اللؤلؤي، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد، عن عبيدة، عن علي ﵁، «أن رسول الله ﷺ قال يوم الخندق: حبسونا عن صلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا» (١).
٦١٠ - الدويدار الكبير، هو الملك علاء الدين ألطبرس الظاهري، مولى الخليفة الظاهر.
وكان حظيا لديه، وعالي الرتبة عند المستنصر. زوجه بابنة بدر الدين صاحب الموصل، ووهبه ليلة عرسه مائة ألف دينار، وكان دخله في العام من ملكه وإقطاعه ثلاثمائة ألف دينار.
وكان كريما حسن السيرة. دفن في مشهد موسى الكاظم، ورثته الشعراء.
أرخه ابن الساعي.
٦١١ - سعيد بن خالد بن أبي عبد الله، محمد بن نصر بن صغير، أبو المكارم المخزومي، الخالدي، الحلبي، ابن القيسراني، نجم الدين.
ولد سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وسمع بحلب من عمر بن طبرزد، وحدث.
وقد وزر أبوه الصاحب موفق الدين أبو البقاء لنور الدين محمود بن زنكي، وسيره رسولا إلى مصر، فسمع بها من عبد الله بن رفاعة السعدي، وكان يكتب على طريقة ابن البواب.
وأما أبو عبد الله، فهو الشاعر المشهور، ذكره ابن عساكر في تاريخه (٢) وروى عنه.
توفي النجم بدمشق في صفر (٣).
стр. 14142
وهو عم شيخنا فتح الدين.
٦١٢ - سليمان بن محمد بن سليمان بن علي بن شبيل العلامة البارع جمال الدين، أبو الربيع المذحجي، اليمني النحوي.
ولد بخلة، وهي قرية من قبلي عدن، في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتوفي في المحرم بمدينة الفيوم، وكان من كبار النحاة. تخرج به جماعة. قاله الشريف عز الدين (١).
٦١٣ - عبد القادر بن حسان بن رافع بن سمير بن ثابت، الخطيب شرف الدين أبو محمد العامري، الدمشقي، الشافعي، العدل، خطيب المصلى.
ولد سنة ثلاث وثمانين (٢)، وسمع من: الخشوعي، والقاسم ابن عساكر، ومحمد ابن الخصيب، وابن طبرزد، وجماعة.
روى عنه: زين الدين الفارقي، وشرف الدين الدمياطي، والبدر ابن الخلال، والعماد ابن البالسي، وجماعة.
وكان عدلا دينا فصيحا. خطب بالمصلى مدةً.
وقيل: مات مسقوط العدالة لأمر حدث منه، فالله أعلم.
ومات في أول رجب.
٦١٤ - عبد الواحد ابن خطيب زملكا، العلامة البارع كمال الدين.
قيل: مات في سادس عشر ذي الحجة من السنة، وورخه أبو شامة في الآتية في المحرم (٣).
وعاش نيفا عن ستين سنة.
وكان طويلا كبير اللحية، يلبس قصيرا.
٦١٥ - عبد الوهاب بن يوسف بن محمد بن خلف الفقيه أبو محمد ابن الفقيه أبي الحجاج، الأنصاري، القصري، المغربي، المالكي الفقيه القدوة، المعروف بابن رشيق، بالتصغير (٤).
стр. 14143
شيخ عالم، صالح، خير، ذو مروءة وفتوة وتعفف وفقر.
حمل عن أبيه الراوي عن عياض، وأبي بكر ابن العربي، وعن عبد الجليل القصري مصنف شعب الإيمان، وتصدر بالجامع العتيق بمصر.
كتب عنه الرشيد العطار حكاية.
ومات ليلة عيد الفطر عن ثلاث وستين سنة.
وأما محمد بن أبي بكر بن رشيق - بالضم والخفة - وأخوه حسين، فسمع منهما الدمياطي أربعي القشيري بسماعهما من ابن أبي المجد الحربي.
وحدثني أبو عبد الله سبط ابن رشيق أن جده الزاهد عبد الوهاب بقي أياما عديدة على وضوء واحد واشتهر هذا.
وحدثنا أبو عبد الله عن أمه أن أباها قال لهم ليلة عيد الفطر: أنا مثل الليلة أموت، قالت: فصام رمضان كله في العام الآتي، وجلس اليوم الأخير منه يسبح ويذكر الله، ثم بقي فى آخر النهار يقول لي: انظري هل غابت الشمس. فكنت أخرج وأعود فأقول: لا، ما غابت. فلما غابت توفي في الحال، ﵀ ورضي عنه (١).
٦١٦ - علي بن محمد بن عبد الله بن الجهم، الفقيه أبو الحسين القرشي، الجعفري، البصروي، نزيل القاهرة.
توفي في شعبان، وقد شاخ وكمل التسعين (٢).
سمع من: العلامة عبد الله بن بري، وأبي الفضل الغزنوي.
٦١٧ - محمد بن جبريل بن أبي الفوارس بن جبريل. أبو عبد الله الدربندي، الصوفي، عماد الدين المصري.
روى عن: عبد الخالق بن فيروز، وعنه: الدمياطي، وغيره.
стр. 14144
توفي في ذي القعدة (١).
٦١٨ - محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن ظفر، القاضي شمس الدين، أبو عبد الله العلوي، الحسيني، الأرموي، ثم المصري، الشافعي، المعروف بقاضي العسكر.
ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتفقه على شيخ الشيوخ صدر الدين أبي الحسن بن حمويه وصحبه مدةً. وسمع من: فاطمة بنت سعد الخير.
ودرس بمدرسة ابن زين التجار بمصر. وولي نقابة السادة، وقضاء العسكر. وذهب في الرسلية إلى العراق.
وكان من كبار الأئمة، وصدور الديار المصرية، وله يد طولى في الأصول والنظر.
توفي في ثالث عشر شوال (٢).
وكان مولده بأرمية.
روى عنه: الدمياطي، وغيره.
٦١٩ - محمد (٣) بن سعد بن عبد الله بن سعد بن مفلح بن هبة الله بن نمير، المولى العالم شمس الدين أبو عبد الله الأنصاري، المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي، الحنبلي، الكاتب الأديب.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وسمع من: أبي الحسين أحمد ابن الموازيني، ويحيى الثقفي، وعبد الرحمن بن علي الخرقي، وابن صدقة الحراني، وإسماعيل الجنزوي، وجماعة. وأجاز له: عبيد الله بن شاتيل، وأحمد بن ينال الترك، والحافظ أبو موسى المديني، وأبو السعادات نصر الله بن عبد الرحمن القزاز، وآخرون.
وكان أديبًا بليغًا، وشاعرًا محسنًا، وكاتبًا منشئًا، يرجع إلى دين وصلاح وصيانة ورياسة. كتب الإنشاء للملك الصالح عماد الدين.
стр. 14145
وطال عمره، وروى الكثير، وكتب عنه القدماء كالحافظ ضياء الدين، وأبي الفتح ابن الحاجب.
وروى عنه: مجد الدين ابن العديم، وشرف الدين الدمياطي، والقاضي تقي الدين سليمان، والفخر ابن عساكر، والشرف ابن خطيب بيت الآبار، والعفيف إسحاق الآمدي، والفقيه علي بن عبد الحميد الفندقي (١)، وسعد الدين يحيى بن محمد ولده، وطائفة سواهم.
وتوفي بسفح قاسيون في ثاني شوال.
٦٢٠ - محمد بن علي بن عبد الله بن أبي السهل أبو الفضل الواسطي، ثم البغدادي، المقرئ، الخياط.
شيخ صالح، خير. ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، وسمع: أبا الفتح محمد بن يحيى بن مواهب البرداني، وعبيد الله بن شاتيل، والفقيه أبا الخير أحمد بن إسماعيل القزويني، وغيرهم.
روى عنه: قطب الدين محمد ابن القسطلاني، وشرف الدين الدمياطي، والشيخ محمد بن محمد الكنجي، وداود بن أبي نصر البغدادي، وبيبرس العديمي، وآخرون، وأجاز لجماعة في الأحياء، وتوفي في منتصف المحرم (٢).
قال الدمياطي: قرأت عليه كتاب أسباب النزول للواحدي، وكتاب غريب الحديث لأبي عبيد.
٦٢١ - محمد بن علي بن محمود ابن حسام الدين طريف بن رسلان، جمال الدين أبو عبد الله ابن العسقلاني، المصري ثم الدمشقي، الحنفي الضرير.
ولد بمصر في سنة نيف وسبعين وخمسمائة، وسمع بنيسابور من منصور الفراوي، والمؤيد الطوسي، وزينب الشعرية.
وحج غير مرة، ودخل إلى ما وراء النهر في طلب الفقه والرواية، وكان فقيهًا فاضلًا، دينًا، خيرًا.
روى عنه: الشيخ تاج الدين عبد الرحمن، وأخوه، وزين الدين الفارقي،
стр. 14146
وشرف الدين الدمياطي، والفخر ابن عساكر، ومحمد بن محمد الكنجي، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وجماعة كثيرة.
وتوفي في ثالث شعبان (١).
٦٢٢ - محمد بن غلبون، بن محمد بن عبد العزيز بن غلبون، أبو بكر الأنصاري، المرسي.
سمع من: أبيه، وجماعة، وأجاز له: أبو عبد الله بن زرقون، وأبو القاسم بن حبيش، ومن المشرق: المحدث عبد الرزاق ابن الشيخ عبد القادر الجيلي، وعبد الواحد بن سلطان المقرئ.
ذكره الأبار (٢) فقال: كان ذا عناية بالرواية والفقه، مشاركًا في فنون. واختل قبل وفاته، وبيعت أكثر أصوله وهو لا يشعر، وتوفي في شعبان. وقد أخذت عنه سنة ست وثلاثين، يعني: وهو في العافية.
٦٢٣ - محمد بن محمد بن سعد الله بن رمضان بن إبراهيم، الفقيه تاج الدين، أبو عبد الله ابن الوزان الحلبي، ثم الدمشقي، الحنفي.
ولد بحلب سنة ثمان وستين وخمسمائة، وسمع بمصر من أبي القاسم البوصيري، وفاطمة بنت سعد الخير، وأبي الحسن بن نجا الواعظ، والأرتاحي، وجماعة، وبالإسكندرية من عبد الرحمن بن موقى، وبدمشق من حنبل، وغيره.
ودرس بالمدرسة الأسدية بظاهر دمشق على الشرف القبلي، وولي نظر المارستان مرةً، وكان عدلًا متميزًا فاضلًا.
روى عنه: الدمياطي، والكنجي، وبهاء الدين محمد ابن سني الدولة الشاهد، وأخوه أحمد الجندي، وأبو المعالي ابن البالسي، وجماعة.
وتوفي في ثامن عشر المحرم (٣).
٦٢٤ - محمد بن محمد بن يحيى بن الحسن بن حكيم، أبو الحسن الحراني، ثم الحلبي.
стр. 14147
ولد سنة ست وستين وخمسمائة ببغداد، وسمع من: لاحق بن قندرة (١)، وأبي القاسم بن شدقيني، وعبد الله بن دهبل، وابن طبرزد، وغيرهم.
روى عنه: القاضي مجد الدين العديمي، والحافظ شرف الدين التوني، وغيرهما.
وكان شيخًا صالحًا زاهدًا. سمع جميع المسند للإمام أحمد على ابن قندرة.
ويقال: إنه من ولد ثابت بن قرة الصابي.
توفي في المحرم بحلب (٢).
٦٢٥ - محمد بن محمود بن عبد الله بن محمد بن يوسف أبو عبد الله ابن الملثم المصري، العادلي.
ولد سنة تسع وسبعين. وكان من أولاد طلبة العلم، فسمعه أبوه الكثير من البوصيري، والأرتاحي، وعبد الخالق بن فيروز، وفاطمة بنت سعد الخير، وجماعة، روى عنه: الدمياطي، وابن الحلوانية، وتوفي ليلة عيد النحر (٣).
وهو أخو فاطمة.
٦٢٦ - محمد بن المؤيد بن عبد الله بن علي بن محمد بن حمويه الشيخ سعد الدين أبو إبراهيم الجويني، الصوفي.
كان صاحب رياضات وأحوال، وله كلام في التصوف على طريقة أهل الوحدة، وكان قد حج وأقام بقاسيون يتأله ويتعبد مدةً في زاوية لهم ومعه جماعة من الصوفية، ولهم سمت وجلالة وتعفف. فلما ضاق به الحال رجع إلى بلاد خراسان، واجتمع به جماعة من أمراء التتار، وأسلم على يده غير واحد منهم. وبنى بآمل خانكاه، ورزق القبول التام. ثم زار قبر جدهم القدوة الكبير محمد بن حمويه الجويني ببحير آباد من أعمال جوين فأقام عنده أسبوعًا وعبر إلى الله تعالى (٤).
стр. 14148
وهو والد شيخنا صدر الدين إبراهيم الذي أسلم على يده قازان.
وقد توفي والده الشيخ معين الدين أبو المفاخر المؤيد سنة خمس وستمائة.
٦٢٧ - محمد بن أبي المعالي بن جعفر بن علي، أبو عبد الله الأنصاري، البعلبكي، ثم الدمشقي الحنبلي التاجر.
ولد سنة أربع وثمانين، وسمع من: الخشوعي، وحنبل. روى عنه: الدمياطي، وابن الحلوانية، والقاضي جلال الدين عبد المنعم، والفخر عبد الله ابن المراكشي، وغيرهم. وتوفي في نصف ربيع الأول.
لقبه عماد الدين، ويقال له: ابن معالي أيضا (١).
٦٢٨ - موسى بن زكريا بن إبراهيم، صدر الدين أبو عمران الحصكفي، الفقيه الحنفي، قاضي آمد.
قدم حلب رسولًا. وحدث بالقاهرة وبها توفي في صفر وله سبعون سنة (٢).
روى شيئًا عن الافتخار الهاشمي، وعنه الدمياطي.
٦٢٩ - موسى بن أبي الفتح محمود بن أحمد بن علي بن أحمد، سعد الدين ابن الصابوني، المحمودي، الصوفي (٣).
ولد لأبيه بديار مصر قبل الثمانين وخمسمائة، وروى شيئًا بالإجازة عن والده، وتوفي في رمضان، وقد جاوز السبعين (٤).
٦٣٠ - نصر الله بن أبي العز هبة الله بن أبي محمد بن عبد الباقي، فخر القضاة أبو الفتح ابن بصاقة الغفاري المصري الحنفي الكاتب الناصري الأديب.
شاعر مفلق بديع النظم.
стр. 14149
ذكره ابن النجار فقال (١): كان خصيصًا بالملك المعظم ثم بابنه داود، وقدم معه بغداد. وكتبنا عنه من شعره، ولد بقوص سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
قلت: روى عنه الشهاب القوصي في معجمه شيئًا كثيرًا من شعره.
ومات في ثامن جمادى الآخرة بدمشق.
ومن شعره لغزًا:
وحاملة محمولة غير أنّها .... إذا حملت ألقت ليوم جنينها
منعّمة لم ترض خدمة نفسها … فغلمانها من حولها يخدمونها
لها جسد ما بين روحين يغتدي … ولولاهما كان الترّهّب دينها
وقد شبّهت بالعرش في أنّ تحتها … ثمانية من فوقهم يحملونها
٦٣١ - هبة الله بن أبي الجود حاتم بن عبد الجليل بن عبد الجبار بن حسن سديد الدين، أبو القاسم الأنصاري المصري الكاتب الأديب.
ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وسمع من: البوصيري، وإسماعيل بن ياسين، والقاسم ابن عساكر، والعماد الكاتب، وجماعة، وتقلب في الخدم الديوانية.
روى عنه الدمياطي وغيره.
توفي في جمادى الآخرة (٢).
٦٣٢ - هبة الله بن محمد بن الحسين بن مفرج بن حاتم بن حسن بن جعفر، جمال الدين أبو البركات، المقدسي الأصل، الإسكندراني الشافعي المعروف بابن الواعظ.
شيخ فاضل جليل من عدول الثغر، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، وروى عن: السلفي، وعن عبد الرحمن بن موقى. روى عنه: الحافظان عبد العظيم المنذري، وعبد المؤمن الدمياطي، وقالا: مات في ثامن صفر (٣)، وقال المنذري: سماعه حضور.
стр. 14150
قلت: وروى عنه بالإجازة: أبو المعالي ابن البالسي، وغيره، وبالسماع أيضًا: مجد الدين ابن العديم، وقبله التقي اليلداني، وأحمد بن عبد الكريم ابن الأغلاقي.
٦٣٣ - يحيى (١) بن أبي السعود نصر بن أبي القاسم بن أبي الحسن بن قميرة، مؤتمن الدين أبو القاسم التميمي الحنظلي اليربوعي الأزجي التاجر السفار.
أسند من بقي في العراق، ولد سنة خمس وستين وخمسمائة، وسمع من: شهدة، وتجني الوهبانية، وعبد الحق اليوسفي، ومحمد بن بدر الشيحي، والحسن بن شيرويه، وحدث ببغداد ودمشق ومصر وحلب في تجارته، وأكثر عنه الخلق. وهو آخر من سمع في الدنيا من هؤلاء الخمسة.
روى عنه: الحافظ محب الدين ابن النجار، ومجد الدين ابن الحلوانية، والحافظان ابن الظاهري والدمياطي، والقاضي تقي الدين سليمان، وأبو بكر الدشتي، والبهاء أيوب ابن النحاس، وأخوه إسحاق، وبيبرس العديمي، والعماد ابن البالسي، وإبراهيم ابن التقي بن أبي اليسر، وعلي بن جعفر المؤذن، والشيخ عبد الرحمن ابن المقير، وعبد الله ابن الشيخ شمس الدين، ومحمد ابن الصلاح موسى، والتقي عبد الله بن تمام، وخلق سواهم.
توفي في السابع والعشرين من جمادى الأولى ببغداد، وله خمس وثمانون سنة (٢).
٦٣٤ - أبو بكر بن سعد الله بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني الحموي الشافعي.
شيخ صالح خير، روى عن عمه أبي الفتح نصر الله بن جماعة.
وهو من بيت الدين والصلاح.
توفي في شعبان بحماة (٣).
وهو عم قاضي القضاة بدر الدين.
стр. 14151
وفيها ولد:
الشيخ القدوة محمد بن عمر ابن الزاهد أبي بكر بن قوام البالسي، ومعين الدين أبو بكر بن عبد اللطيف ابن المغيزل، خطيب حماة، وعفيف الدين محمد ابن المجد عبد الله بن الحسين الإربلي، يوم عاشوراء بحلب، وشاكر ابن تقي الدين بن أبي اليسر، وعمر بن أحمد بن عبد الرحمن بن مؤمن، وقوام الدين حسن بن محمد ابن الطراح، وشهاب الدين أحمد بن محمد بن سلمان بن حمائل الكاتب ابن غانم، والشيخ محمد بن نصير بن صالح المصري المقرئ، تقريبًا، وشمس الدين محمد بن عمر بن أحمد بن عبد الدائم، المقرئ الضرير، والمعلم محمد بن مظفر الصالحي المهندس، والشيخ محمد ابن المحب عبد الله، في ثاني عشر ربيع الأول، والشهاب أحمد بن كندي بن عمر، ولد في جمادى، وناصر الدين محمد ابن الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبري، والزين علي بن مرزوق السلامي، بها، ومحمد بن يوسف بن عبد الله بن رجاء البواب، وآقوش مولى شبل الدولة، بماردين، وعبد العزيز ابن التاج، ومحمد بن إبراهيم بواب الزكاة، والشيخ إبراهيم ابن القرشية، وعلي بن يونس المؤدب، والشيخ محمد بن عيسى المجلد، والتقي حمزة ابن المجدلي، وإسحاق بن إبراهيم ابن الوزيري.
стр. 14152
ذكر شيوخ كانوا في حدود الأربعين وبعدها
٦٣٥ - إلياس بن الأنجب بن يحيى بن عباس، أبو عبد الله البغدادي ابن الكيلاني الغراد ثم التاجر.
قال ابن النجار: شيخ صالح، وجدنا سماعه في أجزاء من الحلية على ابن البطي، مولده في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
قلت: أجاز لابن الشيرازي، ولمحمد البجدي، وبنت مؤمن وجماعة، أجاز لهم في سنة أربعين وستمائة.
٦٣٦ - بركة بن الأعز بن أبي الحسن بن بركة أبو الحسن البغدادي، الرفاء، المؤذن.
سمع بإفادة مؤدبه شيئًا من المبارك بن خضير، وهو شيخ صالح أجاز لابن الشيرازي، وسعد الدين والبجدي، وفقهاء بنت الواسطي، وجماعة.
٦٣٧ - حرة بنت عبد الوهاب بن بزغش، أمة الوهاب.
سمعها أبوها من: عبد الله بن أحمد السراج، وخمارتاش الرؤسائي.
ومن مروياتها كتاب: يوم وليلة لابن شبيب المعمري، سمعته من السراج سنة سبع وسبعين، وهو مجلد.
أجازت لابن الشيرازي، والمطعم، والبجدي، وبنت مؤمن، وجماعة.
٦٣٨ - ست النعم بنت عبد المحسن بن بريك بن عبد المحسن الأزجية.
سمعت سنة سبعين من أبيها جزءًا عن أُبي النرسي. أجازت للمطعم، وسعد الدين، والبجدي، وبنت الواسطي، وجماعة.
٦٣٩ - صلف (١) بنت قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد ابن الثقفي.
سمعت من ابن شاتيل، أجازت: لسعد، والبجدي، وبنت الواسطي، وبنت مؤمن، وطائفة.
٦٤٠ - طلعة بنت راشد بن عبد الله بن سليمان البقال الأزجي.
стр. 14153
سمعت حضورًا سنة سبعين من عبد الحق اليوسفي. أجازت لابن الشيرازي، والمطعم، والبجدي، وهدية بنت مؤمن، وجماعة.
٦٤١ - عبد الله بن عبد الملك بن مظفر بن غالب أبو محمد الحربي.
سمعه أبوه في سنة تسع وسبعين من ابن شاتيل كتاب الشكر لابن أبي الدنيا. أجاز لسعد، والبجدي، وبنت الواسطي، وجماعة.
قال ابن النجار: هو صالح لا بأس به.
٦٤٢ - عبد الرحمن بن عبد الله بن بختيار بن علي، أبو محمد الهمامي، الصوفي. والهمامية من أعمال واسط.
سكن بغداد، وسمع من أبي الحسين عبد الحق.
قال ابن النجار: شيخ صالح حسن الطريقة، وهو الآن حي، وقد قارب الثمانين.
قلت: أجاز لابن الشيرازي، ومحمد البجدي، وجماعة.
٦٤٣ - عبد اللطيف بن أحمد بن مكي، أبو طالب التميمي البغدادي.
سمع بعض مشيخة الفسوي من أبي السعادات القزاز. أجاز للمطعم، وسعد، والبجدي، وبنت المحب، وجماعة.
٦٤٤ - عبد الملك بن المبارك بن أبي القاسم بن قيبا، أبو منصور السقلاطوني.
شيخ لا بأس به، مقل. ولد سنة سبع وخمسين. وسمع من يحيى بن ثابت، وغيره.
أجاز لابن عساكر، وابن الشيرازي، والبجدي، وبنت الواسطي، وطائفة.
٦٤٥ - عقيل بن محمد بن يحيى بن مواهب بن إسرائيل، أبو الفتوح البرداني الخباز.
سمع: أباه، وابن شاتيل، والقزاز، وأبا محمد ابن السراج.
قال ابن النجار (١): صحيح السماع، لا بأس به.
أجاز لابن الشيرازي، ومحمد البجدي، وجماعة.
стр. 14154
٦٤٦ - محمد بن محمود بن أبي طاهر بن معالي، أبو عبد الله ابن النجاد البغدادي.
سمع جزء الجرادي من أبي شاكر السقلاطوني، أجاز للمطعم، وسعد، والبجدي، وبنت مؤمن، وجماعة.
فمن حديثه: أخبرنا أبو شاكر، قال: أخبرنا محمد بن المختار، قال: أخبرنا علي بن عمر البرمكي، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن علي ابن الجرادي (١) الكاتب، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن شجاع، فذكر حديثًا.
قال ابن النجار: هذا الشيخ هو ممن لا يفرح بمثله.
٦٤٧ - المبارك بن محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن علي بن الحسن ابن المسلمة، الصاحب أبو الفتوح ابن الوزير، وجدهم علي هو رئيس الرؤساء.
كان أبو الفتوح بقية بيته، ولي أعمالا جليلة، وبنى رباطا للصوفية، وله صدقات وبر. وكان لازما لبيته، مشتغلا بنفسه.
سمع من: يحيى بن ثابت، وتجني الوهبانية.
قال ابن النجار: وذكر لي أنه ولد في تاسع رجب سنة ستين وخمسمائة.
قلت: وقد أجاز في سنة أربعين، وقبل ذلك، لابن الشيرازي، ولمحمد البجدي، وأبي بكر بن عبد الدائم.
مات سنة خمس (٢).
٦٤٨ - يحيى بن علي بن علي بن عنان، أبو الحسن الغنوي البغدادي، ويعرف بابن البقال، الحنبلي الفرضي، أحد الأئمة.
سمع أبا الفتح بن شاتيل، ومن بعده فأكثر. ثم ترك العلم وعالج الديوان.
ولد سنة إحدى وسبعين.
أجاز لابن الشيرازي، وابن سعد، والبجدي، وبنت مؤمن، وبنت الواسطي، وجماعة.
стр. 14155
٦٤٩ - أبو محمد بن أبي القاسم ابن الأشرف العباسي المتوكلي.
سمع من أبي شاكر السقلاطوني، سمع منه ابن النجار، وأجاز لابن سعد، وللبجدي، وجماعة.
٦٥٠ - محمد بن علي بن عبد الصمد بن الهني بن أحمد الإمام أبو منصور البغدادي المقرئ الخياط البواب، من كبار القراء ببغداد.
سمع من: ابن طبرزد، وابن منينا، وابن الأخضر، ورحل فأخذ عن الكندي، وابن الحرستاني، وعدة. وقرأ على أصحاب أبي الكرم الشهرزوري، فتلا بطرق المصباح على الشيخ عبد العزيز ابن الناقد. وتلا على أبي الكرم.
وقرأ عليه بالسبع الموفق عبد الله بن مظفر البعقوبي، وغيره. روى عنه: ابن الحلوانية، والدمياطي، وعلي بن ممدود البندنيجي، وغيرهم.
ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وبقي إلى قريب الخمسين بل إلى سنة خمس وخمسين، وحدث فيها (١).
٦٥١ - المبارك بن محمد بن مزيد الخواص أبو الحسن البغدادي، الحنفي.
سمع بعض مشيخة الفسوي من أبي السعادات القزاز، وسمع من: ابن كليب، وعبد الغني بن أبي العلاء الهمذاني. سمع من: عبد الغني جميع مسند العدني، قال: أخبرنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي.
روى عنه: الدمياطي، ومحمد بن محمد الكنجي، وجماعة، وأجاز لطائفة من كهول شيوخنا.
ولم أظفر بوفاته.
٦٥٢ - يحيى بن عباس أبو زكريا القيسي، القسنطيني المحدث.
له رحلة إلى الأندلس، فأخذ عن أبي عبد الله بن نوح، وأبي الخطاب بن واجب، والحسين بن زلال، وطائفة.
أجاز لأبي جعفر بن الزبير برنامجه في سنة تسع وأربعين.
(آخر الطبقة والحمد لله).
стр. 14156
الطبقة السادسة والستون
(٦٥١ - ٦٦٠ هـ)
стр. 14157
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الحوادث)
فصل
وقد انقرض في هذه الطَّبَقة السّادسة والسّتّين خلْقٌ من العلماء والأعيان ورواة الآثار، منهم طائفة بالأندلس والمغرب لم تبلغنا أخبارهم، وطائفة بالمشرق وخراسان، وخلقٌ ببغداد ذهبوا تحت السّيف في سنة ستِّ وخمسين، كالخليفة وأُمرائه وحَشَمه، وطائفة من شيوخ الدّمياطيّ وابن القسطلاني منهم أربعة أو أكثر من أصحاب أبي الفتح ابن شاتيل، وأبي السّعادات القزّاز، وعدّة من أصحاب ابن كُليب، وابن الجَوْزيّ. وكذا راح في أخذ حلب جماعةٌ من شَرْطِنا تحت السّيف كَتَبنا أكثرهم، رحم الله الجميع.
وهذه نُبذة ممّا جرى في هذه الطّبقة من الحوادث.
حوادث سنة إحدى وخمسين وستمائة
استهلَّّت وسلطان مصر الملك الأشرف ابن صلاح الدّين ابن أقْسِيس وأتابكه الملك المُعِزّ أيْبَك، وسلطان الشَّام إلا اليسير الملك النّاصر يوسف.
وفيها رجع الباذرائيّ ونظام الدّين ابن المَوْلى من القاهرة بخلاص الذين أسرتهم البحريّة في وقعة الصَّالحية بآخر الرمل في سنة ثمانٍ وأربعين. وهم الملك المعظَّم تورانشاه ابن السّلطان صلاح الدّين، وأخوه النُّصرة، والملك الأشرف ابن صاحب حمص، وأولاد الملك الصّالح إسماعيل، وشهاب الدّين القَيمُري.
وفي آخرها، وقيل في الآتية، قدِمتْ ابنة السلطان علاء الدّين من الروم على زوجها السلطان الملك الناصر، وفي خدمتها شوباشيّ (١) معه خمسمائة
стр. 14158
فارس، وجهازها وثقلها على ألف جمل، ومحفّتُها بأطلس مُكلّلة بالجوهر والذَّهب، فبُسِط البُسُط بين يدي دابّتها، وكان يومًا مشهودًا، وعُمل لها عرسٌ لم يسمع بمثله من الأعمار بدمشق. وهي بنت ابنة السلطان العادل.
وفيها تقرّر الصُّلح بين المصريين والملك الناصر على أن تكون للمصريّين غزَّة، والقدس، وحلفوا على ذلك. وقُطع بمصر خُبز الأمير حسام الدّين بن أبي عليّ، فاستأذن في المُضيّ إلى الشَّام، فأُذن له، فقدم على النّاصر فاحترمه وأعطاه خبزًا جليلًا.
وعظُم الفارس أقطاي الجَمدار بمصر، وصار يركب بشاويش وعَظَمة، والتفَّت عليه البحرية والجَمْداريَّة، وكانوا في نيَّة سلطنته. ونزل ركن الدّين بيْبرس البُندقداري ببعض دار الوزارة، وصار من كبار أمراء الدولة، وكذلك سيف الدّين بلبان الرَّشِيديّ، وشمس الدّين سُنْقر الرُّومي، وشمس الدّين سُنْقُر الأشقر، وعز الدّين الأفرم، وهم من حزب الفارس. والملك المعز خائف من ثورتهم، وكانت النّاصرية والعزيزيّة من حزبه، فأخذوا في الحيلة على إهلاك الفارس، وكانت الوقعة الجمعة.
وخرج من دمشق ركْب عظيم وسبيل كبير، ولكن كان الغلاء بمكة شديدا، أبيع شربة الماء بدرهم، والشّاة بأربعين درهمًا. ومضوا وردّوا على تيماء.
وفيها جهز طاغية المغْل إلى بلاد ما وراء النهر أخاه هولاكو، فسار من قُراقرم في جيش كثيف، فبادر أرغوان إلى خدمته فأقره على خُراسان.
وفيها سار طائفة من عسكر الملك الناصر فنزلوا على عكّا، ثم ملكوا كرْدانة وأحرقوا الطواحين، وساقوا إلى صيدا فأخذوها بالسّيف فهرب أهلها إلى قلعتها.
وفيها خرّبوا قلعة الجيزة.
وفيها منعوا الوعّاظ بالقاهرة من الوعظ لكون العماد الواعظ قال على المنبر: خلق الله آدم بيده. وأشار إلى يده، فعزروه وعزموا على عقد مجلس له فلم يتّفق.
وفيها نزح خلق من الجند من بغداد إلى الشام لقطع أرزاقهم.
стр. 14159
سنة اثنتين وخمسين وستمائة
وفيها أقطع الملك المعز لأَيْدغْدي العزيزيّ دمياط فوق خبزه.
وفيها جاءت الأخبار أن نارًا ظهرت في أرض عدن بجبالها، وكان يطير شررُها في الليل إلى البحر ويصعد منها دُخان عظيم في النهار. وخاف أهل اليمن وتاب بعضهم.
وفيها ظهر بالمغرب خارجيّ وتسمَّى المستنصر بالله، وأظهر العدل، واستولى على إفريقية، وبنى برجا وكان يجلس فيه، وكان يجلس تحته القاضي، والوزير، والمحتسب، والوالي، يقضون أمور النّاس بحيث يراهم ويسمعهم.
وفيها رجع الشّريف المُرتضى الحلبيّ من الروم، وأحضر معه ابنة ملك الروم علاء الدّين كيقُباذ، وأمها ابنة السلطان الملك العادل، وقد تزوجها الملك النّاصر، فعمل عرسه عليها بدمشق، وعُملت القِباب، ولعب الجيش، واحتفلوا للعرس احتفالا عظيمًا (١).
وفيها توجه الفارس أقطايا (٢) إلى الصّعيد ثانيًا فقَتل ونهب وعَسَف، ولما رجع قُتل بقلعة الجبل، وهرب حزبه من البحرية، ومن قعد منهم قَبض عليه المُعزّ وأودعهم السّجن. وركبت العزيزيَّة ونهبوا دور البحرية. وأبطل المُعزّ يومئذ اسم الملك الأشرف، وأنزله إلى عمّاته القُطبيات. وركب الملك المُعزّ في دست السلطنة.
وقدِم البحرية على صاحب الشّام ورأسهم سيف الدّين بَلبَان الرّشيديّ، ورُكن الدّين بيبرس البُندقداري، فبالغ في إكرامهم بالعطاء والخِلع، فلزّوه في التَّوجه إلى مصر لكونها مخَبَّطة. فقدم على الجيش الملك المعظَّّم عمّ أبيه، فدهمهم الشّتاء بالغوْر، وزادت الشّريعة، ووقع في حوافر خيلهم مرض. وبقوا بالغور مدة، ثم نزلوا غزّة، فبذل الملك المُعزّ الأموال، ونزل العبّاسة، وخاف
стр. 14160
من العزيزية الذين قفزوا إلى مصر سنة ثمان وأربعين، لأنّه بلغه أن الملك النّاصر كاتبهم، فقبض على كبارهم، ونهب خِيمَهم. فبلغ ذلك الملك الناصر ففتر وضعُفت همّته.
وكان الفارس أقطايا قد طغى وتجبَّر بحيث إنه إذا ركب إلى القلعة يدوس موكبُه الناس ويضربونهم، ولا يلتفت على المُعزّ ولا على غيره، والخزائن بحُكمه. ثم أراد أن يسكن في القلعة وأن تخلى له دار السّلطنة، وطاش وأسرف، فقتله المُعزّ، وهربت مماليكه.
قال شمس الدّين الجَزَري في تاريخه (١): فحدّثني عزُّ الدّين أَيْبك الفارسي (٢) في سنة تسع وسبعين قال: طلع أستاذنا إلى القلعة في شعبان على عادته، فرتّب له المُعزّ عشرة منهم مملوكه قُطُز، الذي تسلطن، فقتلوه، فركبت البحرية وغلمان الفارس فبلغوا سبعمائة وأتوا القلعة، فرمى برأس الفارس إليهم، فهرب طائفة إلى الكرك إلى الملك المغيث، وطائفة إلى الشام، وطائفة طلبوا الأمان. وكنت أنا وخُشْداشي (٣) في اثني عشر مملوكًا قد أخذنا كلّ واحد فرسًا وجنبيًا وهجينًا، وطلعنا من القاهرة في الليل، وقصدنا البرِّية، فوقعنا في تيه بني إسرائيل، فبقينا خمسة أيام في البرية، ونحرنا بعض الهجن فأكلناه، ثم سرنا يومًا وليلةً، فلاح لنا في اليوم السابع عمارةٌ فقصدناها، فلقينا صورة مدينة بأسوارٍ وأبواب جميعها زجاج أخضر، فدخلناها فوجدنا الرمل ينبعُ في أماكن منها، وبعضه قد وصل إلى السُّقُوف، وأكثر الأسواق ما فيها رمل بل الدّكاكين على حالها، وفيها قماش، فكنا نمَسُّه فيصير هباءً، وكذلك أخشاب السُّقوف حتى النُّحاس قد تفتّت. ووجدنا صينية نحاس فيها ميزان، فحين رفعناها تفتّتت، ووجدنا فيها تسعة دنانير عليها صورة غزال وعليها حروف عبراني. فبقينا يومنا ندور في تلك المدينة إلى أن وجدنا أثر رشَحٍ، فحفرنا نحو ذراعين، فظهرت بلاطة فقلعناها، فإذا صهريج ماء، فشربنا وسقينا الدواب، ونَحرنا فرسًا وهجينًا، وشوينا اللهم على الشيح (٤)، ثم تزوَّدنا من الماء ونحن
стр. 14161
لا ندري إلى أين نتوجَّه، فسرنا يومًا وليلة، فوقعنا على قبيلة عرب من بني مهديّ، فوصَّلُونا إلى الكرك، فأكرمنا المغيث ثم قصدنا يهوديَّا لنصرف الدنانير وحكينا له، فصاح وغُشي عليه، ثم قال: هذا ضُرب في زمان موسى ﵇، وهذه المدينة بُنيت لمّا كان موسى في التِّيه بالزجاج الأخضر عِوَض الحجارة، وقد حصل لها طوفان رملي، فتارةً ينقص الرمل فتظهر جدرانها، وتارة يغطيها الرمل، فبعناه الدينار بمائة درهم، وأضافَنَا وأعلم يهودَ الكرك بنا، فكانوا يأتوننا ويسألونا ويقولون: هذه المدينة الخضراء التي بناها موسى.
قال الجَزَري: ثم حَجَجْت أنا فاكتريتُ من معَان مع شخص من بني مهدي إلى القدس فسألته، فقال: نحن بحذاء التّيه، وأنا ما رأيت شيئًا، ولكن أخبرني أبي أنّه تصيَّد في التِّيه فوقع بمدينة خضراء ورأى حيطانها زجاجًا أخضرَ.
قال: فلما رجعتُ أعلمت قومي، فأخذوا جمالًا وأوسقوها زادًا وماءً، ثم قصدنا تلك الأرض فلم نرها وغُيِّبت عنّا. وبعد كلّ مدّة يراها واحد مصادفة. ويقصد لها عرب تلك الناحية باليهود ليزوروها فقلَّ من يراها.
وفيها حارب صاحب المَوْصِل العدويّة (١)، وقتل خلقًا، وأسر عدّة فصلب منهم مائة نفس، وذبح مائة، وقُتل كبيرهم وعُلِّق. وبعث من نبش الشّيخ عديًّا وأحرق عظامه. أنبأني بذلك الظّهير ابن الكازرونيّ في مجموع (٢).
ووثب غانم بن راجح بن قتادة الحَسَنيّ في مكة بأبيه فقيَّده وزعم أنه جُنَّ، فسأله أن يُخلّي سبيله، فأعطاه جملًا فركبه وهرب، وتمكن غانم بمكة.
سنة ثلاث وخمسين وستمائة
دخلتْ وعسكرُ الملك النّاصر نازلٌ على العوجاء، والملك المُعزّ نازلٌ على العبّاسة، وطال مقام الفريقين، وكان النّاصر قد أقطع البحرية أخبازًا جليلة.
стр. 14162
قال ابن واصل: وفي رمضان عزمت العزيزيّة على القبض على المُعزّ، وكاتبوا النّاصر، ولم يوافقْهم جمال الدّين أيْدُغْدي العزيزي، واستشعر الملك المُعزّ منهم وعرف الخبر، وعلموا هم فهربوا على حميَّة، وكبيرهم شمس الدّين آقوش البرليّ (١)، ولم يهرب أيْدُغْدي وأقام بمخيَّمه، فجاء المُعزّ راكبًا إلى قرب مُخيَّمه فخرج إليه أيْدُغْديّ، فأمر المُعزّ فحُمل على دابّة، وقبض أيضًا على الأمير الأتابكيّ فحُبسا، ونُهبت خيام العزيزيّة كلهم يومئذ بالعبّاسة، ثم اصطلح الملكان على أنّ من الورّادة ورايح للمُعزّ.
ذكر أسماء أعيان البحرية
سيف الدّين الرّشيديّ، عزّ الدّين أزْدُمر السَّيفيّ، رُكنُ الدّين البندُقْداريّ، شمس الدّين سُنْقُر الأشقر، سيف الدّين قلاوون الألْفّي، بدر الدّين بيْسَرِيّ، شمس الدّين سنقر الرومي، سيف الدين بَلَبان المُسْتعربيّ.
وفيها جاء بدمشق سيْلٌ عرِمٌ أخْرب عدة دورٍ بظاهر البلد وبلغ ارتفاعه ستة أذْرع وزيادة.
وفيها وُلد الملكُ علاء الدّين للسّلطان الملك الناصر من ابنة صاحب الرّوم، واحتفلوا لذلك إلى الغاية.
وفيها جرت فتنةٌ بمِنَى ونُهب الوفد، وقُتل جماعة وجُرح خلْق، فأرسل أمير مكّة إدريس وأبو نمَيّ إلى أمير العراقيين يعتذران.
سنة أربع وخمسين وستمائة
خليفةُ الوقت المستعصم بالله، وصاحب الشام الملك النّاصر، وصاحب مصر المُعزّ، وصاحب الكَرَك والشَّوْبك المغيث عمر ابن العادل أبي بكر ابن الملك الكامل، وصاحب المَوْصل الملك الرّحيم لؤلؤ، وصاحب ميَّافارقين الكامل محمد بن غازي ابن الملك العادل، ونائب إرْبل تاجُ الدّين ابن صلايا العَلَويّ، ونائب حصون الإسماعيليّة الثّمانية، رضيّ الدّين أبو المعالي،
стр. 14163
وصاحب صهيون، وبرزبة مظفَّر الدّين عثمان بن منكورس، وصاحب حماة الملك المنصور، وصاحب تلّ باشِر والرَّحبة وتدْمر وزلوبيا الأشرف موسى ابن الملك المجاهد إبراهيم ابن صاحب حمص، وصاحب مكّة قتادة الحسني، وصاحب ماردين الملك السّعيد إيل غازي الأُرْتُقيّ، وصاحب اليمن الملك المظفَّر يوسف بن عمر، وصاحب الرّوم رُكن الدّين وأخوه عزّ الدّين، وصاحب خُراسان وما وراء النّهر والخطا القاءان ملك التّتار.
ظهور النار بالمدينة
قال أبو شامة (١): جاء إلى دمشق كُتُبٌ من المدينة بخروج نارٍ عندهم في خامس جُمادى الآخرة، وكُتِبت الكُتب في خامس رجب، والنّار بحالها بعدُ، ووصلت إلينا الكتب في شعبان، فأخبرني من أثق به ممّن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كُتب بتَيماء على ضوئها الكُتُب، قال: وكنّا في بيوتنا بالمدينة تلك اللّيالي، وكأنَّ في دار كلّ واحدٍ سراجًا. ولم يكن لها حر ولا لفحٌ على عظمها، إنّما كانت آية.
قال أبو شامة (٢): وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب: لمّا كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دَوِيٌّ عظيم ثمّ زلزلةٌ عظيمة فكانت ساعةً بعد ساعة إلى خامس الشَّهر، فظهرت نارٌ عظيمة في الحرّة قريبًا من قُريظة نبصرها من دُورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد سدّت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعةٌ نُبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سدّت الحرَّة طريق الحاجّ العراقيّ، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرَّة، فوقفت ورجعت تسير في الشّرق يخرج من وسطها مهود وجبال نار تأكل الحجارة، فيها أُنموذج ما أخبر الله: إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ. وقد أكلت الأرض. ولها الآن شهر وهي في زيادة، وقد عادت إلى الحرار في قُريظة طريق الحاج إلى بُحيرة العراقيّ كلّها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها
стр. 14164
مشاعل، وأمّا أمُّ النّيران الكبيرة فهي جبال نيران حُمر، وما أقدر أصف هذه النار.
ومن كتاب آخر (١): ظهر في شرقيّ المدينة نارٌ عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض، وسال منها وادٍ من نار حتّى حاذت جبل أُحُد، ثمّ وقفت. ولا ندري ماذا نفعل. ووقت ظهورها دخل أهلُ المدينة إلى نبيهم ﷺ مستغفرين تائبين إلى ربّهم.
وفي كتاب آخر (٢): في أوّل جمادى الآخرة ظهر بالمدينة صوت كالرّعد البعيد، فبقي يومين، وفي ثالث الشّهر تعقّبه زلزال فتقيم ثلاثة أيّام، يقع في اليوم واللّيلة أربع عشرة زلزلة. فلمّا كان يوم خامسه انبجست الأرض من الحرَّة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله ﷺ ، وهي برأي العين من المدينة تُشاهد، وهي ترمي بشَرَر كالقصر. وهي بموضع يقال له أحلين (٣)، وقد سال من هذه النار وادٍ يكون مِقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعُمقه قامةٌ ونصف، وهو يجري على وجه الأرض وتخرج منه أمهاد وجبال صغار، ويسير على وجه الأرض، وهو صخر يذوب حتّى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد صار أسود، وقبْل الخمود لونه أحمر، وقد حصل إقلاعٌ عن المعاصي وتقرُّبٌ بالطاعات. وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة.
ومن كتاب قاضي المدينة سنان الحُسينيّ يقول في التّاريخ (٤): لقد والله زُلزِلت مرة ونحن حول الحُجْرة النَّبوية، فاضطرب بها المِنبر والقناديل. ثم طلع في رأس أحلين (٥) نارٌ عظيمة مثل المدينة العظّيَمة، وما بانت لنا إلاّ ليلة السّبت وأشفقنا منها، وطلعتُ إلى الأمير وكلّمته وقلت: قد أحاط بنا العذاب، ارجعْ إلى الله. فأعتقَ كلّ مماليكه وردّ على جماعة أموالهم. فلمّا فعل ذلك قلت: اهبط معنا إلى النبي ﷺ ، فهبط وبتنا ليلة السّبت، النّاسُ جميعُهم
стр. 14165
والنّسوانُ وأولادُهم، وما بقي أحدٌ لا في النَّخل ولا في المدينة إلاّ عند النبي ﷺ ، وأشفقنا منها، وظهر ضؤوها إلى أن أُبصرت من مكّة، ومن الفَلاة جميعها. ثمّ سال منها نهرٌ من نار، وأخذ في وادي أُحلين وسدّ الطريق، ثم طلع إلى بحرة الحاجّ، وهو بحر نار يجري وفوقه حرَّة تسير إلى أن قطعت وادي الشَّظاة، وما عاد يجيء في الوادي سيْلٌ قطّ لأنَّها حرّة، تجيء قامتين وثلث عُلُوُّها. والله يا أخي إنّ عيشتنا اليوم مكدَّرة، والمدينة قد تاب أهلُها ولا بقي يُسمع فيها ربابٌ ولا دُف ولا شُرْب. وتمّت تسير إلى أن سدّت بعض طريق الحاجّ، وكان في الودي إلينا منها قَتِير (١)، وخفنا أن تجيئنا، واجتمع النّاس وباتوا عند النبي ﷺ ليلة الجمعة وقد طُفِئ قتيرها الذي يلينا بقُدرة الله، وإلى الساعة ما نقَصَتْ بل ترمي مثل الجمال حجارةً من نار، ولها دوِيّ، ما تدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدر أصف لك عظَمَها ولا ما فيها من الأهوال. وأبصرها أهل ينبُع، وندبوا قاضيهم ابنَ أسعد، وجاء وغدا إليها، وما أصبح يقدر يصفُها من عِظمها، وكتب يوم خامس رجب، والشّمس والقمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسِفين.
ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشانيّ يقول (٢): جرى عندنا أمرٌ عظيم. إلى أن قال في النّار: ظهر دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض إلى آخر النهار ظهر للنّار ألسُنٌ تصَّعَّد في الهواء حمراء كأنّها العَلَقة، وعظُمت ففزع النّاس إلى المسجد، وابتهلوا إلى الله، وغطَّت حُمرةُ النّار السّماء كلَّها حتى بقي النّاس في مثل ضوء القمر، وأيقنّا بالعذاب. وصعِد القاضي والفقيه إلى الأمير يعِظُونه فطرح المكس، وأعتق رقيقه كلَّهم، وردّ علينا كلَّ ما لنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيت كذلك أيّامًا، ثمّ سالت في وادي أُحلين تتحدر مع الوادي إلى الشَّظاة، حتىّ لحق سَيَلانُها ببَحْرة الحاجّ، والحجارة معها تتحرَّك وتسير حتىّ كادت تقارب حرَّة العِراض (٣)، ثمَّ سَكَنتْ ووقفت أيامًا، ثم عاد يخرج منها ترمي بحجارة من خلفها وأمامها حتىّ بَنَتْ جبلين خلفَها وأًمامها، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين، لسانٌ لها أيّامًا.
стр. 14166
ثمّ إنّها عظُمت الآن وشبَاها (١) إلى الآن، وهي تتّقد كأعظم ما يكون، ولها كلّ يوم صوت عظيمٌ من آخر الليل إلى ضَحْوِة، والشمس والقمر كأنّهما منكسفان إلى الآن، وكتب هذا ولها شهر.
قلت: أمر هذه النّار متواتر، وهي ممّا أخبر به المصطفى صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول: لا تقوم الساعة حتّى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل بِبُصرى (٢) وقد حكى غير واحد ممّن كان بِبُصْرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.
وقال أبو شامة (٣): وفي ليلة السّادس عشر، كذا قال، من جمادى الآخرة خُسف القمر أول الليل، وكسفت الشمس في غده، كذا قال، وقال احمرَّت وقت طلوعها وغروبها. وبقيت كذلك أيّامًا متغيّرة ضعيفة النّور، واتّضح بذلك ما صوّره الشّافعيّ من اجتماع الكسوف والعيد.
قلت: هذا الكلام فيه بعض ما فيه، وقوله: كُسفت الشّمس في الغد دعوى ما علِمتُ أحدًا وافقه عليها ولا ورَّخها غيره، ثم بيَّن مسْتنده باحمرار الشمس وضعف نورها، وهذا لا يُسمى كسوفًا أبدًا، ولقد كنت في رحلتي إلى الإسكندرية وأنا في المركب أنظر إلى الشمس قبل غروبها بساعة، وهي كأنها نحاسةٌ حمراء ما لها من النّور شيء أصلًا إلى أن تتوارى، وذلك لكثافة الأبخرة الأرضية، ومثل هذا إذا وقع لا تصلى له صلاةَ الكسوف، والنبيّ ﷺ لم نسمعه سمّى ذلك كسوفًا في وصف ليلة القدر بالآية التي ميَّزها بها فقال: إنّ الشمس تطلُع من صبيحتها ولا شُعاع لها (٤). وأما كسوف الشّمس والقمر فشيءٌ ظاهر يبدو قليلًا قليلًا في القُرص إلى أن يذهب نورهما ولونهما، وتظهر الكواكب بالنَّهار. وقد يكون كسوفًا ناقصًا فيبقى شطر من الشّمس كاسفًا، وشطرٌ نيّرًا.
وأما حساب أهل الهيئة لذلك فشيء ما علمْتُه يخرم أبدًا، وهو عندهم
стр. 14167
حساب قطعي، ومن نظر في مستندهم جَزَمَ به، بخلاف قولهم في تأثير الكسوف في الأرض من موت عظيم، أو حادث كبير، فإن هذا من الإفك والزُّور والهذَيان الذي لا يحل لمسلم أن يعتقده، وذلك التّأثير عند المنجّمين ظنٌُّ وحدْس؛ والظّن أكذب الحديث، وهذا رسول الله ﷺ يقول: إن الشمس والقمر لا يُكْسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان يخوّف اللهٌ بهما عباده (١).
غرق بغداد
زادت دجلة زيادةً مهولةً إلى الغاية لم يُعهد مثلها إلاّ من زمان، فغرق خلْقٌ كثير من أهل بغداد، ومات خلق تحت الهدْم، وركب الناس في المراكب واستغاثوا بالله تعالى وعاينوا التَّلف، فنقل أبو شامة قال (٢): جاء كتاب من المدينة النبويّة من بعض بني الفاشانيّ يقول فيه: وصل إلينا من العراق نجَّابةٌ في جمادى الآخرة، وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرَقٌ عظيم حتَّى دخل الماءُ من أسوار بغداد، وغرق كثير من البلد، وانهدمت دار الوزير، وثلاثمائة وثمانون دارًا، وانهدم مخزن الخليفة، وهلك شيء كثير من خزانة السّلاح، وأشرف النّاس على الهلاك، وعادت السُّفُن تدخل إلى وسط البلد وتتخرق أزِقّة بغداد.
وقد وقع مثل هذا الغرق ببغداد في سنة أربع وخمسين وخمسمائة أيضًا، وبعد ذلك غير مرّة، فقد غرقت بغداد عدّة مرّات.
وفيها كانت فتنة الكرْخ في ذي الحجة، قتل أهل الكرْخ رجلًا من قطَفْتا فحمله أهلُه إلى باب النُّوبيّ، ودخل جماعة إلى الخليفة وعظّموا ذلك، ونسبوا أهل الكرْخ إلى كل فساد، فأمر بردعهم، فركب الجُند إليهم وتبعَهم الغوغاء فنُهب الكرْخ وأُحرقت عدّة مواضع، وسبوْا العلويّات وقتل عدّة، واشتدّ الخَطْبُ ثمّ أُخْمِدت الفتنة بعد بلاء كبير، وصُلب قاتل الأوّل.
ونُسب إلى مجاهد الدّين الدُّوَيْدار الصّغير أنَّه عاملَ على خلْع المستعصم وتولية ولده، فأسرع مجاهد الدّين وحَلَف وسأل أن يواقف القائل عنه، ولبس
стр. 14168
الّلأمَة جُنْدُه واستوحش من الوزير، فهاشت العامَّة وعظُم الأمر، وقُتل جماعةٌ كثيرة وجُرح خلْق، ثمّ كتب المستعصم أمانًا بخطّه للدُّويْدار فرضي.
حريق المسجد
وفي ليلة الجمعة مستَهَلّ رمضان احترق مسجد الرسول الله ﷺ ، وكان ابتداء حريقه من زاويته الغربيَّة بشمال، دخل بعض القوام إلى خزانة ومعه مُسْرجة فعلقت في الآلات، ثمّ اتصلت بالسَّقف سريعًا، ثمّ دبَّت في السّقوف آخذةً نحو القبلة، وعجز الناس عن إطفائها، فما كان إلاّ ساعة حتى احترقت سقوف المسجد كلّها، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصَاصُها، وكلّ ذلك قبل أن ينام الناس، واحترق سقْف الحُجْرة النّبوية، ووقع ما وقع منه في الحُجْرة، وترك على حاله لما شرعوا في عمارة سقْفها وسقْف المسجد، نقل هذا أبو شامة (١) وغيره.
ومما قيل في ذلك:
لم يحترق حرَمُ الرسول لحادثٍ … نخشى عليه ولا دهاه العار
لكنّما أيدي الرّوافض لا مَسَتْ … ذاك الجناب فطهّرته النار
وفيها كان خروج الطّاغية هولاكو بن تولي بن جنكزخان، فسار في المغول من الأردو فملك الألَموت وقلاع الإسماعيلية التي بنواحي الرّيّ.
قال ابن السّاعي: بعث هولاكو إلى مقدّمة الباطنيّة رُكن الدّين فبعث أخاه في ثلاثمائة فقتلهم هولاكو وتهدّد رُكن الدين، فنزل إليه بأمان، ثمّ قتله وخرّب قلعته، ثم خرب الألَموت وسائر قلاع الباطنية، ثم ترحل قاصدًا العراق وسيَّر باجونُويْن إلى الرّوم فانهزم صاحبُها إلى بلاد الأشكريّ فملكت التّتار سائر الرّوم، ونهبوا وقتلوا وفعلوا الأفاعيل.
وتوجّه الملك الكامل محمد ابن شهاب الدّين غازي صاحب ميَّافارقين إلى خدمة هولاكو، فأكرمه وأمّنه وأعطاه فَرَمَانًا ورجع إلى بلده.
وفيها فُتحت المدرسة النّاصرية بدمشق عند الفراغ من بنائها، وحضر الدرس يومئذ السّلطان.
وفيها شرعوا في بناء الرّباط النّاصري، واحتفلوا له، وجابوا له الحجر
стр. 14169
الأصفر من بلد حلب.
وفيها تواترت الأخبار بوصول هولاكو بجيشه إلى أذْربَيْجان يقصدون العراق، فوردت قُصّاد الدّيوان العزيز على نجم الدّين الباذرائيّ بدمشق بأن يتقدّم إلى الملك النّاصر بمصالحة الملك المُعزّ، وأن يتفقا على حرب التّتار، فأجاب النّاصر إلى ذلك، وردّ عسكره من غزّة فدخلوا دمشق.
وفيها عُزل بدرُ الدّين السنجاري عن قضاء ديار مصر، ووُلّي تاجُ الدّين ابن بنت الأعزّ.
وكانت للملك النّاصر داود ابن المعظَّم وديعة عند الخليفة، فتوقَّف في ردِّها واحتج بحُجج باردة، وجَرَت أمور قبيحة لم يُعهد مثلها من أمير فضلًا عن أمير المؤمنين، وكان الناصر داود قد حجّ، وعاد على العراق بسببها فأُنزل بالحلّة وأُجريَ عليه راتبٌ ضعيف، فعمل قصيدة تلطّف فيها وعدَّد خِدمه وخدم آبائه فما نفع، بل سيروا إليه من حاسبه على جميع ما اتّصل إليه من النّفقات والمأكول وما حملوه إليه من الهدايا في تردُّده، ثُم أوصلوا إليه شيئًا يسيرًا وقالوا: قد وصل إليك قيمة وديعتك فهاتِ خطَّك بوصوله، وأنَّك لم يبق لك شيء، فكتب كارهًا، ولم يصل إليه من قيمتها العُشْر، وسافر فاجتمع عليه جماعة من الأعراب وخدموه وأرادوا به التوصُّل إلى العيث والفساد فأبى عليهم، وأقام عندهم، فخاف من ذلك صاحب الشّام الملك النّاصر فأحضر الملك الظّاهر شاذي بن داود، وحلف له أنّه لا يؤذي والده، فسار شاذي إلى أبيه وعرَّفه، فقدم دمشق فوجد الملك النّاصر قد أوغر صدره عليه فنزل بتُربة والده بقاسيون، وشرط عليه أن لا يركب فرَسًا، ثمّ أذن له في ركوب الخيل بشرط أن لا يدخل البلد ولا يركب في الموكب، واستمرَّ ذلك إلى آخر السّنة.
وفيها انهدمت خانقاه الطاحون بظاهر دمشق، فمات تحت الهدم شيخها بدر الدّين المراغيّ وآخر.
سنة خمس وخمسين وستمائة
في ربيع الأول مات الملك المُعزّ أيْبك التُّركمانيّ صاحب مصر، قَتَلتْه زوجته شجر الُّدّر، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصوري عليّ بن أيْبك.
стр. 14170
وفيها تردَّدت رُسُل التّتار إلى بغداد، وكانت الفرامين منهم واصلة إلى ناس بعد ناس من غير تَحَاش منهم في ذلك ولا خيفة، والخليفة والنّاس في غفلةٍ عمّا يُراد بهم ليقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا.
وفي رمضان توجَّه الملك العزيز ابن السلطان الملك النّاصر يوسف، وهو صبيٌّ مع الأمير الزَّيْن الحافظي وجماعة بهدايا وتُحف إلى هولاكو.
وأما المصريون فاختلفوا وقُبض على جماعة منهم وقُتِل آخرون، وولي الوزارة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز.
وفيها كانت فتنةٌ هائلة ببغداد بين السُنَّة والشيعة أدّت إلى خراب ونهب، وقُتل جماعة من الفريقين، واشتد الأمر، ثم بعث الخليفة من سكَّن الفتنة.
وفي هذا الوقت ظهر بالشام طائفة الحيْدريّة، يقصّون لحِاهم ويلبسون فراجي من اللّبّاد وعليهم طراطير، وفي رقابهم حِلَقٌ كبار من حديد. زعموا أنّ الملاحدة أمسكوا شيخهم حيْدَر وقصوا ذَقْنه، وهم يُصلون ويصومون، ولكنهم قوم منحرفون، وكان أمر الدّين ضعيفًا في أيام النّاصر بدَوران الخمر والزنا وكثرة الظُّلم وعدم العدل، وظهور البدع، وغير ذلك.
وفيها وقعت وحْشةٌ في نفس الملك الناصر من البحريّة، وبلغه أنهم عزموا على الفتْك به، فأمرهم بالانتزاح عن دمشق، ففارقوه مُغاضِبين له ونزلوا غزَّة، ثم انتموا إلى الملك المغيث صاحب الكرك، وخطبوا له بالقدس، وأخذوا حواصل غزّة والقدس. ثمّ حصل الانتصار عليهم فانهزموا إلى البلقاء، ثم طمّعوا المغيث في أخذ مصر له، وأنفق فيهم الأموال، وساروا، فَجَرَت لهم وقعة مع المصريّين فانكسروا وزيّنت مصر.
قال ابن واصل: انقاد المغيث للبحريّة وأنزل إليهم بعض عسكره مع أتابكه الطّواشيّ بدر الدّين الصّوابيّ الذي ملّكه الكرك عند قتله الملك المعظم ابن الصّالح، وكان الصّالح لمّا تملّكها في آخر أيّامه استناب بها الصّوابيّ، وسيَّر إليها خزانةً عظيمة من المال، فضيّعه المغيث على البحرية طمعًا في الدّيار المصريّة، ثم سار جيش المغيث إلى مصر فبرز لحربهم جُندها فكثروهم، وجُرح سيف الدّين الرشيديّ وأُسر، فانهزم الصّوابيّ وركن الدّين
стр. 14171
البُنْدُقْداريّ وطائفة، ودخل جماعةٌ منهم القاهرة مستأمنين، وكان قد جاء قبلهم عز الدّين الأفرم فأُكْرم.
وفيها قدِم الشيخ نجم الدّين الباذرائيّ بالخلعة الخليفتيّة للملك النّاصر بالسّلطنة فركب بها، وكان يومًا مشهودًا، فلما رجع توجَّه معه إلى العراق الناصر داود في جماعة من أولاده، وكان قد أباعه النّاصر داره المعروفة بدار سامة فصيَّرها مدرسة، فلما وصلوا إلى قرقيسيا أشار الباذرائيّ عليه بالإقامة حتى يستأذن له، فأقام ولم يجئْه إذْنٌ، فردَّ إلى الشام، وتوجَّه في البريَّة إلى أن وصل إلى تِيه بني إسرائيل واجتمع إليه العُرْبان.
وفيها أغارت التّتار على بلاد الموصل وفتكوا.
وفيها بَطَل سعد الدّين خضر بن حمويه وترك الجُنْديّة وزالت سعادته والتجأ إلى التَّصوُّف، قال في تاريخه: ولمّا عاندني الدَّهر في أموري، وباعد سروري، وكدَّر مشاربي، وعسَّر مآربي، وانقطعت الأرزاق، وانحلّ كيس الإنفاق، خرجت من مصر، فلما حلَلْتُ بدمشق، مسقط رأسي، فوجدتُها وقد صوَّح واديها، وخلا من الأنيس ناديها، وارتفعت منها البركات، وأحيط بها الظُّلم والظلمات، والأسواق كاسدة، والرعايا فاسدة، عدم الحياء، وظهرت الجنايات، وسفل المعروف، وعلت المُنْكرات، وأُحدّث من الرسوم ما لم يُعْهَد، وحُمِّلوا أثقالًا مع أثقالهم، إن استغاثوا بالملك أجابهم بالضَّرب والرّدّ، وإن استنجدوا بالوزير عاملهم بالإعراض والصّدّ، وإن سألوا الحاجب طلب الرِّشا بلا حمد.
إلى أن قال: لا يحضر لهم أحد على مائدة، ولا يرجع من عندهم بفائدة، قومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوثقوا من رِتاج الباب والدّار، يكذبون ويحلِفون، ويعدون ويُخْلِفون، وعلى حريم أصحابهم بالفاحشة يخلفون، قد قنع كل منهم بلؤمه، ولفَّ ذنبه على خيشومه، قيل لوزيرهم: إنا نُطيل الجلوس، فلو جعلت علامةً لقيامنا. قال: إذا قلت يا غلام هاتِ الغداء فانصرفوا، وقال صاحب ديوانهم لغُلامه: هات غدائي وأغلِقِ الباب. فقال: بل أُغْلق الباب وأجيء بالطعام. قال: أنت أحذق منّي، فأنت حرٌّ لوجه الله (١).
стр. 14172
وحضر شاعر مائدة أكبر أُمرائهم فرمى لُقمةً للهرّ، فقال الأمير: لا تُطعمها فإنها هرَّة جيراننا.
ومن غرائب الظُّلم أنّ رجلًا جاء بحِمْل عسل، فأُخِذ للخوشخاناه، فطولب بمكس العسل، فقال: خذوا من تحت أيديكم. قالوا: ما نعرف ما تقول، فذهب بالبغل يبيعه، فأخذه أمير الإصطبل، وطولب بحقه في السوق فقال: ادفعوا لي ثمنه وخذوا حقكم. قالوا: ما نعلم ما تقول، وحبسوه على مكْسه، فكتب إلى أهله، نفِّذوا لي دراهم حتى أستفِكَّ روحي، فقد راح العسل والبغل، وأنا محبوس على الحق، ومما يناسب هذه الحكاية أنّ امرأةًَ ذهب منها حُلِيٌّ بخمسة آلاف فوجده منادي بسوق الرّحبة فردَّه عليها، فوهبته خمسمائة درهم فتمنَّع وقال: إنما ردَدْته لله، فألزمته فأخذ الدراهم، فسمع به الوالي فأحضره وأخذ منه الدّراهم وضربه وقال: ليش ما جبت الحُليِّ إلى عندنا؟ ثم ذكر علاكًا (١) طويلًا في هذا النحو.
وفي سنة خمس سار هولاكو من هَمَذان قاصدًا بغداد، فأشار ابن العلْقَميّ الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتُّحف النّفيسة إليه، فثناه عن ذلك الدُّوّيْدار وغيره، وقالوا: غرضُ الوزير إصلاح حاله مع هولاكو. فأصغى إليهم وبعث هديّة قليلة مع عبد الله ابن الجوزيّ، فتنمّر هولاكو وبعث يطلب الدُّوَيْدار وابن الدُّوَيْدار وسليمان شاه فما راحوا، وأقبلت المُغُل كاللّيل المظلم، وكان الخليفة قد أهمل حال الجُند وتعثّروا وافتقروا، وقُطعت أخبازهم، ونُظِم الشِّعْر في ذلك.
سنة ست وخمسين وستمائة
دخَلَتْ والملك الناصر والبحريّة، والملك المغيث متّفقون على قصْد الديار المصرية وطمعوا فيها لأنّ سلطانها صبيّ، فنزل الملك المغيث على غزة فخرج الأمير سيف الدّين قطز بعسكر مصر، ونزل بالعبّاسة لقتال الشاميين، ثم
стр. 14173
سار المغيث بالعساكر الشامية، فضرب مع المصريّين رأسًا بالرمل، فانكسر وأُسر طائفة من أمرائه، وهم أيْبَك الرومي، وأيْبَك الحمويّ، وركن الدّين الصَّيرفيّ، وابن أطلس خان الخُوَارَزْميّ، فضُربت أعناقهم صبرًا بين يدي قُطُز، ودخلوا بالرّؤوس إلى القاهرة، وهرب المغيث وأتابكه الصّوابيّ والبُنْدُقْداري في أسوأ حالٍ وأنحسه إلى الكَرَك.
كائنة بغداد
كان هولاكو قد قصد الألَموت، وهو مَعْقل الباطنيّة الأعظم وبها المقدَّم علاء الدّين محمد ابن جلال الدّين حسن المنتسب إلى نِزار ابن المستنصر ابن الظّاهر ابن الحاكم العُبَيْدي الباطنيّ، فتُوفّي علاء الدّين وقام بعده ابنه شمس الشُّموس، فنزل إلى هولاكو بإشارة النّصير الطُّوسي عليه، وكان النصير عنده وعند أبيه من قبله، فقتل هولاكو شمس الشُّموس وأخذ بلاده وأخذ الروم، وأبقى بها ركن الدّين ابن غياث الدّين كيْخُسْرو صورة بلا معنى، والحكم والتصرف لغيره.
وكان وزير العراق مؤيد الدّين ابن العَلْقمي رافضيًّا جلدًا خبيثًا داهية، والفتن في استعار بين السُّنَّة والرافضة حتى تجالدوا بالسيوف، وقُتل جماعة من الرافضة ونهبوا، وشكا أهل باب البصرة إلى الأمير ركن الدين الدُّوَيْدار والأمير أبي بكر ابن الخليفة فتقدّما إلى الجند بنهْب الكرْخ، فهجموه ونهبوا وقتلوا، وارتكبوا من الشّنعة العظائم، فحنق الوزير ونوى الشّرّ، وأمر أهل الكرْخ بالصبر والكف.
وكان المستنصر بالله قد استكثر من الجُنْد حتى بلغ عدد عسكره مائة ألف فيما بلغنا، وكان مع ذلك يصانع التّتار ويهاديهم ويرضيهم. فلما استخلف المستعصم كان خليًّا من الرّأي والتّدبير، فأُشير عليه بقطع أكثر الجند، وأنّ مصانعة التّتار وإكرامهم يحصل بها المقصود، ففعل ذلك.
وأما ابن العلقميّ فكاتب التّتار وأطمعهم في البلاد، وأرسل إليهم غلامه وأخاه، وسهّل عليهم فتح العراق، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك وتأهّبوا لقصد بغداد، وكاتبوا صاحب المَوْصِل لؤلؤ في تهيئة الإقامات والسلاح، فأخذ يكاتب الخليفة سرًا ويهيِّئ لهم الآلات والإقامات، فكان
стр. 14174
الوزير هو الكلّ، وكان لا يوصل مكاتبات صاحب الموصل ولا غيره إلى الخليفة، وإنْ وصلت سرًّا إلى الخليفة أَطْلع عليها ابنَ العلْقميّ وردّ الأمر إليه.
وكان تاج الدّين ابن صَلايا نائب إرْبل يحذّر الخليفة ويحرّك عزْمه، والخليفة لا يتحرَّك ولا يستيقظ، فلمّا تحقّق حركة التّتار نحوه سيَّر إليهم شرفَ الدّين ابن محيي الدّين ابن الجوزي رسولًا يعِدُهم بأموال عظيمة، ثم سيَّر مائة رجل إلى الدّرْبَنْد يكونون فيه ويطالعون بالأخبار، فمضوا فلم يطلع لهم خبرٌ لأنّ الأكراد الذين كانوا هناك دلّوا التّتار عليهم فقتلوهم أجمعين فيما قيل.
وركب هولاكو إلى العراق، وكان على تقدمته باجُو نُوِين وفي جيشه خلْق من الكرْج ومن عسكر بركة ابن عمّ هولاكو، ومدد من صاحب الموصل مع ولده الملك الصّالح رُكن الدّين إسماعيل، وأقبلوا من جهة البرّ الغربيّ عن دجلة، فخرج عسكر بغداد وعليهم رُكن الدّين الدويدار، فالتقوا يوم تاسوعاء على نحو مرحلتين من بغداد، فانكسر البغداديّون بعد أن قتلوا عددًا كثيرًا من العدوّ، وأخذتهم السّيوف وغرق بعضهم في الماء، وهرب الباقون.
ثمّ ساق بايجو نُويْن (١) فنزل القرية مقابل دار الخلافة وبينه وبينها دجلة، وقصد هولاكو بغداد من جهة البرّ الشّرقيّ، ثمّ إنّه ضرب سورًا على عسكره وأحاط ببغداد، فأشار الوزير على المستعصم بالله بمصانعتهم وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصُّلح. فخرج وتوثّق لنفسه من التّتر وردّ إلى الخليفة وقال: إنّ الملك قد رغب في أن يزوج بنته بابنك الأمير أبي بكر ويُبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحبَ الروم في سلطنته، ولا يؤثر إلاّ أن تكون الطّاعة له كما كان أجدادك مع السّلاطين السَّلْجوقيّة، وينصرف عنك بجيوشه فيجيبه مولانا إلى هذا فإنّ فيه حقْنَ دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد. والرأي أن تخرج إليه، فخرج في جمع من الأعيان إلى هولاكو فأُنزل في خيمة. ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل، ليحضروا العقد يعني. فخرجوا من بغداد فضُربتْ أعناقهم، وصار كذلك يخرج طائفةٌ بعد طائفة فتُضْرب أعناقهم. ثمّ مدّ الجسر وبكّر بايجو ومن معه فبذلوا السّيف في بغداد،
стр. 14175
واستمرّ القتل والسَّبْي في بغداد بضعة وثلاثين يومًا، فلم يَنْج إلاّ من اختفى، فبلَغَنَا أنّ هولاكو أمر بعد ذلك بعدّ القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وكسْر، والأصح أنّهم بلغوا ثمانمائة ألف، ثمّ نودي بعد ذلك بالأمان، فظهر من كان قد تخبّأ وهم قليل من كثير.
فممّن هلك في وقعة بغداد الخليفة، وابناه أحمد وأبو بكر، وابن الجوزيّ وأولاده الثّلاثة، والرُّكْن محمد بن محمد بن سُكَيْنة كهْلًا، وكبير الشّافعية شهاب الدّين محمود بن أحمد الزِّنْجانيّ، والقُدْوة الشّيخ عليّ الخبّاز، والأديب نحويّ النّظامية جمال الدّين عبد الله بن خنفر، وشيخ الخليفة صدر الدّين عليّ بن النيّار، وقريبه عبد الله بن عُبَيْد الله، والعدل عبيد الله بن عسكر البَعْقُوبيّ، والشَّرَف محمد بن سُكينة أخو الركْن، والعدل عبد الوهّاب ابن الصّدر عبد الرحيم بن عبد الوهاب بن سُكينة وأخوه عبد الرحمن، ويحيى بن سعد اليزديّ العدل، ووالد الرشيد بن أبي القاسم، وعبد القاهر بن محمد ابن الفُوطي كاتب ديوان العرض.
وفيها مات: عليّ بن الأخضر، والشّاعر عليّ الرُّصافيّ، وحسين بن داود الواسطيّ المحدّث، وعمر بن دهجان المحدّث قتْلًا، وأحمد بن مسعود البَعْليّ الحنبليّ، والعدل عبد الله بن ياسر البَعْلي، ووالد الشّيخ عليّ البَنْدنِيجيّ العدل، ومحمد ابن الهيتيّ، والعدل عليّ بن أبي البدر.
وأمّا الوزير ابن العلقَمِي فلم يتم له ما أراد، وما اعتقد أنّ التّتر يبذلون السيف مطلقًا، فإنّه راح تحت السيف الرّافضة والسُّنَّة وأُمم لا يُحصوْن، وذاق الهوان والذُّل من التّتار، ولم تطُلْ أيّامه بعد ذلك. ثمّ ضرب هولاكو عنق بايجُو نُويْن لأنّه بلغه عنه أنه كاتب الخليفة وهو في الجانب الغربيّ.
وأمَّا الخليفة فقُتل خَنْقًا، وقيل: غُمَّ في بساط، وقيل: رفسوه حتى مات. وقتل الأمير مجاهد الدّين الدُّوَيْدار، والشَّرابيّ، والأستاذ الدار محيي الدّين ابن الجوزيّ وولداه، وسائر الأمراء والحُجّاب والكبار. وقالت الشُّعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها وتمثّل بقول سِبْط التّعاويذيّ:
بادت وأهلوها معًا فبيوتهم … ببقاء مولانا الوزير خرابُ
وكانت كسْرةُ عسكر الخليفة يوم عاشوراء، ونزل هولاكو بظاهر بغداد في
стр. 14176
الرابع عشر من المحرَّم، وبقي السيف يعمل فيها أربعة وثلاثين يومًا.
وبَلَغَنَا أنّ آخر جُمعة خطب فيها الخطيب ببغداد كانت الخطبة: " الحمد لله الَّذِي هدم بالموت مُشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدار ". وكان السيف يعمل فِي الجمعة الأخرى، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. اللهُم آجِرنا فِي مُصيبتنا التي لم يُصب الإسلامُ وأهلُه بمثلها.
ولتقي الدين إِسْمَاعِيل بن أَبِي اليُسر قصيدة مشهورة فِي بغداد وهي:
لسائل الدَّمع عن بغداد أخبارُ … فما وقوفُك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزَّوراء لا تفدوا … فما بذاك الحمى والدار ديّارُ
تاجُ الخلافة والربع الَّذِي شرُفَتْ … به المعالم قد عفّاه إقفارُ
أضحى لعطف البِلَى فِي ربْعه أثر … وللدُّموع على الآثار آثارُ
يا نار قلبي من نارٍ لحربِ وَغى … شبَّت عليه ووافى الرَّبْع إعصارُ
علا الصّليبُ على أعلى منابرها … وقام بالأمر من يحويه زنّارُ
وكم حريم سَبَتْه التُّرْكُ غاصبةٌ … وكان من دون ذاك الستْر أستارُ
وكم بُدُور على البدرية انخسفت … ولم يعد لبُدور منه إبدارُ
وكم ذخائر أضحَت وهي شائعةٌ … من النُّهاب وقد حازته كفَّارُ
وكم حدود أقيمت من سيوفهم … على الرقاب وحُطّت فِيهِ أوزارُ
ناديت والسَّبيُ مهتوكٌ تجرّهم … إلى السِّفاح من الأعداء ذعّارُ
وهم يساقون للموت الَّذِي شهدوا … النار يا رب من هذا ولا العارُ
والله يعلم أن القوم أغفلهم … ما كان من نِعم فيهن إكثارُ
فأهملوا جانب الجبار إذ غفلوا … فجاءهم من جنود الكُفْر جبّارُ
يا للرجال بأحداث تحدّثنا … بما غدا فيه إعذار وإنذارُ
من بعد أسْرِ بني الْعَبَّاس كلّهم … فلا أنار لوجه الصُّبح إسفارُ
ما راق لي قطُّ شيءٌ بعد بَيْنهم … إلا أحاديث أرْويها وآثارُ
لم يبق للدّين والدّنيا وقد ذهبوا … سوقٌ لمجدٍ وقد بانوا وقد باروا
إن القيامة في بغدادَ قد وُجِدتْ … وحدها حين للإقبال إدبار
آل النّبيّ وأهل العلم قد سُبيوا … فمن ترى بعدهم تحويه أمصارُ
ما كنتُ آمُلُ أن أبقى وقد ذهبوا … لكن أتى دون ما أختار أقدارُ
стр. 14177
فِي أبيات أخَر، وجمْلتها ستةٌ وستون بيتًا.
قال ابن الكازروني وغيره: ما زالوا فِي قتلٍ وسبْي وتعذيب عظيم لاستخراج الأموال مدة أربعين يومًا، فقتلوا النساء والرجال والأطفال أهل البلد وأهل سائر القرى ما عدا النصارى، عُيّن لهم شحاني حرسُوهُمْ، وانضم إليهم خلقٌ مسلمون سلِموا. وكان ببغداد عدةٌ من التُّجار سلِموا بفرمانات والتجأ إليهم خلق، وسلم مَن بدار ابن العَلْقَمي، ودار ابن الدّامَغَانيّ صاحب الديوان ودار ابن الدّواميّ الحاجب، وما عدا ذلك ما سلِم إلا من اختفى فِي بئرٍِ أو قناة، وأحرق مُعظم البلد، وكانت القتلى فِي الطُّرق كالتُّلول. ومن سلِم وظهر خرجوا كالموتى من القبور خوفًا وجوعًا وبردًا، وسلِم أهل الحلّة والكوفة، أمنهم القان، وبعث إليهم شحاني، وسلمت البصرة وبعضُ واسط، ووقع الوباء فيمن تخلف.
وفيها كانت وقعة الملك المغيث مع المصريين فانكسر كما ذكرنا، وهرب هُوَ وبدر الدين الصوابي والبُنْدقْداريّ الَّذِي تسلطن، فوصلوا إلى أسوأ حال.
وأما مصر فزيَّنت فِي ربيع الآخر للنّصر، وعاثت البحرية بعد الكسرة وأفسدوا، فجهز لحربهم الملك الناصر مجير الدّين ابن أَبِي زكري، ونور الدين علي بن الأكتع فالتقوا على غزة، فانتصرت البحرية وأسروا الأميرين وحملوهما إلى الكَرَك، وقويت شوكتهُم، فبرز دهليز الملك النّاصر، وعزم على قتالهم بنفسه، فقرُبت البحرية من دمشق، فهجم رُكن الدين البُنْدُقداري في بعض الأيام على الدِّهليز وهو عند الجسورة، وقطع أطناب الدِّهليز.
وولى هولاكو على العراق نوابه، وعزم ابن العلْقَمي على أن يحسِّن لهولاكو أن يقيم ببغداد خليفة علويًا فلم يتهيأ ذلك له، واطَّرَحَتْه التّتار، وبقي معهم على صورة بعض الغلمان، ثمّ مات كمدًا، قولوا: لا ﵀.
وسار هولاكو قاصدًا إلى أذَرْبيجان فنزل إليه بدر الدين صاحب الموصل فأكرمه ورده إلى الموصل، ونزل إليه تاج الدين ابن صَلايا فقتله، فقيل: إن صاحب الموصل كان فِي نفسه من ابن صَلايا، فقال لهولاكو: هذا شريف علويّ، فربّما تطاول إلى الخلافة، ويقوم معه خلق، فلهذا قتله
стр. 14178
هولاكو، ولم تطُل لصاحب الموصل بعد ذلك حياة.
وفيها جاءت فرقة من التّتار فنازلت ميَّافارقين فحصروها.
وفيها جاءت رُسُل قاءان من بلاد ما وراء النَّهر ورُسُل هولاكو إلى صاحب الشّام، فصورة كتاب هولاكو: " يعلم سلطان ملك ناصر طال بقاؤه أنّه لما توجَّهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف الله تعالى، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدَّموها، فكان قُصارى كلامهم سببًا لهلاك نفوس تستحقّ الإذلال، فأعدمناهم أجمعين، ذلك بما قدمت أيديهم وبما كانوا يكسبون، وأما ما كان من صاحب البلدة، فإنه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديتنا، فسألناه عن أشياء كذبَنَا فيها، فاستحق الإعدام، وكان كذبُه ظاهرًا، ووجدوا ما عملوا حاضرًا، أجِبْ ملك البسيطة، ولا تقولن: قِلاعي المانعات ورجالي المقاتلات، ولقد بلغَنَا أن شَذَراتٍ من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جنابك لائذة.
أين المفرُّ ولا مفرَّ لهاربٍ … ولنا البسيطان الثَّرى والماءُ
فساعَةَ وقوفِك على كتابنا تجعل قلاع الشّام سماءها أرضًا، وطولها عرضًا، والسلامُ.
ومن كتابٍ ثانٍ: " خدمة ملك ناصر طال عُمرُه، أما بعد، فإنّا فتحنا بغدادً واستأصلنا ملْكها وملِكها، وكان ظنَّ وَقد ضنَّ بالأموال، ولم ينافس فِي الرجال أن مُلكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذِكره، ونما قَدْرُه، فخُسِفَ فِي الكمال بدْره.
إذا تم أمرٌ بدا نقْصُهُ … توقَّعْ زوالًا إذا قيل تم
ونحن فِي طلب الازدياد، على ممر الآباد، فلا تكن كالذين نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم، وأبْدِ ما فِي نفسِك، إما إمساكٌ بمعروفٍِ أو تسريحٌ بإحسان، أجبْ دعوة ملك البسيطة تأمَنْ شرّه، وتنل بِرَّه، وَاسْع إليه برجالك وأموالك، ولا تعوِّقْ رسولَنا، والسّلام ".
وفي صفر قدِم دمشق الملكُ الكامل ابن المظفَّر ابن العادل يستنجد الإسلام على التّتار، فتباشر النّاس شيئًا، ودخل البلد وزار قبر جَدّه، ثمَّ رد إلى بلاده، ولم ينفر أحدٌ لتَيَقُّن الناس بأخْذ بغداد.
стр. 14179
ووصل نحو خمسمائة فارس من عسكر العراق، ذكروا أن التّتار حالوا بينهم وبين بغداد، ثمّ جاء بعدهم نحو الثلاثمائة إلى دمشق.
وفي أثناء السّنة اشتدّ الوباء بالشام ومات خلْقٌ بحيث إنّه قيل: إنّه خرج من حلب في يوم واحدٍ ألفٌ ومائتا جنازة، وأمّا دمشق فكان فيها من المرض ما لا يحدّ ولا يوصف، واستغنى العطّارون، ونفدت الأدوية، وعزّ الأطباء إلى الغاية، وأبيع الفرُّوج بدمشق بثلاثة دراهم، وبحلب بعشرة دراهم، ومبدأ الوباء في جمادى الأولى لفساد الهواء بملحمة بغداد.
سنة سبع وخمسين وستمائة
في أوّلها سار الملك النّاصر متَّبِعًا آثار البحريَّة، فاندفعوا بين يديه إلى الكَرَك، فنزل بركة زيزا، وعزم على حصار الكَرَك وفي خدمته صاحب حماة الملك المنصور، فجاءت إليه رُسُل المغيث مع الدّار القُطْبيّة، وهي ابنة الملك الأفضل قُطُب الدّين ابن العادل يضرعون إليه في الرّضا عن المغيث، فَشَرطَ عليه أنْ يقبض على من عنده من البحريّة، فأجاب ونفَّذهم إليه على الجِمال، فبعثهم إلى قلعة حلب فحُبِسوا بها، وأمّا رُكْن الدّين البُنْدقْداري فهرب من الكَرَك في جماعة، وقدم على الملك النّاصر، فأحسن إليهم وصَفَح عنهم، ورجع وفي خدمته البُنْدُقْداري.
وفيها نزل هولاكو على آمِد، وبعث رُسُلَه إلى صاحب ماردين الملك السّعيد نجم الدّين يطلبه، فسيَّر إليه ولده الملك المظفَّر في خدمته سابق الدّين بَلَبَان، والقاضي مهذّب الدّين محمد بن مجلي، ومعهم تقادُم، واعتذر بالمرض فوافق وصولهم إليه أخْذه لقلعة اليمانيَّة وإنزاله منها حريمَ الملك الكامل صاحب ميَّافارقين، وولده الملك النّاصر يوسف ابن الكامل، والملك السّعيد عمر، وابن أخيه الملك الأشرف أحمد، والملك الصّالح أيّوب ابن الملك المشمّر ابن تاج الملوك عليّ ابن العادل، فلمّا رآهم ابن صاحب ماردين جزع وأدّى الرسالة فقيل له: ليس مرضه بصحيح وإنّما هو متمارض محافظةً للملك الناصر صاحب الشام، فإن انتصرتُ عليه اعتذر إليَّ بزيادة المرض، وإن انتصر عليَّ بقيتْ له يدٌ بيضاء عند الناصر، فلو كان
стр. 14180
للنّاصر قوةٌ يدفعني لما مكّنني من دخول هذه البلاد، وقد بلغني أنّه بعث حريمه وحريم أُمرائه وكُبراء رعَّيته إلى مصر، ولو نزل صاحبكم إليَّ رعيتُ له ذلك، ثم أمر بردّ القاضي وحده، فعاد وأخبر مخدومه بصورة الحال، فتألّم على إرساله ولده، وبعث رسولًا إلى الملك النّاصر يستحثّه على الحركة، ويعرّفه أنّه متى وصل إلى حلب قدِم إليه برجاله وأمواله، وسيَّر في الظّاهر إلى هولاكو بهديَّة، وفي الباطن إلى ولده يحرّضه على الهروب، وسيّر إلى صاحبي الرّوم عزّ الدّين ورُكْن الدّين يُنكر عليهما كونهما في خدمة هولاكو، ويقول: إنْ بَقَّى عليكما فإنّما ذلك ليُغْر الملك النّاصر، فأعمِلا الحيلة في الانفصال عنه، والحذر منه.
وفي أواخر السّنة وقعت الأراجيف بحركة التّتار نحو الشّام فانجفل الخلق.
وفي آخرها قبض الأمير سيف الدّين قُطُز المُعِزيّ على ابن أستاذه الملك المنصور عليّ ابن المُعزّ، وتسلطن ولُقِّب بالملك المظفّر، وسبب ذلك قدوم الصّاحب كمال الدّين ابن العديم رسولًا يطلب النّجدة على التّتار، فجمع قُطُز الأمراءَ والأعيان، فحضر الشَّيخ عزّ الدّين ابن عبد السلام والقاضي بدر الدّين السَّنّجاريّ، وجلس الملك المنصور في دسْت السّلطنة، فاعتمدوا على ما يقوله الشّيخ عزّ الدّين، فكان خُلاصته: إذا طرق العدوّ البلاد وَجَبَ على العالم كلّهم قتالُهُم، وجاز أن يؤخذ من الرّعيَّة ما يُستعان به على جهادهم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كلٌّ منكم على فرسه وسلاحه، ويتساووا في ذلك هم والعامَّة. وأمّا أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجُنْد من الأموال والآلات الفاخرة فلا، ثمّ بعد أيام يسيرة قبض على المنصور وقال: هذا صبيّ والوقْتُ صعْب، ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد.
وكان الأميران عَلَم الدّين الغتمي وسيف الدّين بهادر المُعزّيَّيْن حين جرى هذا المجلس غائبين لرمي البُنْدق، فاغتنم قطز غيبتهما وتسلطن، فلمّا حضرا قبض عليهما، وسيَّر القاضي برهان الدّين السَّنْجاريّ مع ابن العديم إلى الشام يعِد النّاصر بالنّجدة.