالاً. وكان قد عانده الوزير مؤيد الدين القمي، ففارق الركب العراقي، وقصد الملك الكامل صاحب مصر فأكرم مورده، فلما مات القمي عاد إلى العراق، فأعيد إلى رتبته وزعامته. وتوفي في شوال. وكانت له جنازة مشهودة، وحمل فدفن بمشهد الحسين (٣). ٥٠ - محمد بن الحسين بن علي بن أبي البدر أبو جعفر البغدادي الكاتب.

стр. 13898

أحد من عني بالحديث، وسمع الكثير. وانتقى على جماعة، وسمع من عبد الله بن دهبل بن كاره، وعبد العزيز بن الأخضر، وهذه الطبقة، وله إجازة من أبي منصور بن عبد السلام، وابن كليب، وسمع جزء ابن عرفة من خلق نحو المائتين. وفي حاله مقال (١). ٥١ - محمد بن رومي بن محمد بن رومي بن أحمد بن زنك. أبو عبد الله الغوطي (٢) الحرداني (٣) ثم السقباني (٤). حدث في هذا العام عن الحافظ ابن عساكر بجزء من حديثه، روى عنه: المجد ابن الحلوانية، والبدر ابن الخلال، والعماد ابن البالسي حضوراً له، وكتب عنه ابن الحاجب، والقدماء. ٥٢ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن خلف، أبو الحسن ابن الحاج التجيبي، القرطبي، المالكي ابن عم القاضي أبي الوليد المذكور أنفاً. سمع من أبي العباس المجريطي، وأبي جعفر بن يحيى، وأبي القاسم بن بقي، وأجاز له: أبو محمد بن عبيد الله، وأبو عبد الله بن زرقون، وأبو الوليد يزيد بن بقي، وجماعة. قال الأبار (٥): ولي القضاء بغرناطة وبالجزيرة الخضراء، فحمدت سيرته، وحدث. توفي بمراكش، وله سبع وستون سنة. ٥٣ - محمد بن عبد الملك بن عثمان. شرف الدين أبو عبد الله المقدسي الحنبلي، الصالحي، أخو الزين أحمد. سمع: أبا طاهر الخشوعي، وجماعة. وبأصبهان من عفيفة الفارفانية، وأسعد بن سعيد، والمؤيد بن الإخوة، وجماعة. حدث في هذه السنة بمصر فسمع منه عيسى الحميدي، وعبيد الإسعردي. وسمع منه بغزة كمال الدين ابن العديم، وغيره. حدث عنه: مجد

стр. 13899

الدين ابن الحلوانية، وبيبرس العديمي، وبالإجازة: أبو المعالي ابن البالسي. وروت عنه: مريم أخت المحب حضوراً. ٥٤ - محمد بن عقيل (١) بن عبد الواحد بن أحمد بن حمزة بن كروس (٢). المحتسب جمال الدين، أبو المكارم السلمي الدمشقي. ولد سنة أربع وستين وخمسمائة. وسمع من بهاء الدين القاسم ابن عساكر، وابن حيوس. وكان رئيساً محتشماً قيماً بالحسبة. روى عنه: المجد ابن الحلوانية، وغيره. وحدثنا عنه محمد ابن خطيب بيت الآبار. ومات في سابع عشر شوال. ٥٥ - محمد (٣) بن محمد بن أحمد بن مروان بن فهر أبو الفضل اللخمي عرف بابن أبي نباتة الإشبيلي. روى عن: أبيه القاضي أبي بكر؛ وعن أبي بكر ابن الجد، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي جعفر بن مضاء، وجماعة. قال الأبار (٤): كان صاحب ضبط وتقييد. ثم ورخه بالسنة (٥). ٥٦ - محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن محارب، المحدث أبو عبد الله القيسي الغرناطي ثم الإسكندري. ولد بالإسكندرية سنة سبع وخمسين تقريباً أو قبل ذلك. وقال الأبار (٦): ولد سنة أربع وخمسين. وسمع من: أبي الطاهر إسماعيل بن عوف، والقاضي محمد بن عبد الرحمن الحضرمي، وعبد العزيز بن فارس، وحماد بن هبة الله الحراني، وابن موقى، ومنصور بن خميس، وجماعة. وسمع بمصر من: أبي القاسم البوصيري، وبدمشق من: أبي اليمن الكندي. وببغداد من أبي محمد بن

стр. 13900

الأخضر. ودخل الأندلس قبل ذلك فسمع بمرسية من: أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي جمرة، وبغرناطة من: قاضيها أبي محمد عبد المنعم ابن الفرس، وأبي جعفر أحمد بن علي بن حكم سمع منه الشفا بسماعه لجميعه من القاضي عياض، وسمع من: أبي بكر عبد الله بن طلحة المحاربي، وأجاز له أبو محمد التادلي روايته عن أبي محمد بن عتاب خاصة. وكان يقول: إنه سمع من السلفي الأربعين البلدانية. وكانت له عناية جيدة بالحديث ومعرفة وإتقان. وكتب بخطه، وحصل الأصول. وطال عمره. روى عنه: أبو محمد الدمياطي، وأبو القاسم بن بلبان، والضياء عيسى السبتي، ونصر الله بن عياش السكاكيني، وجماعة. توفي هو وكريمة القرشية في ليلة واحدة (١). حدثني ابن رافع (٢) أن الحافظ عبد الكريم أراه أصل سماع ابن محارب بالأربعين من السلفي. ورأيت بخط ابن عرام الشاذلي أن ابن محارب حدث بالأربعين السلفية في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، بسماعه من الحافظ، فسمعها منه الدمياطي. والتقي عبيد الإسعردي، وعيسى بن يحيى السبتي، وعيسى بن أبي بكر الحميدي. ٥٧ - محمد بن نصر بن قميرة أخو المؤتمن. وله ستون سنة إلا سنة. ٥٨ - محمد بن النفيس بن أبي القاسم، أبو عبد الله الحربي السنكي - بفتح السين والنون. وهو يشتبه بالسبكي -. روى عن: علي بن الحسين بن قنان. ومات في المحرم. ٥٩ - محمد ابن الخطيب أبي طاهر هاشم بن أحمد بن عبد الواحد. الخطيب العالم أبو عبد الرحمن الأسدي، الحلبي، خطيب حلب وابن خطيبها.
следующие страницы →